بحر المذهب للرويانيصفحات 353-392

كتاب الشهادات الثاني

صفحات 353-392

أنوعه إذا فسق بكل واحد منهما، وقد يعلم الشهود ما لا يعلمه المدعي.
فأما الشهادة بالتعديل فلا تحتاج إلى تفسير، وإن كان التفسيق محتاجًا إلى تفسير، لما قدمناه على الصحيح من المذهب، للفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن العدالة موافقة أصل فاستغنى عن تفسير، والتفسيق مخالف للظاهر فاحتاج غلى تفسير.
والثاني: أن العدالة أصل، والفسق حادث، والحادث يحتاج إلى تفسير.
والمعدوم لا يحتاج إلى تفسير.
كمن قال: هذا الماء طاهر، لم يستفسر عن طهارته، ولو قال: هو نجس، لتفسر عن نجاسته، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى على رجٍل من أهل الجهالة بحد لم أر بأسًا أن يعرض له بأن يقول لعله لم يسرق".
قال في الحاوي: الحقوق ضربان: أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين، فلا يجوز للحاكم أن يعرض للمقر بالإنكار، ولا يعرض للشهود بالتوقف، سواء كان الحق في مال أو حد، لأن حقوق الآدميين موضوعة على الحفظ والاحتياط، ولأن المقر بما لو أنكرها لم يقبل إنكاره.
والثاني: ما كان من حقوق الله تعالى المحضة، كالحد في الزنا والقطع في السرقة.
والجلد في الخمر، فلا يخلو حال المدعى عليه من أمرين: أحدهما: أن يكون عالمًا بوجوب الحد عليه إن أقر فيمسك الحاكم عن التعريض له بالإنكار، حتى يبتدئ فيقر أو ينكر، لأن التعريض لا يزيده إلا علمًا بوجوب الحد إن أقر وسقوطه إن أنكر.
والثاني: أن يكون من أهل الجهالة بوجوب الحد، إما لأنه أسلم قريبًا، أو لأنه من أهل بادية نائية من جفاة الأعراب فيجوز للحاكم أن يعرض للمدعي عليه بالإنكار من غير تصريح، فإن كان في الزنا قال له: لعلك قبلت، أو لمست كما عرض النبي صلي الله عليه وسلم لماعز حين أقر بالزنا فقال: لعلك قبلت لعلك لمست".
وغن كان في حد السرقة قال: لعلك سرقت من غير حرز.
فإن عرض له بأن قال: لعلك لم تسرق، وكانت الدعوى من صاحب المال، لم يجز أن يعرض له بهذا، لأن في تعريضه به إسقاطًا لحقه، وإن كانت من غير صاحب المال، جاز أن يعرض له به.
وروي أن النبي صلي الله عليه وسلم أتى بسارق فقال له: "أسرقت أم لا".
وإن كان في شرب الخمر

قال: لعلك لم تشرب، أو قال: لعلك لم تعلم أنه مسكر أو لعلك أكرهت على شرب المسكر.
وإنما جاز التعريض للمقر بما يتنبه به على الإنكار، لأنه مندوب إلى الستر على نفسه فيما ارتكبه، وأنه يستغفر ربه لقوله صلي الله عليه وسلم: "من أتى من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه حد الله".
ولا يجوز للحاكم أن يصرح له بالإنكار فيقول له: قل ما زنيت، ولا سرقت، ولا شربت، أو يقول له: أنكر ولا تقر، لحظر التصريح في إسقاط الحدود، لأنه قد يلقنه الكذب، ويأمره به.
فأما تعريض الحاكم للشهود بالتوقف عن الشهادة فقد اختلف أصحابنا في جوازه على وجهين: أحدهما: لا يجوز لأنه يقدح في شهادتهم.
والثاني: يجوز لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "هلا سترته بثوبك يا هزال".
وقال عمر لزياد حين حضر لشهادته على المغيرة بالزنا: أيهما يا سلع العقاب أرجو أن يفضح الله على يدك أحدًا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فنبه على تعريضه فلم يصرح في شهادته بدخول الذكر في الفرج، فلم تكمل به الشهادة في الزنا.
وهذا التعريض بالإنكار جائز مباح، وليس بواجب، ولا استحباب، وهو حسب رأي الحاكم واجتهاده.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: لم أر بأسًا به، لأن النبي صلي الله عليه وسلم عرض لماعز ولم يعرض للغامدية، وقال: "اغد يا أنيس غلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فعرض في الأقل ولم يعرض في الأكثر.
فإن نبه بالتعريض على الإنكار فأنكر، فإن لم يتقدمه إقرار، قبل إنكاره في جميع الحدود ولم يستخلف على الإنكار، فإن تقدم منه الإقرار قبل الإنكار سقط حد الزنا، ولم يسقط عنه غرم المال المسروق، وفي سقوط قطع اليد وحد الخمر قولان، يسقط في أصحهما، ولا يسقط في الآخر.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهدا بأنه سرق من هذا البيت كبشًا لفلاٍن فقال أحدهما غدوةً وقال الآخر عشيةً أو قال أحدهما الكبش أبيض وقال الآخر أسود لم يقطع حتى يجتمعا ويحلف مع شاهده أيهما شاء".

قال في الحاوي: اختلفت الرواية في صورة الشهادة، فرواها بعض أصحابنا أنهما شهدا أنه سرق منه كيسًا، إشارة إلى كيس الدراهم والدنانير.
ورواها أكثرهم أنهما شهدا أنه سرق منه كبشًا، إشارة إلى كبش الغنم.
وهذه الرواية أصح لأمرين: أحدهما: أن كيس الدراهم والدنانير شهادة بمجهول، وكبش الغنم شهادة بمعلوم.
والثاني: أن الشافعي قال في الأم: ولو قال أحدهما: إنه أقرن، وقال الآخر أنه أجم، وقال أحدهما إنه كبش، وقال الآخرة نعجة وهذا من أوصاف الغنم.
فإذا شهد الشاهدان بسرقة الكبش، فقال أحدهما: سرقة غدوة، وقال الآخر: سرقه عشية، أو قال أحدهما: هو أبيض، وقال الآخر: هو أسود، لم تتفق شهادتهما على سرقة واحدة، لأن السرقة غدوة غير السرقة عشية، والمسروق الأبيض غير المسروق الأسود.
وحكي عن أبي حنيفة: أن الشهادة بالبياض والسواد غير مختلفة، لأنه يجوز أن يكون أحد جانبي الكبش أبيض وجانبه الآخر أسود، فيرى كل واحد منهما ما إلى جانبه فيصفه به.
وهذا ليس بصحيح لأمرين: أحدهما: أن كل واحد منهما يشهد بصفة جميعه، وهذا التأويل ينافيها.
والثاني: أنه تأويل شهادة محتملة بما بعد تأويلها، والشهادة لا يحكم بها إلا مع انتفاء التأويل عنها.
فثبت أن شهادتهما غير متفقة على سرقة واحدة، فلم تكمل بهما بينة توجب غرمًا ولا قطعًا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من اختلاف هذه الشهادة، فاختلافهما على أربعة أقسام: أحدهما: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين: أحدهما: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين: أحدهما: أن يختلف المسروق مع الإطلاق.
والثاني: أن يختلف الزمان مع الاتفاق.
فأما اختلاف المسروق مع إطلاق، فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه كبشًا أبيض، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه كبشًا أسود، فيحكم له بالشهادتين أنه سرق منه كبشين أحدهما أبيض بالشهادة الأولى، والثاني أسود بشهادة الآخرين، وليس فيهما تعارض.
وأما اختلاف الزمان مع الاتفاق، وهو أن يشهد شاهدان آخران أنه سرق منه في آخر النهار كبشًا أبيض، فيحكم له بالشهادتين أنه سرق منه كبشين أبيضين، لأن السرقة في

أول النهار غير السرقة في آخر النهار فلم تكن فيهما تعارض.
وأما القسم الثاني: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع وجود التعارض فيهما وهو على ضربين: أحدهما: أن تكون السرقة واحدة في زمانين.
والثاني: أن يكون الزمان واحدًا في السرقتين.
وأما السرقة الواحدة في زمانين فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه كبشًا أبيض في أول النهار، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه ذلك الكبش الأبيض في النهار، فهما شهادتان متعارضتان، لأن المسروق في أول النهار غير المسروق في آخره، والمسروق في آخره غير المسروق في أوله، فأوجب هذا التعارض إسقاط الشهادتين ولم تثبت السرقة بواحدة منهما.
وأما الزمان الواحد في سرقتين، فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أبيض، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أسود، فهما شهادتان متعارضتان، لأن الأبيض غير الأسود، فصارت الشهادتان مع اتفاق الزمان متعارضتين فسقطتا، ولم يحكم واحدة منهما.
والقسم الثالث: أن تنقضي كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين: أحدهما: أن تكون السرقة مطلقة في زمانين.
والثاني: أن يكون الزمان مطلقًا في سرقتين.
وأما السرقة المطلقة في زمانين فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه كبشًا في أول النهار، ويشهد شاهد آخر أنه سرق منه كبشًا في آخر النهار.
فلم تكمل بهما الشهادة لاختلاف الزمانين، ولا تعارضت لإمكان السرقتين"، ويقال للمسروق منه لك أن تحلف مع كل واحدة من الشاهدين ويحكم لك بسرقة كبشين، إن كنت مدعيًا لهما، ولا قطع على السارق، لأن القطع حد لا يجب بالشاهد واليمين وإن وجب به الغرم.
والقسم الرابع: أن تنقضي كل واحدة من الشهادتين مع وجود التعارض فيهما.
وهو على ضربين: أحدهما: أن تكون السرقة معينة في زمانين.
والثاني: أن يكون الزمان معينًا في سرقتين.
فأما السرقة المعينة في زمانين، فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه كبشًا أبيض في أول النهار، ويشهد شاهد آخر أنه سرق هذا الكبش الأبيض في آخر النهار.
وأما الزمان المعين في سرقتين فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أسود ويشهد شاهد آخر أنه سرق منه في ذلك الزمان بعينه مع طلوع الشمس كبشًا أبيض.
فقد اختلفت شهادة الشاهدين في كلا الضربين، وقد اختلف أصحابنا في هذا الاختلاف

هل يكون تعارضًا يوجب سقوط الشهادتين أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو الأظهر عندي، أنه يكون تعارضًا فيما يوجب سقوطهما، كما يتعارض كمال الشهادتين، فعلى هذا ليس للمسروق منه أن يحلف مع كل واحد من الشاهدين لسقوط شهادتهما بالتعارض.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني بأنه لا تعارض فيهما، لأن التعارض يكون في البينة الكاملة دون الناقصة، لأن الكاملة حجة بذاتها والناقصة حجة مع غيرها، فترجحت ذات اليمين.
فعلى هذا إن كان الاختلاف في السرقة المعينة في زمانين، حلف مع أيهما شاؤوا استحق كبشًا واحدًا، وإن كان الاختلاف في الزمان المعين في سرقتين كان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحق كبشين.
فصل: وإذا شهد له شاهد أنه سرق منه كبشًا، وشهد له ثان أنه سرق منه كبشين، وشهد له ثالث أنه سرق منه ثلاث كباشي، كملت له البينة بسرقة كبشين أحدهما بشهادة الأول والثاني لاتفاقهما عليه، والثاني: بشهادة الثاني، والثلث لاتفاقهما عليه ويفرد الثالث بسرقة كبش ثالث، فإن حلف معه، استحق الكبش الثالث، ووجب قطع السارق لكمال البينة بسرقة الكبشين.
فصل: ولو شهد له شاهدان بالقذف واختلفا في صفته، فقال أحدهما: قذفه عدوة، وقال الآخر قذفه عشية، أو قال أحدهما: قذفه بالبصرة، وقال الآخر: قذفه بالكوفة لم تكمل بهما شهادة القذد، لأنهما قذفان لم يشهد بواحد منهما شاهدان، وليس للمقذوف أن يحلف مع واحد منهما، لأن القذف حد لا يثبت بالشاهد واليمين.
ولو قال أحدهما: قذفه بالعربية، وقال الآخر: قذفه بالفارسية، فإن كانت الشهادة على سماع القذف، فهي شهادة على قذفين لم تكمل البينة بواحدة منهما، وإن كانت الشهادة على إقرار القاذف، أنه أقر عند أحدهما أنه قذفه بالعربية، وأقر عند الآخر أنه قذفه بالفارسية، فتذكر أبو السعيد الإصطخري فيه وجهين: أحدهما: أنهما قذفان لا تتم الشهادة بواحد منهما كما قال أحدهما: اقر عندي أنه قذفهما بالبصرة، وقال الآخر: أنه أقر عندي أنه قذفهما بالكوفة.
والثاني: أن الشهادة كاملة مع اختلاف اللفظين وإن لم تكمل مع اختلاف البلدين واختلاف الزمانين.
ولا أجد لهذا الوجه في الفرق بينهما وجهًا.
ولو كانت الشهادة في المثل، فشهد أحدهما أنه قتله بالبصرة، وشهد الآخر أنه قتله

