شهر ليكون الشرط بعد موتها والطلاق لا يقع بعد الموت، وهكذا لو ماتت قبله بشهر سواء لم يقع الطلاق عليها مع الموت كما لا يقع الطلاق عليها بعد الموت، وقال القاضي الطبري: إذا ماتت وعاش الرجل شهرًا من حين ماتت عندي انها مطلقة لأنها طلقت قبل موتها.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق في اليوم الذي يقدم فيه زيد ثم ماتت في أول يوم قدم زيد في آخره هل يقع الطلاق؟ فيه وجهان: أحدهما: قاله ابن الحداد في فروعه يقع لأنه إذا قال لها: أنت طالق في يوم السبت طلقت بعد طلوع فجره، فكذلك إذا قال: أنت طالق في اليوم الذي يقدم فيه زيد كان قدومه في اليوم الذي يقتضي وقوع الطلاق فيه فوجب أن يقع الطلاق عليها.
والثاني: قال ابن سريج لا يقع لأن قدوم زيد يوجب وقوع الطلاق بعده حتى لا يقع قبل وجود شرطه ويخالف تعليق الطلاق باليوم وحده لأنه في تعليقه باليوم معلق بشرطٍ واحد وقد وجد بطلوع الفجر فوقع فوي تعليقه بقدوم زيد تعليق لطلاقها بشرطين فلم يقع الطلاق [7/ أ] إلا بهما وعلى هذا لو قال لعبده: إذا قدم زيد فأنت حر ثم باعه في أول يوم قدم زيد في آخره عتق على قول ابن الحداد وبطل البيع ولم يقس على قول ابن سريج لوجود الشرط بعد صحة البيع.
فرع آخر
إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر ثم خالعها وقدم زيد فإن قدم قبل شهر لم تطلق بقدومه وصح الخلع، وإن قدم بعد شهر فإن كان الخلع قبل قدومه بأكثر من شهر صح الخلع ولم تطلق بقدوم زيد لأنها بانت بالخلع قبل قدوم زيد بأكثر من شهر، وإن كان الخلع قبل قدومه بأقل من شهر وقدم زيد بعد عقد الطلاق بقدومه بأكثر من شهر طلقت بقدوم زيد وبطل الخلع لتقدم الطلاق بقدوم زيد على الخلع فصار الخلع واقعًا بقد وقوع الطلاق عليها بقدوم زيد.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق في شهر قبل رمضان تطلق في شعبان، ولو قال: في شهر قبله رمضان طلقت في شوال، ولو قال في شهر بعد رمضان طلقت في شوال، ولو قال: بعده رمضان طلقت في شعبان لأن دخول الهاء على قبل وبعد مخالف لحذفها منهما تعليلًا بما يظهر من الفرق بينهما فعلى هذا لو قال: أنت طالق في شهر قبل ما قبل رمضان طلقت في رجب لأن ما قبل رمضان شعبان وما قبل شعبان رجب، ولو قال: في شهر قبل ما قبله رمضان طلقت في رمضان لأن ما قبله رمضان شوال وما قبل شوال رمضان على هذا لو قال: أنا طالق في شهر بعدما بعد رمضان طلقت في ذي القعدة، ولو قال: في شهر بعد ما بعده رمضان طلقت في رمضان، ولو قال: أنت طالق في
شهر ما بعد رمضان [7/ أ] طلقت في رمضان، ولو قال: في شهر قبل ما بعده رمضان طلقت في رجب لأن ما بعده رمضان شعبان وقبل شعبان رجب، ولو قال: أنت طالق في شهر بعد ما قبله رمضان طلقت في رمضان لأنه قبل ما بعده، ولو قال: في شهر بعدما قبله رمضان طلقت في ذي القعدة، ولو قال: أنت طالق في شهر قبل ما قبل ما بعد رمضان طلقت في شعبان، ولو قال: في شهر قبل ما بعده رمضان طلقت في جمادي الآخرة، ولو قال: أنت طالق في شهر بعد ما قبل رمضان طلقت في شوال، ولو قال: في شهر بعد ما بعد ما قبله رمضان طلقت في ذي الحجة.
فرع آخر
لو قال: إن ضربتكِ فأنت طالق قبل ضربي إياكِ بشهر فإن ضربها قبل مضي شهر لم تطلق وانحلت اليمين ولو أمله شهرًا فأكثر ثم ضرب حنث واستند ذلك الطلاق آلي ما قبله بشهر، وقال أبو حنيفة: يقع الطلاق عقيب الضرب ولا يستند ووافقنا أنه إذا قال: قبل موتي أو موتك بشهر فمات بعد مضي أكثر من شهر يقع الطلاق ويستند فنقيس عليه.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق غدًا أمس أو أمس غدًا فإنما تطلق غدًا في المسألتين جميعًا لأنه جعله ظرفًا لإيقاع الطلاق فلا يقع قبله، ولو قال أنت طالق غد أمس أو أمس غد ففي المسألتين يقع الطلاق اليوم لأنهما عبارتان في الحال إذ كل يوم منه غد أمسه أو أمس غده.
فرع آخر
قال: ولو قال لها: أنت طالق إذا طلقتك فإذا طلقها وقعت عليها واحدة بابتدائه الطلاق والأخرى بالحنث، إذا قال لها أنت طالق إذا طلقتك فمعناه إذ أحدثت طلاقك وفي عبارة عن الذي يباشرها وعن طلاق يقع بصفة يحدثها عليها، فإن طلقها طلقت واحدة بالمباشرة وأخرى بالصفة، فإن قال: [8/ أ] لم أرد به الصفة وإنما أردت إذا طلقتك فأنت طالق بطلاقي الذي وقع عليك.
قال في "الأم": لم يقبل في الحكم ودين فيما بينه وبين الله تعالى لأن ظاهر قوله غير ما قال ولا يسعها أن تقيم معه لأنها لا تعرف من صدقه ما يعرف هو من صدق نفسه، فإن كانت المسألة بحالها فقال لها بعد ذلك، إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وقع عليها طلقة بدخول الدار وأخرى بالصفة لأن الطلاق الواقع بدخول الدار أحدثه عليها، ولا يقع الطلاق قبل دخول الدار لأنه تعليق طلاق لا إيقاع طلاق، ولو قال لها: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: إذا طلقتك فأنت طالق فدخلت الدار وقعت واحدة بالشرط دون الحنث لأنه لم تطلق
بعد ما حلف بالطلاق فلم يقع الحنث وعلى هذا لو قال لها: كلما طلقتك فأنت طالق معناه كلما استأنفت إحداث طلاق عليك فأنت طالق وهذا الكلام موضوع على التكرار، فإذا قال لها بعد ذلك: أنت طالق وقع بها طلقة بالمباشرة وأخرى بالصفة لأنه أحدث طلاقًا عليها ولا يقع لوقوع الثانية عليها طلقة ثانية لأن وقوع الثانية ليس بطلاق أحدثه عليها بعد عقد الصفة فلا يقع بوقوعها غيرهما فإن طلقها أخرى فهو إحداث طلاق عليها فيقع ويقتضي أن يقع لوقوعه أخرى ولكن لم يقع لأن الطلاق قد فني، فول تصور أن يكون له أربع طلقات لوقعت الرابعة وهذا إذا كان مدخولًا بها فإن كانت غير مدخول بها طلقت واحدة بالإيقاع ولا يقع أخوى بالحنث لأنها قد بانت وهكذا المدخول بها إذا قال لها هذا ثم طلقها طلقة ثانية مثل أن يطلقها بعوض لم تطلق أخرى وقد انحلت يمينه، وإن خالعها من غير ذكر [8/ ب] الطلاق، فإن قلنا الخلع طلاق انحلت يمينة، وإن قلنا الخلع فسخ لا تنحل يمينه.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو كان لو زوجتان عمرةُ وحفصة فقال: يا عمرةُ إذا طلقت حفصة فأنت طالق ثم قال لعمرة: أنت طالق طلقت عمرة واحدة بالمباشرة ولا تطلق حفصة، ولو قال لحفصة: أنت طالق وقع الطلاق عليها بالمباشرة ووقع الطلاق على عمرة لأن طلاق حفصة طلاقٌ أحدثه عليها فطلقت به عمرة.
فرع آخر
قال: لو قال لعمرة: كلما طلقت حفصة فأنت طالق ثم قال لحفصة: كلما طلقت عمرة فأنت طالق فقد علق أولًا طلاق عمرة بطلاق حفصة ثم علق طلاق حفصة بطلاق عمرة فإذا طلق إحداهما بعد ذلك نظر فإن طلق عمرة طلقت طلقة بالمباشرة، وطلقت حفصة طلقة بالصفة لأنه قد أحدث الطلاق على عمرة فإذا طلقت حفصة عاد على عمرة طلقة أخرى لأن الذي طلقت به حفصة طلاق أحدثه عليها فطلقت عمرة طلقتين وطلقت حفصة طلقة، وإن طلق حفصة أولًا طلقت طلقة بالمباشرة وطلقت عمرة طلقة بالصفة ولا يعود على حفصة طلاق بالطلاق الذي وقع على عمرة لأنه ليس هو الطلاق الذي علق به طلاق حفصة فإنه ما أحدثه على عمرة فإن كانت بالعكس من هذا فقال لعمرة: إذا طلقتك فحفصة طالق فقد علق أولًا طلاق حفصة بصفة هي طلاق عمرة، ثم قال لحفصة: إذا طلقتك فعمرة طالق فإذا طلق واحدة منهما نظر فإن طلق حفصة طلقت طلقتين وعمرة طلقة، وإن وقع طلق عمرة طلقت طلقة وحفصة طلقة واحدة والتعليل ما مضى.
فرع آخر
قال: لو قال لعمرة: كلما طلقت حفصة فأنت طالق، ثم قال لحفصة: كلما طلقت عمرة فأنت طالق [9/ أ] ثم عاد إلى عمرة فقال لها بعد هذا كلما طلقت حفصة فأنت طالق فإن طلق عمرة طلقت بالمباشرة وطلقت حفصة بالصفة ثم عاد إلى عمرة طلقة أخرى بوقوع الطلاق على حفصة وإن طلق حفصة طلقت بالمباشرة وطلقت عمرة طلقة بالصفة ثم عاد إلى عمرة فطلقت أخرى لأنه لما كرر الصفات كان كل طلاق يقع على واحدة بالصفة يكون صفة به يعود الطلاق على صاحبتها.
مسألة: قالَ: "لو قالَ لَها: أنتِ طَالِقٌ كُلَّما وَقَعَ علَيْكِ طَلاقِي".
الفصل
إذا قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فمعناه على أي حال وقع عليك الطلاق فأنت طالق فأن قال لها: أنت طالق وقعت بها طلقة بالمباشرة وثانية بوقوع الأولى وثالثة بوقوع الثانية حتى لو كان يملك ألف طلقة في المثل وقعت كلها، وكذلك لو قال لها بعد هذا القول: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وقع بها ثلاث طلقات.
فرع
لو قال أولًا: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فدخلت الدار وقع ثلاث طلقات.
فرع آخر
لو كانت له زوجتان حفصة وعمرة فقال لعمرة: كلما وقع على حفصة طلاقي فأنت طالق ثم قال لحفصة: كلما وقع على عمرة طلاقي فأنت طالق، ثم قال لإحديهما أنت طالق طلقت كل واحدة منهما ثلاثًا.
فرع آخر
لو قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق فلا يتكرر الطلاق هاهنا لأن كلمة إذا لا توجب التكرار بخلاف كلمة كلما فإذا قال لها بعد ذلك أنت طالق وقعت طلقة بالمباشرة وأخرى بالصفة ولا تقع الثالثة.
فرع آخر
لو قال: إذا وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق ثم قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق [9/ ب] فدخلت طلقت واحدة بالدخول والأخرى بالصفة، ولو قدم فقال: إذا دخلتِ الدار فأنت طالق ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق فدخلت طلقت طلقتين طلقة بالدخول وأخرى بالصفة لأن الصفة وقوع الطلاق بها على أي وجه كان.
فرع آخر
لو قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق وإذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال لها: أنت طالق طلقت ثلاثًا طلقتان، بقوله: أنت طالق والثالثة وقوع الطلاق عليها.
فرع آخر
لو قال: كلما أوقعت عليك فأنت طالق فهذا معناه كلما باشرت أنا ذلك وحدي لا غيري فإذا قال: أنت طالق طلقت طلقتين طلقة بالمباشرة وطلقة بالصفة، ولو قال بعد هذا القول: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت طلقت واحدة لا غير لأن الطلاق بدخول الدار ما أوقعه هو هكذا ذكر أصحابنا ويحتمل خلاف هذا لأنه أوقع الطلاق عليها بشرط وإذا وجد الشرط فهو الوقع للطلاق عليها فلا فرق بين هذا وبين أن يقول: إن طلقتك فأنت طالق ووجدته عن بعض أصحابنا.
فرع آخر
لو قال أولًا: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: إذا أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق ثم دخلت الدار طلقت بدخول الدار ولم تطلق غيرها ما أوقع الطلاق عليها.
فرع آخر
قال أصحابنا على قياس ما ذكرنا لو قال لعبده: إذا طلقت امرأتي فأنت حر ثم قال لهاك إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت طلقت وعتق العبد، ولو قدم التعليق بدخول الدار ثم دخلت الدار طلقت ولم يعتق العبد [10/ أ] ولو قال: إذا وقع طلاقي عليها فأنت حر فدخلت الدار يعتق العبد وطلقت قدم التعليق أو أخرَ.
فرع آخر
لو قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم أعاد هذا اللفظ ثانيًا وقعت طلقة لأن الثاني حلف بالطلاق فحنث به، ولو أعاد هذا اللفظ ثالثًا طلقت، ولو أعاد هذا اللفظ رابعًا طلقت تمام الثلاث وهذا في المدخول بها فإن كان غير مدخول بها لا يقع إلا واحدة، ولو قال: إن طلقتك فأنت طالق ثم أعاد هذا اللفظ مرارًا لم يقع شيء لأن الثاني وما بعده ليس بإيقاع الطلاق عليها.
فرع آخر
لو قال لغير المدخول بها: إن طلقتك فأنت طالق ثم قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فإذا وطئها بنصف الحشفة طلقت ثلاثًا واحدة بالوطيء وثانية بالأولى لأنها صارت بالوطيء مدخولًا بها تجب العدة عليها وبالثانية بالثانية، وأما الحدُ فإن نزع ثم عاود يلزمه وإن استدام الإيلاجة الأولى ففي الحد وجهان.
فرع آخر
لو قال: كلما طلقتك فأنت طالق، ثم وكل في طلاقها فطلقها الوكيل لم تطلق غيرها لأن طلاق الوكيل ليس من فعله، ولو قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثم طلقها وكيله واحدة فيه وجهان أحدهما: لا تطلق غيرها.
