بحر المذهب للرويانيصفحات 98-137

تمضي في صلاتها، ثم لا يخلو إما أن يكون بالقرب منها أو بالبعد عنها، فإن كان بالقرب منها أخذته وسترت به عورتها، ولم تبطل صلاتها لأنه عمل يسير، وهكذا لو سترها غيرها به جازت صلاتها أيضًا.
ولو احتاجت إلى استدبار القبلة بطلت صلاتها، وإن كان قليلًا لأن استدبارها أعظم من العمل الكثير، وإن كان الثوب بالبعد عنها فعليها أن تمشي إليه وتستر به عورتها، فإذا مشت إليه بطلت صلاتها.
وقال في "الحاوي": "ثم فيه وجهان: أحدهما: تبطل برؤية الثوب كالمتيمم إذا رأى الماء، وهذا لا يصحّ لأنه لو صحّ لبطلت، وإن كان الثوب قريبًا.
والثاني: تبطل بالمشي إليه وعلى هذا لو لم تمضِ لأخذ الثوب ولا انتظرت من يناولها، تبطل أيضًا؛ لأنها وإن لم تمض فهي في حكم من مضى لوجوب ذلك عليها".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بناء على من سبقه حدث في صلاته فخرج وتوضأ، هل يبني أم يستأنف؟ قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو كان هناك من يأتيها به، فهل يجوز لها أن تمسك عن عمل الصلاة حتى يأتيها به ويسترها؟ فيه وجهان: قال أبو إسحق: يجوز ذلك ولا تبطل صلاتها لأنها فعلٌة واحدٌة، فهو كانتظار الراكع المأموم.
وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاتها، لأنها تركت ستر العورة مع القدرة عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على المشي، فإن جوزنا المشي فالانتظار أولى وإن لم نجوز المشي، فيه وجهان.
وهذا مبني على أنه هل يجوز في صلاة الخوف أكثر من انتظارين؟ فَرْعٌ آخرُ لو كانت جاهلة بالعتق أو بوجوب الستر أو بوجود الثوب، وصلت مكشوفة الرأس لم تجزها لأنه شرط فلا يسقط بالنسيان والجهل قولًا واحدً.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان مخرجان [115 أ/ 2] من المصلي في الثوب النجس ناسيًا، فإن فيه قولين.
ومن قال الأول أجاب عن هذا: أنها مندوبة إلى الستر، فصارت كالمفرطة في تركها ولم يعزر فيه الجهل بخلاف مسألة النجاسة، وفي هذا الفرق نظرٌ.
فَرْعٌ آخرُ المكاتبة كالأمة، ولكن إذا كان عندها ما تؤدي في نجومها وقد حلت يكره لها أن تصلي مكشوفة الرأس، وهكذا لو قال لها سيدها: إني دخلت الدار في يومي هذا، فأنت حرة فتركت الدخول، أو قال لها: أنت حرة إن شئت.

فَرْعٌ آخرُ لو قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرةٌ من الآن يعني قبل الصلاة، فصلت مكشوفة الرأس صحت صلاتها ولا تعتق قبل الصلاة، لأن هذه صفة باطلة، لأن تقدم المشروط على الشرط محال ويكون كإيقاع العتق في الزمان الماضي.
فَرْعٌ آخرُ يلزم الحرة ستر العورة الصغرى مع الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ولم تتحرك عليهم الشهوة والصغرى ما بين السّرة والركبة وأما مع العبيد فيه ثلاثة أوجه أحدها: يلزمها ستر العورة الكبرى، كالأجانب، والكبرى: جميع البدن.
والثاني: يلزمها ستر العورة الصغرى لدى الرحم وبه قال ابن أبي هريرة، وابن سريج.
والثالث: وهو تقريب أنها تبرز إليهم وهي فضل بارزة الذراعين والساق، ولا يختلف أصحابنا أنه لا يلزمهم الاستئذان إلا في وقت مخصوص بخلاف الحرة.
فَرْعٌ آخرُ لو كان نصفها حرًا فعليها ستر العورة الكبرى منه بلا خلاف ذكره في "الحاوي".
فَرْعٌ آخرُ الشيوخ الهرمي الذي عدموا الشهوة وفارقوا اللذة ففي عورتها معهم وجهان: أحدهما: هي الكبرى.
والثاني: الصغرى، كما قلنا في الصبيان.
فَرْعٌ آخرُ المحبوب الذي ليس بخصيّ، ففي عورتها معهم وجهان أيضًا لقوله تعالى: ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ﴾.
فَرْعٌ آخرُ العينين [115 أ/ 2] والمأيوس من جماعه والخصي والمؤنث المشبه بالنساء كغيرهم من الرجال في حقها.
فَرْعٌ آخرُ لو تجرد الرجل في ماء نهر أو غدير، فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الماء يقوم مقام الثوب في ستر عورته.
والثاني: لا يجوز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن ينزل الماء بغير مئزر، وقال: "إن للماء سكانًا".

فَرْعٌ آخرُ لا حكم لعورة الأطفال دون السبع، فإذا بلغ الغلام عشرًا والجارية تسعًا كانا كالبالغين في حكم العورة، وتحريم النظر إليها، لأن هذا زمان يمكن فيه البلوغ فيغلظ حكم العورة وفيما بين التسع والعشر من الغلام والجارية يحرم النظر إلى فرجها ويحلّ فيما سواه.
مسألة: قال: "وأحب أن يصلي الرجل في قميص ورداء".
الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة الرجل، فيلزمه أن يصلي مستور العورة، ثم الكلام فيه في فصلين: أحدهما: في الكمال.
والثاني: في قدر الجائز.
فأما الكمال هو أن يصلي في ثوبين وقميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحقّ من يزين له".
فمن لم يكن له ثوبان، فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل اشتمال اليهود، وإن كان معه ثوب واحد اتزر به إذا كان ضيقًا، ويجعل على عاتقه شيء، وإن كان واسعًا التحف به، وخالف بين طرفيه على عاتقه كما يفعله القصّار إذا كان في الماء.
والأصل في ذلك ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له: "يا جابر إذا كان الثوب واسعًا، فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدده على حقوك"، وإنما قال كذلك في الثوب الواسع ليكون بمنزلة الإزار والرداء.
وروى أبو داود في "سننه" عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: "رأيت النبي [116 أ/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ملتحفًا به مخالفًا بين طرفيه على منكبيه".
وقال أحمد: لا يجزئه حتى يكون على عاتقه شيء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء"، وهذا غلط، لأن هذا الموضع ليس بعورة، فلا يجب ستره.
والخبر محمول على الاستحباب أو على أنه أراد: لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حقوه، ولكن يتزر به ويرفع طرفيه، فيخالف بينهما ويشده على عاتقه على ما بيّنا.
وأما اشتمال اليهود أن يجلل بدنه الثوب ويسلبه من غير أن يشيل طرفيه.

وأما قدر الجائز فثوب واحد يستر به عورته فأولاها القميص ثم الرداء، ثم الإزار، ثم السراويل، فقدم الشافعي الإزار على السراويل، لأنه روى: "فليتزر به"، وهذا لأن السراويل تصف العورة حيث كان معمولاً على قدها.
قال أصحابنا: وتقديم السراويل أولى لأنه أجمع للستر، ولا فرق بين أن لا يقدر على أكثر من ثوب واحد وبين أن يقدر، والأصل في هذا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الصلاة في ثوب واحدٍ، فقال:" أو يكلكم ثوبان"؟.
وروى جابر رضي الله عنه أنه "صلى يومأ في إزار واحد ورداؤه موضوع بين يديه على المشجب فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلت ليراني جاهل مثلك فيعلم أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة وأينا كان له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبان".
فإذا تقرر هذا، فمتى ملى في قميص واحد فعليه أن يزره لئلا يشاهد عورته هو أو غيره حال الركوع والسجود.
وروي أن سلمة بن الأكوع، قال: يا رسول الله إنا نكون في الصيد فيصلي أحدنا في القميص الواحد، قال: "انعم، [116 ب / 2] وليزره ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة".
وروي أنه قال: "زره عليك أو اربطه بشوكةٍ".
وعنا أبي حنيفة: يجوز وان لم يزره لأن ستر العورة يجب من المقابلة، فإن كان على رقبته ثوب أو خلة بخلال أجزأه، وان ترك ذلك، فإن جيبه ضيقاً ورقبته غليظة يمنع النظر إلى العورة عند الركوع والسجود أجزأه، وان لم يفعل شيئاً من هذا وشد وسطه على سرته بخيط أو حبل أجزأه، وان كان في قميصه شق نظر، فإن قابل العورة لم يجز، وإن لم يقابلها، فهو كالجيب إن كان يشاهد العورة منه، لم يجز، وإن لم يشاهد جاز، ولو غطاه بلحيته أو شعر رأسه، أو وضع يده على موضع الشق لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يغطي بعض بدنه ببعضه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: والصحيح الأول، ولو كان معه رداء اتزر ببعضه وجعل البعض على عاتقه، ولو كان معه سراويل واحد لبسه.
قال الشافعي: وأحث أن يكون على عاتقه شي، عمامة أو غيرها، وإن كان حبلاً ولم يجد غيره جعله على عاتقه، وهذا لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلين أحدكم في ثوب ليس على عاتقه منه شيء"، فان لم يجد ثوبا يطرحه على عاتقه طرح حبلاً حتى لا يخلو من شيء.
مسألة: قال: "وكل ثوب يصف ما تحته أو لا تجز لم تجز الصلاة فيه".
وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الثوب الساتر، وهو أن يكون صفيقاً يستر لون

البشرة فإن كان لا يستر لونها ويشاهد أنه أحمر أو أسود لم يجز لأنه لم يستر العورة، فإن قيل: أليس قلتم: لو كان الحائل خفيفاً عليها فمسها فوق ذلك الحائل لا ينتقض وضوؤه عناكم فجعلتموه ستراً لها؟!.
قلنا: الفرق أن نقض الطهارة يتعلق بمباشرة البشرة، والسترة الخفيفة تحول دونه، [117 أ/ 2] وليس كذلك السترة في الصلاة، فإن الفرض الحيلولة لتبين البصر وبين البشرة، فإذا لم يستر لونها لم يجز.
وقال بعض أصحابنا: تجوز الصلاة في الثوب الواصف للون وكذا ذكره القفال زماناً فألزم عليه فساد صلاة العريان في الماء الصافي، فرجع عن ذلك، ولو كان الثوب صفيقاً يستر لونها جازت الصلاة فيهء وإن وصف حجم الأعضاء للينه من الإليتين أو الفخذين، أو الذكر، لأنه ما من ثوب إلا ويصف ذلك وغيره أولى.
وقول الشافعي: "وكل ثوب يصف ما تحته".
أراد به ما ذكرنا.
وقوله: أو لا يستر أراد به أن يكون رخو النسج بحيث يرى من فرج النسج ما تحته من العورة.
فرع يجوز ستر العورة بكل طاهر يستر عورته، فلو سترها يجلد طاهر ذكي أو مدبوغ جاز.
وقال في "الأم": "وإذا لم يجد ثوباً ووجد ورق الشجر ستر به عورته وصلى" لأنه أكثر ما يقدر عليه من الستر ويخصفه على نفسه بشدة أو خيطه.
فَرْعٌ آخرُ لو طين عورته بطين حتى لا يرى من لونه شيء وصلى جازت صلاته، لأن الواجب ستر لونه لا ستر جثته وخلقته، ألا ترى أنه لو لبس سراويل ضيقة ترى جثة أعضائه فيه جازت صلاته.
وحكي عن ابن أبي أحمد أنه قال: "لا تجوز صلاته"، وهذا غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ هل يلزمه أن يطين عورته؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: يلزمه، وهو الأصح، وهو ظاهر المذهب، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا وجد ما يستر عورته من جلد طاهر أو ووق ما وغيره يلزمه"، وأراد بالغير الطين، ووجه هذا أنه جسم صفيق يستر ويمنع النظر ولهذا لو طين المحرم رأسه تلزمه الفدية.
والثاني: لا يلزمه، وهو اختيار أبي إسحق وجماعة، لأنه يتلوث به البدن، ولأنه إذا جف يتشقق ولا يستره، فإذا قلنا: لا يطين، [117 ب / 2] فلا كلام، وإذا قلنا: يطين، فإن كان محدثاً طين كيف شاء، وإن كان متطهراً طين بدنه غير القبل والدبر، فأما القبل

