بحر المذهب للرويانيصفحات 121-160

فرع آخر قال أصحابنا: يجب أن لا يكون البناء أقل من مؤخرةَ الرجل وهو قريب من ذراع عندي، ويشترط قرب البناء منه، فإن كان حوله جدران متباعدةً لا يجوز، ولو كان في الصحراء وهذه أو شيء [86 ا/ 1] يستره جرى ذلك مجرى البنيان.
مسالة: قال: "وإن جاء من الغائط أو خرج من ذكرهِ أو دبرهِ شيء" الفصل وهذا كما قال.
عبر الشافعي بلفظ القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: (43)] وجملته أي الاستنجاء واجب عنده.
إما بالماء أو بالأحجار، فإن لم يستنج وصلى لم تجز صلاتهِ.
وبهِ قال أحمد، وإسحاق، وداود، ومالك في رواية.
وقال أبو حنيفة: الاستنجاء مستحب وليس بواجب، وهو رواية عن مالك، وبه قال المزني، وعلى هذا قاس أبو حنيفةَ النجاسةً في الثوب والبدن فجوز الصلاةً معها إذا كان قدر درهم يغلي، يريد بذلك الواسع، ولم يجوز إذا كان أكثر وقال: لو جازت النجاسةً في محل الاستنجاء قدر الدرهم لا يجوز في إزالته إلا المائع.
واحتج الشافعي عليه بالخبر الذي ذكرنا، وأيضًا فقد روي أن بعض المشركين قالوا لسلمان الفارسي - رضي الله عنه - إن صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءةَ قال: أجل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلةً أو ندبرها لغائط أو بول وأن نستنجي بأيماننا، وأن نستخم بدون ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجح "ولا عظيم.
وروى بأن أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[86 ب/ 1] قال: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثةً أحجار يستنجي بها".
فإذا تقرر هذا الكلام في فصلين: أحدها: في الجواز.
والثاني: في الأفضل فأما الأفضل.
هو أن لجمع بين الماء والأحجار، فيستعمل أولًا الأحجار، ثم الماء، لأن الله تعالى: أثنى على أهل قباء فقال تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿التوبة:08﴾ فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما هذه الطهارة التي أثنى الله عليكم بها؟ فقالوا: نحن نستنجي بالأحجار ثم نتبعها الماء فقادت عليكم به" ولأنه إذا فعل كذا يكون ألطف وأنقى وأحوط، وهذا هو معنى انتفاص الماء الذي في الخبر، وقيل: وضع الماء من الليل وتغطيته مسنون.
وأما الواجب فهو آن يقتصر على الماء أو الأحجار، والأفضل أن يقتصر على الماء، فإنه يزيل العين والأثر

بخلاف الأحجار، فإن اقتصر على الأحجار مع وجود الماء جان للخبر الذي ذكرناه خلافًا للزيديةً والهاشميةً.
وروى أبو أمامه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يطهر المؤمن ثلاثةَ أحجار، والماء أطهر".
وروي عن خزيمةً بن ثابت قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإستطابةً فقال: "ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجيع".
وروي عن عائشةً - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد لحاجتهِ فجاء عمر بماء فوقف وراءه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[87 أ/ ا] ما معك يا عمر؟ فقال: ماء نتوضأ به قال: إ لم أومر, بالماء كلما توضأت، ولو فعلت ذلك صار سنة".
ومن الناس من كره الاستنجاء بالماء لأنه طعام وهذا لا يستوي بالحكايةً.
فإذا تقرر هذا فالاقتصار على الأحجار إنما يجوز بشرطين أحدها: أن يأتي بثلاثةً أحجار.
والثاني: أن يحصل الإنقاء فإن أنقاه بحجرين يلزمه استعمال الثالث, وإن لم ينق بثلاثةً أحجار يلزمه أن يزيد حتى ينقى، وإذا جاوز الثلاث فالمستحب أن يقطع على الوتر كما ذكرنا من الخبر.
وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك وداود: الواجب هو الإنقاء فقط ولا يشترط فيه العدد.
وعند أبي حنيفةَ.
يستحب الاستنجاء.
وفي الاستحباب لا بد عن العدد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصبيحةَ ليلةً الجن وقال: ائتني بثلاثةَ أحجار فأتيته بحجرين وروثه فرس، فألقى الروثةَ وقال: لا هذا ركس أبغني ثالثا، أي أعني على طلبه - وقوله ركس أي رجيع، رد من الطهارةً إلى حال النجاسةً يقال: ركست الرجل إذا نكسته في الشر.
واحتج مالك إن المقصود هو الإنقاء؛ لأنه لو لم يحصل بثلاثةَ أحجار تلزمه الزبالةً، قيل عليه: أقضي الأمرين من العدد أو الإنقاء، ويوجد نظيره في مواضع كثيرة.
واحتجوا بأن العدد في الاستنجاء بالماء لا يعتبر كذلك [87 ب/ ا] في الاستنجاء بالأحجار.
قيل: الفرق أنه يحصل بالماء حقيقةً الطهارةً فلا يعتبر فيه العدد، وبالأحجار يحصل التخفيف، والطهارة، فيعتبر فيها العدد احتياطًا، وهذا كانقضاء العدةَ إن كان بوضع الحمل لا يراعى العدد، وإن كان بالإقراء يعتبر بالعدد، فإذا تقرر هذا فالخارج من الآدمي ضربان:

أحدهما: يوجب الغسل وهو المني والحيض والولد فلا يعتبر منه الاستنجاء لأن عليه غسل جميع البدن.
والثاني: يوجب الوضوء وهو علي ضربين معتاد ونادر، فإن كان معتادًا فعز ضربين ريح وغير ريح، فإن كان ريحًا فلا استنجاء عليه به، وإن كان عينًا كالغائط والبول فيجب الاستنجاء منه ويجوز فيه الأحجار على ما ذكرنا، وإن كان نادرًا فعلى ضربين رطب ويابس، فالرطب هو الدم والقيح والصديد يحب الاستنجاء منه قولًا واحدًا، وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟ قولان: أحدها: لا يجوز إلا الماء نص عليه في "الأم" وقوله ها هنا: أو خرج من ذكره أو دبره شيء أي ما هو معتاد، وهذا لأنه نادر لا يتكرر فلا يبق عليه استعمال الماء فيه.
والثاني: يجوز فيه الاقتصار على الأحجار نص عليه في حرملةً؛ لأنه نجس خارج من محل الحدث فأشبه المعتاد والأول أظهر.
وإن كان يابسًا كالحصاةً والنواةً والدود نظر فإن كان عليه رطوبةً [88 أ/] يلزمه الاستنجاء قولًا واحدًا.
لم تكن رطوبةً فهل يجب الاستنجاء؟ قولان: أحدها: لا يجب، وهو اختيار المزني لأنه كالريح.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يعري عن الرطوبة، وإن لم يشاهد كالبعرةً اليابسةً، وقيل في البعرةً اليابسةً التي لا بلل فيها حكمها حكم الحصاةً أيضًا، فإذا أوجبنا الاستنجاء هل تجزئ الأحجار؟ على ما ذكرنا من القولين.
وقال القفال: إذا أوجبنا الاستنجاء ها هنا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا؛ لأن النجاسة التي يتوهمها معتادةً وهذا عندي على ما قال - رحمه الله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان بناء على أن الاعتبار بالخارج أو المخرج.
فإن اعتبرنا الخارج لا تجزئ الأحجار، وإن اعتبرنا المخرج تجزئ الأحجار، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا خرج المعتاد متلوثًا بغير المعتاد.
فآما إذا خرج غير المعتاد خالصًا فلا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا، والصحيح أن لا فرق.
فإذا تقرر هذا يحرز الاستنجاء بالأحجار وبما في معنى الأحجار من الآجر والخشب والخرقة، وإن ورد النص الظاهر بالأحجار.
وقال داود: لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار.
وحكي ذلك عن زفر وهو رواية عن أحمد، وهذا غلط لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الروث والرمةً؛ لأن تخصيصها [88 ب/] بالنهي تنبيه على جوازه بغير ما - وروى الدارقطني بإسناده عن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثةً أحجار، أو ثلاثةَ أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب"، أو يقول: غير الأحجار في معناها فقسنا عليها.
وإنما ذكر الأحجار في الخبر المشهور؛ لأنها أكثر وجودًا.

فإن قيل: أليس في رمي الجمار لا يقوم غير الأحجار مقام الأحجار فكذلك هنا؟ قلنا: ذاك غير معقول المعنى وهو الإنقاء أو تخفيف النجاسةً وهذا يوجد في غير الأحجار.
فإذا تقرر هذا فخذ ما يجوز به الاستنجاء.
قال بعض أصحابنا: هو أن يكون طاهرًا منقيًا لا حرمةً له، ولا متصلًا; بحيوان، ومعنى التقى أنه يزيل العين حتى لا يبقى إلا.
أثرًا لاصقًا لا يخرجه إلا الماء.
وقال: أهل خراسان: هو أن يكون طاهرًا منشفًا لا حرمةً له.
وقيل: يدل المنشف أن يكون قالعًا.
وقيل: أن يكون جامدًا طاهرًا منقيًا غير مطعوم، وهذا أصح بالجامد لا بد منه؛ لأنه لو استنجى بغير الماء من المائعات كماء الورد ونحوه لا يجوز، ولو غسل الحجر النجس والماء عليه فأتم لا يجوز به الاستنجاء؛ لأنه يزيد تنجيسًا ولا يزيل شيئًا وإن كان نديًا زال عنه رطوبة الماء.
ولم يجف بعده فهل يجوز استعماله؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لبقاء النداوةً.
والثاني: يجوز لذهاب [89 أ/] الرطوبة وقيل: يختلف بقلة النداوةً وكثرتها فأن كانت النداوةً قليلةً فإنه يجوز، والطاهر لابد منه؛ لأنه لو استنجى بروث، أو عظم ميتة، أو حجر نجس لا يجوز فإن خالف وفعل لم يقع مرع الاستنجاء.
وقال أبو حنيفة: يقع موقعه من حيث الاستحباب، وهذا غلط للخير الذي ذكرناه، نم إذا نجس هذا المحل بنجاسةً أخرى.
هل يجوز أم يقتصر فيها على الحجر؟ فال بعض أصحابنا: يجوز؛ لأن هذه النجاسةً صارت تبعًا للنجاسةً الأولى وحصلت من حكمها، والصحيح أنة لا يجوز؛ لأن المحل نجس بغير الخارج منه، فهو كما لو استنجى بالماء ثم نجس ذلك المجل بنجس.
غير الذي خرج منه لا يجوز الاستنجاء فيه بالحجر، كذلك ها هنا.
وأما المنقي فلا بد منه، أو هو أن يكون؛ خشنًا، فإن كان أملس كالقارورة، والجحر الصماء، والسيف الصقيل، والزجاج والصفر، والرصاص لا يجوز الاستنجاء به لأنه لا ينقي العين بل يزيد المكان تلوثًا، وكذلك كل ما لا ينقي لنعومته كالخز والحرير، وللينه كالطين والشمع، أو لضعفه ورخاوته كالفحم لا يجوز الاستنجاء به، وعلى هذا الكاغد أن كان على صقالته لم يجز الاستنجاء به وإن كان برنكس جاز، وكذلك أوراق الشجر، فإن خالف واستنجي به ينظر، فإن لم يبل النجاسةً إلى محل آخر جاز وإلا فلا يجوز وهذا معنى المنشف، لأن الأملس والشيء [89 أ/] المبل لا ينشف.
وأما كونه غير مطعوم لا يدمنه ويريد بالمطعوم ما كان طعامًا لنا كالخبر والتمر ونحوه، وما كان طعامًا لإخواننا من الجن كالعظم، فلا يجوز الاستنجاء به بحال طاهرًا كان أو غير طاهر، قالعًا فإن تكون رمةً وهو العظم أو غير قالع، لأن غير الطاهر نجس والطاهر أملس أو مأكول وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال لرويفع بن ثابت الأنصاري: يا رويفع

لعل الحياةَ ستطل بك فأخبر الناس أن من استنجى بعظم أو رجيع فهو بريء من محمد".
وقال أبو حنيفة: يجوز الاستنجاء بالعظم طاهرًا كله أو نجسًا من حيث الاستحباب.
وقال مالك: يجوز بالطاهر منه فقط.
وقيل في معنى الرجيع السرقين سمي به لرجوعه عن الطهارةً إلى النجاسةً.
وقيل للرجيع: الحجر الذي قد استنجى به مرةً فإنه إذا أراد أن يستنجي به ثانيًا رجع إليه.
وروي أن الجن قالت: يا رسول الله مر أمتك أن لا يستنجوا بالعظم والروث، فإن العظم زادنا والروث علف دوابنا.
وقال أبو حنيفة: يجوز بالمأكول أيضًا كالماء المروب, وبه قال مالك، وهذا غلط لأنه نجاسةً سببها المأكول فلا تزال المأكول، وتفارق الماء؛ لأنه تدفع النجاسةً عن نفسه بخلاف هذا.
وقيل: حد مما يجوز به الاستنجاء أن يكون جامدًا طاهرًا قالعًا للنجاسةً عن محترم ولا [90 أ/ 1] مخلف، وفيه احتراز عن التراب إذا لم يجوز به الاستنجاء في أحد القولين؛ لأنه يخلف على المحل جزءًا منه.
لو استنجي بيده، أو بعقبه، أو بذنب حيوان، أو عضو من أعضائه أو صوف على ظهره، قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه جامد طاهر منقي غير مطعوم، وهذا هو اختيار أبي حامد وجماعةً.
وقال بعضهم: لا يجوز وهو اختيار القاضي الطبري وجماعةً؛ لأنه إذا لم يجز بالطعام والعظم للنهي، وإن كان يحصل يهما الإنقاء، فلأن لا يجوز بما له حرمةً أولى، ولأن الرخصةً لا تتعلق بالمنهي.
وقيل: إن استنجي بيد نفسه لا يجوز، وإن استنجي بيد غيره يجوز، كالسجود على يد نفسه لا يجوز، وعلى يد غيره يجوز، وهذا يحكى عن أبي حامد، ولا معنى لهذا الفرق، ولا لهذا القياس.
فرع أخر لو استنجى بالذهب، أو الفضةَ، أو حجارةً الحرم من أصحابنا من قال لا يجوز كالمأكول للحرمةً.
والثاني: يجوز لأن لماء زمزم حرمةٌ تمنع من الاستنجاء، ولو استنجى به فإنه يجوز بالإجماع.
فرع الاستنجاء باللحم لا يجوز لأنه يؤكل بعد عمد، ولو استنجى بحيوان فيه وجهان، والصحيح جوازه لأنه غير مأكول، ويحرم أكله حيًا.
بخلاف اللحم الني، وهذا إذا لم يكن فيه من النعومةً واللين ما يمنع الإزالة.

