العلو والقول قوله مع يمينه، وعلى صاحب الفل البينة، ولا فرق بين أن تكون معقودة بالجص والأجر، وبين أن تكون سلما من خشب أو سياج.
وقال في الأم: فإن كان الناس يتخذون الدرج للمرفق ويجعلون ظهورها مدرجة لطريق من الطرق جعلت الدرج بين صاحب السفل والعلو لأن فيها منفعتين، إحداهما: بيد صاحب السفل، والأخرى: بيد صاحب العلو.
قال أصحابنا: أراد به إذا كانت الدرجة على أزج تحت بيته وعلى الأزج ممر، كان بينهما لأنه سماء لصاحب الفل وممر لصاحب العلو وهو مثل زقاق الصفارين في بلدة مرو، ويكون زقاقاً لأصحاب السفل ممر لصاحب العلو.
ومن أصحابنا من قال: إن كان ما تحتها مرفقا كاملا لبيت أو خزانة يصلح للسكنى وإحراز القماش فالدرجة بينهما كالسيف لأن لكل واحد منهما تصرفاً فيها وعليها يداً، وان كان المرفق ناقصاً مثل أن يكون تحتها زق أو موضع حيث أو نحو ذلك فيه وجهان، أحدهما: أنها بينهما لارتفاقها بها، وبه قال ابن أبي هريرة وأبو إسحاق.
والثاني: لصاحب العلو لأن تصرفه فيها أكمل ويده عليها أقوى، وبه قال أبو حامد وهو الأصح.
وقال القاضي الطبري: إذا كان مرفقا كاملا فيه وجهان أيضا، لأن الدرجة لا تبنى لما تحتها في العادة وإنما يقصا منها الارتقاء فتكون [6/أ] لصاحب العلو في أحد الوجهين.
مسألة: قال: "وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ زَرْعَاً فِي أَرْضٍ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ على دراهم فَجَائِزٌ"
الفصل
وهذا كما قال: صورة المسألة أن تكون في يد رجل أرض فيها زرع أخضر فادعاه رجل فأقر له به ثم قال له: صالحني على عوض أعطيك إياه ينظر في المقر، فإن لم تكن الأرض له وصالحه منه على شرط القطع جاز, لأن بيع الفصيل بشرط القطع جائز.
وان صالحه من غير شرط القطع لا يجوز لأن بيعه على هذا الوجه لا يجوز.
وان كانت الأرض للمقر فصالحه على شرط القطع جاز, وهل يجوز من غير شرط القطع؟ وجهانء كما لو باع الزرع من صاحب الأرض هل يلزم شرط القطع؟ وجهان، وكذلك لو باع الثمرة قبل بدو ملاحها من صاحب النخلة مطلقًا من غير شرط القطع وجهان, أحدهما: يجوز لأنه يصير تبعًا للأرض, والثاني: لا يجوز لأن عقد الصلح انفرد في الزرع فلا يجوز أن يجعل تبعا لما لم يدخل فيه من الأرض.
فإذا قلنا: لا يجوز إلا بشرط القطع فشرط لا يلزمه الوفاء بالشرط لأن القطع لتفريغ الأرض والأرض له.
فإن قيل: هلا قلتم يجبر على قطعه لأن له غرضا في ذلك، وهو أنه ربما تصيبه الجائحة فيرفع إلى حاكم يرى وضع الجائحة فيضمنه، قلنا: إنما توضع الجائحة إذا لم يشترط القطع عليه، فأما مع شرط القطع فلا يضمن الجائحة بحال، لأنه ينسب إلى التفريط بترك القطع.
وان كان الزرع أخرج السنابل فانعقد فيها الحب هل يجوز
الصلح؟ قولان كما قلنا في البيع.
مسألة: قال ((وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ الزَّرْعِ لَمْ يَجُزْ)).
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان الزرع بين رجلين فادّعى عليهما رجل أن الزرع له فأقر أحدهما وأنكر الآخر فصالح المقر عن نصيبه على دراهم فإن قلنا: لابد من شرط القطع وهو الصحيح لم يجز الصحيح الصلح لأن القطع لا يمكن في نصيبه حتى يقطع الجميع وهذا فلا سبيل إليه.
وإذا قلنا: يجوز من غير شرط القطع فالصلح صحيح، وهذا إذا كان المقر صاحب الأرض فلما إذا أصلح رفع الأجنبي لا يجوز لأنه [6/ب] لابد من شرط القطع فيه ولا سبيل إلى قطع نصيبه ولا يجوز قطع الجميع فبطل الصلح.