والدبر ينظر فإن أمكنه تطين ذلك من غير أن يباشر الفرج بيده بأن يكون الطين ثخيناً أو يجعل على يده شيئاً من خرقة، أو ورق شجر أو خشبة فعل وإلا انتقض طهره بمسه.
فَرْعٌ آخرُ لو وجد من الكسوة ما يستر بعض عورته مثل أن تجد المرأة سراويل أو الرجل خرقة صغيرة أو إزاراً مشقوقاً، فعليه أن يستر به ما قدر عليه من عورته.
والقياس: أن له أن يستر أي موضع شاء من عورته، والأولى ستر القبل والدبر، هكذا ذكر أبو حامد.
وقال في "الأم": "ستر به الفرجين لأنهما أغلظ من الفخذين"، فظاهره وجوب ذلك، وان وجد ما يستر به أحدهما، قال في "الأم": "ستر القبل دون الدبر"، لأنه لا حائل دون ذكره يستره ودون الدبر حائل من الإليتين، ولأن هذا الفرج يستقبل به القبلة فكان ستره أولى وكذلك المرأة تستر قبلها دون الدبر أيضاً، ومن أصحابنا من قال: يستر دبره، لأنه ينكشف في الركوع والسجود، فيكون أفحش من القبل، ومن أصحابنا من قال: هما سوا،، وكلاهما خلاف النص الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ لو كان للرجل ما يستره أو يستر امرأته لا يكفيهما وإنما يكفي أحدهما، وليس للمرأة شي،، فالأفضل أن يسترها لأن عورتها أعظم حرمة، فإن لم يفعل وستر نفسه وصلت عريانة صحت صلاتها لأنها صلت ولم تملك ما تستر عورتها، نص عليه في "الأم".
فَرْعٌ آخرُ لو صلى في قميص واحد فوق سطح بحيث لو نظر ناظر من الأسفل رأى عورته جازت صلاته، لأنه لا يلزمه ستر عورته من الأرض، وإنما يلزمه من الجهة التي جرت العادة بالنظر منه ونظيره الخرق في الخف يمنع المسح، ولكن لو كان لابساً للخف وكان واسع الساق بحيث لو نظر [118 أ / 2] ناظر في ساقه رأى ظهر قدمه يجوز المسح عليه.
وذكر والدي الإمام وجهاً آخر أنه لا يجوز، لأنه كما يلزمه الستر لحق الآدمي من الأعلى والأسفل، كذلك يلزمه لحرمة الصلاة وهذا ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى في ماءٍ كدرٍ ستر به ما دون السرة حتى لا يظهر منه شيء إذا ركع ويمكنه أن يسجد على الأرض فيها، أو كان يصلى على جنازة حتى لا يحتاج إلى ركوع وسجود تجوز صلاته، وكذلك إذا كان صافياً ودخل فيه إلى عنقه حتى تراكم الماء واخضر به وستر بلونه لون عورته جازت الصلاة، وإلا فلا.
وحكي عن ابن أبي أحمل: أنه لا يجوز ذلك بحال.

فَرْعٌ آخرُ لو ستر عورته بالزجاج لا يجوز لأنه لا يستر اللون.
فَرْعٌ آخرُ لو وقف عرياناً في جب وصلى على الجنازةء فإن كان رأس الجب ضيقاً لا تبين العورة له ولا للناظرين يجوز وإلا فلا يجوز، وكذلك لو حفر في الأرض حفرة، ووقف فيها ورد التراب إلى نفسه.
فَرْعٌ آخرُ لو انكشفت عورته بريح أو سقطة لم تبطل صلاته نص عليه في "الأم"، فإذا قار عليه وأمكنه إعادته كما كان لزمه فعله وان أخره عن أول حال الإمكان بطلت صلاته.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يجد إلا ثوبا نجساً ولا يقدر على عيله.
قال في "الأم": "لم يصل فيه وتجزئه الصلاة عرياناً ولا يعيد".
وبه قال الليث.
وقال في البويطي هكذا، ثم قال: "وفيه قول آخر: يصلي في الثوب النجس ويعيد"، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: "يصلي فيه ولا يعيد".
وبه قال المزني، وهذا غلط لأن فرض الصلاة يسقط مع العري ولا يسقط مع النجاسة.
والدليل على أنه لا يسقط مع النجاسة ما تقدم.
وقيل: هذا الذي حكي عن أبي حنيفة، مذهب مالك والأوزاعي لأن عندهما لا تجب إزالة النجاسة على المصلي.
وقد روى أبو يوسف [118 ب / 2] عن أبي حنيفة أنه إن شاء صلى عرياناً وان شاء صلى في الثوب النجس.
واحتج بأن كليهما واجب وليس أحدهما بأولى من الآخر فيتخير.
وروى محمد في "الإملاء" عن أبي حنيفة أنه إن كانت النجاسة في أقل من نصف الثوب صلى فيه، ولا يصلي عرياناً، وإن كان مملوءاً دماً، فإن شاء صلى عرياناً، وان شاء صلى في الثوب، وهذا غلط، لأنها سترة نجسة، فلم تجز الصلاة فيها كجلد الميتة، وما ذكره ينقض بهذا.
فَرْعٌ آخرُ لو كانوا جماعة فذهبت ثيابهم لغرق أو حريق أو قطع طريق نظر، فإن بقي مع أحدهم ثوب نظر، فإن كان يحن القراءة تقدم إماماً، وصلوا جماعة، لأنه يمكنه أن يقف أمام الصف الذي هو موقف الأئمة، فكان أولى من العريان، وان كان لا يحسن القراءة يصلي وحده، لأن إمامته ممن يحن الفاتحة لا تصح، فإذا في غ من الصلاة، فالمستحب له أن يعيرهم ثوبه ليصلوا فيه، لأن فيه قربة وثواباً، فإن بخل ولم يعرهم

ثوبه لم يكن لهم قتاله ومكابرته عليه لأنه لا ضرورة لهم إليه لأن لهم أن يصلوا عراة وتجزئهم، ويخالف هذا إذا كان به جوع شديد ووجد مع غيره طعاماً فضل عن حاجته كان له مكابرته عليه، لأن به ضرورة إليه.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يعيرهم، فالأولى أن يبدأ بالنساء، ثم بالرجال، لأن عورتهن أغلظ وأكد حرمة فكانت البداية بسترها أولى.
فَرْعٌ آخرُ يجب على المعار قبول العارية به ولا يجوز له أن يصلي عرياناً، قبول العارية كما لو بذل له ماء الطهارة يلزمه القبول.
فَرْعٌ آخرُ لو امتنع من الإعارة ورغب في الهبة تمليكاً لا يلزمه قبوله في ظاهر المذهب، لأن في قبوله منة كما لو بذل له ثمن ماء الطهارة لا يلزمه قبوله.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: [119 أ / 2] أحدها: هذا.
والثاني: يلزمه قبوله.
وأما الثالث: يلزمه قبوله ناوياً به العارية، ثم إذا صلى فيه رده إلى ملكه، لأن عليه أن يتسبب إلى ستر عورته بما يقدر عليه، ولهذا عليه أن يستتر بالأوراق وغيرها، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح"، وهو غلطء لأن الرجل بذل له عينه دون منفعته، فكيف يمكنه قبول منفعته دون عينه، وإذا تملكه كيف يمكنه رد ملكه إلى الغير؟.
فَرْعٌ آخرُ لو خافوا ذهاب الوقت إذا صلوا واحداً واحداً، قال ههنا: لم يجز لهم أن يصلوا عراة.
وقال في "الإملاء": يتعاورونه بينهم إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا كما أمكنهم حكاه صاحب "الإفصاح"، فالمسألة على قولين: أحدهما: يلزمهم الصبر، ولا يجوز أن يصلوا عراة، فإن صلوا أعادوا لأن متر العورة لا بال له يرجع إليه، فلا يجوز تركه لخوف فوت الوقت كما لو كان معه ثوب يحتاج إلى غسله، ويخاف فوت الوقت لو اشتغل بغله لا يجوز له أن يصليها حتى يغسله، كذلك ههنا.
والثاني: لهم أن يصلوا عراة، لأن الستر يسقط بالعذر وخوف فوت الوقت عذر يسقط به.
ولو كانت جماعة في سفينة لا يمكن جميعهم أن يصلوا قياماً وأمكنهم واحداً واحداً.
قال الشافعي: "صلوا واحداً واحداً إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا قعوداً".
قال المزني في "الجامع الكبير": "إذا كان هذا من قول الشافعي فكذلك يلزمه في الثوب

مثله"، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال في مسألة السفينة قولين أيضاً، ومنهم من قال: ههنا قول واحد، والفرق من وجهين: أحدهما: أن ستر العورة أكد من القيام، لأنه يجوز ترك القيام في النوافل مع القدرة، ولا يجوز ترك الستر بحال.
والثاني: أن ستر العورة لا بدل له يرجع إليه وللقيام بدل، وهو القعود.
فَرْعٌ آخرُ لو تخلف [119 ب / 2] القادر على الثوب مع القدوة، وتقدم واحد من القوم مع المكتسي يجوز.
نمق عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهو غلط.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة المكتسي خلف العاري، وهذا غلط، لأنه ذكر تجوز صلاته، فصحت صلاته خلفه.
فَرْعٌ آخرُ لو استعار ثوباً فلبسه ثم أحرم بالصلاة، ثم استرجعه مالكه بنى على صلاته عرياناً، وتجوز لأنه عاجز الآن عن الستر.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يبق مع أحدهم ثوب أصلاً.
قال الشافعي: "صلوا فرادى وجماعة"، فمخير بين الفرادى والجماعة.
وقال في "القديم": "الأولى أن يملوا فرادى"، لأنه أغض للبصر، فكان أولى من الجماعة التي لا يمكن معها غض البصر، ولأن الجماعة فضيلة وغض البصر فريضة فما أدى إلى فعل الفرض أولى، ولأنه لا يمكنهم أن يأتوا بسنة الجماعة بأن يصطفوا خلف الإمام، وإنما يقف إمامهم وسطهم.
ووجه قوله "الجديد": أنهم إذا صلوا فرادي سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أحد القولين، أنه ين لهم الجماعة خلافاً لأبي حنيفة، وهو غلط.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلوا جماعة فالمستحب للإمام أن يقف وسطهم، لأنه إذا تقدمهم لم يمكنهم أن يفضوا أبصارهم عن عورته ويقف المأمومون صفا واحداً، فإن فاق الموضع قاموا صفين وغض الصف الأخير أبصارهم.
فَرْعٌ آخرُ لو كانوا رجالاً ونساء صلى الرجال على الانفراد، والنساء على الانفراد، فإن كان المكان واسعاً غاب الرجال عن النساء وصلى الكل في وقت واحد، والحكم في جماعهم وانفرادهم على ما ذكرنا، وإن كان المكان ضيقاً صلى الرجل جماعة،

واستدبر النساء الرجال حتى إذا فرغوا صلى النساء حتى لا يشاهد بعضهم عورات بعض [120 أ / 2] في الصلاة، وظاهر كلام الشافعي ههنا أن النساء ينفردن عن الرجال سواء كان هناك حائل بينهن وبينهم، أو لم يكن.
ولكن قال أصحابنا: لا تمنع النسا، إذا كان هناك حائل في حرم المسجد أن يصلين مع الرجال في جماعة، لأن المنع للاطلاع على العورة، وههنا لا توجد هذه.
ومن أصحابنا من قال في النساء: ين لهن الجماعة بخلاف الرجال العراة لأنهن يصلين بسنة جماعتهن فإن إمامتهن تقف وسطهن عاريات كن أو ملتبسات.
فَرْعٌ آخرُ العريان إذا لم يجد السترة يصلي قائما بركوع وسجود.
وبه قال مالك، وروي ذللك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد.
وقال الأوزاعي وأحمد والمزني: "يصلي قاعداً، لأنه قادر على ستر عورته بالأرض، فيلزمه".
وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قعد، وإن شاء قام، لأنه لا من ترك فرض في كل واحد من الفعلين، فيتخير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه يصلي قاعداً يومئ بالسجود، ولا يسجد على الأرض، فيكون كما قال الشافعي في المحبوس في حبس يصلي ويومئ، ثم إذا صلى هكذا، هل تلزم الإعادة؟ فيه وجهان.
والمشهور ما تقدم.
والدليل عليه أنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فلا يجوز له تركه كما لو كان يجد السترة، ولأن فيما قالوا: لا يحصل الستر، بل يسترها من بعضه، ولا يوازي هذا ترك القيام والركوع والسجود، فلا يصح ما قلتم، ولا يضع يده على فرجه إذا صلى فإن وضع بحيث مس باطن كفه فرجه أعاد الوضوء والصلاة.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلى في ثوب حرير، وكان يجد غيره فقد عصى، ولكن تصح صلاته.
وقال أحمد: "لا تصح صلاته"، وكذلك قال: إذا صلى في دار مغصوبةٍ، [120 ب / 2] وهذا غلط، لأنه لا تعلق لهذا النهي بالصلاة، فلا يمنع صحتها كما لو وجب عليه أداء الحق، فتركه واشتغل بصلاة النافلة أو الصلاة في أول الوقت، لا يمنع صحتها، ولو لم يجد غير هذا الثوب الحرير.
قال بعض أصحابنا: يجوز له أن يصلي فيه، ولا يجوز له أن يصلي عرياناً، لأن العذر يبيح لبسه، وقد "رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير وعبد الرحمن بن عوف في الحرير لحكة كانت بهما".
وقد قال الشافعي: لو فاجأته الحرب يجوز له لبى الديباج، وهذه حالة عذر فجاز له اللبس، ويحتمل عندي وجهاً، أنه يصلي عرياناً، ولا يلبه كما لو وجد ثوب الغير، ولم يعره صاحبه.

