البصير أولى بكل حال لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف البصراء في أكثر الأحوال ولم يستخلف الأعمى إلا مرة أو مرتين قلنا لأن البصراء بالمدينة هم أكثر من العميان لا لما قلتم وأما إمامة العبد تجوز ولا تكره إمامته قال: والاختيار أن يقدم الأحرار على المماليك لأن الإمامة هي فضيلة وكمال فالكامل بها أولى وحكي عن أبي حنيفة أنه تكره إمامته وبه قال أبو مجلز وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: لا يؤمهم في الجمعة والعيدين وقال الأوزاعي رحمه الله: أربعة لا يؤمون الناس فذكر العبد إلا أن يؤم أهله [338 ب/2] وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة" وقال عبد الله بن أبي مليكة: كنا عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأمرت مولى لها لم يعتق بعد فصلى بنا وروي أنه كان لعائشة رضي الله عنها غلاماً يكنى أبا عمرو وكان يؤم بني محمد بن أبي بكر وعروة ولم يكن عتق بعد وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن قوماً من المهاجرين نزلوا بحسن قباء وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمهم سالم مولى أبي حذيفة.
وإمامة الحر الضرير أولى من إمامة العبد البصير ثم ينظر فإن كنت إمامته بقدر صلاة الانفراد لا يلزم استئذان السيد وإن تطاول عن حد الانفراد كالجمعة يلزمه استئذانه لأن فيها تفويت خدمته.
فرع
إمامة الصبي الذي يفعل الصلاة للبالغين في الفريضة والنافلة جائزة ولا يكره والاختيار أن لا يؤهم إلا بالغ نص عليه وبه قال الحسن وإسحاق وقال عطاء والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي تكره إمامته وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا يؤم الغلام حتى [339 أ/2] يحتلم وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز أن يكون إماماً أصلاً وروي عنه أنه يجوز ذلك في النوافل دون الفرائض وقال الزهري إذا اضطروا إليه أمهم وكلام أحمد في هذا يحتمل وجهين وهذ غلط لما روى عن عمرو بن سلمة قال كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا إذا رجعوا مرو بنا فاجهرونا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال كذا وقال كذا وكنت غلاماً حافظاً فحفظت من ذلك قرأناً كثيراً فانطلق أي وافد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال يؤمكم أقرأكم وكنت أقرأهم فقدموني فكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين وقوله: كنا بحاضر الحاضر هم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه ومعنى الحاضر: المحضور ولأن من أجاز أن يكون لنا ما في النفل جاز أن يكون إماماً في الفرض كالبالغ وقالت عائشة رضي الله عنها: كنا نأخذ الصبيان من الكتاب فيصلوه بنا التراويح وكنا نعمل لهم القلية والخشكنانج.
فرع
قال الشافعي [339 ب/2] رحمه الله وأكره إمامه ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه لأن الإمامة موضع فضيلة وبه قال مجاهد وروي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله نهى رجلاً يصلي
بالناس عن الإمامة لأنه لا يعرف أبوه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يكره وبه قال الثوري وأحمد، وإسحاق ورواه ابن المنذر عن مالك رحمهم الله واختاره والصحيح عن مالك وأبي حنيفة مثل قولنا وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما عليه من وزر أبويه شيء فإن أم جاز لأنه يذكر من أهل الصلاة فأما الخصي والمحبوب فكالفحل سواء بلا إشكال.
مسالة: قال: وأكره إمامة من يلحن.
فصل
وهذا كما قال إذا لحن الإمام في القرآن فإن كان لا يخل بالمعنى فصلاته وصلاة من خلفه جائزة سواء كان في أم القرآن أو غيرها مثل أن يقول ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ بضم الألف ﴿وَإِيَّاكَ﴾ بفتح الألف ونستعين بخفض النون الأولى ونحو ذلك وتكره إمامته لأن الاختيار أن يكون الإمام فصيح اللسان حسن البيان مرتلاً للقرآن كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله" وإن كان يخل المعنى فإن كان في [340 أ/2] غير الفاتحة مثل أن يقول (إن الله برئ من المشركين ورسوله) بخفض اللام قوله: (أنعمت) عليهم بضم التاء فإن كان لا يحسن الصواب أو جرى بذلك لسانه من غير قصد لا يضره ولا يضرهم لأنه في غير الفاتحة التي هي الفريضة وحدها وإن كان تعمد بذلك فإن كان معتقداً لما قرأه فقد كفر ولا صلاة للكافر وإن لم يكن معتقداً فقد فسق به وبطلت صلاته لأنه تلاعب بصلاته فكان حكمه أغلظ من حكم من تكلم في الصلاة عامداً وأما صلاة المأمومين فإن علموا بحاله وتبعوه في صلاتهم بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل صلاتهم وإن كان ذلك في أم القرآن مثل أن يقرأ ولا الظالين بالظاء أو أنعمت عليهم على ما ذكرنا أو إياك نعبد بخفض الكاف فيكون خطاباً للمؤنث قال الشافعي رحمه الله: أجزأته دونهم وقال في استقبال القبلة: لا تجوز صلاته ولا صلاة من خلفه وليست المسألة على قولين وإنما على اختلاف حالين؛ فالأولى إذا كان لا يستقيم لسانه ولا يقدر على تعلم الصواب والثانية إذا كان يمكنه ذلك ففرط وأما صلاة من خلفه فمن كان مثله [340 ب/2] تجوز صلاته ومن كان يحسن ذلك من غير لحن فهو بمنزلة صلاة القارئ خلف الأمي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وأما قول الشافعي: أو لفظ بأعجمية معناه أن يقول الخمد بالخاء المعجمة والهمد بالهاء كما يقول الجبلي والديلم أو يتبدل حرفاً بحرف مثل أن يقول ما يقول بعض العجم إهدنا الصراط المستقين بالنون فهذا كله بمنزلة اللحن الذي يحيل المعنى وقد ذكرنا.
فرع
لو ترك التشديد في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ وخففها فإن تعمد وعرف معناه صار كافراً لأن الإيا ضوء الشمس فيصير كأنه يعبد ضوء الشمس وإن كان ناسياً أو جاهلاً يسجد للسهو بعد إعادته على الصحة.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا ولو لحن بغير المعنى مثل أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ونصب
الهاء هل يجزيه؟ وجهان بناء على أصل وهو أن الإعجاز في النظم وحده دون الإعراب أو في النظم والإعراب معا؟.
مسألة: قال وأكره إمامة من به تمتمة أو فأفأة.
الفصل
وهذا كما قال.
التمتام هو الذي يردد التاء ثم يأتي بها والفأفأة هو الذي يردد الفاء ثم يأتي بها فهذان تصح الصلاة خلفهما [أ 34 أ/2] لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال والزيادة مغلوب عليها ويكره تقديمهما لموضع الزيادة بالتردد وأما الأرت وهو الذي في لسانه رتة يدغم حرفاً في حرف ولا يبني الحروف وقال بعض أصحابنا هو الذي يبدل حرفاً بحرف مثل اللام تاء ونحو ذلك وهكذا قاله الفراء وقال أبو العباس المبرد: الأرت الذي به رتة وهو أن أول الكلام لا يطاوعه حتى إذا نطق به اتصل فحكمه حكم التمتام على هذا وقال في تفسيره عن الشافعي رحمه الله: من يكون في لسانه رخاوة كما يكون في لسان الصبيان فإن كان هكذا فإنه تجوز الصلاة خلفه إذا أتى بالتشديد في موضعه وإذا قلنا بما ذكره بعض أصحابنا أو ذكرنا أولاً لا تجوز صلاة القارئ خلفه وأما الألثغ فهو الذي يقلب الحرف عن موضعه حتى يتلفظ بالعين بدل الغين أو اللام في مخرج الكاف أو الكاف في مخرج التاء ونحو ذلك فهو بمنزلة الأمي الذي لا يحسن الفاتحة وقال القاضي أبو حامد رحمه الله الألثغ هو الذي يبدل حرفاً بحرف وقال المبرد اللثغة هو أن يعدل بحرف إلى حرف وقال الفراء: اللثغة [341 ب/2] هي بطرف اللسان وهي أن يجعل الراء على طرف لسانه لاماً ويجعل الفاء تاء وقال الأزهري: الأليغ بالياء وهو الذي لا يبني الكلام وقد ذكرنا حكمه.
فرع
لو كان ممن لا يصرح بالحرف فيتكلم بالحرف بين حرفين كالعربي الذي لا يجعل القاف كافاً بل يخرجها بين الحرفين لا كافاً ولا قافاً أو العجمي الذي لا يصفو له الضاد غير أنه لا يقول ظاء فيه فتكره الصلاة خلفه ويجوز وحكي عن الشيخ أبي العباس الأسفراييني عن الداركي عن أبي غانم تلقى أبي العباس قال: انتهى ابن سريج رحمه الله إلى هذه المسألة فقال: لا تجوز إمامة الألثغ وكان به لثغه يسيرة وفي مثلها فاحتشمت أن أقول له هل تصح إمامتك؟ فقلت أيها الشيخ هل تصح إمامتي؟ قال: نعم.
وإمامتي أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ
لو اختلف لحن الإمام والمأموم فأحال الإمام بلحنه معنى كلمة أصاب المأموم معناها وأحال معنى كلمة سواها ففي صلاة المأموم وجهان؛ أحدهما: يجوز لاشتراكهما في اللحن وإن اختلفا والثانى: لا يجوز وهو الأصح لأنه يفضل على الإمام فيما قصر عنه وإن اعتوره النقص من غيره وكذلك لو كان [342 أ/2] المأمون لا يحسن الفاتحة ويحسن سبع آيات لا يلحن فيها أو لا يحسن من القرآن شيئاً ولكنه يسبح ولا
يلحن فصلى خلف من يحيل بلحنه معنى الفاتحة فهو على هذين الوجهين وروى عبيد بن عمير أن رجلاً من السائب كان يصلي بالناس بمكة وكان أعجمي اللسان فأخره المسور بن مخرمة وقدم غيره فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فهم بالمسور فقال يا أمير المؤمنين أن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج فخشيت أن يسمع به بعض الحاج فيأخذ بعجمته فقال: أصبت.
فَرْعٌ آخرُ
لو اختلف لثغة رجلين لم يجز لأحدهما أن يأثم بالآخر في أصح الوجهين لأن كل واحد يعجز عن صاحبه في الحرف الذي أتى به فكان نقصاً.
فَرْعٌ آخرُ
الحبسة في اللسان تعذر الكلام عند إرادته والفف إدخال حرف والغمغمة أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحرف وأصل الغمغم موت المبارز في الحرب وحكم هؤلاء حكم الألثغ.
فَرْعٌ آخرُ
القراءات الشاذة ما عدا الحروف السبعة فإن لم يكن فيها زيادة حرف ولا تبديل معنى فقراءتها في الصلاة لا تبطلها وتحتسب لأن اللحن الذي لا يغير المعنى لا يمنع الاحتساب بالقراءة [342 ب/2] على ظاهر المذهب وإن كان فيها زيادة كلمة أو كان فيها تغيير المعنى فتلك القراءة تجري مجرى أثر عن الصحابة أو خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كان عمداً تبطل الصلاة وإن كان سهواً فإنه يسجد للسهو.
مسألة: ولا يأتم وجل بامرأة ولا بخنثى وهذا كما قال لا يجوز أن تكون المرأة إماماً للرجال وبهذا قال كافة العلماء وقال أبو ثور يجوز ذلك وحكي عنه وعن ابن جرير أنهما قالا: يجوز في صلاة التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها وتقف خلفه الرجال واحتجوا بما روي عن ورقة بنت نوفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها في بيتها فجعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها وهذا عام في الرجال والنساء وهذ غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - "أخروهن من حيث أخرهن الله" وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تؤمن امرأة رجلاً ولا إعرابي مهاجراً لا فاسق مؤمناً إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه" ولأن الإمامة هي موضع الكمال والمرأة ليست من أهل الكمال ولهذا لا تصلح للقضاء والإمامة الكبرى ولأن في إمامتها [343 أ/2] افتتاناً بها فلا يجوز وأما خبرهم قال الدارقطني: أمرها أن تؤم نساء أهل دارها.
وأما الخنثى فينظر فيه فإن بان أنثى فهو كالمرأة وإن بان رجلاً فهو كالرجل وقال في الحاوي: إذا زال إشكاله وبان أمره كرهنا له أن يأتم بامرأة ويجوز، وإن بان رجلاً كرهنا للرجال أن يأتموا به ولكن يجوز، وأما إذا كان مشكلاً لا يجوز أن يكون إماماً للرجال لئلا تكون امرأة ولا يجوز أن يكون إماماً للخنثى لئلا
تكون امرأة والمأموم رجلاً، ولا يجوز للخنثى أن تأتم بامرأة لئلا يكون رجلاً خلف امرأة.
ويجوز أن يكون إماماً للمرأة وأن يأتم بالرجال أيضاً.
فرع
قال في كتاب الإمامة ويصلي الرجل بالنساء من ذوات محارمه فإن كن أجنبيات ولا رجل معهن كره له أن يصلي بهن وإنما كان كذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية وقال: "لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما" وإن كان معهن رجال لم يكره بحال.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى خلف الخنثى ولم يعلم ثم علم لزمه إعادة الصلاة [343/ 2] فلو لم يعد الصلاة حين عرف حتى بان أنه رجل فالصحيح أنه يلزمه الإعادة أيضاً وفيه قول مخرج أنه لا يلزمه الإعادة من قول الشافعي رضي الله عنه ولو رأوا سواداً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه غير عدو يلزمهم الإعادة في أحد القولين ولو ائتم خنثى بامرأة ثم بان أن الخنثى امرأة لا تسقط عنه الإعادة قولاً واحداً لأن إحرامه انعقد فاسداً ولو فرغ من صلاته ثم بان أن الإمام امرأة ففيه وجه مخرج أنه لا إعادة ذكره في الحاوي.
مسألة: قال: وأكره إمامة الفاسق والمظهر للباع وهذا كما قال تكره إمامة الفاسق وأراد كراهة التنزيه وهو المسلم إذا شرب الخمر أو زنى أو سرق أو ارتكب غيره من المعاصي فإن صلى بهم صحت صلاتهم والكراهة للنهي الذي ذكرنا في الخبر وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "انتقدوا أئمتكم انتقاد الدرهم والدنانير" وقال مالك رحمه الله: الفاسق بغير تأويل لا يجوز الصلاة خلفه وفي المتأول روايتان والمشهور عنه أنه قال: إذا صلى خلف الفاسق بتأويل يعيد في الوقت وهذا يدل على أنه [344 أ/2] لا تجب الإعادة وقال أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق أصلاً وروي أنه قيل لأحمد: أتصلي خلف من يشرب النبيذ؟ فقال: أنا أروي عنه الحديث أفلا أصلي خلفه؟ وهذا إذا غسل فاه عند الصلاة وثيابه نظيفة وكان صاحياً والدليل على ما ذكرنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلو خلف من قال: لا إله إلا الله وعلى كل من قال: لا إله إلا الله" وصلى ابن عمر رضي الله عنهما خلف الحجاج وكان من أفسق الناس، وروي أنه قيل لابن عمر رضي الله عنهما: أتصلي خلف الحجاج؟! فقال: إذا دعونا إلى الله تعالى أجبناهم وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.