فإن قيل: يقاسمه ويقطعه قلنا: لا يجوز قسمة الزرع عندنا وإنما هو مذهب ابن أبي هريرة.
فرع
لو كان لرجل أرض فيها زرع، فادَّعى رجل أن زرعها له فأقر له بنصفه ثم صالحه من هذا النصف على نصف الأرض على أن يفرغ له هذا النصف ويقطع النصف الذي اشتراه كان جائزاً، لأن نصف الزرع وجب قطعه بالشرط في البيع ونصفه بالشرط في الشراء ذكره صاحب الإفصاح، ولو لم يقل على أن يفرغ له هذا النصف لا يجوز.
وإن صالحه منه على جميع الأرض بشرط القطع على أن يسلم إليه الأرض فارغة صح كما لو اشترى أرضاً فيها زرع وشرط تفريغ الأرض جاز.
فرع آخر
لو أقر له بجميع الزرع ثم صالحه من نصفه على نصف الأرض لتكون الأرض والزرع بينهما نصفين وشرط القطع في الجميع نظر، فإن كان الزرع في الأرض بغير حق جاز الشرط لأن الزرع يجب قطع جميعه.
وإن كان الزرع في الأرض بحق قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه شرط قطع كل الزرع ففي أحد النصفين شرط على مشتري الزرع قطعه وفي النصف الثاني: شرط ليقبض مشتري الأرض هذه الأرض فارغة من الزرع.
وقال أبو حامد: هذا قريب من الصواب وعندي أنه لا يجوز لأن المشتري شرط قطع ما اشتراه وبقي نصف الزرع لغيره وقد شرط قطعه فكأنه شرط قطع زرع لتسليم أرضه فارغة منه، وهذا محال وهو على ما قاله رحمة الله وارتضاه جمهور أصحابنا.
ولو شرط القطع في أحد النصفين فلا إشكال أنه لا يجوز لأنه لا سبيل إليه لعدم تميزه ولا يجوز قطع جميعه.
فرع آخر
إذا أتلف رجل على رجل ثوبًا عليه أو عبدًا قيمته دينار فادعاه فأقر له به ثم صالحه
منه على أكثر من ذلك الثوب لم يجز.
وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط، لأن الواجب في الذمة قيمة المتلف دون مثله، ولهذا لا يطالبه بمثله فإذا صالحه عليها بأكثر منها أو أقل فقد عاوض عليه متفاضًلا وهو ربًا [7/أ] في النقود فلا يجوز.
فرع آخر
لو كانت قيمته ألفًا فصالحه على ألف مؤجل لم يتأجل ولم يصح الصلح، وقال أبو حنيفة: يصح، وهذا أيضًا غلط لأن الواجب دين في ذمته فإذا كان عوضه مؤجًلا كان بيع دين بدين، وذلك لا يجوز.
فرع آخر
لو ادَّعى مالًا مجهولًا فأقر به ثم صالحه عليه لم يصح الصلح.
وقال: أبو حنيفة: يصح وهذا غلط، لأن معاوضة ولهذا تثبيت فيه الشفعة فلم يصح في المجهول كالبيع.
فرع آخر
قال في الأم: لو صالحه على أن يسقي أرضًا له من نهر وعين وقتًا من الأوقات لم يجز، ولكنه يجوز له أن يصالحه على ثلث العين أو ربعها، وكان بيعًا لذلك القدر من القرار.
وهكذا لو صالحه على أن يسقي ماشية له شهراً من مائة لم يجز، وإنما لا يجوز لأن الماء مجهول في كلتا المسألتين.
فرع آخر
قال في الأم: لو ادَّعى رجل على رجل شيئًا ثم صالحه بعد الإقرار له على مسيل ماء في أرضه فإن سمى له عرض الأرض التي يسيل عليها الماء وطولها ومنتهاها فجائز، لأن ذلك بيع موضع من أرضه.
ولا يحتاج إن يبينا عمقه لأنه إذا ملك الموضع كان له النزول فيه إلى تخومه، وقال في الحاوي: إن قدر المدة كانت إجارة، وإن أطلق فيه وجهان، أحدهما: يكون بيعاً لما حد من الأرض لإجراء الماء فيه على التأبيد، والثاني: يكون إجارة ويبطل لأنه لم يذكر المدة.