فرع آخر اليقطين يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا فلا يجوز الاستنجاء به رطبًا ويجوز [90 ب/ ا] يابسًا، ويجوز الاستنجاء بنوى الثمار المأكولةً، ويجوز بقشر الرمان، وهكذا لو استنجى برمانةً حبها فيها جاز؛ لأن المباشرةً في الاستنجاء.
كانت بقشرها وهو غير مأكول.
فرع لو كان قشره قد يؤكل رطبًا ويابسًا كالبطيخ لا يجوز بحال، وإن كان قشره يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا كاللوز والباقلاء يجوز يابسًا ولا يجوز رطبًا.
فرع آخر كلما تأكله البهائم والآدميون.
فإن كان أكل الآدميين له أكثر فلا يجوز الاستنجاء به.
وإن استويا فيه مخرجان من اختلاف أصحابنا في ثبوت الدنيا فيه.
فرع آخر لو استنجى بالمصحف أو بكتاب الفقه والأخبار هل تقع الموقع؟ فيه وجهان بناء على ما ذكرنا من الخبرين، ولا شك أنه يعصي به إن كان عالمًا بل ويكفر للاستهزاء به.
أو قيل في الاستنجاء بالخبز مع العصيان وجهان وليس بشيء.
فرع لو جعل الثلاثةً من ثلاثةً أصناف أجناس خشب وخرق وحجر فاستنجى به أجزأه، ولو استنجي بالخرقة مرة لا يجوز أن يستنجي بالوجه الآخر منها؛ لأنه يصل هذا النحو إلى الوجه الأخر مصير الكل نجسًا، ولو لف بعض الخرقةً على بعض حتى صارت النجاةَ الأولى من دون عليها من الخرقةَ أجزأه.
فرع أخر نص الشافعي على جواز الاستنجاء بالآجر قال أصحابنا [91 ب/ ا] هذا: على عادةً الناس في عصره بمصر والحجاز، فإنهم كانوا لا يخلطون السرقين بترابه بل كانوا يخلطوا به البن والرماد، وكذا أهل العراق في الأول لم يكونوا يخلطون الروث، والآن يخلطون الروث فعلى هذا لا يجوز الاستنجاء به إليهم.
ومن أصحابنا من قال: علم الشافعي بطرح الرقين فيه ولكنه أجازه؛ لأن النار تحرق الرقين فلا تبقي منه شيء، فإذا غسل الآجر بعده طهر ظاهره ويجوز الاستنجاء به حينئذ.
وإن كسره لا يجوز الاستنجاء بظاهر موضع الكسر حتى يغسله أيضًا؛ لأن النار تأتي على الرقين الباطن فتخرقه أيضًا.
وقال أبو حامد: لا يجوز بموضع الكسر أصلًا، وأراد واش أعلم إذا لم يحترق الرقين الذي على ظاهر موضح الكسر.
فرع آخر لو استنجى بالتراب.
قال في "البويطي": لا أكره الاستنجاء باللبان، ولا بورق

الشجر، ولا بالتراب.
قال أصحابنا: أراد به المدر الصلب الذي تتهيأ إزالة النجاسةُ به، فإن كان متناثرًا لا يجوز؛ لأنه لا يقني النجاسةً بل يلتصق بعض التراب بالنجاسةً.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بكل تراب والأول أصح.
فرع آخر قال من رواية الربيع: يجوز الاستنجاء بالفحم وروي، يجوز الاستنجاء بالمقاييس.
وقال في روايةَ "البويطي": لا يجوز بالحممةُ فقيل قولان والصحيح أنه على [91 ب/ ا] حالين: فإن كان صلبًا بحيث لا يلتصق بشرته من السواد إلا قدر ما يلتصق من المدر يجوز.
وإن كان رخوًا لا يجوز.
وروى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاستنجاء بالحممة.
فرع لو بقي ما لا يزول بالحج، ولكن يزول بالخرقةً وصفات الخرق ظاهر مذهب الشافعي.
وبه قال عامةُ أصحابنا يلزمه إزالته لأنه يمكن أزالته بعين الماء، وفيه وجه آخر لا يلزمه إزالته؛ لأنه لما كان فرصةً سقط بالأحجار لؤمه آنفًا ما يزول بالأحجار.
هكذا ذكره صاحب الحاوي وعندي الصحيح الوجه الثاني وهو المذهب؛ لأن الأحجار هي الأصل في الاستنجاء على ما ورد به الشرع وجرت به العادةً.
مسألة: قال: "ولا تستنجي بحجر قد مسح به مرةً إلا أن يكون قد ظهر بالماء" وهذا كما قال معناه طهر بالماء وجف بعد بطهارته؛ لأنه قيد بالماء ونص في الإملاء على أنه إذا زال الأثر بالشمس يطهر من غير غسل.
وبه قال أبو حنيفةَ، والأصح الأول فإذا قلنا بقول الإملاء.
فلو جف بالظل حتى زال.
الأثر قولان أيضًا، وكذلك القولان في أرض نجسة جنت بالشمس أو بالظل، وقيل: إنه مرتب.
فإن قلنا بالشمس لا تطهر فبالظل أولى.
[92 أ/] وإن قلنا بالنص يطهر يفي الظل قولان.
فإن قيل: أليس كره الشافعي أن يرمي بحجر قد رمي به مرة، فلم لا يكره ها هنا؟ قيل: لأنه قد قيل: إن ما يقبل منه يرفع، وها لم يقبل منه يترك هناك، فكره الرمي كغير المقبول، وها هنا القصد إزالةُ النجاسةَ يحجر طاهر، وقد وجد ذلك.
فإن قيل: أليس لو شهد بحق ثم أعاد الشهادة فإنما لا.
تقبل فكذلك لا يجوز إعادة الاستنجاء الحجر الأول.
قيل: الفرق.
هو أن القصد من الشهادة أن يغلب على الظن صدق الشهود في شهادتهم وبالتكرار لا يحصل عليه الظن، وها هنا القصد ما ذكرنا فافترقا.
فإن قيل: أليس بالماء المستعمل لا يجوز التطهر فكيف جاز بالحجر المستعمل؟ قلنا: لأن الماء قد؛ أزال مانعًا من الصلاةً بخلاف الحجر.

فرع لو شك هل استنجي به مرة أم لا.
قال في "الأم": كرهت له أن يستنجي بهَ، فإن استنجى أجزأه لأن الأصل الطهارة.
فرع إذا استنجى بحجر ولم يتلوث بالنجاسةً ثم أراد أن يستنجى به ثانيًا ففيه وجهان: أحدها: لا يجوز كالتراب المستعمل في التيمم.
والثاني: يجوز كالدواء المستعمل في دفع الجلد يستعمل في غيره، وليس كالماء المستعمل؛ لأنه أزال الحدث عن البدن والتراب في التيمم أزال حكمه في الحال، أو الحجر لا يزيل النجاسةً تحقيقًا، فإذا [92 أ/] كان حكم النجاسةً ثابت للمحل لم ينتقل الحكم إلى الحجر.
مسألةً: قال: "والاستنجاء من البول هو كالاستنجاء من الخلاء").
وهذا كما قال أراد به أن يجب من البول ويقيم ساعةُ تم ينشر ذكره ثلاثًا قبل الاستنجاء بيده اليسرى، وهو أن يضع إصبعه على ابتداء مجرى بوله، وهو من عند حلقة الدبر ثم يسلت المجرى بتلك الأصبع إلى رأس الذكر.
وهذا لما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات" والنتر هو الدلك الشديد - وقيل: يمسك الذكر بيده اليسرى ويضع أصبع يده اليمنى على ابتداء المجرى، فإذا انتهى إلى الذكر نشر الذكر باليسرى، وهذا أمكن حكاه الساجي.
والأصل في هذا ما روي آن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تنزهوا من البول، فإن عامةُ عذاب القبر منه، وروي أبو هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال "عذاب القبر من البول والنميمة فإياكم وذلك".
روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمةَ، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول" وروى: "لا يتنزه" فإن استنجى بعد انقطاعه ولم ينشر جاز، لأن الظاهر أن بوله قد انقطع.
وحكي بن الحسن بن صالح أن البول يخرج [92 أ/] ما لم يغسل بالماء، فإذا غسل انقطع ويكون الماء كالجسم له.
وقال الأوزاعي: من أشفق أن يكون في إحليله شيء من

البول فليمش خطوة أو خطوتين فإنه ستنزل ما أشفق منه، وهذا عندي حسن مستحب.
فرع قال أصحابنا: يكره أن يحشو الإحليل بقطنةٍ؛ لأنه لم يعقل بين الصحابة وفيه تشديد.
مسألة: قال: "ويستنجي بشماله" وهذا كما قال: يكره الاستنجاء باليمين للخبر الذي ذكرنا ين سلمان الفارس.
رضي الله عنه - وقالت عائشةٌ وحفصةٌ - رضي الله عنها: كان يمين رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره للاستنجاء وغيره من الأذى وروى أنه قال: "إن الشيطان يأكل بيساره ويستنجي بيمينه فكلوا باليمين واستنجوا باليسار " وروي أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وإذا خلا فلا يستنجى بيمينه" قال أصحابنا: ويستحب أن يستعين بيمينه في شيء من الاستنجاء، فإن كان يستنجي من الغائط أخذ الحجر بشماله واستنجى به، وإن كان يستنجي من البول فإن كان الحجر كبيرًا أو جدارًا أخذ الذكر بشمالهِ وآمر عليه في ثلاثةُ مواضع، ولا يمر مرتين على موضع واحد، فإن فعل فإنه لا يجزي إلا الماء.
وإن كان الحجر صغيرًا فإن أمكن أن يجعله بين [93 أ/] عقبيهِ وأمر ذكره عليه فعل، وإن لم يمكنه أخذ الحجر بيمينه والقضيب بيساره ثم يمره على الحجر، ولا يمر الحجر على الغضون ولا يحرك اليمين لئلا يكون مستنجيًا باليمين، وهذا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهىَ عن مس الذكر بيمينه" ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يأخذ بيساره الحجر لأنها المقصود بالاستنجاء، ويكون ذكره بيمناه.
فعلى هذا الوجه ينبغي أن يمسح الحجر على ذكره هكذا ذكره صاحب "الحاوي" والأول أصح وأظهر وان كان يستنجي بالماء صب الماء بيمينه ومسحه بيساره، وإن كان أقطع اليسرى أو كان بها عِلةً استنجى بيمينه للضرورة.
فرع لو بال وجف لا يستنجى بالحجر، ولو تغوط وجف ثم استنجى بالحجر.
قال أصحابنا: لا يجوز لأن الحجر لا يزيل النجاسةً الجامدةُ، والأصح أن يقال:

إن كان يقلعها الحجر جاز وإلا فلا يجوز إلا الماء.
فرع إذا استنجى من الغائط بالماء ما يقع له العلم بزوال النجاسةُ عينًا وأثرًا، فإن شم من أصبعه اليسرى الوسطى رائحةُ النجاسةُ هل يكون دليلًا على بقاء النجاسةً في محل الاستنجاء؟ وجهان: أحدها: يدل على بقائها، ولا يسقط فرص الاستنجاء؛ لأن ذلك يكون لتعديها من محل الاستنجاء فعلى هذا يكون المستنجي مندوبًا إلى ثم أصبعه.
والثاني [94/ 1]: أنه لا يدل على بقاء النجاسةَ هناك؛ لأن بقاء النجاسةَ في عضو لا يدل على بقائها في غيره.
فعلى هذا لا يكون المستنجي لأجل الاستنجاء مندوبًا إلى شم أصبعه.
ذكره ني الحاوي.
فرع آخر قال أصحابنا: شرط من يستنجى بالحجر أنه لا يقوم عن موضع الغائط؛ لأن بالقيام تنطبق الآليتان فتنقل النجاسةً من مكان إلى مكان.
مسألة: قال: "وإن استطاب بما يقوم مقام الحجارة" الفصل إلى قوله: "مًا لَم يَعُدُ الْمُجرج، وهذا كما قال: ذكرنا ما يجوز به الاستنجاء والكلام الآن في الموضع الذي يجوز استعمال الأحجار فيه، والذي لا يجوز بالذي نقل المزني أن الحجارة تجوز ما لم يعد المخرج - أي ما لم تجاوز.
فإن عدد المخرج لا يجوز إلا الماء.
ونقل عن القديم أنه يجوز إذا لم ينتشر فرق العادةَ في ذلك الموضع وحوله.
ونقل الريح وذكره في "لأم" وحرملةُ يجوز ما لم يخرج إلى ظاهر الآليتين.
وفيه ثلاث مسائل: إحداها: إذا لم يعد المخرج بحالٍ أو عداه ولكن انتشر حول حلقة الدبر على المادةُ ولم يرد أجزأه الحجارةً قولًا واحدًا، نص عليه في جميع كتبه، وغلط المزني فيما نقله، ولا يعرف الشافعي ذلك، ولعله سقط عن المزني قوله وحوله، وأراد وحوله فتركه اختصارًا, وذكر في "البويطي": يجوز الاستنجاء بالأحجار ما لم يعد الشرح، وهو أيضًا غلط، وأراد وحوله أيضًا وهذا لأن [(94) ب/] وصول النجاسةً إلى هذا الموضع يكثر ويتكرر، ولا يتصور أن لا يتعدى المخرج فيشق فيه استعمال الماء، وعلى هذا لو تقاطر إليه بعد الانفصال عنه لا يجوز فيه إلا الماء، وإن كان قريبًا من المخرج بحيث يشير إليه في العادةً ثم إن أمكنه غسل ذلك المتقاطر والاستنجاء بالأحجار في موضع