والثاني: تطلق ثلاثًا لأنه واقع من جهته وإن لم يكن من فعله.
فرع آخر
قال لأربع نسوة: كلما طلقت واحدة منكن فصواحباتها طوالق وكن مدخولًا بهن فإذا طلق واحدة طلقت بالتنجيز والأخرتان بالحنث فلما طلق الثانية طلقت بالتنجيز الأولى والأخرتان بالحنث فلما طلق الثالثة طلقت الطلقة الثانية بالتنجيز وطلقت الأولتان والأخيرة بالحنث فلم يبق له على واحدة منهن ملك فلا معنى لتطليق الرابعة [10/ ب].
فرع آخر
لو قال: كلما وقع طلاقي على واحدة منكن فصواحباتها طوالق فطلق واحدة منهن طلقن ثلاثًا ثلاثًا.
ولو قال: كلما طلقت واحدة منكن فأنتن طوالق فلما طلق الأولى حصلت لها طلقة بالتنجيز وطلقة بالحنث ولصواحبها لكل واحدة طلقة فلما طلق الثانية لحقها طلقة بالتنجيز وطلقة بالحنث فتم لها الثلاث وتم للأولى الثلاث وحصلت لكل واحدة من الأخرتين طلقة أخرى فلما طلق الثالثة بانت منه الثالثة والرابعة بالثلاث.
فرع آخر
لو قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إذا طلعت الشمس فأنت طالق أو إذا انسلخ الشهر فأنت طالق أو إذا قدم الحجيج فأنت طالق لم يحنث لأنه ما حلف بطلاقها ولكنه علق طلاقها بصفة تلك الصفة لا يمنعها بيمينه فإن طلوع الشمس لا يمنع بيمين والحلف أن يمنع نفسه بها عن فعل شيء أو يوجب عليها فعل شيء كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ونحو ذلك وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحنث بكل هذا لأنه يمين قالوا وعلى هذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة عند ابن سريج تنحل تلك اليمين ويقع ذلك الطلاق الآن وعند غيره يقع طلقة في الحال بقوله عجلت ثم إذا جاء رأس الشهر تقع أخرى وهذا غير مشهور، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى: كله يمين إلا في ثلاثة أشياء أن يقول: إذا حضت أو إذا طهرت أو إن شئت فأنت طالق لأن المقصود بقوله حضت أو طهرت السنة أو البدعة والمقصود بقوله إن شئت التمليك الذي يراعى فيه الرد والقبول وهذا خطأ لأن اليمين ما قصد بها المنع من شيء أو الحث على شيء أو التصديق على شيء مثل أن يقول: إن لم أكن دخلت الدار فأنت طالق وهذا لا يوجد إذا قال: إذا جاء
رأس الشهر أو طلعت الشمسُ [11/ أ] فأنت طالق فلا يقع إلا بما ذكرنا
فرع آخر
لو كانت المسألة بحالها فقال: إن دخل زيد الدار فأنت طالق فإن كان زيد ممن قد يطيعه ويمتنع من الدخول بقوله فهي يمين بالطلاق فتطلق، وإن كان زيد سلطانًا أو ذا قدرة لا يطيعه فهو طلاق بصفة وليس بيمين فلا يقع خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله.
فرع آخر
لو قال: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، وإذا لم أحلف بطلاقك فأنت طالق وإذا لم أحلف بطلاقك فأنت طالق ثم سكت طلقت طلقتين قاله أبو علي الزجاجي رحمه الله تخريجًا.
فرع آخر
لو قال لهما: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان ثم ذكر ذلك مرة أخرى وقع عليها طلقة لأنه حلف بطلاقهما بعد اليمين الأولى، وكذلك إن عاد ذلك ثالثًا وقعت طلقة ثانية، وإن أعاده رابعًا طلقت طلقة ثالثة، ولو قال: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق ثم كرر ذلك لم يقع على واحدة منهما طلاق لأنه حلف بطلاق عمرة أن لا يحلف بطلاقهما وأعاد الحلف بطلاق عمرة فلم يحنث؛ لأنه لم يحلف بطلاقهما.
فإن قال بعد هذا: إن حلفت بطلاقكما فحفصة طالق طلقت عمرة لأنه قد حلف بطلاقهما، فإن قال بعد هذا: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق لم تطلق حفصة لأنه لم يحلف بطلاقهما بعد يمينه على ذلك بطلاقهما فإن قال بعده: إن حلفت بطلاقهما فحفصة طالق طلقت حفصة، وإن قال: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق طلقت عمرة.
فرع آخر
لو كانت له زوجتان مدخول بها وغير مدخول بها فقال: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان ثم أعاده ثانيًا طلقت كل واحدةٍ واحدةً فإن أعادة ثالثًا لم تطلق واحدة منهما، أما غير المدخول بها فلأنها بانت، وأما المدخول بها فلأن وقوع الطلاق عليها بأن يكون حالفًا بطلاقهما وهو غير حالف بطلاق غير المدخول بها لأن بعد بينونتها لا يكون حالفًا بطلاقها.
فرع آخر
لو قال لها: إذا لم أحلف [11/ ب] بطلاقك فأنت طالق وكرر ذلك ثلاث مرات نُظر فإن كان فرق هذه الألفاظ فسكت بين كل يمينين يحنث يمكنه أن يحلف فلم يفعل فقد وقع ثلاث تطليقات لأن إذا في النفي تقتضي الفور، وإن كان لم يفرق أيمانه لم يحنث في الأولى لأنه حلف عقيبها وكذلك الثانية وإنما حنث في الثالثة لأنه لم يحلف عقيبها، ولو قال: كلما لم أحلف بطلاقك فأنت طالق فإن هذا يقتضي التكرار فإذا
مضى من الزمان ما يمكنه أن يحلف فيه ثلاثة أيمان فلم يحلف طلقت ثلاثًا وكذلك إذا قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق.
فرع آخر
لو كان له أربع نسوة وعبيد فقال: كلما طلقت واحدة منكن فعبد من عبيدي حر وكلما طلقا اثنتين فعبدان حران وكلما طلقت ثلاثة فثلاثة أعبد أحرار وكلما طلقت أربعًا فأربعة أعبد أحرار ثم قال: لهن أنتن طوالق أو طلق واحدة واحدة طلقت الأربع قال في "الإفصاح": ويعتق خمسة عشرة عبدًا وعلى هذا عامة أصحابنا ووجهه أن الأربعة أربعة آحاد ومرتين اثنان وواحد ثلاثة وواحد أربعة فيكون أربعة أعبد بالآحاد وأربعة أعبد بالاثنين وثلاثة أعبد بالثلاثة وأربعة أعبد بالأربعة فيكون الجميع خمسة عشر، قال في "الإفصاح": ويحتمل أن يقال: تعتق سبعة عشر لأن في الثالثة ثلاث صفات صفة الواحدة والاثنتين والثلاث فإن الثالثة مع الثانية اثنان فنزيد عبدان آخران ويصير الجميع سبعة عشر وهذا لا يصح لأنه يلزمه أن يقول في الرابعة يحتمل أربع صفات هي واحد واثنان وثلاثة وأربعة فتعتق بالرابعة عشرة أعبد فيبلغ عدد العبيد عشرون وقد قال به بعض أصحابنا وهو قول أبو حنيفة رحمه الله ويلزم هذا القائل أن يقول [12/ أ] فق الرجل إذا قال: كلما أكلت نصف رمانة فعبد من عبيدي حر فأكل رمانة إنه يعتق ثلاثة أعبد لأنه إذا أكل نصفها يعتق عبد وإذا أكل ربع النصف الثاني يعتق عبد آخر فلما أجمعنا على أنه يعتق عبدان لأن الرمانة ليس لها إلا نصفان فكذلك الأربعة فيها اثنان مرتين وثلاثة مرة واحدة، وقال أبو الحسن القطان: يعتق عشرة أعبد بالواحدة واحدة، وبالاثنتين اثنان، وبالثلاث ثلاثة وبالأربع أربعة وهذا لا بأس به ولكن الخمسة عشر أقول لأن كل يقضي التكرار وفي الأربع أربعة آحاد واثنتين مرتين، ومن أصحابنا من قال: يعتق ثلاثة عشرة، بالواحدة واحدة وبالثانية ثلاثة وبالثلاثة أربعة وبالأربعة خمسة فحصل خمسة أوجه، ولو لم يقل كلما وذكر هذه الأيمان بلفظ إن وإذا يعتق عشرة من العبيد بلا إشكال واحد واثنان وثلاثة وأربعة.
فرع آخر
لو قال: إن كلمت رجلًا فأنت طالق، وإن كلمت زيدًا فأنت طالق، وإن كلمت فقيهًا فأنت طالق فكلمت زيدًا وكان فقيهًا يقع ثلاث تطليقات لوجود جميع الصفات فيه، وإن كان واحدًا.
مسألة: قالَ: "ولَوْ قَالَ: أنتِ طَالِقٌ إذا لَمْ أُطَلِّقْكِ".
الفصل
الحروف المستعملة في الطلاق سبعة: "إن وإذا ومتى ومتى ما وأي وقت وأي حين
وأي زمان".
فإذا استعملت في الطلاق لا يخلو، إما إن علق بها عطية أو لم يعلق بها عطية فغن علق بها عطية فقد ذكرنا حكمة في كتاب الخلع، وإن لم يعلق عطية لا يخلو أمام إن ذكر ذلك في الإثبات أو في النفي فإن ذكر في الإثبات فكلها على التراخي مثل قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو إذا دخلت أو متى دخلت، وكذلك إذا قال: متى طلقتك فأنت طالق [12/ ب] أو إذا طلقتك أو إن طلقتك الكل واحد، فأما في النفي فلا خلاف أن خمسة ألفاظ منها على الفور وهو قوله: متى ومتى وما وأي وقت وأي حين وأي زمان إن لم أفعل كذا، أو إن لم أطلقك فأنت طالق، فإذا مضى وقت يمكنها فيه أو يمكنه أن يطلقها فلم يوجد ذلك وقع الطلاق، والفرق بين هذا وبين الإثبات أن تقديره في الإثبات أي وقت طلقتك فأنت طالق وتقديره في النفي أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، فافترقا، ولو قال: أردت متى فاتني طلاقك فأنت طالق هل يقبل في الحكم وجهان، ولا خلاف انه إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق أنه على التراخي، فلا يقع عليها الطلاق حتى يموت أحد الزوجين، فإذا مات أحد الزوجين وقع عليها الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياة الميت، وهو الزمان الذي لا يتسع لإيقاع حروف الطلاق فيه، فإنه الوقت الذي فاته فيه الطلاق، وقال القفال: أما في موتها فقبيل الموت، وأما في موته فقبيل العجز عن الطلاق المتصل بالموت حتى لو جن واتصل الجنون تبينا أن الطلاق واقع قبيل الجنون، وكذلك لو انفسخ النكاح بسبب ومات قبل البينونة تبينا وقوع الطلاق قبل الفسخ وهذا أحسن ولكنه خلاف ظاهر المذهب، وأما كلمة إذا فالمنصوص أنه على الفورية.
قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهم الله على التراخي كقوله إن: لأن كليهما يستعمل شرطًا وهذا قول بعض أصحابنا فقال يتعذر الفرق بين كلمة إن وكلمة إذا فينقل جوابه في كل واحد منهما إلى الآخر وتخريجهما على قولين، ومن أصحابنا من قال: النصان على ظاهرهما وهو الصحيح والفرق ظاهر وذلك أن كلمة إذا عند أهل اللغة وأهل النحو موضوع للوقت فإذا قال لها: [13/ أ] إذا لم أطلقك فأنت طالق معناه عندهم أي وقت لم أطلقك فأنت طالق فإذا مضى عليه وقت يمكنه أن يطلقها فيه فلم يطلق وقع الطلاق لوجود الصفة التي علق الطلاق عليها يدل عليه أن إذا يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال عن الوقت كما يصلح متى ومتى ما وأي وقت وأي حين، ألا ترى أنه إذا قال الرجل لآخر أي: وقت تلقاني وأي وقت تقضي حقي فقال: إذا شئت أو إذا زالت الشمس، أو إذا دخل الليل أو إذا قدم الحاج صح هذا الجواب كما إذا قال: متى شئت ومتى زالت الشمس ومتى دخل الليل ومتى قدم الحاج فدل على أن إذا ومتى واحد، وأما كلمة إن فإنه يفيد الشرط دون الوقت والزمان، ألا ترى انه لا يصلح أن يكون جوابًا عن سؤال الوقت على ما بيناه فافترقا، قال المزني: فرق الشافعي - رحمه الله عليه - بين إذا وإن فألزم في إذا لم يفعله من ساعته ولا يلزمه في أن إلا بموته فحكي كيف فعل الشافعي ولم يبين أنه راضٍ بما قاله أو يخالفه
وتعرض عليه فإن كان معترضًا فمن حقه أن يأتي بالدليل لينظر فيه.
فرع أخر
لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار أو إذا دخلت الدار فهاتان اللفظتان توجب وقوع الطلاق في الحال لأنهما كلمتا تعليل كأنه يقول: أنت طالق لأنك دخلت الدار، ذكره القفال، وقال أبو حامد وجماعة: إن لم يكن الرجل من أهل الإعراب يقع في الحال على ما ذكرنا، وقال القاضي الطبري: يقع في الحال إلا أن لا يكون من أهل الإعراب، فيقول: أردت به الشرط فيقبل قوله لأن الظاهر منه أنه لا يفرق بين المفتوحة والمكسورة وهذا أولى لأن قبل أن يتبين لنا مراده يجب حمل لفظه على مقتضاه في اللغة، فأما [13/ ب] أن يكون لعدم معرفته بالكلام يصرف اللفظ عما يقتضيه بغير قصده فلا.
وحكي أن أبا يوسف قال: قال للأصمعي: بين يدي الخليفة أيها الأصمعي ضيعت أيامك يعني في الأدب فقال: أيها القاضي ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار فقال: إذا دخلت الدار يقع فقال: أيها القاضي ضيعت أيامك حتى لم تفصل بين كلمة التفصيل وكلمة التعليق، وقال في "الحاوي": إن لم يكون عالمًا بالإعراب فيه وجهان.
فرع آخر
لو قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق: فسكت مدة يمكنه طلاقها وقعت ثلاثًا متواليات لأن كلما للتكرار فإذا مضى الزمان الأول طلقت، ثم إذا مضى ثاني طلقت اخرى ثم إذا مضى زمان ثالث طلقت الثالثة.