فَرْعٌ آخرُ يكره للمرأة أن تتنقب في الصلاة، لأن الوجه من المرأة ليس بعورة، فهي كالرجل يكره له أن يصلي متلثماً على ما ذكرنا في الصلاة في الثوب الذي عليه الصور لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان لي ثوب فيه صور، فكنت أبسطه، فلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إليه فقال: "أخريه عني فجعلت منه وسادتين".
فَرْعٌ آخرُ لو دخل العريان في الصلاة، ثم وجد السترة، فهو كالأمة تصلي مكشوفة الرأس، ثم تعتق وتجد السترة.
وقال أبو حنيفة: "بطلت صلاته" فنقيس على الأمة إذا أعتقت، وهي حاسرة الرأس سترت، ولا تبطل صلاتها.
مسألة: قال: "ومن سلم أو تكلم ساهياً أو نسي شيئاً من صلاته بنى ما لم يتطاول".
وهذا كما قال.
الكلام في الصلاة ضربان: ذكر الله تعالى وغير ذكر الله تعالى، فإن كان ذكر الله تعالى، وهو التكبير والقراءة، ونحو ذلك لا تبطل الصلاةء وإن قصد به التنبيه والتحذير على ما بيناه.
وأما غير الذكر، فهو خطاب الآدميين ينقسم أربعة أقسام: أحدها: أن يتكلم به ناسياً، أنه في الصلاة، [121 أ / 2] فإن كان يسيراً لم تبطل صلاته، وإن كان كثيراً، فظاهر كلام الشافعي ههنا أنه يبطلها، لأنه قال: بنى ما لم يتطاول.
وقال نحو هذا في البويطي ولفظه: "إذا تكلم أو فحك ناسياً لصلاته، فإن كان يسيرا ككلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة ذي اليدين بنى، وإن كان كثيرا أعاد".
واختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: هذا، لأنه يقطع نظام الصلاة، ولأنه لو نسي شيئاً من صلب الصلاة وسلم.
طال الفصل أبطل الصلاة وجهاً واحداً، فكذلك الكلام.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحق لا يبطلها، لأن العلة كونه ساهياً، وهو موجود في القليل والكثير، ولهذا سوي في الأكل في الصوم ناسياً بين القليل والكثير.
قال: وقول الشافعي: "بنى ما لم يتطاول" عاد إلى ما تركه من صلب الصلاة لا إلى الكلام.
وأما في العمل إنما فرقنا بين القليل والكثير، لأن الفعل أكد وأغلظ حكماً، ولهذا المكره على القتل يلزمه القود والمكره على الطلاق لا يقع طلاقه، والأول أصح كما صرح في البويطي وأما دليله لا يصح لأنه إذا كان كثيراً يؤمن مثله في القضاء، فلم يعف وجرى مجرى الفعل الكثير، ولهذا العمل القليل يساوي الكلام القليل، لأنه لا يمكن الاحتراز منهما.

والثاني: أن يسلم من اثنتين يعتقد بأنه فرغ منها فتكلم، ثم بان له أنه لم يفرغ منها، فالحكم فيه كالثاني، والأصل فيه خبر ذي اليدين.
والثالث: أن يكون قائماً بالصلاة ولكنه يجهل تحريم الكلام بأن يكون قريب العهد بالإسلام، فهو كالناسي أيضا لخبر معاوية بن الحكم.
وقد ذكرناه ولو علم أن جنس الكلام يبطل الصلاة، ولكنه يجهل أن هذا الكلام بعينه يبطلها لم يعذر وتبطل.
والرابع: أن يتكلم عامداً مع العلم بالتحريم فيبطلها سواء كان من المصلحة كقوله للإمام: سهوت [121 ب / 2]. وقوله للأعمى: لا تقع في البئر ونحو ذلك.
وذكر بعض أصحابنا قسماً خامساً، وهو أن يقصد تلاوة القرآن، أو ذكراً من الأذكار، فسبق إلى لسانه كلام البشر لا يبطلها، وبهذا قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وعطاء رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة والنخعي: "جميع ذلك يبطل الصلاة إلا السلام ناسياً".
وقال سعيد بن المسيب والنخعي وحماد: "جنس الكلام يبطل بكل حال، وكذلك السلام ناسياً في أثناء الصلاة".
وقال مالك والأوزاعي: "إن كان لمصلحة الصلاة، لا يبطلها كتنبيه الإمام ودفع المار من بين يديه بالكلام"، وحكي عن الأوزاعي: "لا يبطلها، وان لم يكن هن مصلحة الصلاة كقوله للأعمى: لا تقع في البئر".
وهذا كله غلط لما احتج الشافعي من خبر ذي اليدين أنه كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلم القوم ثم بنوا على صلاتهم، وتمام الخبر ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر فسلم من اثنتين، وانصرف وقعد على خشبة في المسجد كالمتفكر، فخرج سرعان الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، فقام رجل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسميه: ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال: "لم أنس ولم تقصر الصلاة ". وروي أنه قال: "ذلك لم يكن ما قصرت الصلاة ولا نسيت، فقال: أنسيت يا وسول الله؟.
وروي: فقال: بلى قد كان بعض ذلك، فالتفت إلى أبي بكر وعمر، فقال: أو كما قال ذو اليدين؟ فقالا: بلى.
وروي: فقالا برأسيهما: أي نعم، فأقبل على القوم.
وقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومأ أي: نعم، فرجع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مقامه، [122 أ / 2] فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر وسجد، ثم سلم، ثم قال: "لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم لكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني.
وسرعان مفتوحة السين والراء هم الذين يقبلون بسرعة، ويقال: سرعان بكسر السين.

وسكون الراء أيضاً، وهو جمع سريع.
واحتج مالك بهذا الخبر وذكر أن القوم تكلموا عمداً لمصلحة الصلاة، ولم تبطل صلاتهم، قلنا: كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على ظن أنه خارج من الصلاة، وكلام ذي اليدين على هذا المعنى لأن الزمان زمان نسخ فزيادة الصلاة ونقصان فتوهم أنه خارج من الصلاة للنسخ وكلام آبي بكر وعمر والقوم كان بالإيماء، ويقول الرجل: قلت بيدي، وقلت برأسي على التوسعة في الكلام، وإن مع أنهم نطقوا لم يضرهمء لأنهم أجابوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبطل الصلاة على ما ذكرنا.
والدليل على بطلان قوله أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فلو جاز الكلام في هذا لاستغنى عن التسبيح والتصفيق.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ذات يوم والرجال صفان والنساء صف، فلما قام ليكبر، قال: "إن أنساني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح الرجال ولتصفق النساء".
فرع قال في "الإملاء": "النفس الشديد ليس بكلام، وكذلك النفخ حتى يكون كلاماً يفهم كقوله: أف، والأنين كالنفخ".
وهذا صحيح، وجملته أنه إذا أتى من الحروف شيئاً فشيئاً يكون كلاماً مفهوماً بطلت صلاته، وهذا لأن الكلام ما تحرك به اللسان والشفة، فأما صوت يخرج من الحلق، فليس بكلام، فإذا طبق شفتيه وتنحنح [122 ب / 2] لا تبطل، ولو مد الحرف الواحد لا تبطل، لأن مجرد الحرف من غير تشديد لا يسمى كلاماً، وأقل ما يفهم حرفان عند أهل اللغةء فأما الحرف الواحد، فليس بكلام، فلا تبطل الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: حتى لو كان حرفاً واحداً له معنى كالأمر من وقى، يقي، ق، ومن وعى، يعي، ع، جمع ومن وشى، يشي، ش. بطلت صلاته، لأنه كلام يفهم ومعناه: ق نفسك من كذا، وع كلامي، وش ثوبك.
ولو قال: آه، بطلت صلاته سواء كان من خوف الله تعالى، أو من مرض وألم.
وقال أبو حنيفة: "إذا نفخ في صلاته بطلت بكل حال وأما الأنين إن كان لمرض تبطل، وان كان لخوف الله تعالى، لا تبطل، وإن بان حرفان".
وهذا غلط لما روي أن عمر رضي الله عنه، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى، ثم سجد في آخرها، وجعل ينفخ في الأرض ويبكي، ويقول: "أللهم لا بعدي بهذا وأنا فيهم، ولا بعدي بهذا ونحن نستغفرك".فرفع رأسه وقد تجلت الشمس؛ ولأن هذا لا يسمى كلاماً.

فَرْعٌ آخرُ لو كان في فيه طعام أو سن من أسنانه، فازدرده لم يقطع صلاته إذا كان مما يمر مع الريق بلا مضغ، كما لا يبطل الصوم، ولو مضغه أو علكه أو استأنف إدخال شيء منه وازدرده بطلت صلاته نص عليه في "الجامع الكبير".
وقال سعيد بن جبير وطاوس: "لا تبطل صلاة النفل وتبطل صلاة الفرض".
وشرب سعيد بن جبير الماء في صلاة النفل، وقال طاوس: "لا بأس به"، وهذا غلط، لأن ما أبطل الصوم أبطل الصلاة كالمباشرة، وإن ترك في فمه لقمة، ولم يزدردها لا تبطل صلاته، لأنه ليس بأكل، ولا عمل طويل، ولو كان ناسياً أو جاهلا بالتحريم، فهو كالكلام ناسياً، فإن كان قليلاً لا تبطل صلاته.
قال أصحابنا: ولا سجود عليه ههنا، لأن العمل [123 أ / 2] اليسير معفو عنه، وإن تطاول، فوجهان.
والمذهب أنه يبطل.
وقيل ههنا قول واحد: إنه يبطل، لأنه نادر.
وقال القفال: إذا أكل كثيرا في الصوم، فإن قلنا الكلام الطويل ناسياً، لا يبطل الصلاة، فهذا أولى، وان قلنا: هناك يبطلها فههنا وجهان، فإن جعلنا العلة أن الاحتراز من الكثير يمكن في الغالب، فالموضعان سوا،، وان جعلنا العلة إن نظم الصلاة ينتح بالطويل، فالصوم لا يبطل، لأنه ليس فيه أفعال منظومة.
فَرْعٌ آخرُ ولو بكى في صلاته، فإن كان بغير نطق، وإنما هو خشوع وذرف دموع لم تبطل صلاته، وإن كان بالنحيب والرقة والتأوه حتى بان حرفان، فإن كان ناسياً أو جاهلاً لم تبطل صلاته، وإلا بطلت كالكلام سواء، ولا فرق بين أن يكون ذلك من أمر الدنيا أو الآخرة، ذكره أبو حامد في "الجامع".
قال القاضي الطبري: سمعت الماسرجسي يقول: إن كان آية عذاب فبكى من خشية الله تعالى لم تبطل صلاته، وإن حزن على ميت فبكى بطلت صلاته، وهذا يشبه مذهب أبي حنيفة، ولا يجي على أصلنا الفرق.
فَرْعٌ آخرُ لو ضحك في الصلاة، فإن كان يبديها من غير صوت لم تبطل صلاته، لأنه ليس فيه أكثر من ظهور أسنانه، وإن كان بصوت وصار حروفاً تفهم كالقهقهة، فإن كان ناسياً أو جاهلاً، أو مغلوباً عليه لا تبطل صلاته وإلا بطلت.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي في أثنا، هذا الفصل: "أو نسي شيئاً من صلب الصلاة"، وجملته: أنه لا يخلو إما أن يترك واجبا أو غير واجبٍ، فإن لم يكن واجباً كالأذكار المسنونة لم

