بحر المذهب للرويانيصفحات 218-257

على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتهجد: اسم الصلاة بعد الهجود، وهو النومء والمستحب أن يصلي الوتر في آخر صلوات الليل.
قال: "ثم ركعتا الفجر".
الفصل إلى أن [189 ب / 2] قال: "وقالوا، أي: وقال أصحابنا: إن فاتته الوتر حتى يصلي الصبح لم تقض".
الفصل وهذا لا يليق بما ذكروا من تأكيد أمر الوتر وركعتي الفجر، ثم أيد ذلك بإعادة ما قال الشافعي في جواز قضاء الفرض والصلوات التي لها سبب في الأوقات المنهية، واستدلالاً له بالأخبار، فأعاد المزني كل ذلك على وجهه، ثم هال في آخره: "يقال لهم، أي: لأصحابنا: فإذا استويتم في القضاء بين التطوع الذي ليس بأوكد وبين الفرض لدوام التطوع الذي ليس بأوكد، أي: جعلتم السبب فيه الدوام على العمل، فلم أبيتم قضاء الوتر الذي هو أوكد؟ ثم ركعتي الفجر، وهما أوكد من الكل"، ثم قال: "أفتقضون الذي ليس بأوكد، ولا تقضون الذي هو أوكد؟ وهذا من القول غير مشكل"، أي: خطأه وضعفه.
ثم أيد ذلك بقوله: ومن احتجاجكم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها"، فقد خالفتم في ذلك قضاء الوتر وركعتي الفجر، ثم لزم نفسه سؤالاً، فقال: "فإن قيل القضاء على القرب"، أي: قضاء النوافل، إنما يكون على القرب من وقتها لا على البعد أبطلنا هذا بأنه لو صح هذا لما قضى ركعتا الفجر نصف النهار لبعد قضائها من طلوع الفجر، وأنتم تقولون: يقضي ما لم يصل الظهر وينبغي إذا صلى الصبح عند الفجر أن يقضي الوتر، لأن وقتها إلى الفجر أقرب، ثم قال: "وفي ذلك إبطال ما أعللتم به من القرب والبعد"، وقيل: كل موضع يقول المزني: قال بعض الناس: يريد به أبا حنيفة، وإذا قال: قال أصحابنا: يريد مالكاً، ثم اعلم إن أجابوا عما ذكر المزني، فقالوا: الصلاة على ضربين: فرض ونفل.
وما عدا الفرض، هو النفل، وهو على ضربين: ضرب سق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته، وضرب لم يسن رسول الله شر، وإنما يصلي الأنفال عن تلقاء نفسه [190 أ / 2]، فأما التطوع الذي سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته ضربان: ضرب سنت له الجماعةء وهو خمسة: العيدان والخوفان والاستقاء.
وضرب لم يسن له الجماعة، وهو الوتر وركعتا الفجر وغيرهما، وكل واحد من هذين الضربين بعضه أوكد من بعض.
وأما ما سن له الجماعة، فهو أوكد من سائر السنن، لأنه يشبه الفرائض للاشتراك في الجماعة، والمذهب أن جميعها سنة مؤكدة.

وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: أن كلها فرض على الكفاية لقوة سببها، وظهور شرائع الإسلام بها، فعلى هذا يستوي حكم جميعها في الفضل وليس بعضها أوكد من بعض.
والثاني: ما ذكرنا فعلى المذهب فيها وجهان: أحدهما: في الفضل سواء لاستواء أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها وفعله لها.
والثاني: وهو الأظهر أن بعضها أوكد من بعض، فأوكدها صلاة العيدين، لأنها صلاة راتبة سنت لها الجماعة في وقت معلوم لا لعارض، فهي كالفرائض، ثم بعد صلاة الخسوف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما تركها قط، وهي أكثر عملاً، فإنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، ولأن الله تعالى ذكر الخسوف والكسوف، وذكر عقبيهما السجود، ولم يذكر ذلك في شيء من الآيات، ولأنها عبادة محضة، لا يخالطها شي،.
وقال في "الحاوي": "ثم صلاة كسوف القمر، ثم صلاة خسوف الشمس، ثم صلاة الاستسقاء" التي هي عبادة.
ومسألة، فهي بعد الكل.
وأما ما لم تسن له الجماعة: فالوتر وركعتا الفجر آكد من غيرهما، وفي الوتر وركعتي الفجر أنهما آكد، قولان.
قال في "القديم": "ركعتا الفجر آكد"، وبه قال أحمد.
وقال في كتبه الجديدة: "الوتر آكد"، وبه قال مالك: وجه الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوتر: "إن الله تعالى زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء والفجر".
ومعلوم أن حمر النعم بعض الدنيا وما فيها.
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي [190 ب / 2]- صلى الله عليه وسلم - "ما ترك ركعتي الفجر في سفر ولا حضر".
وقالت أيضاً: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح".
وقالت أيضاً: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرع إلى شيء منه إلى ركعتي الفجر ولا إلى غنيمة ينتهزها".
وقالت أيضاً: "صلوا ركعتي

الفجر ولو طردتكم الخيل"، لأن ركعتي الفجر تحصر بعدد لا يزيد ولا ينقص، فتشبه فريضة الصبح بخلاف الوتر.
ووجه القول الجديد، وهو الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يوتر فليس منا".
وروى أبو سعيد الخدري رضي لله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نسي الوتر أو نام عنه، فليصله إذا ذكر أو أصبح"، لان الناس اختلفوا في وجوب الوتر، ولم يختلفوا أن ركعتي الفجر سنة، ولان الشافعي رضي الله عنه، قال: "ويشبه أن يكون الوتر صلاة التهجد"، فإذا قلنا بالأول، فاولاً ركعتا الغجر، ثم ما عداهما، وإذا قلنا بالقول الثاني، فيه وجهان: أحدهما: الوتر ثم ركعتا الفجر، ثم ما عداهما.
والثاني: الوتر ثم صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر، ذكره أبو إسحق، وهذا لأن قيام الليل كان نائباً عن الفرائض، وورد به القرآن، وهذا غير صحيح لما ذكرنا أن صلاة التهجد هي: الوتر ولهذا قال الشافعي: "من ترك واحدة منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل".
وأراد به: الفجر وركعتي الوتر، فدل أنه لا ثالث بينهما، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم القضاء، فالصلوات على ثلاثة أضرب: صلاة تؤدى وتقضى، وهي الصلوات الخمس تؤدى في الوقت وتقضى في خارج الوقت، وصلاة تؤدى ولا تقضى بعد فوات وقتها، وهي كل صلاة تفعل لعارض، وهي صلاة الخوف والكسوف والاستقاء، وصلاة الجنازة تفعل لعارض، ولا تقضى، ولكن لا يفوت وقتها، فإن كل الزمان وقت لها، وصلاة تؤدى، وفي القضاء قولان، وهي كل نافلة لها وقت [191 أ / 2] راتب فوقت الوتر لا يريد قيام الليل عقيب فعل العشاء، ولا يزال وقته قائماً مع وقت العشاء، وفي وقته المختار قولان، كما ذكرنا في العشاء، ويبقى وقت جوازه إلى طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني فقد دخل وقت ركعتي الفجر، ولا يزال وقتهما قائماً حتى تطلع الشمس، وقيل: وقتهما ممتد إلى زوال الشمس بظاهر لفظ الشافعي، وعندي هذا ضعيف، والأفضل تقديمهما على الفرض، فإن أخرهما جاز.
ووقت سنة الظهر حين تزول الشمس، ولا يزال وقتهما قائماً مع بقاء وقت الظهر، فإذا خرج وقت الظهر فات وقتهما، وليست مع العصر سنة راتبة، والمغرب سنتها عقيبها، فإذا فاتت هذه النوافل عن أوقاتها، هل تقضى؟ قد ذكرنا قولين: قال في "القديم": "تقضى"، وهو الصحيح، وذكره في "الجديد" أيضاً على ما حكاه بعض أصحابنا، وهو اختيار المزني، وبه قال أحمد في رواية، ووجه خبر أم سلمة

رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى ركعتين بعد العصر كان يمليهما بعد الظهر"، ولأنها صلاة راتبة في وقت، فأشبهت الفرائض.
وقال ههنا: لا تقضى، وأومأ إليه في "القديم" أيضاً.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأنها نافلة، فلا تقضى كصلاة الخوف، وقيل: ما كان من صلاة النهار تقضى نهاراً، وما كان من صلاة الليل تقضى ليلاً في وجه، وهو بعيد، فإذا قلنا: لا تقضى سقطت، فإن تطوع فصلى كانت تطوعاً ابتداء بغير سبب فيكره فعلها في الأوقات المنهية، وإذا قلنا: تقضى، يجوز قضاؤها في الأوقات المنهية، ويأتي بالتي فاتته بنية القضاء، فعلى هذا وقت القضاء بعضه أوكد من بعض، فالأولى أن يقضي ما لم يأت بمكتوبة من وقت صلاة أخرى، فيقضي الوتر ما لم يطلع الصبح، فإذا فعلها، قال في "القديم".
وقله المزني: "لم يقض الوتر"، ولذلك قال في ركعتي الفجر: يقضيها بالنهار [191 ب / 2] ما لم يفعل الظهر.
وقال أبو إسحق رحمه الله: معناه لم أحث على قضائها بعد فعل الفرض كما أحث عليه قبل فعل الفرض، ويقضيهما أبدأ.
والمسألة على قول واحد: إنه يقضي جميع النوافل.
وهذا اختيار القاضي الطبري، قال: والدليل عليه أن الشافعي قال: "يصليها ما لم يصل الظهر"، فلو كانت تسقط بالفوات لسقطت بطلوع الشمس.
وقيل: قول المزني عن الشافعي لا يقضي، أراد لا يقضي واجباً، كما قال أبو حنيفة.
وقيل: تأويله لا بقضي في هذه الحالة بل يقدم الصلاة التي دخل وقتها، لأنها أهم وأولى.
ثم يقضي ما فات من الوتر وركعتي الفجر.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يقضي، هل يسقط فعلها بفعل الصلاة الأخرى أم بدخول وقتها؟ وجهان: أحدهما: بدخول الوقت فتسقط صلاة الوتر بطلوع الفجر وركعتا الفجر بزوال الشمس.
وقول الشافعي: "حتى يصلي الصبح" عبارة عن دخول الوقت، لأنه يستحب أن يبادر إلى فعل الفريضة، فعبر بفعلها عن دخول وقتها.
والثاني: بفعل الصلاة، فيقضي الوتر بعد الفجر قبل صلاة الصبح، ويصلي ركعتي الفجر بعد الزوال قبل صلاة الظهر، فإذا صلاها سقطت.
ومن أصحابنا من قال في "القديم": ما كان من صلاة النهار يقضى ما لم تغرب الشمس وما كان من صلاة الليل يقضى ما لم يطلع الفجر، فعلى هذا يقضي ركعتي الفجر ما دام النهار باقياً، وهذا غريب ضعيف.
ومن أصحابنا من قال: جميع النوافل يقضي إلا أربع صلوات، فإن فيها قولين: الوتر وركعتي الفجر، وصلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى.

ومن أصحابنا من سلم المزني ما نقله، وقال: المعنى ليس ما ذكرت من القرب والبعد، ولكن المعنى أن الوتر تابع لصلاة العشاء، فلو قضاها بعد الصبح صارت تابعاً لصلاة الصبح.
وكذلك لو قضى ركعتي الفجر بعد الظهر صارت تابعة للظهر، وذلك لا يجوز وليس فيه أنه لا يجوز القضاء بعد ذلك ويكره له القضاء، [192 أ / 2] ولكنا لا نأمر بذلك ولا نندبه إليه، والاعتماد على أن ما اختار المزني، هو القول الصحيح وأولنا القول الآخر، فلا يحتاج الجواب، وهكذا لو كان له ورد وراتب كصلاة الضحى والتهجد فنسيه، ثم ذكرها، هل يقضيها على القولين؟ والصحيح عندي أنها تقضى.
وأما الضرب الآخر من النوافل التي لم ين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسيأتي في باب آخر إن شاء الله تعالى.
فرع إلى متى تمدد ركعتي الفجر؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى أن يصلي الصبح.
والثاني: إلى أن تطلع الشمس، لأنه وقت الصبح.
والثالث: إلى الزوال، لأنه لم يصل بعد الصبح فريضة أخرى.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب إذا في غ من ركعتي الفجر أن يتحدث أن يضطجع ليكون فصلاً بين النفل والغرض.
والأصل فيه: ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "صلي ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يقوم إلى الصلاة".
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب أن يخفف ركعتي الفجر، قالت عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخففهما حتى أني لأقول، هل قرأ فيهما القرآن أم لا؟ ". وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون: 1)، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1] ". فَرْعٌ آخرُ السنة قبل الظهر إلى متى وقتها؟ وجهان: أحدهما: إلى أن يصلي الظهر.