فرع آخر
قال ابن سريج في كتاب "الفنية": لو قال لها: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم فخرج اليوم قبل أن يطلقها لم تطلق لأن الصيغة فاتت بخروج اليوم ولا يقع الطلاق بعد خروج اليوم لامتناع صفته ووافقه جماعة على هذا، وقال القاضي الطبري وأبو حامد: هذا منه بعيد وليس على ما قاله بل الطلاق يقع عليها قبل خروج اليوم لأن معناه إن فاتني طلاقك اليوم فأنت طالق والطلاق يفوته إذا بقي من النهار زمانٌ لا يتسع لإيقاع حروف الطلاق فيه فوقع الطلاق قبل الليل كقوله: إن لم أطلقك فأنت طالق وقع الطلاق به قبيل موته كذلك هاهنا، وقال في "الحاوي": هذا فاسد؛ لأن وقوع الطلاق إذا لم يكن إلا بلفظ الطلاق فزمان لفظه زمان وقوعه مثلان، فإذا ضاق عن أحدهما ضاق عن أحدهما ضاق عن الآخر، ولكن لو قال: إن لم أبع عبدي اليوم فأنت طالق [14/ أ] الدار وهي مطلقة، فإن دخلتها غير مطلقة لم تطلق كما لو قال: إن
دخلت الدار راكبة وإن طلق وكان الطلاق رجعيًا، ثم دخلت الدار طلقت طلقتين آخرتين بدخول الدار.
فرع آخر
لو كرر حرف الشرط ويسميه أهل العلم اعتراض الشرط على الشرط فقال: أنت طالق إذا ركبت إن لبست لا يقع باللبس والركوب، فإن ركبت ولبست على ما قاله في لفظه بان بدأت بالركوب ثم عقيبه باللبس لم تطلق، وإن خالفت ترتيب اللفظ فبدأت باللبس وعقيبه بالركوب طلقت لأن قوله إذا ركبت إن لبست فقد جعل اللبس شرطًا في الركوب فوجب أن يتقدم عليه لأن الشرط يتقدم على المشروط، وهكذا لو قال: أنت طالق إذا قمت إذا قعدت لم تطلق حتى يتقدم القعود على القيام لأنه جعل القعود شرطًا في القيام، وإن كان حرف الشرط فيهما واحدًا، وهكذا لو قال: أنت طالق إن أكلت إن تكلمت لم تطلق حتى يتقدم الكلام على الأكل، وكذلك لو قال: إن أكلت الخبز إن شربت الماء فأنت طالق لا تطلق حتى تشرب الماء قبل أكل الخبز فإن أكلت أولاً ثم شربت ثم أكلت طلقت حينئذٍ، وعلى هذا لو قال: أنت طالق إذا دخلت الدار إن كلمت زيدًا إن ضربت عمرًا لم تطلق حتى يفعل الثلاث بعكس لفظه فبدأ بضرب عمر وثم بكلام زيد ثم بدخول الدار، لأن كل واحد منهما شرط ففيهما تقدمه فوجب أن يتقدمه.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق مريضةً بالنصب كان المرض شرطًا فما لم تمرض لم تطلق لأن نصبه على الحال يخرجه مخرج الشرط، ولو قال: مريضة بالرفع طلقت في الحال لأنه بالرفع يصير صفة لها هذا فيمن كان من أهل العربية، فأما من لا يفرق بين الرفع والنصب فيه وجهان، أحدهما: أن حكمه حكم أهل العربية [14/ ب]، لأن الحكم يتعلق باللفظ سواء عرف حكمه أو جهله مثل صريح الطلاق وكنايته، والثاني: يستوي فيه حكم الرفع والنصب في وقوع الطلاق لأن الأعراب دليل على المقاصد والأغراض، فإذا جهلت عدمت، ومن أصحابنا من قال: إذا قال بالرفع لا يقع إلا في حال المرض أيضًا، وإن كان من أهل العربية لأن قوله: مريضة نكرة تكون صفة لمعرفة وقد عرفها بالإشارة إليها فلا تكون إلا حالاً وإنما لحن في إعرابها وهذا لحن لا يغير المعنى فمعناه بالرفع تطلقين وأنت مريضة، وهكذا لو قال: أنت طالق وَجِعَة فنصب أو وجِعة أو رفع.
فرع آخر
لو قال لأربعة نسوة: أيتكن لم أطأها اليوم فصواحباتها طوالق فإن خرج اليوم قبل
أن يطأ واحدة منهن طلقت كل واحدة منهن ثلاثًا، لأن لكل واحدة ثلاث صواحبات لم تطأ، وإن وطئ واحدة طلقت الموطوءة ثلاثًا لأن لها ثلاث صواحب لم توطأ وطلقت كل واحدة من الباقيات تطليقتين لأن كل واحدة صاحبتين لم توطأ، فإن وطئ اثنتان طلقت كل واحدة من الأخرتين طلقة فإن وطئ ثلاثًا منهن طلقت كل واحدة منهن طلقة ولم تطلق الرابعة لأن ما بقي لها صاحبة لم يطأ فإن كانت المسألة بحالها فأطلق ولم يقيده باليوم فماتا أو إحداهما كان الموت بمنزلة خروج اليوم على ما فصلناه.
فرع آخر
قال المزني في "المنثور": إذا قال لامرأته: إذا طلقتك طلقة أملك عليك فيها الرجعة فأنت طالق قبلها ثلاثًا، ثم قال لها: أنت طالق لم يقع عليها شيء لأن هذه الطلقة لو وقعت لوجب أن تكون رجعية واقتضى ذلك وقوع الثلاث، فإذا وقعت الثلاث لم يملك فيها الرجعة، وإذا لم يملك الرجعة [15/ أ] لم يقع الثلاث، ولو لم يكن مدخولاً بها أو طلقها بعوض وقع ما باشر لأنه شرط طلاقًا على صفة يملك فيها الرجعة وهذا على صفة لا يملك فيها الرجعة وفرع أصحابنا على هذا فقالوا: لو قال لها متى وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا ثم قال: أنت طالق لا يقع أيضًا للدور الذي ذكرنا.
قالوا: وهذا مذهب ابن سريج وهو الحيلة في أن لا يقع طلاق على زوجنه وهذا أسهل من الخلع فإذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا ثم قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت قبلة ثلاثًا وهكذا لو حلف بالطلاق الثلاث لا يطأها فالحيلة أن يقول لها هذا ويطأ فلا يقع.
وعلى هذا إذا قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا وكلما فسخت نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثًا لا ينفذ الفسخ ولا الطلاق بحال ومن هذا اللحن لو قال لها: إن وطئك وطئًا مباحَا فأنت طالق قبله فإذا وطئها لم يقع لأنه لو وقع لما كان الوطء مباحًا وقيل إن ابن سريج وافق في هذا لأنه لا يؤدي إلى سد باب الطلاق، وعلى هذا لو قال: إن ظاهرت منك فأنت طالق قبله ثلاثًا فظاهر لا يصح خلافًا لابن سريج، ولو كان له عبد وزوجة فقال لها: مهما دخلت الدار وأنت زوجتي فعبدي حر قبل دخولك وقال لعبده: مهما دخلت الدار وأنت عبدي فزوجتي طالق قبل دخولك ثم دخلا معًا لم تطلق ولم يعتق ووافقنا ابن سريج لأنه لا يؤدي إلى سد باب الطلاق واختلف أصحابنا في ذلك فذهبت طائفة إلى ما ذكرنا، منهم أبو بكر بن الحداد والقفال الشاشي [15/ ب] وأبو حامد والقاضي الطبري وجمهور مشايخ خراسان واحتجوا بأنه إن أوقع عليها ما أوقعه وجب أن يقع الطلاق المعلق به لأن الشرط إذا حصل وجب حصول المشروط، وإذا وقع قبله ثلاثًا لم يقع ما أوقعه لأنه لا يملك أكثر من ثلاث، وإذا لم يقع ما أوقعة لم يقع الثلاث فإثبات هذا الطلاق الموقع يؤدي نفيه فلا يجز إثبات وإيقاعه ومثل هذا قاله الشافعي رحمة الله عليه إذا زوج الرجل عبده حرّة بصداق قيمته لها ثم باعها العبد بالصداق قبل الدخول لم يصح البيع لأنه لو صح ملكت
زوجها وإذا ملكها انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح سقط مهرها لأن الفسخ كان من جهتها قبل الدخول وإذا سقط المهر بطل البيع لأنه هو عوضه فأفسد البيع لأن ثبوته يؤدي إلى بيعه كذلك هاهنا، وقال بعضهم: يقع الطلاق المباشر دون المعلق بالصفة وبه قال ابن أبي أحمد فغنه قال في "التلخيص": وكل من طلق امرأته بصفة وقع الطلاق بمجيء الصفة إلا واحد وهو إذا قال لامرأته: أنت طالق اليوم ثلاثًا إن طلقتك غدًا واحدة فطلقها غدًا واحدة وقعت الواحدة دون الثلاث، وحكي القاضي الطبري هذا عن ابن سريج فإنه قال في زيادات الطلاق، إذا قال لغير المدخول بها: إذا طلقتك فأنت طالق أخرى قبل التي أوقعتها عليك فطلقها وقعت التي أوقعها ولم تقع الأخرى لأنها لو وقعت لم تقع عن التي أوقعها، وقال صاحب "الحاوي": من حكي عن ابن سريج خلاف هذا فقد وهم وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة وابن أبي هريرة لن الناجز أصل هو أقوى والمعلق بالصفة نوع هو أضعف [16/ أ] فلم يجز أن يكون أضعفهما رافعًا لأقواهما ولأن طلاق الصفة لا يقع إلا بعد وقوع الناجز والناجز لا يرتفع إلا بعد وقوعه لأنه يؤدي إلى سد باب الطلاق.
وقال بعضهم: يقع طلاق المباشر وتمام الثلاث من الطلاق المعلق بالصفة، وقال أبو عبد الله الحسن في "شرح التلخيص" وجماعة من أصحابنا وبه قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، واحتجوا بأن الذي يؤدي إثباته إلى نفيه ما زاد على تمام الثلاث فوجب أن يقع تمام الثلاث، وقال في مسألة "التلخيص" يطلق غدًا طلقةً واحدة بالمخاطبة وهي في الحقيقة الثالثة وتطلق اليوم طلقتين بالصفة لأنه علق وقوع ثلاث تطليقات بالصفة ووقوع اثنتين منها جائز ووقوع الثلاثة بمجموعه ممتنع.
وقال القاضي الطبري: هذا خلاف ما نص عليه في المنثور وهو الصحيح وما عداه باطل ولو صح هذا القول لبطل مسائل الدور أجمع والفتوى عندي على هذا واعلم أن الشيخ ابن الصباغ - رحمه الله - ذكر هذه المسألة في "الشامل" وطول الكلام فيها وقال من قال: لا يقع الطلاق ها هنا فقد اخطأ خطأً ظاهرًا وليس ذلك بمذهب الشافعي وذلك أنه علق الثلاث بوقوع الواحدة فصار وقوع الواحدة شرطًا في وقوع الثلاث ولا يجوز تقدم المشروط على الشرط، ولو جاز ذلك لبطل كونه شرطًا فيه، قال ولا يشبه هذا مسألة بيع الزوج صداقها لأن البيع يرد عليه الفسخ بتعذر ما أوجبه وهاهنا يتعذر ذلك، ولهذا لو باع مغصوبًا لا يجوز لتعذر التسليم في ثاني الحال وليس كذلك الطلاق لأنه متى وقع لا يطرأ عليه ما يرفعه [16/ ب] فما يترتب على وقوعه لا يؤثر فيه وإلا لزم إذا قال لامرأته: إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثًا ثم ارتدت أو ملكها فإن الفسخ يحصل، وإن كان إثباته يؤدي إلى نفيه لأنه إذا وقع الطلاق قبله بانت ولم ينفسخ النكاح لعدمه، وكذلك إذا قال لأمته إذا صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة قبل الصلاة فيقضي
أن لا تصح صلاتها مكشوفة الرأس ومع هذا صححوا الصلاة.
والجواب على هذا: أنَّا لا نقدم المشروط على الشرط ولكن نقول لا يحصل الشرط لأن تحصيله يؤدي إلى نفيه على ما قررنا ولا يصح العذر والذي ذكر في مسألة البيع لأن تعذر تسليم العوض للمعنى الذي ذكرنا وعين ذلك المعنى يوجب سقوط حكم اللفظ في مسألتنا لنا نرفع الطلاق بعد وقوعه، وأما مسألة الصلاة فلا يلزم لأنه لا يمكن إبطال الفسخ ولا إبطال الصلاة لأنه ليس مالك لها، وأما الطلاق فهو مالك لإيقاعه وترك إيقاعه وتعليقه فتقدر على التصرف فيه بما يمنع ثبوت حكمه والله أعلم.
ويترتب على هذه المسألة مسألة وقعت ببلدة عمان وهي: رجل حلف بالطلاق الثلاث غنه لا يحج السنة فأفتى له بعض الأصحاب أن يقول لامرأته: إن حنثت في يميني فأنت طالق قبل ذلك ثلاثًا فإذا قال ذلك ومضت السنة ولم يحج لم تطلق وبه قال القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا: فرق بين هذه المسألة والتي قبلها لأنه انقدت يمينه على الحج فلا يملك حلها وهذا ضعيف لأنه يجوز أن يعلق الطلاق على صفة ثم يسقط كلمة بصفة أخرى بدليل أنه قال: [17/ أ] إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثلاثًا صحت هذه الصفة ثم يملك، إسقاطها بان يقول: أنت طالق قبل انقضاء الشهر وهكذا لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا على هذين الوجهين.
مسألة: قال: "ولو قالَ: أنتِ طالقٌ إذا قدِمَ فلانُ فقدِمَ ميتًا أو مُكرهًا لم تْطلُقْ".
إذا قال: إذا قدم زيدٌ فأنت طالق فأتى به ميتًا لم يقع الطلاق لأنه لم يقدم وإنما قُدم به وإن قدم مكرهًا فإن حمل على المركوب من غير اختيار لا يقع الطلاق أيضًا لما ذكرنا، وإن كان باختياره وقع فإن ضرب حتى ركب المركوب باختياره أو مشى برجليه فقدم ففيه قولان، وهذا أصل في مسائل كثيرة فمتى أكره على فعل شيء ففعل بنفسه مثل إن أكره على القتل فقتل أو أكره الصائم على الكل فأكل هل يكون عليه القود في القتل وهل يفطر في الأكل؟ قولان، وإن كان مسلوب الفعل بكل حال بأن أخذ ورمى به على إنسان فمات به ذلك الإنسان أو أوجر في حلقه شيءٌ فلا شيء على المرمى ولا يفطر، وأما إذا قدم باختياره نظر، فغن كان قصد بقوله إذا قدم فلان فأنت طالق تعليق الطلاق بالصفة ولم يقصد فيه منعه من القدوم مثل أن يقول: إذا قدم الحاج أو قدم الصديق بالصفة ولم يقصد فيه منعه من القدوم مثل أن يقول: إذا قدم الحاج أو قدم الصديق أو قدم الأمير فأنت طالق فمتى قدم باختياره عالمًا بيمينه أو جاهلًا وقع الطلاق.