وقال معاذ قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبن أحداً من أصحابي" وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ثلاث من السنة الجهاد في سبيل الله مع كل بر أو فاجر والصلاة خلف كل إمام بر أو فاجر والصلاة على من صلى إلى القبلة بر أو فاجر" وقال الشافعي وإن أم من بلغ غاية في خلاف الحمد والدين أجزأه
وخلاف الحمد هو الذم ولكنه [344 ب/2] تطرف في العبادة فعبر عن الفسق المذموم بخلاف الحمد وأراد به من بلغ الغاية في ارتكاب المعاصي ولم يرد الغاية في البدعة هي الكفر، وأما المظهر للبدع في الدين بالطعن على السلف الصالح فإنه تكره الصلاة خلفه فإن صلى صحت صلاته لأن ذلك لا يخرجه عن الإسلام وقال صاحب الإفصاح: أراد الشافعي رحمه الله: إذا لم يخرج عن الإسلام ببدعته ولم يكفر السلف ولم ينقصهم ولم يعتقد حدوث كلام الله تعالى ولا نفي شيء من صفاته، وإنما خالف في الأرجاء والوعيد ونحو ذلك من البدع التي لا تخرجه من الملة فتكره الصلاة خلفه، ولكن تجوز فأما إذا اعتقد شيئاً مما ذكرنا لا تجوز الصلاة خلفه.
ومن أصحابنا من قال: البدعة على ثلاثة أضرب ضرب لا يفسق به كالمخالف في الفروع من الفقهاء فلا تكره الصلاة خلف معتقده إلا أن يكون منهم من يذهب إلى ترك الأركان فتكره الصلاة خلفه لئلا يترك ركناً ويجوز لأن الظاهر منه أنه يأتي به إذ هو يستحب عنده قلت: وربما يعتقد أنه لا يستحب كالتسمية في الركعة الثانية ولكنه يأتي به للخروج [345 أ/2] من الخلاف، وضرب يفسق به كمن سب الصحابة من الروافض والخوارج، فتصح الصلاة خلفه ولكنه يكره، وضرب يكفر به كالقول بخلق القرآن والاعتقاد بأن علياً رضي الله عنه كان إلهاً أو كان نبياً كما قالت غلاة الرافضة فلا تجوز الصلاة خلفه.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يؤتم ببدعي ولعله أراد من يحكم بكفره وقال القفال: تجوز الصلاة خلف الخوارج والروافض ولكن يكره لأن مذهب الفقهاء أن لا يكفر أهل الأهواء بالتأويل وقيل لجعفر بن محمد رضي الله عنه: أكان الحسن، والحسين إذا صليا خلف مروان بن الحكم يعيدان الصلاة؟ فقال: لا ما كان يزيدان على الصلاة معه غير النوافل.
مسألة: قال وإن أمي أي بمن يقرأ أعاد القارئ وهذا كما قال إذا ًصلى القارئ وهو الذي يحسن أم القرآن خلف الأمي الذي لا يحسن أم القرآن ففيه قولان؛ أحدهما قاله في الجديد: أنه لا تجوز صلاة القارئ وقال في القديم: إن كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة لا يجوز لأن الإمام يتحمل القرآن في هذه الصلاة والأمي ليس هو من أهل التحمل وإن كانت الصلاة مما يسن فيها [345 ب/2] بالقراءة يجوز لأنه يقرأ لنفسه وبه قال الثوري وخرج أبو إسحاق رحمه الله قولاً ثالثاً فقال على هذا نحى في قوله الجديد أن يصح صلاة القارئ خلف الأمي بكل حال لأنه يلزمه أن يقرأ لنفسه في الصلاتين وبه قال المزني وأبو ثور واختاره ابن المنذر وروي ذلك عن عطاء، وقتادة ووجهه أن القراءة هي ركن من أركان الصلاة فجاز أن يكون العاجز عنه إماماً للقادر كالقائم يصلي خلف القاعد وقال القاضي الطبري هذا التخريج باطل لأن الشافعي رحمه الله رجع في الجديد كما قاله في القديم من تحمل الإمام قراءة المأموم وألزم المأموم القراءة في الصلاتين ومع هذا فقد منع جواز صلاة القارئ خلف الأمي وفي القديم اعتبر بطلان صلاته بتحمل القراءة عن المأموم فلم يجز أن يخرج على قوله الجديد طريقة رجع عن القول بها ولو جاز هذا لجاز أن يقال قوله القديم قول الشافعي في
الجديد مع رجوعه عنه واختياره لطريقة مخالفة له فلما لم يجز هذا فكذلك هذا التخريج وقال القفال اختلف أصحابنا في نصين للشافعي خالف الآخر الأول هل يجعل للآخر [346 أ/2] رجوعاً عن الأول أم لا فإن قلنا أنه يكون رجوعاً فلا يأتي في الجديد إلا قول واحد لا يجوز بحال وإن قلنا لا يجوز رجوعاً فعلى هذا يخرج ما قاله أبو إسحاق قال: وإنما لا يجعل رجوعاً لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين والصحيح القول الأول وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأحمد، والثوري في الرواية الصحيحة أن الإمام من يقدر على التحمل إذا أدركه راكعاً فالعاجز لا ينتصب له كالإمام الأعظم إذا عجز عن عمل أعيا الأمة لا يكون إماماً.
فرع
إذا صلى القارئ خلف الأمي صحت صلاة الإمام وإن لم تصح صلاة القارئ خلفه وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد رحمهم الله وكذلك يجوز للأمي أن يصلي خلف الأمي مع المقدرة على الاقتداء بالقارئ ولكل واحد منهما أن يصلي منفرداً، وكذلك يجوز للأخرس أن يصلي خلف الأخرس مع القدرة على الصلاة خلف الناطق ويصلي منفرداً أيضاً مع القدرة على الاقتداء بالناطق، وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة الأمي أيضاً قال أبو حازم: من جملة أصحابه إنما أفسد أبو حنيفة صلاة الأخرس لأنه يمكنه [346 ب/2] أن يقتدي بالقارئ فيؤدي صلاة بقراءة وهذا يدل على أنه لا يصلي وحده وقال الكرخي: إنما أفسد صلاته لأنه لما أحرم معه صح إحرامه معه ثم لزم تحمل القراءة عنه فعجز فبطلت صلاته، وهذا غلط لأنه أم من لا يجوز له أن يؤمه فلا تبطل صلاته، كالمرأة تؤم الرجل وأما ما ذكر أبو حاتم فغلط فإنه يوجب الجماعة على الأمي وقد روينا أن رجلاً قال يا رسول الله إني لا أستطيع شيئاً من القرآن فقال: "قل سبحان الله" والحمد لله الخبر ولم يأمره بالائتمام بالقارئ وأما ما ذكره الكرخي لا يصح لأن هذا الأمي بإحرامه لا تجب عليه القراءة لنفسه فكيف يجب عليه أن يتحمل عن غيره.
فَرْعٌ آخرُ
الأمي في اللغة: هو الباقي على أميته يعني عى خلقته الأولى لم يعلم شيئاً وفي الشرع: من لا يحسن أم القرآن فإذا ائتم من لا يحسن أم القرآن ويحسن غيرها فصلاة من يحسن أم القرآن خلفه باطلة وإن كان الإمام لا يحسن أم القرآن يحسن سبع آيات أو ثمان آيات والمأموم لا يحسن أم القرآن أيضاً إلا أنه يحس من سائر القرآن أكثر صحت صلاته خلفه لأنهما أميان والمستحب [347 أ/2] تقدم من يحفظ الأكثر.
فرع
لو كان لا يحسن شيئاً من القرآن فصلى بمن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة فهو كصلاة القارئ خلف الأمي لأن سبع آيات تقوم مقام الفاتحة.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان أحدها يحسن النصف الأول من الفاتحة والأخر يحفظ النصف الأخير لا يصح اقتداء أحدهما بالأخر وهذا مما يسأل للتعنف فيقال: أيهما أولى بالإمامة؟ ومثل هذا يسأل فقال: جماعة من الخنائى إمامهم أين يقف؟ وهذا السؤال محال لأنه لا يصح اقتداء بعضهم ببعض.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى رجل خلف من لا يعرفه قارئاً فإن كانت الصلاة يسر فيها بالقراءة أحببنا له الإعادة لئلا يكون أمياً ولا يجب عليه لأن الظاهر أن لا يتقدم بالناس إلا قارئ وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة ولكنه ما جهر بها قال في الأم عليه الإعادة لأنه لو كان يحسن القراءة لجهر بها اللهم إلا أن يسأله فيقول: تركت الجهر ناسياً فلا يلزم الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو أم رجل قوماً يقرأون القرآن ولا يدرون أيحسن أن يقرأ أم لا؟ فإذا هو لا يحسن أم القرآن أو تكلم بسجع في القرآن لم تجزهم صلاتهم وابتداء الصلاة وعليهم إذا سمع [347 ب/2] ما ليس من القرآن أن يخرجوا من الصلاة خلفه وسجاعته كالدلائل الظاهرة على أنه لا يحسن يقرأ وأراد بالسجع ما حكي عن الأصمعي قال: اجتزت ببعض أحياء العرب فحضرت الصلاة فقام رجل يؤم القوم فقرأ: والسماء ذات البروج والحيل السروج والأرض ذات المروج والبحر عليها يموج.
ثم ذكر وقام إلى الثانية فقرأ:
والليل إذا يغشى وجاء الذئب يسعى وأكل الشاة الوسطى وترك الشاة العرجا وسوف يأخدها مرة أخرى.
وكبر وسلم فقلت له: إن هذا ليس بقرآن قالها القرآن قال: فلقنته الفاتحة والمعوذتين قال أما إنه لأحسن مما كنت أقول وقرأ بعض العرب:
قل هو الله أحد قاعد على الرصد مثل الأسد لا يفوته أحد.
فإذا علم أنه أمي أو سمع ما ذكرناه وكان قد أحرم خلفه قال الشافعي رحمه الله أحب أن يعيدوا الإحرام فإن بنوا عليه وأتموا لأنفسهم أجزأتهم واحتج المزني رحمه الله على صحة قوله بأربعة أشياء؛ أحدها: قال قد أجاز صلاة من ائتم بجنب وهو ليس في صلاة فأولى أن تجوز الصلاة خلف العاصي بترك الغسل دون المطيع والثاني [348 أ/2] قال الشافعي: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعداً بقيام وفقد القيام هو أشد من فقد القراءة لأن القراءة تسقط إذا أدرك الإمام راكعاً دون القيام والثالث: قال أجاز الشافعي رحمة الله عليه في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام إذا نسي سجدة من الأولى وقد بطلت هذه الثانية على الإمام والرابع قال ولا يكون هذا أكثر ممن ترك أم
القرآن عمداً وتجوز صلاة المأموم خلفه والجواب عن الكل هو يرجع إلى نكتة واحدة وهي أن في هذه المواضع لم يكن أنقص في ذات الإمام يمنع اقتداء كامل بالذات به وفي الأمي وجد نقص في ذاته فمنع اقتداء القارئ الذي هو كامل الذات به كما لا يجوز اقتداء الرجل بالمرأة ولهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالصلاة وهو جنب ثم تذكر فخرج فاغتسل وصلى وروي أنه لما مرض صلى قاعداً ولا يقال هو نقص فيه أو نقول الحدث والطهارة متعاقبان وليست لهما علامة يعرف.
الرجل بها والأمي يمكن الوقوف على حاله ولأن خلف الجنب لا تجوز الصلاة مع العلم وهو يجوز خلف الأمي [348 ب/2] مع العلم فلا يصح الاعتبار وقوله: فقد القيام أشد ليس كذلك بل فقد القراءة أشد لأن المتنفل يترك القيام مع القدرة دون القراءة وأما إذا أدرك الإمام لا يأتي بقيام القراءة بل يأتي بقيام التكبير فكما سقطت للقراءة فكذلك للقيام وأما الأخير قلنا ليست لتركه القراءة عامداً علامة يعرف بها بخلاف الأمي.
مسألة: وإن ائتم بكافر ثم علم أعاد ولم يكن هذا منه وهذا كما قال إذا صلى الكافر قبل أن أن يظهر الشهادتين لم يكن ذلك إسلاماً منه وعذر على ذلك ولا يكون ذلك أيضاً دلالة على إسلامه وسواء كان إماماً أو مأموماً وسواء صلى في بيته أو في المسجل وإنما يعزر لأنه أفسد على المسلمين صلاتهم واستهزأ بدينهم وحكي عن الأوزاعي أنه قال: يعاقب وينبغي أن يريد به التعزير وقال أبو حنيفة: إذا اقتدى بمسلم في مسجد وحكم بإسلامه حتى لو قال: ما أسلمت حكم بردته ويقتل وإن كان إماماً أو منفرداً في مسجد فيه روايتان وإن صلى في غير المسجد لم يكن إسلاماً وعند محمد إذا صلى في المسجد على أية حالة كانت كان إسلاماً وقال أحمد: يحكم بإسلامه بالصلاة بكل [349 أ/2] حال وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو حج وطاف كان إسلاماً منه وهذا غلط لأن صلاته تحتمل وجوه فلا تدل على الإسلام.
فرع
هذا الذي ذكرنا هو إذا لم نسمع منه كلمة الشهادتين في التشهد فإن سمع منه ذلك قال ابن أبي هريرة: فيه وجهان أحدهما: أنه يحكم بإسلامه وهو الصحيح وهو اختيار القفال لأن الشهادتين قد وجدتا منه ابتداء فكان إسلاماً كما لو دعي إلى الإيمان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله والثاني أنه لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بها قاصداً إظهار الإسلام لجاز أن يكون ذلك منه على طريق الحكاية والاستهزاء كما روي أن أبا محذورة وأصحابه إذنوا في طريق حنين على طريق الحكاية والاستهزاء لمؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجعل ذلك إسلاماً منهم وعلى هذا إذا أتى بالشهادتين في غير الصلاة من غير دعاء إلى الإيمان أو أذن هل يحكم بإسلامه فيه وجهان.
فرع
لو قال مع الشهادتين وأنا برئ من كل دين خالف الإسلام حكم بإسلامه على أي
وجه كان وإنما يعتبر ذلك هذا عند الدعاء إلى الإيمان في العيسوية من اليهود الذين يقولون: إن محمداً [349 ب/2] رسول الله أتى العرب دون بني إسرائيل.
فرع
قال الشافعي رحمه الله في المرتد في الكبير إذا قامت البينة على الرجل بالردة غنم ماله إذا مات فإنه قال ورثته: أنه رجع إلى الإسلام وأقاموا البينة أنهم رأوه بعد الشهادة عليه بالردة يصلي صلاة المسلمين يعني في دار الحرب قبلت ذلك منهم وإن كان هذا في بلاد المسلمين لا يحكم بإسلامه بها قال القافي أبو الطيب: وعندي أن الكافر إذا صلى في دار الحرب مثل المرتد وهذا لأنها دلالة على الإسلام فإذا وجدت في دار الإسلام جاز أن يكون هذا رياء وتقرباً إلى المسلمين فلا يحكم بها بالإسلام كصوم شهر رمضان فإذا وجدت في دار الحرب لا يحتمل إلا الإسلام وهذا غريب لم يذكره أهل خراسان وقد ذكرنا من قبل أنه إذا صلى خلف الكافر ثم... فإنه يلزمه الإعادة بخلاف ما لو صلى خلف الجنب ثم علم والفرق ما أشار إليه الشافعي قال الكافر لا يكون إماماً بحال والمؤمن يكون إماماً في الأحوال الظاهرة ويقرأ هذه اللفظة بالطاء والظاء ومعناهما متقارب إلا أن الأحوال لا توصف [350 أ/2] بالطهارة ويصح أن توصف بالظهور من قرأها بالظاء قال الخلل وقع من المزني رحمه الله لأن الشافعي رحمه الله عبر بخلافه في الكبير فقال لأن الكافر لا يكون إماماً بحال والمؤمن يكون إماماً إلا أنه ليس له أن يصلي إلا طاهراً وأراد أن الطهارة والحدث حالتان متعاقبتان على المؤمن فلا يمكن المقتدي الاحتراز من حدث الإمام كما يمكنه في الغالب الاحتراز من كفره إذا الكفر والإسلام ليسا متعاقبين في الغالب وكذلك الذكور والأنوثة وبهذا نجيب المزني رحمه الله كما ذكره هنا وهو قوله كل فصل لنفسه.
مسألة: قال ومن أحرم في مسجد أو غيره ثم جاء الإمام فتقدم لجماعة.
