بحر المذهب للرويانيصفحات 205-226

يرتوي من لبنها كما كان عليه تمكين الأم من علفها ثم لا يخلو حاله بعد تمكينه منه من ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون بقدر ريه من غير فضل ولا نقصان فلا يجوز أن يحلب من لبنها شيئاً لاستحقاقه في ري الولد.
والحال الثانية: أن يكون أقل من رية فعليه بعد تمكينه من لبنها أن يسقيه بعد ريه من غيرها.
والحال الثالثة: أن يكون أكثر من رية فعليه أن يخلي بينه وبين ريه ثم يحتلب الفاضل عن ريه، فإذا احتلب اللبن فالأولى به والأفضل أن يتصدق بجميعه فإن لم يتصدق بجميعه فالأفضل بعده أن يسلك به مسلك اللحم فيشرب منه ويسقي غيره، فإن لم يفعل وشرب جميعه جاز وان كرهناه؛ لأن بقاء لحمها نسخ وتقام الانتفاع بها مكروه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولا يجزَّ صوفها".
قال في الحاوي: يمنع من جزاز صوفها إذا لم يكن تركه مضراً بها لأنه أحفظ لها وأكمل ولأنه يبعد استخلافه بخلاف اللبن وان كان جزازه أنفع بها فإن قرب زمان نحرها تركه عليها حتى ينحرها وان بعد زمان نحرها جزه عنها؛ لأنه أصلح لبدنها، فإن جزه، وهو مأمور بتركه فقد أساء ولم يضمن، وان تركه وهو مأمور بجزه كرهناه ولم يضمن، ولا يجوز له بيع الصوف بعد جزه؛ لأنه من جملة أضحيته لا يجوز له بيعها ويسلك به مسلك اللبن على ما قدمناه.
مسألة: قال الشافعي: "وإن أوجبتها هدياً وهو تام، ثمَّ عرض له نقص وبلغ المنسك أجزأ إنما أنظر في هذا كله إلى يوم يوجبه ويخرج من ماله إلى ما جعله له".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أوجب أضحية سليمة من العيوب فحدث بها قبل نحرها ما يمنع من ابتداء الأضحية بها من عور أو عرج ضحى بها وأجزأته.
وقال أبو حنيفة: إن كان موجبها ممن لا يلزمه الأضحية لسفر أو عدم أجزأه، وان كان ممن يلزمه الأضحية بالمقام واليسار لم يجزه، لأن النقص في الواجب مردود كالمعيب في الزكوات وفي المشهور تجزئ كالعيب في الصدقات.
ودليلنا ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: قلت يا رسول الله إني أوجبت أضحية وقد أصابها عور فقال: "ضح بها" فلما أمره بذبحها ولم يأمره بالإعادة دلّ على إجزائها.
ولأنه خرج من ملكه على صفة الإجزاء فلم يمنع حدوث نقصه من الإجزاء كالعتق في

الكفارة إذا حدث بعده نقص يمنع من الكفارة كان مجزياً كذلك نقص الأضحية، وخالف عيب الزكاة لوجوده عند الإخراج.
فصل: فأما إذا أوجب في ذمته أضحية عن نذر ثم أوجبها في شاة عينها وحدث بها قبل الذبح نقص لم يجزه الأضحية بها، لأن سلامة ما تعلق بالذمة مستحق في الذمة تمنع حدوث نقصه من الإجزاء.
وسلامة ما لم يتعلق بالذمة غير مستحق في الذمة فلم يمنع حدوث نقصه من الإجزاء وإذا لم تجزه المعيبة وجب عليه أن يضحي بسليمة ولم يلزمه ذبح المعيبة: لأنه أوجبها ليسقط بها ما في ذمته، فإذا بطل إجزاؤها بطل إيجابها.
مسألة: قال الشافعي: "وإن أوجبه ناقصاً ذبحه ولم يجزه ". قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا ابتدأ إيجاب أضحية ناقصة وجبت ولم تكن أضحية؛ لأن نقصها يمنع من الأضحية وإيجابها يوجب ذبحها وأن يسلك بها مسلك الأضحية لأمرين: أحدهما: أنه قد أخرجها عن ملكه بالإيجاب فلم تعد إليه.
والثاني: أنه بمثابة من أعتق عبداً معيباً عن كفارته لم يجزه عنها ولم يعد إلى رقه بعد العتق، فلو أوجبها ناقصة فلم يذبحها حتى زال نقصها ففي كونها أضحية قولان: أحدهما:.
قاله في الجديد وبعض القديم _ لا تكون أضحية اعتباراً بحال إيجابها وإن لزمه ذبحها كمن أعتق عن كفارته عبداً معيباً فزال عيبه بعد عتقه لم يجزه عن كفارته وإن عاد إلى سلامته.
والثاني:.
في القديم: أنها تكون أضحية مجزية؛ لأنها ما وصلت إلى المساكين إلا سليمة، ولو أوجبها وهي معيبة عن أضحية في الذمة بطل إيجابها لعدم إجزائها ولم يلزم ذبحها لبطلان إيجابها، فلو عادت إلى حال السلامة لم يصح ما تقدم من إيجابها حتى يستأنفه بعد السلامة.
قال الشافعي رحمه الله: "ولو ضلت بعدما أوجبها فلا بدل وليست بأكثر من هدي التطوع يوجبه صاحبه فيموت ولا يكون عليه بدل ". قال في الحاوي: إذا أوجب أضحية فضلت منه فلا يخلو أن تضل بتفريط منه أو بغير تفريط، فإن ضلت بتفريط منه في حفظها فعليه طلبها فإن ماتت ضمنها، فإن علم أنه

يجدها بعد أيام التشريق ولا يجدها في أيام التشريق لزمه بدلها في أيام التشريق، ولم يجز أن ينتظرها بعد فوات زمانها، فإذا وجدها بعد فوات الزمان أن يضحي بها فيصير بالتفريط ملتزما بالأضحيتين، وان ضلت بغير تفريط منه في حفظها فلا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن تضل قبل أيام التشريق وهي مسألة الكتاب فلا ضمان عليه؛ لأنها في يده أمانة لا تضمن إلا بالعدوان.
ولأنه ليس ضلالها بأكثر من موتها وهو لا يضمنها بالموت فأولى أن لا يضمنها بالضلال ثم ينظر، فإن كان لطلبها مؤونة لم يجب عليه طلبها، وان لم يكن في طلبها مؤونة وجب عليه طلبها، لأنه مؤتمن عليها في حقوق المساكين، وان ضلت بتفريط كان عليه طلبها بمؤونة وغير مؤونة.
والحالة الثانية: أن تضل منه بعد أيام التشريق فعليه ضمانها؛ لأن تأخير نحرها تفريط منه يوجب عليه الضمان إلا أن يؤخرها العذر فلا يضمن.
والحال الثالثة: أن تضل منه في أيام التشريق بعد مضي بعضها وبقاء بعضها فعمل يكون ذلك تفريطا منه يلتزم به ضمانها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يكون تفريطا لبقاء زمان النحر وجواز تأخيرها إليه فلم يفرط فيه، فعلى هذا لا يضعفها ولا يلزمه طلبها إن كان له مؤونة.
والثاني: أنه يكون تفريطا منه، لأن نحرها بدخول الزمان مستحق وتأخيره رخصة كتأخير الحج بعد وجود الزاد والراحلة مباح، فلو مات قبل أدائه كان فرضه مستقرا فعلى هذا يضمنها ويلزمها طلبها بمؤونة وغير مؤونة.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو وجدها وقد مضت أيام النحر كلها صنع بها كما يصنع في النحر كما لو أوجب هديها العام وأخرها إلى قابل وما أوجبه على نفسه لوقت ففات الوقت لم يبطل الإيجاب".
قال في الحاوي: إذا وجد الأضحية الضالة لزمه نحرها سواء كان قد ضمنها بالتفريط أو لم يضمنها، لخروجها بالإيجاب عن ملكه، فإن كانت أيام النحر باقية نحرها إجماعاً وكانت أداء لا قضاء، وان نقصت أيام النحر نحرها في الحال ولم يؤخرها إلى انتظار مثلها في العام المقبل، ولا يجوز أن يدفعها إلى المساكين في الحياة حتى ينحرها.
وقال أبو حنيفة: إن كانت واجبة دفعها في الحياة إلى المساكين ولم ينحرها، وان كانت مسنونة بطل إيجابها وعادت بفوات الوقت إلى ملكه.