(الخروج) فعل، وإن لم يمكنه ذلك لتقاربها واتصال أحدهما بالآخر لا يجوز في كله إلا الماء.
والثانيةُ: أن يزيد على ذلك إلى ما بين الآليتين ولم يظهر على الآليتين هل تجزيه الحجارة؟ قولان: أحدها: يجزيه لأن قوت المهاجرين كان النمر وهو يلين الطبع فتصل النجاسةً غالبًا إلى هذا الموضع، وكانوا يستنجون بالأحجار.
والثاني: لا يجوز لأنه نادر وأراد بما ذكر في "الأم" وحرملة ما فسره في القديم وهذا أقيس.
والأول ظاهر المذهب.
والثالثةُ: أن يظهر على الآليتين فلا يجوز فما ظهر على الآليتين إلا الماء قولًا واحدًا، وفيما يظن على القولين اللذين ذكرناهما هكذا أطلق أصحابنا، وهذا عندي إن أمكن الفصل بين ما.
يغسل وبين ما يستعمل فيه الحجر ويبعد ذلك أومن أصحابنا من قال: في المسألةً ثلاث أقوال تجعل رواية.
المزني قولًا وما قل في "القديم" قولا ثانيًا.. وما قال في "الأم" قولًا ثالثًا، وهذا ليس بشيء وأما البول قال أبو إسحاق في "الشرح"، إذا جاوز البول مخرجه حتى رجع على الذكر أو [5 أ/] أسفله لم يطهره إلا الماء، وليس الذكر كالدبر، لأن ما يخرج من الدبر لا بد من أن ينتشر، وما يخرج من الذكر لا ينتشر.
وهكذا ذكر "البويطي" فقيل قول واحد في هذه المسألةً.
وقال القاضي الطبري: رأيت في "الأم" قال:.إذا انتشر البول إلى ما أقبل على الثقب أجزأه الاستنجاء، فإن جاوز ذلك الموضع لم يجز فيما جاوز إلا الماء.
وهذا قول آخر.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاث مسائل: إن انتشر قدر العادةً جاز فيه استعمال الأحجار، وإن جاوز موضع القطع إلى باطن الذكر أو ظاهره أو جنبيه لم يجز فيه استعمال الأحجار.
وإن جاوز المعتاد ولكن لم يخرج عن موضع القطع فيه قولان أو هذا غير صحيح لما ذكرنا من النص.
فصل في كيفية الاستنجاء اعلم أن الواجب أن يستنجي بثلاثةَ أحجار يعم بكل حجر منها المحل.
فإن بقي شيء زاد حتى ينقي.
وقد روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يفي أحدكم إذا قضى حاجته أن يستنجي بثلاثةَ أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربةَ".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقبل بحجر ويدبر بحجر ويطلق الثالث" واختلف أصحابنا

في هذا على وجهين.
قال أبو إسحاق: صورته أن يأخذ حجرًا ويضعف على مقدم صفحته المنى ثم يذهب به إلى آخرها، ثم يضع الثاني على مؤخر صفحته اليسرى، ثم يمره إلى آخرها، [95 ب/ ا] ثم يضع الثالث على الصفحتين فيمسحهما معًا به.
وقال ابن أبي مريرةُ: يضع الأول على مقدم صفحته اليمنى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يضع الثاني على مقدم صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر اليمنى، ثم يمره إلى آخرها حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يطلق بالثالث على الصفحتين معًا، وهذا أصح؛ لأن العدد المعتبر في إزالة النجاسةً من شرطه أن يعم المكان بكل مرةً كما قلنا في عدد غسل الإناء، ولوغ الكلب، وعلى ما قال أبو إسحاق لا يوجد هذا، وعلى هذا ينبغي آن يدير الدم الذي يستنجي به في يده قليلًا حتى لا تصيب النجاسة موضعا أخر بل كما يصبب متجافي عن البدن.
فرع قال الشافعي والبكر والثيب في الاستنجاء سواء.
قال أصحابنا: أما في الغائط فالرجل والمرأة سواء فلا إشكال.
وأما في البول إن كانت بكرًا ففرجها سدود وفيه ثقبتان، ثقبه للبول في أعلا فرجها كالإحليل، وثقبه في أسفل الفرج وهر مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد.
فإذا اقتضت انشقت الثقبةُ التي يخرج منها الحيض وتصير ثيبًا، فالبول يخرج من البكر في أعلا فرجها ولا يدخل في فرجها شيء منه، فالحجارةً تجزيها.
وأما الثيب [96 ب/ ا] فربما ينزل البول إلى فرجها - يعني موضع الحيض - فإن علمت أنه لم يزل فهي كالبكر، وإن علمت أنه ينزل في فرجها فلابد من غسل ما أصابه البول من فرجها.
وأطلق أصحابنا أنه لا يجوز لها الاستنجاء بالأحجار، لأن الغالب أن البرد ينزل في مدخل الذكر ويتاحشَ.
وقيل نص الشافعي في "الأم" أن لها أن تستنجي بالأحجار لأن منفذ البول لم يتغير بزوال البكارة فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع قال الشافعي: فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع من دم الحيض أو البول لا يجزيها إذا لم تكن عذراء إلا إدخال الماء في فرجها وشبهه الشافعي بما بين الأصابع، وظاهره أنه لا يبطل صومها به ويجزيها إذا كانت عذراء ما دون العذرةً.
قال أصحابنا: وإنما يجب إيصال الماء إلى الموضع الذي يظهر عند جلوسها وقيامها فأما ما عدا ذلك فهو في حكم الباطن ويبطل الصوم بوصول الواصل إليه فلا يكلفا إيصال الماء إليه.
فرع آخر لا يحوز للخُنثىَ أن يستنجى بالحجر إلا من الغائط.
فأما في المبالين فلا يجوز الماء ما دام مشكلًا لأن القبل أحدهما والآخر العضو الزائد ففي حال الإشكال يقع الاستنجاء في العضو الزائد فلا يجوز.

مسألةُ: قال: "والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزئ وبالعظم فلا يجزئ" وهذا كما قال الاستنجاء باليمين يكره ولكن لو فعل جاز.
وقال [96 ب/ ا] داود: لا يجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينه وبين الاستنجاء بالعظم في النهي، وهذا غلط، والفرق ما ذكره الشافعي؛ وهو أن النهى هناك لا لمعنى يعود إلى الآلة لأن الآلة صالحة للاستنجاء وهو الحجر الذي في يده اليمنى وإنما النهي لمعنى الأدب فجاز، وفي العظم النهي لمعنى في الآلة فلا يجوز، وهذا كالوضوء لا يجوز بالماء النجس ولكنه يجوز بالماء في الإناء المغصوب وكذلك لا يجوز الذي بسن أو ظفر ويجوز بسكين مغصوب، وإن أثم بغصبه.
فإن قيل: أليس لو توضأ بالماء المغصوب يجوز فلم يجوز بالعظم إذا أنقى؟ قيل: لأن الاستنجاء بالجامد رخصةً للمشقةً فإذا كان محرمًا لم تحصل الرخصة، كسفر المعصية لا يترخص به بخلاف ذلك.
وقول المزني والعظم ليس بطاهر غلط، وإنما قال الشافعي: والعظم ليس بنظيف.
ومعناه أنه لا يخلو عن دسومةً وزهومةً فلا ينظف؛ لأن من العظم ما هو طاهر بمظهر.
وقيل: إنه تعلل من المزني للعظم النجس.
مسألة: قال: "وَلَا بَأسَ بِالْجِلِد الْمَدْبُوغِ أنْ يُسْتَطَابَ بِهِ" وهذا كما قال: الجلد على ضربين جلد طاهر وجلد نجس فأما النجس فلا يجوز الاستنجاء بلا إشكال.
وأما الطاهر فعلى ضربين أحدها: أن يكون مدبوغًا والثاني: [97 أ/ 1] أن يكون غير مدبوغ، فإن كان مدبوغًا ففيه قولان: أحدها: يجوز الاستنجاء به سواء كان جلدها يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل، وهو الأصح نص عليه في "الأم" كأنه إن كان لينًا فهو كالخرقةً، وإن كان خشنًا فهو كالحجر.
والثاني: لا يجوز نص عليه في حرملةٍ لأنه كالعظم وقد الشاة فتؤكل بجلدها، وهذا لا يصح، لأنه لا يقعد الأكل في العادة فلا يعد مأكولًا، وهذا في جلد الميتةً بعد الدباغ: إن قلنا: يجوز بيعه يجوز الاستنجاء به قولًا واحدًا، وإن قلنا: لا يجوز بيعه فهل يجوز الاستنجاء به؟ ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأنه لما جعل في حكم الميتةً في تحريم البيع كذلك في تحريم الاستنجاء.
والثاني: يجوز وهذا لا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هلا أخذوا أهابها قد بغوه فانتفعوا به" وهذا هو من جملةً الانتفاع به بخلاف البيع.
ومن أصحابنا من قال هذا على اختلاف حالين بالذي قال يجوز إذا كان قديمًا يابسًا والذي قال لا يجوز هو إذا كان طريًا لينًا وقيل: الذي قال يجوز أراد به ظاهر الجلد وخارجه؛ لأنه خارج عن حال

اللحم لخشونتهِ وغلظهِ.
والذي قال: لا يجوز أراد به باطن الجلد وداخله لأنه باللحم أشبه، وهذا ليس بالشيء، وإن لم يكن مدبوغًا ولكنه جلد مذكاةً فيه قولان قال في "الأم" وحرملةً لا يجوز الاستنجاء به [97 ب/ 1] وهو أشبه الأشياء بالعظم، ولأنه طبعه طبع اللحم وهذا هو الصحيح.
وقال في "البويطي": يجوز.
ومن أصحابنا: من قال: لا يجوز قولًا واحدًا، وأراد بما قال في "البويطي" بعد الدباغ؛ لأنه أطلق وبعد الدباغ يجوز قولًا واحدًا.
وآما الجانب الذي يلي الصوف أو الشعر فلا إشكال أنه يجوز؛ لأنه يبقى وليس بطعام.
فرع لو احترق العظم بالنار حتى ذهبت سهركته ولزوجته وخرج عن حاله، كان ميتًا لا يجوز لأنه نجس، وإن كان مذكى ففيه وجهان: أحدهما: يجوز الاستنجاء به لأن النار قد أحالته عن حاله فصارت كالدباغةً قيل الجلد المزكي كما كان عليه إلى حال يجوز الاستنجاء به.
والثاني: لا يجوز لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الرمةً - والرمةً هي اسم البالي - فلا فرق بين أن يصير باليًا بالنار، والفرق بين النار في العظم وبين الدباغةً في الجلد، أن الدباغةً تنقل الجلد إلى حالةً زائدةً، فأفادت حمًا زائدًا، والنار تنقل العظم إلى حالةً ناقصةً فكان, أولى أن يصير حكمه ناقصًا ذكره في "الحاوي".
مسالة: قال "وَإنْ اسْتَطَابَ بِحَجَرٍ لهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ كَانَ كَثلَاثةِ أَحْجَارٍ".
وهذا كما قال إذا استنجي بحجر له ثلاثة أحرف ومسح بكل حرف مسحة جاز، والعدد المشروط في الاستنجاء ليس [98 أ/ 1] عدد الأحجار؛ بل عدد المسحات بالمواضع الطاهرة.
وقوله: إذا بقي أراد أن لا تصل النجاسةً من حرف إلى حرف آخر.
وقال داود، وأهد الظاهر: لا يجوز ولا بد من عدد الثلاث، فقال الشافعي: أرأيت لو استنجى بثلاثةً مواضع من جبل أما يجزيه؟ وقد روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليمسح بثلاث مسحات" ولأن القصد قلع النجاسةَ مع العدد.
وقد وجد ذلك فإذا تقرر هذا فالمستحب آن يمح بثلاثةً أحجار متفرقةً نص عليه.
مسألةً: قال: "وَلَا يُجزِي أن يَسْتَطيبَ بِعَظْمٍ وَلا نَجِس".
وهذا كما قال: روى نجِس بكسر الجيم- وروى: نجَس بالفتح ومن روى بالفتح جعله صفة للعظم، فمعناه لا يجزي أن يستطيب بعظم وليس بنجس ومن روى الفتح جعله ابتداء نهى عن الاستنجاء بالنجاسةَ.
وقد ذكرنا ما قيل فيه.