فصل
وهذا كما قال وجملته أن في نفل الصلاة إلى الصلاة ثلاث مسائل؛ إحداها: أن ينقل من جماعة إلى جماعة مثل إن أحدث الإمام فاستخلف غيره أو أحرم بهم وهو جنب فذكره انصرف واغتسل وعاد فابتدأ بهم الصلاة صح ذلك كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد انعقد في هذه المسألة الثانية جماعة بغير الإمام ثم صارت جماعة بإمام فيجوز والثانية [350 ب/2] نقل الجماعة إلى الانفراد ينظر فإن سلم إمامه قبل الفراغ المأموم مثل أن أدرك معه بعض الصلاة أتمها المأموم منفرداً وإن أخرج نفسه من صلاة إمامه قبل فراغ الإمام منها نظر فإن كان لعذر أتمها لنفسه لما ورد في صلاة الخوف وإن كان لغير عذر ففيه طرق قال الإصطخري لا تبطل قولاً واحداً وقال غيره من أصحابنا فيه قولان والصحيح أنه لا يبطل ويكره لما روي أن رجلاً خرج من صلاة معاذ حين أطالها فلم يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة ولأن الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النفل قائماً ثم قعد وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بعذر فقولان، وإن
كان بغير عذر فتبطل قولاً واحداً.
وهذا ضعيف وقال بعض أصحابنا بالعراق من المتأخرين: فيه قولان: سواء كان بعذر أو غير عذر وهذا هو أضعف من الذي تقدمه وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: تبطل صلاته سواء كان بعذر أو غير عذر واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا يختلفوا عليه قلنا: [351 أ/2] أراد ما دام متابعاً له والثالثة: أن ينقلها من الانفراد إلى الجماعة ينظر فإن أحرم وحده ثم جاء قوم فصلوا خلفه فنوى هو إمامتهم صارت جماعة ويجوز بلا خلاف وإن جاء هو والإمام معاً لصلاة الجماعة فلما وقفا للدخول فيها أحرم قبل إمامه فنوى إتباعه في الصلاة لا يجوز قولاً واحداً ولو أحرم وحده بصلاة فجاء إمام ومعه قوم فأحرموا بتلك الصلاة فالمستحب أن يتجوز في إكمال الركعتين ويسلم ويتبع الإمام فيصلي معه الجماعة وإن لم يفعل كذلك ولكنه نقلها إلى صلاة الإمام قال في الأم والقديم ونقله المزني: يكره ويصح وقال في الإملاء: تبطل صلاته واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال قول واحد أنه لا يجوز لأنه قال في الإملاء: لا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه ثم يأتم بغيره وهذا منسوخ أراد به ما قال في الكبير هو منسوخ بفعل معاذ وذلك أن في ابتداء الإسلام كان إذا دخل المسبوق يسأل بعض القوم كم مضى من الصلاة فيشير إليه بأصبعين أو ثلاثة فيصلى هو ذلك القدر ثم يتم صلاته مع الإمام فدخل معاذ رضي الله عنه فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -[351 ب/2] ما أدراك فلما سلم قضى ما فاته فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأخبره كيف فعل فقال: "إن معاذاً سن لكم سنة فاتبعوه" وروي: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها تمشون ولا تأتوها تسعون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ونقل المزني رحمه الله: وكرهت ذلك وأراد كراهة التحريم كما قال تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء:38] أي محرماً والذي قاله في القديم قال قائل: يدخل مع الإمام ويعيد بما مضى أراد به مالكاً رحمه الله ثم رده عليه وقال: من قال بهذا أجاز الصلاة بإمامين ونحن لا نجيز ذلك أراد به إبطال الاستخلاف في قوله القديم لا يجوز هذا والفرق أنه التزم أحكام المنفردين بالانفراد فليس له إسقاطها بالاقتداء بخلاف الصلاة خلف إمامين فإنه لا يؤدي إلى هذا وهذا جواب المزني عما اختار من جواز نفل صلاة الانفراد إلى الجماعة قال هذا القائل ولا يجوز الاحتجاج بما روي أنه أحرم وهو جنب فتذكر فخرج ثم عاد بعد الغسل فأحرم لأنهم افتتحوا على قصد [352 أ/2] الجماعة بخلاف هذا قال: ولا يجوز الاحتجاج أيضاً بما روي أن أبا بكر رضي الله عنه ائتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما صلى بعض الصلاة إماماً لأن ذلك أيضاً هو افتتاح جماعة وهذا قول أبي حنيفة ويروى عن مالك أيضاً ومن أصحابنا من قال وهو الأصح في المسألة قولان: والصحيح عندي أنه يجوز وهو اختيار المزني رحمه الله ووجهه أنها صلاة افتتحت فرادى وصارت جماعة فلا بأس كما لو أحرم وحده ثم صلى خلفه جماعة، والاحتجاج بما روي أنه صلى بهم وهو جنب صحيح لأنه - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة لم يكن في صلاة فلم تصح جماعتهم ثم صحت
بعد ذلك وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان في حكم الأصل ولم يكن متابعاً لأحد ثم صار متابعاً وجاز ذلك، وهاتان الحجتان قويتان.
ثم اختلف أصحابنا في محل القولين فمنهم من قال القولان: قبل الركوع فأما بعد الركوع لا يجوز قولاً واحداً لأن فيه تغيير نظام الصلاة ومنهم من قال وهو اختيار أبي إسحاق وغيره إن كان قبل الركوع يجوز قولاً واحداً والقولان: بعد الركوع ومنهم من قال وهو الأصح في الكل قولان: قبل الركوع وبعده ثم من أصحابنا من [352 ب/2] قال القولان هما مبنيان على أن الخروج من صلاة الإمام قبل فراغه هل يجوز أم لا؟ لأنه يحتاج ههنا إلى الخروج قبله ومنهم من قال: هما مبنيان على أن الاستخلاف هل يجوز أم لا؟ ووجهه المشابهة أنه يصلي الآن بإمام لم يكن من قبل والصحيح أنهما قولان: بأنفسهما لأنه خروج بعذر ومعنى القولين أنه يؤدي إلى تغيير الأحكام فإذا قلنا: يجوز ضمها وكان قد سبقه بركعة فإذا قام الإمام إلى الرابعة لا يجوز له أن يقوم معه لأنه يؤدي إلى أن تصير صلاته خمساً بل يقعد ويتشهد ثم إن انتظر الإمام حتى يتشهد ويسلم كان له ذلك كما جاز في صلاة الخوف نحو هذا وان أراد أن يسلم كان له ذلك لأنه عذر ولو صلى ركعتين من الظهر ثم ضم إلى صلاته فقام غير ركعتين إن شاء انتظر حتى يصلي ركعتين ويتم الصلاة فيسلم معه وهو يطول الدعاء في حال الانتظار وإن شاء سلم لنفسه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان يجوز قبل الركوع وبعده بشرط أن لا يؤدي إلى مخالفة الإمام فإن أدى إلى مخالفة الإمام لا يجوز بأن صلى ركعة من الظهر ثم وصل بإمام وهو في أول [353 أ/2] الظهر لأنه مخالفة في القيام والقعود في كل ركعة وهذا لا يصح لأنه إذا جوزنا هذ يتابعه إلى آخر الصلاة ويترك التشهد الأول متابعة له ويأتي معه بالتشهد في الركعة التي هي ثالثة متابعة له ولا يضره ذلك ثم إذا تمت ركعات صلاته وقام هو إلى الرابعة فعلى ما ذكرنا وهذا أوضح.
فرع
لو شرع في صلاة فائتة فحضرت صلاة الوقت جماعة لا يقطعها لأنه لا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى والله أعلم.
باب موقف صلاة المأموم مع الإمام
مسألة: قال وإذا أم رجلاً قام المأموم عن يمينه.
الفصل
وهذا كما قال، المأموم إذا كان واحداً فالسنة أن يقف عن يمين الإمام قال سعيد بن المسيب رحمه الله يقف على يساره وقال النخعي رحمه الله: يقف خلفه إلى أن يركع فإن أدركه آخر وقف معه وإن لم يدركه تقدم ووقف عن يمينه وهذا غلط لما ذكرنا من خبر ابن عباس رضي الله عنه في بيت ميمونة رضي الله عنها في هذا الخبر دلائل كثيرة أربعة ذكرناها والخامس: أنه يدل على أنه إذا وقف على يساره فإنه يجوز وإن
[353 ب/2] ترك السنة، والسادس: أنه لا يلزمه سجود السهو بذلك.
والسابع: أنه إذا وقف عن يساره يلزمه أن يتحول إلى يمينه، والثامن: أن يؤخره الإمام بيمينه لا يساره، والتاسع: أن يريده من خلفه لا من قدامه، والعاشر: أنه يحرم الكلام في صلاة النفي.
والحادي عشر: أنه يدل على أن المشي اليسير لا يبطل الصلاة.
والثاني عشر: أن للصبي موقفاً في الصف كالبالغ وابن عباس رضي الله عنهما كان صبياً فإذا ثبت هذا فإن تركه الإمام على يسار نفسه وصلى معه لم تبطل صلاة واحد منهما وإذا أراد أن يدور عن اليسار إلى اليمين فالمأموم يدور دون الإمام لأنه تابع فهو أولى بالانتقال وإن كان المأموم اثنين يقومان وراء الإمام.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال يقف بينهما وروي أنه تمسك بثلاث سنن منسوخة.
أحدها: هذا، والثانية: التطبيق في الركوع، والثالثة: الإقعاد في الصلاة والدليل عليه في هذا الموضع ما روى جابر رضي الله عنه قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجئت ووقفت على جنبه فجاء جابر بن صخر فوقف عن يساره فأخرنا بيده حتى [354 أ/2] صيرنا خلفه.
فإن وقفا كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أو وقف كلاهما عن يمينه لم تبطل صلاة أحد واحتج بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى بين علقمة والأسود فلما فرغ قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا: صار منسوخاً بخبرنا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كانوا ثلاثة تقدم واحد وتأخر اثنان" وقال مسعود: غلام فروة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وإلى جنبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصلي فدفع - صلى الله عليه وسلم - في صدر أبي بكر فقمنا خلفه.
فإذا تقرر هذا فإذا جاء الثاني ووقف على يساره وأحرم فإن كان قدام الإمام واسعاً ووراءه ضيقاً تقدم الإمام وإن كان قدامه ضيقاً وورائه واسعاً تأخر المأمومان لأنهما تابعان للإمام.
وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يتقدم الإمام وذكر بعض أصحابنا بخراسان مثله وهو غلط لما ذكرنا.
وقال القاضي الطبري: إذا جاء آخر يقف على يساره ويحرم [354 ب/2] فإذا أحرم فإما أن يتقدم الإمام عليهما أو يتأخر المأمومان عنه ويكره أن يحذر المأموم الذي عن يمينه فإنه لم يصر بعد في الصلاة فلا يجوز له ترك موقفه لأجله وكلام سائر أصحابنا يدل على أنه يتأخر المأموم إلى الجائي قبل الشروع في الصلاة، والصحيح ما ذكره القاضي رحمه الله قال: ولو جاء ثالث وهما قاعدان في التشهد الأخير فالمستحب أن يقعد عن يساره متشهداً ولا يتأخران عنه قل في التأخر في حال القعود أو تقدم الإمام مشقة والمرأة إذ أمت امرأة قامت عن يمينها فإذا جاءت أخرى فإنها تقوم عن يسارها لأن إمامة النساء تقوم وسطهن ولو أم صبياً وقفا معاً خلفه.
فرع
لو كان معه صف من الرجال وصف من الصبيان خلف الرجال ومن أصحابنا من قال: يقف بين كل رجلين صبي حتى يتعلم أفعال الصلاة والأول: هو المذهب لقوله - صلى الله عليه وسلم - "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق" يعني ما يكون فيها من [355 أ/2] ارتفاع الأصوات وما
يحدث فيه من الفتن وقال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه وأما ما ذكروه موجود إذا صلوا خلفهم فإنهم يتعلمون منهم.
مسألة: قال وإن كان امرأة أو خنثى مشكلاً قام كل واحد منهما خلفه وحده وهذا كما قال: المرأة إذا صلت مع الرجل وقفت وراءه على ما ذكرنا وإن كان إمام ورجل وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام والمرأة ورائه والدليل عليه ما روى أنس رضي الله عنه أن حدثته مليكة دعت النبي - صلى الله عليه وسلم - لطعام منعته فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصل بكم.
قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين وكانت العجوز أم سليم وهذا يدل على نسخ ما قاله ابن مسعود وروى الشافعي رحمه الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم أنس وعجوزاً منفردة خلف أنس وأراد بالعجوز أم سليم وهي أم أنس.
وإن كان إمام وخنثى مشكل وقف الخنثى [345 ب/2] خلفه لجواز أن تكون امرأة وإن كان إمام ورجل وخنثى وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام ثم الخنثى خلفه ثم المرأة خلفه وإن كان هناك رجال ونساء وصبيان وخناثى فالرجال يلون الإمام ثم الصبيان يلونهم ثم الخناثى ثم النساء.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها أخرها".
فرع
لو تقدم المأموم على الإمام قال في الجديد: بطلت صلاته وبه قال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله: وقال في القديم تصح صلاته قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور رحمهما الله: واحتجوا بأن مخالفة الموقف لا تبطل الصلاة كما لو وقف على يسار الإمام ووجهه قوله الجديد هو الصحيح لأنه أخطأ موقفه إلى موقف ليس بموقف لأحد من المأمومين بحال فلا تصح صلاته كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد وبهذا فارق إذا وقف عن يساره لأن اليسار قد يكون موقفاً للمأموم بخلاف القدام.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان الناس في المسجد الحرام مستديرين حول الكعبة فصلوا بصلاة الإمام فإن كان الإمام أقرب إلى الكعبة من المأمومين صحت صلاتهم، وإن كان بعضهم أقرب إلى الكعبة من الإمام قال [356 أ/2] أبو إسحاق: تبطل صلاتهم لأنهم تقدموا على الإمام.
وهذا بخلاف نص الشافعي لأنه نص في كتاب الإمامة على خلاف هذا فقال: ويجتهدون أن يكونوا أبعد عن البيت من الإمام فإن لم يفعلوا وعلموا وبعضهم أنه أقرب إلى البيت من الإمام فلا إعادة عليهم ثم قال: ولا تجزي صلاة الذين يصلون من جهته إلا أن يكونوا خلفه فإن لم يفعلوا عادوا ففرق الإمام بين من كان خلف الإمام يتوجه إلى الكعبة وبين من كان موجهاً إلى الكعبة من جهة أخرى وذكر في الفرق بينهما أن من هو في غير جهته لا يخفى عليه فعله وليس كذلك إذا كان الإمام في جهته خلفه لأنه يخفى عليه فعله فلم يجز وأيضاً من كان محاذياً له لما جاز له التوجه إلى غير جهة
الإمام وجاز له التقدم عليه ومن هو خلفه لما لم يجز له أن يتوجه إلى غير جهة الإمام لم يجز له التقدم عليه وهذا هو الجواب إن احتج به أصحاب مالك على جواز التقدم وكذلك في الكعبة لو استقبل أحدهما صاحبه على هذا الوجه يجوز وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه إذا تقدم المأموم على الإمام [356 ب/2] في الكعبة تجوز وهذا الإطلاق خطأ وإنما يجوز على ما ذكرنا.
مسألة: قال وركع أبو بكر وحده وخاف أن تفوته الركعة فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمره بالإعادة وهذا كما قال من دخل وقد استوت الصفوف فإن وجد فرجة وقف فيها معهم في الصف ثم آخر فإن أحرم خلفه ثم دخل الفرجة فإنه يكره ويجوز صلاته، وهكذا لو مضى على صلاته وحده ولم يدخل معهم في الصف كره وأجزأه وبه قال الحسن، وأبو حنيفة، والثوري، ومالك، والأوزاعي، وابن المبارك رحمهم الله وروي ذلك عن زيد بن ثابت.
