قال: أخبرنا مالك وذكر الخبر.
وهذا كما قال: سميت الشفعة شفعة لأن الرجل إذا أراد بيع داره أتاه شريكه أو جاره يشفع إليه فيما يبيع فسميت شفعة وسمي طالبها شفيعًا وهذا قول أبي محمد بن قتيبة وقيل: سميت به لأن طالبها جاء تاليًا للمشتري فكان ثانيًا بعد أول فسمي شفيعًا لأن الاثنين شفع والواحد وتر وسمي الطلب شفعة، وقال ثعلب: الشفعة الزيادة ولهذا إذا أضيف إلى الوتر غيره صار شفعًا، والشفيع يضم نصيب شريكه إلى نصيبه فيصير نصيبه زائدًا بعد أن كان ناقصًا، والشفعة في الشرع حق تملك لدفع الضرر عن الملك بإخراج الدخيل في الملك، وحكي عن الأصم وإسماعيل ابن علية أنه لا أصل للشفعة وهي باطلة وهذا قول متروك عليهما والأصل فيها الكتاب والسنة [60/ ب] والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ [المائدة:2] وهذا من جملة البر.
وأما السنة ما روي جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة في كل شرك ربعة أو حائط لا يصلح أن يباع حتى يؤذن شريكه فإن باعه فهو أحق به"، وروي أنه قضي بالشفعة في كل شرك ما لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به بالثمن والربع والربعة المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه يقال: هذا ربع وهذه ربعة كما قالوا: دار وداره وقيل: الربع اسم للدار مع بنائها والحائط اسم للبستان مع غراسه، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".
وروي عن جابر أنه قال: إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مل لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وكلمة إنما تعمل بركنيها فهي مثبتة للشيء نافية لما سواه وهذا يدل على أنه لا شفعة في المقسوم، وقال الأزهري: قال أهل العربية: إنما تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره كقولهم إنما المرء بأصغريه بقلبه ولسانه ومعناه أن كمال المرء بهذين العضوين وإن صغرا منظرًا، واعلم أن الشافعي روى قوله
الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة مرسًلا عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه في "الإملاء" عنهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أيضًا عن جابر مرفوعًا.
وأما الإجماع فلا خوف بين كافة الصحابة وجمهور العلماء فيه، فإذا تقرر هذا فالشفعة عندنا بالخلطة والشركة دون الجوار وبه قال عمر وعثمان وعلي في أصح الروايتين وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وربيعة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور رضي الله عنهم [61/ أ] وقال أبو حنيفة والثوري وابن شبرمة وابن أبي ليلى: تثبت الشفعة بالشركة في الطريق ثم بالجوار.
وقال أبو حنيفة: فإن لم يكن شريك وكان الطريق مشتركًا كدرب لا ينفذ تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب الأقرب فالأقرب، فإن لم يأخذوا وأثبت للملاصق من درب آخر خاصة وقال أيضًا: الشركة في النهر تثبت الشفعة في الأملاك التي تسقى بمائه إن كان النهر لا يحتمل السفن، وإن كان بحيث يحتمل السفن لا تثبت الشفعة بسببه وليس لأبي حنيفة صحابي يساعده على هذا المذهب وربما ينسبونه إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال عبيد الله العنبري وسوار القاضي: تثبت الشفعة بالشركة في الملك والشركة في الطريق أيضًا ثم ذكر الشافعي مناظرة جرت بينه وبين الخصم فقال: واحتج محتج بما روى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الجار أحق بسبقه" فدل على أن الشفعة ثابتة للجار والسقب والصقب بالسين والصاد القرب، والصقوب العمد التي تعمد بها بيوت الأعراب وأحدها صقب فأجاب الشافعي: بأنك ما أجريت الخبر على عموده فإنك منعت الشفعة لمن بينك وبينه ذراع إذا كان الطريق نافذًا وأعطيت الشفعة من بينك وبينه رحبة أكثر من ألف ذراع إذا لم يكن نافذَا ثم قال: هذا الخبر لا يحتمل إلا معنيين أحدهما: أن يكون مطلقًا بعمومه على كل جار، أو يكون مختصًا ببعض الجيران فأحمله على الشريك الذي لم يقاسم فإنه يسمى جارا كما يسمى المقاسم جارًا بدليل خبرنا حتى يكون جمعًا بين الخبرين وخبرك لا يخالف خبرنا لأنه مجمل وخبرنا مفسر وأراد بالمجمل العام وبالمفسر الخاص، ويجوز أن يسمى العام مجهولاً على معنى أنه مشتمل بظاهر الاسم على جمل كثيرة فقال الخصم: وهل يقع اسم الجار على الشريك حتى يستقيم هذا التأويل؟ بل الشريك [61/ ب] أخص بشريكه وأقرب إليه من أن يسمى جارًا لان ملكه مختلط بملكه اختلاط شيوع وإنما يطلق اسم الجار على من جاور غيره بملك ممتاز عن ملكه فأجاب الشافعي بأن المرأة تسمى جارة مع أنها أقرب من الشريك لأنها ضجيعته تقول العرب: امرأة الرجل جارته مع قربها منه بدليل قول الأعشى:
أجارتنا بيني فإنك طالقه وموموقةٌ ما عشت فينا ووامقه
الأشعار إلى آخرها قال المزني: والبيت الخامس من غير الشافعي رحمة الله عليه:
وذوقي فتى حيًّ فإني ذائقٌ فتاةً لحيًّ مثل ما أنت ذائقه
وقال عروة: نزل الطلاق في مقدار عدده موافقًا للأعشى ثم قال الشافعي: وحديثنا أثبت إسنادًا وأبينها لفظًا وأعرفها في الفرق بين المقاسم وبين من لم يقاسم، ثم ذكر الشافعي طريق القياس في المسألة متصلاً بكلامه على الخبر فقال: أنه إذا باع مشاعًا باع غير متجزئ فيكون شريكه أحق به لأن حقه شائع فيه وعليه في الداخل سوء المشاركة ومؤونة مقاسمةٍ وليس كذلك المقسوم ثم إن أصحابنا زادوا في الجواب فقالوا: أراد الجار أحق بقربه لأن السَّقب القرب قال الشاعر:
كوفية نازحٌ محلَّتها لا أممٌ دارها ولا سقب
فيحتمل أنه أحق بالإحسان إليه والبرّ، وقد روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إنَّ لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك دارًا أو بابًا" أو يحتمل أنه أراد أنه أحق بالعرض عليه عند البيع بدليل ما روي عن عمرو بن الشريد أنه قال: وضع المسور بن مخرمة يده على منكبي هذا فانطلقت معه حتى أتينا سعدًا فجلسنا إليه فجاء أبو رافع فقال للمسور: ألا تأمر هذا أن يشتري مني بيتي فقال له سعد: والله لا أزيدك على أربعمائة دينار إما قطعة، وإما منجمة فقال أبو رافع: سبحان الله [62/ أ] لقد منعتهما من خمسمائة نقدًا ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الجار أحق بسبقه ما بعتك فدل على ما ذكرنا من التأويل.
واحتج أبو حنيفة أيضًا بما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة والجوار وقال: "جار الدار أحق بالدار من غيره" وروي "جار الدار أحق بدار الجار والأرض" قلنا: قال يحي بن معين: لم يسمع الحسن من سمرة وإنما هو صحيفة وقعت إليه، وقال غيره: سمع الحسن من سمرة خبر العقيقة فحسب أو نحمله على الجار المشارك دون المقاسم بدليل ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قسمت الأرض وحًدَّت فلا شفعة فيها".
واحتج بما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا" قلنا: تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان وهو ضعيف الحديث وأنكر شعبة هذا الخبر وقال: إن روى عبد الملك حدثنا آخر مثل هذا تركت حديثه، ثم إن صح نحمله على المشاع لأن الطريق إنما يكون واحدًا على الحقيقة في المشاع دون المقسوم، ثم ذكر الشافعي المذهب بعد ما قدم الدلالة وهذه عادته في تصنيفه فقال: ولا شفعة إلا في مشاعٍ وإنما قيد مشاع لأن سهم كل واحدٍ من
الشريكين أشيع أي أذيع وفرَّق في أجزاء سهم الآخر حتى لا يتميز منه.
مسألة: قال: "وللشَّفيع الشفعة بالثمنِ الذي وقعَ بهِ البيعُ".
وهذا كما قال: إذا أراد الشفيع أخذ الشقص بالشفعة يأخذه بالثمن الذي وقع العقد عليه فإن كان له مثل فبالمثل، وإن لم يكن له مثل فبالقيمة، وقال الحسن البصر: وسوار القاضي: إذا لم يكن للمثل مثل لا شفعة فيه، وقال ابن أبي ليلى: إذا لم يكن له مثل يأخذه بقيمة الشقص وهذا غلط لما روي في خبر جابر فإن باعه فشريكه أحق به بالثمن ولأنه لا يخلو إما أن يأخذه بما يختار الشفيع أو بما يختار [62/ ب] المشتري أو بقيمته أو بالثمن لا يجوز أن يقال: يأخذ بما يختاره الشفيع لأنه يتحكم ويأخذ بالنقصان ولا يجوز أن يأخذ بما يختاره المشتري لأنه يتحكم أيضًا فلا يسلم إلا بزيادة ولا يجوز أن يأخذه بالقيمة لأنه قد تكون القيمة أكثر من الثمن فيؤدي إلى الإضرار بالشفيع، وإن كانت القيمة أقل من الثمن يؤدي إلى الإضرار بالمشتري فلم يبق إلى أن يقال: يأخذه بالثمن الذي وقع به البيع، فإن قيل: الشفيع يأخذه من غير اختياره لحاجته إليه فيجب أن يكون بالقيمة كالمضطر إلى طعام الغير يأكله بالقيمة قيل: المضطر يأخذه بالحاجة خاصة فالمرجع في بدله إلى القيمة، والشفيع يأخذه بالبيع لأنه لو ملك بهبة أو إرث لا شفعة مع الحاجة، وإذا اختص بالبيع اختص بالعوض الثابت بالبيع، فإذا تقرر هذا يأخذه بما استقر عليه العقد فإن زادا في الثمن أو نقص في مدة الخيار أخذ بما استقر بعد انقضاء الخيار لأن حالة الخيار كحالة التعاقد.
فرع
لو اشترى شقصًا بمائة من حنطة لم يأخذه الشفيع بالحنطة وزنًا بل يأخذه كيلاً فينظر كم تكون تلك الحنطة كيلاً لأنه يجري هذا الضمان مجرى ضمان الإتلاف وضمان الإتلاف في ذوات الأمثال يجري مجرى القرض وقرض المكيل وزنًا لا يجوز، فلو أقرض الحنطة وزنًا فالقرض فاسد بخلاف السلم لا ربا بين رأس المال والمسلم فيه وفي القرض بين ما يعطي ويأخذ ربًا إذا كان المال مال الربا إذ الجنس واحد.
مسألة: قال: "فإنْ علمَ وطلبَ مكانَهُ فهي لهُ".
الفصل
وهذا كما قال: المستحب إذا باع شيئًا يستحق بالشفعة أن يعرضه على شريكه فإن اختار ذلك باعه منه، وإن لم يختر باعه من غيره، ولو باعه قبل أن يعرضه عليه أو بعد عرضه عليه كان للشفيع الشفعة والشفيع بالخيار بين أن يأخذ أو يدع وإذا أراد [63/ أ] الأخذ فسلم المشتري إليه أصح التسليم ولا يحتاج إلى حكم الحاكم فإن امتنع المشتري منه حاكمه إلى الحاكم بنفسه أو بوكيله، وقال أبو حنيفة: لا بد من حكم الحاكم وهذا غلط لأنه تسليم واجب بالإجماع فلا يفتقر إلى حكم الحاكم، وغن لم يعلم الشفيع
بالشفعة لغيبته أو لسبب آخر لا تبطل شفعته وإن طال الزمان.
وقال أبو حنيفة: إذا امتدت غيبته سنة بطلت الشفعة، وإن لم يعلم وربما ينكرون هذا المذهب وهذا غلط لأنه حق ثبت لإزالة الضرر فلا يبطل مع عدم العلم به كالرد بالعيب، ثم إذا علم فخياره في الأخذ على الفور أو على التراخي فيه أربعة أقوال قال في الجديد: هو على الفور كخيار القبول في البيع والرد بالعيب وهذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة إلا أنه يقدره بالمجلس وعندنا لا يتقدر في ظاهر المذهب عندي والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الشفعة لمن واثبها"، وروي: "الشفعة كنشاطة العقال إن قيدت ثبتت وإن تركت فاللوم على من تركها" وقيل: فيه وجهان والمذهب أن له الخيار ما دام في المجلس الذي بلغه، ومعنى الفور عندنا أنه على حسب الإمكان في العرف فإن علم بها وكان حاقنًا تطهر، وغن كان على صلاة صلاها، وإن كان به شدة جوع أكل وغسل يده، وإن كان عريان لبس ثيابه التي جرت عادته بلبسها، وإن كان بالليل فحتى يصبح ويصلي الصبح على ما جرت به العادة ولا يلزمه العدو إلى دار المشتري ولا الركوب طلبًا للمبادرة إليه، وأصل هذا عرف العادة، وإن كان معذورًا فأخر الطلب به لم يبطل أيضًا والعذر ثلاثة مرض وحبس وغيبة، فإن كان مريضًا نظر، فإن كان المرض خفيفًا يمكن المطالبة مع وجوده كالصداع ونحوه فهو كالصحيح، وإن كان شديدًا لا يمكنه المطالبة [63/ ب] به مع وجوده فإن قدر على التوكيل وكل، وغن ترك ذاك بطلت شفعته، وغن لم يقدر على التوكيل كان عذرًا فيصير إلى أن يقدر فيوكل أو يطلب هو وهل يلزمه الإشهاد؟
قال أكثر أصحابنا: الإشهاد لازم لأنه لابد من أن يظهر أمارة تدل على انه تركها للعذر لا للرضا بالترك وبه قال صاحب "الإفصاح" ويفارق هذا القادر على الطلب لا يلزمه الإشهاد لأن ظهور الطلب من القادر عليه يغني عن الإخبار بمراده والعاجز عنه يحتمل أن يكون إمساكه تركًا للشفعة ويحتمل أن يكون قصدًا للطلب مع المكنة فافتقر إلى نفي الاحتمال في الإخبار عن مراده بالإشهاد، وقال بعض أصحابنا: الإشهاد احتياط ولا يجب وهو ظاهر كلام الشافعي ها هنا لأنه قال: فإن كان له عذر من حبس أو غيره فهو على شفعته وإلا فلا شفعة له ولم يشترط فيه الإشهاد وقيل: فيه قولان ذكره في "الحاوي"، وقال القاضي الطبري: لو ترك التوكيل مع الإمكان هل تبطل شفعته؟ وجهان:
أحدهما: لا تبطل وهو اختيار أبي إسحاق وغيره لأن له غرضًا في أن يتولى طلبها بنفسه لئلا يلزمه أجرة الوكيل أو المنة إن لم يكن بأجرة، أو لا يقر على الموكل بما يسقط حق الشفعة فيحكم الحاكم بصحة إقراره على قول بعض العلماء.