بالكوفة، فإن كان قتل عمدًا فالشهادة مطروحة، وإن كان قتل خطأ ففي تعارضهما وجهان.
أحدهما: يتعارضان ويسقطان.
والثاني: يخلف مع أيهما شاء.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد اثنان أنه سرق ثوب كذا وقيمته ربع دينار وشهد آخران أنه سرق ذلك الثوب بعينه وأن قيمته أقل من ربع دينار فلا قطع وهذا من أقوى ما تدرأ به الحدود وتأخذه بأقل القيمتين في الغرم".
قال في الحاوي: وهاتان بينتان اتفقنا على سرقة ثوب بعينه واختلفتا في قيمته، فشهد اثنان أن قيمته ربع دينار تقطع فيه اليد، ويشهد اثنان أن قيمته سدس دينار لا تقطع فيه اليد، فلا تعارض في الشهادتين وإن اختلفت فيه البينتان، ولاختلافهما وجه محتمل لا يوجب ردهما به.
فاختلف الفقهاء في اختلافهما، هل يوجب العمل بأكثرهما أو بأقلهما في الغرم والقطع؟ مذهب الشافعي أنه يؤخذ بأقلهما في الغرم وسقوط القطع، استعمالًا للبينة الشاهدة أن قيمته سدسي دينار، فيسقط عنه القطع ولا يغرم الزيادة على السدسي.
وقال أبو حنيفة: آخذ بالبينة الزائدة في الغرم ووجوب القطع.
وأحسب أن مالكًا يأخذ بالبينة الزائدة في الغرم، والناقصة في سقوط الحد.
واستدل من عمل بالبينة الزائدة بأمرين: أحدهما: أنه لما عمل في الأخبار المختلفة بالزيادة دون النقصان وجب أن يكون مثله في البنيان، لأن الشهادة خبر.
والثاني: أن النقصان داخل في الزيادة فلم ينافيها فوجب العمل بها كما لو شهد شاهدان على إقراره بألف وشهد شاهدان على إقراره بألفين دون الألف بألف لدخول الألف في الألفين، ودليلنا شيئان: أحدهما: أن النقصان متفق عليه، والزيادة مختلف فيها، لأن من قومه بالربع أثبتهما ومن قومه بالسدس نفاها، فكان العمل بالزيادة في الأخبار لأن من روى الناقص لم ينف الزيادة.
لأن بلالًا لما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم دخل البيت.
وروى أسامة أنه دخل البيت وصلي عمل بالزيادة في صلاته وبعد دخوله لأن بلالًا لم يقل دخل البيت ولم يصل، فكذلك في الشهادة بالنقصان دون الزيادة، وعمل في الأخبار بالزيادة دون النقصان.
والثاني: أن النقصان يقين، والزيادة شك: وقد أثبتت في إحدى الشهادتين وبقيت

في الأخرى فوجب العمل باليقين دون الشك، لأن الأصل براءة الذمة، فخالف الشهادة بألف والشهادة بألفين، لأن من أثبت الألف لم ينف الألفين.
فصل: إذا اختلف شاهدان في قيمة الثوب المسروق، فشهد أحدهما أن قيمته ربع دينار وشهد الآخر أن قيمته سدس دينار، فقد اتفقا على السدس وتمت الشهادة به.
واختلفا في الزيادة عليه، فأثبتها أحدهما ونفاها الآخر، فاختلف أصحابنا فيها على وجهين: أحدهما: أنه يسقط فيها قول من أثبتها بقول من نفاها، ويمنع صاحب السرقة أن يحلف مع الشاهد بها ويستحقها، كما لو أثبتها شاهدان ونفاها شاهدان.
والثاني: أنه لا يسقط قول من أثبتها بقول من نفاها بخلاف إثباتها بشاهدين ونفيها بشاهدين، ويجوز لصاحب السرقة أن يحلف مع الشاهد بها ويستحقها، ولا يقطع السارق بها خلاف الشاهدين، لأن الشاهدين حجة كاملة فتعارض فيها قول المثبت والنافي، والشاهد الواحد ليس حجة إلا مع اليمين، فإذا انضمت إلى أحدهما كملت الحجة ونقصت عنها الأخرى، فحكم بالحجة على ما ليس بحجة.
فصل: وإذا كان هذا الاختلاف في ثمن مبيع، فشهد شاهدان أنه باعه هذا العبد بألف، وشهد شاهدان آخران أنه باعه ذلك العبد في ذلك الزمان بألفين تعارضت الشهادتان وردتا.
ولو شهد أحد الشاهدين أنه باعه هذا العبد بألف وشهد الآخر أنه باعه إياه في ذلك الزمان بألفين، ففي تعارضهما وجهان على ما مضى: أحدهما: قد تعارضتا وسقطتا.
والثاني: لا تعارض فيهما، وللمدعي أن يحلف مع الشاهد بالألفين.
ولو شهد شاهدان أنه باعه عبدًا تركيًا بألف، وشهد آخران أنه باعه عبدًا روميًا بألفين، فلا تعارض في الشهادتين فيحكم له ببيع التركي بألف وبيع الرومي بألفين.
ولو اختلف شاهدان، فشهد أحدهما أنه باعه عبدًا تركيًا بألف وشهد الآخر أنه باعه عبدًا روميًا بألفين، فلا تعارض فيهما وله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له بعد اليمين بيع التركي بألف والرومي بألفين.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا لم يحكم بشهادة من شهد عنده حتى يحدث

منه ترد به شهادته ردها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شهد عدلان بحق ثم فسقا قبل الحكم بشهادتهما ردت الشهادة ولم يحكم بها، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن أبي ثور والمزني أنهما قالا: يحكم بشهادتهما ولا ترد اعتبارًا بحال الأداء.
وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6 [. فاقتضى الظاهر أن تعتبر العدالة عند الأداء وعند الحاكم.
ولأن عدالة الباطن مظنونة، فإذا ظهر الفسق دفع ما ظن بباطنه من العدالة، ودل على تقدمه وقت الشهادة، ولاسيما ويتحفظ الإنسان بعد شهادته أكثر من تحفظه قبلها.
ولأن من لطف الله تعالى بعباده أن لا يهتكهم بأول الذنب، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إن الله أكرم من أن يهتك عبده بأول خطيئة، فإذا أظهرها دلت على تقدمها عليه.
ولأن ظهورها يوجب الاسترابة بما تقدمها وظهور الريبة في الشهادة يمنع من قبولها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن حكم بها وهو عدل ثم تغيرت حاله بعد الحكم لم نرده لأني إنما أنظر يوم يقطع الحاكم بشهادته".
قال في الحاوي: وحدوث فسقهما بعد نفوذ الحكم بشهادتهما على ضربين: أحدهما: أن يحدث الفسق بعد استيفاء الحق، فلا يجوز نقض الحكم بشهادتهما سواء كان في حقوق الله تعالى أو الآدميين، وبخلاف حدوث الفسق قبل الحكم، لوقوع الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الشك والاحتمال موجود في الحالين، فلما لم يجز أن يثبت الحكم بالشك، لم يجز أن ينقض حكمه بالشك والاحتمال، فيكون المعنى الذي منع من الحكم بشهادتهما المانع من نقض الحكم النافذ بشهادتهما.
والثاني: أن تخبر الحال قبل نفوذ الحكم مخالف لتغيرها بعد نفوذ الحكم، لأن الحاكم إذا اجتهد رأيه في الحكم فأداه اجتهاده إلى حكم ثم بان أن الحق في غيره، نقضه قبل نفوذ حكمه، فأوجب هذا الفرق في تغير الاجتهاد قبل نفوذ الحكم وبعده.
وقوع الفرق في الفسق بحدوثه قبل نفوذ الحكم وبعده.
فهذا حكم أحد الضربين في حدوث الفسق بعد استيفاء الحق أنه معمول على عموم

إمضائه في جميع الحقوق.
والثاني: أن يحدث الفسق بعد نفوذ الحكم وقبل استيفاء الحق، فهذا علي ثلاثة أضرب: أحدهما: أن يكون الحق مالا أو في معني المال، فيجب استيفاؤه بعد الفسق لنفوذ الحكم قبل الفسق تعليلا بالمعنيين المتقدمين.
والثاني: أن يكون الحق حدا وجب لله خاصة، كحد الزنا وجلد الخمر وقطع السرقة، مما يدرأ بالشبهة، فيسقط بحدوث الفسق ولا يستوفي لأن حدوثه شبهة.
والثالث: أن يكون حدا قد وجب لآدمي كالقصاص وجد القذف ففي سقوطه بحدوث الفسق قبل استيفائه وجهان: أحدهما: يسقط لكونه حدا يدرأ بالشبهة.
والثاني: لا يسقط لأنه من حقوق الآدميين كالأموال.
فصل: وإذا بان للحاكم بعد حكمه أن فسق الشاهدين حدث قبل شهادتهما، نقض حكمه كما لو بان له مخالفه النص، واسترجع ما استوفاه بحكم إن أمكن، وإن كان قصاصا لا يمكن استرجاعه ضمن الحاكم بالدية والكفارة، وفي محلة الدية قولان: أحدهما: علي عاقلته، فعلي هذا تكون الكفارة في ماله.
والثاني: في بيت المال، فعلي هذا ففي الكفارة وجهان: أحدهما: في بيت المال.
والثاني: في مال.
وقد مضي هذا في تعزير الإمام إذا أفضي إلي التلف.

باب الرجوع عن الشهادة

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((الرجوع عن الشهادة ضربان فإن كانت علي رجل بشيء يتلف من بدنه أو ينال بقطع أو قصاص فأخذ منه ذلك ثم رجعوا فقالوا عمدناه بذلك فهي كالجناية فيها القصاص واحتج في ذلك بعلي وما لم يكن من ذلك فيه القصاص أعدموه وعزروا دون الحد وإن قالوا لم نعلم أن هذا يجب عليه عذروا وأخذ منهم العقل ولو قالوا أخطأنا كان عليهم الأرش)).
قال في الحاوي: وجملته أنه لا يخلو رجوع الشهود في الشهادة بعد أدائها من ثلاثة أحوال:

أحدهما: أن يرجعوا قبل نفوذ الحكم بها.
والثاني: أن يرجعوا بعد الحكم قبل الاستيفاء.
والثالث: أن يرجعوا بعد الاستيفاء.
فأما الحالة الأولي: وهو أن يرجعوا قبل الحكم بشهادتهم، فلا يجوز الحكم بها بعد رجوعهم، سواء كانت الشهادة في حد الله تعالي، أو مال لآدمي، وهو قول جمهور الفقهاء إلا أبا ثور فإنه تفرد بإمضاء الحكم بعد رجوعهم.
وبناه علي مذهبه في إمضاء الحكم بعد حدوث فسقهم، وهذا خطأ في المذهب والبناء.
وأما خطؤه في المذهب، فهو أنه لا يخلو حالهم في الشهادة والرجوع من أحد أمرين: إما أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع، أو كاذبين في الشهادة صادقين في الرجوع فوجب ردها لأمرين: أحدهما: الجهالة بصدق شهادتهم، فصار كالجهالة بعدالتهم.
والثاني: أنهم لم ينكفوا من الكذب في أحد قوليهم.
وأما خطؤه في البناء: فهو أن الفاسق مقيم علي شهادته ويجوز أن يكون فيها صادقا.
والراجع مقر أنه لم يكن في الشهادة صادقا، فافترقا.
فإذا ثبت أنه لا يحكم بشهادتهم، نظر في الشهادة بعد رجوعهم عنها.
فإنهم فيها علي ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يعمدوها، فيكون قدحا في عدالتهم وموجبا لفسقهم، ويعزروا، لأنهم عمدوا الشهادة بالزور.
والثاني: أن لا يتعمدوها، ولكن سهوا فيها، فيكون ذلك قدحا في ضبطهم لا في عدالتهم، فوجب التوقف في شهادتهم إلا فيما تحققوه وأحاطوا به علما.
والثالث: أن لا يكون ذلك بعمد لا يسهو ولكن بشبهة اعترضتهم يجوز مثلها علي أهل التيقظ والعدالة فهم علي عدالتهم وضبطهم، لا يقدح ذلك في واحد منهم فتقبل شهادتهم في غير ما رجعوا عنه، فإن التمس المشهود علي صحة رجوعهم لم يكن له إحلافهم، لأن حقه علي غيرهم، ولو ادعي المشهود له أن الشهود قد رجعوا وأنكروا الرجوع، لم يكن له إحلافهم، لأنه لا خصومة بينه وبينهم.
وهكذا لو ادعي عليهم علموا أني برئت مما شهدوا به، وقد شهدوا مع علمهم أنه برئ منه وطلب يمينهم لم يحلفوا عليه.
ولو أحضر المشهود عليه بينه تشهد علي المشهود برجوعهم، قبلت، وحكم عليهم بالرجوع، وبطلت شهادتهم علي المشهود عليه، ولا ضمان عليهم للمشهود له.
وقال الحسن باق علي المشهود عليه.

وأما الحالة الثانية: وهو أن يرجعوا بعد نفوذ الحكم بشهادتهم وقبل استيفاء الحق، فلا يخلو أن يكون ما شهدوا به من أن يكون مالا أو غير مالا، فإن كان مالا، لم ينقض حكمه به وأمضاه، وهذا قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال: ينقضي الحكم برجوعهم لإبطال هذه الشهادة بالرجوع.
وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن الحكم إذا نفذ بالاجتهاد، لم ينقض بالاحتمال والاجتهاد تغليب صدقهم في الشهادة والاحتمال جواز كذبهم في الرجوع.
والثاني: أن في شهادتهم إثبات حق يجري مجري الإقرار، وفي رجوعهم نفي ذلك الحق الجاري مجري الإنكار فلما يبطل الحكم بالإقرار لحدوث الإنكار لم يبطل الحكم بالشهادة لحدوث الرجوع.
وإن كان ما شهدوا به ليس بمال، فعلي ضربين: أحدهما: أن يكون مما لا يبطل بالشبهة كالنكاح والطلاق، فهو كالمال في نفوذ الحكم به.
فلا يبطل برجوع الشهود.
والثاني: أن يكون مما يسقط بالشبهة كالحدود، وهو علي ضربين: أحدهما: أن يكون من حقوق الله تعالي المحضة كالزنا وجلد الخمر وقطع السرقة فيسقط برجوع الشهود كما يسقط برجوع المقر، لأن رجوع المشهود شبهة تدرأ بمثلها الحدود.
والثاني: أن يكون من حقوق الآدميين المحضة كالقصاص.
وحد القذف فعلي ضربين: أحدهما: أن يكون مما إذا سقط بالشبهة رجع إلي الدية التي لا تسقط بالشبهة، فليسقط برجوع الشهود، القصاص، ولا تسقط الدية.
والثاني أن يكون مما إذا سقط بالشبهة لم يرجع إلي بدل، كحد القذف، ففي سقوطه برجوع شهوده وجهان: أحدهما: تسقط بالرجوع، لأنها شبهة تدرأ بمثلها الحدود.
والثاني: تسقط بالرجوع لأنه من حقوق الآدميين المغلظة.
وأما الحالة الثالثة: وهو أن يرجع الشهود بعد نفوذ الحكم واستيفاء الحق، فالحكم علي نفاذه لا ينقض برجوع شهوده، بعد استيفاء الحق، وهو قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي أن الحكم ينقض برجوعهم، لأنهم بالرجوع غير شهود.
وهذا فاسد من وجهين.
أحدهما: أن الرجوع مخالف للشهادة فلا يخلو أحدهما من الكذب، فصار كل