وقال أحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى، وداود: لا تنعقد صلاته وبه قال النخعي، والحسن بن صالح واختاره ابن المنذر واحتجوا بما روى وابصة بن معبد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى، ثم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة.
وأيضاً روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل صلى خلف الصف: أنها خلف الصف هلا دخلت في الصف أو جررت رجلاً من الصف فيصلي معه أعد صلاتك.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -[357 ا/2] قال: "لا صلاة للمنفرد خلف الصف" وهذا غلط لخبر أبي بكرة وتمام الخبر ما روي أن أبا بكرة دخل المسجد فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركوع فخاف أن تفوته الركعة فركع وحده خلف الصف ثم خطا خطوة أو اثنتين حتى اتصل بالصف فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته روي أنه قيل له ذلك وروي أنه علمه لأنه كان يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من قدامه فأقبل على أبي بكرة.
وقال له: يا أبا بكرة زادك الله حرصاً ولا تقرأوا اسم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون وعليكم السكينة والوقار وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ولأنه أخطأ في الوقف ولم يخرج عن حد المتابعة فأشبه إذا وقف الواحد على يسار الإمام وأما خبرهم الأول والثاني فإنا نحمله على الاستحباب وأما الثالث فلعله أساء إلى رجل بعينه كان منافقاً أو لم يتم ركوعه وسجوده فقال: لا صلاة له.
فإن قيل فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرة عن القعود قلنا: إنما تنهاه لأجل الكراهة أو أراد لا تعد إلى التأخر.
وقال بعض أصحاب [357 ب/2] أحمد إدا افتتح صلاته منفرداً خلف الإمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع الإمام رأسه من الركوع فلا صلاة له ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة نفر ولو التحق بالصف أو تلاحق به القوم قبل رفع الإمام رأسه من الركوع تصح صلاتهم وكان الزهري، والأوزاعي يقولان في الرجل يركع دون الصف إن كان قريباً من الصفوف أجزأه وإن كان بعيداً لم يجزه.
فرع
لو دخل المسجد ولم يجد في الصف فرجة، يصلي خلف الصف وحده وذكر أبو حامد أنه يستحب له أن يجذب رجلاً من القوم ليقف معه خلف الصف فإن لم يفعل هذا كره وأجزأه وبه قال جماعة من أصحابنا وقالوا: لا نص فيه وذكر القاضي الطبري أن الشافعي رحمه الله نص في البويطي أنه يقف وحده ولا يجذب رجلاً وهو أصح لأن في جذبه رجلاً يحدث خللاً في الصف الأول ويحرمه فضيلة الصف الأول وليس له ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
لو وجد في الأول فرجة فدخل رجل له أن يتقدم ويسد الفرجة وإن احتاج إلى المرور بين يدي [358 أ/2] آخر لأن الذي ترك الفرجة بين يديه في الصف الأول منع حق نفسه حين لم يتصل بالصف الأول.
مسألة: قال وإن صلت امرأة بين يديه أجزأته صلاته وهذا كما قال في رواية ابن خزيمة وإن صلى وبين يديه امرأة وقصد به الرد على أحمد رحمه الله حيث قال: ومرور الحائض بين يدي الرجل في الصلاة تبطل صلاته وأخذ بالخبر الذي تقدم وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها لما أخبرت بذلك قالت: "بئس ما عدلتمونا بالكلاب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على فراشي وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة فكان إذا سجد غمز وجلي فأقبضهما وإذا رفع مددتهما" والقصد به الاحتجاج على أبي حنيفة ووجهه أن المرأة إذا لم تكن في الصلاة فإذا وتكون قائمة بخلاف ما إذا كانت في الصلاة فإذا لم تضر.
صلاة الرجل في شر حاليها فلأن لا تضر صلاته في أحسن حاليها أولى.
مسألة: قال وإن صلى رجل في طرف المسجد والإمام في طرفه ولم تتصل الصفوف بينه وبين الإمام.
الفصل
وهذا كما قال إذا صلى الإمام في المسجد وصلى غيره لصلاته نظر [358 ب/2] فإن كان معه من جوف المسجد صحت صلاته سواء كان بينهما حائل أو لم يكن، بعدت المسافة بينهما أو قربت، اتصلت الصفوف أو لم تتصل، إذا كان له طريق إلى العلم بصلاة الإمام فإن كان سميعاً بصيراً علم بالسماع والمشاهدة لأنه يشاهد الركوع والسجود ويسمع التكبير وقول سمع الله لمن حمده منه، أو من غيره ممن يأتم به وإن كان بصيراً أصم علم بالمشاهدة وإن كان أصم ضريراً لم يجز حتى يكون إلى جنب من يسدده للركوع والسجود، فإن لم يكن أو كان ولكنه لم يثق به لم يجز أن يقتدي به ويجوز لهذا الضرير الأصم أن يكون إماماً لأنه يصلي لنفسه ولا يقتدي بغيره بل غيره يقتدي به والمساجد اللطاف المتصلة بالجامع فإن حكمها حكم المسجد الكبير فإذا وقف المأموم فالمسجد اللطيف والإمام في المسجد الكبير صحت صلاته وإن كان الباب الذي بين المسجدين مردوداً لأن الجميع بني للجماعة الواحدة ولو وقف الإمام
في أسفل المسجد والمأموم على سطح المسجد صحت صلاته لأن سطح المسجد هو من جملة المسجد [359 أ/2] ألا ترى أنه يجوز للجنب اللبث فيه والمستحب له أن يتأخر حتى يكون من وراء الإمام فإن حاذاه كرهنا له ذلك وأجزأه وإن تقدم حتى يصير إلى القبلة أقرب فهو على القولين ولو كان الإمام في ظهر المسجد والمأموم أسفل فإنه يجوز أيضاً وقال أبو حنيفة رحمه الله هذا يجوز ولكن إذا كان المأموم أعلا والإمام أسفل فإن كان المأموم أعلا بأقل من قامة الرجل صحت الصلاة وإن كان أكثر من ذلك لم تجز صلاته وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد ولم يفصل ولو كان الإمام في المقصورة والمأموم في الصحن أو رحبة المسجد جاز وإن زادت المسافة بينهما على ألف ذراع مثلاً والرحبة هي البناء المبني لدخوله متصلاً به أو فنائه وهو ما يقارب بابه وجداره من حريمه ومطرح ترابه كالعادة الجارية في أفنية الدور وهكذا لو كان الإمام في بئر المسجد أو المأموم فيها والإمام خارج أو كان أحدهما على المنارة والآخر أسفل كل ذلك جائز وإن كان الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد في غير [359 ب/2] رحبة ففيه ثلاثة مسائل؛ إحداها: أن لا يكون دونه حائل بحال مثل أن لا يكون للمسجد حائل يحول دون روية من فيه من حائط وغيره لو يكون له حائط إلا أن باب المسجد بحذائه أو يمينه أو يساره مفتوح فإن كانت الصفوف متصلة صحت صلاته وإن خرجت فرسخاً أو أكثر وإن كانت الصفوف متقطعة قال الشافعي رحمه الله تصح صلاته على القرب ولا تصح من البعد وهو أن يكون منقطعاً على قدر ثلثمائة ذراع واختلف أصحابنا من أي موضع أخذ الشافعي هذا التحديد على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق وغيرهما أنه أخذه من صلاة الخوف يوم ذات الرقاع فإنه يحني عن المصاف بقدر رميتهم وسهام العرب لا تبلغ أكثر من هذا وقيل أخذه من صلاة الخوف فإنه صلى بفرقة ركعة فانصرفت وهم في الصلاة إلى وجاه العدو وأتت الفرقة الأخرى فأحرمت من خلفه فصارت الفرقتان في مكان بين التي معه والتي تحرسه ثلثمائة ذراع وقال ابن الوكيل، وابن جبران رحمهما الله إنما أخذه [360 أ/2] من العرف والعادة لأنه قال ما يعرف الناس قوماً وكذلك ثلثمائة ذراع فما دونها وهذا ظاهر المذهب ثم اختلف أصحابنا أنه تحديد أو تقريب قال أبو إسحاق رحمه الله: هذا تحديد فإن جاوز ثلثمائة ذراع لم تجز صلاته قال أبو إسحاق والذي قال المزني أجاز ذلك في الإملأ بلا تأقيت مطلق محمول على ما قيده ههنا وهذا هو المذهب المشهور ذكر القاضي الطبري رحمه الله ومن أصحابنا من قال هو تقريب وليس بتحديد فإن زاد عليها قليلاً قدر ثلاثة أذرع لم يضر وهذا هو اختيار المزني رحمه الله وهو الصحيح عند مشايخ خراسان وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في الأم وذلك ليس بشيء وهذا لأن الشافعي قال مائتي ذراع أو ثلثمائة ذراع أو نحو ذلك وهذا ليس إلا للتقريب ولأنه اعتبر ذلك من صلاة الخوف أو العرف أو العادة وليس ذلك إلا بالتقريب وهل يعتبر هذه المسافة
من الإمام أو من آخر المسجد؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يعتبر من موقف الإمام إن لم يكن خلفه أحد في المسجد أو من آخر [360 ب/2] الصفوف إن كانت خلفه صفوف، والثاني: وهو المذهب أنه من آخر المسجد في صحراء موات لا مالك له أو كان ملكاً لرجل واحد فإن كانت أملاكاً مختلفة ففيه وجهان؛ أحدهما: يجوز ولا اعتبار باختلاف الليل وإنما الاعتبار باختلاف الأبنية ولا بناء ههنا.
والثاني: لا يجوز أن يكون الإمام في ملك والمأموم في ملك آخر وهذا كان اختيار القفال رحمه الله ثم رجع عنه وهذا الوجه الثاني لا وجه له عندي.
المسألة الثانية، والثالثة: أن يكون بينه وبينه حائل فإن كان الحائل من غير المسجد لم يختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: حائط المسجد ليس بحائل لأنه بني لمصلحة المسجد كالسواري في الوسط وقال عامة وهو المذهب الصحيح وهو حائل يمنع صحة الصلاة لأنه بني الفصل بينه وبين غيره بخلاف غيره ولأن عائشة رضي الله عنها قالت لنسوة صلين في حجرتها: لا تصلين بصلاة الإمام فإن كان دونه في حجاب لم يكن بين منزلها والمسجد إلا سور المسجل لأن باب منزلها كان ينفذ إليه وقيل هذه الحكاية لا تصح [361 أ/2] عن أبي إسحاق ونص في الشرح على خلافه وإن كان الحائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة مثل المشبك فعلى قول أبي إسحاق هذا أولى أن لا يكون حائلاً وعلى هذا المذهب في هذا وجهان؛ أحدهما: لا يكون حائلاً لأنه لا يمنع النظر إلى من في المسجد فهو كالباب المفتوح.
والثاني: يكون حائلاً لأنه يمتنع للاستطراق بخلاف الباب المفتوح وهذا أقرب.
فرع
لو كان باب المسجد مفتوحاً والناس في المسجد فوقف رجل بحذاء الباب يصلي بصلاة الإمام فإن صلاته صحيحة وصلاة من على يمينه ويساره وإن اتصل الصف وطال وكذلك صلاة من خلفهم وإن اتصلت الصفوف لأنه إذا كان في الصف من يرى بعض المأمومين أو من بين يديه صحت صلاة الكل وأما صلاة من وقف قدامه على يمين المسجد أو يساره ولم يقف أحد منهم بحذاء الباب هل تصح صلاته؟ المذهب أنه لا تصح وعلى قول أبي إسحاق تصح وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله مثل قول أبي إسحاق وهذا غلط كما ذكرنا ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا [361 ب/2] في المسجد" وأراد بصلاة الإمام في المسجد ولم يرد به إذا لم يكن حائل يدل على أنه أراد إذا كان حائل وحكي الشافعي رحمه الله عن عطاء رحمه الله أنه قال يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته ولم يراع القرب وهذا لا يصح لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:9] فظاهره أن السعي واجب وإن علم بصلاة الإمام وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو صليتم في بيوتكم لضللتم" ومذهب عطاء جوازها في بيته وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته إلا في الجمعة.
وهذا غلط أيضاً لما سبق من الدليل ويقيس على الجمعة.
مسألة: قال وكذلك الصحراء والسفينة.
الفصل
وهذا كما إذا كان الإمام في الصحراء والمأموم يصلي بصلاته وبينهما مسافة يعتبر القرب والبعد على ما ذكرنا ومقدار المسافة يعتبر في أخر الصفوف والشارع والطريق بين الصفوف ليس بحائل وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله هو حائل يمنع الائتمام وقيل أنه وجه آخر وليس بشيء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[362 أ/2] أنه قال: "من كان بينه وبين الإمام طريق فليس هو مع الإمام" وهذا غلط لما روي أن أنساً رضي الله عنه كان يصلي الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإمام في المسجد وهو الوليد بن عبد الملك وبينه وبين المسجد طريق ولم ينكر منكر ولأن ما بينهما تجوز الصلاة فيه فلا يمنعها هو لأن ذلك لا يمنع الاستطراق ولا المشاهدة وأما الخبر الذي ذكروا فإنه لا أصل له في كتب أصحاب الحديث أو هو محمول على البعد أو الكراهة وأما في السفينة فقد ذكرنا جواز الصلاة فلو كان الإمام في سفينة والمأموم في أخرى فلا يخلو من ثلاثة أحوال؛ إما أن تكونا مغطاتين أو إحداهما مغطاة والأخرى مكشوفة أو كلتاهما مكشوفتين فإن كانتا مغطاتين أو إحداهما، لم تجز صلاة المأمومين لأن السفينتين هما في حكم الدارين فلا يجوز أن يكون بينهما حائل، وإن كانت مكشوفتين فإن كانت إحداهما مشدودة إلى الأخرى صحت الصلاة لأنهما كالبيت الواحد وإن كانت إحداهما منفصلة عن الأخرى ولم يكن بينهما بعد فالمذهب جواز الصلاة وإن الماء ليس بحائل وقال أبو سعيد [362 ب/2] الأصطخري: لا يجوز لأن بينهما ما يمنع الاستطراق وبهذا قال أبو حنيفة: وهذا غلط بخلاف المنصوص لأن الماء لا يمنع الاستطراق بسباحة على لوح ولأنه إن نصب الماء يمكن الاستطراق قيام الماء مانع منه فأشبه النار وقد سلم في النار أنها لا تمنع الائتمام وقال الإمام أبو محمد الجويني: الانقطاع ببعد المسافة، أو بنهر عظيم يجرى بينه وبين المسجد، أو بملك لغيره، لا يجوز له الوقوف فيه متى كان بينه وبين المسجد حائل يتعذر به الوصول إلى المسجد من موقفه حتى يحتاج إلى أن يتيامن أو يتياسر فيقطع قنطرة، أو يركب سفينة فذلك في العادة قطر وإلا فلا وهذا أحسن، ولكنه خلاف النص الذي ذكرنا.
فرع
لو كان هناك جسر بينه وبين الإمام فلا شك أن الماء ليس بحائل وكذلك إن كان هناك نهر وليس في النهر ماء أو كان نهر صغير بحيث يمكنه العبور إلى الجانب الآخر أو قل الماء في النهر العظيم كذلك لا يكون حائلاً ولو كان النهر في المسجد وهما في المسجد فلا نص بلا إشكال لأن المسجد جامع وقيل فيه وجهان وليس بشيء.
مسألة: قال [363 أ/2] وإن صلى في دار قرب المسجد.
الفصل.
وهذا كما قال إذا صلى الرجل في الدار بصلاة الإمام في المسجد فإن كان حائط الدار هو حائط المسجد فعلى ما ذكرنا من مذهب أبي إسحاق وغيره وإن كان بينهما حائل غير حائل غير حائط المسجد فإن كان لا يشاهد أحداً من المأمومين لا يجوز أن يصلي بصلاة
الإمام بحال، وإن كان يشاهد بعض المأمومين، فلا يخلو إما أن يكون الباب مفتوحاً والصفوف متصلة حتى دخلت إلى داره أو لا يكون كذلك.