والثاني: تبطل لأن وكيله يقوم مقامه، ألا ترى أنه إذا أمكنته أن يطلب بنفسه فوكل
غيره قام طلب الوكيل مقام طلبه فيجب أن يكون ترك الطلب بوكيلة بمنزلة ترك الطلب بنفسه وهذا أصح عندي قاله القاضي أبو حامد نصًا في جامعه: وفيه وجه ثالث إن وجد من يتطوع بالوكالة بطلت لأنه ترك الطلب من غير ضرر، فإن لم يجد من يتطوع لا تبطل للعذر وهذا قريب، وإن كان محبوسًا لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون محبوسًا بحق أو بغير حق [64/ أ] فإن كان بغير حق مثل الحبس للمصادرة أو الحبس بدين وهو معسر لا يقدر على القضاء فهو كالمريض سواء، وإن كان محبوسًا بحق مثل إن كان عليه دين يقدر على أدائه لا يكون عذرًا وتبطل شفعته بالتأخير، وإن كان غائبًا فأشهد على شفعته وقضى حوائجه وأخذ في المسير كان على شفعته، وإن لم يشهد على ذلك ولكنه قضى حوائجه وأخذ في المسير هل تبطل شفعته؟ على ما ذكرنا من الاختلاف والصحيح أنه لا تبطل لأن الظاهر أنه سار للطلب، وإن لم يقدر على المسير ولا على التوكيل لا يبطل فإن قدر على التوكيل دون المسير فعلى ما ذكرنا من الاختلاف والقول الثاني قاله في كتاب السنن أنه يتأقت بثلاثة أيام وبه قال الثوري لأنه لا بد له من تروي وتأمل والثلاث حد ما بين القليل والكثير، والثالث: قاله في القديم وبه قال مالك أنه على التأبيد لا تبطل إلا بأن يصرح بالعفو عن حقه لأنه استيفاء مال فأشبه استيفاء الدين وقد قال الشافعي: إن كان للقياس حكم بين الناس فخيار الشفعة على التأبيد كالقصاص، والقول الرابع قاله في القديم أيضًا أنه على التأبيد إلا أن يصرح بالعفو أو يظهر منه فعل يدل على الرضا بتركه مثل أن يقول للمشتري: بعينه أو آجرنيه أو أنفق عليه معي ونحو ذلك.
فرع
إذا قلنا: إنه على التأبيد هل للمشتري أن يرفع الشفيع إلى القاضي حتى يأخذ أو يترك؟ قال أبو إسحاق: إن قلنا بالقول الذي ذكره في القديم أولاً لا يجبره الحاكم على ذلك ولا يبطله عليه لأنه حقه على التراخي، وإن قلنا بالقول الثاني في القديم يجبره الحاكم على الأخذ أو الترك لأنه يؤدي إلى الضرر بالمشتري لو بقي على الحق أبدًا فلابد من إزالة الضرر منه إما بالأخذ أو بالترك، وروي عن مالك أنه قال: ينقطع بعد سنة، ورواه ابن وهب، وروى غيره أربعة أشهر، وروي عنه انه قال: ينقطع بأن يمضي عليه من الزمان ما يعلم أنه تارك لها.
فرع آخر
إذا قلنا: له الخيار ما دام [64/ ب] في المجلس فعفا عنها قبل مفارقة المجلس هل تسقط شفعته؟ فيه وجهان قال في اختلاف العراقيين: لا تسقط، وقال ابن سريج: تسقط لأنه بالإبراء والإسقاط أشبه.
فرع آخر
إذا قلنا: يلزمه الإشهاد يلزمه أن يشهد من يكون بينة كاملة عند الحكام، فإن أشهد
واحدًا ليحلف معه لم يجز لأن من الحكام من لا يحكم بالشاهد واليمين فلم يصر مستوثقًا لنفسه بالإشهاد.
فرع آخر
لو أشهد عبيدًا أو فساقًا أو صبيانًا لم يجز، وقال أبو حنيفة: يجوز ويكفي ذلك وهذا غلط لأن مقصود الشهادة الأداء ولا يصح من هؤلاء الأداء.
فرع آخر
إذا قلنا: الإشهاد واجب فقال الشفيع: أشهدت وسرت، وقال المشتري: لم نشهد أو قلنا: الإشهاد ليس بشرط فقال الشفيع: سرت عقيب السماع، وقال المشتري: لم تسر عقيب السماع مع الإمكان فالقول قول الشفيع لأن هذا اختلاف في فعله وهو أعلم به، وكذلك إن اختلفا فقال: أخرته للعجز، وقال المشتري: أخرته مع القدرة فالقول قول الشفيع.
فرع آخر
لو كان بآمل ولهما دار مشتركة بينهما بجرجان فباع أحدهما نصيبه منها من أجنبي فسكت شريكه عن المطالبة حتى قدم جرجان وقال: سكت لتكون مطالبتي بالبلد الذي فيه الدار قال الشافعي: بطلت شفعته كما لو بلغه وهو في البلد فلم يطالب حتى حضر عند الدار المبيعة وقال: أردت المطالبة عندها بطلت شفعته.
فرع آخر
لو أنكره المشتري بآمل أنه خليطه فأخرها ليقيم البينة بجرجان كان على شفعته إذا لم يجد بينه بآمل.
فرع آخر
اختلف أصحابنا فيمن يشهد به البينة في استحقاق الشفعة على وجهين أحدهما: لا شفعة له إلا أن تشهد له البينة بالملك وبه قال أبو حنيفة ومحمد لئلا ينتزع ملكًا بأمر محتمل، والثاني: يستحق الشفعة إذا شهدت له البينة باليد وبه قال أبو يوسف لأنها حجة في الملك لكن [65/ أ] يحلف الشفيع على بينته باليد أنه مالك ثم يحكم له بالشفعة.
فرع آخر
لو أخر الطلب وقال: إنما لم أطالب بها على الفور لأني لم أصدق من أخبرني بالبيع فإن أخبره عدلان بطلت شفعته، وغن أخبره عدل واحد هل تبطل شفعته؟ وجهان أحدهما: تبطل لأن طريقة الخبر ولأنه حجة مع اليمين، والثاني: لا تبطل لأنه لا يحكم به ورواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، ولو أخبره رجل وامرأتان عدول بطلت شفعته.
فرع آخر
لو أخبره عبد أو امرأة واحدة قال القاضي الطبري: يجب أن يكون على وجهين، وقال أبو حامد: لا تبطل، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف أنه قال: تبطل شفعته لأن طريق الخبر وكذلك قال: لو اخبره صبي وهذا غلط لأن بقول هؤلاء لا تقوم الحجة فلا يسقط بهم حقه.
فرع آخر
لو أخبره كافر أو صبي أو فاسق لم تبطل شفعته ذكره أصحابنا، وقال في "الحاوي": يصير علمًا بكل خبر يقع في نفسه صدقه، ولو منت امرأة أو عبد أو كافر إذا وقع في قلبه أن المخبر صادق خلافًا لأبي حنيفة وهذا غريب والقياس عندي هذا.
ولو ظهر به أخبار التواتر فقال: لم أعلم بطلت شفعته وعلم كذبه.
فرع آخر
لو علم الشفيع بالبيع فأمسك عن الشفعة لجهله باستحقاق الشفعة هل تبطل شفعته؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الأمة إذا أعتقت تحت عبد فأمسكت عن الفسخ لجهلها باستحقاقه وهذا لأن هذا مما يحتمل خفاؤه على العوام.
فرع آخر
لو تعاقدا بالبيع بألف وأظهراه بألفين فسلم الشفيع الشفعة ثم قامت البينة على الألف كان له مطالبته بالشفعة، وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له وهذا غلط لأنه ترك الطلب لغلاء الثمن الأول ولعجزه عنه فإذا ثبت أنه أقل منه كان له أخذها.
فرع آخر
لو قامت البينة أن الثمن كان أكثر مما أظهراه لم يكن له المطالبة لأنه لا غرض لها في الزيادة.
[65/ ب]
فرع آخر
لو أظهر أنه باع بعض نصيبه فترك الشفعة، ثم قامت البينة أنه باع جميع نصيبه كان له أخذه بالشفعة لان له غرضًا في الكثير.
فرع آخر
لو أظهر أنه كل نصيبه ثم بان أنه اشترى أقل مما أظهراه كان له الشفعة لأن له غرضًا في القليل من وجه آخر وهو أنه ربما لم يكن معه ثمن الكثير وكان معه ثمن القليل.
فرع آخر
لو أظهر أنه اشترى كل الشقص بمائة منًا ثم بان أنه كان اشترى نصفه بمائة لم تكن له الشفعة لأن من لا يرضى الشقص كله بمائة لا يرضى نصفه بمائة.
فرع آخر
لو أظهر الشراء بالدنانير فترك الشفعة ثم بان أنه كان بالدراهم أو أظهر بالدراهم ثم بان أنه كان بالدنانير لا تبطل الشفعة وبه قال زفر، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا كانت قيمتهما سواء بطلت شفاعته لأنهما يجريان مجرى الجنس الواحد وهذا غلط لأن الأغراض تختلف به وربما تقدر على أحد النقدين دون الآخر.
فرع آخر
لو أظهر المشتري فلان فترك الشفعة ثم قامت البينة أنه وكل وأن المشتري غيره كان له مطالبته بالشفعة لأنه يحتمل أن يرضى بشركة المشتري ولا يرضى بشركة المشترى له هكذا ذكر جمهور أصحابنا، وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: هذا الذي ذكرنا وهو على قول من جعل علة الشفعة الخوف من سوء المشاركة، والثاني: تبطل شفعته لأن معرفة المشتري ليست بشرط في المطالبة والعفو وهذا على قول من جعل علة الشفعة الخوف من مؤونة القسمة.
فرع آخر
لو كان مشتري الشقص وكيلاً فعفا عن الوكيل دون الموكل هل تبطل شفعته؟ وجهان أحدهما: تبطل لأن الوكيل خصم فيها، والثاني: لا تبطل لأنها مستحقة له على غيره.
فرع آخر
لو سمع وقوع البيع بمائة مؤجلة فعفا ثم علم أنه وقع بمائة [66/ أ] حالة له طلب الشفعة لأنه يقول: عرفت أن البيع إلى أجل لا يخلو عن زيادة ثمن فلم أرغب فلما علمت فقد الغبن في العقد رغبت في الشفعة هكذا ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وقال بعضهم: الصحيح أنها تبطل ها هنا وتوهم أنه ربما يكون في الثمن غلاء وليس بعذر وهو اختيار أهل العراق.
فرع آخر
لو سمع البيع بالثمن الحال فعفا، ثم بان أنه كان بالأجل فله الطلب لأنه يرتفق بالأجل.
فرع آخر
لو سمع أن الشقص بيع من مشتر واحد فعفا، ثم علم أنه بيع من اثنين له طلب
الشفعة لأنه قد يرجو من أحد المشتريين من المسامحة وتأخير الثمن ما لا يرجو من الآخر، وهكذا لو بلغه في الابتداء أنه بيع من اثنين ثم علم أن المشتري كان واحدًا له أن يأخذ بالشفعة لأنه قد يصبر على مطالبة غريم واحد ولا يصبر على مطالبة غريمين.
فرع آخر
لو لم يسم له المشتري، أو لم يذكر له الثمن فأخر الطلب حتى يعرف لا تبطل شفعته لأن له غرضًا في ذلك حتى يعرف الحال وما فيه الحظ له.
فرع آخر
لو أخبر أنه اشتراه مشتر فقال: عفوت عن الشفعة بطلت شفعته وكأنه رضي بأي مشتر وبأي قدر من الثمن كان، ومن أصحابنا من قال: لا تبطل ما لا يعرف ذلك والأول أصح.
فرع آخر
لو لقي الشفيع المشتري فقال: سلام عليكم أنا مطلب بالشفعة ثبتت الشفعة لأن السلام قبل الكلام سنة فلا تسقط به الشفعة، ولو قال: سلام عليكم بارك الله لك في صفقة يمينك أنا مطالب بالشفعة لم تبطل شفعته أيضًا لأنه لما وصله بالمطالبة بالشفعة دل على أنه دعا بالبركة لنفسه لأنه يأخذ من الصفقة المباركة، وقال محمد: إذا قدم السلام على المطالبة سقطت الشفعة وهذا خطأ للعادة المستحسنة وللخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدأ [66/ ب] بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه".
فرع آخر
لو قال له: بكم ابتعت أو كم الثمن؟ بطلت شفعته لأنه يمكنه أن يقول بدل ذلك: أخذت منك بالثمن الذي ابتعت وهذا على قولنا: لا بتعذر بالمجلس.
فرع آخر
إذا قلنا: تؤجل إلى ثلاثة أيام فحصل في خلال الثلاثة زمان يتعذر فيه المطالبة لم يحتسب به منها ولفق له من زمان المكنة ثلاثة أيام.
فرع آخر
لو باع الشفيع حصته كلها بعد علمه بالشفعة لا شفعة له، ولو باع بعض حصته هل تبطل شفعته؟ وجهان مخرجان من العافي عن بعض شفعته، ولو لم يعلم بالشفعة فباع بعض نصيبه قال ابن سريج: فيه وجهان أحدهما: لا شفعة له لأن العفو عن بعض الشفعة يوجب سقوط الباقي كالعفو عن الكل فكذلك بيع الشقص الذي يستحق الشفعة بمنزلة بيع الكل، والثاني: يستحق بالشفعة بما بقي لأنها تستحق بالقليل كما
تستحق بالكثير، ولو باع الكل قبل العلم بالشفعة فالصحيح وهو اختيار ابن سريج أنها تبطل لارتفاع الملك المقصود بالشفعة، وقال أبو حامد: هو على شفعته لأنه قد ملكها وليس في بيعه قبل العلم عفو عنها وقيل: هذا مرتب على ما سبق فإن قلنا في بيع البعض قبل العلم تبطل الشفعة فها هنا أولى وإن قلنا: لا تبطل هناك فها هنا وجهان.
فرع آخر
لو صالحه المشتري على تركها بعوضٍ لم يجز وعليه رد العوض، وقال مالك: يجوز ويستحق العوض وهذا غلط لأنه عوض على إسقاط خيارٍ فأشبه خيار المجلس وهل تبطل شفعته؟ وجهان ذكرناهما في البيع.