واحد من الشهادة وبالرجوع محتملا للصدق والكذب، وقد اقترن بالشهادة حكم واستيفاء فلم يجز نقضها برجوع محتمل.
والثاني: أن الشهادة إلزام والرجوع إقرار بدليل أنه وارد بغير لفظ الشهادة والإقرار لازم في حق المقر دون غيره، فلم يجز أن ينقض به الحكم، لأنه يصير إقراره إلزاما لغيره.
وهو موجب أن يعود عليه لا علي غيره.
فإذا ثبت أنه لا ينقض به الحكم بعد استيفاء الحق، انتقل الكلام إلي ما يلزم الشهود برجوعهم، وهو مختلف الحق المستوفي، وينقسم إلي ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون إتلافا يختص بالأبدان.
والثاني: أن يكون إتلافا يختص بالأحكام.
والثالث: أن يكون إتلافا يختص بالأموال.
فأما القسم الأول: فيما اختص بالأبدان.
فهل قتل نفس أو قطع طرف بشهادتهم علي رجل أنه قتل فقتل، أو قطع فقطع ثم رجعوا علي شهادتهم بعد أن قتل أن قتل أو قطع فقد اختلف الفقهاء فيما يلزمهم برجوعهم إذا عمدوا: فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن عليهم القود، وهذا قول ابن شبرمة وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن عليهم الدية دون القود وقال مالك، لا قود عليهم ولا دية.
واستدل أصحاب أبي حنيفة علي سقوط القود بأن الشهادة سبب أفضي إلي القتل موجب أن يتعلق به الحكم الغرم دون القود، كحفر البئر ووضع الحجر.
واستدل أصحاب مالك علي سقوط الدية بأن الشهادة سبب اقترن به مباشرة الحاكم، فلما سقطت الدية عن الحاكم بالمباشرة كان أولي أن تسقط عن الشهود بالسبب، لأن السبب سقط بالمباشرة.
والدليل علي وجوب القود: اجتماع الصحابة في قصتين مشهورتين عن إمامين منهم لم يختلف عليهما أحد منهم.
إحداهما: عن أبي بكر رضي الله عنه أن شاهدين شهدا عنده بالقتل وقيل بالقطع فاقتص به، ثم رجع الشاهدان وقالا: أخطأنا الأول، وهذا هو القاتل أو القاطع.
فقال: لو علمت أنكم تعمدتما لأقلكما.
والثانية: وهي أثبت رواها الشافعي عن سفيان عن مطرف عن الشعبي أن رجلين شهدا عند علي عليه السلام علي رجل أنه سرق فقطعه، ثم أتياه بعد برجل آخر وقالا: أخطأنا في الأول وهذا هو السارق، فأبطل شهادتهما علي الآخر ثم ضمنهما دية الأول، وقال لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما.
وقال أحمد بن حنبل عن مطرف، عن الشعبي عن علي عليه السلام غير مرفوع أن رجلين شهدا عن علي رضي الله عنه بخبر مرفوع.

وقد رواه مع سفيان أسباط عن مطرف هذا وليس لهذين الإمامين مخالف في الصحابة فثبت بهما الإجماع.
ويدل علي من الاعتبار، أن كل إتلاف ضمن بالمباشرة ضمن بالشهادة كالأموال، ولأن الشهادة إلجاء، فوجب أن يضمن به النفوس بالقود كالإكراه.
فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن الشهادة سبب يسقط به القود كحفر البئر، ففاسد بالإكراه، ثم حفر البئر لم يقصد به القتل فسقط به القود، والشهادة مقصود بهما القتل.
وأما الجواب عن استدلال مالك بالحاكم، فهو أن الحاكم لزمه الحكم بالشهادة فلم يضمن، والشاهد متبرع بالشهادة فضمن بها.
فصل: فإذا تقرر أن الشهود بالقتل، لم يخل حالهم في الشهادة به إذا تغيرت من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يشكو فيهما بعد استيفاء الحق بهما، أو يقولوا: لعلنا أخطأنا فيها فهذا قدح في الضبط لا يتغير به حكم الشهادة بعد نفوذ الحكم بها، ولا ضمان عليهم به، لأن الضمان لا يجب بالشك.
والثاني: أن يرجعوا جميعا عنها، فيسألهم الحاكم عن شهادتهم هل تعمدوها أو أخطأوا فيها؟ لاختلاف حكم العمد والخطأ في القتل، ولهم في الجواب عنه ثمانية أحوال: أحدهما: أن يقولوا: عمدنا كلنا ليقتل بشهادتنا، فالقود علي جميعهم واجب لأنهم قتلة عمد.
والثانية: أن يقولوا: عمدنا كلنا وما علمنا أن الحاكم يقتله بشهادتنا، فهم أهل جهالة بمثله، فهذا منهم قتل عمد شبه الخطأ، ولا قود عليهم، ويؤخذ الدية منهم مغلظة لما فيه من العمد، ومؤجلة لما فيه من الخطأ.
والثالثة: أن يقولوا: أخطأنا كلنا، فعليهم دية الخطأ مخففة ومؤجلة، ويؤخذون بها دون عواقلهم، لوجوبها باعترافهم، والعاقلة لا تتحمل عنهم ما وجب باعترافهم إن لم يصدقوهم، فإن صدقوهم تحملوها عنهم.
والرابعة: أن يتفقوا علي أنه عمد بعضهم وأخطأ بعضهم، فلا قود علي العامد لمشاركته الخاطئ، وعلي العامد قسطه من الدية مغلظة حاله، وعلي الخاطئ قسطه من الدية مخففة مؤجلة.
والخامسة: أن يختلفوا فيقول بعضهم عمدنا كلنا، ويقول بعضهم: أخطأنا كلنا، فعلي من أقر بعمد جميعهم القود، وعلي من أقر بخطأ جميعهم قسطه من الدية مخففة ومؤجلة.

والسادسة: أن يختلفوا، فيقول اثنان منهم: عمدنا وأخطأ هذان الآخران، ويقول الآخران: بل عمدنا وأخطأ هذان الأولان: ففي وجوب القود عليهم قولان: أحدهما: عليهم القود جميعا، لأن كل واحد منهم قد اعترف بالقتل بالعمد في حقه، وأضاف الخطأ إلي من قد اعترف بعمده، فصاروا كالمعترفين جميعا بالعمد.
والثاني: وهو أصح، لا قود علي واحد منهم، لأن كل واحد منهم مقر بمشاركته للخاطئ، فلم يلزمه إقرار الخاطئ بعمده، ولأن أحدا لا يؤخذ بإقرار غيره، ويكون علي كل واحد منهم قسطه من دية العمد مغلظة حالة.
والسابعة: أن يقول اثنان منهم: عمدنا كلنا، ويقول الآخران: عمدنا وأخطأ الأولان، فعلي المقر بعمد جميعهم القود، وفيما علي المقر بعمده وخطأ وغيره قولان: أحدهما: القود.
والثاني: قسطه من دية العمد مغلظة حالة.
والثامنة: أن يقول أحدهم: عمدت وما أدري ما فعل أصحابي سألنا أصحابه، فإن قالوا: عمدنا.
وجب القود علي الكل، وإن قالوا: أخطأنا، سقوط القود عن الكل.
فهذا حكمهم إذا رجعوا جميعا.
والقسم الثالث: أن يقيم بعضهم عن شهادته، ويرجع بعضهم عن شهادته فهذا علي ضربين: أحدهما: أن لا يزيد الشهود علي عدد البينة.
كاثنين شهدا علي رجل بالقتل فقتل، ثم رجع أحدهما أو أربعة شهدوا علي رجل بالزنا فرجم ثم رجع أحدهما، فلا ضمان علي المقيم علي شهادته، والراجع عنها ضامن يسأل عن حاله، فإن قال: أخطأت ضمن قسطه من الدية، فإن كان واحدا من اثنين في قتل ضمن نصف الدية.
وإن كان واحدا من أربعة في الزني ضمن ربع الدية.
وإن قال: عمدت، سئل عن من لم يرجع من شركائه في الشهادة، فإن قال الخطأ فعليه قسطه من الدية، وإن قال: عمدوا فعليه القود.
والثاني: أن يزيد الشهود علي عدد البينة، كثلاثة شهدوا علي رجل بالقتل فقتل، أو خمسة شهدوا علي رجل بالزني فرجم، فهذا علي ضربين: أحدهما: أن يرجع من زاد علي عدد البينة، لرجوع الثالث في الشهادة القتل.
والخامس في شهادة الزنا، فلا قود عليه لوجوب القتل، والرجم بشهادة الباقين، ولا يجوز أن يستحق القود في قتل قد وجب، وأما الدية ففيها وجهان: أحدهما: لا شيء عليه منها تعليلا بهذا المعني.
والثاني: عليه فسقط من الدية، لأنه مقر بعد، وأن يوجب الضمان، فإن كان واحدًا

من ثلاثة في القتل ضمن ثلث الدية، وإن كان واحدا من خمسة في الزني ضمن خمس الدية، ويكون ذلك مغلظا حالا إن عمد، ومخففا مؤجلا إن أخطأ.
والثاني: أن يرجع في الشهادة من ينقص به عدد الباقين عن البينة.
كثلاث شهودا علي رجل بالقتل فرجع منهم اثنان، أو خمسة شهدوا علي رجل بالزني فرجع منهم اثنان، فما هنا يجب القود علي الراجعين إن عمدوا وأقروا بعمد من لم يرجع ولا شيء علي من لم يرجع لأن القتل لم يجب إلا بشهادة جميعهم وإن أخطأ الراجعان ضمنا الدية، وفي قدر ما يضمنان منها وجهان: أحدهما: يضمن الاثنان من الثلاثة في القتل ثلثا الدية، لأنهما اثنان من ثلاثة ويضمن الاثنان من الخمسة في الزنا خمسا الدية، لأنهما اثنان من خمسة اعتبارا بأعدادهم.
والثاني: يضمن الاثنان من الثلاثة في القتل نصف الدية، لبقاء الواحد الذي هو نصف البينة، ويضمن الاثنان من الخمسة في الزنا ربع الدية لبقاء الثلاثة الذين هم ثلاثة أرباع البينة، اعتبارا بعدد البينة.
فصل: وإذا شهد أربعة علي رجل بالزني ولم يثبت حصانته، فشهد بها اثنان ثم رجل شحود الحصانة ففيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: لا ضمان عليهم، لأنهم لم يشهدوا بالفعل الموجب للرجم.
والثاني: عليهم الضمان لأنه رجم بما شهدوا عليه من الإحصان، وفي قدر ما يضمنه شاهدا الحصانة وجهان: أحدهما: أنه نصف الدية، لأنهم رجم بنوعين، الإحصان والزنا فتقسطت الدية عليهما.
والثاني: عليهما ثلث الدية، لأنه رجم بشهادة ستة فتقسطت الدية علي عددهم.
ولو رجع شهود الزنا، فإن أخطأوا وجبت عليهم الدية دون القود، وفي قدر ما يلزمهم منها وجهان: أحدهما: جميع الدية إذا قيل: إن شهود الحصانة لا يضمنون.
والثاني: ثلث الدية إذا قيل إن شهود الحصانة يضمنون نصف الدية.
ولو عمد شهود الزني كان وجوب القود عليهم معتبرا بعلمهم بحصانته، فإن علموا بما عند شهادتهم وجب عليهم القود، لأنهم شهدوا بما تعمدوا به لقتل وإن جهلوا حصانته لم يجب عليهم القود لأنهم لم يتعمدوا قتله.
ولو رجع واحد من شهود الزني وواحد من شاهدي الحصانة إذا قيل: إن شهود الحصانة لا يضمنون.

والثاني: أن (على) شاهد الزني سدس الدية، وعلي شاهد الحصانة سدس الدية.
إذا قيل بضمان شهدوا الحصانة علي العدد.
والثالث: إذا قيل بضمان شهود الحصانة علي العدد.
والثالث: علي شاهد الزني ثمن الدية وعلي شاهد الحصانة ربع الدية، إذا قبل بضمان شهود الحصانة علي النوع.
وأما القود فلا يجب علي شاهد الحصانة، ووجوبه علي شاهد الزني معتبر بما ذكرناه من وجوبه عليه إن علم بحصانته، وسقوطه غن جهلها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان هذا في طلاق ثلاث أغرمتهم للزوج صداق مثلها دخل بها أو لم يدخل بها لأنهم حرموها عليه فلم يكن لها قيمة إلا مهر مثلها ولا ألتفت إلي ما أعطاها.
قال المزني رحمه الله: ينبغي أن يكون هذا غلطا من غير الشافعي ومعني قوله المعروف أن يطرح عنهم ذلك بنصف مهر مثلها إذا لم يكن دخل بها)).
قال في الحاوي: قد مضي الكلام في رجوع الشهود عما اختص بالأبدان من الأقسام الثلاثة وهذه المسألة هي القسم الثاني في رجوعهم عما اختص بالأحكام وهو شيئان: الطلاق والعتق.
فأما الطلاق: فهو أن يشهدوا علي رجل بطلاق الثلاث، فيفرق الحاكم بينهما ثم يرجع الشهود، فهي ممنوعة من الزوج بعد نفوذ الحكم بطلاقها وعلي شهود مهر مثلها للزوج.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا ضمان علي الشهود.
استدلالا: بأنه ليس لخروج البضع عن ملك الزوج قيمة، ولو كان مقوما بمهر المثل في ملكه، لوجب إذا طلق زوجته في مرض موتها، وأن يكون مهر مثلها محسوبا من ثلثه، كما لو أعتق عبده في مرضه، ولوجب إذا طلقها وقد أحاط دينه بتركته أن لا يقع طلاقه، كما لم ينفذ عتقه وهذا مدفوع فدل علي أنه لا قيمة له في خروجه من ملكه كما لا قيمة له فيما استهلكه عليه من غير ذي قيمة.
والدليل علي وجوب ضمانه، أن عقد النكاح بعد الدخول أقوي وقبله أضعف، لارتفاع العقد بالردة قبل الدخول، ووقوفه علي انقضاء العدة بعد الدخول، ووافقونا علي تضمين الشهود إذا شهدوا بالطلاق قبل الدخول، فكان أولي أن يضمنوا إذا شهدوا بعد الدخول.