فإن كانت متصلة على ما ذكرنا فصلاته صحيحة، لأنا بينا أن مواضع الصفوف هي بمنزلة المسجد وإن كانت متصلة متقطعة ولكنه واقف بحذاء الباب ويبصر بعض الصفوف في المسجد أو خارج المسجد، فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يجوز ائتمامه إذا كان بينهما مقدار ثلثمائة ذراع فما دونها وهو الصحيح كما يقول إذا وقف في بعض الشوارع والطرقات ومن أصحابنا لا يجوز حتى يكون العقول متصلة إلى داره لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: لم يجز إلا بأن تتصل به الصفوف ولا [363 ب/2] منه وبينهما فاعتبر فيه شرطين؛ أحدها: عدم الحائل، والثاني: الصفوف وتفارق الطريق والشارع لأنه جعل ذلك لمرافق المسلمين وهذا أحد المرافق بخلاف الدار والأول هو المذهب وعليه المحصلون من أصحابنا قول الشافعي رحمه الله إلا أن تتصل به الصفوف أراد بألا.. أن يكون بينه وبين آخر الصفوف أو آخر المسجد ثلثمائة ذراع فما دونها لأن ذلك عنده في ذلك الصف أو خلفه صحت صلاته ومن وقف قدامه ولم يكن محاذياً للباب لا تصح صلاته خلفه.
فرع
قال ولو وقف خلف صفوفه متصلة في دار بيت من الدار لم يكن له أن يصلي حتى تتصل الصفوف في البيت وأراد به إذا كان في البيت لا يرى أحداً من أهل الصف فإن كان يرى بعضهم وكان بينه وبين آخر الصفوف ثلثمائة ذراع أجزأته صلاته هكذا ذكره القاضي الطبري وقال بعض أصحابنا إن كان هذا الصف الثاني في قرار.
ولا حائل فإنه يجوز وإن كان من ذلك حائل مثل إن كان في بيت أو في علو الدار في غرفة أو سطح لا يجوز سواء شاهد الصف [364 أ/2] أو لم يشاهد لأن الشافعي علل فقال: لأن علوها باين من المسجد ونحو هذا ذكره القفال ولعل مواد القاضي الطبري هذا التفصيل أيضاً وهو الأشهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: كيفية اتصال الصفوف ههنا أن ينظر فإن كان البيت على يمين المسجد أو يساره ولم يكن له باب شارع إلى المسجد فلا يتصور اتصال الصفوف ولا يجوز الاقتداء منه بإمام المسجد بأن يقف رجل في المسجد وآخر داخل العتبة الحائلة بين البيت والمسجد ولا يكون بينهما إلا ما يكون بين رجلين من الصف على العرف والعادة حتى لو كانت العتبة عريضة فتباعد الرجلان، لا يجوز إلا بأن يقف واحد على العتبة ليحصل الاتصال فإذا حصل هكذا واتصل الصف جاز، وإن كان البيت وراء المجد فمن أصحابنا من قال: لا يتصور الاتصال هناك بحال ولا تصح الصلاة خلفه من ههنا ومن أصحابنا من قال: يتصور بأن يقف صف في المسجد أو رجل واحد وصف في البيت أو رجل ولا يكون بين الصفين في سائر المواضع على العرف [364 ب/2] ثم إذا حصل هذه فصلاة جميع من يكون في ذلك البيت جائزة وإن لم تتصل بهذا الرجل الذي وقف داخل العتبة وحصل به الاتصال ثم هكذا لو كان في البيت بيت آخر فالاتصال بين من في البيتين على نحو ما ذكرنا.
وإن وقف قوم على سطح البيت الذي بجوار المسجد لم يجز إلا
بأن تتصل الصفوف بهم من سطح المسجد، فيجوز حينئذ قال أصحابنا: ويجوز في موضع آخر وهو أن يكون السطح غير عال وصحن المسجد مرتفعاً حتى إذا وقف رجل في المسجد ورجل على سطح البيت لم يكن قدر ذلك بحذاء رأس هذا الذي في المسجد ولكن تحصل المحاذاة بين جسديهما ببعض الجسد فيكون ذلك في حكم المتصل إذا وقف على حرف السطح ووقف الذي في المسجد بجنبه قريباً منه وهذا كله اختيار القفال وقيل: خلف المسجد، فعلى وجهين أيضاً كالدار خلف المسجد وقال القفال: لو اختلفت البقعة مثل لو كان الإمام في الصفة وهو في البيت يشترط اتصال الصف حتى يصح اقتداؤه به لاختلاف البناء بخلاف المسجد فإن اختلاف الأبنية فيه [365 أ/2] لا يضر قال و.. فاقتدى من أحدهما الذي في الآخر لا يجوز إلا باتصال الصفوف كالبيتين وهذا كله خلاف المشهور في المذهب والذي تقدم هو أصح.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يتقدم الرجل الصف الأول لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو تعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة وروي ما في الصف الأول استهوا عليه وروى البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول" والمستحب أن تعمدوا يمين الإمام لما روى البراء رضي الله عنه قال: كان يعجبنا عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه كان يبدأ بمن على يمينه فيسلم عليه.
فإن وجد في الصف الأول فرجة فالمستحب أن يسدها لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال أتموا الصف الأول" فإن كان نقص ففي المؤخر وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فإن الشيطان يدخل بين ذلك الصف" وروى ابن عباس رضي الله عنه قال: خياركم ألينكم مناكب [395 ب/2] في الصلاة.
فقيل: لين المناكب لزوم السكينة والطمأنينة فيها لا يلتفت وقيل: أراد لا يمتنع على من يريد الدخول بين الصفوف لسدد الخلل ولصق المكان بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف.
مسألة: قال ومن خرج من إمامة الإمام فأتم لنفسه.
الفصل
وهذا كما قال.
قد ذكرنا هذه المسألة وذكرنا خبر معاذ وروى أنه ما رئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضباً منه في تلك الموعظة، وقال: أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت؟ أين أنت من ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:1] إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف الخبر إلى آخره والله أعلم.
وهذا آخر الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى (باب صلاة الإمام وصفة الأئمة) قد تم نسخ هذا الكتاب بمعرفة محمود صدفي النساخ نقلاً عن نسخة الأصل الموجودة بالكتبخانة الخديوية وذلك في يوم الاثنين ربيع الثاني سنة 1325 هـ الموافق مايو سنة 1907 م [366 أ/2].
باب صلاة الإمام وصفة الأئمة
مسألة: قال: وصلاة الأئمة قد قال أنس بن مالك.
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكر فيما قيل: إن المستحب لمن كان إماماً أن يخفف الصلاة بعد أن يأتي بالذكر والأفعال على الكمال، ويكون التخفيف من ترك تطويل القراءة، وإذا صلى وحده يطول كيف يشاء.
وقال بعض أصحابنا: يخفف أذكارها ويكمل أفعالها ومعناهما واحد، والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء".
وروي: أنه - صلى الله عليه وسلم -: "كان أخف الناس صلاة بالناس، وأطول صلاة على نفسه"، فإن كان الإمام يصلي بقوم محصورين يريدون التطويل كأهل محله، أو كانوا في سفر طول كيف شاء إذا رضوا بذلك ذكره أبو إسحاق وقال غيره يستحب ذلك.
مسألة: "قال ويؤمهم أقرؤهم وأفقههم".
وهذا كما قال: الصفات التي يتعلق بها التقديم للإمامة في الصلاة سنة أشياء: الفقه، والقراءة، والسن، والنسب والهجرة، فالنسب: هو أن يكون قريشياً فيكون أولى من [1 أ/3] العربي، والعربي أولى من غيره، وبنو هاشم وبنو المطلب يقدمون على غيرهم من قريش، والهجرة: أن يكون من هاجر من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو من أولاد المهاجرين ممن سبق إلى الهجرة أو سبق أبوه إليها كان أولى ولا فرق بين أن تكون الهجرة قبل الفتح أو بعده، فإن قيل: أليس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح"، قلنا أراد أن لا تجب الهجرة، وأما فضيلة الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تسقط.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذه الهجرة تحتمل معنيين: أحدهما: هجرة النسب، والثاني: هجرة نفسه مثل أن يكون رجلان أسلما في دار الحرب وسبق أحدهما الآخر بالهجرة إلى دار الإسلام، فإن كان المراد ذلك هل يكون أقدم من السن؟ قولان: وهذا حسن ولكنه خلاف النص، وأما السن: فإن المراد من طال منه مسلماً.
فأما من له سبعون سنة فأسلم الآن فإنه لا يكون كمن أسلم أمس وإن كان
أصغر منه سناً، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أم قوماً وفيهم من هو أقرأ [1 ب/3] للقرآن منه وأفقه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة، فإذا ثبت هذا فلا يختلف المذهب أن القراءة والفقه مقدمان على غيرهما من الشرائط لأنهما يختصان بالصلاة بخلاف غيره.
ثم ينظر فيه فإن استويا في الفقه وأحدهما أقرأ فالأقرأ هو أولى وإن استويا في القراءة وكان أحدهما أفقه فالأفقه أولى، وإن كان أحدهما يقرأ ما يكتبه في الصلاة وليس فقيه، والآخر لا يقرأ ما يكفيه في الصلاة، وهو فقيه فالقارئ أولى؛ لأن الفرقة شرط بخلاف الفقه، فإن كان أحدهما يقرأ ما يكفي الصلاة وهو كتاب الفقه والآخر يفقه ما يكفي الصلاة وهو القراءة قال في كتاب "الإمامة" إن قدم الفقيه فحسن، وإن قدم القارئ ههنا فحسن ثم قال بعده: يشبه أن يكون من كان فقيهاً وقرأ من القرآن شيئاً هو أولى بالإمامة لأنه قد ينو به في الصلاة ما يعلم كيف يفعل به من الفقه ولا يعلمه من لا فقه له وهذا ترجيح منه للفقيه على القارئ وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله والأوزاعي وأبو ثور وعطاء بن أبي رباح وهذا لأن القراءة الواجبة هي محصورة بخلاف الفقه الذي يحتاج إليه المصلي.
ومن أصحابنا من أطلق [2 أ/3] وقال: هما سواء في قول الشافعي لأن الفضيلتين تقابلتا والصحيح ما ذكرنا، وهو ظاهر في آخر كلام الشافعي.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: -رحمهم الله-: القارئ أولى واختاره ابن المنذر رحمه الله واحتجوا بما روى أوس بن ضمغج عن ابن مسعود البدري رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه".
وتكرمته: فراشه.
وروي في هذا الخبر فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة وهذا غلط لما ذكرنا من الدليل، ولهذا كان الفقيه بالقضاء والإمامة الكبرى أولى من القارئ، وأما الخبر فأجاب الشافعي بما قال: إن من مضى كانوا يسلمون كباراً يتفقهون قبل أن يقرؤوا ويريد به الصحابة الذين هم المخاطبون من بعدهم من التابعين إلى يومنا هذا، كانوا يقرؤون القرآن صغاراً قبل أن يتفقهوا، وأراد لم يكن أحد من الصحابة أقرأ إلا وهو فقيه إذ ذاك وكثير منهم كانوا فقهاء ولم يكونوا قراء واليوم يتعلمون [2 ب/3] الناس القرآن صغاراً، ويتفقهون كباراً فكثير منهم يكونون قراء ولا يكونون فقهاء فلهذا لم نقدم الأقرأ اليوم على الأفقه.
وقد روي أنه لم يجمع جميع القرآن من الصحابة إلا ستة، فقرأ أبو بكر وعثمان
وعلي وزيد وأبي وابن مسعود ثم بعدهم ابن عباس رضي الله عنهم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يحكم عليها أو يعرف حلالها من حرامها"، فإن استويا في الفقه والقراءة معاً ففيه قولان:
قال في "القديم": يقدم بالشرف فإن كان في الشرف سواء فقدم الهجرة فإن كانا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً، وقال في "الجديد": السن يتقدم على الشرف والهجرة فإن كانا في السن سواء فالشرف أولى، فإن كانا في الشرف سواء فأقدمهم هجرة فلا يختلف القول: إن الهجرة تلي الشرف، وإنما الخلاف في السن هل يقدم عليهما أو يؤخر عنهما؟ فيه قولان: فالترتيب على قوله القديم: القراءة والفقه والشرف والهجرة والسن، وعلى قوله الجديد: القراءة والفقه والسن والشرف والهجرة وأن... علامة للحفظ فقل هل السن أوسطها أم آخرها؟ قولان:
ووجه قوله القديم وهو اختيار [3 أ/3] أبي إسحاق قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قدموا قريشاً"، ولأن النسب حصل بأمر مكتسب كانا لآبائه والسن صفة تحدث ليست بمكتسبة فالمكتسب أولى ووجه قوله الجديد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤمكم أكرمكم"، ولأنه فضل في نفسه والنسب فضل في آبائه ولأن من كبر سنه يكون أسكن وأخشع في الصلاة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي رحمة الله عليه فإن استويا فأقدمهم هجرة، فإن أراد المزني أنا لو صورنا رجلين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدهما من المهاجرين الأولين، والآخر من مسلمي الفتح فالأمر كما قال، وإن أراد أن ولد المهاجر أولى من ولد من لم يهاجر فهو نسب، والنسب يقدم أو السن؟ فيه وجهان وهذا غلط؛ لأنا نقلنا لفظ الشافعي فيه، والهجرة غير النسب فلا معنى للوجهين مع النص، فإن تساويا في كل هذا.
قال أصحابنا: تقدم أورعهم وأدينهم وقال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال: أراد أحسنهم صورة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "يؤمكم أحسنكم وجهاً فإنه أحرى أن يكون أحسنكم خلقاً" ذكره في الحاوي [3 ب/3] ولأنه فضيلة كالنسب.
ومنهم من قال: يقدم أحسنهم بين الناس ذكراً وأشدهم طريقة وهذا أحسن ذكره القاضي الطبري رحمه الله وروت عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب انه فإن كانوا في القراءة سواء فأفقههم فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سناً فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجهاً فإن كانوا في الصباحة والحسن سواء فأكبرهم حسباً".
وقيل بعد السن والنسب يقدم لطيفه الثوب على
الوسخ الثوب، لأن قلب الناس إليه أميل ثم يقام بعده حسن الصوت لما ذكرنا من تقدم حسن الصورة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى لا يحسن خلق رجل وخلقه وهو يريد أن يعذبه في النار".
مسألة: قال ولا يتقدم أحد في بيت رجل إلا بإذنه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا اجتمع قوم في منزل رجل فصاحب المنزل أحق بالإمامة من جميع من قدمنا ذكره إلا أن يكون فيهم والٍ فإنه أحق من صاحب المنزل ولو حضر الخليفة ومن دونه فالخليفة أولى لأنه أعم سلطاناً، وإذا لم يحضر الوالي فلا يحتاج أحد في الإمامة إلى إذنه وإن [4 أ/3] كان في مسجد جامع مصر والأصل فيه ما ذكرنا من الخبر في رواية أبي مسعود الأنصاري، وقيل معنى التكرمة: الطنفسة، والمصلى الخاص الذي يتخذه الرجل لجلوسه فلا يوطأ ذلك إلا بإذنه لأنه قد يريد أن يكرم الغير بإجلاسه عليه فلا يفوت ذلك عليه أو يريد أن يجلس هو حتى يتميز عن غيره ولأن ولاية السلطان هي عامة وصاحب الدار واحد من رعيته فهو أولى، ويفارق ذلك ولاية النكاح لأنها تراد لطلب الحظ وحفظ العشيرة عن العار، فإن الولي الخاص هو أولى بذلك، والإمامة تراد للكمال والإمام أكمل ويفارق صلاة الجنازة في أحد القولين؛ لأن المطلوب منها الشفقة على الميت وإخلاص الدعاء له والاستغفار، والولي المناسب هو أحسن وأشفق من غيره ودعاؤه أرجى للإجابة فكان أولى من الوالي بخلاف هذا فإنه للكمال والإمام أكمل.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي: فيه قولان: أحدهما ما ذكرنا، والثاني: أن صاحب الدار أولى من الوالي لأنها ملكه فله أن يخص نفسه بالوقوف فيه وهذا غريب.