والثاني: ما لم يخرج وقت الفرض.
وسنة المغرب، يمتد وقتها إلى سقوط الشفق وسنة العشاء إلى طلوع الفجر، وفيه وجه آخر سنة المغرب، إلى أن يصلي العشاء وسنة العشاء إلى أن يصلي الصبح وفي آخر وقت الوتر قولان: أحدهما: إلى طل ح الفجر.
والثاني: إلى أن يشتغل بفريضة الصبح.
وروي أن علياً رضي الله عنه [192 ب / 2] سمع تثويب المؤذن، فقال: "نعم، ساعة الوتر هذه"، وتلا قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 17 - 18].

باب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان

مسألة: قال: "الفرض خمس في اليوم والليلة".
الفصل وهذا ما قال: القصد من هذا الباب ذكر أقسام التطوع، وبيان أحكامه، ولكنه افتتح بذكر حصر الفرائض من الصلوات في اليوم والليلة ليعلم أن ما عداها تطوع، قال: الفرض خمس وذكر حديث الأعرابي وقد مضى هذا فيما قبل، وبقولنا قال مالك والثوري والليث والأوزاعي وأحمد واسحق رحمهم الله، وقال أبو حنيفة مع أصحابه رحمهم الله: "الوتر واجب وليس بفرض"، وهذا غلط لما تقدم، وأيضا روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث هن على فرض ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الفجر".
وأيضاً روى ابن محيريز: أن رجلاً من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام مكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب.
قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه فأخبرته، فقال: كأب أبو محمد، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وجاءهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله أن يغفر له، وإن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه".
ثم ذكر بعد هذا أقسام التطوع على ما جرى في الباب قبله إلا أن موضعها في هذا

الباب، فلذلك أعاد الذكر ههنا.
قال: التطوع وجهان، ثم ذكر المسألة التي اعترض عليها في الباب قبله، وقال في أثنائه.
قال الشافعي رضي الله عنه: مران فاتته ركعتا الفجر [193 أ / 2] حتى تمام الظهر لم يقض، لأن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقد أخل بنقل خبر أبي هريرة ههنا من وجهين: أحدهما: نقله موقوف عليه، وهو مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: أوهم أن الشافعي استدل على أن ركعتي الفجر لا تقضى بعد الظهر بهذا، وليس كذلك،.
بل استدل على أن من دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة لا يشتغل بركعتي الفجر.
وهذا مذهبنا في الرجل إذا دخل والإمام في صلاة الصبح دخل معه في الفرض، ثم صلى بعد الفراغ منها ركعتي الفجر.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: "إن رجا إدراك ركعة من الفرض صلى ركعتي الفجر في رحبة المسجد أو في زاوية منه، ثم دخل معه في الفرض، وان خاف فوت الفريضة دخل معه في الفريضة، ولا يقضيها"، وهذا الخبر نص في هذا الموضع على خلاف ما قال.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: روي في هذا الخبر زيادة وهي أنه قيل: يا رسول الله، "وإن كانت ركعتي الفجر، قال: وان كانت ركعتي الفجر"، وروي أنه قيل: "ولا ركعتا الفجر؟ فقال: ولا ركعتا الفجر".
ثم ذكر هذا أنه كيف يستحب في النوافل أن يصليها؟ وكيف يجوز أن يصليها؟.
وروي خبر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ونقل المزني هذا القدر وكان من حقه أن ينقل تمام الخبر، وهو قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح، فليوتر بركعة" لأنه عطف على هذا الخبر ما لم يخشى إلا بعد ذكر تمامه، وهو قوله في ذلك دلالتان إحداهما: أن النوافل مثنى مثنى.
والثانية: أن الوتر واحدة، وهذه الدلالة الثانية لا مخرج إلا في آخر الخبر الذي ترك المزني روايته، وجملة الكلام فيه أن نقول: الصلاة ضربان: فرض ونفل.
والفرض فرضان: فرض العين كالصلوات الخمس، وفرض الكفاية كصلاة الجنازة، والنفل ضربان: سنة راتبة.
وقد ذكرناها، وسنة يتبرع بها، [193 ب / 2] فله ذلك،.
أي عدد شاء.
وقيل: أفضل ما يتطوع به من العبادات التطوع بالصلاة كما أن أفضل الفرائض صلاة الغرض، وهذا لأنها تجمع من القرب ما لا يجمع غيرها.
ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "خير

أعمالكم الصلاة".
والتطوع ضربان، ما كان تبعاً للفرائض، وما ينشأه بنير سبب.
فأما ما هو تبع للفرائض، ففي عدد ركعاته وجوه: أحدها: ما حكى البويطي عن الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده، وركعتين قبل العصر، وركعتين قبل صلاة الفجر، فيحصل مع ركعتي المغرب وركعتي العشاء اثنتا عشرة ركعة".
وقيل: ذكر في البويطي ثماني ركعات: ركعتين قبل الصبح وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب لم يذكر الوتر، وهو ثلاث ركعات، فيصير إحدى عشرة ركعة، وهذا أدنى الكمال، وقيل: ثلاث عشرة وزاد على هذا ركعتين بعد العشاء.
وقيل: إثنتا عشر ركعة على وجه آخر، وهي ركعتان قبل الصبح وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء غير الوتر، ولم يل كر قبل العصر شيئاً.
وهذا اختيار أبي حامد لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة".
وقيل: عشر ركعات سوى الوتر، وأسقط هذا القائل ركعتين من الأربع قبل الظهر.
وقال صاحب "الإفصاح": "ثماني عشر ركعة غير الوتر، ومع الوتر إحدى وعشرون ركعة".
وهذا على الكمال لما روى علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتينء وقبل العصر أربع ركعات يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ". وروي إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين".
وروت أم حبيبة رضي الله عنها [194 أ / 2] أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار".
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً".
واختلف في كيفية العدد عن صاحب "الإفصاح"، فقال بعضهم: ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وأربع قبل العصر وركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها وركعتان بعد العشاء.

وقال بعضهم: أربح قبل الظهر وأربح بعدها، ولم يذكر ركعتين قبل المغرب.
وهذا أصح، وقد تعارفت الأخبار في الركعتين قبل المغرب، فروى البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته، ولم يذكر قبل المغرب شيئاً".
وروى المختار بن فلفل عن أنى رضي الله عنه أنه قال: "صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت لأنس: رآكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: نعم وأنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا".
وروي هذا عن عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب رضي الله عنهما، وقال طاوس: سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الركعتين قبل المغرب، فقال: "ما رأينا أحداً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما".
وقيل: ست عشر ركعة غير الوتر وأنكر هذا القائل الركعتين قبل المغرب.
وقال: هو مذهب الحنابلة ونسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - "بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب".
وقيل: بل يستحب أن يصلي قبل المغرب، وجهان: والصحيح أنه لا سنة للعصر.
وكان يستحب أن يصلي قبلها وكم قدر المستحب؟ وجهان: أحدهما: ركعتين.
والثاني: أربعاً.
وقال ابن أبي أحمد: سبع عشرة مع الوتر ركعتان قبل الصبحء وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر [194 ب / 2] وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وثلاث مع الوتر بتسليمتين، ثم قال: قلته في العصر تخريجه، وهذا لا معنى له، لأن معنى السنة ما داوم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يداوم على السنة قبل العصر.
وقال الإمام أبو عبد الله الخضري: "لا سنة للعشاء"، وذكر ركعتين بعدها من صلاة الليل، لأنه ليس في خبر أم حبيبة، ولا خلاف أنه لا سنة قبل صلاة العشاء.
وذكر الباقي نحو ما اختار أبو حامدٍ.
وأما النوافل التي ينشأها بغير سببٍ فهي كل نافلة يتبرع بها في غير الأوقات المنهية، وهي دون ما تقدم، لأن الموقتة بأوقات الفرائض صارت مشابهة للفرائض في

أوقاتها، فكانت آكد من غيرها، وفعل هذه النوافل يجوز ليلاً ونهاراً في الجملة والأفضل في هذا القسم صلاة التهجد، وهي صلاة الليل، ومن صلى قبل النوم لا يسمى متهجداً، وهي أفضل من صلاة النهار أيضاً.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار"، وأراد في نهار القيامة، ولأن الليل وقت الخلوة وانقطاع الذكر ويكون الناس في غفلة، فالعبادة فيه أفضل لهذا.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من دخل السوق على غفلة من الناس فقال: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
كتب له بكل فصيح منها وأعجمي" يعني: من الأجر، والفصيح: الآدمي، والأعجمي: البهيمة.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ذكر الله في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة".
وقال أيضاً: - صلى الله عليه وسلم - أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل، وإذا فعل شيئاً من الصلوات، فالمستحب أن يداوم عليه، وان قل لما ذكرنا من الخبر، فإذا داوم على ركعتين في كل ليلة كان أفضل من قيام الليل كله [165 أ / 2] في غير مداومة، وإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في صفة الأفضل منها.
والجائز، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى ليلاً كان أو نهاراً للخبر الذي ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: "أفضل التطوع في النهار أربع بتسليمة واحدة إلا ما ورد الشرع بالركعتين، وفي الليل إن شاء صلى ركعتين أو أربعاء أو ستاً وما شاء لا فضل لبعضها على بعض".
وأما الجائز: فله أن يصلي بتسليمة واحدة ما شاء من النوافل من غير حصر شفعاً كان أو وتراً ويقعد في آخوه ويتشهد ويسلم، والأولى أن يتشهد بعد كل ركعتين، فإن لم يفعل جاز، نص عليه.
ومن أصحابنا من قال: له أن يزيد في عدد الركعاتء ولا يزيد على تشهدين، وإذا صلى ثمان وكعات يتشهد في السادسة، والثامنة، ولو أراد أن يتشهد بعد الرابعة والثامنة لا يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زاد في عدد الركعات في الوتر، وما زاد على تشهدين، وكان تشهده بين الركعة والركعتين، فههنا بين ركعتين وركعتين كما في الاتساع من الفرائض.
وحكي عن بعض السلف أنه كان يفعل بغير إحصاء، فقيل له في ذلك: فقال: "إن الذي أصلي له يعرف العدد.
وعند أبي حنيفة: لا تجوز الزيادة على الأربع في النهار والليل على ثمان وكعات.
وقال أبو يوسف ومحمد: "صلاة الليل مثنى مثنى".