كما إذا قال: إذا دخلت هذه البهيمة الاصطبل فأنت طالق فدخلت وقع الطلاق، وإن قصد به منعه من القدوم لعلمه بأنه يشق عليه طلاقها، قال ابن أبي هريرة: إذا حلف على فعل غيره وهو لا يعلمه ففعله من غير علمه يحنث قولًا واحدًا ولا يجيء فيه
القولان [17/ ب] كما لو قال: إن دخل هذا الحمار فأنت طالق فدخل حنث قولًا وحدًا، وإذا حلف على فعل غيره مع علمه به ففعله ناسيًا أو مكرهًا فيه قولان، والفرق إن الحلف على فعل غيره مع علمه إنما يكون لمنعه من فعله فيكون بمنزلة قوله: إن كلمت زيدًا فأنت طالق فيقصد منعها من الكلام فإذا كلمته ناسية فغنها لم تقصد مخالفته وإحناثه فهل يقع الطلاق؟ قولان، وإذا لم تعلم بقصده تعليق الطلاق بصفة خصته على ما بيناهُ، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بكل حال سواء علم بيمينه ثم نسي أو لم يعلم ذكره أبو حامدٍ والأول أصح، ومنهم من قال: يحنث قولًا واحدًا وهو الأشبه بقول الشافعي وهو اختيار مشايخ البصرة، لأن القصد إنما يراعى في قصد دون المحلوف عليه لأن الحالف لا بدّ أن يكون ذا قصدٍ فجاز أن يراعى القصد في فعله ويجوز أن يكون المحلوف عليه غير ذي قصد فلم يراع القصد في فعله.
فرع آخر
قال في "الأم": لو قال: كلما قدم فلان فأنت طالق فقدم ثم خرج ثم قدم ثانيًا ثم خرج ثم قدم طلقت ثلاثًا لأن الشرط على التكرار.
فرع آخر
لو كان المحلوف على قدومهِ قرابة لأحدهما يرجع إلى قصد الحالف على قصد أن يمنعه من القدوم بيمينه او أراد أن يجعله صفة له دون اليمين مثل يقصد إلى أن يطلقها إذا حصل معها محرمٌ لها ولا يطلقها وحده.
فرع آخر
لو قال: إذا حصل زيد بأمكَ فامرأتي طالق فحصل بها ميتًا طلقت.
مسألة: قالَ: "ولَوْ قال: إِذَا رَأَيتِهِ فَرأَتهُ فَي الحالِ حَنِثَ".
قصد به الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها فإن هاهنا إذا رأته في تلك الحال حيًا وميتًا حنث لأنه رأته ميتًا [18/ أ] كما يقال رأته حيًا، وإن رأته ناسيًا فعلى ما ذكرنا من الخلاف وكذلك إذا أكرهت على النظر.
فرع آخر
لو قال: إذا رأيت فلانًا فاطلعت في المرآة فرأت صورة زيدٍ فيها أو اطلعت في الماء وزيدٌ في مقابلة الماء لم تطلق لم تره وإنما رأت مثاله كما لو رأت في المنام.
فرع آخر
لو رأته من وراء زجاج لا يمنع مشاهدة ما وراءه وقع لأنها رأت هاهنا جسم زيد ورأت في المرآة مثال زيد ولا يكون الزجاج الحائل مع وجود الرؤية مانعًا منها.
فرع آخر
لو قال: إن ضربت زيدًا فأنت طالق فضربته ميتًا لا يحنث لأن معنى الضرب وهو الإيجاع لم يحصل، ذكره القفال، وقال القاضي الطبري يحنث لأن الضرب اقتضى صفةً من المضروب بخلاف ما لو قال: إن كلمته فأنت طالق فكلمته ميتًا لا يحنث لأن الكلام يقتضي صفة من المتكلم ولأن يراعي ظاهر اللفظ في اليمين ولهذا لو ضربهُ وهو سكران فلم يتألم به بُر في يمينه والأول أصح عندي.
فرع آخر
لو قال: إن مسسته فأنت طالق فمسته حيًا أو ميتًا حنث.
فرع آخر
لو قال: إن قذفتيه فأنت طالقٌ فقذفته ميتًا يحنث لأن قذف الميت كقذف الحي.
فرع آخر
لو قال: إن قذفت فلانًا في المسجد فأنت طالق يشترط أن يكون قاذفًا في المسجد وبمثله لو قال: إن قتلت فلانًا في المسجد فأنت طالق يشترط أن يكون المقتول في المسجد، وإن كان القاتل خارجًا بأن رمى إليه حنث.
فرع آخر
لو قال: من أخبرني منكن بقدوم زيدٍ فهي طالق فأخبرنهُّ معًا طلقن جميعًا لأن كل واحدة مخبرة، ولو قال من بشرني منكن بقدوم زيد فهي طالق فبشرنه دفعة واحدةً طلقن جميعًا، [18/ ب] وإن بشرت واحدة طلقت دون الباقيات لأن البشارة تحصل في الأول وما بعد ذلك فهو خير ليس ببشارة وهذا إذا كانت المبشرة صادقة، فإن كانت كاذبة لا يقع الطلاق لأنه مع الكذب ليس ببشارة لأن البشرى ما سرت وهي لا تسر إلا بالصدق، وكذلك في الخبر عن الكذب لا يقع الطلاق كذا ذكره القفال، واختاره صاحب "الحاوي"، وقال أبو حامد: يقع وإن كانت كاذبة لأن الخبر يدخله الصدق والكذب والخبر ذكر الشيء وقد ذكرت وجماعة من أصحابنا على هذا.
فرع آخر
لو قال: أيتكنَّ أخبرتني إن زيدًا قد قدم فهي طالق فإذا أخبرته واحدة بقدومه طلقت وإن كانت كاذبة لأنه علق بالإخبار وقد وجد ذكره القفال.
مسألة: وإِنْ قَالَ: "ولو حَلَفَ لَا تَأخُذ مالَكَ علىّ فأجْبَرَهُ السُّلْطانُ فَأخَذَ مِنهُ المَالَ حنِثَ، وإِنْ قَالَ: لا أُعْطِكَ لمْ يحنَثْ".
أراد به إذا أجبر السلطان الذي عليه الحق فأعطاه مكرهًا وأخذ صاحب الدين مختارًا حنث قولًا واحدًا لنه إنما حلف على الأخذ لا على الإعطاء والإكراهُ إنما يؤثر في
الفعل المحلوف عليه دون غيره فأما إذا أجبر السلطان الآخذ فأخذه فيكون على قولين، وإن قبض الحاكم ذلك ثم هو أخذه من الحاكم لم يحنث الحالف لأنه لم يأخذ ماله عليه بل قبض مال نفسه من الحاكم فإن ذمته برئت بقبض الحاكم، ولو وضعه في حجره أو بين يديه لم يحنث لأنه لم يأخذ كذلك، ولو قال: لا تأخذ مني فأخذ منه حنث سواءً كان الأخذ مكرهًا أو طائعًا إن جعله في جيبه أو كمه أو حجره والقياس انه يحنث لأنه قد أعطاه وإن أخذه [19/ أ] السلطان منه ثم أخذه من له الحق لم يحنث لأنه ما أعطاه وإنما أعطاه السلطان، ولو أجبره السلطان فأعطى بنفسه فيه قولان، ما ذكرنا.
فرع
لو قال: إن أخذت حقك فأنت طالق فجاء رجل وقضى دينه عنه قال الدرامي: لا يحنث لأنه بدل حقه وعندي يحتمل وجهًا آخر.
فرع آخر
لو قال لغريمه: امرأتي طالق إن لم أجرّك على الشوك ولا نيه له، قال بعض أصحابنا إذا ماطله مطالاً بعد مطال بَر في كلامه وعلى هذا لو حلف انه يضربها حتى تموت ولا نية له فضربها ضربًا مؤلمًا بُرَّ.
مسألة: قال: "ولَوْ قَالَ: إِن كَلَّمتِهِ فَأَنتِ طالقٌ فكلمَتْهُ حيثُ يَسْمعُ حنِثَ، وَإِنْ لمْ يَسْمَعْ".
إذا قال إن كلمت فلانًا فأنت طالقٌ فكلمته حيث يسمع حنث، وإن لم يسمعه لعارض ضجة أو لغط أو شغل لأنه يقال: كلمته فلم يسمع وإن كلمته لحنث لا يجوز أن يسمعه لانخفاض صوتها وبعد ما بينها وبينه من المسافة لم يحنث لأن التكلم عبارة عن خطاب يفهمه المخاطب، وقال القفال هاهنا: وإن سمع أيضًا لا يحنث وهذا غريب.
فرع
لو كان أصم قال أبو إسحاق: ينظر فإن كلمته ورفعت صوتها بحيث يجوز أن يسمعه مثله وقع الطلاق، وإن لم يسمع لأن الاعتبار بإمكان السماع وإن كلمته بحيث لا يجوز أن يسمعه الأصم لم يحنث، وإن كان السميع يسمع مثله، وقال أبو حامد وجماعة: فيه وجهان، أحدهما: يحنث لأن عارض الصمم كعارض اللغط وهو اختيار القفال.
والثاني: لا يحنث لأنها لم تكلمه بشيء يسمع مثله وهذا أظهر لأن مثله غير مكلّم قال الله تعالى: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إذَا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: 80].
فرع آخر
قال في "الحاوي": لو أشارت بالكلام إليه حتى علم فيه وجهان [19/ ب] أحدهما: لا يحنث لأن الإشارة ليست كلامًا.
والثاني: يحنث لأن هكذا يكلم الأصم.
فرع آخر
لو كلمت الحائط كلامًا لم يسمعه إلا زيد فيه وجهان، أحدهما: لا يحنث كما لو كلمت غيره، والثاني: يحنث لأن الحائط لا يكلم فصار الكلام متوجهًا إلى من يجوز أن يكلم.
فرع آخر
لو كلمته ميتًا أو نائمًا لم يحنث لأن الموتى لا يكلمون وإنما يكلم من يسمع ويجيب، فإن قيل فقد كلم النبي صلى الله عليه وسلم قتلى بدرٍ فقال: "يا شيبة يا عتبة" فقيل له: أتكلم الموتى؟ فقال: "لستم بأسمع منهم".
قيل تلك معجزة النبي صلى الله عليه وسلم والميت لا يسمع، قال الله تعالى: ﴿ومَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: 22].
فرع آخر
لو كلمته وهو مجنون مغلوب عليه لم يحنث لأن مثله لا يكلم، وقال القفال في المجنون: يحنث وهذا حسنٌ عندي.
فرع آخر
لو كلمته وهي سكرانة حنث لأن فعل السكرانة بمنزلة فعل الصاحية، وقال القفال: فيه قولٌ مخرج لا يحنث من طلاق السكران فإنه لا يقع في أحد القولين، وإن كان المكلم سكرانًا فإن كان مختلط العقل بحيث لا يميز ولا يسمع مثله لا وإلا فيحنث.
فرع آخر
لو كلمته ناسيةً حنث قولاً واحدًا وهو اختيار البصريين، وقال بعض أصحابنا فيه قولان وهكذا لو كلمته مكرهةً، وقال جماعة من البصريين هاهنا على قولين وفي غير هذا الموضوع إذا علقه على فعل الغير فوجد مع النسيان قول واحد أنه يحنث، والفراق أن ما لا يقصد من الكلام ليس بكلام يجري ذلك مجرى هذيان النائم ولو كلمت وهي مجنونة لم يحنث.
فرع آخر
لو سلمت على جماعة وفيهم ذلك الرجل فإن لم تعن لهُ حنث وإن عزلته بنيتها ففي حنثه وجهان.
فرع آخر
لو مزح فقال إن كلمت حمارًا أو ميتًا أو جدارًا فأنت طالق فكلمت به حنث في يمينه.
فرع آخر
لو كلمتهُ [20/ أ] مكرهةً فعلى قولين كما ذكرنا.
فرع آخر
لو قال: إن أمرتك بأمر فخالفتيني فأنت طالقٌ ثم قال: إن لم تصعدي السماء فأنت طالق فيه وجهان، أحدهما: طلقت لأنه لم تفعل ما أمرها، والثاني: لا تطلق لأن الأمر في العرف ما أمكن إجابة المأمور إليه وهذا غير ممكن.
مسألة: "قالَ: ولو قالَ لمدخولٍ بها: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ".
الفصل
إذا قال لامرأته: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإن لم يكن دخل بها بانت بواحدة على ما ذكرنا، وإن كانت مدخولًا بها وقعت الأولى وسُئل عن الثانية والثالثة، فإن قال: أردت الاستئناف بكل واحدة منها طلقت ثلاثًا، وإن قال: أردتُ التأكيد وإفهام الطلاق امرأته فالقول قوله ولم يقع غير الأولى فإن خالفته الزوجة يحلف الزوج وهكذا لو قال: أردت بالثانية الاستئناف وبالثالثة التأكيد فهو على ما نوى، وإن لم يكن له نية فيه قولان: إحداهما: نص عليه في "الأم" طلقت ثلاثًا وهو الأصح واختيار المزني وبه قال مالك وأبو حنيفة لأن الكلام الثاني مستقل بنفسه غير متعلق بالأول ولا ينبني عليه فيلزمه به ما يلزم بالأول ولأن لفظ الإيقاع يقتضي وقوع الطلاق وإنما يحتمل التأكيد إذا أريد به كما يحتمل لفظ العموم التخصيص ولكن لا يحمل على التخصيص إلا عند الإرادة، والثاني قاله في "الإملاء": طلقت واحدة لأنه يحتمل الاستئناف فلا يجوز إيقاع الطلاق بالشك.
فرع
غاير بين الألفاظ بحروف العطف وقال: أنت طالق وطالق فطالق أو بل طالق أو ثم طالق يقع ثلاث تطليقاتٍ، قال في الأم: فإن قال أردت به [20/ ب] الإفهامَ والتأكيد لم يدين في الحكم وهذا يدل على أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قال: أنت طالق بطالق طلقت اثنتين بخلاف ما لو قال: عليَّ درهم فدرهم وقد ذكرناه في الإقرار.
فرع آخر
قال في "الإملاء": لو قال: أنت طالق وطالق لا بل طالق إن أراد بالثلاث الاستئناف أو أطلق كان ثلاثًا، ولو قال: إنما شككت في الثانية هل أوقعتها ثم استدركت إيقاعها ظنًا مني أني ما أوقعتها فالقول قوله ولا تقع الثالثة لأن الاستدراك في هذا صحيح، وقال في "الحاوي": إن أراد في الباطن فالأمر على ما قاله، وإن أراد أنها لا تقع ظاهرًا وباطنًا ففيه نظر لأن تغاير الألفاظ يجعل لكل طلقةٍ حكم نفسها فلا يقبل منه في ظاهر الحكم ما أدى إلى وقعها.