فرع لو تغوط آو بال ثم توضأ قبل الاستنجاء جاز وضوءه، وكان الاستنجاء باقيًا عليه.
فإن أحب اقتصر إلى الماء أو على الحجارةَ، ويتوقى أن لا تمس يده قبله أو دبره، فإنه يلف على يده خرقةً، فإنه إن مسه بطل وضوءه نص عليه في "البويطي" وغيره ولو تيمم قال الاستنجاء في "الأم" "والبويطي": لا يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر أنه يجوز.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال- فيه قولان: أحدها: لا يحوز وهو المشهور؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبح [98 ب/ 1] الصلاة، فإذا فعله على وجه لا يستبيح به الصلاة لم يجز كما لو تيمم قبل دخول وقت الصلاةً بخلاف الوضوء، وأيضًا إذا تيمم يلزمه طلب ما يستنجى به، ولا يتعين له الحجر بل الماء والحجر، فإذا قد وجب عليه طلب الماء فبطل التيمم بوجوب طلب الماء، وهذا لا يوجد في الوضوء.
والثاني: يجوز قياسًا على الوضوء، وهذا اختيار القاضي الطبري قال: وهذا أقيس، وليس على القول الآخر دليل يصح عندي.
وقال صاحب "الإفصاح": في الوضوء والتيمم قولان.
وحكي المزني في المشهور عن الشافعي أن الوضوء قبل الاستنجاء لا يجوز، ووجهه أن خروج الحدث هو الوجب فلا يصح فعله مع بقاء موجبه، ألا ترى أنه لا يصح الغسل من الحيضةً مع اتصاله.
ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره المزني لا يعرف للشافعي والمسألة على قول واحد في الوضوء أنه يجوز وهو الصحيح، وقيل: في التيمم قول واحد ولا يجوز، وما ذكره الربيع فمن كتبه وتخريجه.
فرع آخر لو كانت النجاسةً على بدنه سوى موضع الاستنجاء.
قال بعض أصحابنا قول واحد هاهنا يجوز الضوء والتيمم قبل غسله، والفرق أن التيمم لا يستباح به الصلاة من هذه النجاسةً فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسةُ النجو، أو يقول خروج النجاسةً من محل [99 أ/ 1] الاستنجاء ينتقض الطير فبقاء النجاسةَ عليه يمنع صحة التيمم بخلاف خروج النجاسةَ من غير موضعها وهذا هو اختيار صاحب الإفصاح.
وقال غيره: فيه وجهان: أحدها: لا يجوز تيممه وهو الأقيس.
وقيل: نص عليه في "الأم" والفرق ضعيف.
والثاني: يجوز على ما ذكرنا.
فرع آخر لو تيمم ثم حدث على بدنه نجاسةً قال بعض أصحابنا: هل يبطل تيممه فيه وجهان كما لو تيمم ثم ارتد لأن النجاسةَ تمنع الصلاةً كالردةُ.

فصل في آداب الخلاء أعلم أنها أحد وعشرون أدبًا أحد عشر منها يختص بمكان الاستنجاء وغيره يختص بالمستنجي في نفسه، أما في مكان الاستنجاء فالأبعاد عن أبصار الناس إلى حيث لا يراه أحد، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد قضاء حاجته أبعد المذهب.
وروي أنه كان يذهب بحاجته إلى المعمس وهي على ميل من المدينة.
وثاني: أن يستتر بستره لئلا يراه مارا ما بربوة أو شجرة أو في وهذه فإن لم يجد جمع رملا وجلس خلفه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحدثوا في القزع فإنه مأوى الخافين" والفزع الموضع الذي لا بنيان فيه، وهو مأخوذ من فزع الناس الذي لا شعر فيه، وقوله: مأوي الخافين: مأوى الجن سموا خافين لاستخفائهم [99 ب/ 1]، وفي البنيان لا يحتاج إلى هذا؛ لأن موضع الخلاء مهيأ مستور.
الثالث: أن يتوفي مهاب الريح لأنها ترده عليه.
والرابع: أن يرتاد لبوله أرضًا لينة رمالًا أو ترابًا فإن لم يجد دق الأرض بشيء حتى يلين فلا يترشش عليه لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله".
وروي لأنه كان يرتاد لبوله كما يرتاد أحدكم منزله.
وقال أبو موسي الأشعري: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدار وبال ثم قال هذا والدمث: المكان السهل الذي يتخذ فيه البول فلا يرتد على البائل وقوله: فليرتد: أي ليطلب وليتحرك والأشبه أن ذلك الجدار غير مملوك لأحد لأنه لا يجوز ذلك في ملك أحد.
والخامس أن يتوقى البول في ثقب أو سرب أو شقاق لما روى عبد الله بن سرخس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في حجر.
ولأنه لا يأمن أن يخرج منه حيوان يلسع ذكره.
وحكى أن سعد بن عبادة بال في حجر بالشام فاستلقى ميتًا فسمع الجن تنوح عليه بالمدينة: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة... رميناه بسهمين فلم تُخط فؤاده والسادس: أن يتوفي الجدار وقوارع الطرق والمواضع [100/ أ] التي يجلس فيها الناس أو تنولها السيارة لئلا يتأذوا بها، وهذا لما روى معاذ بن جبل أن البني صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد، وهي طرق الماء وقارعة الطريق، والظل".
وروى أبو هريرة أن النبي قال:"اتقوا اللعانين" قيل: وما

اللعانان يا رسول الله قال:" (الذي) يتخلى في طريق الناس أو ظلهم".
وأراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقبلًا.
والسابع: أن لا يبول في مساقط البحار تحت الأشجار المثمرة فتنجس ويكره ذلك.
والثامن: أن يتوفي في القبور أو قريبًا منها لحرمة أهلها.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط عليه فكأنما جلس على جمرة".
والتاسع: أن لا يبول في الماء القليل الجاري لا يغتسل به طهورًا ومشروبًا، ولا يبول في الماء الراكد.
والعاشر: يستحب أن لا يستقبل فرجه الشمس والقمر.
فإن خالف لا يأثم.
والحادي عشر: يكره له أن يبول في موضع ويتوضأ فيه لما روى عبد الله بن معقل أن النبي قال:" لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فإن غلبة الوسواس منه.
وأما الآداب التي في نفسه فعشرة: أحدها: أن ينزع الخاتم قبل دخوله ويضعه إذا كان عليه أسم الله تعالى روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم [100 ب/ 1] اتخذ خاتمًا فكان إذا دخل الخلاء وضعه.
وإنما وضعه لأنه كان عليه أسم الله تعالى محمد سطر ورسول سطر والله سطر.
قال أصحابنا: ويستحب أن يفارق الدينار والدرهم لأن فيه أسم الله تعالى كالخاتم.
وروت عائشة-رضي الله عتها- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه أو يحوله من يساره إلى يمينه.
وبه قال بعض أصحابنا وروى: أنه كان يلبس خاتمه في يساره فإذا أراد أن يستنجس حوله من يساره إلى يمينه.
والثاني: أن يقدم رجله اليسرى عند دخوله ويؤخر اليمنى ويقدم اليمنى عند خروجه منه، فإن الموضع الشريف يقدم اليمنى وهذا موضع خسيس.
والثالث: أن يقول عند دخوله بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث لقوله صلى الله عليه وسلم:" إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وأراد أن تحضرها الشياطين وتترصدها بالأذى والفساد؛

لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى.
قال أبو عبيد: الخبث: الشر والخبائث: هم الشياطين.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ستر ما بين عورات أمتي وأعين الجن إن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله".
وروي أنه كان يقول إذا دخل: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث [101/ أ] والخبائث والرجس والنجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم.
وعن بعض السلف أنه قال: عند الاستنجاء: اللهم أجعلني من الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، وهذا يحمل في غير الكنيف أن لا يكون مكروهًا، ويقول عند خروجه: غفرانك الحمد لله الذي أفنى طعمه وأبقى في جسدي منفعته، وأخرج عن ي فقالت عائشة -رضي الله عنها- كان رسوب الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: غفرانك.
والغفران مصدر كالمغفرة، وفيه إضمار الطلب والمسألة كأنه يقول: اللهم إني أسألك غفرانك.
وروى طاوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خرج أحدكم من الخلاء فليقل الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأميك عليَّ ما ينفعني".
والرابع: أن لا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض لما روى عن رسول الله صلى الله عليه السلام قال:" إذا قضى أحدكم حاجته فلا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض".
والخامس: أن يعتد على رجله اليسرى وينصب اليمنى عند قعوده عن الخلاء ويضم أحد فخذيه إلى الآخر.
روى في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل هكذا وقال سراقة بن مالك: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى.
والسادس: يستجب له أن [101 ب/ 1] لا يبول قائمًا ويجلس لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه"نهى عن البول في الهواء".
وروى عن عمر-رضي الله عنه- أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم.
وروى مسلم عن ابن مسعود-رضي الله عنه- وقال عمر-رضي الله عنه- ما بلت قائمًا منذ أسلمت.
فإن قيل: فما تأويل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال

قائمًا.
ورواه حذيفة قلنا: البساطة: هي ملقى التراب، والقمام ونحوه ولعلع لم يجد للقعود مكانًا فاضطر إلى القيام.
وقيل: أنه كان برجله جرح فلم يتمكن من القعود معه.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائمًا من جرح كان بمأبضه.
المأبض: هو ما تحت الركبة من كل حيوان.
وروي عن الشافعي-رضي الله عنه أنه قال: كان العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا.
فلعله كان به إذ ذاك وجع القلب والله أعلم.
وهذا الآن المعتاد من فعله أنه كان يبول قائمًا وهو المستحسن في العادات لئلا يترشش عليه، فإن قيل: فما تأويل ما روى عن عمر-رضي الله عنه- أنه بال قائمًا.
وقال: البول قائمًا أحسن للدبر؟ قلنا: أرد إذا تفاج قاعدًا استرخت مقعدته، وإذا كان قائمًا كان أحسن لها.
ولعل هذا كان منه لعذر بدليل ما ذكرنا.
والسابع: أن ينثر ذكره ثلاثًا بعد أن يتنحنح لتخرج بقايا بوله من ذكره على ما ذكرنا [102/ أ] وأن لا يمس ذكره بيمينه.
والثامن: أن يغض بصره وطرفه ولا يكلم أحد لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية أبي سعيد الخدري: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك.
يقال: ضربت الأرض إذا أبيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت.
والتاسع: يكره له أن يرد السلام لما روى عن المهاجر بن قنفد أنه سلم وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ رد عليه.
ويكره له أن يشمت عاطسًا، أو يحمد الله إذا عطس، أو يذكر الله عز وجل أو يقول: مثل ما يقول المؤذن، لما روى في حديث الهاجر بن قنفذٍ أنه قال: "إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر" ويجوز أن يذكر الله تعالى في نفسه لما روى أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب متى أذكرك فقال الله تعالى: اذكروني على كل حال قال يا رب ربما أكوم في موضع استحى فيه من ذكرك فقال: أذكرني في نفسك.
والعاشر: يستحب له أن لا يطيل الجلوس على الخلاء.
قال لقمان، عليه السلام: طول القعود على الحاجة ينجع منه الكبد، ويأخذ منه الناسور، فاقعد هوينًا وأخرج وقبل.
والحادي عشر: يغطى رأسه عند الخلاء لما روي"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء

غطى رأسه".
وقال أبو بكر [102 ب/ 1] الصديق-رضي الله عنه- إني لأدخل الكنيف أغطي رأسي حياء من ربي عز وجل.
فرع قال بعض أصحابنا: يكره أن يقولك أهرقت الماء لقوله صلى الله عليه وسلم"لا يقولن أحدكم أهرقت الماء ولمن ليقل أبول" فرع آخر قال بعض أصحابنا: يدلك يده بالأرض عند غسل موضع الاستنجاء من الدير لما روى أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
ويأخذ حفنة من ماء فينصح بما فرجه وداخل إزاره بعد ذلك لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي-رضي الله عنه-:" انصح فرجك" وفعله هو وقال:" أمرني به جبريل- عليه السلام.
فرع قال أصحابنا: لا بأس أن يبول في الإناء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح من عيدان يبول فيه بالليل يوضع تحت سريره.
وروي أنه كان له فخارة يبول فيها بالليل تحت سريره.