فرع آخر
لو ضمن الشفيع للبائع الدرك أو للمشتري أو تبايعًا بشرط الخيار للشفيع فأجاز البيع لم تبطل شفعته به لأنه سبب وجوب الشفعة فلا يبطل به خلافًا لأبي حنيفة في كلها، وكذلك لو قال الشفيع للمشتري: اشتر [67/ أ] نصيب شريكي فقد نزلت عن الشفعة فاشترى لم يسقط شفعته بالإجماع خلافًا لعثمان البتي وهذا لأنه إسقاط حق قبل الوجوب.
فرع آخر
يملك الشفيع الشقص المشفوع بأحد أشياء ثلاثة أحدها: أن يدفع الثمن ويأخذ الشقص، والثاني: أن يقضي له القاضي بذلك، والثالث: أن يقول المشتري: ملكتك الشقص فيقبل هو وإذا قال: اخترت التملك بالثمن الذي تم به العقد انتقل ملك المشتري إليه، فإن لم يرض المشتري ولا حضر لأنه استحق أخذه بغير اختياره، ولو كان الثمن مجهولاً عنده لم يصح أخذه لأنه تملك بعوضٍ فلا يجوز معها جهالة العوض كالبيع، وكذلك لو قال: أخذته بالثمن كان مائة فما دونها وكان الثمن مائة أو دونها لا يجوز الأخذ لأن مثل هذا لا يجوز في البيع.
فرع آخر
إذا قال: اخترت التملك وانتقل ملك المشترى إليه لا يجب على المشتري تسليم الشقص إليه ما لم يقبض الثمن إن كان موجودًا، فإن تعذر تسليمه في الحال قال ابن سريج: يجوز للحاكم أن ينظره يومًا ويومين وأكثره ثلاثة فإن جاء بالثمن وإلا فسخ الحاكم الأخذ وعاد ملك المشتري إلى الشقص وهذا التأجيل لأن تحصيل الثمن في الحال بتعذر في غالب العادة، ولو اعتبرنا النقد في الحال أدى إلى إسقاط الشفعة والإضرار بالشفيع ومدة الثلاث قريبة في العادة.
فرع آخر
لو هرب الشفيع بعد التملك فللحاكم فسخ الأخذ ورد الملك إلى المشتري ذكره أبو حامد وغيره، فإن قيل: أليس في البيع لو هرب المشتري قبل أداء الثمن لا يفسخ
الحاكم البيع فهلاّ قلتم ها هنا مثله قلنا: البيع حصل باختيارهما فلا يكون للحاكم فسخه عليهما وها هنا أخذه الشفيع من غير اختيار المشتري لإزالة الضرر عن نفسه، فإذا أدى إلى الضرر بالمشتري منعه الحاكم ورده.
فرع آخر
حتى لو كانت المسألة بحالها فأفلس الشفيع بعد أن ملك الشقص قبل دفع الثمن كان للمشتري الخيار [67/ ب] بين أن يسترجع الشقص وبين أن يضرب مع الغرماء بقدر الثمن كالبائع سواء إذا أفلس المشتري بالثمن.
فرع أخر
لو طلب ثم أمسك عن الأخذ بطلب شفعته، وقال أبو حنيفة: شفعته باقية أبدًا إذا قدم الطلب ما لم يصرح بالعفو، وقال محمد: شفعته إلى مدة شهر، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يأخذ بالشفعة حتى يحضر الثمن ولا يقضي له القاضي بها حتى يحضر الثمن، وروى هشام عن محمد: يؤجله القاضي يومين وثلاثة ولا يأخذه إلا بحكم الحاكم أو برضا المشتري وهذا غلط لأنه تملك بعوض فلا يقف على إحضار العوض كالبيع.
فرع آخر
إذا لم يشاهد الشفيع الشقص المشفوع ليس له أن يأخذ بالشفعة قال ابن سريج: سواء قلنا يجوز بيع خيار الرؤية أو لا يجوز لأنه يأخذ من المشتري بغير اختياره فلا يمكن إثبات خيار الرؤية وساعده على ذلك جماعة من أصحابنا، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا: ثبتت للشفيع بعد الأخذ بالشفعة خيار المجلس وهو المنصوص في اختلاف العراقيين يجب أن يثبت له خيار الرؤية كما في البيع، وقال ابن سريج: لو قال المشتري للشفيع: رضيت أن يكون له خيار الرؤية هل يثبت ذلك؟ قولان كالبيع سواء فإذا قلنا: لا يصح فلا كلام وإذا قلنا: يصح فشاهد الشفيع إن رضيه أمسكه وإلا رده، وقال في "الحاوي": هل يأخذ بالشفعة قبل الرؤية؟ قولان مبنيان على بيع خيار الرؤية فإن جوزنا فالمشتري بالخيار بين التسليم قبل الرؤية، وبين أن يمنعه منه حتى يراه فيسقط خياره بالرؤية لأن المشتري لا يلزمه تسليم شقص يثبت للشفيع فيه خيار الرؤية.
فرع آخر
هل يصح له أخذ الشفعة قبل قبض المشتري؟ فيه وجهان حكاهما ابن سريج أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق ليس له ذلك لأنه يحل محل المشتري ولا يجوز الشراء قبل القبض كذلك هذا فعلى هذا يأخذ الحاكم المشتري [68/ أ] بالقبض فإن
كان غائبًا وكل الحاكم من يقبض له ثم حكم للشفيع بأخذه منه، والثاني: وهو اختيار ابن سريج له أخذه قبل قبضه من البائع لأنه جبرًٍا ويبرأ البائع من ضمانه بقبض الشفيع لأنه يأخذه بحق توجه على المشتري.
مسألة: قال: "فإن اختلَفا في الثمنِ فالقولُ قولُ المشتري معَ يميِنه".
وهذا كما قال: إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكون مع أحدهما: بينة، أو مع كل واحدٍ منهما بينة، أو لا بينة مع واحدٍ منهما فإن كان مع أحدهما: بينة أقامها فإذا ثبت المقدار بالبينة أخذها الشفيع به سواء كان الشفيع صاحب البينة أو المشتري ويقبل في ذلك ما يقبل في شهادة الأموال، وإن لم يكن هناك شاهد غير البائع لا تقبل شهادته لواحدٍ منهما لأنه متهم في حق كل واحدٍ منهما لأنه يجرّ إلى نفسه نفعًا إذا شهد للشفيع، لأنه لو وقع الاستحقاق رجع المشتري عليه بألفٍٍ وإذا شهد المشتري شهد على فعل نفسه.
وهذا كما ذكرنا أبو حامد في الجامع لو ادعى الشفيع الشراء على المشتري وأنكر المشتري وقال: ورثته من أبي فشهد البائع للشفيع وكان عدلاً لا يحلف معه لأنه يشهد على فعل نفسه قال القفال: ولو شهد البائع للشفيع قبل قبض الثمن تقبل شهادته لأنه يشهد على فعل نفسه وأصحابنا في العراق ينكرون هذا وقالوا: لا تقبل شهادته له بحال لأنه على فعل نفسه أيضًا فترد شهادته للشفيع لمعنيين وللمشتري لمعنى واحد، وإن كان مع كل واحد منهما بينة على ما ادعاه من الثمن قال أبو حامد: البينة بينة الداخل وهو المشتري لأن الملك في يديه ويكون الحكم فيه كما لو كانت البينة معه وحده وقد مضى حكمه.
وقال القاضي الطبري وجماعة: تعارضت البينتان لأن بينة الشفيع تشهد أنه يستحق الشقص بألف وبينة المشتري تشهد أنه [68/ ب] يستحق تسليم الشقص إليه بألفين فقد حصل التعارض في البينتين المتعارضتين، قال الشافعي: قولان أحدهما: تسقطان فعلى هذا سقطتا ويكون القول قول المشتري مع يمينه، والثاني: تستعملان وفي كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال: الوقف والقسمة والإقراع فيقرع ها هنا فمن خرجت القرعة على بينته هل يحلف مع قرعته؟ قولان:
أحدهما: يحلف لقد شهد شهوده بحق.
والثاني: لا يحلف لئلا يؤدي إلى إبطال القرعة وهذان القولان من اختلاف قوليه في القرعة هل جاءت مرجحة للدعوى أو للبينة؟ وخالف أبو حنيفة ومحمد بينة الشفيع أولى للاتفاق عليه، وقال أبو يوسف: بينة المشتري أولى لأن فيها زيادة علم، وإن لم يكن مع واحد منهما بينة فالقول قول المشتري مع يمينه لأن الملك في الحال له فكان القول قوله في بدله.
فإن قيل: هلا قلتم: القول قول الشفيع لأنه غارم قلنا: إنما يكون القول قول الغارم في الموضع الذي اتلف شيئًا فثبت ضمان قيمته في ذمته فيكون القول قوله لأن الأصل براءة الذمة من الزيادة التي يدعيها وها هنا ينتزع ملكه ببدل يبذله فلا يجوز ذلك إلا بالقدر الذي يقوله المالك.
فإن قيل: هلا قلتم: الشفيع والمشتري يتحالفان كما لو اختلف البائع والمشتري في الثمن يتحالفان قيل: الفرق أن هناك كل واحد منهما مدعي ومدعى عليه على ما بينا فيما سبق فيتحالفان وها هنا الشفيع مدعي محض والمشتري منكر محض فتثبت اليمين في جانب المنكر دون جانب المدعي، وهكذا لو كان الاختلاف بينهما في جنس الثمن أو في تأجيل الثمن وحلوله.
فرع
لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن وقد قلنا في البيع يتحالفان ثم إذا تحالفا كان للشفيع أن يأخذ بالثمن الذي حلف البائع علبيه سواء قلنا: لا ينفسخ البيع بتحالفهما وإنما ينفسخ بحكم الحاكم أو قلنا: ينفسخ بتحالفهما أو قلنا: ينفسخ [69/ أ] ظاهرًا لا باطنًا أو قلنا: ينفسخ ظاهرًا أو باطنًا لأن الشفعة ثبتت له بالبيع وارتفاع البيع لا يمنع بقاء الشفعة كما لو تقايلا.
فرع آخر
لو ضمن اثنان الدرك للمشتري عن البائع ثم شهدا بعد ذلك أنه باع الشقص بعد الشراء أو سلم الشفعة إلى الشفيع أو الشفيع قد أخذ منه الشفعة قبلت شهادتهما لأن الضامن لا يجز نفعًا إلى نفسه ولا يدفع ضررًا به.
فرع آخر
لو قال المشتري: الثمن ألف، وقال الشفيع: لا اعلم مقدار الثمن مع علمي بنقصه عن الألف له إحلاف المشتري، فإن رد اليمين عليه لم يكن له أن يحلف حتى يعلم قدر الثمن.
فرع آخر
لو لم يعلم الشفيع هل الثمن ألف أو اقل هل يستحق إحلاف المشتري؟ وجهان أحدهما: لا يستحق حتى يعلم خلاف قوله لأن اليمين لا تجب بالشك، والثاني: يستحق ما لم يعلم صدقه لأن المالك لا يملك بمجرد القول.
فرع آخر
لو قال المشتري: لا أعلم قدر الثمن لنسيان حدث قيل للشفيع: أتعلم قدره فإن قال: لا أعلم لا شفعة له وله إحلاف المشتري وإنما بطلت الشفعة لأنها تستحق بالثمن فكان جهلهما به مانعًا من استحقاقها بمجهولٍ.
فرع آخر
لو قال الشفيع: أنا أعلم وهو خمسمائة، وقال المشتري: نسيت قدره قيل للمشتري: أتصدق الشفيع فإن قال: نعم أخذ الشقص بخمسمائة من غير يمين، وإن أكذبه قال الشافعي: حلف المشتري بالله ما يعلم قدره ولا شفعة له فمن أصحابنا من قال به لأن الثمن موقوف على عاقده وقد جهل الثمن بنسيانه فيطلب الشفعة به وهو اختيار أبي حامد وجماعة، وقال ابن سريج وابن أبي هريرة: جواب الشافعي محمول على ما لو نسي المشتري وجهل الشفيع، فأما إذا علم الشفيع ونسي المشتري يجب تحليف الشفيع دون المشتري ويحكم له بالشفعة وهذا اختيار القفال.
وقال صاحب "الحاوي": وهذا أصح لأن نسيان [69/ ب] المشتري كالنكول فيجب رد اليمين على الشفيع كما لو ادعى على رجلٍ ملاً فقال: لا ادري مقدار مالك عليّ يقال له: بين وإلا جعلناك ناكلاً ورددنا اليمين على المدعي، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه إذا قال: لا أدري وحلف حكمنا بجهالة الثمن والمجهول كالمفقود ويفارق ما ذكره من النظير لأن هناك لم يجب عن دعواه وقد أقر ها هنا باستحقاق الشفعة ولكنه يدعي أنه جاهل بالثمن ويمكن صدقه فهو جواب صحيح ومعرفة قدره شرط في استحقاق الشفعة فما لم يوجد الشرط بيقين لا يستحق ونظير تلك المسألة لو قال الشفيع: لا أدري أتستحق على الشفعة أم لا فيقال له: بين وإلا جعلناك ناكلاً فهما سواء وهذا ظاهر المذهب.
فرع آخر
قال القفال تفريعًا على ما ذكر ابن سريج: لو وقع المبيع بكف دراهم قيل للشفيع: بين كم مقدار الثمن، فإن ادعى علم المشتري نظر، فإن أقر أنه عالم بمقداره قيل له: بين لأن حق الشفعة ثابت عليه فليس له أن يكتم الثمن فإن قال: لا أعلم حلف أنه لا يعلم ثم يقال للشفيع: بين أنت مقدار الثمن وإلا فلا شفعة لك فإن بين مقدارًا فادعى المشتري أنه أكثر حلف أنه أكثر من هذا ثم يقال للشفيع: زد وعلى هذا أبدًا فإن لم يحلف حلف الشفيع وأخذ.
فرع آخر
قال الشافعي: وسواء في ذلك قديم الشراء وحديثه وأراد به الرد على مالك فإنه قال: إن ادعى المشتري نسيان الثمن والشراء حديث حلف الشفيع وحكم له، وإن كان الشراء قديمًا حلف المشتري وبطلت الشفعة وهذا قول مدخول وفرق معلول.
فرع آخر
إذا قال الشفيع: هذا البناء كان عند الشراء، وقال المشتري: أن أحدثته قال ابن
سريج: القول قول المشتري لأنه ملكه والشفيع يريد أن يتملكه عليه.
مسألة: قال: "وإن اشتراها بسلعةٍ فهي لهُ بقيمةِ السلعةِ".