وقال بعض الفقهاء: ينتظر بها إلى وقت مثلها من العام المقبل كما ينتظر بفوات الحج قضائه في مثل وقته.
ودليلنا: هو أن ما استحقه المساكين في وقته لم يسقط حقهم بفوات وقته كزكاة الفطر فبطل به مذهب أبي حنيفة في المسنون.
ولأن ما استحقه المساكين على صفة لم تتغير صفته بالتأخير كزكاة المال فبطل به مذهب أبي حنيفة في الواجب، ولأن ما استحقه المساكين لوقت لم يجز تأخيره بفوات الوقت كالنذور فبطل به مذهب من أوجب تأخيره إلى مثل وقته.
فصل:

فإذا ثبت وجوب نحرها عند وجودها ففي حكمها بعد ذبحها وجهان: أحدهما: وهو قول الجمهور إنه يسلك بها بعد الذبح مسلك الضحايا في وقتها يأكل ويتصدق ويهدي على حكمها في الأصل إذا ذبحت في أيام النحر.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها تكون للمساكين خاصة لا يجوز أن يأكل منها ولا يدخر لأنها قد خرجت بفوات ذبحها في أيام النحر من الأداء إلى القضاء فصارت حقاً لغيره ثم لا يخلو حالها أن تكون مضمونة بالتفريط أو غير مضمونة، فإن كانت غير مضمونة؛ لأنه غير مفرط فليس بملتزم لغيرها وقد فعل في نحرها وتفريقها ما لزمه؛ فإن كانت مضمونة بالبدل لتفريط فيها فلا يخلو حال بدلها بعد وجودها من أربعة أحوال: أحدها: أن تكون في ذمته ولم يوجبه في غيرها فتبرأ ذمته من البدل بوجودها كالعبد المغصوب إذا أبق، وكان الغاصب مأخوذاً بالقيمة فوجده برئت ذمته من القيمة بوجوده.
والحالة الثانيه: أن يكون قد أوجب البدل وعينه في غيرها وهو باق ولم يذبحه فقد سقط إيجاب بدلها بوجودها وعاد إلى ملكه كقيمة المغصوب إذا أخذت ثم وجد ردت.
والحال الثالثة: أن يكون بدلها قد ذبح وفرق في أهل الضحايا قبل وجودها فيصير ذبح البدل أضحية تطوعء ولا يعتاض عن البدل باستبقاء الأصل بل يذبحه بعد البدل فيكون أضحيتين.
والحال الرابعة: أن يكون البدل ولحمه باقياً عند وجود الأصل ففيه وجهان: أحدهما: أن لحم البدل قد صار أضحية بالذبح فيجب أن يسلك به مسلك الضحايا.
والثاني: قد زال عنه حكم الضحايا قبل تفرقته كما زال حكمها عنه في حياته فيصنع به ما شاء من بيع وغيره.

مسألة: قال الشافعي: "ولو أن مضحيين ذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه ضمن كل واحد منهما ما بين قيمة ما ذبح حيا ومذبوحاً وأجزأ عن كل واحد منهما ضحيته وهديه ". قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن يذبح رجل أضحية غيره بغير أمره فمذهب الشافعي أن ذبحها يجزئ عن قربة صاحبها يسلك بها بعده مسلك الضحايا، ويكون الذابح ضامنا لنقصان ذبحها.
وقال مالك: لا يجزئه ذبح غيره ويكون لحماً وعليه أن يضحي بعدها.
وقال أبو حنيفة: تجزئه عن أضحيته ولا يرجع على الذابح نقصان ذبحه، وبه قال أبو ثور والذي أراه من هذا الإطلاق في الضمان أن ينظر في زمان الذبح فإن كان متسعاً ضمن الذابح؛ لأنه لم يتعين ذبحها في وقته ببقائه بعد ذبحه، وان ضاق حتى لم يبق منه إلا زمان الذبح لم يضمن الذابح، لأنه قد تعين ذبحها في وقته، فأما مالك فاحتج بأن الذبح قربة كالتفرقة ثم ثبت أنه لو فرقها غيره لم يجزه كذلك إذا ذبحها غيره لم تجزه.
ودليلنا: أن مقصود الأضحية إيجابها في حق المالك وتفرقتها في حق المساكين والذبح تبعاً لهما يتوصل به إلى المقصود في حقّ كل واحد منهما، وقد وجد المقصود أن يذبح الغير فلم يمنع من الإجزاء.
ولأن الذبح لا يفتقر إلى نية وقصد؛ لأنه لو ذبحها الملك سهوا أجزأت كذلك إذا ذبحها غيره عن عدم قصده وفي هذين انفصال.
فصل: فأما أبو حنيفة _ رحمه الله تعالى _ فإنه استدل على أن الذابح لا يضمن نقصان ذبحها؛ لأنه إراقة دم مشروع فلم يتعلق به ضمان كالختانة وقتل الردة ولأنها قربة تعين عليه فعلها فلم يضمنها من ناب عنه فيها كسوق الهدي إلى محله.
ودليلنا: هو أن ما ضمن في غير الأضحية ضمن في الأضحية كاللحم، ولأن ما ضمن لحمه ضمن ذبحه كغير الأضحية.
فأما الجواب عن قياسه على الختانة، فهو أنها ما أحدثت نقصاً، ولو أحدثته ضمن كذلك الأضحية لو لم تحدث نقصاً لم تضمن، فإذا أحدثه ضمن والمرتد لا يضمن بغير العقل، فلم يضمن بالقتل والأضحية تضمن بغير الذبح فضمنت بالذبح.
وأما الجواب عن قياسه على سوق الهدي فهو على ما ذكرناه من أنه لم يحدث نقصاً ولو عطب في يده ضمن.