وقال في "الحاوي": "إن كان إمام العصر فلا خلاف أنه أولى من الكل بكل [4 ب/3] حال" فإن كان إمام الوقت أو سلطان البلد ففيه قولان: أحدهما: رب الدار أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رب الدار هو أحق بالدار" والثاني: وهو الأصح المشهور في الجديد والقديم أن إمام الوقت أو السلطان أولى لأن ولايته عامة على ما ذكرنا فإن أذن لبعض الحاضرين بها جاز ولا يكره ذلك.
فرع
لا يجوز لواحد من الرعية أن ينصب نفسه إماماً في جامع البلد إلا بإذن سلطانه، لما فيه من الاستهانة به، والامتياز عليه في ولايته ولو عدم السلطان فارتضى أهل البلد بتقديم أحدهم جاز.
فَرْعٌ آخرُ
المساجد التي في الأسواق يجوز لأحدهم أنه يندب نفسه للإمامة فيها من غير إذن
السلطان لأنه يشق استئذانه فإن انتدب أحدهم وعرف أنه ليس لغيره التقدم عليه إلا بإذنه وهذا لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما حضر مسجد مولى له فقيل له: تقام فقال لمولاه: تقدم فإنك إمام المسجد.
فَرْعٌ آخرُ
لو دفع السيد إلى عبده منزلاً يسكنه فهو أولى بالإمامة فيها من غيره إلا أن يكون سيده [5 أ/3] حاضراً فيكون هو أولى؛ لأن الملك له وإن كان قد ملكه وقلنا: يملك بالتمليك لك لأن للسيد التحكم عليه فيما ملكه.
فَرْعٌ آخرُ
قال الشيخ أبو حامد رحمه الله: والمستعير كالعبد هو أحق بالإمامة ما لم يحضر المعير فإن حضر المعير فهو أحق، لأن للمالك الرجوع في العارية متى أراد، والمستأجر أولى بالإمامة من المؤجر، لأنه قد ملك المنافع بعقد الإجارة وهذا من جملة المنافع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المستعير كالمستأجر، وقال القفال رحمه الله في الابتداء: المعير كالسيد مع العبد كما قال أبو حامد رحمه الله: ثم رجع إلى أن المستعير أولى، لأنه يكن الدار لنفسه والعبد يكن لسيده والأول أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو اجتمع مسافرون ومقيمون قال الشافعي رحمه الله: فإن كان الوالي من أحد القريتين صلى بهم مسافراً كان أو مقيماً وإن لم يكن فيهم وال فأحب إلي أن يؤمهم المقيم لتكون صلاتهم بإمام يريد به أن المقيم إذا أم المسافرين لزم المسافرون التمام فلا يؤدي إلى مفارقة الإمام في بعض الصلاة كما تؤدى إذا أم المسافر، قال: ويؤجر المسافرون على الجماعة وكمال عدد الصلاة وهذا يدل [5 ب/3] على أن الائتمام عنده أفضل من القمر والمشهور أن القمر أفضل، وإن أم مسافر قال: كرهت له ذلك إذا كان يصلي خلفه مقيم ولكن يجوز وبني المقيمون على صلاة المسافر إذا قصر.
وقال في "الإملاء": لا بأس به، وقيل: قال في "الإملاء": هما سواء فحصل من هذا أن إمامة المقيم أفضل، ويجوز إمامة المسافر وهل يكره؟ فيه قولان والأظهر ما تقدم وهو اختيار القاضي الطبري.
فَرْعٌ آخرُ
لو حضر إمام المسجد في أول الوقت ولم يتكامل اجتماع الناس يقيم الصلاة ولا ينتظر كثرتهم؛ لأن الصلاة في أول الوقت مع الجماعة اليسيرة أفضل.
قال أصحابنا: ولا يكره هذا بشرطين:،أحدهما: أن لا يفوت به أول الوقت، والثاني: أن لا يسبق على الحاضرين ويقدم الإمام في الصف الأول الشيوخ والعلماء وأهل الفضل.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": يكره للرجل أن يؤم قوماً وهم له كارهون، فإن فعل لم تبطل صلاته، ولم يكن مكروهاً للمأموم لأن إمامه لا يكره أن يصلي الناس خلفه وإن كرهه بعضهم دون بعض نظرنا إلى الغالب، فإن كان الأكثر يكرهون كرهنا وإن كان الأكثر لا يكرهون [6 أ/3] نكره؛ لأنه لا يخلو في العادة عن أن يكون فيهم من يكرهه، والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة من يؤم قوماً وهم له كارهون، ولا صلاة امرأة وزوجها غائب عنها، ولا صلاة عبد آبق من سيده حتى يرجع"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا يقبل الله صلاتهم: من أم قوماً وهم له كارهون، ومن استعبد محررة، ومن لا يأتي الصلاة إلا دباراً"، ومعنى الدبار أن يؤخر حتى يفوت ثم يأتي.
قال الإمام أبو سليمان رحمه الله: هذا إذا اتخذه عادة حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها، واستعباد المحرر من وجهين: أحدهما: أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره، والثاني: أن يستخدمه كرهاً بعد العتق، قال: وهذا الوعيد في الرجل الذي ليس من أهل الإمامة فينقلب عليها حتى يكره الناس إمامته، ولو كان مستحقاً للإمامة فالوعيد على من كرهه دونه، وشكا رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه يصلي بقوم وهم له كارهون، فقال له: إنك لخروط يريا أنك متعسف في فعلك، ولم يزده على ذلك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [6 ب/3] هذا إذا لم ينصبه الإمام فإن نصبه الإمام لا يبالي فالكراهة من القوم، وقيل أراد الشافعي رحمه الله وأكره أن يتولى قوماً وهم له كارهون ولاية الحكم دون ولاية الصلاة.
فرع
إذا صلى الإمام على مكان مرتفع عن الناس، مثل أن يصلي على دكة أو سرير أو منبر نظر، فإن كان بالناس حاجة إلى تعلم الصلاة منه أحببنا له ما فعل، وإن لم يكن فالمستحب أن يكونوا على مستو من الأرض لا يعلو بعضهم على بعض.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلى على المنبر بالناس إعلاماً للناس، فكلما أراد السجود رجع قهقرى وسجد على الأرض، ثم عاد إليه، ثم قال بعد الفراغ: صلوا كما رأيتموني أصلي" وروي أنه قال: "إنما فعلت ذلك لتأتموا بي وتعلموا صلاتي" وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: يكره ذلك لما روي أن حذيفة صلى بالناس فوقف على دكان فأخذ ابن مسعود رضي الله عنه ثيابه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال له ابن مسعود: ألم تعلم أنه نهى عن ذلك.
فقال: بلى ذكرت حين جبذتني.
روى الشافعي أنه
قال: ألم ترني تابعتك قلنا: نحمله على غير وقت التعليم [7 أ/3].
وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يرتفع الإمام على من خلفه قيد أربع أصابع ثم إذا صلى الواحد منا على مكان مرتفع كبر، وقرأ وركع فإن كان المكان لا يضيق عن سجوده فيه سجد فيه، وإن ضاق عنه كالمنبر فإن قدر على التقدم إلى مكان واسع يسجد عليه تقدم، وإن لم يقدر دون التأخر نزل القهقرى فسجد وصعد ولا ينحرف عن القبلة متيامناً أو متياسراً، فإن كرر ذلك وتفاحش بطلت صلاته، وإن أمكنه التقدم والتأخر معاً، فالتقدم أولى لأن التقدم من شأن المصلين، وإذا علم مرة واحدة أحببنا له أن يصلي مع المأمومين في مستو من الأرض بعد ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى بالجماعة فالمستوى أن يتبع الإمام فيركع بعد ركوعه، وكذلك في كل ركن وانتقال من ركن إلى ركن؛ لأنه تابع فلا يسبق المتبوع، فإن وافقه في ذلك جاز إلا في الإحرام فإنه لا يجوز أن يحرم معه على ما ذكرنا، والأصل في هذا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبادروني بركوع ولا سجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت [7 ب/3] تدركوني إذا رفعت إني قد بدنت"، وأراد بقوله: تدركوني إذا رفعت أي لا يضركم رفع رأسي وقد بقي عليكم منه إذا أدركتموني قائماً قبل أن أسجد.
وقوله: بانت وروي على وجهين: بتشديد الدال، ومعناه كبر السن، فقال: بأن الرجل إذا أسن، والثاني: بدنت مضمومة الدال غير مشددة.
ومعناه: زيادة الجسم وحمل اللحم وهذا يثقل البدن.
فَرْعٌ آخرُ
لو سبقه فركع قبل إمامه يكره ذلك، ويؤمر بالانتصاب فإن فعل فأدرك إمامه منتصباً ركعة بعد ركوعه، وإن أقام على ما هو عليه حتى لحق به الإمام، واجتمعا في الركوع جازت صلاته، ولو ركع قبل إمامه ثم اعتدل قبل أن يركع الإمام فإنه يركع مع إمامه إذا ركع، وإن رفع قبل إمامه، وأراد الاعتدال فجعل الإمام يركع، وهذا يرجع اجتمعا معاً على الركوع في حالة واحدة بعد سبق إمامه بركن فلا تبطل صلاته.
وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار"، وروي كبش، وروي حية.
فإن أقام على [8 أ/3] الانتصاب حتى لحق به إمامه فانتصبا معاً أجزأه وإن رفع من الركوع فركع إمامه، ثم سجد قبل اعتدال إمامه من الركوع فقد سبق بركنين فإن كان عالماً بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً لا تبطل صلاته، ولكنه لا يعتد بهذه الركعة، وهذا أصل أنه متى سبقه بركن كره وأجزأه، وإن
سبقه بركنين.
فإما أن تبطل أو لا يعتد بتلك الركعة ويبني على صلاته نص عليه.
فرع
لو سلم مع إمامه معاً، فإن قلنا: إن نية الخروج لا تجب يجزيه كما لو ركع معه، وإن قلنا: تجب نية الخروج لا يجزيه كما لو كبر معه لا تنعقد له صلاة الجماعة، ثم قيل على هذا تبطل صلاته كما لو تقدم على الإمام بركن.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب للمسبوق أن ينتظر فراغ الإمام عن التسليمتين جميعاً ثم يقوم، وإن قام قبل التسليمة الثانية يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
لو قام المسبوق مقارناً للتسليمة الأولى؛ فإن قلنا في المأموم الموافق: إنه لو سلم مقارناً له يجوز فيجوز؛ وإن قلنا: هناك لا يجوز فههنا يبطل إلا أن ينوي الخروج عن متابعته.
[8 ب/3].
فَرْعٌ آخرُ
لو وقف المأموم المسبوق بعد سلام الإمام، ولم يقم، وطال جلوسه، فإن كان قد أدرك مع الإمام ركعتين لا تبطل لأنه جلوس محسوب من صلاته، فإن كان قد أدرك ركعة تبطل، لأن جلوسه بحكم المتابعة، وقد زالت بالسلام.
فَرْعٌ آخرُ
لو مد قيامه حتى سبقه الإمام بركن لم يضره، وإن تأخر حتى سبقه بركنين بطلت صلاته ثم اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إذا كان هذا قعد في القيام ووصل إمامه إلى السجود بطلت صلاته، لأنه يسبقه بالركوع والاعتدال منه وهما ركنان، ومنهم من قال: إذا أدركه في السجود جازت صلاته، والركوع والاعتدال منه كركن واحد والأول أصح، ولو سجد الإمام سجدتين، وهو قائم في الاعتدال ففيه وجهان، أحدهما: تبطل صلاته لأنه تأخر عنه بسجدتين وجلسة بينهما، وقال أبو إسحاق رحمه الله: لا تبطل لأنه تأخر بركن واحد وهو السجود.
والأول أصح وهو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن خالف إمامه بركن غير مقصود مثل جلسة الاستراحة لا يضره، وإن خالفه بركن مقصود مثل القنوت والتشهد [9 أ/3] الأول فترك الإمام واشتغل هو به بطلت صلاته وفي هذا نظر والله أعلم.
باب إمامة المرأة
مسألة: قال أخبرنا إبراهيم... الخبر.
وهذا كما قال: جملة هذا أن كل صلاة تستحب للرجال في جماعة تستحب للنساء في جماعة فريضة كانت أو نافلة، إلا
أن للرجال آكد، فإنه يكره لهم ترك الجماعة ولا يكره للنساء ذلك، وبه قال عطاء، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله.
وقال بعض أصحابنا: هل تكون جماعتهن في الفضل والاستحباب كجماعة الرجال؟ على وجهين: أحدهما: أنها كجماعة الرجال تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.
والثاني: وهو الأظهر أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:228] وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة وروي ذلك عن نافع، وعمر بن عبد العزيز.
واحتجوا بأنه يكره لهن الأذان كذلك الجماعة.
وقال الطحاوي: عند أبي حنيفة: الأفضل أن يصلين فرادى لا الكراهة.
وهذا غلط لما روت أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على النساء الجمعة ولا الاغتسال [9 ب/3] للجمعة ولا تتقدم إمامتهن ولكن تقدم وسطهن"، وروي أن عائشة -رضي الله عنها- صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن، وعن أم سلمة -رضي الله عنها- مثله وعن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين -رضي الله عنه- أنه كان يأمر جارية تقوم بأهله في رمضان.
وقال صفوان بن سليم: من السنة أن تصلي المرأة بنساء تقوم إذا صلت المرأة بنسوة وسطهن، وأراد بالسنة الخبر الذي ذكرنا أولاً.
وأما الأذان فإنه يراد للإعلام، ويسن فيه رفع الصوت، ويكره لها رفع الصوت لأجل الستر بخلاف هذا، وقال الشعبي والنخعي: يكره له الإمامة في الفرض دون النفل وما ذكرنا من خبر عائشة -رضي الله عنها- دليل عليهما، فإذا تقرر هذا فالسنة أن يقف الإمام وسطهن، فإن تقدمت جازت الصلاة لأنه خطأ في الموقف، وإن كثر النساء فصفوفهن كصفوف الرجال، ويستحب أن تكون إمامتهن حرة وهي أولى من الأمة، لأن الإمامة موضع فضيلة، والحرة أكمل، فإن أمت أمة غير متقنعة متشبهة بالحرائر جاز، لأن هذا فرضها وهذا فرضهن نص عليه.
فرع
صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد [10 أ/3] والأصل في هذا ما روى ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المرأة عورة وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان فأقرب ما تكون في وجه الله تعالى وهي في قعر بيتها".
وروى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها".
يعني صحن دارها.
وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"،
والمخدع: هو جوف البيت تخبئ فيه المرأة ثيابها، فإن قيل: أليس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات" قيل التفل: سواء برائحة يقال: امرأة تفلة إذا لم تتطيب، والنساء تفلات، قلنا: قد روي: وبيتها أستر لها، وروي: وبيوتهن خير لهن ثم يحمل على النساء العجائز، وقد قال الشافعي - رحمه الله-: يستحب للعجائز إذا أذن لهن أزواجهن حضور الجمعة.
فروع متفرقة: ذكرها أصحابنا -رحمهم الله- قال والدي رحمه الله: إذا صلى مع ثوب فلما فرغ تذكر أن النجاسة أصابت هذا الثوب، ولا يدري هل كان أزالها عنه أم لا؟ فهل يلزمه إعادة الصلاة المفعولة أم لا؟!.
يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه الإعادة لأنه [10 ب/3] شك في وجوب الإعادة.
والثاني: يلزمه الإعادة لأن الأصل بقاء النجاسة، ولا شك أنه لا يصلي مع ذلك الثوب ثانياً إلا بعد تطهيره.