وهذا كما قال: [70/ أ] قد بينا أنه إذا اشتراها بسلعةٍ كيف يأخذ بالقيمة والقيمة تراعي حالة وقوع البيع والشافعي أطلق القيمة ها هنا ولم يتعرض لذكر زمان القيمة غير أنه قال قبل ذلك: فللشفيع الشفعة بالثمن الذي وقع به البيع فإذا جمعنا بين اللفظين عرفنا أن الاعتبار بقيمته يوم البيع لا بما بعد ذ لك، وذكر الشافعي عن مالك أنه قال: يأخذها بقيمته يوم المحاكمة وهذا غلط لأن وقت الاستحقاق وقت العقد وما زاد زاد على ملك البائع فلا يقوم للمشتري، وقال ابن سريجفر تفريعه: يستحق قيمته حين استقر العقد بانقضاء خيار المجلس أو خيار الشرط إن كان في البيع لأنه وقت وجوب الشفعة وهذا صحيح فإن اختلفا في قدر القيمة في ذلك الوقت فالقول قول المشتري مع يمينه.
مسألة: قال: "ولو تزوَّجَ بها فهيَ للشَّفيع بقيمةِ المهر".
وهذا كما قال: إذا أصدق زوجته شقصًا يثبت فيه الشفعة ويأخذه الشفيع بمهر مثل الزوجة، وقال أبو حنيفة: لا شفعة فيه أصٍلاً وهذا غلط لأنها ملكت شقصًا قابلاً للشفعة بعقد معاوضة فتثبت فيه الشفعة كمل لو ملكت بالبيع، وقال مالك وابن أبي ليلى: يؤخذ الشقص بالشفعة بقيمته لا بمهر المثل وحكي نحو هذا عن الشافعي في القديم لأن المهور قد يزاد فيها وينقص وهذا غلط لأنته يؤخذ مثل هذا في ثمن المبيع، واحتج أيضًا بأنه يؤدي إلى تقويم البضع على الأجنبي وذلك لا يجوز وهذا غلط لأنه يجوز تقويم البضع على المرضعة وشهود الطلاق إذا رجعوا عندنا.
فرع
لو اختلفا في مهر المثل ترافعا إلى الحاكم ليجتهد في مهر مثلها ويسقط تنازعهما، فإن تعذر على الحاكم بموتها أو لتغير حالها أو لاختلاف ذلك في عشائرها وأمكن ما قالاه فالقول قولها مع يمينها كما لو اختلفا في الثمن [70/ ب].
فرع آخر
لو تزوجها على شقص ودينار يدفع إليه فيخرج على القولين فإنه عقد جمع صداقًا وبيعًا فإن قلنا: يجوز فيهما يأخذ الشفيع الشقص بمهر مثلها وبدينار فلو قال الشفيع: أنا آخذ المبيع دون الصداق كان له لأنتهما عقدان فعلى هذا إن كان مهر مثلها خمسة دنانير ضم إليها الدينار وقسم الشقص على ستة أسهم، فإن اختار المبيع يأخذ السدس، وإن اختار الصداق يأخذ خمسة أسداسه.
فرع آخر
لو استأجر عبدًا أو حرًا أو إبلاً إلى مكة في شقص من دار أخذه الشفيع بقيمة الإجارة وهي أجرة المثل خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا شفعة فيه أصلاً.
فرع آخر
لو قال: من جاءني بالآبق فله هذا الشقص فجاء به ملك الشقص عليه ووجبت الشفعة فيه بأجرة المثل المجيء بالعبد.
فرع آخر
لو خالع زوجته على شقص يأخذ الشفيع من الزوج بمهر مثلها، ولو صالح من دم العمد على شقص يأخذه الشفيع بالدية خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله.
فرع آخر
لو كاتب عبده على شقص لا تثبت الشفعة لأن الشقص لا يجوز أن يكون عوضًا في عقد الكتابة لأن الكتابة لا تصح إلا بعوض مؤجل والشقص لا يثبت في الذمة.
فرع آخر
لو حل على المكاتب نجم فأخذ منته شقصًا من دار تجب الشفعة للشريك مثل مال النجم فإن أخذه الشفيع بمثله ثم أدى المكاتب أو عجز فهو على ملكه، وإن تأخر أخذه حتى عجز ورق ففي الشفعة وجهان أحدهما: بطلت لأن المكاتب إذا عجز صار ملكه لسيده بالملك لا بالمعاوضة، والثاني: تثبت الشفعة لأن السيد ابتدأ ملك الشقص بالمعاوضة فلا اعتبار بما أفضى [71/ أ] إليه من سقوط المعاوضة.
فرع آخر
إذا وجدت الشفعة للشفيع فلم يعلم بها حتى تقايلا أو رد بالعيب كان للشفيع إبطال الإقالة وأخذه بالثمن لأن حق الشفعة ثبت له فلا يملكان إبطاله، ولهذا لو باع المشتري الشقص كان له فسخ البيع، ولو كان الشفيع أسقط شفعته ثم تقايلا لا تستحق بها الشفعة لأن الإقالة فسخ قبل القبض وبعده، ولهذا لا يجوز أن يزاد في الثمن أو ينقص ولا يثبت فيها خيار المجلس، وقال أبو حنيفة: هي بيع تجب به الشفعة، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان قبل القبض فهي فسخ لا شفعة بها، وغن كان بعد القبض فهي بيع تجب به الشفعة وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر
لو كان الثمن عينًا فتلفت قبل القبض بطل البيع وبطلت الشفعة، ولو عفا عن الشفعة ثم وجد المشتري العيب بالشقص فرده بالعيب لا تنثبت الشفعة، وقال أبو حنيفة: تثبت الشفعة إذا كان بالتراضي وهذا غلط لأنه فسخ لا معاوضة، ولو باع المشتري من البائع
بذلك الثمن أو بغيره كان للشفيع الشفعة، وكذلك لو قال له: وليتك هذا البيع لأنه عقد معاوضة جديدة فيستحق به الشفعة.
فرع آخر
لو وجب له الشفعة فقضى القاضي بها له والشقص في يد البائع ودفع الثمن إلى المشتري فقال البائع للشفيع: لأقلني فأقاله لم تصح الإقالة لأنها تصح بين المتبايعين والشفيع لم يملك من جهته.
فرع آخر
لو كان الثمن عبدًا فأعور في يد المشتري فالبائع بالخيار، فإن رضي بالعور وأمضى البيع أخذه الشفيع بقيمة العبد أعور، وقال أبو حنيفة: يأخذه بقيمته سليمًا وهذا غلط لأن رضاه بعيبه رضَا منه بأنه الثمن بعينه والفرق بين هذا وبين أن يرضى بالزيوف أن عور العبد لما أحدث له خيارًا في فسخ البيع صار العبد الأعور ثمنًا وزيافة الدراهم لا تحدث له [71/ ب] خيارًا في فسخ البيع وإنما يستحق بها أخذ بدلها فصار الجيد ثمنًا له فلا يقدر أن يأخذ بالزيوف بل يلزمه الجيد.
مسألة: قال: "فإن طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ رَجَعَ عليها بنصفِ قيمةِ الشَّقْصِ".
وهذا كما قال: إذا أصدق امرأته شقصًا ثم طلقها قبل الدخول لا يخلو من ثلاثة أحوال غما أن يكون طلقها بعد ما أخذ الشفيع الشقص، أو بعد ما عفا مع العلم أو قبل أن يعلم بالشفعة ثم علم، فإن كان طلقها بعد ما أخذ الشفيع بالشفعة رجع الزوج عليها بقيمة نصف الشقص لأن ملكها زال عن الصداق فأشبه إذا باعته ثم طلقها، وإن طلقها بعد ما عفا الشفيع عن الشفعة يرجع الزوج في نصف الشقص لأن حق الشفيع سقط والشقص في يدها بصفته، وإن طلقها قبل أن يعلم الشفيع ثم علم الشفيع فالذي نص عليه ان الشفيع أولى، وقد ذكرنا فيه وجهًا آخر أن الزوج أحق لأن حقه ثابت بالنص لأنه إذا طلقها ملك الشقص ولا يحتاج إلى تمليك مستأنف بخلاف الشفيع فإنه يثبت حقه بالبيع ويحتاج إلى تمليك مستأنف.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان مخرجان من اختلاف أصحابنا في نصف المهر هل يملكه الزوج بالطلاق أو بالتملك فإن قلنا: بالطلاق كان الزوج أحق وإن قلنا: بالتملك كان الشفيع أحق وعلى هذا لو أفلس المشتري فيه وجهان أحدهما: البائع أولى بعين ماله إذا قلنا: الزوج أحق، والثاني: الشفيع أحق لتقدم حقه إذا قلنا: ها هنا الشفيع أحق من الزوج فعلى هذا هل يقدم بالثمن الذي أخذه من هذا الشفيع على جميع الغرماء؟ وجهان أحدهما: يقدم لأنه بدل من عين ماله التي كان أحق بها، والثاني: الكل سواء لفوات العين التي هو أخص بها.
فرع آخر
قال القفال: لو وجد المشتري بالشقص عيبًا فيريد رده بالعيب ويريد الشفيع [72/ أ] الأخذ بالشفعةً فيه قولان أحدهما: الشفيع أولى لأن المشتري يتخلص من ظُلامه العيب به ولم يذكر القاضي الطبري سوى هذا القول، والثاني: المشتري أولى لأن حق أرد بالعيب من مقتضيات العقد والشفعة تثبت عقيب العقد ولا خلاف أنه لو كان هناك خيار الشرط فلا شفعةً للشفيع ما لم يمض زمان الخيار؛ فكذلك إذا كان هناك خيار العيب قال: ويقرب القولان من القولين في مسألةً أخرى وهي أن يقاسم الشفيع أو يبيع نصيبه قبل العلم بالشفعةً ثم علم ففي قول بطل حقه لأنه إنما يطلب الشفعةً ليتخلص من سوء المشاركةً وقسم تخلص، والثاني: لا يبطل لأنه ثبت حقه سابقًا فلا يبطل بحادث لا يكون به مفرطًا ولا راضيًا يترك حقه.
فرع آخر
لو طلق امرأته ثم أمتعها شقصًا بما وجب لها من متعةَ الطلاق تجب الشفعةً بمتعةَ المثل لا بمهر المثل لأن الطلاق يوجب متعةً ولا يوجب مهرًا.
مسألة: "قالوا إن اشتراها بثمن إلى أجل".
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع شقصًا بمائةَ درهم نسيئةً إلى سنةٍ فطالب الشفيع الشفعةً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما قال ها هنا وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة: لا يأخذ الشفعةً في الحال، ويقال له: إما أن تصبر إلى أن يحل الأجل فتدفع الثمن وتأخذ الشقص وإن أردت أن تتعجل أخذ الشقص فعجل الثمن فإن اختار الصبر لا تبطل الشفعةً لأنه تأخير بعذر ووجه هذا أنه لا يخلو إما أن يأخذه بمائة حالةٍ أو بمائة مؤجلةٍ أو بقيمةً الشقص أو بسلعةً تساوي مائةً إلى الأجل لا يجوز الأول لأن فيه ما على الشفيع، ولا يجوز الثاني لأنه لا يجوز إبطال حق المشتري من العين إلى الذمةً إلا بالرضا ولأن الأجل يدخل في عقود المراضاةً مواساةً ولا يدخل في الاستحقاق جبرًا، ولا يحوز الثالث: لأن الشقص [72/ ب] لا يؤخذ إلا بمثل الثمن الذي وقع به العقد والقيمةَ ربما تكون أقل أو أكثر ولا يجوز الرابع لأن الشفيع يأخذ بنقد البلد إن بيع به، وإن بيع بغير نقد البلد يأخذ مثله إن كان له مثل أو بقيمتهُ إن لم يكن له مثلٌ والقيمةً تكون من غالب نقد البلد والسلعةَ ليست من نقد البلد فثبت أنه بالخيار على ما ذكرنا، والثاني: قاله في القديم وبه قال مالك وأحمد واختاره أبو حامد إذا كانت ذمةَ الشفيع في الملاءةً مثل ذمةً المشتري كان له أن يأخذ الشقص بالثمن المؤجل لأن الثمن إذا كان حالًا أخذ به حالًا، فكذلك إذا كان مؤجلًا أخذ به مؤجلًا، وإن لم يكن الشفيع ثقةً أقام ضمينًا ثقةً
يكون الثمن في ذمته لأن هذا أشبه لصلاح الناس والشفيع يدخل مدخل المشتري، والثالث: قاله في الشروط يأخذه بسلعةً تساوي مائةً إلى أجل لأنه أقرب إلى ما خرج من ألمشتري وهذا والذي قبله ضعيف لأن القول الثاني يؤدي إلى أن يلزم المشتري قبول ذمةً الشفيع والذمم لا تتماثل ولهذا إذا مات من عليه الدين لا ينتقل إلى ذمةً الوارث وربما يكون أحدهما أوفى وأسهل في المعاملةً من الآخر، والقول الثالث: يؤدي إلى العدول عن جنس المثمن الذي وقع به العقد مثلًا وقيمةً وذلك لا يجوز
فرع
إذا قلنا بالقول الصحيح فصبر الشفيع ثم مات المشتري قبل حلول الأجل حل الثمن عليه ولا يجب على الشفيع تعجيل المال والشفعة ثابتةً له إذا حل الأجل لأنه وجب له بالعقد.
فرع آخر
لو لم يمت المشتري ولكنه أراد أن يبيع ذلك الشقص لم يمنع فإذا حل الأجل كان للشفيع نقض البيع والأخذ بالشفعةً، وإن شاء أجاز البيع الثاني وأخذ منه ذلك، وكذلك لو أراد أن يؤاجره له ذلك لأنه بعد ذلك يقدر على أخذه.
فرع آخر
لو أخذ الشفع بالشفعةً بعد ما آجره المشتري لا تبطل الإجارة بأخذ الشفيع ولكن له الخيار في إمضاء الإجارةَ وفسخها بخلاف ما لو رص المشتري [73/ أ] ثم أخذ الشفيع بالشفعةً يبطل الرهن بأخذ الشفيع، ثم الشفيع إن لم يفسخ الإجارةً كانت الأجرةَ للمشتري لأنه عقدها في ملكه.
فرع آخر
لو رضيّ المشتري بتسليم الشقص وتأجيل الثمن يلزمه أن يأخذ أو يعفو عن الشفعةً على الأقوال كلها لأنه لا يضر به فإن لم يفعل وانتظر حلول الأجل بطلت شفعته إذا قلنا بالقول القديم، وإذا قلنا بالقول الجديد فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو الفياض لا تبطل الشفعةً لأن تأجيل الثمن جعل حق الطلب مقدارًا به، والثاني: تبطل الشفعةً وهو الأصح لأن طلبه تقدر بمدةً الأجل رفقًا بالمشتري فصار من حقوقه لا من حقوق الشفيع فإن رضي به المشتري فقد زالت العلةً.