فصل: فإذا ثبت ما وصفنا وكان للمضحين أضحيتان فذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه بغير أمره فهذا على ضربين: أحدهما: أن يفرق كل واحد منهما لحم ذبيحته فلا يجزئه عن نفسه؛ لأنه لا يملكها ولا يجزئ عن صاحبها، لأنه ما قام بما عليه فيها، ويضمن كل واحد منهما لصاحبه قيمة أضحيته، ولا يجوز أنهما يتقاسمان القيمة لخروجها عن ملك كل واحد منهما بالإيجاب، وفي القيمة وجهان: أحدهما: - وهو قول الجمهور- إنه يضمن قيمتها قبل الذبح، وهي حية كالجاني.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة _ أنه يضمن أكثر الأمرين من قيمتها وهي حية أو قيمة لحمها بعد الذبح لتعديه بالتفرقة كتعديه بالذبح، وهو عندي أصح، فإذا أخذ كل واحد منهما قيمة أضحيته صرفها في مثلها وكان في فصلها ونقصانها على ما ذكرنا، ويكون أرش الذبح داخلاً في ضمان القيمة فسقط بها.
والضرب الثاني: أن يكون لحم كل واحد منهما باقياً فلكل واحد منهما أن يأخذ لحم أضحيته، ولا يجوز أن يتبادلا باللحم، لأنه لا يجوز صرفه إلا في مسلك الضحايا، ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بأرش الذبح، وفي مصرف هذا الأرش ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون للمضحي خاصة، لأن حق المساكين في عين الأضحية، وليس هذا الأرش منها.
والثاني: أن يكون للمساكين؛ لأنه ليس للمضحي منها إلا ما يأكله من لحمها، وليس هذا الأرش منها.
والثالث: أن يسلك به مسلك الضحايا لاستفادته منها.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "فإذا ذبح ليلا أجزأه ". قال في الحاوي: ذبح الأضحية ليلاً مكروه لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الذبح ليلاً، ولأنه ربما أخطأ محل ذبحها بظلمة الليل، ولأنه يصير مستنيرا بها والمظاهرة بها أولى، ولأنه ربما أعوزه المساكين في الليل، ولأنه ربما تغير اللحم إذا استبقى إلى النهار وصل فلهاه المعاني كرهنا ذبحها في الليل، فإن ذبحها فيه أجزأه.
وقال مالك: لا يجزئه لما قدمناه ولقول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28].
فخص الأيام بها دون الليالي.

ودليلنا: قول الله سبحانه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:36] ولم يفرق بين الليل والنهار فكان على عمومه فيها.
ولأنه من زمان النحر فجازت الأضحية فيه كالنهار.
ولأنه أحد مقصودي الأضحية فجاز ليلاً كالتفرقة.
فأما الجواب عن الآية فهو أن الليالي تبع للأيام.
والنهي محمول على الكراهة كما نهى عن جداد الثمار في الليل - ما يصنع بلحم الأضحية من حيث الادخار والأكل والطعام والإهداء ـ. مسألة: قال الشافعي: "والضحيه نسك مأذون في أكله وإطعامه وادخاره ". قال في الحاوي: أما الضحايا والهدايا فحكمها في جميع ما قدمناه سواء، وإنما يختلفان في المحل فمحل الهدي الحرم، لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
ومحل الضحايا في بلد المضحي، وهل يتعين عليه ذبحها فيه أم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قولي الشافعي في تفريق الزكاة في غير بلد المالك هل يجزئ أم لا؟ على قولين: فإن قيل: لا تجزئ تعين عليه ذبح الأضحية في بلده فإن ذبحها في غير بلده لم يجزه.
وإن قيل: تفريقها في غير بلده يجزئ لم يتعين عليه ذبح الأضحية في بلده، وكان ذبحها في بلده أفضل، وفي غير بلده جائز.
فإذا تقررت هذه الجملة لم يخل حالها بعد الإيجاب إيجابها أن تكون عن نذر أو تطوع، فأما التطوع فهو ما ابتدأ إيجابه فقال: قد جعلت هذه البدنة أضحية، فيجب أن يذبحها في أيام النحر وكذلك الهدي ثم يسلك بها مسلك الأضحية، وذلك مشتمل على أربعة أحكام: أحدها: أن يأكل منها.
والثاني: أن يطعم الفقراء.
والثالث: أن يهدي إلى الأغنياء.
والرابع: أن يدخر قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:36] فنص هذه الآية على ثلاثة أحكام على أكل وإطعام الفقراء ومهاداة الأغنياء.
وأما الادخار فالأصل ما رواه الشافعي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: دق ناس من أهل البادية حضرة

الأضحى في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي قالت: فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد كان الناس ينتفعون بضحايا هم يحملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما ذاك قيل: يا رسول الله: نهيت عن اقتناء لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وتصدقوا وادخروا"، فاشتمل هدا الحديث على تحريم ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث لأجل الدافة ثم على إباحة الادخار بعد الدافة، والدافة النازلة يقال: دف القوم موضع كذا إذا نزلوا فيه، فاختلف أصحابنا في معنى هذا النهي والإباحة على وجهين: أحدهما: أنه نهي تحريم على العموم في المدينة التي دف البادية إليها وفي غيرها حرم به ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث في جميع البلاد، وعلى جميع المسلمين وكانت الدافة سبباً للتحريم ولم تكن علة للتحريم ثم وردت الإباحة بعدها نسخاً للتحريم، فعمل جميع الصحابة بالنسخ إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه بقي على حكم التحريم في المنع من ادخارها بعد ثلاث ولم يحكم بالنسخ، لأنه لم يسمعه.
وقد روى الشافعي عن مالك عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة ثم قال: "كلوا وتزودوا وادخروا" فعلى هذا إذا دف قوم إلى بلد من فاقة لم يحرم ادخارهم لحوم الأضاحي لاستقرار النسخ.
والثاني: أنه نهي تحريم خاص لمعين حادث اختص بالمدينة ومن فيها دون غيرهم لنزول الدافة عليهم، وكانت الدافة علة لتحريم ثم ارتفع التحريم بارتفاع موجبه، وكانت إباحة الرسول إخباراً عن السبب ولم تكن نسخاً، فعلى هذا اختلف أصحابنا إذا حدث مثله في زماننا، قذف ناس إلى الفاقة، فهل يحرم على أهله ادخار لحوم الأضاحي لأجلهم لوجود علة التحريم كما حرم عليهم بالمدينة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يحرم عليهم لوجود علة التحريم كما حرم عليهم بالمدينة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: لا يحرم، لأن التعليل بالدافة كان لزمان على صفة فصار مقصوراً عليه.
فصل: فإذا ثبت ما وصفناه من مسلك الضحايا في هذه الجهات الأربع الأكل والادخار والصدقة والهدية اشتمل حكمها على فصلين: أحدهما: في مقاديرها، فليس تتقدر في الجواز، وإنما تتقدر في الاستحباب؛ لأنه