فرع آخر
لو غاير من ألفاظ الطلاق مع اتفاق الحروف بأن يقول: أنت طالق، أنت مفارقة، أنت مسرّحة فيه وجهان، أحدهما: يكون لمغايرة الحروف فتطلق ثلاثًا من غير سؤال لأن الحكم بلفظ الطلاق أخص منه بحروف الطلاق، والثاني: يغلب حكم الحروف المشاكلة وإن كانت ألفاظ الطلاق متغايرة لأن الحروف هي العاملة في وقوع الحكم باللفظ فعلى هذا يرجع إلى ما أراد بالثانية والثالثة، فإن أراد التأكيد أو الاستئناف يقبل وإن أطلق فيه قولان.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق وطالق وطالق وقع الأول والثاني ويرجع في الثالثة إليه لأن الثالث على صفة اللفظ الثاني ولذلك لو قال أنت طالق فطالق فطالق أو طالق بل طالق بل طالق أو طالق ثم طالق ثم طالق، وكذلك لو قال أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق، وقال ابن البياض تطلق هاهنا ثلاثًا بلا إشكال.
فرع آخر
لو قال: هاهنا أردت بالثانية التكرار وبالثالثة الاستئناف [21/ أ] قبل قوله في الثالثة ولم يقبل قوله في الثانية لأنها خلاف الظاهر وقد قلنا في اللفظتين المختلفتين يحمل الثاني على الاستئناف في الحكم.
فرع آخر
لو اتفقت الألفاظ ولكن قال: أردت بالثانية الإيقاع والاستئناف وبالثالثة تأكيد الأولى فيه وجهان لأصحابنا أحدهما: لا يجوز ذلك ويقع الثلاث كما لو فصل اللفظ من اللفظ لأنه لا يجوز أن يتخلل بين المؤكد والمؤكد به كلامٌ، والثاني: يجوز ذلك ويقع الاثنان على ما أراد.
فرع آخر
لو قال: أنت طا طا طالق طلقت واحدة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثم بعد مضي زمان قال: أنت طالق يقع ثنتان وإن أراد به التأكيد لا يقبل في الحكم بخلاف ما لو أقر بدرهم ثم أقر بدرهم يقبل وقد ذكرناه في كتاب الإقرار.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق واحدة بل ثنتين طلقت ثلاثًا ذكره ان سريج لأنه قد استدرك بالثنتين الإضراب عن واحدة ولا يصح الإضراب عن الأولى، وقال بعض أصحابنا: هذا غير صحيح بل لا يلزمه إلا طلقتان لأنه إذا استدرك زيادةً على الأولى بطل حكم الإضراب لدخوله في المستدرك كما لو قال: علي درهم لا بل درهمان لم يلزمه إلا درهمان.
فرع آخر
قال لإحدى زوجتيه: أنت طالق واحدة لا بل هذه ثلاثًا طلقت الأول واحدة وطلقت الثانية ثلاثًا لأنه استدرك بالثانية الإضراب عن طلاق الأولى ولا يمكن الإضراب عن الأولى.
فرع آخر
لو قال لزوجة واحدة: أنت طالق واحدة لا بل ثلاثًا إن دخلت الدار قال ابن الحداد: طلقت في الحال واحدة وطلقت بدخول الدار وتمام الثلاث إن كانت مدخولًا بها وهذا قياس قول ابن سريج في قوله: أنت طالق واحدة لا بل ثنتين يقع ثلاث وقال [21/ ب] بعض أصحابنا: هذا غير صحيح لدخول الواحدة في الثلاث فاقتضى أن يكون الشرط راجعًا إلى الجميع ولا تطلق قبل دخول الدار شيئًا، فإذا دخلتها طلقت ثلاثًا وهذا اختيار صاحب الحاوي.
مسألة: قالَ: "ولو قالَ: أنتِ طالقٌ طلاقًا فهيَ واحدةٌ".
هذا تأكيد الكلام بالمصدر فإن نوى به التأكيد أو أطلق حمل على التأكيد، وإن نوى به طلقة مستأنفة وقعت لأنه يحتمل، وإن نوى به الثلاث وقع الثلاث بلا خلاف وهكذا لو قال أنت طالق الطلاق.
مسألة: قالَ: "وكلُّ مُكْرهٍ ومغلوبٍ على عقلِهِ فلا يلحقُهُ الطلاقُ".
في اللفظ إشكال لأن الإكراه إذا كان بحق في المولى يقع الطلاق فيحتمل أنه قصد به الرد على أبي حنيفة رحمه الله فلم يستعمل تمام البيان ويحتمل أنه قصد الإكراهين.
بالبيان ولكن أجاب عن أحد القولين في المولى أنه لا يجبر على الطلاق بل يطلق القاضي وهو اختيار المزني وعامة أصحابنا طلاق المكره غير واقع في الجملة لذلك عتقه وعقوده إذا قصد باللفظ دفع الإكراه عن نفسه والأصل فيه أن القصد إلى اللفظ في الطلاق معتبر عندنا فإذا لم يقصد لم يقع ولهذا لو سبق لسانه الطلاق لا يقع فيما بينه وبين الله تعالى وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وروي ذلك عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وشريح والحسن وعطاءٍ والقاسم وجابر بن زيد وسالم وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري: طلاق المكره وعتقه نافذ وبه قال النخعي والزهري وقتادة والشعبي وقال أبو حنيفة: نكاحه ينفذُ أيضًا وسائر العقود لا تنفذ ولكن تنعقد وله فسخه وهذا غلط [22/ أ] لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق في إغلاق"، قال أبو عبيد والعتنبي: الإغلاق الإكراه.
وروت عائشة رضي الله عنها مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق".
وروي "في غلاق" وروى قدامة بن إبراهيم أن رجلًا تدلى بحبل يشتار عسلًا في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجاءته امرأته فوقفت على الحبل فحلف لتقطعنه أو لتطلقني ثلاثًا فذكرها الله والإسلام فأبت إلا ذلك فطلقها ثلاثًا فلما ظهر إلى عمر ابن الخطاب فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها فقال: "ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق"، وروي أنه قال: لا طلاق في إغلاق.
وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على مقهور يمين".
وقال ثابت الأعرج تزوجت أم ولد لوالد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وله منها ولد فوثب عبد الرحمن فجعل الرهن في رجلي يقول: تزوجت أم ولد أبينّا بغير علم منا فو الله ما ننزع منك حتى تطلقها ثلاثًا فطلقتها ثم لحقت بعبد الله بن الزبير فقال: لا طلاق لمستكرهٍ أنت أحق بامرأتك ثم سألت ابن عمر فقال ما قال ابن الزبير فولد له رجلان قال عمرو بن دينار وقد رأيتهما فإن قيل: روى أبو عبيد عن يزيد بن عبد الملك عن أبيه قدامه بن إبراهيم أنه قال: فرفع الأمر إلى عمر فأبانها منه قيل قال أبو عبيد روي عن عمر خلافه، قال الشيخ أحمد البيهقي رحمه الله: المحفوظ عن عمر ما ذكرنا، وهذا أشبه أن يكون غلطًا من أبي عبيد أو من يزيد، واحتجوا بما روي أن رجلًا كان نائمًا مع امرأته فجلست على صدره ووضعت السكين على حلقه وقالت له: طلقني ثلاثًا أو لأذبحنك فطلقها ثلاثًا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم [22/ ب] فأخبره بذلك فقال: "لا قيلولة في الطلاق" قُلنا: لم يقبل
قوله في الإكراه، وهو ظاهر من حالة أن المرأة لا تقدر على ذلك فطلقها طوعًا، فإذا تقرر هذا فلا خلاف أنه إذا طلق مكرهًا، وروي بغيره بأن قال: أردتُ من وثاق أو أردت أنها كانت طالق من زوج غيري يقبل في الحكم ولا يقع شيء بخلاف حالة الطوع، لأنه لو أراد ذلك لا يقبل في الحكم لأن الظاهر من الإكراه أنه أراد ما قال ولا خلاف أنه لو اختار اللفظ وأقر به أو أكره على طلقة واحدة فطلقها ثلاثًا أو أكره على تعليق الطلاق بصفة فنجزه أو أكره على التنجيز، فعلق أنه يقع الطلاق وحكي شيخنا ناصر - رحمه الله - عن أبي الوليد النيسابوري من أصحابنا أنه قال: لا يقع وإن نوى الطلاق لأن اللفظ من غير اختياره فبقي مجرد النية وهذا ضعيف، وإن أطلق ولم ينو ولم يور بغيره لا يقع الطلاق أيضًا عن أكثر أصحابنا، وقال بعضهم: فيه وجهان، أحدهما: هذا لأنه لفظ حمل عليه من غير حق فلا حكم له كالإقرار بالطلاق.
والثاني: أنه يقع الطلاق لأنه كان قادرًا على التورية فتركها فصار مختارًا للطلاق ولهذا تلزمه التورية إذا أكره على كلمة الكفر وهذا اختيار القفال.
فرع
المولى إذا أكره على الطلاق عند امتناعه من الفيء فطلق يقع الطلاق لأنه إكراه بحق، ولو نذر عتق عبد بعينه فامتنع من إعتاقه فأكره حتى أعتق نفذ لما ذكرنا، وعلى هذا لو أكره الذمي على الإسلام فأسلم لا يصح إسلامه لأنه لا يحل إكراهه عليه، ولو أكره الحربي على الإسلام فأسلم صح إسلامه [23/ أ] لأنه إكراه بحق، ولو أكره الذمي أو الحربي على الإقرار بالإسلام فأقر لا يصح لأنه إكراه بحق.
ولو أكره الذمي أو الحربي على الإقرار بالإسلام فأقرّ لا يصح لأنه لا يجب على المسلم إكراه واحد منهما على الإقرار بالإسلام إنما يجب في الحربي الإكراه على إنشاء الإسلام.
ولو قال: طلق امرأتك وإلّا اقتصصت منك لا يكون إكراهًا لأنه أوعده بالحق.
فرع آخر
لو قال: طلق وإلا قتلتُ نفسي لا يكون إكراهًا.
فرع آخر
حد الإكراه ماذا؟ قال أصحابنا: أصل الإكراه يفتقر إلى ثلاث شرائط: أن يكون المكره قاهرًا غالبًا وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون عام القدرة كالسلطان والمتغلب، والثاني: أن يكون خاص القدرة كاللص والسيد مع عبده.
والثاني: أن يغلب على ظن المكره إن الذي يطلب منه متى لم يفعله وقع به الوعيد الذي يهدده.
والثالث: أن يكون الذي يهدده به مما يلحقه به ضرر فيما يخصه في نفسه.
فرع آخر
اختلف أصحابنا في الضرر الذي يتواعد به، منهم من قال: أن يخاف قتلًا أو جرحًا وقد قال أبو إسحاق قريبًا من هذا وذلك أنه قال: الإكراه فعل مبرح أو فعل مؤثر تأثيرًا يؤدي إلى الموت، فأما إذا هدده بأخذ ماله أو حبسه من غير منع الطعام والشراب فلا
يكون إكراهًا حتى لو هدد بأخذ ماله لا يكون إكراهًا، وقال أيضًا لا إكراه إلا أن ينال بالضرب.
وقال ابن أبي هريرة: هذا كله إكراه، والتهدد بأخذ المال وإتلافه إكراه لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له أن يدافع عن ماله كما جعل له أن يدافع عن نفسه وإن هدده بالضرب اليسير والصفع والشتم والحبس فإنه يختلف باختلاف أحوال الناس، لأن في كل هذا ضررًا [23/ ب] وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في "كتاب المكره" من يخاف مخوفًا عليه دلالة أن امتنع من قبول لما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم والاختلاف باختلاف أحوال الناس، أما إن كان الرجل من ذوي المروءات والأشراف الذي يستضر بالضرب اليسير والشتم والحبس القليل كان إكراهًا، وإن كان من الشطار والسقاط الذين عادتهم الضرب والشتم والحبس لا يكون إكراهًا، وبه قال صاحب الإفصاح وهو الصحيح والمذهب، وقال القفال في شرح عيون المسائل: حدُ الإكراه في كل موضع أن يخوف الرجل بما لا يطيقه ويشق عليه تحمله في بدنه مثل القتل أو الضرب المبرح أو الحبس الطويل، فأما اللطمة واللطمتان أو حبس يوم أو يومين أو كان شريفًا فخوف بأن يجرد من ثيابه في الملأ أو ينكل به في البلد، أو يركب حمارًا ويطاف به، ونحو ذلك فليس بإكراهٍ وكذلك الإكراه بإتلاف المال، لأن الإكراه في البدن لا في المال، وعلى هذا لو قال لرجل: إن أتلفت مال فلانٍ وإلا قتلك فأتلف فهو مكره ولا يغرم المال الذي أتلفه، وبمثله لو قيل: له إن أتلفت مال فلان وإلا أتلفنا مالك فأتلف فعليه الضمان ولا نجعله مكرهًا.
قال: وقد غلط أهل هراة في صورة المكره وكنت بها وقد انجلى عنها الرئيس القديم وأقيم مقامه سواء كان هذا الرئيس الثاني يأتي بأقوام من أهل هراة يتهمهم بأن عندهم ودائع ذلك الرئيس القديم فينكرون ويحلفون بالطلاق ويطلقهم فسئلت عن وقع الطلاق في هذه الحالة فأفتيت بأن الطلاق يقع فنازعني أهل هراة فيها، وقالوا: يجب أن لا يقع لأنها يمين مكرهٍ [24/ أ] فقلت: ليس هذا يمين مكره لأن الإكراه أن يخوف في بدنه بشيء فأما في مال غيره فلا إكراه، فإذا حلف أن لا وديعة عندي بالطلاق وعنده وديعةٌ فكأنه افتدى المال بالطلاق فوقع الطلاق إذ الإكراه هاهنا ليس على الطلاق وعلى هذا لو حبس السلطان رجلًا ليصادر فباع أمواله في تلكم الحال فالبيع نافذ لأنه لم يكره به على البيع وإنما أكرهه على بدل ماله والفتوى عندي هاهنا أن يحلف ويوري ولا يقع الحنث حتى لا يتلف مال الغير والله أعلم.
وروي عن أحمد في رواية أنه قال: الوعيد لا يكون كرهًا لأنه لم يحلقه ما يستضر به، وقال: المكره إذا كان القتل أو الضرب الشديد وهذا غلط لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد، لأنه لا يمكن إزالة ما يقع به وإنما يخاف ما يوعد به وقد قال شريح: القيد كره والوعيد كره وفي قصة المشتار عسلًا لم يكن إلا الوعيد، وذكر صاحب "الحاوي" هذا الفصل شرحًا حسنًا فأوردته على وجهه وذلك أنه يعتبر في المكره ثلاثة شروط،
أحدها: أن يكون قاهرًا على ما ذكرنا.