فرع آخر
لو كان الثمن منجمًا فالمسألةَ على الأقوال فلو حل نجم فقال الشفيع: أنا أدفع ما حل فيه وآخذ من الشقص بحصته منع لما فيه من تفريق الصفقةً على المشتري.
فرع آخر
إذا قلنا بالقول القديم وأخذ بثمنٍ مؤجلٍ ثم مات المشتري حل الأجل عليه ولا يحل على الشفيع، وكذلك إن مات الشفيع حل عليه دون المشتري.
مسألة: قال: "ولو ورثَه رجلانِ فماتَ أحدهما ولهُ ابنانِ".
الفصل
وهذا كما قال: صورةَ المسألةً أن يموت رجل وخلف ابنين فورثا دارًا ثم إن أحد الابنين مات وخلف ابنين فورثا نصيبه ثم باع أحد هذين الابنين نصيبه من الدار وهو الربع فهل يكون أخوه أولى بالشفعةً من عمه؟ أو يشترك هو والعم؟ في ذلك قولان منصوصان:
أحدهما: الأخ أولى وبه قال مالك لأن شركة أخيه أخص بالمبيع من شركة العم، ألا ترى أنها إذا قسمت جعل نصيب العم حزبًا ونصيبهما حزبًا ثم قسم حزبهما نصفين.
والثاني: وهو الصحيح يشتركان فيه نص عليه في "الإملاء" وقال: هذا هو القياس وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني لأنهما شريكان في الملك حال الاستحقاق فيشتركان في الشفعةً كما لو كان بين ثلاثةَ شركاء دار فباع [73/ ب] أحدهم نصيبه فللآخرين الشفعةً كذلك ها هنا، وأما ما ذكروا من الاختصاص فلا معنى له لأن الاعتبار بالشركةً لا بسببها فإذا قلنا بهذا هل يأخذان على عدد الرؤوس أو على قدر النصيبين، قولان أحدهما: على عدد الرؤوس وهو اختيار المزني وبه قال أبو حنيفة والشعبي والنخعي وسفيان الثوري وابن أبى ليلى وابن شبرمةَ وأحمد في روايةٍ لأن كل واحدٍ منهما لو انفرد أخذ الكل بالشفعةَ فإذا اجتمعوا استووا كالبنين في الميراث، والثاني: أنه على قدر الأنصباء وهو الأصح، واختاره أبو إسحاق وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ومالك وعبيد الله العنبري وسوار القاضي وإسحاق وأحمد في روايةً أخرى لأنه مرفق يستفاد بسبب الملك فكان على قدر الملك كالغلةَ والثمار، وأما ما ذكره القائل الأول لا يصح لأنه لا يمتنع أن يأخذ الكل عند الانفراد ولا يستويان عند الازدحام كما لو مات وترك ألف درهم وعليه دين لرجلين لواحدٍ منهما ألف درهم وللآخر ألفا درهم لو انفرد كل واحدٍ منهما استحق كل الألف وإذا اجتمعا يأخذان الألف على الثلث والثلثين، كذلك ها هنا قال المزني: وفي تسويته بين الشفعتين على كثرةَ ما للعم على الأخ قضاء لأحد قوليه على الآخر في أخذ الشفعاء بقدر الأنصباء يقال للمنني: كيف يقضى جوابه بأحد القولين على القول الثاني من غير دليل ولا حجةً وقد علمت أن الشافعي إن كان له قولان في مسألة فربما يجيب في بعض المواضع بأحدهما: ويجيب في موضع آخر على القول الآخر على أن مقصوده التسويةَ بين العم والأخ في أصل الشفعة لا في مقدارها عند قسمتها، ثم احتج المزني على التسويةً بأنه لو كان عبدًا مشتركًا بين ثلاثةٍ لأحدهم نصفه، وللثاني سدسه، وللثالث ثلثه فأعتق صاحب الثلث والشقص نصيبهما وهما موسران كان النصف الباقي مقومًا عليهما [74/ أ] وإن كان
ملك أحد المعتقين أكثر من ملك الآخر قلنا: قال بعض أصحابنا: في مسألةً العتق قولان أيضًا أحدهما: يقوّم عليهما على التفاوت وهذا غير صحيح والفرق ظاهر وذلك أن العتق يجري مجرى الجنايةً بما له من السرايةً في ملك الشريك فلذلك استويا في التقويم والتغريم وعلى هذا أصل الجنايات، ألا ترى أنه لو جرح رجلًا جراحةً وجرحهُ آخر مائةً جراحةً فمات كانت الديةَ على الجارحين نصفين، وكذلك لو طرح رجل في طعام رجل مقدار درهمٍ من النجاسةً وطرح آخر مائةً درهم من النجاسةً كانا في الغرامةً سواء.
وأما الشفعةً فسبيلها في استحقاقها سبيل التجارات والمعاوضات، ومعلوم أن الأموال إذا جلبت أرباحها وفوائدها كانت الفوائد منقسمةً على مقدار الأصول كالأرباح والأكساب ومهور الجواري وثمار الأشجار ونتاج البهائم كذلك ها هنا ثم قال: المزني: وقد قال الشافعي: ولورثة الشفيع أن يأخذوا ما كان يأخذ أبوهم بينهم على العدد امرأته وابنه في ذلك سواء.
قال أصحابنا: هذا الذي قاله المزني لا يعرف للشافعي في قديم ولا جديد والذي يقتضى مذهبه أن حق الشفعةً موروث كما أن الأعيان موروثةً فيجب أن تأخذ المرأة الثمن ويأخذ الباقي الابن، وقال أبو إسحاق: لو كان الشافعي قال هذا لكان له وجه وهو أن يقال: صورةً المسألةً أن يموت رجل بعد ثبوت الشفعةً له قبل أخذها فانتقلت إلى ورثته امرأةً وابن يستحقان على سواء لأن أول إزالةُ الملك عن المشتري إلى الشفعاء بعد الموت فصارت كشفعةٍ تثبت لهما ابتداء فيكونان فيها سواء وهو أحد القولين، ولأن الورثةَ إنما يستحقون الشفعةً في هذا الشقص من أجل الشقص الآخر الذي ورثوه فكأنهما استحقا ذلك بسبب ملك لهما، فإذا سويّ بين صاحب النصيب القليل وبين صاحب النصيب الكثير على أحد [74/ ب] القولين جاز أن يسوي بين المرأةَ والابن وإن اختلف ميراثهما عن الميت، ويمكن أن يكون المزني انفرد بسماعه من الشافعي ومن قال بالأول قال: هذا لا يصح لأنهما لا يأخذان بالشقص الموروث ألان بل يأخذان الشفعةً لأجل الشقص الذي كان ملكًا للموروث والابن والمرأة ورثا بالشفعةً كما ورثا الشقص.
وقال القاضي الطبري: يمكن أن يقال: هما وإن ورثا الشفعةً فالاستحقاق متعلق بالشقص الموروث، ألا ترى أن من باع منهما حقه من الشقص قبل الأخذ بالشفعةً لم يكن له المطالبةَ بالشفعةً فإذا كان كذلك أمكن نُصرةً ما قاله أبو إسحاق والله أعلم.
ومن أصحابنا من قال: مراد الشافعي بهذه المسألة أن يموت الرجل عن ورثةٍ قبل ثبوت الشفعةَ له ثم ثبتت ببيع بعد موته قبل قسمةَ التركةً وجواب الشافعي على قول التسويةً لأن ابتداءها يثبت لهم وكأن المزني ذهب إلى هذا التأويل والتصوير، وإذا صورنا هذه الصورةً لم تكن المسألةً موضوعه في الشفعةً الموروثةً لأن الميت مات قبل ثبوت الشفعةً بل هي شفعةً تجددت لطائفةٍ مشتركين في إرث ويستفاد من هذا التصوير
فائدةً غريبةً، وهي أن رجلًا لو مات نصف دارٍ وورثة وعليه دين يستغرق جميع تركته فبيع الممن الثاني من الدار قبل بيع التركة في الدين كان لورثةَ الميت طلب الشفعةً في النصف المبيع لأن ملك الورثةً على النصف المستغرق بالدين فإن بيع من الصف الموروث بعضه لم يكن للورثةً بالباقي من النصف طلب الشفعةً في بعض لأن ملكهم بيع عليهم فلا يثبت لهم شفعةً في ملكهم بملكهم، وكذلك لو كان لهؤلاء الورثةً في هذه الدار شقص مملوك قبل موت أبيهم فمات أبوهم عن شقص فيها فبيع شقص أبيهم في دينه فليس للورثةً طلب الشفعة في الشقص المبيع هكذا ذكر أكثر أصحابنا بخراسان والعراق.
وقال القاضي [75/ أ] الطبري في هذه المسألةً الأخيرةً تثبت الشفعة للورثةً بملكهم القديم في الشقص المبيع للدين لأنه يجعل كأن الميت باعه في حياته لأنه يباع في دينه فوجب أن يكون الاعتبار بالشركةً الموجودةً في حياته دون ما يحدث بعد موته ولم يذم وجهًا آخر، وهكذا ذكره ابن الحداد ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه إنما يلحق بحال الحياة إذا وجد سببه في حال الحياةَ ما لا يمكن ابتداؤه بعد الوفاةً، ولو كان كذلك لم يكن للوارث أن يقضي الدين من عنده ويمنع من البيع ولأن هذا ملك الورثةً وإنما تعلق الدين بهذه العين لأنهم ملكوها من جهةً الميت فهو كالعبد إذا جني يتعلق أرش الجنايةً برقبته وهو ملك لمولاه ويباع فيها، وإن كان الدين ليس على مولاه كذلك ها هنا، وقال ابن أبي هريرة: غلط أبو إسحاق فيما قال وأراد الشافعي بما قال: امرأته وابنه في ذلك سواء أي: سواء في الاستحقاق لا في المقدار فلا حجة للمزني فيه.
فرع
ذكره أبو العباس بن سريج على القول الأول فقال: إذا عفا الأخ عن الشفعةً هل يستحق العم الأخذ بالشفعةً أم لا؟ يحتمل وجهين أحدهما: يستحق لأنه شريك وإنما قدم الأخ عليه لقرب نسبه وامتزاجه فإذا عفا وسقط حقه استحق العم كما لو عفا ولي المقتول الأول عن القصاص يستوفى بالمقتول الثاني، والثاني: لا يستحق لأنه لم يستحق حال البيع فلا يستحقها بعد، فإذا تقرر هذا قال ابن سريج: لا يختص ما ذكرناه بالإرث والشافعي لم يخص الميراث لأن الحكم يتعلق به وحده بل كل ملك اختلف سببه فهو على هذا القياس، فلو اشترى نصف دارٍ ثم اشترى باقيها رجلان كان الأول كالعم والآخران كابني العم على ما فصلناه، وكذلك لو اشترى اثنان دارًا فباع أحدهما نصيبه من اثنين وعفا الشفيع عن الشفعةً ثم باع أحد هذين نصيبه من رجل [75/ ب] هل تكون الشفعةً للآخر الذي بقي من هذين أولهما؟ على قولين: ثم فرع ابن سريج على هذا فروعًا فقال: إذا مات رجل وخلَّف ابنتين وأختين فللابنتين الثلثان وللأختين ألثلث فإن باعت إحدى الأختين نصيبها يحتمل أن تكون الشفعةً لأختها وللابنتين، ويحتمل أن يكون على قولين أيضًا: أحدهما: الشفعةً لأختها وحدها.
والثاني: الشفعةً بين الكل والأظهر أن يشترك الجماعة ها هنا قولًا واحدًا لأن الجميع تملكوا بسبب واحي وهو الإرث من شخصٍ واحدٍ وفي تلك المسألةً ملك الأخوان من شخصٍ والعم من شخصٍ آخر.
والفرع الثاني قال: لو خلف دارًا وثلاثةً بنين ثم مات أحدهم وخلف ابنين ثم باع أحد العمين نصيبه يحتمل أن هذا على القولين أيضًا ويحتمل أن تكون الشفعةً بينه وبين ابن أخيه قولا واحدا، والفرق أن ها هنا يقوم أبناء الميت منهم مقام أيهم ويخلفونه في الملك، ولو كان أبوهم باقيًا شارك أخاه في الشفعةً فلهذا شاركوه وفي مسألةَ الكتاب البائع ابن أخيهم وهم لا يقومون مقام أخيهم وإنما يقومون مقام أبيهم فافترقا.
والفرع الثالث: قال: لو خلف دارًا وثلاثةً بنين فباع أحدهم نصيبه من ابنين وعفا أخواه عن الشفعةً، ثم باع أحد المشتريين نصيبه من الأجنبي فهذا على قولين أيضًا كمسألةً الشافعي أحدهما: الشفعةً لمن اشترى معه دون الأخوين، والثاني: الشفعةً بينه وبين الأخوين.
والفرع الرابع قال: لو مات وخلف أريع نسوةٍ وأربعةً بنين ودارًا فباعت إحدى النسوةً حقها من الدار مشاعًا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يستحق الجمع الشفعةً قولًا واحدًا ومنهم من قال: فيه قولان أحدهما: أن النساء أولى به لأن شركتهن أخص بالمبيع لأنهن شركاء في الثمن [76/ أ] فنصيبهن حزبٌ ونصيب الأولاد حزب ومن قال: إنها على قول واحدٍ فرق بين هذه المسألةً وبين مسالةً الأخ والعم بأن في هذه المسألةً تقم الفريضة من ثمانية فيكون الجمع في الشركة سواء وليس كذلك في تلك المسألةً فإن الفريضةً تقسم نصفين ثم يقسم أحد النصفين بين الاثنين لأنهما تركتان وهذه تركةُ واحدةً.
والفرع الخامس قال: لو أوصى بثلث ضيعةٍ له لرجل ثم مات وخلف ابنين وقبل الموصى له الوصيةً ملك الثلث، فإن باع أحد الابنين نصيبه من التركةً كانت الشفعةً لأخيه وللموصى له بالثلث على القول الذي يقول الأخ والعم سواء، فإن قلنا: الأخ أولى من العم كان الأخ ها هنا أولى عن الموصى له بالثلث.
والفرع السادس لو كان شريكان في دار باع أحدهما: من رجل عشر نصيبه ثم باع منه تسعةَ أعشار نصيبه في صفقةٍ أخرى قال أبو حنيفة: يأخذ الشريك العشر الأول ثم هو والمشتري للعشر شريكان في الباقي يأخذانه بالسويةً فيأخذ الشفيع نصفًا هذه الأعشار التسعةَ وهكذا يفعل القوم قصدًا لإبطال بعض الشفعةً، وعندنا إذا أخذ النشر بالشفعةً أخذه بحقوقه ومن حقوقه ثبوت الشفعة بسببه في الباقي فيأخذ الأعشار التسعةً كلها فلا تنفع هذه الحيلةً ولأن ملكه على الأول لم يستقر فلا يستحق به الشفعةً.