لو أكل يسيراً منها وتصدق بباقيها جاز ولو تصدق بيسير منها وأكل باقيها جاز، فأما مقاديرها في الاستحباب ففيه قولان: أحدهما: قاله في القديم _ يأكل ومدخر ويهدي النصف ويتصدق على الفقراء بالنصف؛ لأن اثه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] فجعلها في صنفين فاقتضى أن تكون بينهما نصفين.
والثاني: _ قاله في الجديد _ أن يأكل، ويدخر الثلثء ويهدي الثلث، ويتصدق على الفقراء بالثلث لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:36] فذكر ثلاثة أصناف فاقتضى أن تكون بينهم أثلاثاً.
وأما الفصل الثاني: وجوبها واستحبابها، فلا يختلف المذهب أن الادخار مباح وليس بواجب ولا مستحب وأن الهدية ليست بواجبة وهي مستحبة، فأما الأكل والصدقة فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي سعيد الإصطخري أنهما مستحبان فإن أكل جميعهما جاز وان تصدق بجميعها جاز لقول الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى﴾ [الحج: 37] فجعل مقصودها التقوى بعد الإراقة دون الأكل والصدقة.
ولأنه لما كان لو أكل أكثرها كان جميعها أضحية كذلك إذا أكل جميعها.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أن الأكل والصدقة واجبان، فإن أكل جميعها لم يجزه، وان تصدق بجميعها لم يجزه حتى يجمع بين الأكل والصدقة لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] فجمع بينها وأمر بهما فدل على وجوبهما ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر في حجة مائة بدنة، وأمر علياً أن يأتيه من كل بدنة ببضعة ثم أمر بها فطبخت فأكل من لحمها، وحسا من مرقها، فلما أكل من كل بدنة مع كثرتها دل على وجوب أكله منها.
والثالث: وهو مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابنا _ أن الأكل مستحب والصدقة واجبة، فإن أكل جميعها لم يجزه وان تصدق بجميعها أجزأه لقول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:36] فجعلها لنا، ولم يجعلها علينا، فدل على أن أكلنا منها مباح، وليس بواجب، ولأن حقوق الإنسان هو مخير فيها بين الاستبقاء والإسقاط.
ولأن موضوع القرب بالأصول أنها مستحقة عليه وليست مستحقة له.
ولأن قوله تعالى في الضحايا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: 28] جار مجرى قوله في الزكاة: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141]. فلما كان أكله مباحاً والإيتاء واجباً كذلك الأكل من الأضحية مباح والإطعام واجب.

فصل: فإذا تقرر حكم الأكل والصدقة على هذه الوجوه الثلاثة فاقتصر منها على أحدها نظر، فإن كان اقتصاره منها على الصدقة دون الأكل فأطعم ولم يأكل لم يضمن على الوجوه الثلاثة، لأن من قال بوجوب الأكل نسبه في ترك الأكل إلى المأثم، ولم يلزمه الغرم في حق نفسه لأن استحقاقه للأكل رفق به فخرج عن حكم الغرم لما فيه هن الإجحاف به، وإن كان اقتصاره على الأكل فأكل، ولم يطعم فعلى قول أبي العباس لا ضمان عليه، لأنه يجعل الإطعام مستحباً، وعلى الوجهين الآخرين يكون ضامناً، وهو الصحيح لما ذكرنا فعلى هذا في قدر ما يضمنه ثلاثة أوجه: أحدها: - وهو مذهب أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة - يضمن جميعها بأكثر الأمرين من قيمتها أو مثلها، لأنه لما عدل بأكملها عن حكم الضحايا صارت لحماً، وكان إيجاب الضحايا باقياً، فلزمه أن يضحي فعلى هذا هل يجوز له أن يأكل من بدلها أم لا؟ على وجهين مضيا.
والثاني: يضمن منها قدر الاستحباب فيما يتصدق به ولا يضمن جميعها، لأنه قد أراق دمها على اسم الأضحية فلم يضمن منها إلا ما تعدى بأكله، فضمن قدر الاستحباب احتياطاً، فعلى هذا في قدر الاستحباب قولان: أحدهما: بالنصف، وهو القديم.
والثاني: الثلث، وهو الجديد، ولا يجوز أن يأكل هذا البدل وجهاً واحداً، لأنه بدل عما أكل والوجه الثالث يضمن قدر الإجزاء، لأنه لو اقتصر عليه في الصدقة، أجزأه، فعلى هذا يضمن ما يخرج عن قدر التافه إلى ما جرى العرف أن يتصدق به منها من القليل الذي يؤدي الاجتهاد إليه، ولا يجوز أن يأكل منه فصار في قدر ما يضمنه أربعة أوجه: أحدها: الكل.
والثاني: النصف.
والثالث: الربع.
والرابع: المجزئ، فإن ضمن الكل لزمه ذبحه في أيام النحر.
فإن أخره عنها مع القدرة حتى ذبحه بعدها ففي إجزائه وجهان: أحدهما: لا يجزئه، ويكون لحماً مضموناً بمثل ثان كما لو أخّر الأضحية حتى ذبحها بعد أيام النحر.
والثاني: أنه يجزئ؛ لأن إراقة دم الأضحية في أيام النحر قد يحصل بما أكل وإنما هذا بدل من الإطعام دون الإراقة فجاز في غير أيام النحر وان ضمناه بعضها ولم تضمنه جميعها لم يجز أن يتصدق بما ضمنه ورقاً، لأن حقوق الفقراء في الأكل دون القيمة، كما لا يجوز: أن يفرق ثمن الأضحية ورقاً، وهل يلزم صرف ما ضمنه في سهم من أضحية أو يفرقه لحما فيه وجهان:

أحدهما: يشتري به سهماً من أضحية ليجمع فيه بين إراقة الدم وتفرقة اللحم.
والوجه الثاني: يفرقه لحماً، لأنه أرفق، وعلى كلا الوجهين إن ذبح أو فرق بعد أيام النحر أجزأه لأن ذبح سهم في شاة لا يكون أضحية فلم يعتبر فيه زمان الأضاحي.
فصل: وأما الضحايا والهدايا المنذورة ففي جواز أكله منها وجهان: أحدهما: _ وهو قول أبي إسحاق المروزي لا يجوز أن يأكل منها، لأنها خرجت بالنذر عن حكم التطوع إلى الواجب، فلا يجوز أن يأكل من الدماء الواجبة.
والثاني: يجوز أن يأكل منها، لأنه تطوع بالنذر فصار كتطوعه بالفعل.
والأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في النذر، فإن كان معيناً لم يضمن في الذمة كقوله: "لله عليّ أن أضحي بهذه البدنة" جاز أن يأكل منها وإن كان مضموناً في الذمة كقوله: "لله عليّ أن أضحي ببدنة" لم يجز أن يأكل منها، لأن ما وجب في الذمة كان مستحقاً لغيره وما لم يتعلق بالذمة جاز أن يكون فيه كغيره، والله أعلم بالصواب.
مسألة: فال الشافعي: "وأكره بيع شيء منه والمبادلة به ومعقول ما أُخرج لله عز وجل أن لا يعود إلي مالكه إلا ما أذن الله عز وجل فيه ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقتصرنا على ما أذن الله فيه ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنعنا البيع على أصل النسك أنه لله ". قال في الحاوي: أما بيع لحم الأضحية فلا يجوز في حق المضحي لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] فنص على أكله وإطعامه، فدل على تحريم بيعه.
ولأن الأموال المستحقة في القرب لا يجوز للمتقرب بيعها الزكوات والكفارات وإنما خصت الضحايا بجواز الأكل، وليس في إباحة الأكل دليل على جواز البيع كطعام الولائم، وأكل الغانمين طعام أهل الحرب.
وأما الفقراء فعلى المضحي أن يدفع إليهم منها لحماً، ولا يدعوهم لأكله مطبوخاً لأن حقهم في تملكه دون أكله ليصنعوا به ما أحبوا، فإن دفعه إليهم مطبوخا لم يجز حتى يأخذوه نيئاً كما لا يجوز أن تدفع إليهم زكاة الفطر مخبوزا فإذا أخذه لحماً جاز لهم بيعه كما يجوز لهم بيعه ما أخذوه من الزكوات والكفارات وان لم يجز المزكي والمكفر بيعه.
وهكذا لا يجوز للمضحي أن يعطي الجازر أجرة جزارته من لحم الأضحية، لأنه يصير معاوضا به، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى علياً عنه.