باب الحدث

مسألة: قال:"وّالَّذِي يُجِبُ الوُضُوءَ الْغَائِط وَالْبِوْلُ".
الفصل وهذا كما قال: موجبات الوضوء أربعة أشياء لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في هذا العدد، إلا إنه في اثنين.
فأما المتفق فالخارج من إحدى مخرجي الحدث القبل والدبر.
والثاني: الغلبة على العقل.
وأما اللذان يختلف فيهما: فعندنا ملامسة النساء ومس الذكر، عندهم [103/ أ] الخارج النجس من غير السبيلين والقهقهة في الصلاة، وسيأتي شرحهما إن شاء الله.
فإذا تقرر هذا فالخارج من السبيلين أو أحدهما ببعض الوضوء نادرًا كان أو معتادًا، ريحًا كان أو غنيًا من قبل كان الربح أو دبر، عامدًا كان أو ساهيًا وعلى أي حال.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يلزم الوضوء بالريح الخارج من قبل المرأة إلا أن

تكون موضأة، وهذا غلط قياسًا على الخارج من الدبر.
وقال مالك: أو وضوء في غير المعتاد من القيح والدم والصديد والمذي إذا استدام، ووافقنا في الاستحاضة أنه ينقص الوضوء.
وقال ربيعة: لا وضوء في دم الاستحاضة أيضًا.
وروى هذا غير مالك وهذا أغلط؛ لأنه خارج من المخرج المعتاد للحدث فأشبه البول.
وروى عن على-رضي الله عنه- أنه قال: كنت رجلًا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني فأنفذت إليه المقداد بن الأسود فقال: مره فلينضح فرجه بالماء ثم يتوضأ فإن كان فحل مذاء.
وروى عن علي-رضي الله عنه- أنه قال: كنت أكثر الغسل من المذي حتى تشقق ظهري فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" إنما يكفيك أن تنضح على فرجك وتتوضأ وضوءك للصلاة" فإن قيل: كون الخارج غير معتاد لكون المحل غير معتاد، بأن خرج من ينفك أو فرج أو فم وذلك [103 ب/ 1] لا يوجب الوضوء كذل هذا.
قلنا: النادر إذا خرج لا ينفك عن شيء يسير من المعتاد، وإن كان أدنى بلل، وذلك القدر كاف لبطلان الوضوء.
وقال داوود: لا يجب بالدود والدم خاصة وهو غلط أيضًا لما ذكرناه.
والمذي: ماء رقيق يخرج عند الشهوة يكون على رأس الذكر ريحًا.
والودي: ماء ثخين يخرج بعد البول متقطعًا كدرًا وهما نجسات، ولو أدخل قطنة أو سمسمة في إحليله أو سارًا وهو الميل ثم أخرجه انتقضت الطهارة بخروجه على كل حال سواء اختلط بغيره أو لا.
فرع لو أطلعت دودة رأسها من أحد ولم ينفصل حتى رجعت، هل يجب الوضوء؟ وجهان: أحدهما: يجب لأن ما طلع صار خارجًا وهو الأظهر عندي.
والثاني: لا يجب لأن الخارج لم ينفصل.
فرع آخر لو انسد المخرج المعتاد وانفتح للبول أو النجو موضع آخر.
قال الشافعي في حرملة: إن كان دون المعتدة انتقض الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوقها لم ينتقض.
وقال في موضع: ينتقض الوضوء وأطلق.
قال أصحابنا: الحكم فيه أنه إن كان دون المعدة ينتقض الوضوء قولًا واحدًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] ولم يفصل، ولأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا بد لكل أحد من موضع يخرج منه البول والغائط، فإذا انسد الأصل وانفتح موضع آخر [104/ أ] صار الثاني هو المعتاد، فانتقص الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوق المعدة فيه قولان.
أحدهما: ينتقض الوضوء لما ذكرناه.
والثاني: لا ينتقض نص عليه في حرملة.

وهو اختيار المزني، لأن الغائط هو الذي أحالته المعدة، وهذا بمنزلة القيء، ولو لم ينسد المعتاد ولكن انفتح موضع آخر والأصلي بحاله، فالمذهب المشهور أنه ينتقض بخروج الخارج منه؛ لأن الشافعي شرط انسداد المخرج ومن أصحابنا من قال: إن كان دون المعدة فيه قولان مخرجان.
أحدهما: لا ينتقض لأن المعتاد باق، وهذا الجائفة لا ينتقض الوضوء بما يخرج منها.
والثاني: ينتقض لتكرار خروج المعتاد منه فيصير كالمحل المعتاد.
وإن كان فوق المعدة فهو مبني على القولين إذا كان الأصلي منسدًا، فإن قلنا هناك لا ينتقض فههنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض فههنا وجهان.
فرع آخر إذا قلنا: ينتقض الوضوء بخروج الخارج منه، هل ينتقض الوضوء بمسه؟ فيه وجهان: أحدهما: ينتقض لأنه مخرج معتاد للحدث الأصلي.
والثاني: لا ينتقض لأنه لا يسمى فرجًا ولا ذكرًا، والخبر ورد بذلك وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار عند الاستنجاء؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه مخرج للحدث.
والثاني: لا يجوز لأنه نادر والاستنجاء بالحجر في الموضع المعتاد [104 ب/ 1] للخبر.
قال أصحابنا: وهل يجب الغسل بالإيلاج؟ فيه وجهان أيضًا: أحدهما: لا يجب لأنه ليس بفرج حقيقة.
والثاني: يجب في حكم الفرج.
فرع آخر لو نام عليه ملصقًا بالأرض هل يكون كالنائم قاعدًا في سقوط الوضوء عنه؟ وجهان إذا قلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه.
فرع الرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة وحكي عنه أبي حنيفة ومحمد: أنها طاهرة لأنها من جنس البلغم وهذا غلط.
لأن المعدة نجسة فما يخرج منها نجس كالقيء والبلغم يخرج من الصدر لا من المعدة.
مسألة: قال:" وّالْنَّوْم مُضْطَجِعًا وقَائِمًا ورَاكِعًا وسَاجِدًا" الفصل وهذا كما قال: النوم على ثلاثة أضرب.
أحدهما: أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في غير الصلاة إما مضطجعًا، أو متكئًا، أو مكبوبًا، أو مستلقيًا فكل ذلك يوجب الوضوء سواء تحقق أنه خرج منه أو لم يتحقق.
وروى عن أبي موسى الأشعري، وأبس مجلز وحميد الأعرج، وعمرو بن دينار-رضي الله عنهم- أنهم قالوا: لا ينتقض الوضوء به حتى يتحقق خروج الخارج منه، وبه قالت الإمامية.
واحتجوا بأن النوم ليس بحدث فلا ينتقض الوضوء بالشك.
وهذا غلط

لما روى علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فمن نام فليتوضأ" وأراد [105/ 1] باستطلاق الوكاء: خروج الحدث والنائم في الغالب، ولأن الظاهر من النائم خروج الحدث، ويجوز النفل عن الأصل، فالظاهر كما أن الأصل براءة الذمة ويجوز سلفها بقول الشاهدين وخبر الواحد، ولو نام قائمًا قال في"الأم" يجب الوضوء وقال في"البويطي": إذا نام قائمًا فزالت قدماء عن موضع قيامه فعليه الوضوء بظاهرة أنه إذا لم تول قدماء لا يجب الوضوء، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، وقيل: قول واحد: ينتقض، وما قاله في"البويطي": أراد أنه يمكن منه النوم حتى زالت قدماء، ولم برد به مفهومه، وهذا هو الصحيح.
والنوم الثاني أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في الصلاة إما راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا.
اختلف قول الشافعي فيه قال في"القديم": لا ينتقض الوضوء؛ لأنه يشق على المتهجدين، وبه قال في مالك، وابن المبارك والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا نام العبد في سجوده باهى الله الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده بيدي" فدل على أنه لا يبطل سجوده به.
وقال في "الجديد": ينتقض الوضوء وهو الصحيح للخير الذي ذكرناه، والقصد بإخبارهم مدحه على الاجتهاد ومكابدة النوم، بدليل أن النائم لا يمدح على الفعل ولا يذم.
وقال أبو حنيفة: ولا وضوء على من نام على حالة من أحوال الصلاة في حال الاختبار [105 ب/ 1]، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة.
واحتج بما روى ابن عباس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا وضوء على من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" قلنا هذا لا يصح، لأن رواية أبو خالد الدلاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن العباس، ولم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، وليس هذا منها، وأبوا العالية ضعف، أو تحمله على النعاس بدليل العلو وهي أنه قال:"فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" والساجد تسترخي مفاصله.
وحكى عن أحمد أنه قال: إن كان يسيرًا لا ينتقض وضوءه، وإن كثر ينتقض وضوءه".
وكذلك قال في نوم القاعد.
ووافقنا في المضطجع أنه ينتقض قليلًا كان أو كثيرًا فيقيس عليه.
والثالث: أن ينام جالسًا معتدًا على الأرض بإليتيه فلا ينتقض الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا، متربعًا كان أو غير متربع قولًا واحدًا.

وقال أبو إسحاق: فيه قولان، ولا يعرف للشافعي هذا القول الآخر، إلا أنه قال: لا يبين لي أن أوجب الوضوء عليه فقد مرض القول.
وقال: لو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم توضأ أي حالاته كان، وهذا ليس بقول آخر؛ لأنه لم برجع إلى النظر، بل رجع إلى الخبر.
وقيل في"البويطي": ومن نام جالسًا أو قائمًا حتى رأى [106 أ/ 1] رؤيا وجب عليه الوضوء، وهذا يصدق ما قاله أبو إسحاق: لا يمكن أن يجمل على ما لو لم يكن معتمدًا على الأرض بإليتيه، ولا فرق عندنا بين أن يكون مستندًا أو غير مستند.
وقال أبو حنيفة: إن كان مستندًا ينظر، فإن كان يسقط لو رفع المسند انتقض وضوءه.
وإلا فلا، وهذا غلط؛ لأن الاعتبار بتمكنه على محل الجدث، وقد وجد.
وقال مالك: إن كان يسيرًا لا ينقص، وإن كان كثيرًا ينقص.
وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال المزني: النوم يوجب الوضوء بكل حال.
وبه قال أبو عبيد وحكي هذا عن إسحاق.
وهذا غلط لما روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، وعن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على من نام جالسًا وضوء حتى يضع جنبه".
وروى أيضًا أنه: قال"من نام قاعدًا فلا وضوء عليه، ومن نام على جنبه فعلية الوضوء" وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوضع يده على حذيفة وكان نائمًا فانتبه فقال: يا رسول الله أفي هذا وضوء؟ فقال:"لا، أن تضع جنبيك على الأرض" ولأنه ليس هو يحدث في نفسه وإنما ينتقض الوضوء بتوهم خروج الخارج غالبًا، فإذا كان محفوظًا عنه بالتمكن على محل الحدث لا ينقص الوضوء كالقليل منه.
فرع قال في"الأم": "والنوم الذي يوجب الوضوء الغلبة على العقل كائنا ذلك ما كان قليلًا [106 ب/ 1] أو كثيرًا، فأما ما لا يغلب على عقل مثل النعاس أو حدث من النفس بحيث لا يخفي عليه كلام من يتكلم بحضرته لا يجب به الوضوء.
وقال فيه: لو شك هل نام أم لا، وخطر بباله شيء لا يدري أنه رؤيا أو حديث نفس فهو غير نائم حتى يستيقن النوم، ولو استيقن الرؤيا ولم يستيقن النوم فهو نائم، وعليه الوضوء؛ لأن الرؤيا لا تكون إلا في النوم.
فرع آخر لو نام قاعدًا متمكنًا ثم زال عن مستوى جلوسه انتقص وضوءه إن انتبه بعدما سقط، وإن انتبه عند زواله عنه مستوى جلوسه لا ينتقص وكذلك إن كان زواله عن مستوى جلوسه بيديه وانتباهه معًا لا ينتقص.

فرع لو جلس على إليتيه رافعًا لركبتيه مجتبيًا عليهما فيه وجهان.
أحدهما: لا ينتقص كالمتربع.
والثاني: ينتقص وضوءه لأنها جلسه لا تحفظ الأرض سبيله من خروج الخارج.
وقال بعض لأصحابنا: ينظر، فإن كان النائم على هذه الحالة نحيف البدن بعروق الإلية انتقص وضوءه؛ لأن السبيل لا يكون محفوظًا، وإ، كان لحم البدن يتطبق إليتاه، على الأرض في هذه الحالة لا ينقض وضوءه؛ لأن السبيل يكون محفوظًا.
وعلى هذا قال أصحابنا: لو كان الرجل مهزولا فنام قاعدًا على العظم ولم يتمكن مقعده من الأرض ينتقص وضوءه لهذا المعنى.
فرع قال بعض أصحابنا: [107 أ/ 1] إذا قلنا: إذا نام في الصلاة لا ينتقص وضوءه لحرمة الصلاة، أو نام مضطجعًا وكان يصلي في فرضه مضطجعًا، أو قعد للتشهد الأول مفترشًا فنام، فهل يبطل وضوءه؟ قولان.
وهذا غريب مسألة: قال:"وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِحُنُونٍ أِوْ مَرَضٍ" الفصل وهذا كما قال: الغلبة على العقل بجنون أو مرض أو إغماء أو سكر ينتقص الوضوء بكل حال؛ لأنه أبلغ حالًا من النائم، فإن النائم إذا نبه ينتبه، وإذا حرك تحرك، وإذا ضرب تألم لخلاف هذا.
قال الشافعي في"حرملة": قد قيل: قل ما يغمى على الإنسان إلا وينزل، فإن صح هذا اغتسل، وإن لم يصح توضأ.
وقال في"الأم": قد قيل ماجُن الإنسان إلا أَنزل، فإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال.
وإن شك فيه أحببت له أن يغتسل احتياطًا.
قال أصحابنا: أراد به إن كان زوال العقل ينزل غالبًا اغتسل أنزل أو لم ينزل، وتعلق الغسل بزوال العقل كما يقول في النائم إذا نام زائلًا عن مستوى الجلوس تعلق بعض الطهر بعين النوم، وإن قيل: قد ينزل وقد لا ينزل كان زوال عقله في باب الغسل بمنزلة النون قاعدًا في باب الوضوء، إن أنزل يلزمه الغسل، وإن لم ينزل فلا غسل عليه وجوبًا، ويستحب كما يستحب الوضوء في نوم القعود.
ذكره أبو حامد وجماعة.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء [107 ب/ 1] على المغمى عليه، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء، وأجمعوا أنه لا يجب الغسل به.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه إذا زال عقله بالسكر لم ينتقص وضوءه؛ لأنه كالصاحي في الأحكام وعلى هذا هل ينعزل وكيله؟ وجهان.
وهذا ليس بشيء.