ومن أصحابنا من قال مثل قول أبى حنيفة لأن ملكه ثبت على الأول، فإذا اشترى الباقي كان شريكًا بالأول فأما إذا عفا عن العشر فحينئذ لا يمكنه أن يأخذ من الأعشار التسعةً إلا بعضها ففي قول يأخذ نصفها، وفي قول يقسم هذه الأعشار التسعةً بينهما
على أحد عشر سهمًا بأن يجعل [76/ ب] النصف الثاني من الدار عشرةً أسهم أيضًا فيكون لأحدهما: عشرةً وللآخر واحدُ فيكون لأحدهما: تسعةَ أعشار النصف على هذه السهام، فإذا تقرر هذا فاعلم أن الشفعةَ عندنا تورث كما يورث الرد بالعيب ويقسم بين الورثةً على قدر حقوقهم إلا على ما حكاه المزني وقد ذكرنا ما قيل فيه وبه قال مالك وعبيد الله العنبري، وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: لا يورث حق الشفعةً ويبطل بالموت وهذا غلط لأنه خيار لدفع الضرر عن المال فيورث كالرد بالعيب.
فرع
لو عفا بعض الورثةً عن حقه من الشفعةً هل تسقط حقوق الباقين من الشفعةً؟ وجهان أحدهما: تسقط وهو اختيار ابن أبي هريرة لأنهم قاموا مقام أبيهم، ولو عفا هو عن بعضها يسقط الباقي كذلك ها هنا، والثاني: لا يسقط وهو اختيار أبي حامد وهو الصحيح كما لو عفا بعض الشركاء عن الشفعة لا تسقط حقوق الباقين ويفارق الموروث
إذا عفا عن بعض الشفعةً يسقط الكل لأنا لو لم نسقط حقه من الباقي أبي إلى تبعيض الصفقة على المشتري وذلك لا يجوز وها هنا لا يؤدي إلى هذا لأنه يقال: الآخر إما أن يأخذ الكل أو يدع قال أبو حامد: ولو ورثوا حق الرد بالعيب فعفا بعضهم عن حقه سقط حق الباقين قولًا واحدًا، لانا لو جوزنا للباقين الرد أدى إلى تبعيض الصفقةً على البائع إذ لا يمكنهم رد حصةً العافي، وقال أبو إسحاق المروزيّ: إذا عفا أحد الورثةً هل يرجع نصيبه إلى باقي الورثة؟ قولان أحدهما: يرجع كما في الشركاء وعلى هذا لو حضر أحد الورثةً وطالب بالشفعةَ قضي له بكل الشفعةً، والثاني: وهو الأصح لا يرجع نصيبه إلى من بقي لأن جميعهم شفيع واحد [77/ أ] وعلى هذا لو حضر واحد لا يقضى له بشيء حتى يجتمعوا فإذا قلنا: لا يبطل يأخذ منها يقدر ميراثه ولا يأخذ الكل بخلاف الشفيع الأصليّ لأن الشفيع الأصلي كان له أخذ جميعها فجاز أن يسقط بعفوه عن البعض كلها، وأما أحد الورثةً لا يملك منها إلا قدر حقه فلم يبطل بالعفو عن غير حقه.
فرع آخر
لو عفا الشفيع في مرضه عن الشفعة ثم مات من أصحابنا من قال: للوارث إبطال عفوه والأصح أنه يصح عفوه كما لو لم يقبضن الهبةً لأنه سبب يفضي إلى الملك وليس بملكٍ مستقرٍ.
فرع آخر
لو لم يكن للشفيع وارث إلا بيت المال فيه وجهان أحدهما: أنه موروث لبيت المال والإمام يأخذه لكافةَ المسلمين إذا رأى صلاحًا، والثاني: تبطل الشفعةً لأنه لدفع الضرر وها هنا لا يتعين الضرر بأحدٍ بخلاف الوارث.
فرع آخر
لو كان الشقص موقوفًا على رجل بعينه أو جماعةً بأعيانهم وقلنا في أحد القولين: يملك الموقوف عليه رقبةً الوقف هل يستحق الشفعةً؟ به وجهان أحدهما: يستحق لثبوت ملكه واستقراره بسوء المشاركةً، والثاني: لا يستحق لأنه ليس بتام الملك ولا مطلق التصرف.
فرع آخر
لو باع في مرضه المخوف شقصًا من دار لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون البيع بثمن المثل، أو بالمحاباةً بأقل من ثمن المثل فإن كان بثمن المثل فللشفيع الشفعةً سواء كان الشفيع والمشتري وارثين أو غير وارثين أو أحدهما وارثًا والأخر غير وارث وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفةَ: لا يصح بيع المريض من وارثه، وإن كان بثمن المثل ولا شفعةً، وإن كان بيع محاباةٍ مثل إن باع شقصًا بألف درهم وهو يساوي ثلاثةَ آلاف درهم فقد حاباه في ثمنه بألفي درهم فإن كان المشتري والشفيع أجنبيين [77/ ب] فإن كان البائع يملك مالًا المحاباةً من ثلثه صحت المحاباةً وآخذ المشتري الشقص بألف وأخذ منه الشفيع بألف، وإن كان البائع لا يملك غير هذا الشقص فللمشتري الخيار في أن يأخذ ثلثي الشقص بألف ليحصل له نصف المحاباةً وهو ألف يكون ثلث التركةً ويرجع إلى الورثةً ثلث الشقص وقيمته ألف مع ألف، أو يفسخ البيع لأن الصفقةً تفرقت عليه ثم للشفيع أن يأخذ بالألف ثلثي الشقص الصائر للمشتري بألفٍ، وإن كان المشتري وارثًا والشفيع أجنبيًا فا لمحاباةً باطلةً، وإن خرجت من الثلث لأنها وصية لوارث والمشتري بالخيار بين أن يأخذ ثلث الشقص بألف وبين أن يرده فإن أخذ ثلثه فللشفيع أخذ الثلث منه بالألف، وإن رده المشتري عرض على الشفيع قبل رده فإن رضي أن يأخذ ثلث الشقص بالألف كان أحق وبطل رد المشتري لأنه يرد ليحصل له الثمن الخارج من يدم وقد حصل له من جهةَ الشفيع فوصل إلى حقه ومنع من إبطال حق الشفيع برده كما يمنع من رده بعيب لو ظهر إذا رضي الشفيع ويكون عهدة الشفيع على المشتري، ولو أن باقي الورثةً أجازوا الوارث محاباته وأعطاه الشقص كله بالألف جاز وفيما يأخذه الشفيع قولان مبنيان على أن إجازةَ الورثةً عطيةً أو إمضاء.
فإن قلنا: إمضاءُ فللشفيع أن يأخذ الشقص كله بالألف وإن قلنا: عطيةً يأخذ ثلث الشقص بالألف وتخلص للمشتري ثلثاه لأنها عطية له خالصة، وإن كان المشتري أجنبيًا والشفيع وارثًا فإن لم يحتمل الثلث شيئا من المحاباةُ لإحاطةً الدين بالتركةً بطلت المحاباةَ وكان للمشتري الخيار في أخذ ثلث الشقص أو رده فإن أخذه كان الشفيع أحق به، وإن كان وارثًا لأنه لا محاباةً فيه، وإن احتمل الثلث كل المحاباة لأنه ذو مال [78/ أ] فالمحاباةً بثلثي الشقص، وإن احتمل الثلث بعضها وهو أن لا يملك غير
الشقص المقوّم ثلاثةَ آلاف درهم احتمل الثلث نصف المحاباةً وهو ثلث الشقص وفيها أربعةَ أوجهٍ حكاها ابن سرج.
أحدها: أنها جائزةً للمشتري وللشفيع لأن المشتري بها فصحت له والشفيع داخل عليه فإنه يأخذ منه لا من المريض، ولأنه يجوز أن لا يجوز له المحاباةً ولكنها تؤول إليه بمعنى آخر كما لا يجوز إقرار العبد بما يوجب المال، ثم لو أقر بجنايةٍ توجب القود فعفا المقر له على مالٍ وجب المال فعلى هذا يأخذ المشتري بثلثي الشقص بألفٍ وللشفيع أخذ هذين الثلثين بأي ويرجع الثلث إلى الورثةً مع ألف الثمن.
قال أصحابنا: هذا هو المذهب وإنما ذكر ابن سريج هذه الأقاويل على عادته في ذكر ما يحتمل المسألةً من الأقاويل وإن لم يخرج على أصل الشافعي ثم تخلص ما يخرج على مذهبه.
والثاني: المحاباةً جائزةً للمشتري دون الشفيع لأن الشفيع ممن لا يصح محاباته وهو بها غير مقصودٍ فعلى هذا يأخذ المشتري ثلثي الشقص بألفٍ وللشفيع أن يأخذ منه ثلثه بألف ويرجع إلى الورثةً الثلث فيصير الشقص أثلاثًا ثلثه للورثةً، وثلثه للمشتري لأنها محاباةً له، وثلثه للشفيع.
والثالث: المحاباة باطلةً لهما لأنها قد تفضي إلى الشفيع الذي لا يصح أن يملكها وهي مقترنةً بالمبيع الذي لا يجوز أن يفرد عنها فعلى هذا للمشتري أن يأخذ ثلث الشقص بالألف وللشفيع أن يأخذ منه بالألف ويرجع الثلثان إلى الورثةَ.
والرابع: أن المحاباةً موقوفةً مراعاةً فإن عفا الشفيع عن شفعته صحت المحاباةً للمشتري وأخذ ثلثي الشقص بالألف رجع الثلث إلى الورثةً، وإن طالب الشفيع بالشفعةً بطلت المحاباةَ للمشتري وأخذ ثلث الشقص بالألف ويأخذ الشفيع منه بالألف ويرجع الثلثان إلى [78/ ب] الورثةً.
ومن أصحابنا من حكي وجهًا خامسًا عن ابن سريج أنه يبطل البيع والشفعةً معًا، وحكي وجهًا سادسًا عنه أيضًا أنه يأخذ الشفيع من المشتري ثلثي الشقص بالألف لأن الشفيع يستحق على المشتري أخذ الشقص بالثمن الذي وقع العقد عليه ثم إذا أخذه يلزمه أن يرد ثلث الشقص على الورثةً لأنها محاباةً حصلت في يده ولا يجوز أن يأخذ من موروثه محاباةً لأنها وصيةً له، وفيه وجه سابع أنه تصح المحاباةً للمشتري ولا شفعةً للشفيع أصلًا لأنه لا يمكن أخذ الكزل ولا أخذ النصف لأنه يؤدي إلى تبعيض الصفقةً على المشتري وذلك لا يجوز فبطلت الشفعةَ أصلًا وبه قال أصحاب أبى حنيفة ولا معول على شيء منها والاعتماد على ما ذكرنا أولًا، وإن كان الشفيع وارث المشتري وهما أجنبيان من البائع صحت المحاباةَ للمشتري واستحق الشفيع المحاباة بشفعتهِ لأنها ليست محاباةً من المشتري ألا تراه يأخذها منه جبرًا بلا اختيار.
فرع آخر
لو قال لأم ولده: إذا خدمت بعد موتي ورثتي سنةً فلك هذا الشقص فخدمتهم سنةً
بعد موته استحقت الشقص، وهل يغلب في ملكها للشقص حكم المعاوضةً أو حكم الوصايا؟ وجهان أحدهما: يغلب حكم المعاوضةً لأنها استحقته بخدمتها فعلى هذا يأخذه السفير بعد انقضاء السنةً بأجرةً مثل خدمتها تلك السنةً، والثاني: وهو ظاهر المذهب يغلب حكم الوصايا لاعتباره من الثلث وملكه الشقص عن من لم يملك الخدمةً فعلى هذا يكون وصيةً على صفةٍ بعد الموت ولا شفعة فيها.
مسألة: قال: "فإن حضر أحد الشفعاء أخذ الكل".
الفصل
وهذا كما قال: الدار إذا كانت بين أربعةً أنفس فباع واحد منهم نصيبه من أجنيي فلشركائه أن يأخذوا بالشفعة [79/ أ] لأنهم شركاء في الملك حال البيع ثم لا يخلو إما أن يكون حضورًا أو غيبًا فإن كانوا حضورًا يأخذون على السواء بينهم فإن عفا اثنان منهم عن الشفعةً قلنا للثالث: أنت بالخيار بين أن تأخذ الكل أو تترك فإن أراد أخذ الثلث لم يكن له لأن الشفعةً تجب لإزالةُ الضرر فلا يجوز إلحاق الضرر بها بالمشتري، وإن كان الشركاء غيبًا فحضر واحد منهم فطالب بحصته من الشقص لم يكن له وقيل له: إما أن تأخذ الكل بجميع الثمن أو تدع، فإن أخذ الكل بجميع الثمن ثم حضر الثاني كان له أن يأخذ منه النصف بنصف الثمن لأنهما لو حضرا معا أخذاه نصفين فإذا جاء أحدهما: بعد الآخر كان النصف لكل واحدٍ منهما، وإن حضر الثالث: أخذ منهما الثلث بثلث الثمن، فإن عفا الثاني والثالث: استقر على الأول، وإن عفا الثاني دون الأول استقر عليهما.
فرع
لو كان للشقص غلةً فحصلت في يد الشفيع الأول ثم حضر الثاني لم يشاركه الثاني فيها لأنها انفصلت في ملكه كما لو انفصلت في يد المشتري قبل الأخذ بالشفعةً كانت للمشتري، وكذلك لو أخذ الثاني الغلةَ ثم حضر الثالث: لم يشاركه الثالث: فيها لما ذكرنا.
فرع آخر
لو أخذ الشقص مستحقًا قال أكثر أصحابنا: عهدةَ الثلاثةً على المشتري ولا يرجع أحدهم على صاحبه لأنهم استحقوا الشفعةَ عليه، وذكر القاضي الطبري وجهًا آخر عن بعض أصحابنا أنه قال: عهدةَ الشفيع الثاني على الأول، وعهدةَ الثالث: عليهما لأنه أخذ الشقص من يده وقد كان ملكه له ودفع الثمن إليه فكانت عهدته عليه وعهدةَ الأول على المشتري والأول أشهر.
فرع أخر
لو حضر أحد الشفعاء وقال: لا آخذ الكل بل أنتظر مجيء الشريكين الآخرين فإن عفوا أخذت الكل، وإن أخذا [79/ب] شاركنهما هل تبطل شفعته بهذا التأخير؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال وهو اختيار أبي إسحاق وابن سريج: لا تبطل لأن له غرضًا في تأخير الأخذ فكان عذرًا وهو أن لا يغرم الثمن فيما ينتزع من يده وهذا أقيس، ومنهم من قال وهو اختيار ابن أبي هريرةَ: تبطل لأنه كان قادرًا على أخذ الكل فكف عنه.