ولأن مؤونة ما يستحق إخراجه لازمة للمتقرب كمؤونة الجداد والحصاد 0 فإن أعطى الجازر أجرته جاز أن يعطيه بعد ذلك من لحمها صدقة إن كان محتاجاً أو هدية إن كان مستغنياً.
فصل: فأما الجلد فهو في حكم الأضحية في تحريم بيعه على المضحي، وفي جواز تفرده به وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه بعض الأضحية.
والثاني: لا يجوز حتى يشارك فيه الفقراء، لأنه غير اللحم فلزم الإشراك فيه كاللحم، فإن باعه كان بيعه باطلاً، وقال عطاء: يجوز له بيع الجلد؛ وتملك ثمنه لأن مقصود الأضحية إراقة الدم وإطعام اللحم.
وقال الأوزاعي: يجوز له بيع الجلد بآلة البيت التي تعار كالقدر والميزان والسكين، ولا يجوز بيعه للآلة وتلزمه الإعارة.
وقال أبو حنيفة: يجوز له بيعه بالآلة دون غيرها، ولا يلزمه إعارتها اعتباراً بالعرف.
ودليلنا: ما رواه مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عليه السلام أنه قال: أمرني رسول - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنة فأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال: نحن نعطيه من عندنا، فقسم الجلود كما قسم اللحم، فدل على اشتراكهما في الحكم.
وروى عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: من باع جلد أضحيته فلا أضحية له، وهذا إن انتشر إجماع، وإن لم ينتشر حجة، إذ ليس له مخالف، ولأنه بعض الأضحية فلم يجز بيعه كاللحم، ولأن ما لم يجز بيع لحمه لم يجز بيع جلده، كدم التمتع والقران.
قال الشافعي رحمه الله: "ولا تجوز الأضحية لعبدٍ ولا مدبر ولا أم ولد لأنهم لا يملكون".
قال في الحاوي: أما المملكون من العبيد والإماء وأمهات الأولاد والمدبرين فلا يملكون إن لم يملكوا، ولا هو من أهل الضحايا، لأنهم لم يملكوا، فإن ضحى أحدهم بإذن سيده كان نائباً عنه، والأضحية عن السيد لا عنه، وان ضحى بغير إذن سيده كان متعدياً بالذبح في ملك سيده، وتكون الذبيحة لحماً للسيد، وليس بأضحية، وان ملكه السيد مالاً، ففي صحة ملكه قولان:

أحدهما: وهو القديم وبه قال مالك يملكه العبد بتمليك السيد.
والثاني: وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: لا يملكه العبد، ويكون باقياً على ملك السيد على كلا القولين ليس من أهل الضحايا ملك أو لم يملك، لأن للسيد عليه حجراً وان ملك، فإن أذن له السيد أن يضحي فذلك ضربان: أحدهما: أن يضحي عن السيد فيصح ذلك من العبد، ويكون في هذا الإذن بذبحها عن السيد رجوعاً منه في تمليك العبد، ويصير العبد نائباً عن سيده في الذبح، وليس للعبد بعد الذبح أن يفرق اللحم إلا بإذن السيد؛ لأن الإذن الأول كان مقصوراً على الذبح دون التفرقة فاحتاج إلى إذن في التفرقة، فإن كان الإذن في الذبح والتفرقة صحّا جميعاً منه بإذن واحد، ويكون المدفوع إليهم من الفقراء مردودين إلى اجتهاد العبد.
والثاني: أن يأذن له السيد في أن يضحي عن نفه ففي جوازها عن نفسه قولان إن قيل: إنه يملك إذا ملك جاز وإن قيل: لا يملك إذا ملك لم يجز، فإن قيل بجوازه كانت أضحية عن العبد دون السيد، ولم يكن للسيد أن يرجع فيها بعد الذبح لما استحقه المساكين فيها بالذبح، فإن كان قيل إيجاب الأضحية وتعينها صح رجوع السيد فيها، وان كان بعد إيجابها وتعينها لم يصح رجوع السيد فيها، لأنه من حقوق المساكين كالمذبوحة، وإن قيل: إن أضحية العبد لا تجوز فللسيد منعه من ذبحها قبل التعيين وبعده، وإذا ذبحها العبد كانت ذبيحة لحم ولم تكن أضحية للعبد ولا للسيد.
فصل: فأما المكاتب، فيملك إكساب نفسه غير أن ملكه ضعيف ولا يماثل ملك الحر، لأنه مقصور على أدائه في مال الكتابة ومؤونة نفسه وللسيد عليه حجر بما استحقه عليه من مال الكتابة، وليس من أهل الضحايا لقصوره ملكه، وان أراد أن يضحي، فللسيد منعه بحق حجر، فإن أذن له السيد في الأضحية، فإن منع العبد منها إذا ملك كان المكاتب أولى بالمنع فإن جوزت للعبد إذا قيل: إنه يملك فغي جوازها من المكاتب قولان: أحدهما: تجوز منه وتصح له الأضحية بإذن السيد، وليس فيها بالسواء من مال العبد إذا ملك.
والثاني: لا تصح، لأن سيده لا يملك ما بيده وان ملك ما في يد عبده فصح إذنه مع عبده وضعف مع مكاتبه.
فصل: فأما من نصفه حر ونصفه مملوك إذا ملك بنصفه الحر مالاً صح ملكه عليه، ولم يكن للملك رقة حجر عليه؛ لأنه لا حق له فيه، ويكون أهل الضحايا به، ويجوز أن يضحي بغير اعتراض كما لكامل الحرية.