وتحرير هذا الاستدلال قياسا، لأنها شهادة بطلاق فرق بين الزوجين فاقتضي أن يكون الرجوع عنها موجبا للضمان كالشهادة قبل الدخول.
فإن قيل: فالمال قبل الدخول معرض للسقوط بردتها، وبالفسخ إذا كان من قبلها، وهو بعد الدخول مستقر لا يسقط بحال، فإن شهدوا بالطلاق قبل الدخول فقد أثبتوا به صفة المعرض للسقوط وضمنوا، وإذا شهدوا به بعد الدخول لم يكن معه معرضا للسقوط فلم يضمنوا.
قيل: عكس هذا أولي، لأن الصداق واجب بالعقد، فإذا شهدوا بالطلاق قبل الدخول فقد أسقطوا بها نصف الصداق، وإذا شهدوا به بعد الدخول لم يسقطوا به شيئا من الصداق، فكان ضمانهم بعد الدخول أقوي من ضمانهم قبله.
فإن قيل: فهو بعد الدخول فقد استوفي حقه من الاستمتاع، فلم يضمنوا وقبل الدخول لم يستوفه فضمنوا.
قيل: حقه في الاستمتاع باق ببقاء النكاح، وقد أبطلوه بشهادتهم في الخالتين فضمنوه فيها.
ودليل ثان: أن الإحالة بين الزوج وبضع امرأته إذا لم يفتقر إلي خلو العقد من مهر، فهو موجب لضمان المهر، كما لم أرضعت زوجته الكبيرة زوجته الصغيرة ضمنت الكبيرة مهر الصغيرة.
وقد وافقوا علي ذلك إذا قصدت الكبيرة تحريم الصغيرة.
فإن قيل: فبقتل الكبيرة قد حرمت عليه نفسها، ولا يلزمها مهرها.
قيل: لأنه لو لزمها مهرها، لأفضي إلي خلو العقد من مهرها، ولا يفضي هذا إلي خلو عقد الصغيرة من مهرها، فلذلك ضمنت الكبيرة مهر الصغيرة، ولم تضمن مهر نفسها.
فإن قيل بعد هذا: لو قتلها لضمنت ديتها ولا تضمن مهرها.
قيل: ضمان المنافع تسقط بضمان أعيانها، فأوجب ضمان ديتها سقوط مهرها.
ودليل ثالث: أنه لما كان لدخول البضع في مالك الزوج قيمة وجب أن يكون لخروجه عن ملكه قيمة اعتبارا بسائر الأموال فإن منعوا أن يكون لخروجه عن ملكه قيمة بما ذكروه دللنا عليه بجواز الخلع علي البضع، فإن تملك بع العوض، ولا يجوز أن يملك العوض في مقابلة ما ليس له عوض.
ثم نجيب عما استدلوا به من أنه لا قيمة لخروجه عن ملكه.
وأما قولهم: أنه طلقها في مرضه لم يكن من ثلاثة، ولو كانت مالا لكانت من ثلثه لعتقه، فهو أننا نعتبر ما كان منتقلا إلي ورثته بعد موته، والزوجة لا تنتقل إليهم بعد الموت.
فلذلك لم تعتبر من الثلث، وإن كان بعضها ملكا له كأم الولد أو أعتقها في مرضه لم تكن من ثلثه وإن كانت ملكا، لأنها لا تنتقل بعد الموت إلي ورثته، وهكذا لو طلقها

في مرضه فقد أحاط دينه بتركته بهد طلاقه وإن لم ينفذ عتقه، لأنها لا تنتقل إلي القدماء كعتق أم الولد، خالف عتق العبد القن الذي يصرف في ديونه لو لم يعتق.
فصل: وإذا قد ذكرنا دلائل من أثبت الغرم فنفاه، فالذي أراه أولي من إطلاق هذين المذهبين أن الشهادة بهذا الطلاق الكاذب يوجب تحريمها في الظاهر دون الباطن.
ويجوز لهما الاجتماع بعدها فيما بينهما وبين الله تعالي.
علي أصل مذهبنا في أن الحكم الحاكم في الظاهر لا يحيل الأمور عما هي عليه في الباطن، وإن خالفنا أبو حنيفة.
فاقتضي من مذهبنا أن ينظر في حال الزوج، فإن وصل إلي الاستمتاع بزوجته بمساعدتها علي ما أباحها الله تعالي في الباطن، فلا رجوع للزوج بمهرها علي الشهود إذا رجعوا، لئلا يجمع بين الاستباحة والرجوع بالمهر.
وإن لم يصل إلي الاستمتاع بها، لامتناعها عليه تمسكا بظاهر التحريم، رجع علي الشهود بمهرها لتفويتهم علي بعضها.
ويتفرع علي هذا أن يشهد شاهدان علي رجل بقذف امرأته بالزنا فيلا عن الحاكم بينهما، ثم يرجع الشاهدان، واللعان في الظاهر علي نفاذه في وقوع الفرقة وتحريم الأبد، فأما نفوذه في الباطن فمعتبر بحال الزوج، فإن حد القذف حين لاعن باختياره، فلا رجوع له علي الشهود لوقوع الفرقة بلعانة.
وإن خاف من حد القذف، لم تقع الفرقة في الباطن، ولا رجوع له علي الشهود إن أمكنته من نفسها، ويرجع عليهم إن منعته، والله أعلم.
فصل: فإذا ثبت وجوب الغرم علي الشهود إذا رجعوا في الطلاق، فهو علي ضربين: أحدهما: أن يكون الطلاق ثلاثا.
والثاني: دون الثلاث.
فإن كان ما شهدوا به من الطلاق فعلي ضربين: أحدهما: أن يكون بعد الدخول: فعليهم ضمان جميع المهر يقسط بينهم علي أعدادهم، فإن شهد به اثنان، كان علي واحد منهما نصفه، وإن شهد به ثلاثة، كان علي كل واحد منهم ثلثه.
والثاني: أن تكون شهادتهم بالطلاق قبل الدخول، فقد اختلفت الرواية عن الشافعي في قدر ما يلزم الشهود.
فروي عنه المزني: أن عليهم ضمان جميع المهر.
وروي عنه الربيع: أن عليهم ضمان نصفه، واختاره المزني.
فاختلف أصحابنا في اختلاف ما نقلاه، فخرجه أكثرهم علي قولين:

أحدهما: عليهم نصف المهر، وهو مذهب أبي حنيفة لأمرين: أحدهما: لأنه قدر ما التزم.
والثاني: أنه قد رجع على الزوجة بنصفه، فلو رجع على الشهود بجميعه لصار إليه مهر ونصف، وهو لا يستحق أكثر من المهر فعلى هذا عليهم نصف مهر المثل لأنه قيمة المتلف.
قال أبو حنيفة: نصف المهر المسمى اعتباراً بما غرم.
والثاني: يلزمهم جميع مهر المثل لأمرين: أحدهما: أنهم قد أحالوا بينه وبين ما ملكه من جميع البضع، فوجب أن يرجع عليهم بجميع مهرها كما يرجع به لو دخل بها.
والثاني: أنه لما رجع بجميع المهر إذا استمتع بها، كان أولى أن يرجع بجميعه غذا لم يستمتع بها.
فعلى هذا، إن كان الصداق قد ساقه إليها لم يرجع عليها بنصفه، لأنه لا يدعيه.
وإن لم يسقه إليها لم يلزمه إلا نصفه، وإن اعترف لها بجميعه لأجل منعه منها.
وامتنع بعض أصحابنا من تخريج الرجوع على قولين، وحملوا ما رواه من أوجب جميع المهر على الزوج إذا ساق جميع المهر إليها، لأنه خرج عن يده جميع المهر فرجع عليهم بجميع المهر.
وهذه الطريقة عندي أولى عندي من تخريج القولين، لأن ما أمكن حمله على الاتفاق كان أولى من حمله على الاختلاف.
فصل: وإن كان ما شهدوا به من الطلاق أقل من الثلاث فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون قبل الدخول، فيوجب الضمان على الشهود إذا رجعوا كما يوجبه طلاق الثلاث، لأنها تبين بالواحدة كما تبين بالثلاث.
والثاني: أن يكون بعد الدخول، فهو على ضربين: أحدهما: أن لا تبين بالواحدة لأنه لم يتقدم منه طلاق فلا شيء على الشهود إذا رجعوا، لأن الزواج يقدر على استباحتها بالرجعة.
والثاني: أن تبين بالواحد التي شهدوا بها وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون ذلك في خلع تبين فيه بالواحدة ورجع الشهود عنه فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون الشهادة على الزوجة لإنكارها عقد الخلع، فقد ألزموها العوض، ولا يكون الطلاق بدلاً منه في حقها، فلها الرجوع عليهم بما أغرموها.
والثاني: أن تكون الشهادة على الزوج لإنكارها عقد الخلع، فقد كانوا ألزموه بالطلاق بما أوجبوه له من العوض، وهو مستحق له، وإن لم يدعه، لحقه في بضعها،

فإذا لم يصل إليه، كان له الوصول إلى بدله، وإذا كان كذلك نظر.
فإن كان العوض بقدر مهر المثل لم يرجع على الشهود بشيء لوصوله إلى المهر من جهة الزوجة.
وإن كان العرض أقل من مهر المثل، ويرجع على الشهود بالباقي من مهر المثل ليستكمله من الشهود والزوجة.
ومثله أن يشهدوا بشفعته في مبيع وينتزع من مشتريه بثمنه ثم يرجع الشهود عما شهدوا به من ملك الشفيع، فإن كان الثمن مثل قيمة المالك لم يضمنوا، وإن كان أقل من قيمته ضمنوا فاضل القيمة.
وهكذا لو شهدوا على رجل أنه باع فانتزع منه ما شهدوا به من الثمن ثم رجعوا إن كان الثمن مثل قيمته لا يضمنوا، وإن كان أقل من القيمة ضمنوا فاضل القيمة.
ولو شهدوا بهبة ثم رجعوا.
فإن قيل بوجوب المكافأة لم يضمنوا، وإن قيل بسقوطها ضمنوا.
والثاني: أن تبين الواحدة، لأن الزوج قد طلقها قبل الشهادة طلقتين فصارت بائنة بالثالثة، فقد أحال الشهود بها بينه وبين بضعها، فلزمهم الغرم بحكم الإحالة وقد قدر ما يلزمهم وجهان: أحدهما: جميع المهر، لأنهم منعوه منها من جميع البضع.
والثاني: يلزمهم ثلث المهر، لأنه ممنوع من بعضهم بثلاث طلقات اختص الشهود بواحدة منها، فكان ثلث المنع منهم فوجب ثلث المهر، فعلى هذا لو كان الزوج قد طلقها واحدة، وشهدوا بطلقتين رجع عليهم بثلثي المهر.
فهذا حكم شهادتهم بالطلاق إذا رجعوا عنه.
فصل: وأما شهادتهم بالعتق إذا رجعوا عنها في عبد كان قناً، فعليهم غرم قيمته بوفاق أبي حنيفة، وإن خالف في الطلاق.
ويعتبر قيمته عند نفوذ الحكم بشهادتهم، لا وقت رجوعهم، لأنه بالحكم صار مستهلكاً بالرجوع.
فإن شهدوا عليه بعتق مدبر ثم رجعوا عنه لزمهم غرم قيمته أيضاً، لأنه قد كان على الرق وجواز البيع، فإن شهدوا عليه بعتق أم الولد رجع عليهم بقيمتها وإن منع من بيعها كما يرجع بالقيمة على قاتلها.
وإن شهدوا عليه بكتابة عبده، لم يغرموا عند الرجوع، وينظر ما يكون من مال المكاتب: فإن عجزوا عاد إلى الرق فلا غرم على الشهود بعوده إلى الرق الذي كان عليه قبل الشهادة.
وإن ادعى عتق نظر في ما أداه من كتابته، فإن كان بقدر قيمته، ففي وجوب

غرمها على الشهود وجهان: أحدهما: لا غرم عليهم، لأن السيد قد وصل إلى القيمة من مكاتبه فصار كوصوله إلى المهر من خلع زوجته.
والثاني: يرجع عليهم بغرم قيمته وإن وصل غليها من مكاتبه، لأن أداها من اكتتابه التي قد كان يملكها بغير كتابة، وبهذا خالف ما أدته المرأة في الخلع، لأن المؤدي، لا يملكه الزوج إلا بالخلع.
وإن كان ما أداه المكاتب فيعتق به أقل من قيمته، رجع السيد على الشهود بالباقي من قيمته، وفي رجوعه عليهم بما أداه المكاتب وجهان تعليلاً بما قدمناه فيها.
فإن شهدوا بإبراء مكاتبة ما مال كتابته فحكم عليه بعتقه، ثم رجع الشهود غرموا له أقل الأمرين من قيمته أو مال كتابته، لأن القيمة إذا كانت أقل، فليس بأغلظ من العبد القن، فلا يلزمه أكثر منها، وإن كان مال الكتابة أقل، فليس له على المكاتب أكثر منه فلم يرجع بالزيادة والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وإن كان في دار فأخرجت من يديه إلى غيره غرروا على شهادة الزور ولم يعاقبوا على الخطأ ولم أغرمهم من قبل أني جعلتهم عدولاً بالأول فأمضينا بهم الحكم ولم يكونوا عدولاً بالآخر فترد الدار ولم يفيؤوا شيئاً لا يؤخذ ولم يأخذوا شيئاً لأنفسهم فأنتزعه منهم وهم كمبتدئين شهادة لا تقبل منهم فلا أغرمهم ما أقروه في أيدي غيرهم ". قال في الحاوي: وهذه المسألة هي القسم الثالث في رجوعهم عما اختص بالأموال، وهو ضربان: عين ودين.
فأما العين فكالدار والدابة إذا كان في يد رجل يتصرف فيها تصرف المالكين الحائزين، فشهد الشهود بها لغيره فانتزعها الحاكم من يده بشهادتهم وسلمها إلى المشهود له، ثم رجع الشهود، لم يجز أن ينتزعها من المشهود له النفوذ الحكم بها.
والحكم لا ينقضي برجوعهم.
فأما وجوب غرمها على الشهود، فالذي نص عليه الشافعي فيها وذكره هنا في غيره من الكتب لا رجع على الشهود بغرمها.
وقال فيمن اقر بدار في يده أنه غصبها من زيد ثم قال: لا بل غصبتها من عمرو: إنها تكون لزيد لتقدم الإقرار بها له، وهل يجب قيمتها لعمرو أم لا؟ على قولين: وكذا قال في عبد أعتقه من هو في يده ثم أقر بغصبه من عمرو، هل يغرم