وقال مالك وأحمد: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، واحتج أبو حنيفة بما روى أبو أيوب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء".
وهذا محمول على الجواز عندنا، فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما قبل أنه إذا أحرم بنافلة بنية ركعتين، ثم نسي فصلاها أربعاً يسجد سجدتي السهو، ولو غير نيته إلى الأربح يجوز، ولو نوى الأربع في الابتداء ثم سلم عن ركعتين عامداً مقتصراً عليهما يجوز، وإن لم ينو عند سلامه الاقتصار على ركعتين لا تجوز صلاته، ولو سلم ساهياً قام، [195 ب / 2] وأتم وسجد للسهو ولو سلم ساهياً عن ركعتين، ثم علم فنوى الاقتصار عليهما يسجل للسهو ثم يسلم عامداً يجوز.
فرع قال بعض أصحابنا: من السنن الراتبة صلاة الضحى، وهي سنة مختارة فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وداوم عليها واقتدى به السلف فيها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أقل ما كان يصليها أربع ركعات، وأكثر ما كان يصليها ثماني ركعات".
وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وصلاة الضحى".
وروي "أن آخر ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضحى في بيت أم هاني بنت أبي طالب بمكة أول عام الفتح ثماني ركعات، وداوم عليها إلى أن مات" فيختار أن يصلي ثماني ركعاتٍ اقتداء به ووقتها في الاختيار إذا مضى من النهار وربعه ووقت جوازها إذا أشرفت الشمس إلى الزوال، وهل تقضى إذا فاتت؟ قولان على ما ذكرنا.
وروى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "على كل سلامي أحدكم صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يصليهما من الضحى".
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يملي بين المغرب والعشاء عشرين ركعة"، ويقول: هذه صلاة الأوابين فمن صلاها غفر له"، وكان الصالحون من السلف يصلونها ويسمونها صلاة الغفلة، أي الناس غفلوا عنها وتشاغلوا بالعشاء والنوم، وهذا مختار أيضاً، والأظهر عندي أنها دون صلاة الضحى في التأكيد.

فَرْعٌ آخرُ التنفل بالأوتار لا يستحب ولو فعل جاز.
فَرْعٌ آخرُ إذا أحرم بالنفل مطلقا، هل يكره أن يسلم عن ركعة؟ وجهان بنا، على ما لو نذر أن يصلي مطلقا، هل يلزم ركعة أو ركعتان، فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يصلي النافلة قائماً لا يلزمه لأن القعود [196 أ / 2] فيها رخصة فنذره أن لا يقبل الرخصة لا يلزم كما لو نذر أن بخلاف ما لو نذر أن يصلي ركعتين قائماً يلزمه القيام: لأنه نذر أصل الصلاة بصفةٍ مخصوصة.
مسألة: قال: "وأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إلي منها".
الفصل وهذا كما قال: صلاة التراويح، وهي سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم به بعزيمة.
ويقول: "من قام رمضان إيماناً أو احتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وصدر من خلافة عمر رضي الله عنه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى صلاته ناس ثم صلى من الليلة القابلة وكثر الناس ثم المسألة الثالثة والرابعة، وعجز عن الناس، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي منعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خفت أن يفرض عليكم ذلك في رمضان".
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا ناس في رمضان يصلون في المسجد، فقال: "ما هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ليس معهم قرآن وهم يصلون صلاته، فقال: "أصابوا ونعم ما صنعوا"، فدل هذا على أنه مندوب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله وأقر أصحابه عليه.
وأما إمامة هذه الصلاة إلى أنها من سنة عمر رضي الله عنه فمعاذ الله لأن القدر الذي كان في هذا من عمر رضي الله عنه أن القوم كانوا يصلون أوزاعاً في المسجد بأئمة مفرقين، فدخل عمر رضي الله عنه فرآهم جماعة، وإن كل من كانت قراءته أطيب اجتمع الناس عليه [196 ب / 2] أكثر فجمعهم عمر رضي الله عنه على إمامٍ واحد، وهو

أبي بن كعب، فصلى أبي بن كعب عشرين ليلة، ثم تأخر، فقال الناس: ابق أبي، ابق أبي، ثم صلى تميم الداري بعد ذلك بقية الشهر، وإنما ندب عمر رضي الله عنه أبياً رضي الله عنه إلى هذا، لأنه كان أقرب الناس عهداً بقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ القرآن علي: أبي في السنة التي مات فيها، وكان قصده من هذا تلقين أبي من ألفاظه، وإنما جمعهم على إمام واحد لئلا يؤدي إلى الشتات والاختلاف، وأمر بإسراج القناديل راحة للناس وتنويرا للمسجد.
وروي أن عثمان رضي الله عنه، قال: "إنها بدعة ونعمت البدعة"، يعني: القناديل وجمعهم على إمام واحدٍ.
وقال علي رضي الله عنه لما رأى القناديل: رحم الله عمر ونور قبره كما نور مساجدنا بالقرآن واجتمعت الصحابة على ذلك وانقرض عصرهم عليه، فهو إجماع.
فإن قيل: فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يصل معهم.
قلنا: روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يلم في ركعتين ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات، فإذا تقرر هذا، فهل الأفضل أن يصليها جماعة أو منفرداً.
قال في "الأم": "فأما قيام رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه".
قال في "القديم": "إن صلى رجل في شهر رمضان لنفسه فهو أحب إلي، وإن صلاها في جماعة فحسن".
وقال في البويطي لما ذكر النافلة المتأكدة بالجماعة: وقيام رمضان في معناها في التأكيد.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين فقال عامة أصحابنا، وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحق وغيرهما.
المذهب أن قيام رمضان في جماعة أفضل من قيامه في الانفراد.
ولما روينا من خبر أبي بن كعب رضي الله عنه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أصابوا"، أو "نعم ما صنعوا" [197 أ / 2]. فإن قيل: تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة.
قلنا: بين العذر فيه.
وقال: "خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها".
وقول الشافعي: "فصلاة المنفرد أحب إلي منه".
أراد بالصلاة التي هي ركعتا الفجر والوتر اللتين هما من صلاة الانفراد أحب إلي من قيام رمضان، وإن كان هذا القيام من صلاة الجماعة ألا ترى أنه قال: "فصلاة المنفرد أحب إلي"، فلو أراد قيام رمضان في الانفراد، قال: فصلاته منفرداً أحب إلي منه في جماعة، فإن قيل: فكيف يكون أولى من صلاة سنت فيها الجماعة؟.
قلنا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدم على فعلها جماعة، بل فعلها ليالي، ثم لم يخرج إليهم،

فكان الوتر أفضل منها، ولا يكون أفضل من العيدين وصلاة الخسوف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم على فعلها جماعة.
وأما ما قال في "القديم"، فليس فيه تعرض للأفضل، ومن أصحابنا من أخذ بظاهر كلامه.
وقال: قيام رمضان في الانفراد أفضل منها في جماعة بشرائط، وهي أن يحفظ القرآن وتأخره عن المسجد ولا يؤدي إلى تعطيل المسجد، وانقطاع الجماعة فيه، وأنه يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام.
واحتج هذا القائل بما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للقوم في رمضان لما صلى بهم ليالي: "قد عرفت ما رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
ومن قال بالأول قال: هذا الخبر محمول على غير التراويح.
وقيل: ما ذكرنا من إجماع الصحابة.
ويمكن الجواب إن احتج هذا القائل بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أفضل صلاة الرجل تطوعاً في بيته على صلاته في المسجد كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في بيته".
وقال أيضاً - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره من المساجد وصلاة [197 ب / 22] في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من ذلك كله رجل يصلي في بيته ركعتين لا يعلمهما إلا الله تعالى".
ومن أصحابنا من قال: إنها في البيت أولى من دون الشرائط التي ذكرناها.
وحكي عن مالك أنه قال: "قيام رمضان في البيت لمن نوى أحب إلي".
قال مالك: وكان ربيعة وغير واحدٍ من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: "من قدر أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان، فأحب إلي أن يصلي في بيته".
مسألة: قال: ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين وأحب إلي عشرون".
وهذا كما قال: صلاة التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين، فذلك عشرون ركعة بعشر تسليمات، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى.
وروي عن أحمد أنه قال: "هي ست ثلاثون ركعة لفعل أهل المدينة".
وروي هذا عن مالك، وهذا غلط، لأنه روى ابن عمر رضي الله عنهما: لما اجتمع الناس على أبي بن كعب صلى بهم عشرون ركعة، وهذا إجماع منهم، وكذلك يفعلون بمكة.
وأما أهل المدينة، قال الشافعي رحمه الله: "إنما صلوا تسعاً وثلاثين ركعة، لأن

أهل مكة كانوا يصلون عشرين ولكنهم كانوا يطوفون بين كل ترويحتين سبعاً، والترويحة: أربع وكعات، فكان يحصل لهم من عشرين ركعة، أربعة أطواف، فأقام أهل المدينة مقام كل طواف أربع ركعات طلباً لمساواتهم أهل مكة فيكون ست عشرة ركعة ويوترون بثلاث ركعات، فتلك تسع وثلاثون".
ولم يرد به أنهم كانوا يصلون التراويح سعا وثلاثين، بل التروايح كانت ستاً وثلاثين، والوتر بعدها ثلاث ركعات.
قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك، لأن أهل المدينة تشرفوا بمهاجر رسول الله [198 أ / 2]- صلى الله عليه وسلم - وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة بخلاف غيرهم.
وقال في - صلى الله عليه وسلم - القديم": "ليس في شيء من هذا ضيق ولا حد ينتهي إليه، لأنها نافلة"، ولم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك عاد محدود إلا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدةٍ".
ورأيت في كتاب بعض مشايخنا عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة، ويوتر بثلاث"، وإنماً كانوا يوترون بثلاث في مكة والمدينة لئلا تتفرق الجماعة في الوتر، فإذ الخلاف في الوتر بركعة كان ظاهراً، فاختاروا الثلاث اقتداء بمالك رحمه الله، ولهذا قال الشافعي في "القديم": "إن أوتر جماعة أوتر بثلاث، وإن أوتر منفردا أوتر بواحدة"، والمعنى ما قلنا.
وقيل: كان السبب في فعل أهل المدينة أنه كان لعبد الملك بن مروان تسعة أولاد، فأراد أن يصلي جميعهم بالمدينة فتقدم كل واحد منهم فصلى ترويحة، فصار ستة وثلاثين.
وقيل: السبب أن تع قبائل من العرب تنازعوا في الصلاة واقتتلوا فقدم من كل قبيلة وجل، فصلى بهم ترويحة، ثم صار سنة.
مسألة: قال: "ولا يقنت إلا في رمضان في النصف الأخير".
وهذا كما قال: السنة أن يقنت في النصف الأخير من رمضان في الركعة الثالثة من الوتر ولا يسن القنوت في بقية السنة، وبه قال مالك.
وكلام الشافعي رحمه الله يدل على كراهية القنوت في سائر السنة في الوتر، وقال أبو حنيفة وأحمد: "ستحب القنوت في جميع السنة حتى لو تركه يسجد للسهو"، وبه قال أبو عبد الله [198 ب / 2] الزبيري من أصحابنا، واحتجوا بما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث: بـ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت في الثالثة قبل الركوع".
وهذا غلط لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "السنة إذا انتصف الشهر من

رمضان أن يلعن الكفرة في الوتر بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ثم يقول: أللهم قاتل الكفرة".
وروي أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أبي بن كعب رضي الله عنه في صلاة التراويح ولم يقنت إلا في النصف الثاني، قال الشافعي: "وكذلك كان يفعل ابن عمر ومعاذ القاري، وإنما قيل له: القاري لأنه كان من بني قارة بغير همزة، وليس هو من القراءة بالهمز.
وأما ما رووا قلنا: قال أصحاب الحديث: ذكر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح.
ومن أصحابنا من قال: يجوز في جميع السنة من غير كراهة، فلو تركه لا يسجد للسهو بخلاف ما لو ترك القنوت في النصف الأخير، فإنه يسجد للسهو، وهذا اختيار مشايخ طبرستان.
وأنا أقول به".
وقال مالك: "يقنت في جميع رمضان في الوتر".
فرع قال أصحابنا: لم يذكر الشافعي ما يقنت به في الوتر، وإنما لم يذكره، لأنه نص عليه في قنوت الصبح، وهو ما روى الحسن بن علي رضي الله عنه، قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت..." إلى آخره.
وروى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ومعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت: "اللهم إنا نستعينك..." إلى آخره.
وزاد ابن أبي أحمد: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ " إلى آخر السورة.
قال القاضي [199 أ / 2] أبو الطيب: كان شيوخنا يدعون فيقولون: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويدعون معك إلهاً، لا إله إلا أنت، تباركت وتعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم، وتوفهم على ملة رسولك، وانصرهم على عدوك وعادوهم، واجعلنا برحمتك منهم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
فإذا فرغ من القنوت، فالمستحب أن يقول بعده: سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول ذلك ثلاثاً ويمد صوته: "رب الملائكة والروح".