مسألة: قال الشافعي: "وإذا نحر سبعه، بدنة أو بقره في الضحايا أو الهدى كانوا من أهل بيت واحدٍ أو شتى فسواء وذلك يجزي وإن كان بعضهم مضحياً وبعضهم مهدياً أو مفتدياً.
أجزأ لأن سبع كل واحدٍ منهم يقوم مقام شاه منفردة وكذلك لو كان بعضهم يريد بنصيبه لحماً لا أضحية ولا هدياً.
ومال جابر بن عبد الله نحرنا مه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية البدنة عن سبعه والبقرة عن سبعه.
قل الشافعي رحمه الله: وهم شتى".
قال في الحاوي: أما البدنة في الضحايا والهدايا فهي عن سبعة وكذلك البقرة عن سبعة ويقوم كل سب مقام شاة وهو قول الجمهور.
وقال إسحاق بن راهويه: البدنة عن عشرة وكذلك البقرة، وبه قال بعض التابعين وهو مروي عن ابن عباس احتجاجاً برواية ابن عباس إنه قال: نحرنا البدنة عن عشرة والبقرة عن عشرة، ولأن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "البدنة في الغنائم بعشر من الغنم " فكذلك في الضحايا.
ودليلنا: ما روي عن مالك عن أبي الزبير عن جابر قال: "نحرنا مع رسول - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وهذا لا يكون إلا عن أمره، على أن الشافعي قد روى عن يحيى بن حسان عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
فأما حديث ابن عباس فهو موقوف وليس بمسند ومتروك، وغيره معمول به وهو محمول على تعديلها في الغنائم بعشر من الغنم، ولا يجوز أن يصير ذلك في الضحايا أصلاً، لأنه قد اختلف قتادة جعل بعشر وتارة بأقل وتارة بأكثر.
الاشتراك في لحم البدنة والبقرة من حيث الفرض والتطوع.
فصل: فإذا ثبت أن البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة جاز أن يشترك فيها سبعة من الضحايا والهدايا، ويكون كل سبع منها ضحية لكل واحد منهمء وكذلك لو كانوا مفترضين أو متطوعين في قرب متماثلة أو مختلفة أو بعضهم يريا حقه لحماً، وبعضهم يكون به متقرباً، وسواء كانوا من أهل بيت واحد أو بيوت شتى.
وقال مالك: إن كانوا مفترضين لم يجز أن يشتركوا، وان كانوا متطوعين جاز أن يشركوا إذا كانوا من أهل بيت واحد، ولم يجز أن يشركوا إذا كانوا من بيوت شتى؛ لأن التطوع أخف حكماً من الفرض وأهل البيت يشتركون في الأكل والإطعام.

وقال أبو حنيفة: إذا كانوا متقربين جاز أن يشتركوا مفترضين ومتطوعين سواء أكانوا أهل بيت أو بيوت شتى وإن كان بعضهم متقرباً، وبعضهم يريد سهمه لحماً لم يجز أن يشركوا، لأن مصرف القرب واحد ومصرفها مع اللحم مختلف.
والدلالة على مالك حديث جابر قال: "نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة".
وقد كانوا أشتاتاً من قبائل شتى، ولو اتفقت قبائلهم لم تتفق بيوتهم، ولو اتفقت لتعذر أن يستكمل عدد كل بيت سبعة حتى لا يزيدون عليهم، ولا ينقصون منهم، فبطل به قول مالك في الافتراض والاقتران، وروى جابر قال: أمرنا رسول - صلى الله عليه وسلم - أن يشترك السبعة في بدنة، ونحن متمتعون عام الوداع وهذا يدل على جواز اشتراك المفترضين، لأن دم التمتع فرض.
ولأن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا مفترضين كالسبع من الغنم وفي هذا انفصال.
والدليل على أبي حنيفة: أن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا مفترضين جاز أن يشتركوا فيه وإن كان بعضهم غير متقرب كالسبع من الغنم ولأن سهم كل واحد معتبر بنيته لا بنية غيره، لأنهم لو اختلفت قربهم، فجعل بعضهم سهمه عن قران وبعضهم عن تمتع، وبعضهم عن حلق، وبعضهم عن لباس جاز كذلك إذا جعل بعضهم سهمه لحماً، لأن نية غير المتقرب لا تؤثر في نية المتقرب.
وقوله: إن مصرف القرب واحد غير مسلم، لأن مصرف الفرض غير مصرف التطوع ومحل الهدي غير محل الأضاحي.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا ونحر السبعة المشتركون بدنة، فإن كانوا متقربين ودفعوا لحمها إلى المساكين ليكونوا هم المقتسمين لها جاز وان كان بعضهم غير متقرب يريد سهمه لحماً يقاسمهم عليه، فإن قيل في القسمة: إنها إقرار حق وتمييز نصيب جازت القسمة وكان المتقربون بالخيار بين أن يقاسموهم قبل دفع سهامهم إلى المساكين، وبين أن يدفعوها قبل القسمة إلى المساكين، ويكون هم القاسمين، وان قيل: إن القسمة بيع لم يجز القسمة فإن أراد المتقربون أن يتقاسموه لم تجز لمعنيين: أحدهما: أن لحوم القرب لا يجوز أن يبيعها المتقرب.
والثاني: أن الطعام الرطب لا يجوز بيع بعضه ببعض خوف الربا، وان أراد المساكين أن يتقاسموه لم يجز أن يتقاسموه لمعنى واحد، وهو خوف الربا، لأن بيعهم لما أخذوه من القرب جائز وان تركوه حتى يجف ثم اقتسموه جاز.

مسألة: قال الشافعي: "والأضحى جائز يوم النحر وأيام منى كلها إلى المغيب لأنها أيام نسك.
قال المزني رحمه الله وهو قول عطاء والحسن أخبرنا علي بن معبد عن هشيم عن يونس عن الحسن أنه قال: يضحى أيام التشريق كلها وحدثنا علي بن معبد عن هشيم عن الحجاج عن عطاء أنه كان يقول يضحى في أيام التشريق ". قال في الحاوي: أما أيام نحر الضحايا والهدايا فمختلف فيها على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي وجمهور الصحابة والتابعين والفقهاء أنها أربعة أيام من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق الثلاثة حتى تغيب شمسه.
والثاني: ما قاله مالك: إنها ثلاثة أيام من يوم النحر إلى آخر الثاني من أيام التشريق، وهو يوم النفر الأول.
والثالث: وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي، وسليمان بن يسار أنها من يوم النحر إلى آخر ذي الحجة، برواية أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن نبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الضحايا إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني ذلك.
وروى يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف يقول: إنه كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية ويسمنها، فيذبحها بعد الأضحى في آخر ذي الحجة ودليلنا قوله تعالى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، وقد مضى الكلام فيها، ولكن لما جعل النحر أياماً بطل أن يكون شهراً.
وروى سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيام التشريق كلها ذبح".
وفيه دليل على مالك حيث جعل ثلاثة أيام التشريق منها، ودليل على من استدامها إلى هلال المحرم، لاختصاص أيام التشريق بها.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالنداء في أيام التشريق: "ألا إنها أيام أكل وشرب ونحر وكر" فدل على اختصاص النحر بجميعها، ولأن كل يوم جاز فيه الرمي جاز فيه النحر كاليوم الثاني، وكل يوم لم يجز فيه الرمي لم يجز فيه النحر كالمحرم، ولأنها سميت أيام التشريق لتشريق لحوم الهدايا في شمسها، فلو كان غيرها في حكمها لجاز