والثاني: أن يغلب في النفس بالأمارات الظاهرة أن سيفعل ما يتوعد به إن لم يجب.
والثالث: أن يكون بظلم ويعتبر في المكره ثلاثة شروط أحدها: أن لا يقدر على دفع الإكراه عن نفسه لا بالذبّ من المكره، والثاني: أن يعلم إن خوّف المكره بالله تعالى لم يخف لبغيه.
والثالث: أن لا يكون له ناصر يمنع منه ولا يمتنع بكفه عنه، فإن عدم أحدها لا يكون مكرهًا، قال: والإكراه ادخال الضرر البين على المكره، وذلك يكون من أحد سبعة أوجه، أحدها: القتل وهو الأعظم، والثاني: الجرح إما بقع طرفٍ أو إنهار دم فهو إكراه [24/ ب] للألم وربما يسري إلى النفس، والثالث: الضرب يكون إكراهًا لألمه وضرره إلا أن يكون في قوم أهل الشطارة والصعلكة الذين يتفاخرون بالصبر على الضرب فلا يكون إكراهًا في أمثالهم.
والرابع: الحبس.
والخامس: أخذ المال.
والسادس: النفي عن بلده، والسابع: السب والاستخفاف.
فرع آخر
قال: لو هدد بقتل غيره فإن كان بينهما بعضية كالوالدين وإن علوا والمولودين وإن سفلوا، كان إكراهًا لأن البعضية تقتضي التمازج في الأحكام.
وقال القاضي الطبري: لو هدده بإدخال الضرر على ولده فهو كنفسه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وليس شيء، وإن كان من غير ذي رحم محرم كبني الأعمام والجار والصديق لا يكون إكراهًا لأن بين جميع الناس تناسبًا بعيدًا، وإن كان ذا رحم محرمٍ كالإخوة والأعمام والعمات فهل يكون التهديد بقتلهم إكراهًا؟ وجهان، أحدهما: لا يكون إكراهًا لعدم البعضية.
والثاني: يكون إكراهًا لوجود المحرمية كالوالدين.
فرع آخر
قال: لو هدده بطول الحبس كان إكراهًا، وإن كان قصير الزمان كاليوم ونحوه لا يكون إكراهًا لقربه وقلة ضرره، وإن كان لا يعلم طوله ولا قصره كان إكراهًا لأن الظاهر من المحبوس على شيء أنه لا يطلق إلا بعد فعله وحكم القيد إذا هدد به حكم الحبس لأنه أحد المانعين من التصرف.
فرع آخر
قال: إذا خوف بأخذ المال ينظر فإن كان كثيرًا يؤثر أخذه في حاله كان إكراهًا وإن كان قليلًا لا يؤثر في حاله لا يكون إكراهًا، وإن كان كثيرًا إلا أنه لا يؤثر في حاله لسعة ماله فيه وجهان، أحدهما: يكون إكراهًا لقدر المال للنفوس به، والثاني: لا يكون إكراهًا اعتبارًا [25/ أ] بحاله التي لا يؤثر المأخوذ فيها، وقال الماسرجسي: لو قيل لغني: افعل كذا وإلا أخذت منك خمسة دراهم لا يكون إكراهًا.
فرع آخر
لو أكرهه بالنفي عن بلده فإن كان ذا ولد وأهل ومالٍ لا يقدر على نقله معه كان
إكراهاً، وإن قدر على نقلها ومكن منها فيه وجهان، أحدهما: لا يكون إكراهًا لتساوي البلاد كلها في مقامه فيما شاء منها، والثاني: يكون إكراهًا لأن النفي يكون عقوبةً كالحد وفيه مشقة شديدة.
فرع آخر
قال: السبّ والاستخفاف إن كان من عامة الناس وسفلتهم الذين لا يتناكرون ذلك فيما بينهم ولا ينقص جاههم لا يكون إكراهًا فيهم، وإن كان من ذوي الصيانات وذوي المروءات فيه وجهان، أحدهما: يكون إكراهًا لما يلحقهم من وهن الجاه وألم القلب.
والثاني: لا يكون إكراهًا لأن الناس علموا أنه مظلوم به، قال: والأصح عندي أنه ينظر في حال الإنسان فإن كان من أهل الدنيا وطالبي الرتبة فيها كان ذلك إكراهًا في مثله لأنه ينقص ذلك من جاهه بين نظرائه، وإن كان من أهل الآخرة وذوي الزهادة في الدنيا لم يك ذلك إكراهًا في مثله، لأنه لا ينقص ذلك من جاهه بين نظرائه، بل ربما كان أعلا لذكره مع كثرة ثوابه، هذا مالك بن أنس رحمه الله جرد السياط فيما كان يفتي به من سقوط يمين المكره فكأنما كان خليًا خُلّيَ به في الناس.
فرع آخر
ينظر في المكره فإن تلفظ به غير قاصد للفظه ولا مريد لإيقاعه لم يقع، وإن قصد لفظه وأراد إيقاعه يقع، وإن قصد لفظه ولا يريد إيقاعه فيه وجهان، أحدهما: لا يقع لفقد الإرادة في الوقوع.
والثاني: يقع لقصده لفظه والمختار إذا تلفظ به ولم يرد [25/ ب] وقوعه وقع.
فرع آخر
طلاق الهازل وعتقه نافذ بلا خلاف لأنه اختار لفظ، وإن لم يختر حكمه وصورته أن يقول لزوجته: طلقتك ظنها أجنبية ونحو ذلك وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والعتاق والنكاح" وروى أبو هريرة "النكاح والطلاق والرجعة".
فرع آخر
لا يقع طلاق المغلوب على عقله من المجنون والنائم والمغمى عليه، ولا يقع طلاق الصبيّ لقوله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه، وقال علي رضي الله عنه: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه
والصبي.
وقال أحمد في رواية: إذا عقل الصبي الطلاق يقع طلاقه وهذا غلط لما ذكرنا ولا غير مكلفٍ كالمجنون.
مسألة: قالَ: "طلاقُ السكرانِ مِنْ خمرٍ أو نبيذٍ".
الفصل
نصَّ الشافعي رضي الله عنه في عامة كتبه: أن طلاق السكران واقع ونصّ على أنه إذا أسلم في حال سكره ثم ارتد استتيب فإن تاب وإلا قتل.
قال: المزني وقال الشافعي في التنبيه: في ظهار السكران قولان، وهذا لا يعرف للشافعي ولكن نقله المزني عن أمالية القديمة ولعله سمعه منه لفظًا فيكون طلاقه على قولين أيضًا.
أحدهما: يقع وبه قال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والنخعي وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن ومحمد بن سيرين والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد في رواية.
والثاني: لا يقع، وبه قال عثمان بن عفان وربيعة والليث وطاوس ويحيى بن سعيد وهو اختيار المزني وابن سريج وأبي سهل الصعلوكي وسهل وأبي ظاهر الزيادي والكرخي [26/ أ] وإسحاق وأبي ثورٍ وداود وابن القاسم الصفار من أصحابهم وهو رواية عن علي وابن عباس رضي الله عنهم وهو الصحيح عندي، وبه أفتي، ورواه بعض أصحابنا عن عمر بن عبد العزيز وأبي يوسف، وقيل: قولٌ واحدٌ للشافعي أنه يقع ولم يوجد في القديم ما نقل المزني، وإن ظهر به المزني فلعله حكاية مذهب الغير وعلى هذا أكثر أصحابنا، وروي أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن طلاق السكران فقال: إذا طلق السكران جاز طلاقة وإن قتلَ قُتل، وقال الحسن: السكران يجوز طلاقه وعتقه ولا يجوز شراؤه ولا بيعه، وقال الزهري: أُتي عمر بن عبد العزيز برجل سكران فقال: إني طلقت امرأتي وأنا سكران فكان رأي عمر معناه أن نجلده وأن يفرق بينهما فحدثه أبان بن عثمان عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: ليس للمجنون والسكران طلاق، فقال عمر: كيف تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان؟ فجلده ورد إليه امرأته.
قال الزهري: فذكر ذلك له لرجاء بن حيوة فقال: قرأ علينا عبد الملك بن مروان كتاب معاوية بن أبي سفيان فيه السنن إن كل أحدٍ طلق امرأته جائز إلا المجنون والدليل على أنه لا يقع طلاقه أنه لا يعلم ما يقول فأشبه النائم فإن قيل: النائم النائم غير عاصٍ وهذا عاصٍ يغلظ عليه قلنا: باطل بالنائم وقت الصلاة حتى تخرج وقتها عمدًا فإنه عاصٍ ولا يقع طلاقه فإن قيل: هو عاصٍ بترك الصلاة لا بالنوم قلنا: هذا عاصٍ بالشرب لا بالسكر فإنه من الله تعالى، وكما أن السكر تولد من السبب فكذلك [26/ ب] تولد من النوم فلا فرق، وأيضًا لو ضرب على
رأسه بشيء حتى زال عقله ثم طلق لا يقع طلاقه بالإجماع، وهذا عاصٍ واحتج الشافعي رحمه الله تعالى على من خالفه في وقوع الطلاق بأن المعصية بشرب الخمر لا تسقط عنه فرضًا ويعاقب، فلا يقاس على المثال بزوال عقله وهو المجنون وهذا ظاهر ولكن يدخل عليه ما ذكرنا والله أعلم.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: حد السكر أن يختلط كلامه ويتمايل في مشيه، وقال أبو ظاهر الزيادي: هو أن يصير إلى حالة يبدر من لسانه كلامه من غير قصده، وقال العامري: عند أبي حنيفة هو أن يذهب عقله كله بحيث لا يعرف الأرض من السماء ولا المرأة من الرجل، وقال أبو يوسف: حده أن يذهب عقله كله بحيث لا يعرف الأرض من السماء ولا المرأة من الرجل، وقال أبو يوسف: حده أن يذهب عقله بحيث لا يقيم منطقًا ولا جوابًا، فقال القفال: سمعتُ هذا عن أصحاب أبي حنيفة رحمه الله وكنت أنكر أن هذا كيف يتصور حتى سمعتُ المحمودي من أصحابنا قال: كنت أجتاز ببعض الطريق فإذا أنا بسكران وقع في وحلٍ وكان البرد شديدًا وهو يقول: يا ستي سلي اللحاف ظنًا منه أنهُ نايم في بيته فعلمتُ أنه لا يعرف الليل من النهار والسماء من الأرض والوحل من اللحاف.
فرع
إذا أكره السكران وأوجر في حلقه لا طلاق لارتفاع المأثم وأصحاب أبي حنيفة يختلفون فيه.
فرع آخر
لو قال: أكرهت على السكر ولم أعلم أنه مسكر وقد طلق فالقول قوله مع يمينه.
فرع آخر
اختلف أصحابُنا في علة وقوع الطلاق، فقال ابن سريج: العلة فيه أنه متهم فيه لفسقه [27/ أ] ولا يعلم سكره إلا من جهته فعلى هذا يلزمه الطلاق وجميع الأحكام المغلظة والمخففة في الظاهر دون الباطل ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، ومن أصحابنا من قال: العلة أنه يغلظ عليه بالمعصية فعلى هذا يلزمه التغليظات وما كان يحفظ كالنكاح والرجعة وقبول الهبات والبياعات لا تصح، وقال جمهور أصحابنا: العلة إسقاط حكم سكره بتكليفه وإنه كالصاحي فعلى هذا يصح الجميع التغليظ والتخفيف ظاهرًا وباطنًا، قال القاضي أبو حامد: وكنت أذهب إلى الوجه الثاني حتى وجدت نصًا للشافعي أنه يصح رجعته وإسلامه من الردة فرجعت إلى هذا الوجه الآخر.
فرع آخر
قال القفال: الصحيح أن في جميع أقواله وأفعاله قولين حتى في وجوب القصاص عليه بالقتل والحد بالقذف ففي أحد القولين حكمه حكم الصاحي وفي القول الثاني
حكمه حكم المجنون, ومن أصحابنا من قال: القولان في الأقوال دون الأفعال ومن أصحابنا من قال: فيما عليه قول واحدٌ أنه كالصاحي وفيما له قولان.
فرع آخر
لو شرب دواءً أو بنجًا فزال عقله فإن كان للدواء فهو معذور كالمجنون لا يقع طلاقه, وإن قصد به زوال العقل للهو والجنون فلا نص فيه ولكن قياس ما قال في الصلاة أنه يلزمه قضاء الصلوات وهو كالسكران, وقال في"الحاوي" فيه وجهان, أصحهما: إنه كالسكران لأنه عاص.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة لا يقع طلاقه وأن كان عاصيًا لأن الشراب مطرب تدعو النفوس إلى تناوله فغلظ حكمه زجرًا عنه كما بالحد بخلاف هذا, وحكي العامري عنه [27/ ب] أنه لو أغمي عليه من سكره لا يقع طلاقه أيضًا.
فرع آخر
لو سكر ثم جن فإن لم يتولد الجنون من سكره لا يقع طلاقه, وإن تولد من سكره فحكمه حكم السكران وإن جن ثم سكر لا يقع طلاقه وهو كغير السكران.
فرع آخر
إذا قلنا لا يقع طلاقه ينبغي أن لا يفعل الطلاق حين قاله يتيقن زوال عقله حتى يقبل قوله فأما إذا اتهمناه أو قال بعد الصحو: عقلت الطلاق حين تكلمت يقع طلاقه بلا إشكال.
باب الطلاق والحساب والاستثناء
مسألة: قالَ: "ولوْ قالَ: أنت طالقٌ واحدةٌ في اثنتين".
الفصل
إذا قال لها: أنت طالق واحدة في اثنتين لا يخلو إما أن يكون عارفًا بالحساب أو جاهلاً فإن نوى مقرونه ثلاثًا ويكون معنى قوله في اثنتين أي مع اثنتين وقد يذكر ويراد به كما قال تعالى: ﴿أولئك الذين حق عليهم القول أمم﴾ [الأحقاف:18] أي مع أمم وإذا أطلق وقال: لا نية لي وقعت واحدة لأنه إذا لم يفهم ما قال لم يقصد إلى لفظ الإيقاع فهو كقول الأعجمي: أنت طالق وهو لا يعرف معناه لا يقع شيء, وإن قال: أردت موجبه عند أهل الحساب قال عامة أصحابنا: يقع طلقةٌ لأنه إذا لم يفهم معناه في نفسه لم يكن طلاقًا بأن يفهمه غيره, كما لو قال الأعجمي: أنت طالق ثم قال: ما فهمت ذلك لكني أردت موجبه عند أهل اللسان لا يقع شيء, وقال أبو بكر الصيرفي: يكون على ما أراد فيقع طلقتان لأن ذلك مقتضي الحساب [28/ أ] وإن كان عارفًا بالحساب فإن قال: أردت مقرونةً طلقت ثلاثًا, وإن
قال: أردت أن يكون الثنتان ظرفًا كما يقال ثوبٌ في صندوقٍ وسيفٌ في غمدٍ يقع واحدة ويقبل قوله, وإن قال: أردت به الحساب يقع اثنتان, وإن أطلق وقال له نية لي نقل المزني وحكاه عنه لفظًا في"جامعه الكبير" إنه يقع واحدة لأنه يحتمل في اثنتين واقعتين ويحتمل في اثنتين باقيتين عليك فلا يلزمه إلا اليقين.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن يقال يقع اثنتان, لأنه صريح في اثنتين, لأن عبارة أهل اللسان بها على الاثنتين, وبه قال أحمد.