قال: ويستحب له رفع اليدين في الدعاء، فإذا فرع مسح بهما وجهه، وقد شرحنا هذا فيما تقدم.
مسألة: قال: وآخر الليل أحث إلي من أوله، وإن جزأ الليل أثلاثاً فالأوسط أحب إلي أن يقومه".
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الصلاة بالليل أفضل.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من طال قيامه بالليل خفف الله عنه يوم القيامة".
وروي أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل نام حتى أصبح، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه".
ثم إذا أراد أن يجعل الليل ثلاثة أجزاء: للنوم وللصلاة، ولغيرهما.
قال الشافعي: "الأوسط أحب إلي أن يقومه"، وإن أراد أن يجعله جزءين: فالنصف الثاني أفضل، وهذا لأنه أشق، والطاعات فيه أقل، ولأن ذلك وقت النوم والغفلة، فكان الذكر فيه أفضل.
وقال مالك: "الثلث الأخير أفضل بكل حال"، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الليل [199 ب / 2] أفضل، فقال: "جوف الليل البهيم"، وروي: "جوف الليل الغابر" وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الليل أجوب وأسمع، فقال: "جوف الليل الأخير"، أي: أوجب للإجابة.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل عن الصلاة نصفه الليل، فقال: "تلك صلاة الأوابين"، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام نصف الليل، ويقوم الثلث وينام السدس".
وقالت: "من أراد أن يراه قائماً رآه، ومن أراد أن يراه نائماً رآه، ومن أراد أن يراه صائماً رآه، ومن أراد أن يراه مفطراً رآه"؟ وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى يقال: لا ينام وينام حتى يقال لا يقوم ويصوم، حتى يقال: لا يفصر ويفطر حتى يقال: لا يصوم".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصيام صيام أخي داود - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم يومأ ويفطر يوماً وأفضل القيام قيام أخي داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه".
وقال مالك: "كان عبد الله بن أبي بكر يقوم الليل، فإذا أصبح يقول: عند الصباح يحمد القوم السرى يعني من سار ليلاً حمد أمره إذا أصبح".

وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين كتبا في الذاكرين والذاكرات".
وقال الربيع رحمه الله: "كان الشافعي رضي الله عنه دهره ينظر في العلم الثلث الأول ويصلي الثلث الثاني وينام الثلث الثالث.
وقال المعتمر بن سليمان لبعض أهله: لولا أنك من أهلي ما حدثتك أنا منذ اثنين وأربعين سنة أقوم يوماً وأفطر يوماً، وأصلي الصبح على طهر العشاء".
وكان للحسن بن صالح بن حي ثلاثة أخوة يجزؤوا الليل أرباعاً، فكان كل واحد يقوم ربع الليل فمات واحد منهم فجزؤوه ثلاثة أجزاء، ثم مات آخر فجزؤوه نصفين، [200 أ / 2] ثم مات الثالث، وبقي الحسن، فكان يقوم الليل كله.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى دار عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فرأى امرأته متبذلة في ثياب مهنةٍ، فقال لها ما لك لا تتزينين لعبد الله؟ فقالت: إن عبد الله لا حاجة له في إنه يقوم الليل كله ولا ينام ويصوم دائماً ولا يفطر.
قال عبد الله: فلما أتيت داري صادفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فألقيت له وسادة فوضعها بيني وبينه ولم يجلس عليها، ثم قال: "ألم أخبر أنك تقوم ولا تنام وتصوم ولا تفطر؟ "، فقلت: إني أفعل ذلك، فقال: "لا تفعل فإنك إذا فعلت ذلك عجمت عيناك ونقهت نفسك إن لنفسك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً وأن لزوجك عليك حقاً، قم ونم وصم وافطر".
ثم قال: "صم ثلاثة أيام من كل شهر".
قلت: إني أطيق أكثر من ذلك.
قال: "صم عشرة أيام"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يوماً وأفطر يوماً".
قلت: إني أقوى من ذلك.
قال: "لا تفعل فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود عليه السلام"، ثم قال: "اختم القرآن في الشهر مرة".
قلت: إني أقوى من ذلك.
قال: "في كل عشرة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "في كل ثلاثة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "لا".
فكان عبد الله بعدما كف بصره وكبر يبكي ويقول: ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان أعرف بنفسي مني".
ومن ههنا قال بعض أصحابنا: يكره أن يقوم الليل كله.
مسألة: قال: "قلت للشافعي: أيجوز أن يوتر بواحدةٍ؟ ". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الوتر سنة مؤكدة غير واجبةٍ خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله وحده.
وقد روى عاصم بن حمزة عن علي رضي الله عنه، قال: "ليس الوتر محتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أوتروا [200 ب / 2] يا أهل القرآن".
وقال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: "سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في السفر ركعتين وهما تمامء والوتر من السنة"، فإذا ثبت هذا فالكلام الآن في أربعة فصول: في قدره، ووقته، وما يقرأ فيه، ويدعى به.
فأما قدره، ففيه مسألتان: الجواز، والأفضل.
أما الجواز فأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، ويجوز فيما بين ذلك بكل وتر كيف شاء بتسليمة واحدة أو بما أحب من التسليمات بين كل ركعتين.
وبه قال أحمد رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: "أقل الوتر ركعة، وليس لما قبل ذلك من الشفع حد، وأقله ركعتان".
وقال أبو حنيفة والثوري: "الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، لا يزاد عليها ولا ينقص منها كالمغرب، والركعة الواحدة ليت بصلاة".
وحكي عن مالكٍ، قال: الوتر ثلاث بتسليمتين، ولكن لا ينبغي أن يتكلم بعد السلام، ولا يحتاج إلى تجديد النية لهذه الركعة الثالثة.
واحتجوا بخبر أبي بن كعب الذي ذكرنا.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن البتراء".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما أجزأت ركعة قط.
وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الوتر حق وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بخمس فليفعل".
واحتج الشافعي بأن عثمان رضي الله عنه كان يحيي الليل بركعة هي وتره، وروي: أنه كان يقرأ فيها جميع القرآن.
وروي: أن معاوية رضي الله عنه أوتر في الشام بواحدة، فقال ابن عباس: أصاب إنه لفقيه، ومثل هذا عن سعيد بن أبي وقاص.
واحتج على مالك وأبي حنيفة أيضا، بأن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين من الوتر [201 أ / 2] حتى يأمر ببعض حاجته، وان لم يكن له حاجة كان يقول: يا جارية اعلفي الناضح.
واحتج على مالك أيضا، بأن من سلم من اثنتين فقد فصل، فإن قال: ما فصلت لأني أمنع الكلام، قلنا: لا خلاف أنه لو أحدث لا يبطل ما مضى من الركعتين.
وروى ابن عمر رضي الله عنه إن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يفصل بين الشفع والوتر، ولأنه يجهر في قراءة الثالثة منها"، فلو كانت موصولة بما قبلها لم يجهر فيها كما لا يجهر في الثالثة من المغرب.

وأما البتراء فهي: الناقصة الأركان التي لا يقيم فيها الركوع والسجود.
وأما خبر أبي نقول به جوازاً.
وأما قول ابن مسعود أراد في الفريضة خلافاً لابن عباس رضي الله عنه حيث قال: "صلاة الخوف ركعة"، ثم تقابل بما روي أن عمر رضي الله عنه "مر بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، فقال: إنما هي تطوع، فمن شاء زاد ومن شاء نقص".
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فواحدة توتر بها، فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر"؛ لأنه واحد.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا توتروا بثلاث تتشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس أو بسبح أو بتسع أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك".
وروى ابن عمر رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يفصل بين الشفع والوتر يأكل ويشرب ثم يركع ركعة".
وروى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الوتر خمس أو ثلاث أو واحدة".
وقال أبو أمامة رضي الله عنه: يا رسول الله بكم أوتر؟، قال: "بواحدة"، قال: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "بثلاث"، ثم قال: "بخمس"، ثم قال: "بسبع"، قال أبو أمامة: [201 ب / 2] أني كنت قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما الأفضل، قال الشافعي في "القديم" و"الجديد": "والذي اختار ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فيصلي عشر ركعات بخمس تسليمات ثم يصلي ركعة واحدة، وهي الوتر"، لأن السلام يفصل.
قال بعض أصحابنا: لا يختلف مذهب الشافعي رحمه الله أن الوتر واحدة.
ذكره في "الحاوي".
وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وأقل الأفضل ثلاث بتسليمتين، وهي أفضل من واحدة والخمس أفضل من ثلاث.
وقال الداركي من أصحابنا وجماعة: ينوي الوتر في كلها وتر وغلط من قال: الوتر منها ركعة، وهذا اختياري فإن قيل: كيف يكون كلها وتر؟ والسلام فاصل.
قلنا: يجوز

أن يسمى كلها وتراً، وإن كان السلام في أثنائها كما تسمى العشرون ركعة تراويح، وإن كان يسلم عن كل ركعتين منها.
ومن أصحابنا من قال: ينوي بما تقدم على الواحدة صلاة الليل، ومن أصحابنا من قال: ينوي مقدمة الوتر، وقال مشايخ طبرستان: ينوي سنة الوتر ويجوز أن يكون للسنة سنة كركعتي طواف القدوم.
وقال القفال: لو لم يقدم على الواحدة ركعتين فالثلاث بتسليمة أفضل منها ولو قام عليها ركعتين لصلاة الليل، ثم أوتر بواحدة كان هذا أفضل من ثلاث وكعات موصولة للوتر، وهكذا لو صلى رجل إحدى عشرة ركعة أوتر فيها بواحدة يكون أفضل ممن أوتر بإحدى عشرة ركعة متصلة، وهذا ظاهر ما ذكر في "المختصر"، لأن فيها زيادة تكبيرات وتسليمات.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: هذا.
والثاني: الثلاث أفضل بجلستين وتسليمة واحدة وفقاً للخلاف، وهو اختيار الشيخ أبي زيد.
والثالث: الواحدة أفضل [202 أ / 2] بكل حالٍ.
والرابع: إن كان في الجماعة فالثلاث بتشهد واحد أفضل حتى لا يؤدي إلى الفتنة بين الناس.
واختلاف الجماعة، ولأن في ذلك تشبيه بصلاة المغرب، لأن فيها تشهدين، وإن كان منفرداً، فالواحدة أفضل.
ورأيت بعض أصحابنا اختار هذا من غير فرق بين الجماعة والانفراد وفقأ للخلاف، وأنا أفعل هذا منفرداً وأوتر بواحدة في الجماعة إظهاراً لمذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، فإنه الحق، والله أعلم.
وقال بعض أصحابنا: إذا أوتر بثلاث أو بخمس أو بإحدى عشرة إن شاء لا يتشهد إلا في الركعة الأخيرة، وإن شاء يتشهد فيها وفيما قبلها، وروي كلاهما في الخبر، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ولا يجلس إلا في آخرهن وبإحدى عشرة ركعة لا يجلس إلا في آخرهن".
وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بخمس لا يجلس إلا في الرابعة والخامسة، وبتسع لا يجلس إلا في السادسة والثامنة".
وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الليل ثلاث عشر ركعة يوتر منها بخمس يجلس في الأخيرة ويسلم".
وأما وقته فمن لا يريد قيام الليل يصلي العشاء ويوتر ثم ينام، ومن أواد قيامه، فإن شاء أوتر، ثم قام، وإن شاء قام وصلى بعد ذلك صلاة الليل وختمها بالوتر، وهذا هو الأفضل.

وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: "متى توتر"؟ فقال: أول الليل، ثم قال لعمر بن الخطاب: "متى توتر"؟ فقال: في آخر الليل، فقال: "أما هذا فقد أخذ بالحذر يعني الحزم والاحتياط، وأما هذا فقد أخذ بالقوة"، وقيل: تعجيلها أولى أم تأخيرها وجهان: أحدهما: تأخيرها أفضل لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها بعد فراغه من صلاة الليل، وقال: "الوتر ركعة في آخر الليل".
والثاني: تعجيلها أولى، لأن في تأخيرها مخاطرة.
وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، [202 ب / 2] قال: "من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل، ثم ليرقد، ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليقم آخر الليل ثم ليوتر".
وأما ما يقرأ فيه، فالمستحب عند الشافعي أن يقرأ في الركعة الأولى: بـ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، والمعوذتين.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال أحمد: "يقرأ في الثالثة بسورة الإخلاص وحدها"، وهكذا روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما ذكرنا رواية عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ كذلك، وهذه الرواية أولى للزيادة وآكد بما قد ذكرنا.
فرع إذا صلى الوتر ثم نام ثم قام وصلى لا يلزمه إعادة الوتر.
وبه قال مالك وقال أحمد: "انتقضت وتره فيشفعها بركعة ثم يتهجد بما أراد، ثم يوتر بركعة".
وروي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهم.
وقيل عن ابن عباس مثله.
وروي عن أبي بكر الصديق وعمار بن ياسر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا: "لا يشفع الرجل وتره".
ورأيت بعض أصحابنا بخراسان يميل إلى هذا القول، وذكر وجها في المسألة، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وتران في ليلة"، وهذا وتران بل ثلاثة.
فَرْعٌ آخرُ لو اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر ثم تذكر أنه لم يصلها صلى العشاء، ثم أوتر، لأن

تقديم الوتر على العشاء لا يجوز.
وبه قال صاحباه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يجزئه الوتر"، وهذا غلط، لأنه تابع للعشاء ولم يفرد بوقت ولا يتقدم التابع على المتبوع.
مسألة: قال المزني رحمه الله،: "قلت: آنا لا أعلم الشافعي رضي الله عنه ذكر موضع القنوت من الوتر".
الفصل وهذا كما قال عندنا موضع القنوت في الوتر بعد الركوع قياساً على القنوت في الصبح نص عليه الشافعي في "حرملة"، وخفي ذلك على المزني.
وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [203 أ / 2] رضي الله عنهم.
ومن أصحابنا من قال: "يقنت فيه قبل الركوع" وليخالف القنوت في الصبح كما خولف بين خطبة الجمعة وخطبة العيد.
وهذا اختيار ابن سريج وعلى هذا لا يكره خلافاً لأبي حنيفة.
وقال يعقوب الأبيوردي: وهذا مذهب عامة أصحابنا، وهو الأصح، ولا معنى لهذا الكلام عندي مع النص الذي ذكرنا، وأجمع أهل العراق وخراسان من أصحابنا على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: إنه قبل الركوع.
واحتج بخبر أبي بن كعب رضي الله عنه، وهذا غلط لما روى أنس رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في الصبح بعد الركوع".
ورواه أبو هريرة أيضاً، وروي عن عثمان وحده من الخلفاء الراشدين أنه قدم القنوت على الركوع في أخر عمره ليدرك الناس معه الركعة للتخفيف على الناس.
واحتج الشافعي عليه بحجتين: إحداهما: أن قوله: "سمع الله لمن حمده"، دعاء.
والقنوت دعاء، فالدعاء في محل الدعاء أولى من الدعاء في محل القراءة.
والثانية: أنه أسر بتكبيرة زائدة في الصلاة لم تثبت بدليل، فلا يجوز القول به، وإذا بطل هذا القول بقي قولنا.
فرع إذا قنت قبل الركوع قد قيل: أساء ويجزئه.
وقيل: يعيده في الركوع ويسجد للسهو.

باب

فضل الجماعة والعذر بتركها قال: "اخبرنا مالك.... " وذكر الخبر.
وهذا كما قال: اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ثلاث عشرة سنة بمكة من غير جماعة،

لأن أصحابه كانوا مقهورين متفرقين يصلون في بيوتهم فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة.
والجماعة واجبة في صلاة الجمعة على الأعيان بلا خلاف، لأنها لا تصح إلا بالجماعة.
وأما فيما عداها من صلاة الفرض اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثر أصحابنا: هي من فرائض الكفايات كرد السلام ودفن الموتى، ويجوز ذلك نص عليه الشافعي في كتاب "الإمامة".
[203 ب / 2] وقد قال ههنا: لا أرخص في تركها من غير عذر، وهو الصحيح، والدليل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما من ثلائة في قريةٍ أو بلدةٍ".
وروي: "أو في باديةٍ"، وفيه نظر.
وروي: "في قرية ولا بدوٍ".
"وهذا أصح لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية".
ومن أصحابنا من قال: "هي سنة مؤكدة"، والأولى أن لا يخل بهاء ويحافظ عليها، فإن أخل بها ترك فضلا كثيراً وأجزأه.
وبه قال الثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي.
وحكي عن الأوزاعي وأحمد وأبي ثور وداود وابن المنذر ومحمد بن إسحق وابن خزيمة: "هي واجبة على الأعيان، فمن تركها من غير عذر فقد عصى".
قالوا: ولكن لا يشترط في جوازها حتى لو صلى منفرداً يجوز، وإن عصى.
وحكى أصحابنا بخراسان عنهم: أنه لا تجوز صلاته.
واحتجوا بقوله تعلى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف: 31 - 32]، الآية.
وداعي الله: المؤذن.
وروي إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
وروي انه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر أو مطر".
ورواه ابن عباس رضي الله عنه، ولم يقل: "أو مطر".
وروي أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار وعلى طريقي نخل ولا قائد لي، وروي: لي قائد لا يلازمني.
هكذا روي، والصواب: لا يلامني، أي: لا يوافقني فهل تجد لي رخصة؟ فقال: "أتسمع النداء"، قال: نعم، فقال: "لا أجد لك رخصة".
وروي أنه قير قال: "لقد هممت أن آمر فتياني من قريش ليجمعوا حطباً، ثم آمر رجلا ينادي بالصلاة، ثم أحرق على أقوام بيوتهم يسمعون النداء ولا يحضرون، وإن

أحدهم لو دعي إلى مرماتين حسنتين لآتاهما ولو حبواً".
[204 أ / 2] قيل: المرماة: السهم.
وقيل: عظم عليه قطعة لحم.
وروى ابن أم مكتوم، قال: يا رسول الله إن المدينة كبيرة الهوام والسباع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حي على الصلاة، حي على الفلاح، فحي هلا"، وقوله: حي هلا كلمة حث واستعجال، ولأن الله تعالى أمر أن يصلى جماعة في حال الخوف، ولم يعذر في تركها، فدل أنها في حال الأمن أوجب.
وقال عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقربة رخصة إذا سمع النداء، وأن يدع الصلاة.
وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات سمع النداء أو لم يسمع، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: 47])، ولم يفصل.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ". وروي بخمس عشرين درجة، فلولا جواز الانفراد وإلا ما فاضل بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد، فإن قيل: لعله أراد به في حق صاحب العذر.
قلنا: العاجز يكتب أجره كاملاً من غير نقصان لما روي عن رسول الله قيه، قال: "إذا مرض المريض يقول الله تعالى لملائكته: اكتبا لعبدي ما كنتما تكتبان في صحته من أعمال الخير حتى أقبضه، أو أبدله بلحمة خيرا من لحمه وبدم خيرا من دمه"، فإن قيل: لعله أراد به النفل.
قلنا: النفل في الخفية والانفراد أفضل.
وأيضاً روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلاة الرجل مع الواحد أفضل".
وروي: "أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الواحد وحيث ما كثرت الجماعة، فهو أفضل".
وروي أن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار، وأحب أن تحضر بيتي وتصلي في موضع أتخذه مسجداَ، فحضر بيته وصلى في [204 ب / 2] موضع، فكان يصلي عتبان هناك".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للرجلين في مسجد الخيف: "لم لم تصليا معنا فقالا لنا: قد صلينا في رحالنا"، فلم ينكر عليهما، ولأنه كان يأمر في الليلة المطيرة للمؤذن أن يقول في أذانه، "ألا صلوا في رحالكم"، فلو كان واجباً لما كان المطر عذراً.

وقال مشايخ خراسان: هذا عندنا سنة أن يقول في هذه الحالة في أذانه بعد حي على الفلاح.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال".
وأراد به النعال المعهودة في اللباس، وقيل: كنى بها عن الأرجل والأقدام.
وقيل: أراد بالنعال الحجارة الصغار تكون في الطرق تسمى نعالاً.
وأما الآية التي ذكروا، قلنا: أراد بالداعي النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال: ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: 31] والإيمان بالمؤذن لا يجب.
وأما الخبر الأول، قلنا: أراد: لا صلاة له كاملة، أو أراد: لا صلاة لجار المسجد بصلاة الإمام مقتدياً به إلا في المسجد، وأما سائر الأخبار نحملها على أنها فرض على الكفاية.
وأما خبر ابن أم مكتوم: نحمله على الجمعة، وأما الخبر الأخير ورد في شأن المنافقين الذين لا يصلون في بيوتهم، ولا يرون الجماعة أصلاً، وهكذا الجواب إن احتجوا بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: "حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى، وأن الله تعالى شرع لنبيه - صلى الله عليه وسلم - سنن الهدى، ولقد رأيتنا وأن الرجل ليهادى بين رجلين حتى يقام في الصف، وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم".
وقوله: "ليهادى بين رجلين"، أي: يرفد من جانبيه، ويؤخذ بعضديه يتمنى به إلى المسجد.
[205 أ / 2] وقوله: "كفرتم"، أي: يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئاً شيئاً منها حتى تخرجوا من الملة، فإن قاسوا على صلاة الجمعة، قلنا: أصلها أربع ركعات، وردت إلى ثنتي بشرائط منها: الجماعة بخلاف هذا.
ثم لو كانت الجماعة شرطاً ههنا لبطلت بتركها كما نقول في الجمعة، فإذا قلنا: إنها فرض على الكفاية فمتى قام بها قوم سقط الفرض عن الباقين، وإلا خرجوا أجمعون.
ولو اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام على إقامتها حتى يقيموها، والحد الذي يسقط الفرض به عن الباقين أن يظهر إقامتها ويعرف فعلها، وذلك أن يعلم الناس إقامتها مشاهدة أو سماعاً، فإن كان المكان قرية صغيرة، فأقيمت في مسجدها فقد ظهرت في كلها، وإن كان بلداً كبيراً، فكل محلةٍ منه مثل هذه القرية يحتاج أن تظهر في كل مسجد في كل مسجدٍ محلةٍ، فإذا أقامها أهل محلة لم يسقط فوضها عن أهل محلة أخرى، ولو اتفقوا على أن يصلي كل واحد جماعة في بيته، ولا يخرج إلى المساجد.
قال أبو إسحق: لم يسقط ما ذكرنا من الفرض عنهم.
وقال

يعقوب الأبيوردي: فيه وجهان، والأظهر أنه يسقط الفرض به، لأن الشافعي رضي الله عنه، قال: "وإن جمع في بيته أجزأ عنه".
والأصح عندي الأول، وأراد الشافعي أجزأ عنه إذا ظهرت الجماعة في الأسواق، لأن فرضها يسقط بذلك.
ومن أصحابنا من قال: أقل من يسقط الفرض عن الباقين ثلاثة نفر فإنه هو الجمع المطلق.
والمذهب أن أقل الجماعة إثنان، فيكفي ذلك إذا ظهرت في الباقين، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا كانوا ثلاثة فأمهم أحدهم كانوا جماعة، وان كانوا اثنين، فأتم أحدهما بالآخر رجوت أن تكون جماعة، ثم قطه في أخر الباب أن الاثنين جماعة، ولا خلاف أن فضيلة الجماعة تحصل بالاثنين، فبطل قول القائل الأول".
والدليل عليه [205 ب / 2] قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الاثنان فما فوقهما جماعة".
مسألة: قال: "وإن جمع في بيته أو مسجد وان صغر أجزأه".
الفصل وهدا كما هال: هد ذكرنا أن اقل الجماعة إثنان.
وهال في "الأم": "إذا صلى الرجل مع أخر أدرك فضيلة الجماعة سواء صلى مع إمامه أو زوجته أو ولده أو رفيقه".
وقد قال أصحابنا: أراد إذا صليت الجماعة في المسجد، وظهر ذلك في الباقين، ولكن تأخر بعضهم وصلى في بيته هكذا، أو أراد: إذا قلنا: الجماعة سنة، فحيث ما جمع جاز.
وأما الأفضل فكلما كان الجمع أكثر كانت الصلاة أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى مع واحد كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن صلى مع اثنين كان له مثل أجرهما، وحيث ما كثرت الجماعة فهو أفضل، والصلاة جماعة في المسجد أفضل منها في البيت".
فرع قال: لو كان بقرية مسجدان متساويان في الجماعة، فإن كان يبلغه النداء من أحد المسجدين دون الآخر، فالذي يبلغه النداء منه أولى بالحضور، وإن كان يبلغه النداء منهما، فإن كان أحدهما أقرب من الآخر، كان الأقرب أولى، وإن كانا في القرب سواء حضر أيهما شاء.
فَرْعٌ آخرُ قال: "لو كان أحدهما أتوب والأخر أبعد إلا أن الجماعة في الأبعد أكر، فإن كان لخروجه لا يختل الأقرب فالأبعد أفضل، وإن كان يختل ويؤدي إلى انقطاع الجماعة عنه كان حضور الأقرب الذي فيه الجماعة اليسيرة أولى، لأن إقامة الجماعة في مسجدين أولى من إقامة جماعة واحدة وتعطل المسجد الأخر.