قيمته لعمرو أم لا؟ على القولين.
ورجوع الشهود كرجوع المقر بالغصب فاختلف أصحابنا في الجمع بينهما على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وطائفة: أنهما سيان، وفي غرم الشهود إذا رجعوا قولان: أحدهما: عليهم غرم قيمة العين، وهو المخرج، وبه قال أبو حنيفة لاستهلاكهما على مالكها حكماً، فصار كاستهلاكها عليه، فعلى هذا في قيمتها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج عليهم قيمتها يوم الحكم بشهادتهم.
والوجه الثاني: عليهم أكثر قيمتها من اليوم الحكم بشهادتهم إلى وقت رجوعهم فهذا حكم القول الأول.
والقول الثاني: وهو المنصوص عليه: لا غرم عليهم، لأن الأعيان تضمن بواحد من أمرين: إما بإتلاف أو بيد، ولم يكن من الشهود إتلاف العين لبقائها، ولا يد لعدم تصرفهم فيها، فسقط غرمها عنهم.
والوجه الثاني: من مذهب أصحابنا: وهو قول أكثرهم، أنه لا غرم على الشهود قولاً واحداً.
وإن كان في غرم المقر بالغصب قولان لوقوع الفرق بينهما بأن للغاصب يداً صار بها ضامناً، وليس للشهود يد يضمنون بها فافترق حكمها.
فصل: فأما الذين إذا شهدوا به على رجل أن عليه لزيد ألف درهم من قرض أو غصب فألزمه الحاكم دفعها إليه بشهادتهم فدفعها، ثم رجعوا عن شهادتهم، وللدين المقبوض حالتان: أحداهما: أن يكون قد استهلكه المشهود له، فعلى الشهود غرمه لتلف العين بالاستهلاك، ولا يجوز للشهود أن يرجعوا به على المشهود له إذا غرموا، ولا تسمع دعواهم عليه لما سبق من اعترافهم له بالحق.
والثانية: أن يكون الدين المقبوض باقياً في يد المشهود له، فقد اختلف أصحابنا هل يكون في حكم الدين أم في حكم العين؟ على وجهين: أحدهما: أن يكون في حكم العين لبقاء عينه، ولا يرجع على الشهود بغرمه على الصحيح من المذهب.
والثاني: أن يكون في حكم المستهلك من الدين لتعلقه بالذمة فيرجع على الشهود بغرمه.
فصل: وإذا ثبت الرجوع على الشهود بغرم الدين، لم يخل رجوعهم من أن يكون

من جميعهم أو بعضهم.
فإن رجعوا جميعاً وكانوا شاهدين كان على كل واحد منهما نصف الدين، وإن كانوا شاهداً وامرأتين، كان على الرجع نصف الدين، لأنه نصف البينة، وكان على كل واحدة من المرأتين ربع الدين لأنها ربع البينة.
ولو كان المشهود ثلاثة رجال، كان على كل واحدٍ منهم ثلث الدين، لأنه ثلث البينة ولو كانوا عشرة كل على كل واحد منهم عشر الدين، لأنه عشر البينة.
ولو كانوا رجلاً وعشر نسوة، كان على الرجل سدس الدين وعلى كل واحدة من النسوة نصف السدس الدين، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل نصف الدين، لأنه نصف البينة وعلى كل واحدة من النساء نصف عشر، لأنها نصف عشر البينة وبه قال أبو العباس بن سريج.
وهذا خطأ، لأن كل امرأتين تقومان مقام الرجل، فصار النساء العشر كخمسة رجال، فإذا اقترن بهم رجل صاروا معه كستة رجال، يلزم كل واحد منهم سدس الدين، فاقتضى أن يلزم الرجل السدس الدين ويلزم كل امرأتين بسدسه، فتختص كل واحد بنصفه.
وإن رجع بعض الشهود دون جميعهم، فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما: أن لا يزيدوا على عدد البينة، ويكونوا رجلين فيرجع أحدهما، فعليه نصف الدين، لأنه نصف البينة، وإن كانوا رجلاً وامرأتين ولو رجعت واحدة من المرأتين، فعليها ربع الدين، لأنها ربع البينة.
والثاني: أن لا يزيدوا على عدد البينة، ويرجع من زاد عليها كأربعة رجال يرجع منهم اثنان، ففي الرجوع على الراجعين وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: لا رجوع عليهما لكمال البينة بغيرهما.
والثاني: وهو قول المزني حكاه عنه أصحابه: يرجع عليهما، لأن الحق لم يتعين بشهادة غيرهما فلزمهما نصف الدين، لأنهما نصف البينة.
فلو شهدت مع الأربعة امرأة واحدة ثم رجعت المرأة من الرجلين فلا شيء على المرأة لأنها إذا انفردت لم يدخل في جملة البينة.
والثالث: أن يزيدوا على عدد البينة ويرجع الزائد على البينة وبعض البينة كالثلاثة إذا رجع منهم اثنان وجب الرجوع عليهما وفي قدره وجهان: أحدهما: يرجع عليهما بنصف الدين، لأنه قد بقي نصف البينة وهذا على الوجه الذي يسقط الرجوع عليهم إذا بقي بعدهم عدد البينة، وهو قول أبي عباس بن سريج.
والثاني: أن يرجع عليهما بثلثي الدين، لأنهما ثلثا البينة، وهذا على الوجه الذي يوجب الرجوع عليهم إذا بقي بعدهم عدد البينة، وهو قول أبي إبراهيم المزني.

فلو كانوا رجلين وامرأتين فرجع منهم رجل وامرأة، ففي قدر الرجوع عليهم وجهان: أحدهما: يرجع عليهما بربع الدين، لأنه قد بقي بالرجل والمرأة ثلاثة أرباع البينة، ويتحمل الرجل من الرجع ثلثيه وهو سدس الدين وتتحمل المرأة ثلثه وهو السدس من الدين، وهو قياس ابن سريج.
والثاني: أن يرجع عليها بنصف الدين، لأنها نصف البينة، فيتحمل الرجل ثلثي النصف وهو ثلث الدين، وتتحمل المرأة ثلثه، وهو سدس الدين، وهو قياس قول المزني.
فصل: وإذا ادعى رجل على رجل مالاً يشهد له شاهد بمائة درهم، وشهد له شاهدتان بمائتي درهم، وشهد له شاهد ثالث بثلاثمائة درهم، وشهد له رابع بأربعمائة درهم، فقد قامت البينة على المشهود عليه بثلاثمائة درهم، لأن المائة الرابع شهد بها شاهد واحد فلم تثبت، فإن رجع الشهود الأربعة بعد الغرم، رجع المشهود عليه بما غرمه وهو ثلاثمائة، ويختلف قدر ما يرجع به على كل واحد منهم باختلاف ما شهدوا به فالمائة الأولى قد شهد بها الأربعة، فيكون على كل واحد منهم ربعها وهو خمس وعشرون درهماً، والمائة الثانية قد شهد بها ثلاثة سوى الأول، فيكون لكل واحد منهم ثلثه ثلاثة وثلاثون درهماً وثلث درهم، والمائة الثالثة قد شهد بها اثنان سوى الأول والثاني، فيكون على كل واحد منها نصفها، خمسون درهماً، فيصير الجميع ثلاثمائة درهم.
على الأول منها خمسة وعشرون درهماً، وعلى الثاني منها ثمانية وخمسون درهماً وثلث، وعلى الثالثة مائة وثمانية وثلث وعلى الرابع مائة وثمانية وثلث.
فصل: وإذا شهد ثلاثة على رجل بثلاثين درهماً ثم رجعٍ أحدهم عن عشرة دراهم، ورجع ثان عن عشرين درهماً، ورجع الثالث عن ثلاثين درهماً، فللمشهود عليه إذا غرم الثلاثين أن يرجع منها بعشرين، لأن العشرة الثانية قد بقي منها بعد الراجع شاهدان، فتكون العشرة الأولى عليهم أثلاثاً، لأنه قد رجع عنها الثلاثة فيلزم كل واحد منهم ثلاثة دراهم وثلث درهم.
والعشرة الثانية قد رجع عنها اثنان، فهي عليهما نصفان، على كل واحد منهما خمسة دراهم، يصير الجميع عشرين درهماً، منها على الراجع عن العشرة ثلاثة دراهم وثلث، وعلى الراجع من العشرين ثمانية دراهم وثلث، وعلى الراجع عن الثلاثين ثمانية دراهم وثلث.
فأما العشرة الرابعة فلا رجوع عنها بشيء على أصح الوجهين: وعلى الوجه الثاني: يرجع على الراجع عنها بثلثها وهي ثلاثة دراهم وثلث.
والعشرة الثانية: تثبت بثلاثة ورجع عليها اثنان، فعلى أحد الوجهين يلزمهما نصفها لأنه

بقي شاهد واحد، وعلى الوجه الثاني: ثلثاها، فأما جميعها فلا.
فصل: فإذا ثبت الرجوع على الشهود بغرم الدين الذي رجعوا عنه على ما وصفنا من التقرير والتفريج، فلا فرق في الرجوع بين عمدهم وخطئهم بخلاف الدماء، لأن ضمان الأموال يستوي فيه العمد والخطأ والدماء يفترق فيها حكم العمد، والخطأ، ويفسقون فيها بالعمد دون الخطأ ويعزرون في عمد الأموال وعمد الدماء إذا لم يجب فيها القود فإن وجب فيها القود فأقيدوا في نفس أو طرف، سقط التعزير لدخوله على القود فإن عدل ولي الدم فيه عن القود إلى الدية ففي تعزير الشهود وجهان: أحدهما: لا تعزير عليهما، لأن الدية تدل على القود الذي يسقط به التعزير.
والثاني: يعزرون، لأن التعزير ثابت يختص بالأبدان.

باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وإذا علم القاضي أنه قضى بشهادة عبدين أو مشركين أو غير عدلين من جرحٍ بين أو أحدهما رد الحكم على نفسه ورده عليه غيره ". قال في الحاوي: قد مضي القول في أن شهادة العبد والكافر غير مقبولة بما قدمناه من الدليل، فإذا ثبت حكم الحاكم بشهادة شاهدين في حد أو قصاص، أو عتق، أو طلاق، أو ملك، أو مال، ثم بان له بعد نفوذ حكمه بهما، أنهما عبدان أو أحدهما أو كافران أو أحدهما بعد والآخر كافر، فإن الحكم بشهادتهما مردود، لأنه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بها فصار كحكمه بها مع علمه وجرى مجرى من حكم بالاجتهاد ثم بان له مخالفة النص، كان حكمه مردوداً قبل الحكم وبعده.
فإن قيل: فقد اختلف في شهادة العبد، فأجازها سريج والنخعي، وداود وأجاز أبو حنيفة شهادة الكافرين موضع، واختلاف فيها دليل على جواز الاجتهاد فيها، ولا يجوز أن ينقضي بالاجتهاد حكماً نفذ بالاجتهاد.
قيل: قد اختلف فيما ردت به شهادة العبد على ثلاثة مذاهب: أحدهما: بظاهر نص لم يدفعه دليل، فصار كالدليل، وهو قوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وليس العبد ممن يرضى.
فعلى هذا يكون الحكم بشهادته مخالفاً للنص فكان مردوداً.
والثاني: أنها مردودة بقياس على الشواهد غير محتمل، انعقد عليه إجماع

المتأخرين بعد شذوذ الخلاف من المتقدمين، فصار مردوداً بإجماع انعقد على قياس جلي.
والثالث: انها ردت باجتهاد ظاهر الشواهد فلم يجز أن ينقض باجتهاد خفي الشواهد، لأن الأقوى أمضى من الأضعف، وإنما يتعارضان إذا تساويا في القوة والضعف، على أن الاجتهاد لم يكن في الحكم بشهادته، وإنما حكم بها، لأنه لم يعلم انه عبدتم علم بعبوديته قطعاً فوجب أن يقضي بعلمه على ما اشتبه وأشكل.
فثبت أن الحكم بشهادة العبد والكافر مردود، وقد وافق عليه أبو حنيفة، ومالك، وجمهور الفقهاء.
فصل: فإذا ثبت أن الحكم بها مردود، فقد أختلف أصحابنا، هل يقع باطلاً لا يفتقر إلى الحكم بنقضه، أو يكون موقوفاً على وجوب الحكم بنقضه؟ بحسب اختلافهم في المانع من الحكم به.
فمن جعل دليل رده نصاً أو إجماعاً، جعله باطلاً لا يفتقر إلى الحكم بنقضه، لكن على الحاكم أن يظهر بطلانه لما قدمه من ظهور نفوذه.
ومن جعل ردة قوة الاجتهاد في شواهده، جعله موقوفاً على وجوب الحكم لا ينقضه لأن غيره شواهده معلومة بالاجتهاد فصار موقوفاً على الحكم بنقضه وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي رضي الله عنه لأن قال من بعد: ورد شهادة العبد إنما هو بتأويل.
وليس بتحريف السجل نقضاً للحكم حتى ينقضه بالحكم قولاً، ووجب عليه أن يسجل بالنقض كما أسجل بالحكم ليكون السجل الثاني مبطلاً للسجل الأول، كما صار الحكم الثاني ناقصاً للحكم الأول، فإذا لم يكن قد أسجل الحكم لم يلزمه الإسجال بالنقض، وإن كان الإسجال به أولى.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "بل القاضي بشهادة الفاسق أبين خطأ منه بشهادة العبد وذلك أن الله جل ثناؤه قال: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وقال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وليس الفاسق بواحدٍ من هذين فمن قضى بشهادته فقد خالف حكم الله ورد شهادة العبد إنما هو تأويل وقال في موضع آخر إن طلب الخصم الجرحة أجله بالمصر وما قاربه فإن لم يجئ بها أنفذ الحكم عليه ثم إن جرحهم بعد لم يرد عنه الحكم.
قال المزني: قياس قوله الأول أن يقبل الشهود العدول