وقال القفال: فيه قولان مبنيان على ما لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق هل يحمل على التكرار أو الاستئناف عند الإطلاق؟ فيه قولان فإن أخذنا بظاهر اللفظ هناك وهو الاستئناف يقع اثنتان هاهنا, وإن أخذنا باليقين هناك هاهنا يقع واحدة, وإن ادعت المرأة أنه أراد مقرونة فالقول قوله مع يمينه.
وقال أبو حنيفة: يقع طلقة واحدة بكل حال سواء قصد به الحساب أو لم يقصد إذا لم يقصد مع اثنتين, واحتج بأن الضرب إنما يصح فيما له مساحة فتكون واحدة في اثنين اثنين, فأما ما لا مساحة له فلا حقيقة له في الحساب, وإنما حصل منه لفظ الإيقاع في واحدة فوقعت دون غيرها وهذا غلط لأن هذا اللفظ موضوع في العدد لاثنين, فإذا أراده وقع به من الطلاق ما وضع له, وأما ما ذكر فلا يصح لأنه للحساب في الأصل فصار مستعملاً في كل ما له عدد.
فرع
لو قال: أنت طالق اثنتين اثنتين يقع ثلاث تطليقاتٍ إذا كان يعلم الحساب وقصده لأن ذلك عبارة [28/ ب] عن أربعة, وعند أبي حنيفة يقع طلقتان وإن لم يقصد الحساب, فعلى المنصوص يقع طلقتان وعلى قول أبي إسحاق يقع ثلاثة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق واحد مقرونة باثنتين ونوى واحدة ففي قوله وجهان, وإن أطلق فوجهان, أحدهما: يقع ثلاث, والثاني: يقع طلقتان ذكره جدي الإمام رحمه الله.
مسألة: قال: "ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةٌ لا يقعْ عليكِ فهي واحدةٌ".
إذا قال: أنت طالق واحدة لا يقع عليك تقع طلقة لأن قوله: أنت طالق واحدة إيقاع في الشرع, وقوله لا يقع عليك كذب لأن الله تعالى أوقعها فالخبر عنها بأنها لا تقع كذب وأيضًا, فإن قوله لا تقع رفع لجميع ما أوقعه عليها وذلك لا يصح فهو كقوله أنت ثلاثًا إلا ثالثًا.
فرع
قال ابن سريج في كتاب "الغنية": لو قال: أنت طالق لا وقعت طلقة وسقط قوله:
لا, ولو قال: أنت طالق أو لا؟ يقع الطلاق لأنه استفهامٌ تقديره أو لست بطالق فلم يقع.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق واحدة أو لا شيء فالذي يقتضيه قياس قول ابن سريج أن لا يقع شيء وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد, وقال محمد يقع واحدة لأن قوله أو لا شيء يرجع إلى ما يليه من اللفظ, وهو قوله واحدة دون لفظ الإيقاع, وهذا لا يصح لأن الواحدة صفة للطلقة الموقعة فصار كقوله أنت طالق أو لا شيء, ولو قال: أنت طالق بل لا طلقت ذكره ابن أبي أحمد.
فرع آخر
لو قال: أنت لا طالق لم يقع شيءٌ لأنه قدم حرف النفي.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق اثنتين لا يقعان عليك طلقت اثنتين, وكذلك لو قال ثلاثًا لا يقعن عليك طلقت ثلاثًا, ولو قال: أنت طالق واحدةً وثانيةً لا تقع عليك أو قال: وثانيةٌ لا [29/ أ] طلقت واحدةً.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق طلقتين لا يقع واحدة منهما صار استثناء وطلقت واحدة كما لو قال: أنت طالق اثنتين إلا واحدة, وذكر جدي وجهًا أنه يقع اثنتان ولا يكون استثناء وهو ضعيف.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق من واحدةٍ إلى ثلاث وقعت ثلاث تطليقات, وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: يقع اثنتان, وقال زفر: يقع واحدة وكلاهما يحتمل على مذهب الشافعي, ففي المسألة ثلاثة أوجه: وجه القول الأول: أن الثلاث اسم لثلاثة آحاد مجموعةٍ فقد دخل آحاد الثلاث في قوله إلى ثلاث فيقع الكل, كما لو قال إلى تمام الثلاث.
ووجه القول الثاني: أنه أوقع ما بين الواحدة وبين الثلاث وما بينهما هي الثانية, غير أن ضرورة الثانية أن يكون له أو ل فأوقعنا الأولى بضرورة ويجوز أن يكون ثانية لا ثالثة فلم توقع وهذا أقرب إلى المذهب.
ووجه القول الثالث: أن لفظه للطلقة الثانية فلا يقع غيرها, كما لو قال: أنت طالق آخر الثلاث تقع الثالثة دون الثانية والأولى وهذا أقيس، قال شيخنا ناصر: وهكذا الحكم إذا قال: أنت طالق ما بين الواحد إلى الثلاث.
مسألة: قال: "ولو قال: واحدةً قبلها واحدةٌ كانت تطليقتين".
إذا قال: أنت طالق واحدة قبلها نص الشافعي رضي الله عنه على أنه يقع طلقتين ولا خلاف فيه واختلف أصحابنا في كيفية وقوعها, فقال أبو إسحاق: قوله: أنت طالق طلقة إيقاع في الحال لطلقة وقوله: قبلها طلقة إخبارٌ عن طلقة قبلها وليس بإيقاع لأن الطلاق في الحال في وقت مضى بحال, وقال ابن أبي هريرة: كل واحدة منهما إيقاع فيقع طلقة عقيب طلقة وهذا لا يصح [29/ ب] لأن الشافعي فرّع على هذا في "الأم" فقال: إن قال: أردت بقولي قبلها طلقة طلاقًا كنت طلقتها قبل هذا فإن علم ذلك قبل منه وإلا لا يقبل منه في الحكم, ويدين فيما بينه وبين الله تعالى فدل على بطلان ما قاله ابن أبي هريرة, ومن أصحابنا من حكي خلاف هذا عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة, فقال: قال أبو إسحاق تقع هذه الواحدة التي تجعلها قبل التي أوقعها على موجب لفظه اعتبارًا بموجب اللفظ ويكون وقوعها بعد لفظه وقبل التي أوقعها بلفظه فيجعل تأخر الطلاق مؤخرًا ليتقدمه طلاق الصفة حتى لا يكون وقوعه سابقًا للفظه, وقال ابن أبي هريرة يقع مع التي أوقع ولا يقع قبلها لئلا يكون وقوع الطلاق سابقًا للفظ الطلاق, كما لو قال: أنت طالق أمس, وقع في اليوم لهذا المعنى وهذا أصح ولا يصح ما قاله أبو إسحاق لأن ناجز الطلاق يقع بنفس اللفظ لا بتعقبه, لأنه لو قال لها: أنت طالق ومات مع آخر كلامه من غير فصل طلقت, ولو كان يقع بعده لم تطلق فعلى قول أبي إسحاق تقع الطلقتان عليها بعد لفظه بزمانين ليقع كل واحدة من الطلقتين في كل واحد من الزمانين وعلى قول ابن أبي هريرة تقع الطلقتان بنفس اللفظ من غير زمان يعتبر بعده واختار القاضي الطبري: أنه يترتب في فيقع طلقةً بعد طلقة ويصير كأنه قال: قال: أنت طالق طلقة بعد ساعة فكأنه أوقعها متأخرة وطلقة قبلها في الحال وهذا أظهر.
فرع
لو قال: أنت طالق طلقةً بعدها طلقة يقع طلقتان وتكون واحدةً بعد واحدةٍ على موجب لفظه بلا خلاف إلا على قول أبي إسحاق تقع الأولى بعد قوله أنت طالق طلقة, وتقع الثانية بعد قوله: بعدها طلقة وعلى قول ابن أبي هريرة: تقع الأولى مع قوله: أنت طالق [30/ أ] وتقع الثانية بعد قوله: بعدها طلقة.
فرع آخر
قال في "الأم": فإن قال في هذه المسألة: أردت بقولي: بعدها طلقة سأوقعها عليك بلفظ جديد قبل فيما بينه وبين الله تعالى دون الحكم لأنه خلاف الظاهر, وقال في"الحاوي": إن صدقته قبل منه ظاهرًا وباطنًا, وإن كذبه لم يقبل ظاهرًا على ما ذكرنا, وكذلك لو قال: أنت طالق قبل طلقة أو بعد طلقة وقعت طلقتان أيضًا.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق طلقةً قبلها طلقة وبعدها طلقة طلقت ثلاثًا, ولو قال: أنت طالق طلقة قبلها وبعدها طلقة طلقت ثلاثًا أيضًا, لأنه أوقع نصف واحدة قبلها والنصف الثاني بعدها والنصف يكمل بطلقة وفيه وجه آخر: تقع طلقتان وليس بشيء.
فرع آخر
لو كان له زوجتان حفصة وعمرة فقال لعمرة: كلما حلفت بطلاق فأنت طالق فقد حلف بطلاق عمرة لأنه علق طلاقها بالصفة فإن قال بعد ذلك لحفصة: كلما حلفت بطلاق عمرة فأنت طالقٌ فقد حلف بطلاق حفصة فتطلق عمرة, فإن أعاد القول لحفصة طلقت عمرة طلقة ثانية فإن أعاد القول لحفصة طلقت عمرة ثانية فإن أعاد القول لحفصة طلقت عمرة ثالثة, فإن أعاد القول لعمرة لم تطلق حفصة لأن عمرة قد بانت فلا يمكن أن يحلف بطلاقها فطلقت عمرة ثلاثًا وطلقت حفصة طلقتين.
فرع آخر
لو قال لها: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق قد ذكرنا هذه المسألة, وكذلك لو قال: كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق ولا فرق بين كلما وإذا في هذا إلا في موضع واحد وهو أنه لو قال: كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال بعد هذا: إن دخلت الدار فأنت طالق, وإن خرجت منها فأنت طالق, وإن لبست فأنت طالق طلقت ثلاثًا, ولو كان عقد الصفة بكلمة إذا لم تطلق إلا واحدة لأن إذا لفعل مرة وكلما للتكرار [30/ ب] فأن لم يكن مدخوًلا بها لا يقع إلا واحدة.
فرع آخر
لو قال: كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق وعبد من عبيدي حر فأعادها بعد العقد ثلاثًا وعتق ثلاثة أعبد, فإن أعاد رابعًا فلا طلاق ولا عتق لأنه لا طلاق بعد ثلاث فإن كان غير مدخولٍ بها لا يقع إلا واحدة ولا يعتق إلا عبد واحد.
مسألة: قال: "ولو قال: رأسك أو شعرك أو يدك أو رجلك أو جزء من أجزائك طالقٌ".
الفصل
إذا طلق جزءًا من أجزائها مشاعًا طلقت بلا خلاف سواءٌ كان ذلك الجزء مجهولاً أو معلومًا فإن طلق جزءًا معينًا أي جزءٍ كان طلاقًا عندنا والأصل فيه أن يتصل بها اتصال الخلقة مثل اليد والرجل والظفر والشعر وغير ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يقع الطلاق إلا أن يضيفه إلى الرأس أو الوجه أو الرقبة أو الظهر أو الفرج لأنه يعبر بهذه الأشياء عن جميع البدن, وهكذا الخلاف في العتق إلا أنه قال: لو قال لعبده: فرجك حر لم
يعتق, ولو قال لأمته ذلك تعتق.
وقال أحمد: إذا أضافه إلى عضو ى ينفصل في حال الحياة يقع, فأما إذا أضاف إلى الشعر والسن والظفر لا يقع وهذا غلط لأنه أضاف الطلاق إلى جزءٍ استباحه بعقد النكاح فيقع على الجملة كالأعضاء الخمسة.
فرع
إذا قال: شعرك طالق ظاهر المذهب أنه يقع الطلاق على الجملة بهذا اللفظ لأنه لما علم الطلاق لا يتبعض قصد بتطليق بعضها تطليق جميعها.
ومن أصحابنا من قال: يقع ذلك على الجزء ثم يسري إلى الباقي لأن الطلاق على السراية وهذا أصح عندي, وفائدة هذا تتبين فيما لو لم يكن لها يد في الكتف فقال: يدك طالق هل يقع؟ فأن قلنا بالأول [31/ أ] يقع, وإن قلنا بالثاني لا يقع, وقيل: في الشعر وجهان بناءً على أن فيه روحًا أولاً وفي السن وجه واحدٌ.
فرع آخر
لو كان لها إذن مقطوعة ملصقة فإذا أضاف الطلاق إليه قال أهل العراق من أصحابنا: لا تطلق, وقال القفال: طلقت وسمعت مشايخنا بخراسان يذكرون فيه وجهين والصحيح عندي ما ذكره القفال والأقرب إلى المذهب غيره.
فرع آخر
لو قال: ريقك أو دمعك أو لبنك أو منيك أو دمك طالق لا يقع الطلاق لأنه لا يتصل بها اتصال الحلقة وإنما البدن وعاء له, وقال القفال: فيه وجهان قال: والصحيح عندي أنه لا يقع إلا في دمك فإنه يقع قال: وكذلك إذا قال: روحك طالق يقع على قياس قول غيره لا يقع وقيل: إن اللبن والمني كالدم يقع الطلاق بالإضافة إليه وجهًا واحدًا والوجهان في الدمع والريق وهذا ليس بشيء.
وقال ابن أبي ليلى: يقع الطلاق بالإضافة إلى الريق وإلى كل ما في بدنها.
فرع آخر
لو أضاف إلى الجنبين لا يقع الطلاق وذكر الإمام أبو على السنجي فيه وجهًا آخر أنه يقع وليس بشيء.
فرع آخر
لو أضاف إلى فعلها فقال: أكلك أو شربك أو قيامك طالق أو أضاف إلى حواسها فقال: نظرك أو سمعك أو زوقك أو لمسك طالق لا تطلق إلا أن يرقعه على جوارح هذه الحواس فيقول عينك أو إذنك طالق فيقع.
فرع آخر
لو قال: عقلك طالق لم يقع لما ذكرنا من العلة.