تبطل صلاته عامداً كان أو ناسياً، وان كان واجباً، فإن كان ذاكرا نظر، فإن كان تكبيرة الافتتاح لم تنعقد صلاته، ولا يصح بشيء مما عمله، وعليه [123 ب / 2] أن يستأنفه الصلاة، وهكذا لو علم أنه ترك ركناً، ولا يدري عينه، وإن نسي القراءة، فقد ذكرنا قولين، فإذا قلنا بقوله "القديم" فذكرها، فإن كان قبل فوات وقته بأن ذكر قبل الركوع أتى بهاء وان ذكرها بعد الركوع لا يعيدها، وإن كان فعلاً كالركوع والسجود، ونحوهما لا يسقط بالنسيان، فإن ذكره بعد التسليم قريباً بنى عليه، وفعل ما نسيه، وأعاد جميع ما عمله بعد الذي نسيه، لأن الترتيب فيها متسحق، وان تطاول الزمان يلزمه استئناف الصلاة قولاً واحداً، لأنه انقطع الموالاة، وذلك يمنع متابعة الأذكار.
فَرْعٌ آخرُ اختلف أصحابنا في حد التطاول فمنهم من قال: هو الخروج من العرف بأن يحول وجهه عن القبلة، ويطول الفعل خارجا عن العرف، وهو اختيار صاحب "الإفصاح"، وجماعة، وهو الصحيح، وهو ظاهر كلامه في "الأم".
وقال أبو حامد في "الجامع" حكى البويطي في "مختصره": "أنه قدر ركعة تامة".
قال: وهذا نص فهو أولى، وهو اختيار أبي إسحق، وحكى الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: حده مقدار الصلاة التي هو فيها، لأن العلم يبني على تحريمة هذه الصلاة، وهذا خلاف نص الشافعي، وغلط لأنه يؤدي إلى اختلاف التطاول لاختلاف أعداد الصلوات.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يبني وان تطاول تخريجاً مما قال: يمضي سجود السهو، وإن طال الفصل في قول، وهذا ليس بشي،.
مسألة: قال: "وإن تكلم أو سلم عامداً أو أحدث فيما بين إحرامه وبين سلامه استأنف".
وهذا كما قال: قد ذكرنا حكم كلام العمد وفروعه ومن جملة فروعه أنه لو قرأ كتاباً بين يديه، فإن قرأ في نفسه لم تبطل صلاته لأن التفكر [124 أ / 2] وحديث النفس لا يبطل الصلاة لما روى أبو هريرة ورضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "تجاوز الله لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم يتكلموا"، ولذلك لو سها على القراءةء ثم تذكر فعاد إليها لا سجود، وان قرأ بلسانه بطلت صلاته، لأن قوله: أطال الله بقاءك، وأدام عزك من كلام الآدمي.
وأما الحدث في الصلاة على ثلاثة أضرب: عمد وسهو وسبق حدث، فالعمد يبطل الطهارة، وإذا بطلت الطهارة بطلت الصلاة.
قال أبو حنيفة: إذا أحدث عمداً قبل

السلام بعد القعود قدر التشهد، قام مقام السلام، وتمت به الصلاة.
وأما سهو الحدث، فكالعمد سواء.
وأما سبق الحدث يبطل الطهارة قولاً واحداً، وهل تبطل الصلاة؟ قولان.
قال في "القديم ": "لا تبطل الصلاة" وعلق القول في هذا في "الإملاء": فيتوضأ ويبني على صلاته ما لم يتطاول أو يتكلم.
وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداود.
وقال في "الجديد": "بطلت صلاته، فيتوضأ ويستأنف".
وبه قال مالك وابن شبرمة.
وروي هذا عن المسور بن مخرمة.
وروي نحو قول "القديم" عن عمر وعلي وابن عمر رضي الله عنهم، وهذا هو الصحيح بدليل ما روى أبو داود في "سننه" بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته"، لأنه حدث يمنع المضي في صلاته، فيمنع البناء عليها كما لو رمي بحجر فشج.
واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من قاء أو رعف، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم".
قلنا: قال أبو حاتم الرازي، هذا مرسل، لأنه يرويه ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يحمل قوله: "بنى على صلاته" على الاستئناف، لأنه يقال لمن فعل مثل ما مضى بنى، وفي هذا نظر.
وحكي عن مالك أنه قال: إن كان [124 ب / 2] في أول الصلاة بنى، وإن كان في آخرها استأنف، وهذا بعيد عن الصواب.
فرع لا فرق في سبق الحدث عندنا بينه وبين النجاسة إذا خرجت من بدنه من القيء أو الرعاف، فعلى قوله القديم: يغسل النجاسة ويبني على صلاته ما لم يتطاول الفصل لما يخالف الصلاة من أكل أو كلام أو عمل طويل، ولو فار دم جرحه، فلم يصب شيا من بدنه مضى في صلاته على القولين معاً، ذكره في "الحاوي": وسمعت شيخنا الإمام ناصر رحمه الله يقوله: لخبر المهاجري والأنصاري، وهو معروف مذكور ووجه الدليل أنه لم يقطع صلاته بالرمية الأولى والثانية، لأن ما انفصل عن البشرة في الحكم غير مضاف إليه، وان كان الدم متصلا بعضه بالبعض كما لو قلب الماء من إناء على نجاسة فيتغير بها، فالمتغير نجس وما في الطريق طاهر.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا بقوله القديم، فانصرف ليتوضأ فبال الباقي، له أن يبني على صلاته أيضا، لأن الذي سبق منه هو الذي أبطل الطهارة، وبطلان الطهارة لم يبطل الصلاة على هذا القول.

وأما الباقي الذي قصده باختياره لا يبطل الطهارة، فلا يبطل الصلاة.
وعلى هذا قال الشيخ الإمام سهل الصعلوكي رحمه الله: لو كان بال ثم تغوط الآن لا تبطل الصلاة أيضاً.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: العلة في باقي البول أنه يحتاج إلى إخراج باقيه، وهو حدث واحد فكان حكم باقيه حكم أوله، فعلى هذا إذا أحدث حدثا أخر بطلت صلاته، لأنه لا يوجد فيه هذه العلة.
مسألة: قال: "وإن عمل عملا قليلا مثل دفعه المار بين يديه أو قتل حية".
الفصل وهذا كما قال: جملته أن العمل القليل لا يبطل الصلاة عامداً كان أو ساهياً، وهذا إجماع، لأنه لا بد فيها من قليل العمل، لأنه يدفع المار ويسوي ثوبه ويميط عنه الأذى [125 أ / 2] إن أصابه.
وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يملي بأصحابه، فخلع نعليه، فوضعه عن يساوه، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته، قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن جبريل عليه السلام أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً".
وفي هذا دليل أيضاً على أن الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله واجب كهو في أقواله، فإن أصحابه نزعوا نعالهم لما وأوه نزعه، ودفع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - المار بين يديه، وكان يحمل أمامة بنت أبي العاص، "فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها".
وهذا عمل كبير عند الجمع ولكن مرة قليل.
وأما حد القليل والكثير، قيل: المرجع فيه إلى العرف والعادة.
ومن أصحابنا من قال: حد القليل أن يفعل فعلا لا يتراءى للنظارة أنه في غير الصلاة، وحد الكثير أن يفعل فعلا يتراءى للنظار أنه ليس في الصلاة، وهذا اختيار مشايخ خراسان.
ومن أصحابنا من قال: كل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، فهو قليل كحك الجربان، وإن احتيج فيه إلى اليدين كان كثيرا مثل تكوير العمامة وهذا ليس بشيء.
فرع قال الشافعي في "الجديد": "القليل مثل دفعه المار بين يديه وقتل الحية

والعقرب، فلا بأس به في الصلاة".
قال: وكل عمل خف يف، وإن كان عمداً مثل الخطوة والخطوتين والطعنة والطعنتين ودفع المار مرة ومرتين، ومسح التراب عن وجهه، وإصلاح ردائه ونحو ذلك لا يبطل الصلاة، فجعل حد القليل المرة والمرتين، وجعل حد الكثير فيما زاد على ذلك، وإنما ذكر دفع المار بين يديه للخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقطع صلاة المرء شيء، [125 ب / 2] وادرؤوا ما استطعتم"، وذكر قتل الحية والعقرب، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب"، وقتل الحية في الغالب إنما يكون بالضربة والضربتين.
وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها.
وقال أبو رافع: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقرباً، وهو يصلي" ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يزيد على الضربة الواحدة، لأن الشافعي قال في صلاة الخوف: "ولا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب أو ردد الطعنة في المطعون، أو عمل ما يطول بطلت صلاته"، فمن أصحابنا من قال: "المسألة على قول واحد، وهو أن الثلاثة تبطلها والمرتين لا تبطلها"، وهو اختيار أبي حامد.
ومن أصحابنا من قال: "في المرتين قولان"، وهذا اختيار القاضي الطبري، ووجه قولنا أنه يبطلها أن المرتين دخلتا في حد التكرار كالثلاث.
والمشهور الأول، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه وذلك فعلان.
فَرْعٌ آخرُ لا يكره قتل الحية والعقرب فيها، وقال النخعي: يكره، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
فَرْعٌ آخرُ لو قصد بالعمل القليل منافاة الصلاة تبطل صلاته، لأنه لو قصا الخروج من صلاته بطلت فبالقصد مع العمل أولى، وهو أن يفتح بابا أو يخطو خطوة أو يستنا إلى حائط بهذه النية، وكذلك لو التفت بوجهه قاصداً منافاة الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ إذا قفز قفزة وان كان مرة تبطل صلاته، لأنه في نفسه فعل كثير فاحش.
فَرْعٌ آخرُ لو التفت بجميع بدنه وحول قدميه عن جهة القبلة، فإن كان عامداً بطلت، وإن كان

ساهياً، فإن تطاول الزمان بطلت وإن قصر [126 أ / 2] يسجد للسهو.
وقال بعض أصحابنا: وكذلك لو استدبر القبلة بوجهه دون بدنه.
فَرْعٌ آخرُ لو خطا خطوتين لا تبطل الصلاة، وكذلك لو وقف كثيراً بعد ذلك، ثم خطا مثل ذلك حتى خطى عشرين خطوة في صلاة واحدة لم تبطل صلاته، لأن الذي يبطلها لم يكثر دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ لو دق عليه الباب، وهو بالبعد فخطا خطوة، ثم وقف ثم خطا خطوةً أخرى، ثم وقف ثم هكذا إلى أن بلغ الباب وفتح تصح صلاته، لأن الأعمال المتفرقة، لا ينبني بعضها على بعض.
وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الحجرة والباب مغلق عليه، فجثت واستفتحت فمشى وفتح لي، ثم رجع إلى مصلاه".
وقالت أم سلمة: "استأذنت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يصلي، فإما مشي عن يمينه، وإما مشى عن يساره حتى فتح الباب، ثم رجع إلى مقامه".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كانت لي ساعة من السحر أدخل فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان في صلاة سبح، وكان ذلك إذنه لي، وان لم يكن في صلاة أذن لي".
فَرْعٌ آخرُ لو وضح السكر في فمه أو شيئاً يذوب بريقه في الصلاة فذاب ونزل في حلقه بطلت صلاته، لأن الصوم فيها شرط.
فكل أكل أبطل الصوم أبطل الصلاة، وهذا ظاهر المذهب ولأنه ينافي الاشتغال بالعبادة والخشوع، ويمكن الاحتراز منه.
وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاته لأنه نزل إلى حلقه من غير اختياره ولم يوجد منه إلا الترك في فيه، والصوم يبطل.
لأنه هكذا يؤكل، والإمساك فيه شرط ذكره أبو حامد.
فَرْعٌ آخرُ يكره له البصاق في المسجد سواء كان في صلاة أو غيرها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن المسجد لينزوي من النخامة [126 ب / 2] كما تنزوي الجلدة من النار".
وقال جابر رضي الله عنه: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدنا هذا وفي يده عرجون،

فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها فحتها بالعرجون، ثم قال: "أيكم يحت أن يعرض الله عنه، إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قتل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادره، فليقل بثوبه هكذا، ووضعه على فيه ثم دلكه أروني عبيراً، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوف في راحته، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لطخ به على أثر النخامة".
قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوف في مساجدكم، والعرجون عود لباسه النخل، وسمي عرجوناً لانعراجه، وهو انعطافه.
وقوله: فإن الله قبل وجهه، أي: القبلة التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها للصلاة قبل وجهه، وفيه هذا الإضمار إنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما يقال: بيت الله، فإن كان يصلي في غير المسجد، فلا يبصق عن يمينه ولا بين يديه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى، فإن بادره جعله في ثوبه، وحك بعضه ببعض كما في الخبر.
قال أصحابنا: فإن بصق في المسجد ناسياً دفنه لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه".
فَرْعٌ آخرُ لو وجد قملة في ثيابه فالأولى أن يتغافل عنها، فإن رمى بها جاز لأنه عمل قليل، وإن قتلها جاز لأن دمها، معفو عنه، ولا يرميها في المجد.
فَرْعٌ آخرُ من دخل في الصلاة بنية الإطالة، ثم نابه شيء كالخوف [127 أ / 2] على المال والحريق والغريق أو بكاء ولد أو حاجة، فله التخفيف، بل يستحب ذلك لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي خلفي، فأخفف لما أعلم من قلب أمه".
فَرْعٌ آخرُ قال الإمام أبو سليمان: "إذا صلى المصلي وحده، فالأدب أن يخلع نعله ويضعها عن يساره، ولو كان مع غيره في الصف وكان عن يساره ويمينه ناس، فإنه يضعها بين رجليه".
وهذا لما روينا من خبر أبي سعيد الخدري في نزع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعله.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه

عن يمينه ولا عن يساره، فيكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد ويضعها بين رجليه".
وهذا ليصان ميامين الناس من كل شيء يكون محلاً للأذى.
وفي هذا الخبر: "دليل على أنه إن خلع نعليه، فتركها من ورائه أو عن يمينه، فتعرقل بها رجل فتلفت بأن خر على وجهه أو تردى في بثر بقربهء يلزمه الضمان، وهو كوضح الحجر في غير ملكه".
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي: "وإذا عد الآي في الصلاة عقداً ولم يتلفظ به لم تبطل صلاته، وتركه أحب إلي"، وهذا لأنه عمل يسير.
وقال مالك: "لا بأس به." وبه قال الثوري واسحق وأبو ثور وابن أبي ليلى والنخعي.
وقال أبو حنيفة ومحمد: "يكره".
قال في "الحاوي": "وهو قولنا".
وقال أبو يوسف: "لا بأس به في التطوع".
واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يسبح ثلاث تسبيحات"، وذلك إنما يكون بالعد.
وقال أبو الدرداء: "إني لأدعو في صلاتي لسبعين رجلا من إخواني".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يعقد في صلاته عقا الأعراب" [127 ب / 2]، وإن عل ركعاتها لا يكره كذلك عد الآي، ولأنه علم العباس رضي الله عنه صلاة التسبيح، فلا يخلو إما أن يعد بعقد القلب، وهو مكروه، لأنه يشغله عن الخشوع فثبت أنه كان يعد بالأصابع، وهذا غلط، لأن هذا عمل ليس من الصلاة، فكان تركه أولى كمسح وجهه، ولأنه مأمور بقراءة ما تيسر عليه، وهذا العد يقطع خشوعه، ويخالف عد الركعات، لأنه لا يقطع خشوعه، لأن معرفة ما مضى منها، وما بقي واجب فجاز عقد الأصابع، ولا يكره.
وأما التسبيحات، فلا تحتاج إلى عقا ولا فكر أصلاً.
وقول أبي الدرداء يحمل على أنه عدهم قبل الصلاة، أو قال ذلك حرزا وتخميناً.
وأما الخبر الذي ذكروا فقد روي أنه عد الفاتحة في الصلاة، وقطعها وهذا يدل على الجواز، وإنما فعل ذلك ليتبين عددها فجاز لغرض، وعلى ما ذكرنا لو داوم بتحريك أصابعه أو أجفاته، لا تبطل صلاته، لأن الفعل في نفسه قليل.
فَرْعٌ آخرُ لو تلوثت جبهته بالتراب في الصلاة، فالأولى بأن لا صيحة حتى يفرغ من صلاته لما روي عن ابن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: "أبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

صبيحة الحادي والعشرين من شهر رمضان وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين".
مسألة: قال: "وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله".
وهذا كما قال.
قد ذكرنا هذه المسألة، ولا فائدة في إعادتها ههنا إلا أنه اتبع الدليل، وهو أنه قال: لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيامن، وفي الأول ذكره المزني بلا دلالة.
وقال أبو حنيفة: "الانصراف على اليسار أولى، لأنه انصراف من العبادة كالخروج من المسجل يقدم رجله اليسرى، وهذا يبطل بالسلام من الصلاة".
واعلم أن التيامن بالانصراف [128 أ / 2] مثل التيامن في السلام، وذلك أنه في السلام يلتوي ويوجهه عن يمينه.
كذلك في الانصراف يلتوي ببدنه عن يمينه، وهذا لأن القصد من الانصراف الإقبال على القوم، وربما يكون المأموم واحدا على يمينه، فلو التوى عن يساره ببدنه صار قفاه نحو المأموم على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإن فات رجل مع الإمام ركعتان من الظهر قضاهما بأم القرآن وسورةٍ".
وهذا كما قال: إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من الصلاة، فإنها أخر صلاة الإمام وأول صلاة المأموم فعلاً وحكماً، وبه قال عمر وعلي وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب والحسن والزهري والأوزاعي ومحمد بن الحسن واسحق.
وقال أبو حنيفة: "ما أدرك مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أول صلاته فعلا وآخرها حكماً، وما يقضيه آخر صلاته فعلاً، وأولها حكماً"، فوافقنا في الفعل وخالفنا في الحكم.
وفائدة هذا الترتيب يتبين في مسألة، وهي أنه إذا صلى الوتر مع الإمام ركعة أو ركعتين وقنت معه إتباعاً يعيد القنوت عندنا في آخر صلاته وعندهم لا يعيد، وربما يقولون: روي عن أبي حنيفة أنه قال: يعيد القنوت، فلا يبقى معه للخلاف فائدة.
والدليل على ما قلنا: أنها ركعة مفتتحة بالإحرام، فكانت أول صلاته كالمنفرد، فإذا تقرر هذا، فلو فات مع الإمام ركعتان من الظهر، وأدرك ركعتين، فإن شاء صلى من الركعتين الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام قام، وصلى الثالثة والرابعة.
قال الشافعي: "قضاهما بأم القرآن وسورة كما فاته"، وإن كان ذلك في صلاة المغرب، وفاتته منها الركعة الأولى وأدرك الركعة الثانية والثالثة، فإنما للإمام الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام صلى الثالثة، ويقرأ فيها بأم القرآن وسورة، [128 ب / 2] ويسر فيها بالقراءة.
قال المزني: "وهذا غلط قد جعل هذه الركعة في معنى الأولى، يقرأ أم الكتاب وسورة، وجعلها في معنى الثالثة من المغرب بالتعوذ"، وهذا متناقض.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنما أجاب الشافعي ههنا على القول الذي يقول:

قراءة السورة تستحب مع الفاتحة ني الأخريين وفي الثالثة من المغرب، فأما على القول الذي يقول: لا تستحب في الآخرين ولا تستحب هها قراءة السورة، كما قال المزني.
وبه قال القاضي أبو حامد.
ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحق، هها تستحب قراءة السورة على القولين جميعاً، لأنه فاتته فضيلة السورة في الأوليين من صلاته، فإنه لم يسمعها من الإمام، ولم يقرأها بنفسه فعليه أن يقرأها في الأخريين لتحمل له الفضيلة، وهذا مذهب الشافعي، أن السنة إذا فاتت في محلها جاز قضاؤها في مثل محلها إذا لم يكن في قضائها ترك سنة أخرى، ألا ترى أنه إذا قرأ الإمام في الجمعة في الركعة الأولى سورة المنافقين، وترك سورة الجمعة استحببنا له في الركعة الثانية قضاء سورة الجمعة وإتباعها بسورة المنافقين.
والدليل على صحة هذا أنه قال في البويطي: "يقضي بأم الكتاب وسورة كما فاته".
وكذا ذكر ههنا ولم يعلل بأن آخر الصلاة محل السورة بل علل بالفوات، فإن قيل: أليس لو ترك الرمل في الأشواط الثلاثة من الطواف لا يقضيه في الأربعة الباقية، فما الفرق؟.
قلنا: الفرق أن سنة الأربعة المشي وسنة الثلاثة في الابتداء الرمل، فلو قضى الرمل في ثلاثة من الأربعة المتأخرة ترك سنة الأربعة، وهي المشي وههنا لا يؤدي تضاء هذه السنة إلى ترك سنة أخرى.
فرع إذا قلنا: بقراءة السورة، [129 أ / 2] هل يجهر بالقراءة؟ قال صاحب "لإفصاح"، قال الشافعي في موضع: "يجهر بها".
وقال في "الإملاء": "لا يجهر"، فالمسألة على قولين: أحدهما: يجهر بها حتى يأتي بها على حسب ما فاته، أو ليدرك ما فاته من الجهر كقراءة السورة.
والثاني: لا يجهر بها لا الثالثة من المغرب، والأخريين من غيرها لا مدخل للجهر بالقراءة فيها بحال وللقراءة فيها مدخل، فجاز أن يستحب فيها القراءة دون الجهر.
وقال أصحابنا: نص الشافعي على الجهر ههنا يدل على خطأ الجواب للأول عن كلام المزني أنه قال على القول الذي يقول: يقرأ في كل ركعة سورة.
فَرْعٌ آخرُ إذا أدرك الإمام راكعاً كبر وهو قائم معتدل ورفع يديه حذو منكبيه ثم كبر تكبيرة أخرى للدخول في الركوع ويرفع يديه حذو منكبيه، ويل خل معه في الركوع، ولو أدركه ساجداً كبر تكبيرة الافتتاح على ما ذكرنا، ثم يسجد ولا يكبر، لأنه لم يدرك محل التكبير، وإنما يفعل هذا السجود على طريق المتابعة، فإنه لا يستحب به من صلاته، فيفعل القدر الذي أدركه ورفع رأسه مكبراً وسجد سجدة أخرى مكبراً تبعاً لإمامه، ويخالف الركوع لأنه يحتسب به من صلاته، فيأتي به على هيئته.