وأصل هذا إذا فرغ من صلاته ثم شك بعد الفراغ هل كان تطهر بعد الحدث أم لا؟ لا يصلي ثانياً ما لم يتطهر، وفي إعادة ما فعله ما ذكرنا من الاحتمال، والمسألتان واحدة إلا أن إحداهما في طهارة الحدث والأخرى في طهارة النجس، وذكر الشيخ أبو حامد أن الشافعي قال في "الأم": إذا أحرم بالعمرة وفرغ منها، ثم شك أنه طاف بطهارة أو بغير طهارة لا يلزمه إعادة الطواف؛ لأنه أدى العبادة في الظاهر، وهذا يدل على صحة أحد الوجهين ها هنا.
فَرْعٌ آخرُ
قال أيضاً: إذا صلى خنثى خلف امرأة معتقداً أنها رجل مكان امرأة، بان أن الخنثى كان أنثى هل تصح الصلاة؟ يحتمل أن يقال: تصح الصلاة لأنه اعتقد في الابتداء، أنه على صفة يجوز له الائتمام به وبأن في المال كما اعتقده في الابتداء ويحتمل أن يقال: لا تصح الصلاة؛ لأن هذا الخنثى لم يكن معذوراً في الابتداء حيث لم يعلم أن المتقدم أنثى، لأن علامة المرأة [11 أ/3] ظاهرة، ولهذا يلزم الإعادة على الرجل إذا خاف، وإن لم يعلم بحالها وهذا أصح، وعلى هذا لو حكم الحاكم في الحدود بشهادة الخنثى، وهو يعتقد كونه رجلاً ثم ظهر بعد ذلك أنه رجل فالحكم صحيح في أحد الوجهين، لأن الحقيقة صادفت موجب الاعتقاد وعلى الوجه الثاني: لا يصح.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي - رحمه الله-: لو اعتقا الصبي الكفر وأبواه مسلمان أو أحداهما فصلى معتقداً للكفر، هل تصح صلاته؟ كنت أقول: تصح صلاته لأن حكمه حكم المسلمين لا حكم الكافرين فتصح صلاته كصحتها قبل ذلك، كالمكره على إظهار كلمة الكفر إذا
صلى تصح صلاته، لأن ذلك اللفظ الذي ظهر منه لم يجعله كافراً، وظهر لي الآن أن صلاته تبطل لأجل أن اعتقاده للكفر إبطال منه لصلاته، إذ لا معنى للصلاة في اعتقاد من نفى الصانع، واعتقاد بطلان الصلاة مبطل به للصلاة في حق الصبي الذي لا يعتقد الكفر؛ إذا نوى الخروج منها أو إبطالها ويفارق المكره لأنه لم يوجد منه نية الفساد والبطلان فصحت صلاته، وعلى هذا لو توضأ الصبي أو صام، وهو يعتقه الكفر هل يصح صومه [11 ب/3] ووضوؤه؟ على الوجه الأول يصحان، وعلى الوجه الثاني: وجهان يبنيان على أنهما يبطلان بنية البطلان، وفيه وجهان.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا قلنا: لا تجوز الجمعة خلف من يصلي النفل، لو لم يعلم أنه متنفل ثم علم هل يصح؟ يحتمل وجهين: بناء على الجمعة خلف الجنب عند الجهل هل يجوز؟ فيه قولان وعلى هذين القولين ينبني إدراك الركعة بإدراك الركوع خلف الجنب فيه وجهان؛ لأن هذا الإدراك يفتقر إلى الإمام كأداء صلاة الجمعة فهما سواء لا فضل بينهما.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا بلغ الصبي الذي أحد أبويه مسلم واختار الكفر مدة ثم رجع إلى الإسلام، هل يلزمه قضاء الصلوات المتروكة في حال الكفر؟ يحتمل وجهان مبنيان على أن هذا الصبي هل يقر على الكفر، وفيه قولان، فإن قلنا: لا يقر فحكمه حكم المرتد فيلزمه القضاء، وإن قلنا: يقر فحكمه حكم الكافر الأصلي فلا قضاء والأول أصح.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا شك خلف الإمام في صلاة الجمعة أنه صلى ركعة أو ركعتين، وقلنا بأحد الوجهين [12 أ/3] أنه لا يقلد جماعة المأمومين فيه فقام هذا المأموم وقد سلم الإمام ليتم الظهر أو الجمعة على اختلاف وجهي أصحابنا فيه، وفعل ذلك هل يسجد للسهو؟ القياس أنه يسجد للسهو كالمصلي إذا شك في عدد أعداد ركعات صلاته، فإنه يبني على اليقين، ويتم صلاته ويسجد للسهو وهذا الشك، وإن كان خلف الإمام، فإنما يتعلق السجود بفعل الركعات بعده، وهذا الفعل إنما وجد بعد مفارقة الإمام، يبين هذا أن المصلي للظهر لو شك قبل السلام هل صلى أربعاً أم خمساً لم يكن عليه سجود السهو فصح ما قلناه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو افتتح الإمام في يوم الجمعة الصلاة، وهو ممن لا جمعة عليه فشك هل نوى الظهر المقصور أم نوى الظهر مطلقاً، وقلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، وهو أحد القولين: فعليه أن يصلي الجمعة وجهان: اعتباراً بما قال الشافعي رحمة الله عليه: لو شرع المسافر في صلاة، وشك هل نوى القصر أم لا؟ يصلي أربعاً، فإن زال الشك بعد ذلك.
وفيه وجه أخر أنه يصليها قصراً.
فَرْعٌ آخرُ
لو شرع الصبي في الصلاة، ثم اعتقد الكفر [12 ب/3] في أثنائها هل تبطل الصلاة؟ وجهان، وقل ذكرنا نظير هذه المسألة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو افتتح المرتد الصلاة بالناس، ثم اعتقد الإسلام في الركعة الثانية وتاب فأدركته جماعة، فصلوا خلفه ولم يعلموا بحاله لا تصح صلاة الطائفة الأولى، لأنهم افتتحوها خلف كافر فلا فرق فيه بين العلم والجهل، وأما الجماعة الثانية: هل تصح صلاتهم؟ وجهان: أحدهما لا تصح، لأن من لا تصح خلفه صلاة طائفة مع الجهل بحاله لم تصح صلاة طائفة أخرى، كما لو بقي على كفره، والثاني: يصح، لأن الطائفة الثانية حيث افتتحوا صلاتهم كانت صلاة الإمام باطلة لفساد ابتداء صلاته لا بسبب كفره، وهو على ضعفه تصح صلاتهم خلفه ابتداء بحال، فلهذا صحت صلاتهم مع الجهل بحاله، كما لو ترك الإمام المسلم فيه الصلاة في الابتداء صحت صلاة المأموم لجهله بحاله بخلاف الطائفة الأولى.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا افتتح الصلاة خلف جنب فاعتقد الإمام الكفر في أثناء صلاته، والمأموم لا يعلم بالجنابة، ولا بالكفر، هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان: أحدهما يصح، لأن صلاة الإمام لم تبطل بالكفر [13 أ/3]، ولكن تفقد الطهارة وهذا لا يقدح في صلاة المأموم، وإن أمكن تعليق البطلان على الكفر أولى ههنا؛ لأنه قارن الجنابة في ابتداء الصلاة، وأحدهما يبغي الصلاة بكل حال دون الأخر، أعني الجنابة، فعلقنا البطلان بالأقوى، وأبطلنا صلاة المأموم وههنا أحدهما قارن الابتداء دون الأخر، فالسابق هو المبطل دون الآخر فلهذا صحت صلاة المأموم وهذا على القول الذي يقول: لا تجوز الصلاة خلف الكافر بحال فأما إذا قلنا: تجوز خلف الزنديق يجوز ههنا وجهاً واحداً.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا خطب الإمام للجمعة وهو معتقد الكفر ثم اعتقد الإيمان فصلى الجمعة والناس لم يعلموا بحاله هل تصح صلاة المأمومين؟ وجهان: فإذا قلنا: يصح هل عليهم إتمامها أربعاً؟ ينبغي أن يلزمهم الأربع؛ لأن الخطبة وجدت في حالة الكفر الذي يمنع جواز الائتمام في حال الجهل والعلم فيقدح في الخطبة أيضاً، وبهذا خالف إذا كان الإمام جنباً في حال الخطبة دون الصلاة، حيث صحت صلاة المأموم عن الجمعة إذا لم يعلم بالحال مع كون الطهارة شرطاً في [13 ب/3] الخطبة في أصح القولين؛ لأن افقد الطهارة يوجب الفصل بين حالة العلم وحالة الجهل في حالة الائتمام في الصلاة، فكذلك في حال الخطبة والكفر تمنع صحة الائتمام بكل حال في حالتي العلم والجهل، فيمنع جواز الخطبة في حق المأمومين أيضاً في الحالتين، ويجيء في الخطبة
جنباً أن يقال: ولا تصح صلاة المأموم عن الجمعة، وإن لم يعلم بالحال إذا اعتبرنا الطهارة فيها على القول الذي لا تجوز الجمعة خلف الجنب مع الحال.
فَرْعٌ آخرُ
إذا افتتح صلاة الصبح مثلاً خلف من يصلي على الجنازة، ولم يعلم وقلنا: لا يصح ذلك مع العلم، ثم علم ونوى مفارقته في الحال قبل التكبيرة الثانية هل تصح صلاته؟ وجهان:
أحدهما: تصح كالصلاة خلف الجنب.
والثاني: لا تصح كالصلاة خلف الكافر لأن العلامة ظاهرة في الغالب وهذا أوضح.
فرع
قال: إذا نذر أن يسجد سجدة، أو يركع ركوعاً واحداً يلزمه ما نذره، ولو نذر أن يقوم ويقرأ هل يلزمه القيام؟ يحتمل وجهين، أحدهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه لأن نذر القيام على انفراده لا يوجب شيئاً، فكذلك إذا نذره مع القراءة، وبهذا خالف [14 أ/3] الركوع والسجود؛ لأن نذر كل واحد منهما على الانفراد موجب للمنذور، فكذلك إذا نذرهما والأول أصح، والفرق بين القيام المجرد وبين الركوع، هو أن الركوع لا يفعل إلا عبادة فيلزم بالنذر بخلاف القيام: لأنه تشترك فيه العادة والعبادة ولا يتميز إلا بالذكر، فإذا تجرد لا يكون عبادة فلا يلزمهم بالنذر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو نذر أن يصلي ركعتين قاعداً، هل يصح النذر؟ وجهان: فإذا قلنا يصح هل يلزمه القيام؟ وجهان، أحدهما: يلزم، والثاني: لا يلزم لأنه استثنى إحدى الفرائض التي لا تمنع صحة الصلاة فقدها مع القدرة وذلك في صلاة النافلة، وحالة المرض في الفرض، وبه خالف سائر أركان الصلاة، فإذا قلنا بهذا: لو صلى قائماً أجزأه؛ لأن هذه الحالة هي أكمل من الحالة المنذورة فحصل ثلاثة أوجه في المسألة.
فرع
قال: إذا نذر أن يصلي ركعتين قائماً، وإن كانت المشقة الشديدة تلحقه لكبره أو مرضه فاشتد عليه القيام فهل يجوز القعود؟ وجهان: أحدهما: له ذلك لأن الصلاة الواجبة شرعاً هي آكد من هذه، ويجوز القصور فيها ففي هذه [14 ب/3] أولى.
والثاني: ليس له ذلك لأن نذره في هذه الحالة فلا يمتنع أن يلزمه لحق النذر ما لا يلزمه لحق الشرع، كالزائدة على الخمس لا يلزم شرعاً وإن لزمت نذراً وهذا هو أصح.
فَرْعٌ آخرُ
لو أحرم بالجمعة في وقتها ولكن لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة لم تصح في أحد الوجهين، وتصح في الوجه الثاني، كما لو أحرم في آخر ساعات الوقوف وهو يعلم أنه لا يمكنه الوقوف صح الإحرام، ومن قال بالأول فصل بينهما بأن الجمعة إذا فاتت بفوات الوقت يبقى حجاً، فلهذا صح الإحرام به، وإن علم الفوت بعد الشروع فيه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا قلنا: لا يلزم القراءة على المأموم في صلاة الجهر، فعلى صلاة الجهر خلف جنب، ولم يعلم بحاله، ولم يقرأ خلفه هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان: أصحهما لا يصح وأصلهما الجنب إذا أدركه المأموم في الركوع هل يكون مدركاً للركعة وجهان.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو أحرم بالعصر ظناً منه أنه قد دخل الوقت، ولم يكن دخل صح عن النفل، ولو علم أن الوقت لم يدخل لم يصح عن النفل ولو أحرم [15 أ/3] بالحج قبل أشهر الحج فإنه ينعقد عمرة في حال الجهل والعلم، والفرق أنه في الصلاة نوى الفرض فيما يعلم أنه نفل، ونوى العصر فيما يعلم أنه ليس بعصر، فتضمن ذلك إبطال الصلاة عن النفل: إذ الصلاة تبطل بنية الإبطال، وفي الحج إن نوى الحج فيما يعلم أنه عمرة فتضمن إبطال إحرامه عن العمرة، وبالنية لا يبطل الإحرام عما انعقد عنه تبين هذا أنه لو أحرم بالنفل، ثم نوى إبطاله عنه بطلت صلاته عن النافلة، ولو أحرم بالعمرة ثم نوى إبطال الإحرام عن العمرة لم تبطل فصح الفرق، وأيضاً نية الفرض لو طرأت على صلاة النفل مع العلم بطلت صلاته حتى لا يصح عن النفل أيضاً، فلهذا إذا قارنت إحداهما مع العلم بطلت أيضاً بخلاف نية الحج لو طرأت على العمرة مع العلم بالحال لم تبطل العمرة.