فَرْعٌ آخرُ لا كان الإمام في الجماعة الكبيرة مبتدعاً كالمعتزلي والرافضي وفي الجماعة القليلة موافقاً، فإن حضور الجماعة القليلة أولى، والصلاة منفرداً أفضل [206 أ / 2] من الصلاة خلفه.
وحكي عن أبي إسحق أنه قال: "صلاته منفرداً أولى من الجماعة خلف الحنفي، لأنه لا وضوء له، ولا صلاة بترك النية والترتيب في الوضوء وترك الفاتحة ونحوهما في الصلاة".
وقال القاضي الطبري: "في هذا نظر، لأن أمر المسلم بني على الإتيان بالعبادة على أكمل الأحوال ألا ترى أنهم يعتقدون أن التشهد غير واجبء ولكنهم يتشهدون ولا يتركه أحد منهم".
وحكي عن أبي حامد أنه قال: "متى أتى الحنفي بالشرائط يصح الاقتداء به، وإلا فلا".
وحكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحق الإسفراييني رحمه الله أنه قال: "لا يجوز وإن أتى بها"، لأنه يعتقد أنه يأتي بها نافلة لا فرضاً.
وحكي عن القفال: أنه يصح الاقتداء به، وان لم يأت بشرائطها، لأنه يحكم بصحة صلاته، ولهذا لا يباح قتله، ولا يقع به الاختلاف في ظاهر الأفعال، فلا يمنع صحة الاقتداء به، والفتوى عندي أنه إن كان متديناً يوثق أنه يؤدي الصلاة على الاحتياط للفريقين، كالأئمة الذين رأيتهم ببخارى وغزنة تجوز الصلاة خلفه من غير كراهة وإن علم أنه يترك ركنا أو شك في ذلك لا تصح الصلاة خلفه، لأن عناه أنه في غير صلاة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان لرجل مسجد يجمع فيه، ففاتته فيه الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي وان لم يأته وصلى في مسجده منفرداً فحسن.
فَرْعٌ آخرُ لو كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة، صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهت لهم ذلك، لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره لتفرق الكلمة، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف إمام جماعته، فتتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإذا قضيت الصلاة دخلوا فجمعوا يكون فيه اختلاف وتفريق كلمة [206 ب / 2] وفيهما المكروه، وبهذا قال جماعة الصحابة والفقهاء أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي والليث رحمهم الله.
وروي ذلك عن سالم وأبي قلابة.
وقال أحمد وإسحق وداود وابن المنذر: "لا تكره الجماعة بعده".
ورواه قتادة عن أنس رضي الله عنه.

يندب إليها ثانيا، وهو غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو كان مسجد على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم يصلي فيه المارة، ويستظل به الناس، فلا أكره هذا فيه، لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت.
قال أصحابنا: وهكذا لو كان المسجد في موضع أهل لا يسع جيرانه لضيق الوقت عليهم، والمكان إقامتها دفعة واحدة، وإنما يصلون فيه فوجاً بعد فوج لم يكره فيه الجماعة بعد الجماعة.
مسألة: قال: "وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح: ألا صلوا في رحالكم".
الفصل وهذا كما قال: ترك الجماعة يجوز لعذر سواء قلنا أنها من فرائض الكفايات أو سنة مؤكدة.
والعذر ضربان: عام وخاص.
فالعام ضربان: عذر يجوز ترك الجماعة وعذر يجوز التأخير، فالذي يجوز التأخير مثل شدة الحر وقت الظهر على ما بيناه.
وأما الذي يجوز الترك، فمثل المطر والوحل في الليل والنهار أو الريح الشديدة في الليلة المظلمة دون النهار.
ويجوز ترك الجمعة للمطر والوحل أيضاً، ولا يتصور عذر الريح فيها لأنها تقام نهاراً.
وحكى أبو يعقوب الأبيوردي عن بعض أصحابنا: أنهما لا يكونان عذراً في ترك الجمعة تأكيداً لها على سائر الجماعات.
وهذا خلاف المذهب ولا شك أن الريح والوحل لا يكونان محذراً لجواز الجمع بين الصلاتين بخلاف المطر.
وقال في "التلخيص": "وأنكر المزني أن يكون المطر عذراً".
قال القفال: "لا أدري أين قال [207 أ / 2] المزني هذا".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الوحل هل يكون محذراً في ترك الجماعة؟ وجهان: أحدهما: لا يكون عذراً، لأن له عده بالخف والصندل، وبهذا يفتي مشايخ طبرستان رحمهم الله لمن قدر على ذلك.
وروى ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه: "صلوا في رحالكم".
وأما العذر الخاص، فهو: الذي يختص به الواحد من بين الجماعة، وهو عشرة أشياء ذكرها الشافعي رضي الله عنه في "الأم"، فمتى أقيمت الصلاة واتفق واحد منها ساع له تركها من ذلك إذا حضر الطعام، وهو شديد التوقان إليه في أي صلاة كانت فإنه

يتناول منه ما يسد الرمق، ثم يشتغل بالصلاة، ولا فرق بين أن يكون صائماً أو لا، لأن الشافعي قال في "المختصر": وإذا حضر فطره، أي: كان صائماً فحضر وقت فطره أو طعام مفطر به إليه حاجة، أي: لم يكن صائماً، ولكن حضر طعامه، وهو جائع، وبه حاجة إلى أكله.
وهذا لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يصلي أحدكم بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء"، وأراد قدر ما يسكن النفس لا أن يتربع للألواذ الكثيرة حتى يتضلع فيخرج وقت الصلاة.
وهذا يدل على جواز تأخير صلاة المغرب يسيراً.
والثاني: مدافعة الأخبثين: الغائط والبول، أو أحدهما، لأنه يسقط خشوعه.
والثالث: المرض، لان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض تركها أياماً كثيرة.
والرابع: الخوف من سلطان ظالم أو مطالبته بغير حق، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذر".
قالوا: يا رسول الله، وما العذر؟، قال: "خوف أو مرض".
والخامس: [207 ب / 2] السفر، ولا يريد به المسافرين، فإنهم يصلون جماعة كغيرهم، وإنما يريد إذا أقيمت الصلاة، ومن اشتغل بالجماعة فاتته الرفقة له تركها.
والسادس: النعاس وغلبة النوم، لأنه يسلب الخشوع في الصلاة ويخاف انتقاض الطهر في أثنائه.
والسابع: إذا كان له مريض يعلله متى فارقه خاف عليه يجوز له ترك الجماعة بسببه، لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة.
وكذلك إذا كان له قريب مريض يخاف موته، لأنه يتألم بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال.
والثامن: ثلاثة أعذار: في المال، إذا خاف هلاكه أو ضياعه أو رجا عود ما قد ضل، فالهلاك مثل أن يكون خبز في تنور وطبخ في قدر متى اشتغل بالجماعة هلك.
والثاني: إذا كان له مال قد قدم في الحال ومتى لم يتداركه ضاع عليه كله أو بعضه له ترك الجماعة لحفظه.

والثالث: إذا أبق له عبد أو سرق له فرس أو ند له بعير يرجو تداركه في ترك الجماعة.
وقال القاضي أبو الطيب رحمه الله: ومن جملة الأعذار إذا كان قد أكل بصلاً أو كراثاً لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربا في مسجدنا"، وهذا إذا كان لا يمكنه إزالة هذه الرائحة بغسل فمه، والتداوي، فإن أمكن ذلك لم يكن عذراً، وإن أكله مطبوخاً جاز الحضور، ولما روي أن عمر رضي الله عنه خطب الناس، فقال: "فمن كان لا بد له من أكلهما فليتمهما طبخاً".
قال القفال: "ومن تركها لواحد من هذه الأعذار وكان قصده الجماعة لولا العذر حصلت له فضيلة الجماعة".
وقيل: من العذر الخاص أن يكون عله قصاص يرجو العفو ولا يحل له الخروج بأن يكون عارياً أو حافياً وتكره الجماعة هكذا، ذكره بعض مشايخ خراسان.
فرع يستحب أن يمشي على عادته وسكونه إلى الجماعة ولا سرع، وإن خاف فوتها.
وقال أبو إسحق: [208 أ / 2] إذا خانك فوت التكبيرة الأولى أسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اشتد إلى الصلاة، وقال: "بادرت حد الصلاة" يعني: التكبيرة الأولى، وكان الأسود بن يزيد يهرول إلى الصلاة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
وروي: "فاقضوا".
وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا ذالك فاجرة كأجر المعتمر وصلاة على اثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين".
وقوله: لا ينصبه، معناه: لا يتعبه إلا ذلك.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا توضأ أحدكم فأحن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد".
وقوله: "لا ينهزه"، أي: لا يبعثه ولا يشخصه إلا ذلك.

فَرْعٌ آخرُ لو حضر رجل المسجد ولم يجد إلا من صلى بالجماعة استحب لبعض من حضر أن يصلي معه لتحصل له فضيلة الجماعة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً جاء وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ "، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بمنزلة الصدقة عليه.
فَرْعٌ آخرُ لو حضر والإمام لم يحضر، فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر لأن في تفويت الجماعة عليه افتئاتا عليه، وإفساداً للقلب، فإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب ليصلح بين قومين [208 ب / 2] فقدم الناس أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم في الصلاة، فلم ينكر عليهم، فإن خافوا إنكاره ينتظرونه ما لم يخف فوات الوقت، فإن خيف لا ينتظره أحد.