ومن أصحابنا من قال: يكبر للسجود أيضا، لأنه مأمور بالسجود متابعة للإمام، فيسن له التكبير كما لو كان من صلب صلاته، وهذا ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ لو أدركه في التشهد الأول كبر تكبيرة الإحرام وجلس بغير تكبير وجها واحداً، وقد نص عليه في البويطي، ووجهه أن الجلوس عن القيام لم يسن في الصلاة، فلا يكبر له، فإذا قام مع الإمام إلى الثالثة كبر متابعة لإمامه، لأن إمامه يكبر، فإذا صلى ركعتين مع الإمام وسلم الإمام قام إلى ثالثته مكبراً، لأنه يقوم إلى ابتداء ركعة.
[129 ب / 2] فَرْعٌ آخرُ لو أدركه في التشهد الأخير كبر وجلس بغير تكبير، ويتشهد معه، لأنه أدرك محل التشهد فتبعه في المحل والذكر فيه، ويحصل له فضيلة الجماعة، ثم إذا سلم الإمام قام من غير تكبير، لأنه كبر في ابتداء هذه الركعة، وإنما قام في أثنائها، وليس له إمام يكبر فيتابعه.
ومن بعض أصحابنا من قال: لا يتشهد معه، لأنه ليس بموضع تشهده، والأول أصح، لأنه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده للمتابعة جاز أن يتبعه ني التشهد أيضاً، إلا أن هذا التشهد لا يجب عليه، لأنه يلزمه متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة دون الأذكار.
والأصل فيما ذكرناه أن كل موضع كان محلاَ للتكبير لو كان وحده، فإنه يكبر إذا فارق إمامه، وكل موضع ليس بمحل التكبير إذا كان وحده نظر، فإن كان إمامه مكبراً كبر معه متابعا له، وإن لم يكن إمامه مكبراً فيه، لم يكبر هو.
وعلى هذا إذا أدركه في الركوع وتبعه، ثم سلم الإمام، قام يكبر لأنه يقوم إلى ركعة أخرى لنفسه، ولو أدرك مع الإمام سجدة سجد بها معه ولا يضيف إليها أخرى وإذا استوى قائماً بعدما سلم الإمام، وأدركه في التشهد لا يأتي بدعاء الاستفتاح، لأنه قد اشتغل عقيب تكبيرة الافتتاح بغيره، فلا يعود إليه.
فَرْعٌ آخرُ قال: "ويصلي الرجل قد صلى مرة مع الجماعة كل صلاة".
وهذا كما قال: إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس منفرداً، ثم أدرك الجماعة، فالمستحب أن يصليها معهم، ولو صلاها في جماعة، ثم أدركها في جماعة أخرى يستحب أيضا أن يصليها معهم نص عليه في "الجديد".
ومن أصحابنا من قال: لا يستحب له ذلك، لأنه أدرك فضيلة الجماعة، فلا معنى لإعادتها، وهذا اختيار كثير من مشايخ خراسان.
ومن أصحابنا من قال: إن كان صبحاً أو عصراً لا يستحب له [130 أ / 2] إعادتها

في جماعة أخرى، وهل يكره؟ وجهان.
وان كانت غيرهما يعيدها استحباباً، وان كانت مغرباً قد قيل: هي كالظهر.
وقيل: يكره حتى لا يصير الوتر شفعاً، والأول أصح.
ومن أصحابنا من مال: ينظر في الجماعة الثانية، فإن كانت فيها زيادة فضيلة بالإمام أو المسجد أو بكثرة الجماعة يعيدها، وإلا فلا يعيدها.
ذكره الإمام سهل والمنصوص الأول، وهو الأصح، لأن فيه غرضاً وسبباً ظاهراً، وهو استدراك زيادة الفضيلة، وبهذا قال علي وأنس وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والزهري والحسن وأحمد واسحق رضي الله عنهم.
وروي عن أحمد أنه قال: "لا يعيد الفجر والعصر إلا مع إمام الحق دون غيره".
وقال مالك: "إن صلاها في جماعة لا يعيدها، وإن صلاها في غير جماعة يعيد إلا المغرب".
وقال النخعي والأوزاعي: "يعيد الكل إلا المغرب والصبح".
وبه قال أبو ثور.
وروى عن الحسن وحكي عن الأوزاعي مثل قول مالك.
وقال أبو حنيفة: ا (لا يعيد إلا صلاتي الظهر والعشاء، فأما الصبح والعصر والمغرب، فلا يعيدها".
واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين".
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس".
وأما المغرب لو أعادها صارت وترين من جنس واحد، ولأن الوتر لا يتنفل بهاء وهذا غلط لما أشار إليه الشافعي رضي الله عنه من الخبر.
وتمامه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى بالمدينة يوماً صلاة الصبح، فلما انفتل منها رأى رجلاً منعزلاً لم يكن صلى معهم، فقال له: "ما لك لم تصل معنا"؟، فقال: كنت قد صليت، فقال له: "إذا جثت فصل، وإن كنت [130 ب / 2] قد صليت".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما انفتل من صلاته رأى رجلين منعزلين في ناحية المسجد، فقال: "علي بهما"، فأتى بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: "هونا على أنفسكما، فإني لست بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"، ثم أعرض عنهما حتى سكن ما بهما، ثم قال لهما: "ألستما برجلين مسلمين؟! فقالا: بلى، يا رسول الله، فقال: "لم لم تصليا معنا"؟ فقالا: كنا قد صلينا في رحالنا، فقال: "فلا تفعلا إذا جئتما، فصليا، وان كنتما قد صليتما في رحالكما يكون لكما سبحة"، أي: نافلة.

وفي رواية أخرى أنه قال: "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام، فليصل معه، فإنها نافلة".
وقوله: "ترعد فرائصهما"، جمع الفريصة: وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب ترتعد عند الفزع.
وروى صعصعة بن أبي العريف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم في رحله، فوجد الناس يصلون، فليصل بصلاتهم وليجعل صلاته في بيته نافلة".
وروي أن رجلاً سأل أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: يصلى أحدنا في منزله الصلاة، ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة، فليصل معهم، فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ذلك له سهم جمع"، وأراد أنه سهم من الجزء جمع له فيه حظان.
وقال الأخفش: أراد سهم الجيش، وهو السهم من القسمة والجمع ههنا الجيش مثل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: 45].
وأما خبرهم محمول على إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب، قلنا: إذا كان لها سبب، وهو إحراز الفضيلة، فلا يدخل تحت النهي أو صار ذلك منسوخاً، لأن خبرنا كان في حجة الوداع.
وأما قوله: لا يجوز التنفل بالوتر لا يسلم، فإنه يجوز عندنا.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يصلي ثانياً مع الإمام ينوي الفريضة كما في الأولى.
ومن أصحابنا من قال: يطلق النية إن شاء قيد [131 أ / 2] بالغرض.
والصحيح الأول، وقيل: إن قلنا: الفرض أكملهما ينوي الفرفية.
وإن قلنا: الثانية نافلة، فيه وجهان: أحدهما: ينوي النفل لأنها تقع نفلاً.
والثاني: وهو الصحيح ينوي الفرض لأن القصد إدراك فضيلة الجماعة، ولا تشرع الجماعة في النوافل.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلى ثانياً، أيهما تكون فريضة؟ قال في "الجديد": الأولى فرضة، والثانية سنة.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد بدليل ما ذكرنا من نص الخبر الصريح، ولأن الأولى تسقط الغرض بدليل أنه لا يجب عليه الثانية، فدل على أنها نافلة.
وقال في "القديم" "أحديهما: فرضه لا بعينها يحتسب الله تعالى له بأيهما شاء".
وقيل: يحتسب الله تعالى بأفضلهما وأكملهما، وعبارة هذا أحسن، ووجه هذا أنه استحب إعادتها ليكملهما بالجماعة، فلو كانت الثانية نافلة لم يستحب لها الجماعة، وهذا لا يصح، لأن ههنا الجماعة سببهما.

وقال الشعبي والأوزاعي: "هما فريضة"، وهذا غلط لأن النبي {}، قال: "لا صلاتين في يوم".
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا بقوله "الجديد" يضم ركعة أخرى إلى صلاة المغرب الثانية ليصير شفعاً، فإنه لا يستحب التنفل بثلاث وكعات.
وقيل: إنما يضم إليها ركعة أخرى حتى يكون مع الأولى وتراً.
وروي هذا عن حذيفة بن اليمان، وقيل: فيه وجه أنه يقتصر على ثلاث.
قال: وإذا قلنا: لا يعيدها في جماعة أخرى استحباباً لو أراد فضلها تكون نافلة لا سبب لها، فتكره في الوقت المنهي، وإن كانت مغربا يجعلها شفعاً، وهذا خلاف المذهب.
مسألة: قال: ومن لم يستطع إلا أن يومئ أومأ وجعل السجود اخفض من الركوع.
وهذا كما قال: القيام واجب في صلاة الفريضة عند القدرة سواء كان قادراً على الركوع والسجود [131 ب / 2]، أو عاجراً عنهما.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238]، أي: مطيعين.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن الحصين رضي الله عنه وكان به البواسير: "صل قائماً، فإن لم تستطيع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب".
وقال أبو حنيفة وصاحباه: "إذا عجز عن الركوع والجود بمرض ولم يعجز عن القيام سقط عنه القيام، لأن كل صلاة لا يجبه فيها الركوع والسجود لا يجب فيها القيام كالنافلة على الراحلة".
وهذا غلطء لأن القيام ركن، فلا يسقط بعجزه عن غيره كالقراءة، وليس كالنافلة، لأنه لا يجب فيها القيام، وإن وجبه الركوع والسجود، وهو إذا كان على الأرض.
وروي عن أبي حنيفة: "أنه بالخيار بين أن يصلي قائماً، وبين أن يصلي قاعداً" كما قال في العاري.
فرع إذا كانت بظهره علة تمنعه الركوع ولا تمنعه القيام أجزأه أن ينحني بظهره للركوع، فإن لم يقدر حنى رقبته، وان لم يقدر على ذلك إلا بأن يعتمد على شيء اعتمد مستوياً أو في شق.

فَرْعٌ آخرُ لو قدر على الركوع ولا يقدر على القيام لمرض أو تقوس ظهره من الكبر فصار، كأنه راكع، كان قيامه على صورته راكعاً، فإذا جاء وقت الركوع.
قال في "الأم": "خفض على قدر قيامه ثم يسجد ليميز بين قيامه وركوعه".
فَرْعٌ آخرُ لو لم يتمكن من وضع جبهته على الأرض في السجود يدني رأسه من الأرض أقصى ما قدر عليه، ولا يضع صدغه على الأرض، لأن ذلك ليس بسجود.
هكذا ذكر أصحابنا، وذكر صاحب "الشامل": أن الشافعي قال: "وان قدر أن يسجد على صدغيه فعل، لأنه إذا سجد على صدغيه قربت جبهته من الأرض".
فَرْعٌ آخرُ إذا قار أن يقرب رأسه من الأرض مستوياً أو على أحد شقيه لزمه أن يفعل ما فيه المقاربة، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً، فإن [132 أ / 2] رفع مخدة إلى وجهه وسجد عليها لم يجزه، لأنه لا يسمى ساجداً.
فَرْعٌ آخرُ لو سجد على مخدة فإن وضعها على يديه لم يجزه، لأنه سجد على ما هو حامل له، وان وضعها على الأرض ثم سجد عليها، قال: أجزأه إن شاء الله.
وقال: "إذا جاز إن يسجد على ربوة بين يديه جاز إن يجد على مخدة بين يديه، ولو سجد الصحيح على وسادة من أدم لاصقة بالأرض كرهت له، ولم أر عليه أن يعيد".
وروى الحسن البصري عن أمه قالت: رأيت أم سلمة رضي الله عنها تسجد على مخدة من أدم.
وروي لرمدٍ بها.
فَرْعٌ آخرُ متى عجز عن القيام والركوع وقدر على القعود يصلى قاعداً لما ذكرنا من الخبر، قال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]، وأراد: الذين يصلون قياماً عند القدرة، وقعودا عند العجز، وعلى جنوبهم عند العجز عن القعود.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "سقط عن فرسه فجحش شقه فصلى بالناس قاعداً"، قال في "الأم": "وإنما آمره بالقعود إذا كانت المشقة عليه غير محتملة، أو كان لا يقدر على القيام بحال".