فرع آخر
لو صالحه على أن يجري الماء في ساقية في أرض المصالح فإن هذا إجارة، قال في الأم: يلزمه تقدير المدة.
قال أصحابنا: وإنما يصح إذا كانت الساقية محفورة، فإن لم تكن محفورة لم يجز لأنه لا يمكن المستأجر إجراء الماء إلا بالحفر وليس له الحفر في ملك غيره.
ولأن ذلك إجارة لساقية وهي غير موجودة فإن حفر الساقية وصالحة جاز.
فرع آخر
لو كانت الأرض في يد المقر بإجارة جاز أن يصالحه على إجراء الماء في ساقية فيها محفورٍة مدة معلومة لا تجاوز مدة إجارته، وإن لم تكن الساقية محفورة لم يجز له
أن يصالحه على ذلك لأنه لا يجوز له إحداث ساقية في أرض غيره [7/ب] بإجارة.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: وكذلك إذا كانت الأرض وقفاً عليه جاز له أن يصالح على إجراء الماء في ساقية فيها محفورة مدة معلومة.
وإن أراد أن يحفر فيها ساقية لم يكن له لأنه لا يملكها وإنما له أن يستوفي منفعتها كالأرض المستأجرة.
فرع آخر
لو صالحه على إجراء ماء سطحه على سطحه يجوز، ولكنه يشترط أن يكون السطح الذي يسيل الماء إليه معلومًا، لأن هذا يقل ويكثر ولا يحتمل السطح كل ما يجري عليه بخلاف الأرض.
ويكون هذا فرعًا للإجارة، وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى ذكر المدة بخلاف الساقية لأنه لا يستوفي منافع السطح مع ذكر المدة بخلاف الساقية فإنه يستوفي منفعتها مع ذكر المدة.
فرع آخر
قال أصحابنا: لا يمنع الإنسان أن يبني في ملكه حمامًا بين الدور أو يؤاجر كانونه من الخباز للخبز بين العطارين.
وقال أحمد رحمه الله في رواية: يمنع من ذلك، وبه قال بعض أصحاب أبي حنيفة، واحتج بأنه يضر بجاره فيمنع كما يمنع أن يرسل الماء في ملكه بحيث يضر بجاره أو يدق شيئًا على وجه يزعج حيطان جاره.
وهذا غلط، لأن تصرف في ملكه الذي يختص به ولم يتعلق به حق غيره، فلا يمنع منه، كما لو طبخ في داره شيئًا لا يمنع منه إلا أن يلحق جاره دخانه.
وأما الماء الذي قالوا فإنما يمنع لأنه يؤدي إلى إجراء الماء في ملك غيره فلم يجز.
وأما الدق إن سلمنا فلأنه يهدم ملك غيره وهاهنا بخلافه.
فرع آخر
لو كان لرجل دار في زقاق بابها إليه وظهرها إلى زقاق آخر، فأراد أن يفتح بابًا من ظهرها إلى ذلك الزقاق فإن كان ذلك الزقاق نافذًا كان له ذلك، وإن كان غير نافذ يكن له لأن في ذلك مشاركة أهل الزقاق في الاستطراق ولا حق له في ذلك.
قال القاضي الطبري: وهذا يدل على أن بعض أهل الزقاق إذا أراد أن يخرج روشنًا إلى الزقاق الذي لا ينفذ لا يجوز إلا بإذنهم.
فرع آخر
لو قال أشرع بابها إلى ذلك الزقاق ولا استطرقها منه بل أغلقه وأسمره، قال في الإفصاح: فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز لأنه يوهم ذلك [8/أ] عند تطاول الزمان أنه مستحق للإستطراق لأن الباب من شواهد استحقاقه، والثاني: يجوز وهو الصحيح لأن له أن يرفع جميع الحائط فكان له أن يرفع بمقدار الباب، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
[فرع آخر]
لو أراد أن يفتح فيه كوًة للضوء أو شباكًا جاز لما ذكرنا أن له رفع جميع الحائط ولا يكون دليًلا على الطريق، ولو قال: افتح كوة للنظارة فيه وجهان.
فرع آخر
لو كان باب داره في درب لا ينفذ وجانب منها إلى شارع فأراد أن يفتح بابًا إلى الشارع جاز.
فإن قيل: فهو يجعل الدرب الذي لا ينفذ نافذًا فيجب أن لا يجوز، قلنا: ليس كذلك، بل يجعل داره نافذة، ألا ترى أن غيره لو أراد أن يستطرقها من الشارع لم يكن له.