باب

صلاة الإمام قاعداً بقيام قائماً وبقعود مسألة: قا: "وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف".
الفصل وهذا كما قال: إذا عجز الإمام عن الصلاة بالقوم، فالمستحب أن يستخلف من يصلي بهم قائماً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف في أكثر الصلوات حين مرض، وإنما صلى قاعداً بهم دفعة واحدة، ليبين الجواز، ولأن من الناس من لا يجيز إمامة القاعد، فيستحب الخروج من الخلاف فلو لم يستخلف وصلى بهم قاعداً، وهم قيام يجوز، ومن عجز منهم قعد معه أيضا.
وبه قال أبو حنيفة والثوري ومالك في روايةٍ.
وروي عن مالك أنه قال: "لا تصح صلاة القائم خلف القاعد ويجب عليه أن يستخلف"، وبه قال محمد وعند أبي حنيفة يجوز خلف القاعد ولا يجوز خلف المومئ.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحق: "يصلون خلفه جلوساً"، وهو اختيار ابن المنذر، واحتجوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "ركب فرساً معروراً"، فسقط فجحش شقه الأيمن فصلى بالناس في بيتي قاعداً، والقوم خلفه قيام، فأشار إليهم أن اقعدوا فقعدوا، فلما فرغ مت صلاته، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا

عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا سجدنا فاسجدوا، وإذا قرأوا فأنصتوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين".
وقوله: فجحش شقه، أي: قد انسجح جلده، والجحش كالخدش أو أكثر منه، ولأنه يجوز أن يسقط بسبب الإمام فرض الانفراد كما في الجمعة تسقط ركعتان.
[209 أ / 2] واحتج مالك بما روى الشعبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالساً"، وهذا غلط لما قال الشافعي وفعله الأخر ناسخ لفعله الأول، أي: صار ما رويتم منسوخاً بفعله الآخر، فإن قيل: هذا اللفظ لا يصح، لأن فعله في الحالين الصلاة قاعداً، فكيف ينسخ أحدهما بالأخر؟ قلنا: أراد تقريرهم على القيام خلفه ناسخ لأمره إياهم بالقعود وتقريره نوع فعل أيضاً.
وهذا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: لما استعز برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويفيق، فدخل وقت الصلاة، وهو مغمى عليه، فلما أفاق، قال: "أصلى الناس؟ "، فقيل: لا، هم ينتظرونك، فقال: "ضعوا لي ما، في المخضب"، أي: ضعوني في ماء في المخضب، وهو مثل الأجانة، فوضعناه فاغتسل ثم أغمي عليه، فأفاق وقال: "ضعوا أي ماءٍ في المخضب"، فاغتسل مرة أخرى، فأغمي عليه أيضاً، فلما أفاق قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس".
قالت عائشة رضي الله عنها: فكرهت ذلك مخافة أن يتشاءم الناس بأبي، فأردت أن أصرف عنه ذلك، فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء، إذا قام مقامك، فلو أمرت غيره، فقال: ا"مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقدمت حفصة وأمرتها أن تقول مثل ذلك، فذكرت ذلك، فقال: "أنتن صواحبات يوسف"، أبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه، ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجا في نفسه خفة في بعض الأيام، فخرج إلى المسجد يهادي بين رجلين من أهل بيته: العباس بن عبد المطلب ورجلٍ آخر؟ قال الراوي: أتدرون من الرجل الآخر؟ هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن كانت لا تذكره، وهي تستطيع، فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد كان أبو بكر رضي الله عنه قد افتتح الصلاة، فلما رآه الناس تفرجت الصفوف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [209 ب / 2] فعلم أبو بكر أنه لا يتقدم ذلك الموضع أحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يسار أبي بكر، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فجعل أبو بكر يكبر بتكبيره وجعل الناس يكترون بتكبير أبي بكر رضي الله عنه.
وروي: فكان يصلي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر،

يريد أن أبا بكر كان كالمترجم لهم إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعداً وهم قيام وأكثرهم لا يرونه ولا يسمعون صوته، فلهذا قال: كانوا يصلون بصلاة أبي بكر ولم يأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقعود، فكان هذا ناسخاً للأول.
وروي: أنه خرج يهادي بين رجلين: أسامة ورجل آخر.
وقد روى سفيان: أن الإمام كان أبا بكر رضي الله عنه، وهو غلط.
وأما الدليل الآخر، قلنا: في الجمعة سقطت ركعتان بسبب الجماعة لا بسبب الإمام، لأن الإمام لو انفرد صلى أربعاً كالقوم وههنا لو قدر الإمام على القيام لم يترك لعجز القوم، فلذلك القوم لا يتركونه لعجز الإمام، ثم تقابل بأن المأموم أحد ركني الجماعة، فلا يسقط عنه القيام بعجز صاحبه كالإمام لا يقعد بقعود المأمومين، ويؤكده أن القارئ يتحمل القراءة عن المأموم عند بعض العلماء، والأمي لا يتحمل والقادر إذا لم يتحمل القيام عن القوم، فالعاجز أولى أن لا يتحمل.
وأما احتجاج مالك رحمه الله.
قلنا: صار منسوخاً بجبرنا مع أنه مرسل ضعيف.
رواه جابر الجعفي، أو أراد استحباباً.
واحتج أيضاً بأنه فقد ركناً من صلاته، فلا تجوز إمامته كالأمي.
قلنا: لأنه ناقص أو مقصر في التعليم والعاجز عن القيام ليس بناقص إذ لا يجوز أن يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: كان ناقصاً حين مرض ولا أن صلاته ناقصة.
مسألة: قال: "فإن صلى الإمام لنفسه جالساً ركعة، ثم قدر [210 أ/2] على القيام".
الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا زالت العلة في أثناء الصلاة يلزمه القيام ويبني، فإن لم يقم بطلت صلاته، فإن لم يعلم المأموم بصحته وقدرته على القيام صحت صلاته لأنه غير مفرط، وإن علم بصحته وتركه القيام بطلت صلاته، فإن قيل: كيف يعلم المأموم صحته وقدرته؟.
قلنا: قال أبو إسحق رحمه الله: يمكنه أن يعلم بأن المانع أنه كان لا يقدر على مد الرجلين، فرآه، وقد مدهما وقد يعلم بعلامة أخرى سوى هذه.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول أخر: لا تبطل صلاته بل تصير نفلاً.
وقول الشافعي ههنا: (أفسد صلاته)، أي: أفسد يعني الفرض فعلى هذا لا تبطل صلاة المأمومين أصلاً، وإن علموا بصحته.
وهذا خلاف المذهب الظاهر، ثم ذكر المزني رحمه الله بعد هذا مسألة الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس، وقد ذكرناها فيما تقدم، وذكر في وسط كلامه أنه إذا دخل في الصلاة، وهو لا يحسن أم القرآن ثم أحسنها بني عليها، وعند أبي حنيفة: بطلت صلاته إذا تعلم القرآن، ولم يكن يعلم شيئاً.
مسألة: قال: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم".

الفصل وهذا كما قال: إذا بلغ الصبي سبع سنين كان على أبيه أن يعلمه الطهارة والصلاة، لأن هذا سن التمييز والعقل في العادة، وهو الحد الذي يخير فيه الصبي بين أبويه، وإذا بلغ عشراً أمره بها وضربه عليها.
قال القاضي أبو حامد: "ويعوده الجماعة ليعتادها"، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، والمعنى في الضرب إذا بلغ عشراً أنه يحتمل البلوغ فيه بالاحتلام، فيؤمر به ضرباً، لأنه ربما يكون [210 ب/2] بلوغه، فإن كان بالغاً يكون مؤدياً للواجب وإن لم يكن بالغاً يتعود ذلك حتى لا يكسل عنها في كبره.
وكذلك الجد والوصي والقيم من جهة الحاكم عليهم ما على الأب.
وأما وجوب الفعل قبل بلوغه فلا يجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه".
وأما في "الأم" فأشار إلى أنه يجب قبل بلوغه، ولكنه لا يعاقب على تركها عقوبة من تركها بعد بلوغه.
ورأيت كثيراً من المشايخ يركبون هذا القول في المناظرات وليس بمذهب لأنه غير مكلف أصلاً، وإنما هذا قول أحمد في رواية: أنها تجب عليه إذا بلغ عشراً بدليل أنه يضرب على تركها، وعندنا هذا الضرب للاعتياد كما يضرب تأديباً في الأمور.
فإذا تقرر هذا ففيما نقله المزني إشكال، لأنه قال: أن يعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عصوا، فيوهم الأمر بالضرب فيما دون العشر إذا عقل، وليس كذلك فنقول في النظم تقديم وتأخير ونظمه ويعلمونهم الطهارة والصلاة إذا عقلوا، ويضربونهم على ذلك، فيبقى الضرب مطلقاً عن بيان الوقت، ثم يعلم وقته بالخبر، ثم قال: "فمن أحتلم أو حاض أو أستكمل خمس عشرة سنة لزمه الفرض"، أراد فمن احتلم من الغلمان أو حاض من النساء.
واختلف أصحابنا في الجارية إذا احتلمت في هذه السن، ولم تحض هل يكون بلوغاً؟ على وجهين.
والصحيح أنه بلوغ وظاهر قوله ههنا: فمن احتلم يدل على التسوية بينهما، وإذا لم يوجد حيض ولا احتلام، فالبلوغ عندنا استكمال خمس عشرة سنة.
ومن أصحابنا من قال: يحصل بالطعن في الخامسة عشرة، وعند أبي حنيفة باستكمال ثماني عشر، وفي المرأة روايتان: إحداهما: كذلك.

والثانية: سبع عشرة سنة، والله أعلم.
والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[211 أ/2]

باب اختلاف... الإمام والمأموم مسألة: وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر وجاء قوم فصلوا خلفه ينوون العصر.
الفصل وهذا كما قال وجملته أن الصلاتين إذا اتفقتا في الأفعال الظاهرة يجوز أن يكون الإمام في [332 أ/2] إحداهما المأموم في الأخرى فريضتين كانتا أو نافلتين أو فريضة ونافلة وسواء كانت الفريضتان متفقتين كظهرين وعصرين أو مختلفتين كظهر وعصر وسواء كانتا مما يجهر فيهما أو لا يجهر فيهما أو يجهر في إحداهما دون الأخرى وله أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح أو الوتر ويجوز ذلك، والقضاء خلف الأداء وبه قال عطاء وطاوس والأوزاعي والحسن وأبو ثور وأحمد في رواية وإسحاق واختاره ابن المنذر وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية أخرى: لا يصلي المفترض خلف المتنقل ولا المفترض في غير فرضه ويصلي المتنفل خلف المفترض وبه قال الزهري وربيعة ولا يجوز أن النفل خلف الفرض أيضاً ويروى هذا عن مالك وهو الصحيح عنه وهذا غلط لما روي الشافعي رضي الله عنه بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال "كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم ينطلق إلى قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم فريضة مكتوبة" وروي أن جابراً رضي الله عنه: "قال كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم يرجع فيصليها [332 ب/2] بقومه من بني سلمة فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذات ليلة فصلى معه ثم رجع فأم قومه فقرأ سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده فقالوا له نافقت فقال: ما نافقت ولكني آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إنك أخرت العشاء وإن معاذاً صلى معك ثم رجع فأمنا فافتتح سورة البقرة فتنحيت وصليت وحدي وإنما نحن أهل نواضح نعمل بأيدينا فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أفتان أنت يا معاذ أقرأ بسورة كذا وكذا" فإن قيل يجوز أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تطوعاً ثم صلى بقومه فريضة قلنا قد روي أنه كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء والعشاء في صلاة الفريضة ولأنه لا يجوز على معاذ أن يذر الفرض وهو أفضل العمل أفضل الخلق فيتركه ويضيع بحظه منه ويقنع من ذلك بالنقل ثم استأنس بفعل عطاء بن أبي رباح المكي بمكة وهو أنه كان يصلي مع الإمام القنوت يريد، ركعتين من التراويح ثم يعتمد بهما من العتمة وكان الدخول فيهما [أ/333 - 2] بنية العتمة فإذا سلم الإمام قام فنسي ركعتين من العتمة فعبر بخبر صلاة الليل بالقنوت لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:238] ولأن أبا حنيفة رحمة الله ناقض أصله حيث قال تجوز صلاة النذر خلف من يصلي الصلاة الشرعية بعلمه أن صلاة النذر واجبة وليت بفريضة وقال: لو سجد