فلهذا إذا قارنت إحرامها لا يبطلها أيضاً، وعلى هذا لو كان في صلاة النفل فاعتقد في الركعة الثانية أنه في الفريضة، ومضى على هذا الاعتقاد صح ما فعله من النافلة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كان في صلاة الجمعة فاعتقد في أثناء الصلاة أنه يصلي الظهر قصراً، فإن تعمد [15 ب/3] إلى ذلك هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: لا يبطل وهذا إذا قلنا: إنه ظهر مقصور، والثاني: تبطل وهذا إذا قلنا: إنها صلاة منفردة عن الظهر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: المسافر إذا افتتح الصلاة بنية التمام، ثم اعتقد في الركعة الثانية أنه يصلي الظهر المقصور وأن إحرامه وقع بذلك، ثم تذكره في التشهد الأول هل يقع الاحتساب بالقدر المفعول بالنية الجديدة أم لا؟ الأوضح أنه يقع محسوباً؛ لأن صلاة القصر والتمام صلاة واحدة، وإنما يختلفان في العدد وهذا كما لو صلى الركعة الثانية بنية الأولى، فإنها تقع محسوبة عن الثانية؛ لأن الصلاة لا تختلف سواء كانت الركعة أولى وثانية، ويفارق هذا إذا صلى الركعة الثانية في الظهر بنية العصر يظن أنها العصر لم تصح هذه الركعة من الظهر: لأن صلاة العصر تخالف صلاة الظهر وعلى قياس هذا يجب أن يقال: إذا كان في الظهر فصلى الركعة الثانية وعنده أنه في الجمعة أو كان في الجمعة يصلي الثانية وعنده أنه في
الظهر أنه يصح ما فعله من الصلاة التي هو فيها؛ لأن [16 أ/3] صلاة الظهر والجمعة صلاة واحدة، ألا ترى أن إحداهما تبنى على الأخرى.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا أحرم بالجمعة في وقتها فطولها حتى تحقق وهو في الركعة الثانية أن الوقت ينقضي قبل الفراغ من الصلاة، إن اقتصر على الفرائض وترك السنن والهيئات، هل تصير هذه الصلاة ظهراً الآن؟ إنما تصير ظهراً بعد خروج الوقت، الذي عندي أنها تصير ظهراً الآن، لأنه لما تحقق أن أداء الجمعة لا يصح بالإحرام الذي فعله وتحقق أن الإحرام لا يفسد، لأنه وقع في حال اتساع الوقت لم يبق بعد هذين إلا الجواز عن الظهر، ويوضحه أن افتتاح الجمعة لا تصح في هذا الزمان بحال لأحد من الناس، فإذا بلغ المصلي أن هذه الحالة وجب أن تبطل صلاته عن الجمعة، كما لو خرج الوقت ودخل وقت الحصر، فإن قيل: ما يقول في الأمة شرعت في إحرام الحج أو العبد، وعلم أنه يصير حراً قبل فوات زمان الوقوف، مثل أن يكون السيد علق عتقه بدخول يوم عرفة، هل تنقلب حجه إلى حجة الإسلام في الابتداء أم عقيب طلوع الفجر يوم عرفة؟ قلنا: ينقلب [16 ب/3] عقيب الطلوع يوم عرفة، وقيل: ذلك لا ينقلب وإن كان المعلوم أنه ينقلب إلى حجة الإسلام، والفرق أن ابتداء الإحرام بحجة الإسلام لا يصح قبل الحرية، فلهذا لا ينقلب الإحرام إليها في ذلك، وابتداء الإحرام بالظهر صحيح في هذا الوقت؛ لأنه لا يتسع لأداء الجمعة فيه، فجاز أن ينقلب إحرام الجمعة إليه في هذا الوقت، كما إذا فعل ذلك بعد دخول وقت العصر، وفيه وجه أخر أن هذه الصلاة إنما تصير ظهراً إذا دخل وقت العصر، لأن الموجب لانقلاب هذه الصلاة إلى الظهر فوات الوقت، ولم يوجد الآن، ولا يمتنع أن لا يصح الابتداء بالجمعة في هذا الوقت، وتصح الاستدامة، كما يجوز استدامة الصلاة بالتيمم مع رؤية الماء، وإن لم يجز الابتداء.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا صلى الفريضة والنافلة، ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما ولا يدري لا يلزمه إعادة الفريضة، لأنه شاك في وجوب الإعادة فلا يلزمه الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا افتتح الصلاة، ثم ظن أنه لم يفتتحها فتكلم لا تبطل صلاته، ويفارق هذا الصائم إذا تسحر، ثم علم أنه كان نهاراً، لأنه وجد [17 أ/3] نوع تفريط من جهته لتمكنه من ترك الأكل حتى يتيقن بقاء الليل، وههنا لا تفريط بوجه.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أم الأمي في الجمعة بأربعين رجلاً هم أميون، فإن قلنا: صلاة القارئ تجوز خلف الأمي صحت الجمعة، وإن قلنا: لا تجوز صلاة القارئ خلفه وهو الأصح، فيه
وجهان: أحدهما: لا تجوز؛ لأن الجمعة تلزم الأعيان وتجمع الجماعات ولا تصح على الانفراد، ولا تفعل مرتين، فاعتبر أن يكون الإمام فيها على صفة تصح صلاة جماعة الناس خلفه بخلاف سائر الصلوات، والثاني: يجوز وهو الأصح، لأن من تنعقد به الجمعة يجوز له الانفراد بالجمعة مع أمثاله، وهذا أشبه؛ لأن أصحابنا أطلقوا جواز صلاة الأمي خلف الأمي.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا أدرك الإمام في سجود الركعة الثانية في صلاة الجمعة شرع فيها بنية الظهر فلو نوى الجمعة هل يصح إحرامه؟ فإن قلنا: صلاة الجمعة والظهر صلاتان مختلفتان فلا يصح إحرامه عن الظهر، وإن قلنا: إنها ظهر مقصورة ففيه احتمال وعندي أنه لا يجوز إذا علم أن الواجب عليه نية الظهر، ويجوز إذا لم [17 ب/3] يعلم ذلك؛ لأن نية الجمعة تقتضي نية الخروج من هذه الصلاة التي تنعقد إذا انعقدت ظهراً، وهذه النية تبطل الصلاة في حالة العمد دون حالة الخطأ، وهذا كما لو نوى المسافر القصر في موضع الائتمام، فإنه تبطل صلاته مع التعمد ولا تبطل مع الجهد.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو قال قائل: أليس لو أدركه في الركوع في الثانية، ثم سلم الإمام فقام وصلى ركعة أخرى، ثم علم أنه ترك سجدة من إحدى الركعتين ولم يدر من أيتهما ترك صحت له منهما ركعة ويبني عليها الظهر، وإن قلنا: هما صلاتان مختلفتان؟ قلنا: فيه وجهان أيضاً، أحدهما: يستأنفها ظهراً ذكره الإمام الاسفرائيني على هذا القول، والثاني: يبني.
والفرق أن فيما ذكرتم نوى الجمعة في الحال التي لا يتمكن من أدائها بحال فافترقا.
فَرْعٌ آخرُ
لو دخل المسافر بلداً وهو على عزم الظعن أو كان مقيماً على حرب وجاوز أربعة أيام هل يجوز له ترك الجمعة؟ فإن قلنا: له أن يقصر له تركها وإلا فلا، وجملته: أنه إذا جاز قصر السفر فالجمعة لا يجب، وإذا لم يجز ذلك وجبت [18 أ/3] هذه ونحن وإن قلنا: الجمعة هي ظهر مقصور بقصر السفر ووجوب قصر الحضر لا يجتمعان، ولكن جواز قصر السفر يجتمعا ويجوز أن يجتمع جواز قصر السفر، ووجوب الجمعة في موضع، وهو إذا نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر، وقلنا: يجوز قصرها على أحد القولين.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات مختلفة، ثم تعينت له القبلة تعييناً ولا يدري عين الصلوات التي أداها إلى غير هذه الجهة، هل عليه إعادة جميعها إلى هذه الجهة؟ وجهان:
أحدهما: يلزم كما لو صلى أربع صلوات قلنا: منها بغير طهارة ولا يعرف عينها، والثاني: لا يلزم، كما لو قضى بأربع حكومات، ثم علم أنه أخطأ النص في ثلاث منها ولا يعرف عينها فإنه لا ينقض شيئاً منها، وإن كان الحكم منقوضاً عند تعين الخطأ في
حكومة منها، ولا يختلف القول إنه قيل: إن تيقن عين القبلة لا يلزم إعادة الصلوات الثلاث إلى الجهة الرابعة؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهذا التفريع على القول الذي يقول: إذا تيقن الخطأ معيناً في القبلة يلزمه إعادة الصلاة، ومثل هذا إذا مس الخنثى [18 ب/3] المشكل فرجه وصلى الظهر، ثم بعد وضوء آخر مس ذكره وصلى العصر، ثم تبين أنه رجل أو امرأة ولا يدري عين الصلاة التي أداها عند مس الفرج والتي أداها عند مس الذكر، فعليه إعادتهما قولاً واحداً، وقيل: تبين حاله هل يلزمه الإعادة؟ عندي لا يلزمه، ورأيت بعض أصحابنا يوجب إعادتهما، والأول أظهر، وعلى هذا لو تيقن النوم، ولم يدر هل كان في حال القعود أو في غيره؟ ففي وجوب الوضوء احتمال وجهين، إذا قلنا: إن نوم القاعد لا ينقض الوضوء.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا كان يصلي خلف الإمام، فها إمامه وأراد أن يسجد للسهو والمأموم في التشهد الأخير، فإن كان قد قرأ القدر المفروض من التشهد قطع تشهده وتابع الإمام، فإذا سجد وسجد هو لا يقرأ ما بقي من تشهده، ولكنه يسلم إذا سلم الإمام، لأن هذا أقرب إلى ما وضع عليه أمر سجود السهو وهو التأخير إلى آخر الصلاة، وإن كان المأموم لم يفرغ من القدر المفروض يتبع الإمام في السجدتين، فإذا فرغ تم تشهده، هل يعيد سجدتي السهو؟ قولان.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهاً لا يقطع التشهد، بل يتم المفروض [19 أ/3] ثم يتبعه كالإمام إذا ركع قبل إتمام المأموم الفاتحة، وكان قد افتتح الصلاة معه فعليه إتمام الفاتحة، ثم إتباعه، ومن قال: بالأول يشبه هذا بما لو سجد الإمام للتلاوة وهو في أثناء الفاتحة عليه المتابعة، ثم يعود إلى فرض نفسه كذلك ههنا.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا نذر الصلاة على الجنازة، وكان قد صلى عليها مرة هل يصح النذر؟ وجهان: إحداهما: لا يصح وهذا إذا قلنا: إن الصلاة على الجنازة بعد سقوط الفرض تقع فرضاً كالأولى، وقد ذهب إليه كثير من مشايخنا فلا معنى للنذر في الفروض، والثاني: يصح لأنها صلاة تلزم شرعاً فصح وجوب جنسها بالنذر كسائر الصلوات وهذا أصح؛ لأن الصلاة الثانية لا يمكن عند التحقيق أن يقال بوجوب الشرع فيها، لأن ذلك لو وجب لبطل قولنا إن الفرض قد كان سقط بالفعل الأول.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو نذر رجل أن يصلي وأطلق، ثم سجد سجود القرآن لم يسقط فرض النذر، ولو صلى على الجنازة هل يسقط النذر؟ وجهان، والفرق أن هذه تسمى صلاة عرفاً وشرعاً بخلاف ذلك [19 ب/3].
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا صلى على رجل وعنده أنه امرأة، أو كان بعكس ذلك ففي الجواز وجهان،
وكذلك إذا صلى خلف رجل وعنده أنه فلان فإذا هو غيره فيه وجهان أيضاً، وهذان الوجهان إذا نوى الصلاة خلف الشخص الواقف للإمامة إلا أن عنده أنه فلان فإذا هو غيره، فأما إذا لم تحضره هذه النية عند الإحرام فنوى خلف فلان فكان غيره لا يصح وجهاً واحداً، ولو نوى أنه يصلي خلف إمام وعنده أن اسمه زيد فكان اسمه عمراً يجوز بلا خلاف.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو نوى الصلاة خلف واحد إلا تسبيحات الركوع والسجود فإنه لا يؤديها خلفه، أو نوى الصلاة خلفه سوى الركعة الأخيرة، أو نوى الصلاة خلفه إلا الركعة الثانية، أو الثالثة، ففي هذه المسائل الثلاث وجهان: وأصلهما أن من افتتح الصلاة منفرداً هل له ضمها إلى صلاة الإمام؟ وهل يجوز بعد مفارقة الإمام وبقاء بعض الصلاة عليه أن يضم صلاته إلى صلاة الإمام التي يفتتحها بعد الأولى؟ وفيهما جميعاً قولان:
أحدهما: لا يجوز فعلى هذا لا يصح فيما نحن فيه، والثاني: يجوز فعلى هذا يصح فيما نحن فيه، ولو نوى الصلاة [20 أ/3] خلفه سوى الركعة الأولى صحت صلاته على القول الثاني في الأصل الذي ذكرناه، وعلى القول الأول لا يصح، فإذا قلنا: بالأول فهل تصير صلاته بعد الركعة الأولى جماعة بهذه النية أم تعتبر فيه مستأنفة؟ يجب أن يقال: تعتبر نية جديدة لأن تقديم نية الجماعة على ما يكون مؤتماً فيه بإمامه لا يقع صحيحاً، كما لا يصح تقديم نية الصلاة خصوصاً إذا كان بزمان طويل.
فَرْعٌ آخرُ
قال: هل يجوز رفع اليد النجسة في الدعاء خارج الصلاة؟ يحتمل أن يقال يكره في غير حائل ولا يكره في الحائل، كتحريم مس المصحف بيده النجسة وهو على طهارة تزول بكونها في حائل، وإذا جاز هذا الفرق فيما طريقه التحريم جاز أيضاً فيما طريقه الكراهة، وتحتمل الكراهة في الموضعين، لأن المقصود رفع اليد دون الحائل، والتعبد بهذا ورد ويخالف مس المصحف؛ لأن اليد فيه من جهة التعبد كالحائل ولا يجيء القول فيما نحن فيه بالتحريم.
فَرْعٌ آخرُ
صلاة الصغيرة الحرة بغير خمار هل تجوز؟ ظاهر الخبر يقتضي لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لحائض إلا بخمار"، أي: لمن بلغت المحيض [20 ب/3] فصح أن ذلك يختلف باختلاف حال المرأة، فإذا كانت صغيرة لا يشترط الخمار، وعندي المذهب أنه لا يجوز، وقد تقدم هذا، وقال أيضاً، هل تجوز صلاة الظهر من الصبي قاعداً مع القدرة على القيام؟ وجهان، والأصح لا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا افتتح الصلاة منفرداً وسها فيها، ثم ضمها إلى صلاة الإمام، وجوزنا في أحد القولين: هل يسقط عنه سجود السهو؟ يحتمل أن يقال: يسقط؛ لأن من أدرك
جزءاً من الصلاة مع الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة، فجرى ذلك السهو كأنه وجد خلف الإمام والأول أولى.
فَرْعٌ آخرُ
إذا شك في خروج وقت الصلاة قد ذكرنا أنه يجوز الصلاة بنية معلقة ويجيء أن يقال: لا يجوز عن الفائتة إن كان الوقت خارجاً، ويجوز عن الأداء إن كان الوقت باقياً، لأن نية الفائتة غير مبنية على أصل، ونية المؤقتة مبنية على أصل.
ويفارق هذا مسألة رمضان؛ لأن الفطر لا يحتاج إلى النية فصح الصوم، وإن كان من رمضان، لأن الأصل بقاء الشهر، وعلى هذا الوجه لا يجيء أن يقال: لا يجوز عن صلاة الوقت أيضاً إن كان الوقت باقياً من جهة امتناع تبعيض [21 أ/3] النية في الفساد والصحة، وذلك أن الشافعي رحمه الله جعل صلاة من افتتحها بنية الفرض قبل الوقت نافلة لبعض النية فلا يمتنع التبعيض في هذا.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا صلى العصر خلف من يصلي الصبح فترك الإمام القنوت ولم يسجد للسهو، فهل يسجد المأموم؟ على قول الشافعي دون المزني يحتمل أن يقال: يسجد، لأنه سجود لزم إمامه، ولا يقال: لا يدخل للقنوت في صلاة العصر التي هي صلاة المأموم، لأنه إذا جاز أن يسجد بكلام الإمام سهواً، وإن لم يقع ذلك الكلام في صلاته جاز أن يسجد لترك الإمام القنوت في صلاته وإن لم يترك هو وليس عليه ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا شك خلف الإمام في الظهر، هل صلى ثلاثاً أم أربعاً هل يسبح بالإمام؟ يحتمل أن يقال: لا يسبح؛ لأن الأظهر أن الإمام يعتقد أنه صلى أربعاً والمأموم لا يتيقن خطأه فيه فلا يأذن له من تشكيك الإمام وتشويش الأمر عليه ويجيء أن يقال: يسبح، لأن شكه في الصلاة كاليقين، ألا ترى أنهما سواء في حق نفسه، وكما لا يلزم الإمام العمل على شك المأموم لا يلزمه [21 ب/3] النزول عند يقينه أيضاً فهما سواء.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا أخرج المأموم نفسه من صلاة الإمام على الوجه الثاني فعليه أن يتمها أربعاً ويسجد للسهو، وإن كان الشك منه خلف الإمام، لأن مثل هذا الشاك إنما يسجد للسهو لإتيانه بالزيادة المتوهمة لا لمجرد الشك، ألا ترى أنه لو شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، وهو منفرد أو إمام ثم علم في الحال أنه صلى أربعاً لا يسجد للسهو، وهذه الزيادة حصلت منه حال الانفراد فلا بد من سجود السهو، وهذا واضح.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا قلنا: يجوز أن يكون الإمام في الجمعة عن الخطيب، وقلنا في المراهق: إنه لا يجوز أن يكون إماماً لهم وهذا في الخطبة أولى لأنها آكد.