فَرْعٌ آخرُ كيف يقعد ههنا؟ فيه قولان.
قال في البويطي: "يجلس في موضع القيام متربعاً، وفي التشهد الأول مفترشاً، وفي التشهد الأخير متروكاً" كما حكاه ابن المنذر والساجي.
وبه قال مالك والثوري وأبو يوسف وأحمد واسحق والليث إلا أنهم لا يقولون بالتورك.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس رضي الله عنهم، ووجه ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي النفل متربعاً".
وروى المزني والقاضي أبو حامد عن الشافعي أنه يجلس كما يجلس في التشهد مفترشاً، لأنه قعود في أثناء الصلاة، فأشبه القعود للتشهد الأول، ولأن القعود [132 ب / 2] متربعا فعل الجبابرة والقعود مفترشاً جلوس تواضع، فهو أليق بالصلاة.
وهذا أصح.
وقد قال ابن مسعود: "لأن أجلس على رضفة أحب إلي من أن أصلي متربعاً".
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير المتربع".
وقال بعض أصحابنا: إلا أن تكون امرأة فالأستر لها التربع، وهذا غريب.
وهكذا الخلاف في القعود في النافلة.
وروى محمد عن أبي حنيفة: "يقعد كيف شاء".
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يجلس متربعا وكيف قعد، فإذا جاء وقت الركوع حنى ظهره، ثم سجد إن قدر على السجود، وإن لم يقدر فعل ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي جالساً، فقدر على القيام في مواضع قيامه يلزمه القيام، ثم ينظر، فإن قدر عليه قبل القراءة، قام وأتى بها قائماً، وان قدر بعد الفراغ منها قام ليأتي بالركوع عن قيام، قال: وأستحب له أن يعيد القراءة قائماً، وبهذا غلط.
قول بعض أصحابنا: أنه إذا كرر الفاتحة بطلت صلاته.
وحكي عن ابن الوكيل وأبي الوليد النيسابوري صاحب ابن شريج، قالا: "تبطل الصلاة، لأنها وكن كالركوع"، وهذا غلط بخلاف النص.
والفرق أن الركوع إذا كرره يأتي بالثاني في غير موضعه، وههنا يأتي بالفاتحة ثانياً في موضع القراءة أنه تطويل الركوع وأيضاً لا يقاس الذكر على الفعل، لأن ما ليس بركن في الصلاة من الأفعال مثل الجلوس للتشهد الأول لا يجوز تكراره، والقراءة التي ليست بواجبة يجوز تكرارها، ولا يبطل ذلك الصلاة، فكذلك الواجبة فيها.
وهكذا الحال لو تشهد مرتين عمداً، وإن قدر على القيام في أثناء قراءة الفاتحة قطع القراءة وقام ولا يقرأ حال

نهوضه إلى القيام، فإذا اعتدل قائماً [133 أ / 2] بنى على ما مضى.
وقال محمد: إذا قار على القيام بطلت صلاته ولا يبني على ما مضى، وهذا غلط، لأن زوال العذر إذا لم يورث عملاً طويلاً لا يبطل الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ لو قرأ باقي الآية بعد القدرة على القيام في حال نهوضه إلى القيام قبل انتصابه لم يعتد بها وليس هذا كمن قرأ بعض الفاتحة قائماً، ثم عجز عنه فجلس لا يقطع القراءة ويستديمها حين الانحطاط للجلوس، لأن فرضية القراءة قاعداً بعد العجز، وهذه حالة تزيد على حال القعود وهناك فرضة القراءة قائماً، وعند النهوض نقص عن القيام، فلم يجز.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "إذا كان قادرا أن يصلي قائما ويحفف الصلاة، ولو صلى مع الإمام احتاج أن يقعد في بعضها لطول صلاته صلى منفرداً، لأن القيام ركن من أركان الصلاة، فالإتيان به في جميع الصلاة أفضل من الجماعة، فإن صلى مع الإمام، فقام ما أمكنه وجلس في وقت العجز صحت صلاته".
فَرْعٌ آخرُ لو أطاق القيام فأبطأ حتى عاوده العجز، فإن كان قاعداً في موضع الجلوس يجوز، ولا إعادة عليه، وإن كان في موضع القيام بطلت صلاته، لأنه لما استدام ذلك صار كالمطيق إذا قعد في موضح القيام.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان لا يقدر على القيام إلا بمعين، وإذا قام لا يتأذى بوقوفه، فإنما يلزمه أن يستعين بغيره، فإن لم يجد إلا بأجرة تلزمه الأجرة.
فَرْعٌ آخرُ الكمين إذا صلوا قعوداً.
قال الشيخ أبو عاصم العبادي: "فيه قولان: أحدهما: لا يصخ لأنهم آمنون لا خوف عليهم.
والثاني: يصح، لأنهم تركوا القيام لغرض صحيح، وهو التوصل إلى قهر العدو:.
فَرْعٌ آخرُ لو كان به رمد عين، فقيل له: إن صليت متلقياً قرب البرء، وإن صليت قائماً بالركوع والسجود أبطأ [133 ب / 2] لا نص فيه للشافعي.
وحكي عن أبي حنيفة والثوري أنه يجوز ذلك.
وقال مالك والأوزاعي: "لا يجوز ذلك" قال الشيخ أبو حامد: وهذا أشبه

بمذهبنا، وهو الأصح ووجهه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "أنه لما كف بصره ووقع في عينه الماء حمل إليه عبد الملك بن مروان الأطباء على البرد، فقيل له: إن صبرت سبعة أيام تصلي مستلقياً داويتك ورجوت أن تبرأ عينك، فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة يسألهم عن ذلك فكل قال: إن جاءك الأجل في السبعة الأيام، فما تصنع بصلاتك؟ فترك معالجة عينه".
وروي أن عياش كره ذلك، وقال: بلغني "أن من ترك الصلاة، وهو يستطيع أن يصلي لقي الله، وهو عليه غضبان".
وقال القاضي الطبري: "عندي أنا إذا قلنا: يجوز ترك الماء، والاقتصار على التيمم لخوف إبطاء البرء والزيادة في العلة جاز ههنا ترك القيام"، وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ من لم يستطع أن يصلي جالساً جاز له ترك الجلوس وكيف يتوجه إلى القبلة) المذهب أنه يصلي على شقه الأيمن متوجهاً إلى القبلة معترضاً كما يوضع الميت في اللحد، نص عليه في "البويطي".
وقال فيه: وان لم يستطع استلقى على ظهره ورجلاه إلى القبلة.
وبه قال أحمد، وقال صاحب "الإفصاح": "يكون على جنبه الأيمن ورجلاه إلى القبلة حتى إذا أومأ يكون إيماؤه إلى ناحية القبلة"، والأول ظاهر كلام الشافعي.
وهذا الثاني لا يصح، لأن التوجه إلى القبلة إنما يعتبر في غير حال الركوع والسجود، لأن الصحيح إذا ركع كان في وجهه إلى الأرض وسجوده إليها، وههنا يكون وجهه إلى غير القبلة على ما ذكرنا قبل الإيماء.
وقال أبو حنيفة: "صلي على ظهره [134 أ / 2] مستلقياً ورجلاه في القبلة بحيث إذا رفع وسادته قليلاً، كان وجهه نحو القبلة"، وهو قول بعض أصحابنا بخراسان: ولا يصح، لأن المستلقي يستقبل السماء ولا يستقبل القبلة، ولأن في خبر عمران بن الحصين رضي الله عنه، "فإن لم تستطع فعلى جنب".
وروى علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع فجالساً، فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه"، وعلى أي صفة صلى، فإذا جاء وقت الركوع والسجود، فإن قدر عليهما، وإلا أومأ بعينيه وحاجبيه، إذا لم يقدر أن يومئ برأسه ويكون السجود أخفض من الركوع.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلى على جنبه الأيسر، قال أبو حامد: لو قلنا: تجزئه صلاته لم يبعد، فإن الاعتبار باستقبال مقدمه.

فَرْعٌ آخرُ لو قدر على الجلوس في أثنا، صلاته يجلس ويبني على صلاته.
وقال محمد: يستأنف.
وقال أبو حنيفة: إذا قدر المومئ على القيام والقعود تبطل صلاته، ووافقنا في القاعد إذا قدر على القيام أنه يبني.
فَرْعٌ آخرُ لو تمكن من السجدة الأولى ولم يتمكن من الثانية أومأ في الثانية، ولو أومأ بالأولى وقدر على الثانية سجد الثانية، ولا يعيد الأولى.
فَرْعٌ آخرُ لو عجز عن الإشارة وعجز لسانه عن القراءة أيضاً، فعندنا يصلي بقلبه ويعرض القرآن على قلبه، وكذلك جميع أفعال الصلاة وتجزئه.
وقال أبو حنيفة: "تسقط الصلاة عنه".
وحكي عنه كذلك: "إذا لم يقدر أن يومئ برأسه، وقدر أن يومئ بطرفه وحاجبيه"، وهذا غلط لخبر علي رضي الله عنه.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي جالساً فقدر على القيام في حال ركوعه يقوم ثم يسجد ولا يعود إلى الركوع، لأنه يؤدي إلى ركوعين في ركعة.
فَرْعٌ آخرُ هل يجوز التنفل منه مضطجعاً مع القدرة على القيام [134 ب / 2] والقعود؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز، لأن كل حالة يصح أداء الفريضة عليها يجوز أداء الفعل عليها، وان كان قادراً، وهكذا الوجهان في المومئ.
ذكره مشايخ خراسان.
وذكر في "الحاوي": قطعاً: أنه يجوز.
مسألة: قال: "وأحب إذا قرأ آية رحمةٍ إن يسأل أو آية عذاب أن يستعيذ، بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك في صلاته".
وهذا كما قال: أراد بالخبر ما روي عن حذيفة رضي الله عنه، قال: "صليت خلف رسول الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك في صلاته".
فما مر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا آية عذاب إلا استعاذ بالله، ولا آية تنزيه إلا سبح، ولا ضرب مثل إلا فكر".
وجملته أن المستحب عندنا إذا قرأ في الصلاة آية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، وإذا قرأ آية عذاب أن يستعيذ به من النار.

وقول الشافعي: "والناس"، أراد به أن المأمومين يسألون الله تعالى مثل ما يسأل الإمام ويستعيذون مثل ما يستعيذ الإمام.
وقال أبو حنيفة: "يكره ذلك في الفرض، ولا يكره في النفل، لأنه ليس بموضع الدعاء"، وهذا غلط، لأن الذكر إذا استحب في النافلة استحب في الفريضة كسائر الأذكار.
إذا قرأ آية سورة القيامة يستحب أن يقول: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر سورة الملك يقول الله تعالى، وفي آخر سورة المرسلات: آمنت بالله، أو يقول: لا إله إلا الله، والكل سنة في حق المأموم أيضاً، وقد ورد به الخبر.
مسألة: قال: "وإن صلت إلى جنبه امرأة صلاة هو فيها لم تفسد عليه".
وهذا كما قال: إذا صلى النساء مع الرجال، فالسنة أن يتقدم الرجال ويتأخر النساء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [135 أ / 2] "أخروهن من حيث أخرهن الله".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، فإن تقدمت المرأة وصلت إلى جنب الرجل أو بين يديه، أو إلى جنب الإمام فقد أسا، ت وخالفت السنة.
وكذلك الرجال حين وقفوا معها، ولا تبطل صلاة واحدٍ منهم بذلك.
وقال أبو حنيفة: "إذا وقفت بجنب الإمام مقتدية، ونوى إمامتها بطلت صلاتها وصلاة سائر المأمومين، وان وقفت بين يدي رجلين بطلت صلاتهما، ولا تبطل صلاة غيرهما، وهذا غلط، لأنه لا تبطل بهذا صلاة الجنازة، فكذلك غيرها".
فرع إذا صلت المرأة خلف الرجل صحت صلاتها معه.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "لا تصح ائتمامها به إلا أن ينوي الإمام إئتمامها به، لأن من أملهم أن صلاة الإمام تبطل بصلاتها، وهو إذا وقفت إلى جنبه، وكل من تبطل صلاته بصلاته، يحتاج أن ينوي صلاته كالمأموم ينوي صلاة الإمام".
وهذا لا يصح لأن كل من صح ائتمامه به إذا نواه صح وإن لم ينوه كالرجل، ثم الإمام إنما ينوي صلاته المأموم لأنه يحتاج أن يقتدي به، والإمام لا يقتدي بغيره، فكيف يلزمه أن ينوي صلاته؟ فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ولا يدع رجلاً أو امرأةً أو دابةً أو شيئاً يمر بين يديه، فإن مر من ذلك شيء لم تفسد صلاته".