انطلاق اسم التشريق على جميعها وفي امتناع هذا دليل على فساد ما أدى إليه، وأما الجواب عما احتجوا به فهو أن مثله لا يجوز أن يكون حجة في الدين، ولا طريقا إلى الأحكام ولو صحّ لجاز فسخه بما هو أثبت منه، واقترن به العمل بضده، والله أعلم.
فصل: يختار للإمام أن يضحي لكافة المسلمين وعنهم من بيت مالهم بدنة يذبحها في المصلى بعد فراغه من صلاته، لقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2] وأقل ما ينحره شاة، لأن رسول - صلى الله عليه وسلم - نحر بعد صلاته شاة عن أمته، ويتولى نحرها بنفسه اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة الراشدين ويخلي بين الناس وبينها فإن ضحى من ماله ذبح حيث شاء، ففرق على ما أراد فأما غير الإمام فيختار أن يضحي في منزله بمشهد أهله، ليفرحوا بالذبح ويستمتعوا باللحم، فإن ضحى بعدد من الضحايا، فيختار أن يفرقها في أيام النحر، فينحر في كل يوم بعضها، لأنه أطول استمتاعاً بلحمها، فإن ضحى برأسين فيجب أن يذبح أحدهما، في أول الأيام، والثاني في آخر الأيام، فإن عدل عن الاختيار فذبح جميعها في يوم واحد، فلا حرج عليه، ويختار أن يبادر إلى الأكل من أكبادها، وأسمنتها اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه من أطايبها.
فصل: ولا تصح الأضحية عن الحمل كما لا يزكى عنه زكاة الفطر ولا يجوز لولي الطفل والمجنون أن يضحي عنهما من أموالهما ويجب أن يخرج زكاة الفطر عنهما من أموالهما 0 لأن الزكاة فرض والأضحية منة.

باب العقيقة

مسألة: قال الشافعي: "أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن عبيد الله بن أبي يزيد عن سباع بن وهب عن أم كرز قالت أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أسأله عن لحوم الهدى فسمعته يقول: "عن الغلام شاتان وعن الجارية شاه لا يضركم ذكراناً كن أو إناثاً وسمعته يقول: أقروا الطير على مكناتها.
قال الشافعي رحمه´ الله: فيعق ´عن الغلام وعن الجارية كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ". قال في الحاوي: وأما العقيقة فهي شاة تذبح عند الولادة كانت العرب عليها قبل الإسلام.
اختلف فيها بعد الإسلام فذهب الشافعي إلى أنها سنة مندوب إليها.
وقال أبو

حنيفة: ليست بسنة ولا ندب.
وقال الحسن البصري وداود: هي واجبة واستدل أبو حنيفة على أنها غير مسنونة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق" وبروايه اابن عقيل عن علي بن الحسن بن أبي رافع أن الحسن بن علي عليهما السلام لما ولد أرادت فاطمة عليها السلام أن تعق عنه كبشاً، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تعقي عنه واحلقي شعره وتصدقي بوزنه على المساكين" فلما ولدت الحسين عليه السلام فعلت مثل ذلك، واستدل الحسن على وجوب العقيقة برواية عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الغلام مرتهن بعقيقته، فاذبحوا عنه يوم السابع" وروى محمد بن سيرين عن سليمان بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دماً واميطوا عنه الأذى".
والدليل على أنها سنة وليست بواجبة ما رواه الشافعي بعا حديث أم كرز عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سعيد عن عكرمة عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين ابني علي عليهم السلام" فدل على أن نهي فاطمة عنه، لأنه عق عنهما.
وروى الشافعي عن سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة على المنبر سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق ولكن من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل".
فدل على أنه يكره الاسم وندب إلى الفعل.
ولكن وليمة النكاح مسنونة، ومقصودها طلب الولد فكان ولادة الولد أولى بأن يكون الإطعام فيه مسنوناً.
وأما قوله في حديث أم كرز: "أقروا الطير على مكناتها" رواه أبو عبيد بفتح الميم والكاف يعني به أماكنها وأوكارها، ورواه ابن الأعرابي بفتح الميم وكسر الكاف يعني: وقت تملكها، واستقرارها، وفي المراد به تأويلان مختلفان بحسب اختلاف الرواية:

أحدهما: وهو تأويل الشافعي ومن رواه بكسر الكاف أن العرب كانت تعتاق الطير وتزجرها تفاؤلاً وتطيراً إذا أرادوا حاجة أو سفراً فينفرون أول طائر بسفح لهم، فإن طار ذات اليمين قالوا: هذا طائر الأيامن فتيمنوا به، وتوجهوا، وأيقنوا بالنجاح، وان طار ذات الشمال قالوا: هذا طير الأشائم فتشاءموا بهء وعادوا معتقدين للخيبة، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا، وقال: "إن الله تعالى يحب الفأل ويكره الطيرة ". وروى قبيصة بن المخارق الهذلي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نهى عن الطيرة والعيافة والطرق".
العيافة هي: زجر الطير، والطرق: هو الضرب، وبه سميت مطرقة الحداد.
والثاني: وهو قول من رواه بالفتح في الكاف أنه أراد به النهي عن صيد الليلة إذا أوت الطير إلى أماكنها، واختلف من قال بهذا في معنى النهي عن صيد الليل فقال بعضهم لأنه وقت الدعة والراحة وقال آخرون: لأن أوكارها مأوى الهوام المخوف.
فصل: فإذا تقرر بما ذكرنا أن العقيقة سنة فالكلام فيها يشتمل على ستة فصول: أحدها في مقدار العقيقة، وقد اختلف فيه على ثلاثة مذاهب، فعند الشافعي يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، وعند مالك يعق عن الغلام شاة كالجارية من غير تفضيل؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وقال آخرون: يعقّ عن الغلام، ولا يعقّ عن الجارية؛ لأن العقيقة السرور والسرور يختصّ بالغلام دون الجارية.
والدليل عليهما رواية أم كرز قالت: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية أسأله عن لحوم الهدي فسمعته يقول: "عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكراناً أو إناثا" والمكافئتان المثلان.
وروى الأعرج عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اليهود يعقون عن الغلام ولا يعقون عن الجارية فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة " وفي هذين الحديثين دليل على الفريقين ثم على مالك أنه لما فضل الغلام على الجارية في ميراثه وأحكامه فضل عليها في عقيقته، ودليل على من لم يعق عن الجارية أن العقيقة للتبرك والتيمن، فاقتضى أن يقصد التيمن والتبرك بها بالذبح عنهما، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو أطاع الله الناس في الناس لم يكن ناس" ومعنى أطاع أي: استحباب دعاءهم معناه أن الناس يحبون أن يولد لهم الذكران دون الإناث، ولو لم يكن الإناث ذهب النسل فلم يكن ناس.
فصل: والفصل الثاني: في صفة العقيقة وهي من النعم كالضحايا وفي أسنانها من الجذع