مسألة: قال:"وَملاَمَسَةُ الرَّجلِ الْمَرأَةَ".
الفصل وهذا كما قال: اختلف العلماء في الملامسة فقال الشافعي:"إذا لمس الرجل امرأة وأفضى شيء من جسده إلى شيء من جسدها من غير حائل انتقض وضوءه، سواء مسهما بيده أو برجله، أو بشهوة أو بغير شهوة، عامدًا كان أو ناسيًا".
وبه قال ابن عمرو، وابن مسعود، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، ومحكول، والأوزاعي، وحكي عن الأوزاعي أنه إن مسها بيده أو بأحد أعضاء وضوءه انتقص، وإن مسها بغيرها لا ينتقص.
وقال مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد والثوري في رواية إن مسها بشهوة انتقص وضوءه، وإن كان بغير شهوة لم ينتقص.
وقال مالك والليث: إن لمسها بشهوة من وراء حائل رقيق انتقص أيضًا، واراه عن الشافعي بقوله:"والملامسة أن يفضي بشيء منه إلى جسدها لا حائل بينهما".
وقال ربيعة: ينتقص الوضوء بالملامسة بكل حال سواء كان الحائل صفيقًا أو رقيقًا.
[108 أ/ 1] وقال عطاء: إن لمس امرأة تحرم عليه انتقص وضوءه، وأن لمس من تحل له لم ينتقص وضوءه.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا ينتقص الوضوء بلمس النسا أصلًا إلا أن يتجردا أو يتعانقا، ويضع فرجه على فرجها، وينقش لما أي يجد هزة للشهوة في نفسه.
وبه قال ابن عباس، وطاوس، والحسن، وهو رواية عن الثوري، وعطاء إلا أنهم لم يذكروا التجرد والتعانق.
وقال محمد: لا وضوء في التجرد والتعانق أيضًا ما لم يرد بللًا، وهذا أقيس من قول أبي حنيفة.
وقال داود: إن قصد لمسها انتقص، وإن لم يقصد لم ينتقص.
وبه قال الثوري في رواية، وبعض أصحابنا جعلوا هذا قولًا مخرجًا للشافعي من قوله:" لا وضوء في لمس ذوات المحارم" لأنه لا شهوة في هذا اللمس، وهذا لا يصح عندي.
والدليل على بطلان قول الكل وقوله تعالي: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] وهذا الاسم يقع على كل لمس يحصل به التقاء السرتين، ولم يفصل بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة، أو بقصد أو بغير قصد، أو بأحد أعضاء وضوءه أو بغيره.
فأن قبل: أليس في الإحرام يفرق بين اللمس بشهوة أو غير شهوة في وجوب الفدية، فكذلك ههنا وجب أن يفرق؟ قلنا هناك نهى عن الاستمتاع والترفه، وذلك يفترق بالشهوة وعدمها، ونقض الطهارة لا يتعلق بالاستمتاع، فلا تفرق فيه بين أن يكون بشهوة أو غير شهوة.
واحتج [108 ب/ 1] أبو حنيفة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل عائشة-رضي الله عنها- صلى ولم يتوضأ.
قلنا: يجوز أن يكون مع الحائل، أو كان مخصوصًا بذلك.

ونحتج على مالك في اللمس مع الحائل بشهوة فنقول: لا يسمى مسًا مع الحائل، أو كان مخصوصًا بدليل أنه لو حلف لا يلمس امرأة فهي مع الحائل لا يحنث، أو يقيس على الحائل الصفيق.
فرع لو لمس امرأة لا يحل له الاستمتاع بها بحال لذوات المحارم مثل الأم والأخت، نص في"حرملة" على قولين: أحدهما: ينتقص وضوءه، وهو ظاهر قوله في"الجديد" و"القديم؛ لأنها من جنس من يقصد بالشهوة، والظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] ولم يفصل.
والثاني: لا ينتقض وهو الأصح؛ لأنها ليس لمحل الشهوة شرعًا فأشبهت الرجل، ولا فرق بين الأم والأخت من الرضاع أو من النسب، ذكره القاضي أبو علي البندنيجي نصًا.
ومن أصحابنا من فرق فقال: إذا كان محرمًا له بالسبب ينتقص وضوءه قولًا واحدًا، ولا وجه لهذا عندي.
فرع لو لمس صغيرة أجنبية لا تشتهي، أو عجوزًا كبيرة أجنبية لا تشتهي لا نص فيه للشافعي.
وقال أصحابنا: فيه قولان مخرجان بناء على ذوات المحارم.
ومن أصحابنا من قال قول واحد في العجوز: أنه ينتقض الوضوء لأنها محل الوطء ولكل ساقطة لاقطة.
فرع إذا لمس صغائر [109 أ/ 1] المحارم والعجائز منهم اللاتي لا يشتهين في العادة، فإن قلنا في الكبائر: لا ينتقص الوضوء فها هنا أولى، وإن قلنا هناك ينتقص فها هنا قولان مخرجان.
فرع لو لمس امرأة ميتة، أو لمست المرأة رجلًا ميتًا ينتقض الوضوء؛ لأن كل لمس لو كان بين حيين نقض الطهر، فكذلك إذا كان بين حي وميت كالتقاء الختانين.
ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن يجري ذلك مجري الكبائر والصغائر اللاتي لا يشتهين فلا ينتقص الوضوء بلمسها في قول مخرج، وهذا صحيح لأن الميتة ليست محل الشهوة ولا تشتهي غالبًا.
فرع آخر إذا لمس يدًا مقطوعة أو عضوًا منها لم ينتقص وضوءه؛ لأنه لا يدخل في قوله تعالى: ﴿َوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] ولا يسمى لامس امرأة، وخرج عن أن سكون محلًا للشهوة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان كالوجهين فيمن مس ذكرًا مقطوعًا، وهذا لا يصح.
والفرق أن أسم الذكر يقع على المقطوع، والنبي صلى الله عليه وسلم علق الوضوء بمس

الذكر، وههنا أسم النساء لا يقع على اليد المقطوعة وعلى هذا قالوا: هل يجوز النظر إلى الذكر المقطوع أو يد المرأة المقطوعة أو شعرها المقطوع؟ فيه وجهان.
فرع إذا لمس امرأة ينتقض طهر اللامس وهل ينتقص طهر الملموس؟ فيه قولان.
أحدهما: ينتقص وهو المنصوص في عامة كتبه؛ لأنه لمس يشتركان في [109 ب/ 1] الالتذاذ به، فينتقص طهرها كالتقاء الختانين.
والثاني: لا ينتقص.
قاله في حرملة؛ لأنه لمس ينقص الطهارة الصغرى فينتقص طهر دون الملموس، كمس لا ينتقص الوضوء في حق الممسوس قولًا واحدًا.
ومن قال بالأول فرق بأن الملامسة مفاعلة، فإذا اجري بين اثنين فكل واحد ملامس، وههنا لا يسمى الممسوس ملسًا والفتوى عندي أنه لا ينتقص طهر الممسوس؛ لأنه لا يسمى لامسًا.
وقد روى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفراش فقمت اطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه في السجود، فلما فرغ من صلاته قال لها"أتاك شيطانك" فلو انتقص طهره لقطع صلاته.
فرع لو لمس شعرها نص في"الأم" أنه لا ينتقص وضوءه سواء كان بشهوة أو غير شهوة، ولو احتاط فتوضأ كان أحل إليَّ.
قال أصحابنا: وكذلك لو لمس بشرتها بشعره، وكذلك لو لمس سنها أو ظفرها أو لمسها بسنه أو بظفره، هذا لأنه لا لذة في لمسها غالبًا، ولا ينبغي بلمسها للشهوة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، ولا معنى له مع النص، وقيل: فيه قولان وهذا أيضًا غير صحيح.
وقال ربيعة، ومالك: لا ينتقص الوضوء بلمسها إن كان بشهوة [110 أ/ 1].
فرع لو لم يدر أمس بشرتها أو شعرها ينتقص الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الطهارة.
فرع لو كان صغيرًا أو مستحسنًا أمرد فلمسه رجل.
قال الأصطخري: ينتقص وضوءه؛ لأنه تميل إليه الشهوات وخالفه سائر أصحابنا.
مسألة: قال:"وَمَسُّ الْفَرْجِ بِبَطْنِ الْكَفَّ"

الفصل وهذا كما قال.
اختلف العلماء في مس الفرج عل ينتقص الوضوء؟ فعند الشافعي إذا مس ذكره ببطن كفه، أو لمست المرأة فرجها ببطن كفها انتقص الوضوء.
وبه قال عمرو بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن سيار، والزهري، والليث، ومجاهد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي- رضوان الله عليهم أجمعين- وعن مالك رواية أخرى يعتبر في مسه الشهوة.
قال أبو حنيفة: لا ينتقص الوضوء يمسه، وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو الدرداء، والحسن، وقتادة، والثوري، وربيعة.
وهو راوية عن سعد بن أبي وقاص، وراية عن ابن عباس-رضي الله عنهم أجمعين, واحتجوا بما روى عن طلق بن علي إنه قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال:" ها هو إلا مضغة منه أو بضعة منه" [110 ب/ 1] وهذا غلط لما روي عن عروة بن الزبير قال: "دخلت على مروان فتذاكرنا نواقض الوضوء فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".
قال عروة: فلقيت بسرة بعد ذلك فصدقته.
وروى هذا الخبر بضعة عشر نفسًا من الصحابة وعمل بها أصحاب الحديث.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ويل للذين يمسون فروجهم ويصلون ولا يتوضوؤن" فقالت عائشة: هذا الرجال أفرأيت النساء.
فقال: إذا مست المرأة فرجه توضأت.
وأما خبر طلق بن علي، قال أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان: رواية قيس بن طلق وهو ضعيف، ثم إن خبرنا متأخر وناقل عن العادة، وفيه احتياط فكان أولى.
فرع بطن الكف ما بين الأظفار والزند، فإن مسه برؤوس البنان يبطل وضوءه على الصحيح من المذهب.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان وهو ضعيف.
فرع آخر لو مسه بخلال الأصابع لا يبطل وضوءه نص عليه في"الأم" وقيل: فيه وجهان،

ولا معنى له، وكذلك لو مس بحرف يده لا وضوء نص عليه في"البويطي".
وقال أبو العياض من أصحابنا: إن مسه بما بين أصبعيه مستقبلًا لعانته بطن كفه ينتقص وضوءه، وإن كان مستقبلًا فطاهر كفه لا ينتقص مراعاة للأغلب في مقاربة الباطن، وهذا لا وجه له لاستواء المعنى في [111 أ/ 1] الحالين.
فرع لو مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه لا ينتقص وضوءه، وبه قال جماعة العلماء.
وقال الأوزاعي: إن مسه بأحد أعضاءه وضوءه ينتقص.
وقال عطاء والأوزاعي، وأحمد في رواية: ينتقص وضوءه إذا مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه، وكذلك إن مسه بساعده؛ لأن ذلك من جملة يده.
وحكة هذا عن مالك، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أفض أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه حائل فليتوضأ" والإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف، تقول العرب: أفضيت بيدي إلى الأرض ساجدًا على هذا المعنى.
فرع آخر لو مس أنثييه أو إليتيه فلا وضوء عليه، وكذلك أو مس ما بين الدبر والذكر.
وروى عن عروة أنه يجب بمس الأنثيين والعانة، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم"ومن أمضى بيده على ذكره فليتوضأ" فخص الذكر، ولأنه ليس لمخرج الحدث فأشبه فخده.
واحتج بما روي قال:" من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ" قلنا: قال أصحاب الحديث: هذا ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول عروة أدرجه بعض الرواة.
وقال هشام بن عروة: قال عروة: إذا مس رفغه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ.
فرع آخر لو مس ذكر غيره يلزمه الوضوء كما لو مس ذكره نفسه.
وقال داود: لا يلزم غلا مش ذكر نفسه [111 ب/ 1]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص ذلك، وهذا غلط؛ لأن هتك الحرمة هناك أكثر لولا حاجة به إليه.
وقد روت بسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الوضوء من مس الذكر ومس الفرج".
فرع آخر لو مس ذكر الصغير انتقض وضوءه.
وروي عن الزهري، والأوزاعي، ومالك: لا وضوء فيه، وروي عن أحمد أيضًا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مس زبيبة الحسن ولم

يتوضأ.
ولأنه يجوز مسه والنظر إليه فلا ينتقض الوضوء بمسه، وهذا غلط لعموم الخبر الذي ذكرناه"، ولأنه ذكر آدمي فأشبه ذكر الكبير، والخبر الذي ذكروه يحتمل أنه كان من وراء حائل، مع أنه لم يصح الخبر على الوجه الذي ذكروا.
فرع آخر لو مس ذكر الميت انتقض وضوءه نص عليه.
وحكي عن إسحاق أنه لا ينتقض، وهذا غلط للخبر، ولأنه ينتقض في الحي فينتقض في الميت كالجماع واللمس.
فرع آخر لو مس الذكر بباطن أصبعه الزائدة انتقض وضوءه.
وقال صاحب الإفصاح: يحتمل أن لا ينتقض وضوءه لأنه الخبر ينصرف إلى اليد المعهودة فلا طلاق، وهذا غلط لأنه من جملة اليد بدليل وجوب غسله في الوضوء.
فرع آخر لو مس بيد شلاء ففيه وجهان، وكذلك لو مس ذكرًا أشل بيد صحيحه أو مسدودًا لا يخرج منه شيء، ففيه وجهان بناء على الوجهين [112 أ/ 1] فيمن مس ذكرًا مقطوعًا؛ أحدهما: أن ينتقض وضوءه اعتبارًا بالاسم.
والثاني: لا ينتقض وضوءه لفقد المعنى وهو وجود اللذة غالبًا.
وقال بعض أصحابنا: ليس ذكر الحي الأشل بأخف من ذكر الميت، ففي ذكر الميت وجه مخرج أنه لا ينتقض وضوءه.
وبه قال مالك.
فرع آخر لو كان له أصبع زائدة لا على سنن البنان.
قيل: فيه وجهان، والصحيح أنه لا ينتقض وضوءه بالمس به أصلًا.
لو مس ذكرًا زائدًا إن كانا عاملين ينتقض الوضوء بمس كل واحد منهما، وإن كان أحدهما عاملًا دون الآخر فإنه ينتقض لمس العامل دون غيره.
ذكره أصحابنا بخراسان.
فرع آخر لوجب ذكره من أصله فمس موضع القطع.
قال أصحابنا: ينتقض وضوءه، ويحتمل عندي وجهًا آخر أنه لا ينتقض وهو القياس.
فرع آخر لو مسه من غير قصد انتقض وضوءه.
وحكي عن مالك: أنه لا ينتقض وهو غلط للخبر.