وقال أصحابنا: لو نصب بين يديه شيئاً فمر به مار وراء ما يصلي إليه لم يضره وإن مر من بين يديه دفعه ومنعه من المرور بين يديه، وله أن يضربه، وإن أدى إليه قتله، ولو لم ينصب شيئاً، فالحكم هكذا سواء كان في مسجد، أو منزل أو صحراء، وإنما لا يجوز ذلك في موضع سجوده، [135 ب / 2] وفيما عداه يجوز.
والأصل في هذا ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
وروي: "إذا مر المار بين يدي أحدكم فليدفعه، فإن أبى فليدفعه فإن أبى فلمقاتله".
والدرء: المدافعة.
وقوله: "فإنما هو شيطان"، أواد أن الشيطان يحمله على ذلك، أو أنه من فعل الشيطان وتسويله له.
وروى ابن عمر رضي الله عنه: "فليقاتله، فإن معه القرين"، يريد الشيطان.
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: "إن لم يكن المصلي يصلي إلى سترة وأراد المار أن يمر، فليس له درؤه، ولا دفعه".
بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت وسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شي، يستره من الناس، فإن أراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع من عجزه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان"، فشرط أن يصلي إلى ستره، وهذا غريب.
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما فيه لوقف أربعين "، منهم من قال: أراد أربعين سنة، ومنهم من قال: أربعين يوماً، وقيل: أربعين ساعة.
وقال ابن عمر وأنس والحسن رضي الله عنهم: "يقطع صلاة الرجل الحمار والكلب الأسود والمرأة".
وقال ابن عباس وعطا، رضي الله عنهم: يقطع الصلاة: "الكلب الأسود والمرأة الحائض".
وقال أحمد واسحق: "لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود".
وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وقال أحمد: "وفي قلبي من المرأة والحمار شيء"، وعندنا لا يقطع الصلاة شيء من هذا.
وبه قال علي وعثمان رضي الله عنهما [136 أ / 2] وابن المسيب

والشعبي وعروة بن الزبير ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، واحتجوا بما روى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي قير، قال: "تقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرجل: الحمار والكلب الأسود والمرأة"، فقلت: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تسألني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وفي رواية ابن عباس رضي الله عنه، قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض".
وقيد آخر الرحل أي قدرها في الطول وقدر العلماء بهذا ذراعاً.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى جدار فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يداريها حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه.
والبهيمة ولد الشاة أول ما تولد.
وقوله: يداريها هو من الدرء مهموز، أي: يدافعها.
وقال أنس: بادر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمرة ليمنعها تمر بين يديه، وهو في الصلاة.
وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان".
وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة، وأنا حائض".
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي صلاته من الليل، وعائشة معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة".
وقالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها: "كان فراشي بحيال مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فربما وقعت يداه علي وهو يصلي وأنا على فراشي".
وروي عن أبي الصهباء، قال: تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس رضي الله عنه، فقال: جثت وأنا غلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -[136 ب / 2] يصلي، فنزل ونزلت فتركنا الحمار أمام الصف، فما بالى ذلك.
وقال الفضل بن عباس رضي الله عنه: "أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في بادية نصلي في صحراء ليست بين يديه سترة وحمارة لنا وكليبة يعبثان بين يديه، فما بالى ذلك".
وأما خبر أبي ذر، قلنا: يحتمل أنه أراد أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي

المصلي قطعته عن الذكر وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة، فذاك معنى قطعها الصلاة دون إبطالها من أصلها، ونقول: صار منسوخاً بخبرنا.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي والحمر تعترك بين يديه".
فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "للمصلي في صلاته يستتر بنحو من عظم الذراع طولاً بدليل ما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل ولا يبالي ما وراء ذلك".
وقال عطاء: مؤخرة الرحل، ذراع.
وقال فيه: "ويدنو المصلي من سترة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته".
وقال ابن المنذر: "كان مالك يصلي متبايناً عن السترة فمر به رجل لا يعرفه، فقال: أيها المصلي ادن من سترتك، قال: فجعل مالك يتقدم، ويقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: 113] ". فَرْعٌ آخرُ إذا صلى في الصحراء، فالمستحب أن ينصب على ما ذكرنا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه".
قال الشافعي: "ويبعد عنه قدر ثلاث أذرع ". وبه قال عطاء وأحمد: وان لم [137 أ / 2] يجد ما ينصبه بين يديه خط على الأرض خطاً، وصلى إليه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا كان مع أحدكم عصا فلينصبها، وليصل إليها"، فإن لم يكن، فليخط خطاً.
إلا أن يكون لي في ذلك حديث ثابت، فيتبع.
قال ابن المنذر: "كان الشافعي يأمر الخط إذ هو بالعراق، ثم قال بمصر ما حكاه البويطي"، وقال ابن المنذر: "قد صح الحديث فيه".
وذكر القاضي أبو حامد أنه يخط خطآ بين يديه وإن صلى في البيت أو في المجد، فلا يحتاج إلى نصب شيء بين يديه، لأن في محراب المسجد أو الحائط كغاية.
هكذا ذكر أصحابنا.
قال في "الحاوي": "يستحب أن يدنو من القبلة نحو ثلاث أذرع".
قال ابن عمر رضي الله عنه: سألت بلالاً ماذا منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل البيت؟ فقال: "صلى وبينه وبين القبلة ثلاث أذرع".

فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ولا يستتر بامرأة ولا دابة".
وقد روى ابن المنذر بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى إلى بعير".
وروى أبو داود في "سننه" عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أنه قال: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً".
والصمد: القصد يريد به لا يجعله تلقاء وجهه.
مسألة: قال: "وإذا قرأ السجدة سجد فيها".
وهذا كما قال: كتب في رواية عبدان بن محمد ههنا.

باب

عدد سجود القرآن وسجدة الشكر ولم يكتب في رواية غيره، وجملته أن سجود التلاوة منون غير واجبه نص عليه في "القديم" و"الجديد".
وقال في موضع من "القديم": هو سنة مؤكدة.
وقال في "اختلاف الحديث": [137 ب / 2] "أكره تركه ومن تركه ترك فضلاً لا فرضاً".
وبه قال عمر وابن عباس ومالك والأوزاعي وإسحق وأبو ثور وداود رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة: "هو واجب، وليس بفرض على القارئ والمستمع إلا أنه بالخيار وإن شاء سجد في الحال، وإن شاء أخر وسجد في آخر الحال".
واحتج بأن الله تعالى أوعدنا على تركه، فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21]، وهذا غلط لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: "عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾: فلم يسجد منا أحداً".
واحتج الشافعي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "سجد وترك"، وأراد به ما روي أن رجلاً قرأ بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد، فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجوده، ثم قرأها رجل آخر فلم يسجد، فلم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ذلك الرجل: سجدت يا رسول الله لقراءة فلان، ولم تسجد لقراءتي، فقال: "كنت إمامنا لو سجدت، لسجدت معك".
واحتج أيضا بقول عمر رضي الله عنه: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
وتمام الخبر ما روي أنه قرأ يوما على المنبر سورة السجدة، فنزل وسجد، وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية، فقرأها فتهيأ الناس للسجود".
وروي: فنشز الناس للسجود، فقال: "أيها الناس على رسلكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
وكان هذا بمحضر الجمع الكثير، ولم ينكر منكر.
وقوله:

نشز الناس، أي: استنفروا للسجود وتهيأوا له.
وأما الآية إنما ذمهم على ترك السجود، لأنهم لا يعتقدون فضله.
مسألة: قال: "وسجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة ﴿ص﴾، فإنها سجدة شكر".
وهذا كما قال، وبحملة هذا [138 أ / 2] أن سجود القرآن أربع عشرة سجدة نص عليه في "الجديد" في النصف الأول أربع في آخر الأعراف ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]، وفي الرعد ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15].
وفي النحل ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]، وفي بني إسرائيل ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء: 109]، وعشر في النصف الثاني في سورة مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: 58]، وسجدتان في الحج: أحدهما: عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] والثانية: عند قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77].
وسجدة في الفرقان عند قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان: 60]، وسجدة في النمل عند قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26]، وسجدة في آلم تنزيل عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15]، وسجدة في حم السجدة، عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]، وثلاث سجدات في المفصل: أحداها: في آخر النجم، ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]، والثانية: في إذا السماء انشقت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] والثالثة: في آخر: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
وقال في "القديم": "إحدى عشرة سجدة"، فلم يجعل في المفصل سجود، وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهل والحسن ومالك في الرواية المشهورة.
وقال أبو ثور: "ليس في النجم خاصة سجود".
وقال ابن سريج: "هي خمس عشرة سجدة"، فأضاف إليها سجدة ﴿ص﴾.
وبه قال اسحق وأحمد في رواية، وهو اختيار أبي اسحق.
وروي عن أحمد: أنها أربع عشرة نحو القول "الجديد".
وقال أبو حنيفة ومالك: هي أربع عشرة، ولكنها في سورة الحج واحدة عند قوله: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] وأثبت سجدة ﴿ص﴾، في قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ [ص: 24] وأناب، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "عزائم السجود أربع في ﴿الم (1) تَنزِيلُ﴾ [السجدة: 251]، وفي ﴿حم﴾ السجدة وفي ﴿اقْرَا﴾، وهذا كله غلط لما روي عن أبي رافع، قال: صلى أبو هريرة رضي الله عنه صلاة المغرب فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1]، وسجد، [138 ب / 2] فقلت: ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت فيها خلف

أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه".
وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في الحج سجدتان؟، فقال: "نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما".
وقال عبد الله بن ثعلبة: رأيت عمر رضي الله عنه سجد في سجدتين.
وروي مثل ذلك عن علي وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم.
وقال أبو إسحق: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين.
وهذا إجماع.
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو على المنبر سورة ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة نشز الناس للسجود، فقال: "إنما عي توبة نبي، ولكني رأيتكم نشزتم للسجود"، فنزل وسجد، فبين أنها توبة، وليست بسجدة.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "سجدها داود للتوبة ونحن نسجدها شكراً".
واحتجوا بما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: "أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشر سجدة في القرآن"، ولا يكون هذا إلا مع سجدة ﴿ص﴾ "، قلنا: نحن نقول: يسجد فيها، ولكن شكراً وليس في الخبر تفصيل.
واحتج من قال بالقول القديم بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في شيء من المفصل مذ تحق ل إلى المدينة"، قلنا: تركه لا يد ل على أنه ليس بسنة، ثم رواية أبي هريرة أولى، لأنها متأخرة، وهي مثبتة والمثبت أولى.

فرع قد ذكرنا أن موضع السجود في سورة ﴿حم﴾ السجدة عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38].
وقال ابن عباس ومعيد بن المسيب والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد، وقال أهل المدينة [139 أ / 2] والحسن ومالك موضعه عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37].
وروي هذا عن ابن عمر رضي الله عنه.
واحتجوا بأن الأمر بالسجود في هذه الآية، فكان الجود فيها، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه رأى رجلاً سجد هناك، فقال: هلا نزلت، إلى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]، ولأن تمام الكلام عند الآية الثانية، فكان السجود عقيبها كما قلنا في سورة النحل، فإن السجود عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50]، وذكر السجود ههنا أيضاً في الآية التي قبلها.
وقال ابن سريج: ما قلناه أصح لأنه إن كان موضع السجود فقد أتى به في موضعه، وان كان قبله فقد أخره عنه، فلا يضره وإذا قدمه لم يجز.
وقال بعض أصحابنا: مثلما قال أهل المدينة، وقال في سورة النحل: موضع السجود عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 49]، وقالوا أيضاً في سورة النمل عنه قوله: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: 74].
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: منصوص الشافعي رضي الله عنه في سجدة ﴿ص﴾ فقرأ الآية التي فيها السجدة، فإن كان في غير الصلاة، سجد شكراً لله تعالى على ما أنعم به داود السلام بأن غفر له، وان كان في الصلاةء لا يجوز أن يسجد فيها، فإن خالف وسجد نظر، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بأنها سجدة.
شكر لا تبطل صلاته، وإن كان عالماً بأنها سجدة شكر، هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: تبطل لأنها منجاة شكر كما لو بشر في الصلاة فسجد شكراً، وهو ظاهر المذهب.
والثاني: لا تبطل، لأنها سجدة تتعلق بالتلاوةء وهذا اختيار صاحب "الافصاح"، وبه أقول فعل هذا في الصلاة أربع سجدات: الراتبة، والسهو، والتلاوة، والشكر، فعلى هذا القول ليس له أن يجد فيها شكراً، وان كانت سجدة التلاوة آكد، وهو قول بعض أصحابنا.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: لو كان الإمام حنفياً فقرأ سورة ﴿ص﴾ وسجد فيها لا يتابعه، بل ينتظر.
قائماً [139 ب / 2] حتى يفرغ.
وهذا صحيح، لأنه لا تبطل صلاته لاعتقاده، وعندي في أحد الوجهين يجوز أن يتابعه فيها بنية سجود الشكر.
وقيل: إذا انتظره على ما ذكرنا، هل يسجد للسهو؟ وجهان:

جارٍ التحميل