أنهما فاسقان كما يقبل أنهما عبدان ومشركان ويرد الحكم ". قال في الحاوي: أعلم أنه لا خلاف في شهادة الفاسق بالنص، فإذا حكم شهادة شاهدين ثم بأن له فسقهما، فإن كان الفاسق طارئاً أمضى الحكم بشهادتهما فهو على صحته ونفاذه.
وإن كان الفاسق متقدماً قبل إمضاء الحكم بشهادتهما، فمذهب الشافعي المنصوص عليه في جميع كتبه، أن الحكم بشهادتهما مردود وأن الفسق أسوأ حالاً من الرق، لأن خبر العبد مقبول وخبر الفاسق مردود.
ونقل المزني في هذا الموضوع عن الشافعي: أن الحاكم إذا أطرد المشهود عليه جرح الشهود مدة إطراده، فلم يأت بالجرح، فأمضى الحكم عليه بشهادتهما، ثم أتى بعد إمضاء الحكم ببينة الجرح ثم كان حكمه عليه ماضياً، وظاهر هذا أنه قول بأن الحكم لا ينقضي بشهادة الفاسق.
واختلف أصحابنا في صحة تخريجه: فمذهب المزني وأبو العباس سريج تخريجه قولاً ثانياً، وجعلوا نقض الحكم بشهادة الفاسق على قولين: أحدهما: ينقضه، وهو النص: والثاني: لا ينقضه، وهو المخرج وبه قال أبو حنيفة.
وذهب أبو إسحاق المروزي وجمهور أصحاب الشافعي إلى المنع من تخريجه قولاً ثانياً وأنه لا يجب على مذهب الشافعي إلا ما نص عليه وصرح به من نقض الحكم بشهادته قولاً واحداً.
فأجابوا عما نقله المزني، فيمن أطرده الحاكم بجرح شهوده فأحضره بينة الجرح بعد انقضاء زمانه ونفوذ حكمه بجوابين: أحدهما: أنه لم ينقضه، لأن الخصم أقام بينة بفسق الشهود مطلقاً، ولم يشهدوا بفسق الشهود قبل الحكم، فلم ينقضه لجواز حدوثه بعد نفوذ الحكم بها حتى يعينوا أنه كان فاسقاً قبل الشهادة أو بعدها وقبل نفوذ الحكم بها فينقضها.
والثاني: أنه محمول على أن الخصم عجز عن بينة الجرح عند اطراده فحكم عليه، ثم عاد يسأل الحاكم إطراده ثانية، ولا يجوز أن يطرده الجرح بعد إبطال الإطراد، لأن الإطراد يوجب نقض الحكم عليه، والحكم قد نفذ، فلا يجوز ان يعاد إلى الوقف على الإطراد.
فإن بان للحاكم الفسق من غير إطراد الخصم، بأن قامت عنده البينة بأنه شرب خمراً أو قذف محصناً قبل شهادته، نقض الحكم بها، فبان أن مذهب الشافعي رحمه الله نقض الحكم بشهادة الفاسق من غير أن يختلف قوله فيه كما ينقضه بشهادة العبد والكافر.
وقال أبو حنيفة: لا ينقض الحكم بشهادة الفاسق، وإن نقضه بشهادة العبد والكافر استدلالاً بأن الرق والكفر مقطوع بهما والفسق مجتهد فيه، فجاز نقض بالمقطوع به كما

ينقضي بمخالفة النص، ولم يجز أن ينقضي بمجتهد فيه، لأن الحكم إذا نفذ بالاجتهاد لم ينقض بالاجتهاد.
والدليل على نقص الحكم بفسقه كما ينقض برقه شيئان: أحدهما: أن اشتراط العدالة نص، واشتراط الحرية اجتهاد، فإن نقض الحكم بمخالفة المشروط بالنص لاجتهاد، كان أولى أن ينقض لمخالفة المشروط بالنص.
والثاني: أن العبد مقبول الخبر، والفاسق مردود الخبر، والشهادة كالخبر، فلما نقص الحكم بشهادة من يقبل خبره، كان أولى أن ينقض بشهادة من يرد خبره.
وأما الجواب عن قوله: إن الرق مقطوع به والفسق مجتهد فيه، فهو أنهما إذا صار معلومين، صار الرد بالفسق مقطوعاً به، والرد بالرق مجتهداً فيه فكان العكس أحق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا أنفذ القاضي بشهادتهما قطعاً ثم بان له ذلك لم يكن عليهما شيء لأنهما صادقان في الظاهر وكان عليه أن لا يقبل منهما فهذا خطأ نحمله عاقلته ". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا وجب نقض الحكم برد الشهادة غما لفسق أو لرق أو كفر، فسواء.
ولا يخلو الحكم من أن يفضي إلى استهلاك أو لا يفضي.
فإن لم يفض إلى استهلاك لم يتعلق بنقضه ضمان، وكان نقضه معتبراً بالحكم فإن كان عقد نكاح عقد بشهادتين فبان عبدين، أو كافرين، أو فاسقين افتقر إلى حكم الحاكم بنقضه، لأن مالكاً يجيز عقد النكاح بغير شهود إذا أعلن.
وإن كان في إتيان نكاح اختلف فيه الزوجان، فإن بان فسق الشاهدين حكم بنقضه ولم ينقض بظهور فسقهما إلا أن يحكم به لخلاف أبي حنيفة فيه وفرق بين الزوجين فيه بعد يمين الزوجة المنكرة.
وإن بان كفر الشاهدين أظهر نقض الحكم ولم يفتقر نقضه إلى حكم لوقوفه منتقضاً لرد شهادتهما بالنص المجتمع عليه.
وإن كان رق الشاهدين، فهل يفتقر نقضه إلى الحكم به أم لا؟ على وجهين مبينين على الاختلاف في شهادته هل ردت بظاهر نص، أو إجماع عن ظاهر اجتهاد ظاهر أو على ما قدمنا.
وهكذا في كل حكم نفذ بشهادتهم يكون الحكم بنقضه معتبراً بأحوال شهوده في اختلافهم في الوجوه الثلاثة في الرق والكفر والفسق فيحتاج إلى الحكم بنقضه في الفسق، ولا يحتاج إلى الحكم بنقضه في الكفر، وفي احتياجه إلى الحكم لنفسه بنقضه في الرق وجهان.

وإن كانت الشهادة بنقضه في طلاق فرق بين الزوجين، وقع ما أوقعه من الطلاق وجمع بين الزوجين بعد يمين الزوج المنكر.
وإن كانت الشهادة في عتق أنفذ بها حرية العبد، حكم برقة وبقائه على ملك سيده ويملك اكتتابه بعد يمين السيد في إنكار عتقه.
وإن كانت الشهادة على نقل ملك من دار أو عقار، حكم بإعادته على المشهود عليه مع أجرة مثله بعد يمينه على إنكاره، فإن طلب إعادة الدار إلي يده ليحلف بعد ردها عليه، وجب على الحاكم أن يرفع عنها يد المشهود له، لبطلان بينته ولا يأمر بردها على المشهود عليه، لأن أمره بالرد حكم له بالاستحقاق ولا يمينه منهما، لأنه منعه حكم عليه بإبطال الاستحقاق، ويخلى بينه وبينهما من غير حكم بات، وهذا بخلاف الطلاق والعتق الذي لا يجوز التمكين منهما إلا بعد اليمين لما فيها من حقوق الله تعالى.
وإن كانت الشهادة في دين حكم بقضائه، فإن كان ماله بعد قضائه باقيًا في يد المشهود له، فأخذ برد مثله، فإن أعسر به أقرضه الحاكم عليه من بيت المال ليكون دينًا عليه في ذمته يؤديه إذا أيسر به ويدفعه إلي المشهود عليه بدلًا من المأخوذ منه.
فصل: فأما إذا كان الحكم مفضيًا إلي الاستهلاك والإتلاف، كالقصاص في نفس أو طرف، فهو موجب لضمان الدية دون القود، لأنه خرج عن حكم العمد إلي الخطأ والحكم به ثم الشهود والحاكم والمشهود له، فأما الشهود فلا ضمان عليهم لظهور رقهم، فلا يمنع وجود ذلك فيهم من أن يكونوا صادقين في شهادتهم، وخالف حال المشهود إذا رجعوا لاعترافهم بكذبهم، فلذلك ضمنوا بالرجوع، ولم يضمنوا بالفسق والرق، وأما المشهود له فلا ضمان عليه، لأنه يمنع الفسق شهوده من استحقاقه لما شهدوا به.
وإذا سقط الضمان عن هؤلاء، وجب الضمان على الحاكم.
وقال أبو حنيفة: إن الضمان على المزكين للشهود عند الحاكم دون الحاكم، لأنهم ألجاؤه إلي الحكم بهذه الشهادة.
وهذا فاسد، لأن المزكين شهدوا بالعدالة دون القتل، فلم يجز أن يضمنوا ما الم يشهدوا به من القتل ووجب الضمان على من حكم بالقتل، لأنه قد تعين منه في فعله.
وإذا كان كذلك وجب ضمان الدية على الحاكم، سواء تقدم بالقصاص إلي ولي الدم أو إلي غيره.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إن تقدم به الحاكم إلي ولي الدم كان ضمان الدية على الولي، وإن تقدم به إلي غيره كان الضمان على الحاكم.
وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه عن أمره في الحالين.
والثاني: أنه لما لم يضمنه مباشرة إذا كان ولي الدم مع عدم استحقاقه، فأولى أن

لا يضمنه وليه مع جواز استحقاقه.
فإذا تقرر ضمان الدية على الحاكم لم يضمنهما في ماله، وفي محل ضمانها وجهان: أحدهما: على عاقلته، لأنها دية خطأ به وتكون كفارة القتل في ماله.
والثاني: يضمنها في بيت مال المسلمين لنيابته عنهم، وفي الكفارة على هذا وجهان: أحدهما: في بيت المال كالدية.
والثاني: في ماله، لأن الكفارة مختصة بالمكفر، والله أعلم بالصواب.

باب الشهادة في الوصية

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو شهد أجبنيان لعبِد أن فلانًا المتوفى أعتقه وهو الثلث في وصيته وشهد وارثان لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث في الاثنين فسواٌء ويعتق من كل واحٍد منهما نصفه.
قال المزني قياس قوله أن يقرع بينهما وقد قاله في غير هذا الباب".
قال في الحاوي: واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة هل هي في العتق الناجز في المرضى، أو الوصية بالعتق بعد الموت؟ وكلام الشافعي يحتمل كلا الأمرين، لأنه قال: لو شهد أجنبيان أن أعتقه وهو الثلث في وصيته، ويشهد وارثان لعبد غيره أنه اعتقد وهو الثلث في وصيته، فلهم في مراد الشافعي تأويلان تختلف أحكامها باختلاف المراد بها: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة أنها مقصورة في الوصية بالعتق بعد الموت.
فيشهد أجنبيان أن المتوفى وصى بعتق عبده سالم بعد الموت وهو ثلث.
ويشهد وارثان أنه وصى بعتق عبده غانم وهو الثلث، فعبر عن العتق بالوصية، لأنها وصية بالعتق.
فتقبل شهادة الوارثين كما تقبل شهادة الأجنبيين، لأنهما لا يجران بهما نفعًا ولا يدفعان بها ضررًا، فصار بالشهادتين موجبًا بعتق عبدين قيمة كل واحد منهما ثلث التركة، وسواء كانت الوصية بعتقهما في الصحة أو في المرض أو أحدهما في الصحة والآخر في المرض، لاستواء الوصايا في الصحة والمرض والمتقدم والمتأخر وإذا كان كذلك فهو على ضربين: أحدهما: أن تكون في الوصية بعتقها دليل على تبعيض العتق كأنه قال: أعتقوا