فرع آخر لو مست المرأة فرجها انتقض وضوءها، وكذلك إن مسه الرجل وذلك في المحارم.
وقال مالك: لا ينتقص.
وهذا غلط لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سمت إحداكن فرجها فلتتوضأ".
فرع آخر لو مس الدبر وهي الحلقة نفسها دون ما حولها انتقض الوضوء.
وقال ابن أبي أحمد: لم يوجب [112 ب/ 1] الشافعي في"القديم" من مس الدبر.
فمن أصحابنا من رد هذه الرواية، ومنهم من قبلها وقال: فيه قولان.
وقال مالك داود: لا ينتقض وضوءه وهذا غلط؛ لأنه مخرج معتاد للحدث فأشبه القيد.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه سلم قال:"أيما رجل مس فرجه فليتوضأ" وظاهره أنه أراد به دبره، قالوا: لا يقصد مسه ولا يفضى مسه إلى خروج خارج، فأشبه سائر الأعضاء.
قلنا: باطل بذكر الميت والأشل.
واعلم أن المزني نقل: "وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْدُبُرًا أَوْ مَسُّ الْحَلْقَةِ نَفْسِهَا مِنْ الدُّبُرِ".
وفيه أشكال وذلك انه لا ينتقض الوضوء إلا بمس الحافة، وهذا العطف يوهم خلاف هذا المذهب، فيتناول قوله" سواء كان الفرح قبلًا أو دبرًا أو مس الحلقة على الجمع، ومعناه لو جمع في المس بين مس مس الحلقة وما حواليها، أو اقتصر على مس الحلقة نفسها انتقص الطهر.
وفائدة العطف يشبه الاستدلال؛ لأن الدبر اسم شامل للإليتين وغيرهما، وقد ذكر في نسخة: وسواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، إذ ليس الحلقة نفسها وهذا اللفظ يزيل الإشكال.
فرع لو مس بذكره دبر غبره.
قال بعض أصحابنا بالعراق: قياس المذهب أنه ينتقض وضوءه؛ لأنه مسه بآلة مسه، وهذا لا يصح عندي؛ لأن الاعتماد فيه على الخبر ولم يرد في هذا [113 أ/ 1] الموضع.
فرع لو مس ذكر بهيمة لا ينتقض وضوءه.
وروى ابن عبد الحكم، عن الشافعي أنه ينتقض وضوءه، ورد عامة أصحابنا هذه الرواية، فقيل: قولان: أحدها: ينتقض

وضوءه كما يجب الغسل بالإيلاج في فرجها.
والثاني: لا ينتقض وضوءه وهو الأصح؛ لأنه لا حزمة لها ولا يعيد عليها في الستر والكفين والذقن.
وقيل: قول واحد أنه لا ينتقض وضوءه.
فرع آخر إذا قلنا لا ينتقض وضوءه.
بلمس فرج البهيمة.
قال بعض أصحابنا: لو أدخل يده في باطن فرجها هل ينتقض وضوءه؟ وجهان أحدها: ينتقض لأن للباطن من الحرمة ما ليس للظاهر.
والثاني: لا ينتقص وضوءه وهو الأصح، ذكر بعض أصحابنا بخراسان: لا وجه للوجه الأول في الحقيقة.
قال عطاء: إن مس فرج البهيمة المأكولة انتقض الوضوء وإلا فلا.
وقال الليث: ينتقض الوضوء بمس فرجها على الإطلاق لقوله (صلي الله عليه وسلم) "الوضوء من مس الفرج" ولم يفصل قلنا: هذا اللفظ غير معروف، أو مطلق هذا الاسم لا ينصرف إلى البهيمة في العادة.
وقال أبو إسحاق: لما لم ينتقض الوضوء بلمس الأنثى من البهائم لا ينتقض بمس فرجها.
فصل في الخناثى الخنثى الذي له ذكر الرجال وفرج النساء.
أحدهما أصلي [113 ب/] والثاني: خلقة زائدة، فإن كان ذكرَا فالذكر أصل والفرج خلقة زائدة، وإن كان أنثى فالفرج أصل، والذكر خلقة زائدة، فإذا مس ذكره أو فرجه أو مس ذلك غيره فالأصل في الطهارة البناء على الأصل.
فمتى تيقن الطهارة لم تزل بالشك.
وإن مس الخنثى ذكر نفسه لا ينتقض وضوءه بجواز أن يكون أنثى مس من نفسه خلقة زائدة، وإن مس فرج نفسه لم ينتقض أيضًا لجواز أن يكون ذكرًا وهو ثقبة زائدة، وإن مسها معًا من نفسه انتقض وضوءه؛ لأنه لا ينفك عن مس ذكرًا وحلقة زائدة من امرأة.
فإن مس فرجه لم ينتقض وضوءه بجواز أن يكون قد مس من رجل خلقة زائدة.
وإن مسته امرأة نُظر، فإن مست فرجه انتقض وضوءها لأنه لا يخلو عن مس فرج امرأة، أو مس حلقة زائدة من رجل، وإن مست ذكره لم ينتقض لجواز أن يكون مست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس خنثى من خنثى نُظر، فإن مس ذكره لم ينتقض لجواز أن يكونا أنثيين فمست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس فرجه لا ينتقض أيضًا لجواز أن يكون مس رجل من رجل خلقة زائدة، وإن مسهما معًا انتقص وضوءه؛ لأنه لا ينفك من مس ذكر أو فرج، وإن مس أحدهما ذكر الآخر، ومس الآخر فرج الآخر انتقض طهر [114 أ/ 1] أحدهما قطعًا لا يعنيه، لأنه إن كانا ذكرين فقد مس ذكرًا، وإن كانا أنثيين فقد مس فرجاً، وإن كانا ذكراً وأنثى فقد مس رجل امرأة، فلا بد من أن ينتفض طهر أحدهما، قطعًا لا بعينه ولكن لا يحكم ينقض طهر واحد منهما، ولكل واحد منهما، ولكل واحد منهما أن يصلي وحده، لأن الأصل الطهارة وهو يشك أنه هل انتقض طهره أم لا، وهذا كما لو شاهد نفسان طائرًا.
فقال أحدها:

إن كان غرابًا فامرأتي طالق.
وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حر، فطار ولم يُعلم، فكل واحد منهما على أصل ملكه.
فصل قال بعض أصحابنا بخراسان: لو مس أحدهما قبليه وصلى ثم توضأ ومس قبله الآخر وصلى فقد صلى إحدى صلاتين يغير طهارة، فهل يلزمه إعادة الصلاتين؟ وجهان.
والأصح أنه لا يلزمه لأنهما حادثتان ولم يتعين الخطأ، فهي كمسألة الحالفين في الطير.
وهذا عندي خطأ والمسألة على وجه واحد أنه يلزمه إعادتهما، كمن تيقن أنه نسى سجدة من إحدى الصلاتين فإنه يلزمه إعادتهما في مسألة الحلف الخطأ في شخصين وهاهنا الخطأ وقع لشخص واحد.
مسألة: قال: " وَكُلٌّ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ" الفصل وأراد به الرد على مالك على ما ذكرنا، ثم قال:" وَلَا اسْتنجَاءَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ" وهذا إشارة [114 ب/ 1] إلى أن الاستنجاء لا يجب إلا بخروج عين يتوهم منها تلويث للمخرج خلافًا للشيعة، ثم قصد المزني بعد هذا أن يتكلم في المسألة الخلافية، وينقل ما اعتمد عليه الشافعي من الحجج، فبدأ بمسألة النوم قاعدًا.
ونقل في حجة الشافعي عن أنس- رضي الله عنه- أما أصحاب رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كانوا ينتظرون العشاء فينامون.
قال الشافعي: أحسبه أنه قال: فعودًا ينامون، وهذا هو الأليق بهم في انتظارهم خروج رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
في المسجد، وروى من غير شك،" فينامون قعودًا حتى تخفق رؤوسهم" والظاهر أن مثل هذا لا يخفي على رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان ينام قاعدًا ويصل ولا يتوضأ، ولم ينكر عليه أحد.
ثم تكلم المزني فقال: قال الشافعي:" لَوْ صِرْنَا إِلَي النَّظَرِ كَانَ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ تَوَضَّأَ بِأَّيَّ حَالاَتِهِ كَانَ" كأن أراد أن النوم في القياس هو كالإغماء يوجب الوضوء في أي حال كان، ثم عارض خبر الشافعي بالخبر وأثر الشافعي بالأثر، حتى يجب الرجوع، إلي النظر الذي ذكره الشافعي فأورد خبر صفوان بن عسال المرادي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفري لا مع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن عن بول أو غائط أو نوم".
وروى: لا من جنابة ومعناهما متقارب [115 أ/ 1] قوله: مسافرين أو سفري شك في الملفوظ به من هذين اللفظين وقوله: سفري جمع مسافر.
فاحتج منه بأنه قرن النوم بالبول والغائط، وينتقض الوضوء بالبول والغائط على كل حال، فكذلك بالنوم على كل حال.
ثم أيد ذلك، فقال:" ولو

اختلف حدث النوم لاختلف حدث الغائط، وإنه لو كان فيه تفصيل لأبانه (صلي الله عليه وسلم) كما أبان في أكل الناسي أنه لا يفطر الصائم.
ثم ذكر خبر آخر وهو قوله (صلي الله عليه السلام) "العينان وكاء السه"، الخبر، ثم قال في معارضة الأثر أثر عائشة وأبي هريرة أنهما قائلا:" من استجمع نومًا فعليه الوضوء مضطجعًا كان أو قاعدًا".
ثم أيدهما بما روي عن الخن ثم رجع إلى النظر.
وقال هو في معنى من أغمي عليه فلزمه الوضوء على كل حال، فكذلك هذا.
والجواب عنه أن يقول: أما خبر صفوان فالقصد به بيان جواز المسح على الخفين في الوضوء دون الغسيل لا غير، فلا يعارض به خبر أنس- رضي الله عنه- الذي قصد أن نوم القاعد لا يوجب الوضوء.
وأما الخبر الآخر فهو حجة عليه؛ لأنه أشار إلى أن النوم حدث لأنه مس خروج الحدث من مخرجه، وهذا لا يوجد في القاعد، إذ لو خرج به غالبًا.
وأما الأثر عن عائشة وأبي هريرة نحمله على القاعد غير المتمكن، بدليل أثرنا فيكون جمعا بينهما [115 ب/ 1].
وأما الإغماء فقد بينا الفرق بينه وبين النوم فيما تقدم.
وأما الحدث فلأن عينه ناقض بظاهر الكتاب والأخبار بخلاف النوم، ثم عقب الكلام في النوم بالكلام بالملامسة.
وقد ذكرنا الخلاف فيها.
واحتج الشافعي بالآية فإنه تعالى قرن الملامسة بالنوم والغائط، ثم أيد بقول ابن عمر- رضي الله عنه- قُبلة الرجل لامرأته ومسها بيده من الملامسة، وهذا التعريف بالألف واللام إشارة إلى الملامسة في الآية، خلاف ما روى أبو حنيفة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن المراد به الجامعة، ثم قال: وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قريب من معنى قول ابن عمر- رضي الله عنه- وإنما ترك ذكر لفظه لشياعه فيه وهو أنه روى عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: أيهز أحدكم امرأته هز البكر ثم لا يتوضأ، عليه الوضوء، ثم ذكر الكلام في مس الذكر.
واحتج بخبر بسرة ينت صفوان وقد ذكرنا، ثم قال: وقاس الدبر بالفرج مع ما روى عن عائشة- رضي الله عنها- إذا مست المرأة فرجها توضأت، وأنكر أصحابنا على المزني هذه العبارة.
وقالوا: اسم الفرج فيقع على الدبر فلا يصح قوله: وقاس الدبر بالفرج.
وإنما يصح أن لو قال: وقاس الدبر بالذكر والقبل.
وأيضاً ذكر حديثه عائشة في الفرج ولا يجوز أن يؤيد الأصل بالأثر؛ لأن الأصل يكون متفقا عليه [116 أ/ 1]، وإنما يؤيد الفرع المقيس بالأثر، وإنما يصح هذا بما روي عن عائشة: إذا مست المرأة دبرها توضأت.
ولم ينقل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يمكن تصحيح عبارته بأنه أراد وقاس الدبر بعلة الفرج فكأنه قال: أحد الفرجين كالذكر ثم بين تعليق الحكم بصفة الفن وبحديث عائشة- رضي الله عنها- ثم أن أصحاب الظاهر ينكرون قياس المسكوت عنه في الشرع على المنصوص عليه ههنا وسلموا في تقويم نصيب الشريك الذي لم يعتق على الشريك المؤسر قياس الأمة على العبد.
وإن ورد الخبر في العبد فاحتج عليه الشافعي قاله هناك.