فرع آخر
لو كان لرجلين في زقاق غير نافذ داران لكل واحد منهما دار بابها إلى هذا الزقاق، فأرادا سد الزقاق، قال في الإفصاح: يحتمل وجهين أحدهما: ليس لهما ذلك، والثاني: لهما ذلك وهذا أصح عندي ولا وجه للوجه الأول.
فرع آخر
لو كانت لرجل داران متلاصقان وباب كل واحدة منهما إلى زقاق غير نافٍذ وظهر كل واحدة من الدارين إلى الأخرى فأراد هدم الحائط الذي بين الدارين ليتسع داره لا للاستطراق جاز.
وإن أراد فتح باب من إحدى الدارين إلى الأخرى ليستطرقه إلى الدارين من هذا الزقاق اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك، لأنه يجعل الزقاقين النافذين ولا يجوز ذلك، ولأنه يصير مستطرقاً إلى كل واحدة من الدارين من الزقاق الذي لا حق لها في الاستطراق منه ولا سبيل إلى ذلك.
ولأنه يتغير به حكم الشفعة على قول من يوجب الشفعة بالطريق فلا يؤمن أن يتطرق به إلى إثبات الشفعة لنفسه على قدر الدارين.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار القاضي الطبري يجوز له ذلك، لأن له أن يزيل الحاجز بين الدارين ويجعلهما دارًا واحداً ويترك البابين على حاليهما فجاز أن ينفذ أحدهما إلى الأخرى، وهذا أقيس، ولكنه غير مشهور.
فرع آخر
لو كان لرجلين بابان في زقاق غير نافذ أحدهما قريب من باب الزقاق والباب [8/ب] الآخر في وسطه فأراد كل واحد منهما أن يقدم بابه إلى أول الزقاق كان له لأن له استطراق ذلك، وهذا ينقص من استطراقه.
وإن أراد أن يؤخر بابه إلى صدر الزقاق فيه وجهان، أحدهما: ليس له ذلك وهو الأظهر لأنه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق له فيه، والثاني: له ذلك لأن له يدًا في الدرب فكان الجميع في يدهما وهذا الحائط ملكه فإلى حيث ينتهي الحائط يكون فناؤه فله فتح الباب فيه، وإن كان لأحدهما باب يلي
باب الزقاق وللآخر باب في الصدر فأراد صاحب الصدر أن يقدم بابه إلى حد باب الآخر فهل له ذلك؟ مبني على الوجهين فإن قلنا لصاحب الباب الذي يلي باب الزقاق أو يؤخر لم يكن له لك، وإن قلنا: ليس له ذلك كان لصاحب باب الصدر أن يقدمه إلى الباب الثاني.
فرع آخر
إذا جوزنا لمن داره في صدر الزقاق تقديم بابه وهو الأصح فأراد دفع ذلك بإدخال ما وراء الباب المستحدث إلى صدر الزقاق في داره فيه وجهان، بناء على أن عرصة الزقاق مشتركة بين الدارين أم لا، فإن قلنا مشتركة ليس له ذلك، وإن قلنا: ليس بمشتركة وهو الأصح بل ما يحاذى باب الأول مختص بملك صاحب الصدر يجوز له ذلك.
فرع آخر
لو أراد صاحب الدار الأولى أن يقر بأنه في موضعه ويفتح دونه بابًا ثانيًا ويجعلها حجرتين جاز ولا يمنع لأن كليهما في موضع استطراقه، وقال أبو حنيفة: يمنع منه لأنه يستحق مدخًلا واحدًا فلا يتعدى إلى مدخلين وهذا غلط لما ذكرنا أنه يستحق الاستطراق فيه، فلا فرق بين أن يكون من مدخل أو مدخلين.
فرع آخر
لو أدعى على رجل شيئًا فأقر به وهما يعلمان ذلك ولكنهما لم يسمياه ثم قال له: صالحني منه على كذا جاز لأنه معلوم عندهما، وإن لم يذكراه نص عليه في الأم.
فرع آخر
لو كان لرجل جذع على حائط جاره فأراد صاحب الجدار أن ينقض الجدار ويزيل الجذع فقال له صاحبه: بعني معرض خشبي من حائطك ففعل جاز البيع، لأنه لما جاز أم يبيعه من غيره جاز له أن يبيعه منه.
وكذلك إن كان ميزابًا في حائطه ونحو ذلك نص عليه في الأم.
وبالله التوفيق.
[9/أ]