سالمًا إن احتمله الثلث، وإلا فأعتقوا منه قدر ما احتمله، وأعتقوا غانمًا إن احتملوا الثلث، وإلا فأعتقوا منه قدر ما يخرج منه، فإذا كانت قيمة كل واحد منهما سواء صار كأنه قد وصى بعتق النصف من كل واحد منهما، فما هنا يعتق من كل واحد منهما نصفه ولا يقرع بينهما لأن من أوصى بعتق النصف من كل واحد من عبدين عتق من كل واحد منهما نصفه ولم يكمل العتق في أحدهما بالقرعة كذلك ها هنا.
فإن أراد المزني القرعة بينهما في هذا الموضع كان خطأ منه لما بيناه، والجواب عنه متفق عليه.
والثاني: أن تكون الوصية بعتقها مطلقة، ليس فيها ما يدل على تبعيض العتق في كل واحد منهما فيكون كالموصى بعتقهما معًا، والثلث لا يحتملها لأنه لا فرق في الوصية بعتقهما بين الجمع والتفريق، فوجب أن يقرع بينهما ليكمل العتق في أحدهما كما أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ستة أعبد أعتقوا في المرض فأعتق منهم اثنين وأرق أربعة، لأنه لا يجوز أن يعتقا معًا مع زيادتهما على الثلث الذي منع الشرع منه إلا بإجازة الورثة، ولا يجوز أن يقصد عتق أحدهما من غير قرعة لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، ولا يجوز تبعيض العتق فيهما، لأن المقصود من العتق تكميل المنافع بالحرية، ولذلك إذا أعتق شركًا له في عبد، قوم عليه باقية لتكميل منافعه بعتق جميعه.
فلم تبق امتناع هذه الوجوه إلا دخول القرعة بينهما، لتكميل العتق فيمن قرع منهما.
فإن استوت قيمة العبدين وكان قيمة كل واحد منهما ثلث التركة فأيهما قرع عتق جميعه ورق الآخر، وإن اختلفت قيمة العبدين فكانت قيمة ثلث التركة وقيمة الآخر سدسها، فإن قرع من قيمته الثلث عتق جميعه ورق من قيمته السدس عتق جميعه ونصف الآخر ورق باقية.
وإن أراد المزني الإقراع بينهما في هذا الموضع فقد أصاب في الجواب، وأخطأ في العبارة، لأنه مذهب الشافعي وليس بمقيس على مذهب، فكان الأصح في عبارته أن يقول: هذا مقتضى قوله، ولا يقول: هذا قياس قوله: "وإن كان الخطأ في العبارة مع الصواب في المعنى مغفورًا"، فإنما أراد الشافعي بقوله: [عتق] من كل واحد منهما نصفه، يعني في الحكم، ويكمل في أحدهما بالقرعة، تعويلًا على ما أبانه من مذهب في غير هذا الموضع.
وهذا الجواب متفق عليه إذا ثبتت عدالة الوارثين وعدالة الأجنبيين، فإن ثبتت عدالة الوارثين وفسق الأجنبيين بطلت الوصية بعتق من شهد بها الأجنبيان، ورق جميعه.
وصحت بعتق من شهد بها الوارثان وعتق جميعه.
وإن ثبتت عدالة الأجنبيين وفسق الوارثين، بطلت الوصية بعتق من شهد له الوارثان ورق جميعه، وصحت بعتق من شهد له أجنبيان وعتق جميعه ولا يلزمها بالإقرار بعد رد الشهادة أن يعتق من شهدا له بالوصية، لأنه لا ينفذ العتق بالوصية حتى يعتق بعد الوصية، وليس يلزم أن يعتق بالوصية إلا من احتمله الثلث، وقد استوعب الثلث يعتق من شهد له الأجنبيان فبطلت في غيره وإن أقر بها الوارثان.

فصل: والثاني من تأويل أصحابنا: أن المسألة مصورة في عتق ناجز في حياة المعتق.
فشهد أجنبيان أنه أعتق عبده سالمًا وهو الثلث، ويشهد وارثان أنه أعتق عبده غانمًا، وهو الثلث، وقولهم: وفيه أي في المرض الذي يكون العتق فيه معتبرًا بالثلث كالوصية، فعبر عن المرض بالوصية، لأنه العتق لو كان في الصحة لأوجبت الشهادتان عتق العبدين، وإن زادا على الثلث، لأن عطايا الصحة لا تعتبر بالثلث فإذا كان كذلك فالشهادتان على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يدل على ما تقدم عتق أحدهما على الآخر فيتحدد بها عتق المتقدم ورق المتأخر إذا تساويا في تقويم كل واحد منهما بالثلث ولا يقرع بينهما لتحري العتق المتقدم المزيل للإشكال، فامتنعت فيه القرعة المستعملة مع الإشكال فإن أراد المزني للإقراع بينهما في هذا الموضع فقد أخطأ لما بيناه.
والثاني: أن تدل الشهادتان على وقوع عتقهما في حالة واحدة، وهذا يكون في تعليق عتقهما بصفة واحدة، كقوله: إذا أهل رمضان فسالم حر، وإذا أهل رمضان فغانم حر فإن أهل رمضان عتقا واستوي في عتقهما حكم الجمع والتفريق.
فيجب الإقراع بينهما لامتناع عتقهما معًا، وأعتق منهما من قرع ورق الآخر.
وإن أراد المزني بالقرعة بينهما في هذا الموضع فقد أصاب في الحكم وإن أخطأ في العبارة، والجواب في هذين الضربين متفق عليه.
والثالث: أن تدل الشهادتان على تقدم عتق أحدهما على الآخر ولا يكون فيها بيان المتقدم والمتأخر، ففيه قولان: أحدهما: يقرع بينهما ويعتق من قرع منهما.
نص عليه الشافعي في كتاب "الأم".
ويكون المزني في هذا القول مصيبًا في اعتراضه، وإنما استعملت القرعة بينهما، لامتناع الجميع بينهما وعدم المزية في أحدهما، فكان تكميل الحرية في أحدهما أولى من تبعيضها فيهما.
والثاني: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع، أن يعتق من كل واحد منهما نصفه، ولا يقرع بينهما، لأنه ربما عتق بالقرعة مستحق الرق لتأخره ورق بها مستحق العتق لتقدمه فإذا عتق نصفهما، عتق نصف المتقدم وعتقه مستحق، ورق نصف المتأخر ورقه مستحق، فصارت أقرب إلي الاستحقاق من الإقراع.
ويكون المزني على هذا القول مخطئًا في اعتراضه.
فصل: ويتفرع عن هذين القولين: إذا اختلفت قيمة العبدية فكانت قيمة أحدهما الثلث وقيمة الآخر السدس، فإن قيل بالقول الأول أنه يقرع بينهما، نظر في القارع من هذين،

فإن كان صاحب الثلث عتق جميعه ورق جميع الآخر، وإن كان القارع منها صاحب السدس عتق جميعه، ونصف الآخر ورق باقية.
وإن قيل بالثاني: أنه يعتق النصف من كل واحد منهما إذا تساويا عتق من كل واحد من هذين ثلثاه، لأن ثلثي الثلث وثلثي السدي، ثلث جميع المال، ويصح من ثمانية عشر سهمًا هي مخرج "ثلثي السدس" ثلثا ثلثها أربعة، وثلثا سدسهما سهمان، وهي مع الأربعة ستة، وهي ثلث جميع المال المشتمل على ثمانية عشر سهمًا.
فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا من جواز الشهادة بالعتق الناجز عن الإضراب الثلاثة فهو إذا ثبتت عدالة الأجنبيين وعدالة الوارثين.
فإن ثبتت عدالة الوارثين وفسق الأجنبيين بطل عتق من شهد له الأجنبيان ورق جميعه، ونفذ عتق من شهد له الوارثان وتحرر جميعه.
وإن ثبتت عدالة الأجنبيين وفسق الوارثين عتق جميع من شهد له الأجنبيان، فبطلت شهادة الوارثين وصارا بعد رد الشهادة مقرين وإقراراهما بالعتق الناجز مخالف لإقرارهما بالوصية بالعتق؛ لأن الإقرار بالعتق الناجز موجب لزوال الملك، والإقرار بالوصية بالعتق غير موجب لزوال الملك فلذلك لم يلزمها في الوصية بالعتق غير ما أجوبته الشهادة لدخوله في ميراثهما بعد إقرارهما ولزمها في العتق الناجز غير ما أوجبته الشهادة لإقرارهما بخروجه عن ميراثهما بعد إقرارهما وإذا كان كذلك لم يخل خالهما بعد أن صار برد الشهادة مقرين من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصدقا الأجنبيين على شهادتهما، فيلزمهما بعد استيعاب الثلث بشهادة الأجنبيين ما كان يلزم في التركة لو أمضيت شهادتهما مع الأجنبيين ويختلف ذلك باختلاف الأضرب الثلاثة: فإن كان في الضرب الأول: أن تدل الشهادتان على تقدم عتق أحدهما على الآخر وتعيين المتقدم على المتأخر ينظر: فإن كان عتق المتأخر بشهادة الأجنبييين، عتق في التركة بشهادتهما وعتق المتقدم عن الوارثين بإقرارهما.
وإن كان عتق المتقدم بشهادة الأجنبيي، عتق في التركة بشهادتهما ولم يعتق المتأخر على الوارثين مع إقرارهما، لأنه يرق ولو قبلت شهادتهما، لأن المستحق في الشهادتين عتق المتقدم دون المتأخر.
وإذا كان ذلك في الضرب الثاني أن تدل الشهادتان على وقوع عتقهما معًا في حالة واحدة يقرع بينهما عتق في التركة من شهد بعتقه الأجنبيان، ولو يعتق على الوارثين من شهدا بعتقه، لأن شهادتهما لو قبلت لأوجبت الإقراع بين العبدين، ولو أقرع بينهما جاز

أن تقع القرعة على من شهد له الأجنبيان ويرق من شهد له الوارثان، فترددت حاله مع صحة الشهادتين بين الرق والعتق، فلم يلزم أن يتعين فيه العتق مع الرق.
وإذا كان ذلك في الضرب الثالث: أن تدل الشهادتان على تقدم أحدهما على الآخر ويشكل المتقدم والمتأخر، وهو مبني على ما ذكرنا فيهما من القولين: فإن قيل: إنه يقرع بينهما مع صحة الشهادتين، لم يعتق على الوارثين من شهدا بعتقه وعتق في التركة من شهد الأجنبيان بعتقه، لأن دخول القرعة بينهما مع صحة الشهادتين لا توجب تعيين العتق في شهادة الوارثين.
وإن قيل بالقول الثاني: إنه يعتق من كل واحد منهما نصفه مع صحة الشهادتين عتق في التركة جميع من شهد له الأجنبيان، وعتق على الوارثين نصف من شهدا له لأنه قد كان يعتق ونصفه مع صحة شهادتهما فوجب أن يعتق مع ردها بإقرارهما.
والثانية: أن يقدح الوارثان في شهادة الأجنبيين بتكذيبهما، فيعتق جميع العبدين أحدهما بشهادة الأجنبيين والآخر بإقرار الوارثين في الأضرب الثلاثة، لأن الوارثين مقران أنه لم يعتق غير من شهدا بعتقه، فألزمناهما عتقه بإقرارهما، وقد شهد الأجنبيان بعتق غيره فأعتقناه بشهادتهما.
والثالثة: أن يختلف الوارثان في تصديق الأجنبيين فيصدقهما أحد الوارثين ويكذبهما الآخر، فيلزم المصدق ما كان يلزمه مع أخيه لو صدق، ويلزم المكذب ما كان يلزمه مع أخيه لو كذب.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد الوارثان أنه رجع عن عتق الأول أعتق الآخر أجزت شهادتهما وإنما أرد شهادتهما فيما جرا إلي أنفسهما فإذا لم يجرا فلا فأما الولاء فلا يملك ملك الأموال وقد لا يصير في أيديهما بالولاء شيٌء ولو أبطلتهما بأنهما يرثان الولاء إن مات لا وارث له غيرهما أبطلتها لذوي أرحامهما".
قال في الحاوي: وهذه المسألة مصورة في الوصية بالعتق وفيها دليل على أن المراد بالأولى الوصية بالعتق.
ولا يمنع ذلك أن يذكر حكم العتق الناجز والموصى به جميعًا.
والزيادة في هذه المسألة أن يشهد أجنبيان أنه أوصى بعتق عبده سالمًا قيمته الثلث، ويشهد وارثان أنه رجع عن الوصية بعتق سالم وأوصى بعتق غانم ردت شهادتهما وإن كان عدلين، ولا ترد فيه شهادة الأجنبيين للحوق التهمة بالوارثين لعوده إلي ميراثهما.
فأما إذا شهدا أنه رجع عن الوصية بعتق سالم أوصى بعتق غانم وهي في القيمة