من الضأن والثني من المعز، فإن عدل عن الغنم إلى البدن من الإبل والبقر كان أزيد من المسنون وأفضل، وان عقّ دون الجذع من الضأن ودون الثني من المعز ففي إقامة لسنة العقيقة به وجهان: أحدهما: لا تقوم به سنة العقيقة اعتباراً بالأضحية وتكون ذبيحة لحم ليست بعقيقة، لأنهما مسنونتان، وقد قيد الشرع سن إحداهما فتقرر به السن فيهما، فعلى هذا لو عيّن العقيقة في شاة وأوجبها وجبت كالأضحية ولم يكن له أن يبدلها بغيرها ويجب أن يتصدق منها على الفقراء لحماً نيئاً ولا يخص بها الأغنياء.
والثاني: أنه يقوم بما دون من الأضحية سنة العقيقة، لأن الأضحية أوكد منها لتعلقها بسبب راتب واحد عام، فجاز أن تكون في السن أغلظ منها فعلى هذا لو عيّن العقيقة في شاة أوجبها لم تتعين وكان على خياره بين ذبحها أو ذبح غيرها، ويجوز أن يخص بها الأغنياء، ولا يلزم أن يتصدق بها على الفقراء، وان أعطاهم مطبوخاً جاز.
فصل: والفصل الثالث: في وقت العقيقة ووقت ذبحها هو اليوم السابع لرواية سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الغلام مرتهن بعقيقته فاذبحوا عنه يوم السابع".
واختلف أصحابنا في أول السبعة على وجهين: أحدهما: _ وهو قول الأكثرين _ أنه يوم الولادة ليكون معدوداً من السبعة.
والثاني: _ وهو قول أبي عبد الله الزبيري _: أنه من بعد يوم الولادة، وليس يوم الولادة معدوداً فيها، فإن قدم ذبحها بعد الولادة وقبل كمال السبعة جازت تعجيلاً وقام بها سنة العقيقة، وإن عجلها قبل الولادة لم تقم بها سنة العقيقة وكانت ذبيحة لحم، وان أخرها بعد السبعة كانت قضا، مجزياً عن سنته ويختار ألا يتجاوز بها مدة النفاس لبقاء أحكام الولادة، فإن أخرها عن مدة النفاس فيختار بعدها أن لا يتجاوز بها مدة الرضاع لبقاء أحكام الطفولة فإن أخرها عن مدة الرضاع فيجب ألا يتجاوز بها مدة البلوغ لبقاء أحكام الصغر فإن أخرها حتى يبلغ سقط حكمها في حق غيره، وكان الولد مجزئاً في العقيقة عن نفسه وليس يمتنع أن يعقّ الكبير عن نفسه.
روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن المثنى بن أنس عن أبيه أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عق عن نفسه بعدما نزلت عليه النبوة" فصل: والفصل الرابع: فيمن يتحمل العقيقة والذي يتحملها ويختص بذبحها هو الملتزم لنفقة المولود من أب أو جد أو أم أو جدة، لأنها من جملة مؤونة وان كانت نفقته من ماله

كأن يكون غنياً بميراث وعطية لم يجز أن يخرج من ماله، لأنها ليست بواجبة كما لا يخرج منه الأضحية، وكان الأب أو من قام مقامه في التزام النفقة مندوباً إلى ذبحها عنه، كما لو كان الولد فقيراً، ولا يكون سقوط النفقة عنه مسقطاً لسنة العقيقة عنه، فإن كان الأب معسراً بالعقيقة ثم أيسر بها نظر يساره، فإن كان في وقتها المسنون وهو السابع كانت سنة ذبحها متوجه إليه وان كان بعد السابع وبعد مدة النفاس سقطت عنه، وان كان بعد السابع في مدّة النفاس احتمل وجهين: أحدهما: يكون مخاطباً بسنة العقيقة لبقاء أحكام الولادة.
والثاني: لا يكون مخاطباً بسنتها لمجاورة المشروع من وقتها.
فصل: والفصل الخامس: فيما يصنع بالعقيقة بعد أن يذبح قيل: يسلك به مسلك الضحايا في الأكل والادخار والصدقة والهدية فإن عدل بها عن الصدقة إلى الأكل كان على ما قدمناه من الوجهين، وتفضيل لحمها.
واختلف أصحابنا في كسر عظمها وطبخ لحمها بالخل على وجهين: أحدهما: - وهو قول البغداديين _ أنه مكروه تفاؤلاً له بالسلامة وطيب العيش.
والثاني: - وهو قول البصريين: أنه غير مكروه؛ لأنه طيرة وقد نهى عنها ولأن ذبحها أعظم من كسر عظمها وملاقاة النار لها أكثر من طرح الخل على لحمها ويكره أن تلطخ جبهة المولود ورأسه بدمها.
وقال الحسن، وقتادة: من السنة أن يستقبل مخرج الدم من أوداجها بصوفه يلطخ بها رأس المولود ثم يغسل روى همام عن قتادة عن أنس.
فصل: والفصل السادس: فيما تقترن بالعقيقة من المندوب إليه في المولود وذلك ثلاثة أشياء: أحدها: أن يحلق شعره في اليوم السابع ويتصدق بوزنه فضة قال الشافعي: وهذا أحب ما صنع بالمولود بعد الذبح، ولا فرق بين الذكور والإناث ومن الناس من كره ذلك في الإناث، لأن حلق شعورهن مكروه.
وقد روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه أمر فاطمة لما ولدت الحسن والحسين عليهما السلام أن تحلق رأسيهما وتتصدق بزنة الشعر فضة ففعلت ذلك وفعلت في سائر أولادها من الإناث".
والثاني.
أن يسمى في اليوم السابع لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويجب أن يسمى بأحسن الأسماء.
روي أنه لما ولد الحسن بن علي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بم سميتموه؟ قالوا: حرباً.
قال: بل سموه حسناً، ولما ولد الحسين قال: "سموه حسيناً"، وقد غير رسول

الله - صلى الله عليه وسلم - أسماء كثيرة من أصحابه اختارها لهم بعد اشتهارهم بها منهم عبد الرحمن بن عوف كان اسمه عبد العزى فسماه عبد الرحمن ومنهم سلمان الفارسي كان اسمه روزية فسماه سلمان.
والثالث: أن يختن في اليوم السابع إن قوي بدنه على الختانة ومن أثبت رواية همام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ويدمى في السابع يأولها في ختانته دون تلطيخه بدم عقيقة".
فإن ضعف بدنه عن الختانة في السابع أخر حتى يقوى عليها فأما المروزي في حديث سليمان بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى" ففي هذا الأذى ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه يحلق شعره وهو قول الحسن.
والثاني: أنه يغسل رأسه من دم العقيقة وهو قول قتادة.
والثالث: أنه ختانته وهو أشبه.
فصل: فأما الفرعة والعتيرة فقد روى الشافعي الفرعة عند العرب أول ما تنتج الناقة يقولون: لا تملكها ويذبحوها رجاء للبركة في لبنها ونسلها والعتيرة ذبيحة كان أهل البيت من العرب يذبحونها في رجب ويسمونها العتيرة الرجبية وقد روى فيها حديثان مختلفان فروى الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا فرعة ولا عتيرة" وهذا نهي عنهما.
وروى أبو قلابة عن أبي المليح عن نبيشة أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا فقال: اذبحوا في أي شهر كان " وروي أنه قال: "وأطعموا" قال: إنا كنا نفرع فرعاً في الجاهلية فما تأمرنا قال: "من كل سائمة فرع" وهذا أمر بهما وليس فيهما ناسخ ولا منسوخ، وفي اختلافهما تأويلان: أحدهما: أن حديث أبي هريرة في النهي محمول على نهي الإيجاب وحديث نبيشة في الأمر بهما محمول على الاستحباب.
والثاني: أن النهي عنهما على ما ذبح لغير الله من الأصنام والجن والأمر بهما محمول على ما ذبح لوجه الله.
والله أعلم بالصواب.

جارٍ التحميل