الإمام للسهو بعد السلام فأحرم رجل خلفه لصلاة الظهر لصح وليس هو في صلاة الظهر وسجود السهو عنده واجب لا فرض.
فرع لا يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي صلاة الجنازة ولا خلف من يصلي صلاة الخسوف لاختلافهما في الأفعال الظاهرة ولذلك لا يصلي الكسوف خلف من يصلي الصبح وقال بعض أصحابنا بخراسان واختاره القفال أنه يجوز لأن اقتدى بمصلي فيقوم قائماً حتى يسلم الإمام في صلاته ثم يركع هو وفي الخسوف لا يركع معه في الركوع الثاني ولكن إذا سجد تابعه.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى الصبح خلف من يصلي صلاة العيد ظاهر المذهب أنه لا يجوز لما ذكرنا من العلة.
وقال والدي رحمه الله فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: هذا والثاني يجوز ولا يكبر معه تكبيرات العيد [333 ب/2] والثالث يجوز ويكبر معه التكبيرات.
فرع لو صلى ركعتي خلف من يصلي أربعاً فإذا قام الإمام إلى الثالثة إن شاء سلم وإن شاء انتظر الإمام ليفرغ ويسلم به ولا تبطل صلاته وإن خرج عن صلاة الإمام لأنه خروج بعذر وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز أن يصلي ركعتين خلف من يصلي الأربع؟ قولان: لأن يؤدي إلى خروجه من صلاة الإمام قبل فراغه منها وهذا غلط ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى ركعتين من العشاء خلف من يصلي التراويح ثم سلم الإمام فقضى هو تمام صلاته فإنه يجوز بلا خلاف فلو قام الإمام إلى ركعتين أخرتين من التراويح فقام هو في ثالثة واقتدى في الإمام مرة أخرى هل يجوز؟ قولان كما لو افتتح الصلاة مفرداً ثم صلاها مع الإمام.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم" لو أن رجلين قاما إلى الصلاة فأحرم أحدهما قبل الأخر ثم شكا قبل الفراغ من الصلاة فلم يدريا أيهما الإمام؟ بطلت صلاتهما وإن شك أحدهما دون الآخر بطلت صلاة الشاك دون الذي لم يشك ولو قال الذي يشك للذي شك: ما شككنا فصدقه لم [334 أ/2] تسقط عنه إعادة الصلاة لأنه لايرفع في عمل الصلاة إلا إلى علم نفسه ولو كان ثلاثة أو أكثر فعلموا أن الإمام كان واحداً ولكن كل احد منهم شك هل كان هو الإمام أو هو المأموم؟ أعادوا أجمعين فلو كان هذا الشك بعد الفراغ من الصلاة فلا إعادة عليهما لأن الشك الطارئ بعد السلام من الصلاة وسلامة الصلاة في الظاهر لا توجب الإعادة ولأنه إذا شك بعد الصلاة إن كان إماماً صحت صلاته وإن كان

مأموماً صحت ويخالف إذا كان في الصلاة لأنه لا يدري هل يتبعه أم يتبعه صاحبه؟.
فَرْعٌ آخرُ قال لو وقف رجلان يصلي كل واحد منهما لنفسه غير مؤتم بصاحبه فصلى جماعة خلفهما وجعلوهما معاً إمامين لم تصح صلاة المؤتمين إذ ليس أحدهما بأولى باتباعه من الأخر وإن كانت المسألة بحالها فجعل الذي خلفهما أحدهما: إماما لا يعينه مثل أن قال أحدهما: إمامنا لم تصح أيضاً لأنه إذا لم يتعين لا يمكن الاقتداء به.
فَرْعٌ آخرُ لو دخل رجل المسجد فرأى رجلين [334 ب/2] أحدهما يأتم بالأخر فأحرم هذا وجعل المأموم إمام نفسه لم يجز لأن المأموم لا يكون إماماً وهو مأموم وسواء فعل هذا الثالث ما فعله مع الجهل بحالة أو مع العلم فإن قيل أليس لو صلى خلفه المحدث جاهلاً يجوز؟ قلنا هو هناك غير مفرط وهو هنا مفرط لأن كونه إماماً أو مأموماً يظهر في حركاته وكيفية صلاته في أركانها فإذا لم يتأمل ذلك لم يعذر.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا لو نوى كل واحد منهما أنه هو الإمام وإن الآخر هو المأموم صحت صلاتهما معاً لأن كل واحد منها يصلي لنفسه ويعتقد أن غيره يصلي بصلاته فإذا بان خلاف ذلك لا يضر ولو اعتقد كل واحد منهما أنه هو المأموم لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام فلا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ لو افتتح الصلاة بنية الانفراد ثم جاء آخر فصلى خلفه صح ائتمامه به وإن لم ينو الإمام إمامته وبه قال جماعة العلماء وقال الثوري وأحمد، وإسحاق لا يصلي خلفه إلا أن ينوي الإمام إمامته فإن لم ينو فسد صلاتهم واحتجوا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " [335 أ/2] الأئمة ضمنا ولا تضمن إلا بعلم العلم" وهذا غلط لما روى أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كان رهطاً فلما أحس رسول ألله - صلى الله عليه وسلم - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة فقلنا له حين فرغ: أفطنت بنا الليلة؟ قال: نعم ذلك الذي حملني على ما صنعت" وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطلق القربة فتوضأ ثم أوكأ القربة ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ ثم جئت فوقفت عن يساره فأخذني بيمني وروى فأخذني برأسي وحولني إلى يمينه وروي فأخذ بأذني فأدارني من ورائه فإمامني عن يمينه فصليت معه ولم يكن نوى الإمامة فيها وفي هذا دليل على جواز الصلاة بالجماعة في الإثنين وإن الإثنين جماعة وإن المأموم يقوم عن يمين الإمام إذا كانا اثنين وإنه يجوز العلم اليسير في الصلاة.

مسألة: قال وإذا أحس الإمام برجل وهو راكع [335 ب/2] لم ينتظره وهذا كما قال الانتظار في الصلاة على أضرب أحدها أن يدخل الإمام في الصلاة في مسجد لم تكثر فيه الجماعة فطولها رجاء تلاحق الناس وتكاثر الجماعة فهذا مكروه لقوله: "إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة" والثاني أن يتخلف رجل له جاه في المكان وعادة بالصلاة في هذا المسجد كالسلطان والعالم فهذا يكره انتظاره أيضاً والثالث: أن يكون في الصلاة فأحس بداخل يقصد الجماعة نظر فإن لم يكن القاصد دخل المسجد كره له الانتظار أيضاً وإن كان قد دخل فلا يخلو إما أن يكون الإمام ركعاً أو غير راكع فإن كان ركعاً فلا يستحب له أن ينتظره ليدرك الركعة وهل يكره له الانتظار فيه قولان؟ أحدهما: يكره وهو اختيار المزني رحمه الله والثاني يباح له ذلك وهو اختيار أبي إسحاق رحمه الله وهذا ما لم يكثر الداخلون فيطول على من حضره قال أبو إسحاق وجواز الانتظار أحوط القولين وأقواهما وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور وروي ذلك عن الشعبي والنخعي [336 أ/2] وقال أبو إسحاق فيه قولان: أحدهما يكره له الانتظار.
والثاني: يستحب وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا لأنه انتظار ليدرك به الغير ركعة فلا يكره بل يستحب كالانتظار في صلاة الخوف وحكي صاحب الإفصاح عن بعض أصحابنا أنه قال إن لم يطل على المأمومين ولم يشق عليهم فإنه ينتظر قولاً واحداً وإن طال فهل ينتظر قولان وهذه الطريق غلط لأن تعليل الشافعي رحمه الله ولكن صلاته خالصة لله تعالى يقتضى الكراهية معلقاً قال المزني الأول عندي أولى بالصلاة وقرئ بالصواب فمن قرأ بالصلاة أراد بحق الصلاة حتى لا يطول على المتقدم ومن قرأ بالصواب أراد لا ينتظره أولى بالصواب لأن فيه تشديداً على من قصر في إتيانها واحتج المزني على أنه يكره وبه قال أبو حنيفة ومالك وداود، وأبي المنذر رحمهم الله بأن فيه تشديداً على من قصر في إتيانها فكان أولى ولأن فيه تشريكاً بين الله وبين الخلق في العبادة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:110] وقال أبو حنيفة من فعل [336 ب/2] ذلك فقد أشرك بين العمل لله تعالى وبين المخلوقين ولم يرد به الإشراك الذي هو الكفر كما وهم بعض أصحابه وأفتى بشركه وإباحة دمه وكيف يكون شركاً به وقد استحبه كثير من الفقهاء فأما نحن لا ننسب هذا الداخل إلى التقصير ولا نظن به الأخير فلا بأس بانتظاره قليلاً ليفتتح الصلاة ويدرك الركوع ولا يمنع ذلك أن تكون صلاته خالصة لله تعالى ولأنه روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إني ربما أكون في الصلاة في سورة أريد أن أتممها فلما أسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتتن أمه" فإذا جاز له - صلى الله عليه وسلم - أنه يجوز بالصلاة لحق بعض المأمومين جاز للإمام هذا الانتظار القليل لحق الداخل حتى لا تفوته الركعة ولأنه يؤمر بإعادة الجماعة لمن فاتته الجماعة ويؤمر برفع الصوت بالتكبير ليسمع من وراءه ولا يقال فيه تشريك ويستحب ذلك كذلك ههنا ولأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وأجلس الحسن رضي الله عنه عند قدميه فلم سجد ركب ظهره فأطال السجود فلما

[337 أ/2] فرغ قيل له: أطلت السجود قال: "إن ابني ركبني فأطلت السجود ليقضي وطره" فإذا أجاز هذا ففي مسئلتنا أولى وقيل: هما على حالين فإن كان يعرف الداخل لا ينتظره لأنه لا يخلو عن نوع مراياة وإن كان لا يعرفه لا ينتظره.
فرع لو أحس به وهو قائم أو ساجد لا ينتظره لأنه لا غرض للداخل في لحوق القيام ولا في لحوق السجود وإن أحس وهو قاعد في التشهد وقارب السلام هل ينتظره حتى يحرم الداخل أم لا ينتظره ويسلم على القولين لأن للداخل غرضاً في لحوقه في التشهد وهو أن يدرك فضيلة الجماعة وإن لم يكن قارب السلام يكره انتظاره لأنه لا يقوم بترك الانتظار فضيلة ولا نية فوات ركعة.
فَرْعٌ آخرُ لو انتظره لا للاحتساب بل للتودد واستمالة القلب يكره قولاً واحداً وههنا قال أبو حنيفة رحمه الله أخشى أن يكفر وقال بعض أصحابنا بخراسان هل تبطل صلاته بالانتظار الذي ذكرنا؟ قولان وهذا ليس بشيء وقال أيضاً لا يدرك الرجل فضيلة الجماعة إلا بإدراك ما يحتسب له به مثل أن يدركه في الركوع فأما إذا أدركه في السجود لا يحصل له فضيلة الجماعة وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ قال [337 ب/2] بعض أصحابنا وردت الأخبار في فضل إدراك التكبيرة الأولى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى متى يكون مدركاً لها فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: إذا أدرك الركعة صار مدركاً لها لفضيلتها وإن كان أدرك الركوع معه والثاني: ما لم يدرك شيئاً من القيام لا يكون مدركاً لها.
والثالث: ينظر فإن كان مشتغلاً بأمر الدنيا لا يكون مدركاً لها ما لم يدرك شيئاً من القيام وإن كان مشتغلاً بالطهارة فإنه يكون مدركاً لها بإدراك الركوع.
مسألة: قال ويؤتم بالأعمى وبالعبد وهذا كما قال يجوز إمامة الأعمى للبصراء والعميان ولا تكره وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال تكره وبه قال ابن سيرين ويروى عن مالك رحمه الله أيضاً لأنه لا يرى النجاسة فلا يمكنه التوقي وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم مراراً على المدينة وكان يصلي بالناس وكان ضريراً ولأنه ليس فيه إلا فقد حاسة لا تخل به شيء من شرائط الصلاة فأشبه الأطرش فإذا تقرر هذا فقد قال في كتاب الإمامة الأعمى والبصير فيها سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر لأن [338 أ/2] البصير وإن كان له فضل قربة في اجتناب النجاسات ومشاهدة الجهات فالأعمى فضيلة أخرى في كثرة الخشوع لأنه لا يشاهد شيئاً يشغله عن الصلاة.
وقال بعض أصحابنا وبه أفتي البصير أولى لما تقدم من العلة وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: الأعمى أولى لأنه أخشع في صلاته وهذان الوجهان مخالفان للنص وهو أولى ولهذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمى كما قدم البصير ولم يفرق بينهما فاستويا وقال أبو حنيفة:

جارٍ التحميل