سواء قبلت شهادتهما في الرجوع عن الوصية بعتق سالم وفي الوصية بعتق غانم.
وزعم بعض العراقيين أنها تقبل في الوصية بعتق غانم ولا تقبل في الرجوع عن عتق سالم لأمرين: أحدهما: أنها لما ردت في الرجوع لو انفردت ردت فيه إذا اقترنت بغيره.
والثاني: لدخول التهمة عليه من وجهين: أحدهما: أن يكون سالم أكثر كسبًا فيمتلكاه.
والثاني: أن يكون غانم لا وارث له غيرهما فيرثاه، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنهما لو شهدا بالوصية ولم يشهدا بالرجوع صحت شهادتهما وتعين العتق بالقرعة في أحدهما، فجاز أن يتعين فيه بشهادتهما.
والثاني: أن الواجب بالوصية إخراج الثلث من العتق، وشهادتهما بالرجوع لا يمنع منه، لأن تعيينه في أحدهما ينفي التهمة عنهما من وجهين: أحدهما: أن المعتبر هو القيمة وقد التزماها.
والثاني: أن ما ظن بهما من طلب الكسب والميراث ليس بموجود في الحال وقد يكون من بعد وقد لا يكون.
فلم يجز أن يعتبر به التهمة في الحال، وقال الشافعي: "لو أبطلت شهادتهما لذلك لأبطلتها لذوي أرحامهما".
فصل: ويتفرع على هذا أن يشهد أجنبيان بعتق سالم وغانم وقيمة كل واحد منهما الثلث، ويشهد وارثان أنه رجع عن عتق سالم إلي عتق غانم، قبلت شهادتهما، لأن الواجب بالشهادة عتق أحدهما، فلما جاز تعيينه بالقرعة، جاز تعيينه بشهادة الورثة لانتفاء التهمة، وعتق غانم ورق سالم بغير قرعة، كما جاز أن يكون كذلك بالقرعة.
ويتفرع على كل هذا، إذا شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وهو الثلث، وشهد وارثان أنه رجع عن عتق سالم وأوصى بعتق غانم وهو الثلث، وشهد أجنبيان أنه رجع عن عتق أحدهما وأوصى بعتق نافع بطلت الوصية بعتق سالم بشهادة الوارثين، ولم تبطل في غانم بشهادة الأجنبيين، لأنهما أطلقا الرجوع ولم يعيناه في غانم وثبت بهما الوصية بعتق نافع، وقد ثبتت بشهادة الوارثين الوصية بعتق غانم وإبطال الوصية بعتق سالم، فيرق سالم، ويقرع بين غانم ونافع ويعتق منهما من قرع ويرق الآخر.
فإن شهد الوارثان برجوعه عن عتق نافع، جاز وتعينت الوصية بعتق غانم.
ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم، وشهد وارثان أنه أوصى بعتق غانم، وشهد أجنبيان أنه رجع عن عتق أحدهما، لم يكن للشهادة بالرجوع تأثير، لأنه لو لم يرجع أقرع بينهما، والرجوع إذا لم يعين يقتضي الإقراع، فبطل تأثير الشهادة بالرجوع.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أجنبيين أنه أعتق عبدًا هو الثلث وصيًة وشهد وارثان أنه رجع فيه وأعتق عبدًا هو السدس عتق الأول بغير قرعٍة للجر إلي أنفسهما وأبطلت حقهما من الآخر بالإقرار".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في قبول شهادة الورثة بالرجوع في الوصية إذا لم يتهما، وردها إذا اتهموا، وصورة مسألتنا هذه أن يشهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وقيمته الثلث، ويشهد وارثان أنه رجوع عن الوصية بعتق سالم وأعتق غانمًا وقيمته السدس، فقد صارا بشهادتهما متهمين، لأنهما جرا بها بسدس التركة إلي أنفسهما، فتوجهت التهمة إليهما في نصف الرجوع وهو السدس.
وللشافعي في تبعيض الشهادة إذا ردت بالتهمة في بعض المشهود فيه، هل يوجب ردها في باقية؟ قولان: فاختلف أصحابنا في تخريج هذين القولين في هذا الموضع.
فذهب أبو العباس بن سريج وجمهور البغداديين إلي أن تبعيض الشهادة في هذه المسألة على قولين: أحدهما: أنها ترد في الجميع ولا تبعيض على ما رضي عليه الشافعي في هذا الموضع، فعلى هذا تبطل شهادة الوارثين في كل الرجوع، ويعتق في التركة سالم بشهادة الأجنبيين وهو الثلث، ويعتق غانم على الوارثين بإقرارهما.
والثاني: يبعض الشهادة ها هنا كما بعضها الشافعي رضي الله عنه في القذف على أحد القولين، فعلى هذا ترد شهادة الوارثين بالرجوع في نصف سالم"وتقبل في الرجوع بنصفه" ويعتق نصفه بالوصية بشهادة الأجنبيين، ويرق نصفه بشهادة الوارثين، ويعتق جميع غانم بشهادة الوارثين وقد استوعب ثلث التركة بالشهادتين.
وذهب جمهور البصريين من أصحابنا إلي منع من تبعيض الشهادة في هذا الموضع، وإن كان تبعيضها في الشهادة بالقذف على قولين، وجعلوا الفرق بينهما معتبرًا بأن التهمة إذا توجهت إلي صفة الشاهد ردت، ولم يجز تبعيضها كالعدواة، وإذا توجهت إلي صفة المشهود فيه جاز تبعيضها على أحد القولين، والتهمة ها هنا في صفة الشاهد دون المشهود فيه، فردت جميعها ولم يبعض.
ويتفرع على هذا، إذا شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق عبد قيمة نصف التركة، وقبلت شهادة الوارثين في الرجوع عن الأول وفي عتق الثاني في الثلث وتنتفي عنهما التهمة في الرجوع بالزيادة لأنها مردودة الشرع، فقبلت شهادتهما في الرجوع بالكل.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو لم يقولا أنه رجع في الأول أقرعت بينهما حتى يستوطن الثلث وهو قول أكثر المفتين إن شهادة الأجنبيين والورثة سواءٌ ما لم يجر إلي أنفسهما".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أن شهادة الورثة بالعتق والوصية مقبولة كالأجانب إذا لم يجروا بهما نفعًا، فإذا شهد الأجانب بعتق عبد قيمته الثلث، وشهد الورثة بعتق عبد قيمته السدس، ولم يقولوا: إنه رجع عن عتق صاحب الثلث، فالشهادتان ثابتتان بعتق عبدين يستوعبان نصف التركة، فيعتبر في تجرير العبد حال الشهادتين، فإنهما على أربعة أضرب: أحدهما: أن تكون شهادة الأجنبيين لصاحب الثلث بعتق بات في الحياة وشهادة الورثة لصاحب السدس بالوصية بعتقه بعد الوفاة فيستوعب الثلث بالعتق البات في صاحب الثلث، وتبطل الوصية بعتق صاحب السدس لتقدم الناجز في الحياة على الوصية بعد الوفاة.
والثاني: أن يكون شهادة الأجنبيين لصاحب الثلث بالوصية بعتقه بعد الوفاة، وشهادة الوارثين لصاحب السدس بعتقه بات في الحياة فيعتق [جميع] صاحب السدس، ويعتق من صاحب الثلث نصفه استكمالًا للثلث، ويرق باقية وهو النصف.
والثالث: أن يكون الشهادتان بالوصية بعتق العبدين بعد الوفاة، فيستوي فيهما من تقدمت فيه الوصية ومن تأخرت، وتقرع بينهما ليستوطن الثلث من قرع منهما، فإن قرع صاحب الثلث عتق جميعه ورق جميع الآخر، وإن قرع صاحب السدس، عتق جميعه وبعض صاحب الثلث استكمالًا للثلث، ورق باقية وهو نصفه.
والرابع: أن تكون الشهادتان بالعتق البات في الحياة، فهو على ثلاثة أضرب: أحدهما: أن تدل الشهادتان على وقوع عتقهما في حالة واحدة فيقرع بينهما فيتحرر بالقرعة ليستكمل الثلث بعتق القارع ورق المقروع على ما بيناه.
والثاني: أن تدل الشهادتان على عتق أحدهما قبل الآخر، ويعلم بها المتقدم من المتأخر فيستوطن الثلث بالأول، فإن كان الأول صاحب الثلث عتق جميعه ورق صاحب السدس، وإن كان الأول هو صاحب السدس، عتق جميعه ونصف صاحب الثلث، استكمالًا للثلث ويرق نصفه الباقي.
والثالث: أن تدل الشهادتان على تقدم أحدهما على الآخر، ولا تدل على المتقدم من المتأخر، فقد ذكرنا فيها قولين: أحدهما: يقرع بينهما ليستوظف الثلث بعتق القارع ورق المقروع على ما بيناه.
والثاني: أنه يعتق من كل واحد منهما يقدر ما احتمله الثلث بغير قرعة.
فيعتق من

صاحب الثلث ثلاثة أرباعها، ويعتق من صاحب السدس ربعة.
وبيانه: أن تنزلها تنزيلين: أحدهما: أن يكون الأول صاحب الثلث فيعتق حمعيه ويرق صاحب السدس كله.
والثاني: أنه يكون الأول صاحب السدس فيعتق جميعه ونصف صاحب الثلث، فيتحرر في التنزيلين أنه عتق نصف صاحب الثلث يقينًا.
وتعارض التنزيلان في صاحب السدس ونصف صاحب الثلث وهما في القيمة متساويان فاقتضى أن يكون السدس الباقي من الثلث بينهما نصفين، فيعتق من صاحب الثلث نصفه يعتق من كل واحد منهما بقدر ما احتمله الثلث بغير قرعة.
فيعتق من صاحب الثلث نصفه ومن صاحب السدس نصفه، فيصير النصف من صاحب الثلث ثلاثة أرباعه، ومن صاحب السدس نصفه.
ومثاله: أن يكون صاحب الثلث قيمته عشرة دنانير، وقيمة صاحب السدس خمسة دنانير، وقد خلف المعتق سواهما خمسة عشر دينارًا، فتصير التركة مع قيمتها ثلاثين دينارًا، ثلثها عشرة دنانير، فيعتق من صاحب الثلث ثلاثة أرباعه سبعة دنانير ونصف ويعتق من صاحب السدس نصفه بدينارين ونصف، فتصير قيمة المعتق منهما عشرة دنانير هي الثلث، ويبقى للورقة ربع صاحب الثلث بدينارين ونصف صاحب السدس بدينارين ونصف يضافان إلي خمسة عشرة دينارًا يصير عشرين دينارًا هي مثلًا ما خرج بالعتق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد رجلان لرجٍل بالثلث وآخران لآخر بالثلث وشهد آخران أنه رجع عن أحدهما فالثلث بينهما نصفان".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا شهد شاهدان أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد آخران أنه أوصى بثلث ماله لعمرو، صحت الشهادتان بثلث المال لزيد وعمرو نصفين فإن أجاز الورثة الوصية بما زاد على الثلث أمضيت الوصيتان بثلثي المال لزيد وعمرو فإن امتنعوا عن إجازة ما زاد على الثلث جعل الثلث بين زيد وعمرو نصفين، ولم يقرع بينهما وإن قرع بين العبدين لوقوع الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الشرع أثبت دخول القرعة في العتق دون التمليك.
والثاني: أن المقصود بالعتق كمال أحكام المعتق ولا يكمل تبعيض العتق فيه، فأقرع لكمال أحكامه، والمقصود بالوصية نفع الموصى له، وهو ينتفع بتبعيض الوصية، فلم يقرع مع وجود المنفعة.
فلو شهد وارثان أو أجنبيان أنه رجع عن الوصية بالثلث لزيد إلي الوصية بالثلث لعمرو، قلبت شهادتهما وصار الثلث كله لعمرو.

فإن شهد شاهدان بعد ذلك أنه رجع عن الوصية بالثلث لعمرو وصى بالثلث لبكر، صار الثلث كله بكر، وبطلت في حق زيد وعمرو، سواء كانت الشهادة من ورثة أو أجانب.
ولو شهد شاهدان لزيد بالثلث وشهد آخران لعمرو بالثلث، وشهد آخران، برجوعه عن إحدى الوصيتين من غير تعيين، وهي مسألة الكتاب، لم تكن للشهادة بالرجوع تأثير، وبطل حكمهما.
وجعل الثلث بين زيد وعمرو.
فصل: ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وهو الثلث، وشهد وارثان أنه أوصى بثلث ماله لزيد لم يجز أن يقرع بينهما عند امتناع من إجازتها، لأن القرعة لا تدخل في المال، وإن دخلت في العتق، فوجب إذا اجتمعا أن يغلب ما لا تدخله القرعة، لأن دخولها رخصة، فإذا امتنعت القرعة في اجتماعها، ففيها قولان: أحدهما: أن يشرك بينهما في الثلث فيعتق نصف العبد ويدفع إلي زيد السدس.
والثاني: أن يغلب العتق على الوصية فيعتق جميع العبد وترد جميع الوصية، لأن للعتق مزية بالسراية إلي غير الملك فقدم على الوصايا.
فلو شهد وارثان أنه رجع عن الوصية بالعتق، قبلت شهادتهما في رد العتق.
وأمضيت الوصية بالثلث، ولو شهدا بالرجوع في الثلث، قبلت شهادتهما وأمضيت الوصية بالعتق لانتفاء التهمة عنهما في الشهادة بهذا الرجوع.
فصل: وإذا شهد شاهدان أنه دبر عبده سالمًا وهو الثلث، وشهد شاهدان أنه أوصى بعتق عبده غانمًا وهو الثلث ففيه قولان: أحدهما: أنهما سواء ويقرع بينهما ويعتق من قرع منهما.
والثاني: أن التدبير مقدم على الوصية بالعتق، لوقوع العتق في بالموت، فيعتق المدبر، ويرق الموصي بعتقه.
ولو شهد شاهدان أنه دبر عبده سالمًا وهو ثلث، وشهد آخران أنه أوصى بعتق عبده غانمًا وهو الثلث، وشهد آخران أنه أوصى بثلثه لزيد ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يقدم التدبير فيستوظف به الثلث، ويرق الموصي بعتقه وتبطل الوصية بثلثه.
والثاني: أنه يشرك بين المدبر والموصي بعتقه ويقرع بينهما ويعتق من قرع منهما، وتبطل الوصية بثلثه.
والثالث: أنه يشرك بين الجميع في الثلث فيدفع ثلث الثلث إلي الموصى له ويقرع

بين المدبر والموصي بعتقه في ثلثي الثلث، فإذا أقرع أحدهما عتق ثلثاه ورق ثلثه وجميع الآخر.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وقال في الشهادات في العتق والحدود إملاء وإذا شهدا أن سيده أعتقه فلم يعدلا فسال العبد أن يحال بينه وبين سيده وأجٌر ووقفت إجازته فإن تم عقته أخذها وإن رق أخذها السيد".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد ادعى على سيده أنه أعتقه وأنكر السيد عتقه، فأقام العبد بعتقه شاهدان مجهولي العدالة، فسأل العبد أن يحال بينه وبين سيده حتى تظهر العدالة ليحم بعتقه، أجيب إلي الإحالة بين العبد وبين السيد حتى تظهر العدالة لأمرين: أحدهما: أنه قد قام بما عليه من الشهادة، وبقي ما على الحاكم من كشف العدالة.
والثاني: أن الظاهر من الشهادة صحتها، ولا يؤمن على العبد أن يباع، ولا على الأمة أن توطأ.
فإذا أحيل بينهما لزم الحاكم أن يستظهر للسيد بأمرين كما استظهر للعبد بالمنع: أحدهما: أن يضعه على يد أمين نيابة عن يد السيد.
والثاني: أن يؤجره بأجرة ينفق عليه منها، ويوقف باقيها على عدالة الشاهدين فإن ثبتت عدالتهما حكم بعتقه ورد عليه باقي أجرته، وإن ثبت فسقهما حكم برقة وإعادته إلي سيده مع بقية أجرته، وإن لم يثبت لهما عدالة ولا فسق كان باقيًا على الوقف ما بقي حال الشاهدين على الشهادة والجهالة.
ولو كانت هذه الدعوى في غير العتق من دين مدعي، وأقام مدعيه شاهدين مجهولي العدالة والجرح، فوقفت شهادتهما على الكشف، وسأل المدعي حبس خصمه على الكشف على العدالة أجيب إليها اعتبارًا بعدالة الظاهر، ولم يحكم عليه بها حتى تثبت عدالة الباطن، ولو يكن لحبسه غاية إلا أن تثبت العدالة ليستوفي منه الحق أو يثبت الفسق ويطلق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد له شاهٌد وادعى شاهدًا قريبًا فالقول فيها واحٌد من قولين: أحدهما ما وصفت في الوقف، والثاني لا يمنع منه سيده ويحلف له".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يقيم المدعي للعتق شاهدًا على عتقه، ويسأل أن

جارٍ التحميل