مسألة: قال:" وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى ذَلِكَ مِنْ قَيئٍ أَوْ رُعَافٍ" الفصل وهذا كما قال: عندنا جميع ما يخرج من غير السبيلين من القيء والرعاف ودم الفصد والحجامة لا ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا.
وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن أبي أوفي، وعائشة، وجابر، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومكحول، وربيعة، ومالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان طاهرًا فلا وضوء، وإن كان نجسًا ينقض الوضوء، إلا أنه فصل في القيء فقال: إن كان ملأ الفم فإنه ينقض الوضوء، وإن كان أقل لا ينقص الوضوء.
وقال في الرعاف: إن سأل ينقص [116 ب/ 1] الوضوء، وإن لم يسل لا ينقص.
رقال فيمن بصق دمًا ت إن كان الغالب الدم نقض الوضوء وإلا فلا ينقض.
وبه قال الثوري: والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، إلا أن أحمد قال: إن كان الدم قطرة أو قطرتين فلا وضوء.
وروى عنه أنه قال:" إن خرج قدر ما يعفي عن غسله وهو قدر الشبر لا ينقص الوضوء".
وقال ابن أبي ليلى: ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا.
وروى ذلك عن عمر، وعلي وابن سيرين، وعطاء، وزفر- رضي الله عنهم- واحتجوا بما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" من قاء أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم واحتج الشافعي عليهم بالأثر والنظر.
أما الأثر فما روى أن ابن عمر- رضي الله عنه- عصر بترة بوجهه فخرج منها دم فدلكه بين إصبعيه، ثم قام إلي الصلاة ولم يغسل يده.
وروى عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه قال اغسل عنك أثر المحاجم وحسبك.
وروى عن ابن المسيب أنه رعف فمسح أنفه بصوفه ثم صلى، عن القاسم ليس على المحتجم وضوء.
وهذا الذى ذكر ابن المسيب والقاسم استئناس وإلا فلا حجة لأنهما من التابعين.
وإنما الحجة في أقوال الصحابة وأفعالهم.
وقد روى الشيخ القفال، عن الشيخ أبي زيد بإسناده، عن ابن عباس- رضي الله عنه [117 أ/ 1]- إيجاب الوضوء من الحجامة والرعاف وذهب بعض أصحابه إلى وجوب الغسل من

الحجامة فأنكره وقال: اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك فلا دليل فيه للشافعي.
وروي في هذا الباب ما هو أولى من كل هذا، وهو ما روى الدارقطني بإسناده عن أنس- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " احتجم ولم يزد على غسل محاجمه وصلي ولم يتوضأ".
وأما النظر فقوله: كما وضوء في الحبشاء المتغير بخلاف مخرج الحدث فإنه سوى فيه بين النجو والريح.
وقيل: أراد بالحبشاء المتغير القيء دون ملء الفم، وأما خبرهم قلنا: القلس هو الريق الحامض يخرج من الحلق فلا وضوء فيه عندهم.
وقيل: إنه مرسل يرويه ابن أبي مليكة مرسلًا، أو يحمل على الاستحباب، أو على غسل ما أصابه بدليل ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وَلَيْسَ فِي قَهْقَّهَةِ المُصْلَّي وَلَا فِيمَا مَسَّتِ النَّارُ وُضُوءٌ" وهذا كما قال: القهقهة لا توجب الوضوء يحال عندنا.
وبه قال جابر، وأبو موسي الأشعري، وعطاء، والزهري، وعروة، والقام، ومحكول، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: يجب الوضوء بالقهقهة في الصلاة.
ويه قال الشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن، والأوزاعي، في رواية.
واحتجوا بما روى أبو العالية أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كان يصلي فتردي [117 ب/ 1] أعمى في بئر، فضحك طوائف من القوم فأمر رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
الذين ضحكوا بإعادة الوضوء والصلاة.
وهذا غلط لما روى جابر- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: "تعاد الصلاة من القهقهة ولا يعاد الوضوء" وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم):" الضاحك في الصلاة والمتكلم سواء" وأما الخبر الذي ذكره فهو مرسل ضعيف؛ لأن الله تعالى وصف الصحابة بقوله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:29 [فكيف يضحكون.
وفي موضع تردى الأعمى في البئر وهو موضح الرحمة، أو نحمله على الاستحباب.
وقال بعض أصحابنا: يستحب ذلك لرقع الخلاف والجناية الصادرة منه.
وأما الكلاف فلا ينقص الوضوء بحال حسنة وقبيحة مثل القذف والكبائر من المعاصي تنقص الوضوء.
واحتجوا بقوله (صلي الله عليه وسلم): "خمس يفطرن الصائم وتنقض الوضوء وهي الغيبة، والنميمة، والكذب، والنظر بشهوة، واليمين الفاجرة".
قلنا: أراد به نفي الثواب والأجر، بدليل قوله (صلي الله عليه وسلم): "لا وضوء إلا

من حدث".
وقال بعض أصحابنا: يستجب الوضوء منها، لما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليَّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب.
وقالت عائشة:] 118 أ/ أ]- رضي الله عنها- يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء.
وقال (صلي الله عليه وسلم) " من غضب فليتوضأ".
وقال أيضًا:" من حلف باللات والعزى فعليه الوضوء.
وقال ابن عبا س- رضي الله عنه- والحدث حدثان حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان: وقيل: الأشبه من كلام هؤلاء أنهم أرادوا غسل الفم وجده، ولا وضوء في المأكول والمشروب سواء مسته النار أم لم تمسه، وسواء كان لحم الإبل أو غيره.
وبه قال جماعة الصحابة والعلماء، وقال أبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأنس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو طلحة، وعائشة، وعمر بن عبد العزيز، وأبو قلابة، وأبو مجلز، والزهري، والحسن- رضي الله عنه- يجب الوضوء بأكل ما مست النار.
وحكى هذا عن داود أيضًا، واحتجوا بما روى عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) أنه قال:" توضؤا مما مست النار ومما غيرته النار" وهذا غلط لما روى جابر- رضي الله عنه-.
قال: كان آخر الآمرين من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) " ترك الوضوء مما مست النار ". وهذا يدل على نسخ مأ رووه.
وروي عن سعيد بن غفلة قال: كنا عند عمر- رضي الله عنه- وعنده علي- رضي الله عنه- نأتي بحفات مشبعة بلحم جزور [118 ب/ 1 [فأكلا وآكلنا، ثم قاما إلى الصلاة فصليا ولم يتوضيا، فلما قضيا الصلاة أتيتهما فقلت: لقد أكلتما طعامًا كنتما إذا أصبتما منه توضأتما، فقالا: سمعنا رسول الله يقول:" لا ينقص وضوء المسلم طعام قد أحل الله آكله".
ولأنه مها يغتذي به فأشبه الفاكهة.
وقال أحمد، وإسحاق: يجب الوضوء من أكل لحم الجزور خاصة.
وحكاه ابن أبي أحمد، عن الشافعي أنه قال في القديم.
واحتج بما روى أن النبي.
سئل: أيتوضأ من لحوم الغنم؟ فقالت: لا فقيل: أيتوضأ من لحم الإبل؟ فقال: نعم.
وهذا غلط لما روى ابن

عباس- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" الوضوء مما يخرج لا مما يدخل" وأما خبرهم: قلنا نحمله على غسل اليد وهو ظاهر لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد لما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) "كان يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده".
وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم) " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ويعده ينفي اللحم".
وإنما فرق بين لحم الغنم، ولحم الإبل؛ لأنه يندب إلى غسل اليد من لحم الجزور أكثر مما يندب إليه من لحم الغنم لثقل رائحته وزهومته.
وقال أصحابنا: المأكول على ثلاثة أضرب: طاهر لا ريح له كالخبر والتمر واللبن، إن شاء غسل اليد منه وإن شاء [199 أ/ 1] لم يغسل، وطاهر له رائحة كالبصل والثوم واللحم يستحب أن يغسل يده منه كالمسكر والميتة إذا أكلها عند الضرورة فيجب غسل اليد منه، وكل موضع أصابه من جده فإن صلى قبله غسله أعاد الصلاة.
مسألة: قال:" وَكُلَ مَا أأَوْجَبَ الْوُضًوءَ فَهُوَ بالْعَمْدِ وَالْسَّهْوِ سَوَاءٌ".
وهذا كما قال: كل ماء ينقض الوضوء فعمده وسهوه سواء، قصد به الرد على مالك في اللمس والمس من غير قصد، والأصل في ذلك ما روى أن النبي (صلي الله عليه والسلام) أوجب الوضوء من المدّى، وهو بخرج من غير قصد، ولأنه لو احتلم يلزمه الغسل وهو بغير قصد واختيار، فدل على أنه لا يعتبر فيه الفصل.
مسألة: قال:" وَمَنْ اسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ في الْحَدَثِ".
الفصل وهكذا كما قال: إذا تيقن الطهر ثم شك في الحدث، أو تيقن الحدث ثم شك في الطهر بنى على اليقين، سواء لحقه الشك بعد الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها، وأصله ما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فينفخ بين إليتيه ويقول: أحدثت، فلا تنصرني حتى تسمع صوتًا أو تشم ريحًا".
وقال مالك: يلزمه الوضوء بكل حال.
وقال الحسن: إن كان الشك في الصلاة مضي في صلاته، وإن كان الشك قبل صلاته فإنه يلزمه الوضوء.
قيل: هو قول مالك ولا يصح، وهذا غلط؛ لأنه يبقى حالة [199 ب/ 1] فلا يزيلها الشك إلى ضدها، كما لو تيقن الحدث ثم شك في الطهر، ونفيس على ما لو كان الشك في بناء الصلاة.
واحتج بأن هذا الشك يرجع إلى جواز صلاته، فكأنه شك أن إحرام صلاته هل صح أم لا؟ قيل: اليقين السابق أولي من هذا الشك، كما لو شك في طهارة الماء فإنه ببني على أصل الطهارة.

فرع قال صاحب" التلخيص" لا يزول اليقين بالشك في الطهارة إلا في مسألة، وهي أن يقول: توضأت وأحدثت ولا أدري أيهما قد مت؟ فقال له: قدم وهمك على الأمرين، فإن كنت محدثًا قبل هذين الأمرين فأنت الآن متطهر، وإن كنت متطهر فأنت الآن محدث.
وهذا في الخشفة بناء على اليقين أيضًا لا على الشك، ووجهه أنه إذا كان قبل هذين الأمرين محدثًا بعد عرف أن طهره رفع أن طهره رفع ذلك الحدث، ثم شك هل وجد حدثًا؟ رفع ذلك الطهر أم لا والأصل عدمه.
وفي عكسه إذا كان قبل هذين الأمرين متطهر فقد عرف إن حدثه رفع طهره، ثم شك هل وجد طهر رفع ذلك الحدث أم لا؟ والأصل عدمه، وهذا كما لو أقام رجل البينة أن فلانا استوفي منه جميع حقه وأبرأه، ثم أقام المشهود عليه بالقبض.
بينة أن المشهود له أقر له بألف، لم يثبت عليه لجواز أن يكون ذلك قبل الاستيفاء.
ومن أصحابنا من قال: يتعارض هذان العارضان ويرجع إلى الأصل المتقدم [120/ 1]، فإن] كان] قبل هذين الأمرين طاهرًا فهو الآن طاهر، وإن كان محدثًا فهو الآن محدث.
ومن أصحابنا من قال: عليه الوضوء هاهنا احتياطًا للصلاة.
وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، وهذا لأنه لم يتيقنهما وشك في السابق منهما استوت حالتهما، فصار الوضوء مشكوكًا فيه، ولا يجوز أن يصلي بطهارة مشكوكًا فيها، وما ذكره القائل الأول لا يقوى ظن الطهارة؛ لأنه قد تيقن حصول حدث بعد ذلك الحدث الأول، وشك في أن الطهارة تأخرت عنه بإزالته أم لا، فصارت الطهارة مشكوكًا فيها، فإن قال: عرفت قبل هاتين الحالين حدثًا وطهارة، ولا أدري أيهما كان أولًا؟ اعتبرنا ما كان مستقبل هاتين الحالتين الأوليتين، فإن عرق الطهارة من نفسه قبلهما جاز له أن يصلي الآن، وإن عرف الحدث قبلهما لم يكن له أن يصلي الآن ما لم يتطهر، فجواب هذه المسألة هو بعكس ما ذكرنا، وهما سواء في المعنى إذا تأملت.
وهذا هو على قول ابن أبي أحمد، فإن قيل: ترك الشافعي الأصل المتيقن في مسائل منها: ما قال: لو كان له عبد غائب لا يعرف حياته فأعتقه عن الكفارة لم يجز، والأمل بقاؤه وجواز عتقه عنها.
ونال في الجمعة: إذا شك هل خرج الوقت أم لا لم تجز الجمعة، والأصل بقاء الوقت.
وقال: لو شك في انضاء مدة المسح لا يجوز المسح، والأصل بقاء المدة [120 ب/ 1].
وقال: لو رأى أن ظبيًا بال في غدير، ثم عاد إلى ذلك الغدير فوجد ماء متغيرًا، ولا يدري أبنفسه تغير أم ببوله لا يجوز التوضيء به، والأصل الطهارة.
قلنا: أما الأول فقد تقابل هناك أصلان حساب العبد واشتغال ذمته بالكفارة، فلا تبرأ ذمته إلا باليقين.
وأما الثاني: فالأصل في الفرض الظهر والجمعة عارض يجوز بشرائط، فإذا شككنا في شرطه بنينا على أصل الفرض وهو الطهر.
وعلى هذا قال يعض أصحابنا: إذا رفع الشك في ذهاب وقت الجمعة في أثناء الصلاة لا يتمها جمعة على قياس المذهب.
وأما الثالث: فالأصل وجوب غسل الرجلين والمسح جوز رخصة شرط فلا بد من

جارٍ التحميل