فرع آخر
لو قال: بياضك أو سوادك أو لونك طالق فيه وجهان, أحدهما: يقع لأنه من ذاتها الذي لا ينفصل عنها, والثاني: لا يقع لأن الألوان أعراضُ تحل الأجسام وليست كالذات.
فرع آخر
لو قال: غمك أو فرحك أو عمرك طالق [31/ ب] قال جدي الإمام رحمه الله: فيه وجهان والمذهب أنه كناية فإن أراد طلاقًا وقع وذكر مثله إذا قال: حركتك أو سكونك أو سمعك طالق.
فرع آخر
لو قال: أوقعت الطلاق في قميصك أو ثوبك فهو كناية ذكره جدي الإمام رحمه الله وكذلك لو قال: أوقعت عندك أو في دارك أو دار أبيك طلاقًا كان كناية أيضًا.
فرع آخر
لو قال لها: أقبلي نفسك فقالت: قبلت أو قال لأبيها أو لأخيها: اقبلها, فقالت: قبلت أو قال أبوها: قبلت, فإن نويا طلاقًا وقع وإلا فلا يقع.
فرع آخر
لو استحق فسخ النكاح بالعيب فقال: فسخ النكاح في يدها لا نص فيه, وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان, وقال أهل العراق من أصحابنا: لا يصح ذلك وجهًا لأنه لا يسري كسراية الطلاق.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق إلا فرجك طلقت لأنها لا تتبعض والاستثناء لا يسري.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق إلا أنت طلقت لأنه يرفع جميع ما قبله.
فرع آخر
لو قال: يا حفصة أنت طالق ورأس عمرة بالرفع طلقا وقيل: إذا لم ينو هل تطلق عمرة؟ وجهان وولو قال: رأس عمرة بالكسر لم تطلق عمرة لأنه صار خراجًا مخرج القسم برأس عمرة على طلاق حفصة.
مسألة: قال: "ولو قال: أنت طالق بعض تطليقة كانت تطليقة".
إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقةٍ وقعت طلقة, وقال داود: لا يقع شيء لأن الشرع لم يرد بإيقاع نصف الطلاق وهذا غلط لأن الله تعالى قال: {فإن طلقها فلا تحل له
من بعد} [البقرة:230] فلا تحل له من بعد ولم يفصل ولأن التحريم والتحليل إذا اجتمعا غلب التحريم كما لو طلق نصفها [32/ أ] ولأن التحريم بتبعض فغلب ويكمل.
فرع
لو قال: أنت طالق بعض طلقةٍ طلقت طلقة كما لو قال: نصفك طالق.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق نصفي طلقة طلقت طلقة كقوله أنت طالق طلقةً.
فرع آخر
لو قال: نصف طلقتين فيه وجهان, أحدهما: يقع طلقةً واحدة وهو الصحيح لأن نصفهما واحدة.
والثاني: تقع طلقتان, لأن معناهُ النصف من كل واحدة منهما.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين كانت ثلاثًا ذكره القفال وجماعة, وقال صاحب"الإفصاح": يحتمل وجهين, أحدهما: تطلق اثنتين والنصف الثالث لغو.
والثاني: تطلق ثلاثًا ويكون تقديره أنت طالق ثلاث مرات نصف طلقتين فيكون ثلاث طلقات والأول أبين.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقةِ فيه وجهان: يقع طلقة والنصف الثالث لغو, والثاني: يقع طلقتان وهو اختيار القفال لأن ثلاثة أنصاف تطليقةٍ هو طلقة ونصف فيملك طلقتان وكذلك في الإقرار: إذا قال: علي ثلاثة أنصاف درهم فيه وجهان, أحدهما: يلزمه درهمان, والثاني: يلزمه درهم ونصف لأن الإقرار لا يكمل ولذلك إذا قال: علي ثلاثة أنصاف درهمين فيه وجهان, أحدهما: يلزمه درهمان لأن الدرهمين نصفان كل نصف منهما درهم والفاضل لغو, والثاني يلزمه ثلاثة دراهم.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق نصفي تطليقتين يقع طلقتان لأن نصف تطليقتين واحدة فنصفهما طلقتان بالتكميل.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق نصف تطليقة ومثله فيه وجهان, أحدهما: تطلق واحدة لأن [32/ ب] مثل النصف نصف فصار كأنه قال: أنت طالق نصفي تطليقةٍ والثاني: يقع طلقتان لأنه أدخل واو العطف هاهنا ولم يضعها هاهنا إلى طلقة واحدة, وعلى هذا لو قال: أنت طالق نصف طلقة ومثله يقع على الوجه الأول تطليقتان, وعلى الوجه الثاني ثلاث تطليقات.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق نصفه وضعفها طلقت اثنتين وجهًا واحدًا, والفرق أن المثل نظير والنصف يكرر.
فرع آخر
لو قال: أن نصف طالق طلقت كما لو قال: نصفك طالقٌ, ولو قال: أنت نصف طلقة فيه وجهان, أحدهما: تطلق واحدةً إذا قلنا أنت طالق صريح, وإذا قلنا: كناية لا يقع هاهنا إلا أن ينوي.
فرع آخر
قال الشافعي: رحمة الله عليه في إباحة الطلاق: إذا قال: أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقةٍ وقعت ثلاثًا لأنه عطف جزءًا من طلقةٍ على جزءٍ من طلقةٍ وظاهره أنها طلقات متغايرة, قالوا: ولو قال: أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقةٍ سدس وقعت طلقة واحدة لأنه ليس في قوله ثلث طلقةٍ لفظ الإيقاع ولا عطف على ما فيه لفظ الإيقاع, فهو كما لو قال: أنت طالق طلقة لم يقع إلا واحدة, قال أصحابنا: والتدين في الحكم إذا عطف بالواو لأنها متغايرة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثنتين إلا نصف كل واحدة فهما لا يقعان عليك طلقت ثنتين.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أقلهن ولا نية له طلقت ثلاثًا, ولو قال: إلا أكثرهن طلقت اثنتين.
فرع آخر
لو قال: أنتما طالقان إلا أنت يا زينب طلقتا.
فرع آخر
لو قال لأربع زوجات له: طوالق إلا زينب لم تطلق زينب.
فرع آخر
لو قال: أنت نصف طلقةٍ وثلث طلقة وسدس طلقة فهو كما لو قال: أنت طلقة [33/ أ] وقد ذكرنا فيه وجهين, أحدهما: أنه صريح فيقع هاهنا ثلاث, والثاني: كناية فيقع ما نوى.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق نصف ثلث سدس, ولم يقل طلقة وقعت طلقة بقوله أنت
طالق, وكذلك لو قال نصفًا وثلثًا وسدسًا ولم يزد على هذا.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق نصف وثلثي طلقة فيه وجهان, أحدهما: تطليقتان لأنه زاد على الواحد سدس تطليقة فحمل ذلك السدس.
والثاني: لا يقع إلا واحدة لأنه أضاف النصف والثلثين إلى طلقة واحدة والطلقة نصفًا وثلثين فلغت الزيادة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق نصف ثلاث تطليقات وقعت اثنتان إلا أن يريد نصف كل واحدة تقع ثلاث.
فرع آخر
لو قال: ثلثي تطليقتين أو ثلثي ثلاث تطليقات طلقت ثنتين إذا لم يرد بقوله ثلاث تطليقات تقسم كل طلقة فإن أراد ذلك يقع ثلاث.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق خمسة أنصاف تطليقة وقعت ثلاث, ولو قال: خمسة أرباع تطليقة طلقت ثنتين, وكذلك ستة أخماس تطليقة طلقت ثنتين, ولو قال: نصف طالق نصف تطليقة لزمته تطليقة واحدة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق واحدة في نصف واحدة فإن نوى الزيادة على الواحدة قبل قوله، وإن لم ينو شيئًا أو واحدة فهي واحدة.
فرع آخر
لو نظر إلى امرأتين زوجة وأجنبية فقال: إحداكما طالق فالقول قوله فإن قال أردت زوجتي طلقت, وإن قال: أردت الأجنبية لم تطلق قال في "الإملاء" لأن الطلاق على امرأته لا يقع إلا بأحد أمرين: إما بالإشارة إليها وهو أن يقول: أنت طالق أو بالصفة وهو أن يذكر اسمها وقد عدم [33/ ب] الأمران جميعًا, وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقع على امرأته لأن الإنسان لا يقصد في العادة إلى طلاق الأجنبية, وقيل: هو وجه لبعض أصحابنا ولكنه خلاف المنصوص.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو كان اسم زوجته زينب فقال: زينب طالق ثم قال: أردت زينب جارة لها لم يقبل منه في الحكم والفرق بين هذه المسألة وبين المسألة قبلها أن في هذه المسألة ما طلق إلا واحدة وجارتها ما شاركتها في هذا الاسم لفظًا, وإنما شاركتها في أن الاسم موجود فيها والظاهر في العادة أن المراد به الزوجة فلا يقبل منه غير ذلك وليس كذلك إذا قال إحداها طالق لأن كل واحدة منهما شاركت الأخرى لفظًا فيقبل
منه ما نواه.
وقال القاضي الطبري: قال الداركي عن أبي جعفر الترمذي أنه قال: إذا قال: فلانة طالق فسمى امرأته باسمها ثم أردت امرأة أجنبية اسمها اسم امرأته وهي مطلقة من زوجها يقبل ذلك منه في الحكم إلا أن يكون في لفظه ما يدل عليه بأن يقول: فلانة امرأتي أو يقول طلقت فلانة وهذا اختيار القاضي الطبري وهو الصحيح عندي.
فرع آخر
لو قال: لأم امرأته بنتك طالق ثم قال: أردت بيتك التي ليست بزوجةٍ لي, قال القاضي الطبري: الذي عندي على قياس ما قاله في"الإملاء": أن يقبل منه, وقال صاحب "الحاوي": هذا وإن كان تفريعًا ولم يذكر اسمًا فهو بالاسم أشبه فيخص الاسم لقوته بالزوجية فيلزمه الطلاق في الحكم ويدين في الباطن.
مسألة: قال: "ولو قال لأربع نسوةٍ: فقد أوقعت بينكن تطليقةً كانتْ كلُ واحدةٍ منهن طالقًا".
إذ قال [34/ أ] واعلم أن الاستثناء ضد المستثني منه فهو من الإثبات نفي, ومن النفي إثبات تقول جاءني القوم إلا زيدًا معناه جاؤوا وما جاء زيد وما أحد إلا زيدًا معناه ما جاء أحد وجاء زيد فيكون ابدأ من الذي يليه ولا يجوز استثناء الكل بحالٍ, فإذا تقرر هذا فقال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدةً أثبت ثلاثًا ونفي طلقه فيقع طلقتان ولو قال ثلاثًا إلا طلقتين أثبت ثلاث ونفي طلقتين فيقع طلقة, ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا تقع ثلاثًا لأنه استثناء الكل فلا يصح.
فرع أخر
لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا نصف طلقة ثلاثًا لأنه أنفي طلقتين ونصف طلقة فكأنه قال: أنت طالق طلقتين ونصف طلقة تقع ثلاث نص عليه وفيه وجه آخر تقع طلقتان لأن هذا استثناء صحيح فلا باغي وهذا أصح لأنا لا نلغه بل نكمل الباقي.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق طلقتين ونصف طلقة إلا نصف طلقة قال أصحابنا: طلقت ثلاثًا لأن قوله طلقتين ومصف كقوله ثلاثًا, وقال القاضي الطبري: العلة فيه إن استثناء النصف لا يجوز ولا يجوز أن يكون راجعًا إلى الكل لأن النصف صار جملة واحدة بحرف العطف.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق طلقتين ونصف إلا واحدة, قال ابن الحداد: طلقت ثلاثًا لأن نصف الثالثة يسوى فيصير واحدة كاملة وقد دمها إلى اثنتين بواو العطف فصار كقوله: أنت طالق اثنتين وواحدة إلا فتطلق ثلاثًا ويسقط استثناء الواحدة لرجوعه إلى الواحدة ومن أصحابه من قال: تطلق تطليقتين [34/ ب] لأن واو العطف هاهنا دخلت
فيما لا يستغنى عنه وسراية الطلاق تستقر بعد الاستثناء, فإذا استثنى واحدة من اثنتين ونصف بقيت واحدة ونصف فتحمل اثنتين, ومن أصحابنا من قال في قوله: أنت طالق فطالق إلا طلقة يصح الاستثناء ويقع طلقة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق وطالق ثم طالق إلا طلقة وقعت ثلاثًا نص عليه في "الأم" لأنه عاد الاستثناء إلى الذي يليه فيرفع كله فكأنه قال: أنت طالق طلقة إلا طلقة, ومن أصحابنا من قال: طلقت طلقتين ويصح الاستثناء لأنه أوقع ثلاثًا وبقي واحدة وهذا ليس بشيء.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق طلقتين ونصفًا فيه ثلاثًا أوجه, أحدها: تطلق ثلاثًا لأن الطلقة ونصفًا لا تجوز أن تستثني من نصف طلقة فسقط الاستثناء ويكمل الواقع ثلاثًا.
والثاني: تطلق طلقتين لأن النصف طلقته الواقعة مع طلقتين صارت ثلاثًا وقد استثنى منها طلقة ونصفًا فبقيت طلقة ونصف قابلت طلقتين.
والثالث: تطلق واحدة لأن كمال الواقع يكون بعد الاستثناء منه وقد استثنى طلقه ونصف من طلقتين ونصف فبقيت واحدة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا طلقة وطلقة طلقت طلقة لأن قوله وطلقة عطف على ما نفاه بالاستثناء فلا يبقى إلا طلقة.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة واثنتين فيه وجهان, أحدهما: تطلق ثلاثًا إسقاطًا لجميع الاستثناء كما لو استثنى الثلاث من الثلاث دفعة واحدة.
والثاني: تطلق اثنتين إسقاطًا لآخر العددين وإثباتًا للأول لأن الأول صح فيطرح الثاني لاستحالته [35/ أ], قال القفال: وكذلك الوجهان إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين وواحدة أو قال: إلا اثنتين وإلا واحدة.
فرع آخر
لو قال: أردت بقولي إلا اثنتين وواحدة إثبات الواحدة لا استثناءها تقع اثنتان وجهًا واحدًا, إلا أنه استثنى من الثلاث اثنتين فبقيت واحدة ثم أوقع واحدةً فتقع اثنتان.
فرع آخر
لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة يقع ثلاثًا وبه قال أبو حنيفة, وقال أبو يوسف ومحمد: يقع طلقة وهو وجه لأصحابها لأن استثناء اثنتين جائز وإنما لا يصح استثناء الثالثة وهذا لا يصح لأن العطف يوجب اشتراك العطف مع المعطوف عليه فيصير كأنه استثنى ثلاثًا من ثلاث وقد ذكرنا نظيره.