فرع آخر
ذا قلنا: يبطل حقه بهذا التأخير سقط حق الأول فإن قدم الآخران وطالبا أخذا بالشفعةً وإن لم يطالبا سقط حقهما، وإذا قلنا: لا يبطل حقه بهذا التأخير فإذا قدم الشريكان نظرا فإن طالبا بالشفعةً شاركهما الأول فيكون الشقص بينهم أثلاثًا، وإن عفوا عن الشفعة هل للأول أن يأخذ نصيبهما بالشفعةً؟ قال أبو إسحاق; ينظر فإن كان قال: أنا مطالب بالشفعةً في الكل ولكني آخذ حصتي وأتوقف في حصةً شريكي لأنظر ما يكون منهما له أخن نصيبهما لأنه لم يعف عنه، وإن كان قال: لست أطالب إلا بحصتي وقد عفوت عما زاد على ذلك فقد بطلت شفعته فيما زاد على الثلث فليس له أخذه عند عفو الشريكين.
فرع آخر
لو أخذ الشفيع الأول الكل، ثم حضر الثاني وقال: أقبض ثلث ما في يده وهو قدر حصتي عند حضور الثالث: وطلبه فامتنع الأول وقال: خذ نصف ما في يدي أو تعفو فيه وجهان أحدهما: القول قول الأول ويقال له: إما أن تأخذ النصف أو تدع كما يمنع الأول مع المشتري من ذلك، والثاني: القول قوله وله أن يقتصر على أخذ الثلث بخلاف الأول مع المشتري لأن للمشتري صفقةً يمنع من تفريقها عليه وليس للشفيع الأول صفقةً تفرق عليه وإنما هو عفو عن بعض ما استحق عليه وهذا اختيار ابن سريج والأول أقيس.
فرع آخر
لو أخذ الشقص أحد الشفعاء الثلاثة [(80) /أ] عند غيبةَ الآخرين، ثم قدم أحد العامين فصالح الحاضر على ثلث الشقص وسلم له الثلثين فذلك جائز ولا يكون إبراء، فإذا قدم الغائب، الآخر فيه وجهان:
أحدهما: يرجع على الأول الذي بيده الثلثان فيأخذ نصف ما بيده وهو الثلث فيصير الشقص بينهم أثلاثًا ليكونوا في الشفعةً سواء.
والثاني: وهو قول محمد بن الحسن واختاره ابن سريج: الشقص يكون بينهم على ثمانيةَ عشر سهمًا أربعةً أسهم منها للعافي، وسبعةَ أسهم لكل واحدٍ من الآخرين،
ووجه ذلك أن العافي لما صالح على الثلث صار تاركا لثلث حقه لأنه كان مستحقًا للنصف فا تصر على الثلث فصار الشقص بينهما على ثلاثةً أسهم سهم للعافي، وسهمان للحاضر الأول فلما قدم الثالث: استحق ثلث ما بيد العافي وهو ثلث مهم يضم إلى السهمين اللذين مع الأول يصير سهمين وثلثًا فيكون منهما فيصير لكل واحدٍ منهما سهم وسدس فيضرب في مخرج السدس وهو ستةَ لتصح السهام فيكون له أربعةً أسهم من ثمانيةَ عشر وكان لكل واحدٍ من الآخرين سهم وسدس من ثلاثةً مضروب له في ستةَ فيكون له سبعةً أسهم والآخر مثلها.
وقال صاحب الحاوي: الصحيح عندي غير هذين الوجهين فأقول: الشقص بينهم على تسعةَ أسهم سهمان للعافي، وثلاثةً أسهم للآخر، وأربعةً أسهم للمعفو عنه؛ ووجه ذلك أن العافي لما صالحه على الثلث صار الشقص سهمًا على ثلاثةَ أسهم سهم للعافي ومهما ن للمعفو عنه، فإذا قدِم الغائب الآخر فله أن يرجع على العافي بثلث ما في بيده لأن له ثلث الشفعةً فيكون ثلث سهم ويرجع على المعفو عنه بثلث ما بيده من السهمين فيكون ثلثي سهم فيصير جميع ما أخذه منهما سهمًا واحدًا ويبقى على العافي ثلثا سهم [80/ ب] وعلى المعفو عنه سهم وثلث فاضرب ذلك في مخرج الثلث وهو ثلاثةَ تكن تسعةً أسهم للعافي منها سهمان لأن له سهمًا وثلثًا في ثلاثةً، ولم يجز أن يكون الأخير مساويا المعفو عنه لأنه غير مقصود بالمحاباةً والعفو.
فرع آخر
لو حضر الأول وأخذ الشقص بالشفعةً ثم وجد به عيبًا فرده على المشتري ثم حضر الغائبان كان لهما الشفعةً لأن رده بالعيب بمنزلةً عفوه عنها، وقال محمد: لا يأخذان إلا نصيبهما لأن الأول لم يعف عن الشفعةً ولكنه ردّ لأجل العيب فلا يتوقف نصيبه على الآخر كما لو رجع إليه بسببٍ آخر وهذا غلط لأن الشفيع فسخ تملكه ورجع إلى المشتري بالسبب الأول فكان للشفيع الآخر أن أخذه منه، ويفارق إذا عاد بسبب آخر لأنه عاد غير الملك الأول الذي تعلقت به الشفعة بخلاف مسألتنا.
فرع آخر
لو حضر الشفيع الثالث: وكان أحد الشريكين غائبًا فإن قضي له القاضي على الغائب أخذ من الحاضر الثلث ومن الغائب الثلث، وإن لم يقض له فكم يأخذ من الحاضر؟ وجهان أحدهما: الثلث لأنه قدر ما يستحقهما في يده، والثاني: النصف لأن أحدهما: إذا كان غائبًا صار كأنهما الشفيعان فيقتسمان بينهما بالسويةً، فإذا ثبت هذا فإذا حضر الغائب وغاب هذا الحاضر ثلث ما في يده آخذ من الذي كان غائبا وحضر ثلث ما في يده أيضًا، وإن كان أخذ من الحاضر نصف ما في يده أخذ من هذا سدس
ما في يده فيتم بذلك نصيبه وتصح قسمةُ ذلك من ثمانية وأربعين فالمبيع اثنا عشر سهمًا أخذ كل واحتدٍ ستةَ فإن أخذ من أحدهما: مهمين وهو ثلث ما في يده أخذ من الآخر سهمين، وإن أخذ نصف ما في يده وهو ثلاثةَ أخذ من الآخر سهمًا وهو سدس ما في يده فيتم له أربعةَ أسهم وذلك ثلث السهم المبيع.
فرع آخر
قال الشافعي عقيب هذه المسألةً: وإن كان الاثنان [81/ أ] قد اقتسما قبل قدوم الثالث: كان له نقض قسمتهما لأن له فيه حق الشفعةً ولم يرد الشافعي أن القسمة تنتقض بالمطالبةً بنقضها بل أراد أنها تنتقض بالمطالبةَ بالشفعةً، فإذا طالب بالشفعةً انتقضت القسمةَ بين الأولين، وإن كانا قد اقتسما قسمةً صحيحةَ، فإن قيل: كيف تصح قسمتهما والشريك الثالث: غائب؟ قلنا: يتصور صحتها بآن وكل في القسمةَ قبل حصول البيع وغير ذلك على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
فرع آخر
لو قال الشفيع الواحد: عفوت عن نصف الشفعةً ففي المسألةً وجوه أحدها: بطلت الشفعةً في الكل كالقصاص إذا عفا عن بعضه سقط كله لأنه لا يتجزأ وهو ظاهر المذهب وبه قال محمد وهو اختيار ابن سرج: والثاني: لا تبطل الشفعةً ويقال له: خذ له الكل آو دع الكل وبه قال أبو يوسف لأن العفو لما لم يكمل بطل، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا هو المنصوص، والثالث: حكي عن ابن سرج أنه قال: يأخذ النصف ويدع الباقي وهذا لا وجه له، وقال أصحابنا: لعل هذا القائل أراد إذا كان المشتري راضيًا بالتفريق فأما دون رضاه فلا يكون ذلك بوجه.
مسألة: قال: "ولو أصابها هدمٌ من السماءِ"
الفصل
وهذا كما قال: إذا عاب الشقص في يد المشتري قبل أن يأخذ الشفيع الشفعةَ نظر، فإن كان عيبًا لم يذهب به شيء من الأعيان ولا انفصل به شيء من البناء مثل تشقق الحائط وميلانه وانكسار الجذوع فالشفيع بالخيار بين أن يأخذه معيبًا بكل الثمن أو يتركه بلا خلاف، وإن كان ذلك بانتقاض بناء وانفصال شيء منه نقل المزني أن الشفيع بالخيار بين أن يأخذه ناقصًا بكل الثمن أو يدع وهو منصوص في كتاب التفليس، وقال في القديم: الشفيع بالخيار بين أن يأخذ ما بقى بالحصةً من الثمن آو يدع وهو روايةُ الربيع.
واختلف أصحابنا في هذه المسألة على خمسة طرق [81/ ب].
إحداها: أنه لا يدخل في الشفعةً ما انفصل من البناء والشفيع بالخيار بين أن يأخذ
ما عداه أو (يدع) فإذا أخذ بكم يأخذ؟ فيه قولان: أحدهما: يأخذه بكل الثمن لأنه استحقه به وقت العقد فلا يحطّ عنه النقصان كالمبيع إذا نقص في يد البائع قبل القبض لا يحطّ من الثمن شيئًا إذا اختار المشتري إنفاذ البيع، والثاني: يأخذه بالحصةً وهو الصحيح لأنه أخذ ما تناوله العقد فوجب أن يأخذ بالحصةً من الثمن كما لو باع شقصًا وسيفًا يأخذ الشقص ببعض الثمن لا بجميعه، ولا فرق على هذه الطريقةَ بين أن يكون الشقص بفعل الآدمي أو بآفةً سماويةٍ ولا فائدةً لتقييد المسألةَ بهدمٍ من السماء، ولا فرق بين أن يكون قد ذهب بعض العرصةَ أم لا.
والثانية المسألة على قول واحد أنه يأخذ بحصته من الثمن كما قال في القديم والذي نقل المزني لا يعرف للشافعي في شيء من كتبه، وقال أبو إسحاق: الذي قال في القديم والجديد: أنه يأخذ بالحصة ورد على أهل العراق قولهم: إن أنهدم بأمرٍ من السماء أخذه يجمع الثمن، وإن أنهدم بفعل الآدميين أخذه بحصته من الثمن، ولعل المزني غلط من قول الشافعي إلى قول أهل العراق مثل ما غلط من قول الشافعي إلى قول مالكٍ فيمن حلف على غريم له ألا يفارقه حتى يستوفي حقه منه فأخذ منه بحقه عرضًا أنه إن كان ذلك بقيمةَ الحق أو أكثر لم يحنث، وإن كان بأقل حنث وهذا قول مالك وعلى هذا لا يأخذ النقض وهو اختيار أبى بكر الفارسي وقيل: تأويله ما نقل المزني إذا استهدم ولم يبن من الدار.
والثالثة المسألة على اختلاف حالين فالذي نقله المزني إذا انهدمت الدار وانتقض التأليف ولم يتلف من الأجزاء شيء فالشفيع يأخذ الكل بكل الثمن وهذا المتهدم [82/ أ] وإن صار منقولًا لا يمنع من الأخذ من الشفعةً لأنه كان عند البيع متصلًا غير منقول، وهذا كما لو اشترى دارًا فانهدمت قبل القبض لم يخرج ما بان منها لأنه كان متصلًا بها وقت البيع والذي نقله الربيع أراد إذا تلف بعض الأجزاء والأعيان، والفرق أن الأعيان إذا كانت باقيةً لم يتلف شيء مما يقابله الثمن بل بغير التأليف وذلك لا يقابله الثمن فافترقا، وهذا اختيار ابن أبى هريرةً وأكثر شيوخنا ببغداد وهذا لأن المزني ثقةً في الروايةً فلا يبغى أن ترد روايته.
والرابعةُ المسألةً على اختلاف حالين من وجهٍ آخر فالذي نقل المزني: إذا تلف البناء والعرصةً قائمة بحالها والذي نقل الربيع: إذا ذهب بعض العرصةً بغرقٍ أو غيره لأن الآلات والبناء تابعةً للعرصةَ في الشفعةَ وظاهر قول هذا القائل أن الأعيان المنفصلةً لا تدخل في الشفعةً وهذا غير صحيح لأن الثمن يقابل العرصةً والأعيان، وإن كانت تابعةً ولأن الشافعي قال في القديم: ولو اشتراه عامرًا فهدمه قيل له:؛ وقعت الصفقةً على شيئين وقاتل: أحدهما: فيقسم الثمن على العرصةً والبناء ويأخذ مما أصاب العرصةً وهذا اللفظ لا يحتمل ما قاله هذا القائل.
والخامسةً وهي على اختلاف الحالين من وجه آخر فالذي نقل المزني: إذا كان الهلاك بأمرٍ سماوي والذي نقل الربيع: إذا كان الهلاك من الآدمي، والفرق أنه إذا
حصل من الآدمي حمل للمشتري بدل بالضمان، وإذا حصل من الماء لم يحصل للمشتري بدل ذلك وهذا غير صحيح لأنه نص في القديم على أنه لا فرق بينهما وإنما هذا مذهب أبى حنيفةَ رحمه الله.
مسألة: قال: "ولو قاسَمَ وبني قيلَ للشفيع: إن شئت فخذ بالثمن وقيمةٍ البناءِ اليوم، أو دع".
[82/ب]
فصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا من قزاز وثبت للشفيع ثم قاسم المشتري وبني فيه قال الشافعي رحمةُ الله عليه! قيل للشفيع إن شئت فخذ الشقص بالثمن وقيمةَ البناء يوم تأخذه لأنه بني وهو غير متعدٍ وقصد به الرد على أبى حنيفةَ حيث قال: ليس على الشفيع أن يغرم قيمةَ البناء ويجبر على قلعه، وبه قال الثوري والمزني وبقولنا قال النخعي ومالك وأحمد وإسحاق والآوزاعي واحتج المزني فقال: هذا الذي قاله الشافعي غلط كيف لا يكون متعديًا وقد بني فيما للشفيع فيه شرك مشاع، ولولا أن الشفيع فيه شركًا ما كان شفيعًا وقال: لا يخلو من أن يكون قسم مع الشريك أو قسم بنفسه فإن قسم بنفسه دون الشريك فالقسمةً فاسدةً والبناء تعدٍ، وإن قسم مع الشريك ولم يطالبه بالشفعةً فقد بطلت الشفعةً وهذا الذي قاله غلط لأنا نقول: غلطت في قولك للشفيع فيه شرك لأن الشرك عبارةً عن الملك في هذا الموضع والشفيع منفرد والملك للمشتري دون الشفيع وليس للشفيع في ذلك الملك شركةً وإنما له سلطان السلب، بدليل أن المشتري لو باعه صح بيعه وملك ثمنه بالإجماع، فلو كان للشفيع فيه ملك أو شرك لما جاز ذلك فإذا بني كان متصرفًا في ملكه فعليه أن يغرم ما نص من قيمةَ البناء، ولأنه لو بني المستعير في البقعةً المستعارةً بناةً ثم كلفه المعير قلع بنائه غرم ما نقص من قيمةً البناء فالباني في ملك نفسه أولى بأن يكون له على الهادم قيمةً بنائه، وأما قوله أن القسمةً فاسدةً قلنا: القسمةً قد تصح مع بقاء الشفعةً من خمسةَ أوجه:
أحدها: أن يكون الشفيع غائبًا وقد وكل في مقاسمةُ شركائه وكيلًا يجوز للوكيل أن يقاسم المشتري لتوكيله في المقاسمةً ولا يطالبه بالشفعةً لأنه ليس بوكيل [83/ أ] فيه.
والثاني: أن يأتي المشتري الحاكم فيسأله المقاسمةً عن الغائب فيجوز للحاكم ذلك إذا كان الشريك بعيد الغيبةً وليس له أن يأخذ بالشفعةً للغائب ويجعل الغائب على حقه من الشفعةً إذا قدم وسجل به سجلًا.
والثالث: أن يذكر المشتري ثمنًا موفورا ثم يعفو أو يقاسم ثم تبين أن الثمن كان أقل فالقسمةَ صحيحةً والشفعةَ ثابتةً والشفيع غير متعدٍ ببنائه لأنه بالكذب متعدٍ في قوله لا في قسمته وبنائه.
والرابع: أن ينكر الشراء ويدعي الهبةً فلا شفعةً في الظاهر فقاسمه ثم علم الشراء.
والخامس: أن يكون الشفيع طفلًا فيمسك الولي عن طلب الشفعة ويقاسم المشتري ثم بلغ الطفل تكون له الشفعةَ مع صحةً القسمةً فبطل ما قاله المزني، فإن قيل: هذا يبطل بما ذكره الشافعي: لو اشترى أرضًا وبناها ثم استحقها رجل يجبر المشتري على نقص بنائه وكان بناؤه على غير وجه التعدي قلنا: البينةً لما قامت على الاستحقاق انكشف لنا أن المشتري بناها وهي لغيره وأنه كان متعديًا في الباطن وليس كذلك في الشفعةً فإنه لم ينكشف لنا أن المشتري بالبناء كان متعديًا على أنا نقول للمشتري: لك أن ترجع بما دخل في البناء من النقص على الغاصب فيزول الضرر عنه، فإذا تقرر هذا وطالب الشفيع بالشفعةً لا يخلو المشتري من أحد أمرين إما أن يختار قلع ما أحدثه من البناء، أو لا فإن اختار القلع كان له وليس للشفيع منعه منه، وإذا فعل ذلك ليس عليه ما نقص بالقلع ولا تسويةً الحفر التي هي مواضع القلع، فإذا فعل ذلك كان الشفيع بالخيار بين آن يأخذ بعد القلع بكل الثمن أو يدع فإن أخذ فلا كلام، وإن لم يأخذ بطلت شفعته.
وإن اختار المشتري الشفعةً قلنا للشفيع: لك الخيار بين ثلاثةً أشياء بين الترك وبين الأخذ بالقيمة [83/ب] وبين إجبار المشتري على القلع وإعطائه ما نقصى بالقلع وهو ما بين قيمته قائمًا في مكانه ومقلوعًا، ولو كان مكان البناء زرع قلنا للشفيع: خذ بالشفعةً ويكون للمشتري الزرع فيه إلى حين الحصاد لأنه لا يتباقى ضرره ولا أجرة للشفيع.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يلزم أجرةَ المثل إلى أوان الحصاد، ولو قال الشفيع: أنا أؤخر حتى إذا حصد الزرع أخذت إذ ذاك كان ذلك له ولا تسقط شفعته لأن له في التأخير غرضًا صحيحًا وهو بقاء الثمن عنده إلى حين الحصاد ينتفع به فإذا
حصد أخذه.
فرع
لو اختلفا في البناء الموجود فقال الشفيع: كان قبل الشراء، وقال المشتري: أحدثته بعد الشراء فالقول قول المشتري.
فرع آخر
لو غرس فيها فالغراس كالبناء ويجوز أن يغرس المشتري من غير مقاسمةً بأن تكون الأرض بين ثلاثةً شركاء فاكترى أحدهم نصيب صاحبه واشترى نصيب الآخر ثم غرس المشتري ثم علم المكري بالشفعةً.
فرع آخر
لو قال الشفيع: أنا آخذ من الشقص القدر الذي لا بناء فيه يكل الثمن لم يجز، لأنه متطوع بهبةً لا يلزمه قبولها وملزم له شركة ربما استضر بها، وكذلك لو قال: أقرّ في الأرض البناء.
فرع آخر
لو تصرف المشتري قبل أن يعلم الشفيع بالشفعةً تصرفًا حكميًا بأن باعه أو وهبه أو أصدق أو وقف أو رهن صح تصرفه بكل وجهٍ يتصرف في ملكه المطلق ولا يصح ذلك في حق الشفيع ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون تصرفًا تجب به الشفعةً، أو لا تجب به الشفعةً، فإن كان مما تجب به الشفعةً كالبيع والنكاح والإجارةً والصلح أو كان المشتري امرأةً فخالعت به كان الشفيع بالخيار بين أن يفسخ تصرف المشتري ويأخذ الشقص منه [84/ أ] وبين أن يقره ويأخذ الشقص من الثاني لأن الشركةَ قائمةً عند العقد بين معافان اختار نقض تصرف المشتري كان له ويأخذه منه، وإن اختار تنفيذ تصرفه وأن يأخذه من الثاني يكون العافي كأنه المالك الأول فيأخذه منه بالثمن الذي اشتراه هو، وإن كان صداقًا وأخذه بمهر المثل وعلى هذا، وإن كان تصرفًا لا تجب به الشفعةً كالهبةً والوقف والرهن كان للشفيع إبطاله والأخذ بالشفعةً.
وقال القاضي الطبري: سمعت الماسرجسي يقول: في الوقف تبطل شفعته لأنها تجب في المملوك وقد خرج هذا الشقص من أن يكون مملوكًا وهذا غير مشهور ولا يصح لأن الوقف من المريض يبطل لحق الغرماء وإن صادف ملكه كذلك ها هنا.
وقال مالك: إذا وهب المشتري يأخذ الشفيع من الموهوب له ويدفع الثمن إلى الموهوب له لا إلى المشتري وعندنا يدفع إلى المشتري لأن الهبةً تبطل بأخذه ولو أوصى المشترى لآخر ومات فللشفيع أخذه بالشفعةً ويبطل الوصيةً لأنه أوصى بشيء قد استحق عليه.
فرع آخر
لو ضمن الشفيع عن المشتري ثمن الشقص للبائع أو ضمن عن البائع درك المبيع للمشتري يصح الشراء والضمان وكان الشفيع على شفعته على ما ذكرنا خلافًا لأبي حنيفةَ، وعلى هذا إذا ضمن الثمن فطالبه البائع فغرمه ثم أخذ الشفعةً، فإن كان ضمن الثمن بأمر المشتري فقد برئ الشفيع مما استحقه المشتري عليه من الثمن لأنه تطوع يغرمه للبائع ويحكم عليه بدفعه ثانيًا إلى المشتري.
مسألة: قال: "ولو كان الشقص في النخل فزادت كان له أخذها".
الفصل
وهذا كما قال: الأشياء في الشفعةً على ثلاثةً أضرب منها ما تجب فيه الشفعةً متبوعا وهو العراض والبراح التي لا أصل فيها من بناء ولا غيره، وعنه ما لا تجب فيه الشفعة لا تابعًا ولا متبوعًا وهو المنقول كالطعام والمتاع ونحو [84/ ب] ذلك، وقال عطاء: تثبت الشفعةً في كل مشترك من جميع الأموال وبه قال مالك في روايةً، وروي
عنه أنه قال: تثبت في السفن خاصًا، وروي عنه أنه قال: تجب الشفعةً في البناء المفرد والغرس وفي الثمار وفي المقاشي والمباطح لاتصاله بعراض الأرض المستحق فيها الشفعةً واحتجوا بما روى ابن أبي مليكةً عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشريك شفيع والشفعةً في كل شيء"، وهذا غلط لقوله- صلى الله عليه وسلم -: "الشفعةً فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" وهذا لا يتناول المنقول، وأما خبرهم مرسل غير مشهور ولا يصح مرفوعًا وما روينا أصح وأشهر.
قالوا: الشفعةً لضرر القسمةً ويوجد ذلك في الكل قلنا: الضرر المخصوص لا يوجد ها هنا وهو المؤونةً في إفراز المرفق عند القسمةً ولا يتأبد ضرره فلا يقاس على غير المنقول، ومنها ما يجب فيه الشفعةً تابعًا ولا يجب متبوعًا وهو كل ما كان في الأرض من يباع وأصل كالشجر فإذا بيعت أرض فيها نخيل ثبت للشفيع فيها الشفعةً ويكون النخيل تابعه للشقص في الشفعةً لاتصالها بها، ألا ترى أنها تدخل في بيع الشقص من غير تسميةً، وإن كانت عليها ثمرةً مؤبرةً تكون الثمرةً للمشتري بالشرط ولا يأخذها الشفيع بالشفعةً.
وقال أبو حنيفة ومالك: تثبت الشفعة فيها مع أصولها لأنها متصلةً بما فيه الشفعةً وهكذا الخلاف في الزرع مع الأرض إذا شرط في البيع وهذا غلط لأنها لا تدخل في البيع إلا بالاشتراط فكانت منفردةً في الحكم بنفسها غير تابعةً للأرض كالفدان والثيران، فإذا تقرر هذا يأخذ الشفيع الأرض مع النخيل بحصتها من الثمن ويترك الثمرةً للمشتري بما يقابلها من الثمن، ولو كان الشفيع غائبًا فعاد من سفره وكانت النخيل زادت وكبرت واستغلت يأخذها بزيادتها لأن هذه الزيادةً غير متميزةً فكانت تابعةً [85/ أ]
فرع
لو بيع النخل مع قرارها من الأرض مفردةً عما يتخللها من بياض الأرض ففي وجوب الشفعةَ فيها وجهان: وكذلك إذا باع البناء مع قراره من الأرض دون البياض فهل تثبت الشفعةً على هذين الوجهين؟ أحدهما: فيها الشفعةً لأنها فرع لأصل ثابت وعلى الشريك فيها من جهةَ شريكه سوء المشاركةً ومؤونةً مقاسمةٍ، قال الإمام أبو محمد الجويني رحمه الله: هذا هو المذهب المشهور وقال: ولو كان البيع في الفسيل المنقول لم تثبت فيه الشفعةً لأن العادةً نقله من مكان إلى مكان الغراس، والوجه الثاني: لا شفعةً فيها لأن قرار النخل تبعٌ لها فلما لم تجب الشفعةً فيها مفردةٌ لم تجب فيها وفى تبعها وهذا هو المشهور عند أهل العراق.
فرع آخر
لو باع الأرض والنخيل ثم لم يأخذ الشفعةً حتى أثمرت غير مؤبرةً ففي استحقاق الشفيع لها قولان قال في القديم: يأخذها كما يدخل في البيع تبعًا، وقال في الجديد: لا يستحقها وقد ذكرنا هذا في كتاب البيع، ولو كان وقت البيع عليها ثمرةً غير مؤبرةً دخلت في البيع تبعا ويأخذها الشفيع فإن تأثرت عند الأخذ بالشفعةً فيه وجهان أحدهما: لا حق فيها للشفيع لتميزها عما يكون تبعا فعلى هذا يأخذ الشفيع الشقص من النخل بحصته من الثمن، والثاني: يأخذها مع الشقص لأن ما كان تبعا وقت العقد لاتصاله لم يسقط حق الشفيع منه بانفصاله، وقال أبو حنيفة: إن جُدَّت فلا حق له فيها لانفصالها، وإن كانت على نخلها أخذها بشفعتهُ مؤبرةً وغير مؤبرةً وهذا غلط لما ذكرنا، ولو بيع الأرض دون النخل ففيها الشفعةً بلا خلاف، ولو أفرد النخيل دون قرارها بالبيع لا شفعةً فيها بلا خلاف.
فرع آخر
قال ابن سريج: والدولاب والميزاب والناعورةً أصل كالبناء [85/ ب] وأما الدواليب المرسلةً والذرموق وهو جذع الداليةً، والباطئةً وهي التي كالجفنةً من القصب المقيرةً والمعلقةً في رأس جذع الداليةً لا شفعةَ فيها، وإن بيعت مع الأرض لأنها كالغلمان يعملون في الضيعةَ فيشتري الأرض والغلمان معها فالشفعةَ فيها دون الغلمان.
مسألة: قال: "ولا شفعة في بئر لا بياض لها".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت بئر لرجلين فباع أحدهما: نصيبه، فإن كانت البئر لها بياض وهي الأرض التي حولها والموضع الذي تجيء الماشيةَ إليه إذا شربت ليرد غيرها وهو الذي يسمى العطن والبئر لا تستغني عنه ويكون قيمةَ البياض مثل قيمةَ البئر إذا أفرد كل واحدٍ منهما عن الآخر فهذا محتمل القسمةً بأن يأخذ أحدهما: البئر والآخر البياض، فإذا باع أحدهما: نصيبه من البئر والبياض كان لشريكه فيه الشفعةً، وكذلك إذا كانت بئرًا واسعةً جافةً لا ماء فيها تثبت الشفعةً فيها لأن قسمتها جائزةً، لأن كان فيها ماء ولم يكن لها بياض نظر، فإن كانت واسعةً لها عينان ويمكن أن يجعل بئرين ويجعل بينهما حاجزًا مثل الجزيرةً كآبار البادية فهذه أيضًا تحتمل القسمةً فتثبت فيها الشفعةَ، لأن كان فيها عين واحدةً أو كانت بئرًا ضيقةً مثل الآبار المعهودةً لا يجبر واحد منهما على قسمتها، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه منها لم يكن لشريكه فيه الشفعةً وقيل: قوله: لا بياض لها أي: لا مزرعةً لها فإنه إذا لم يكن لها مزارع لا تحتمل القسمةً غالبًا.
وأما الرحى، فإن كانت حجرين فإن قسمتها ممكنةً فتثبت فيها الشفعةً، وإن كانت حجرًا واحدًا إلا أن لما بيّنّا لا يستغني عنه الرحى يجعل فيه الطعام وترد البهائم التي تعمل في الرحى إليه وقيمتها واحدةً فإن قسمتها ممكنةً بأن يجعل لواحدٍ فهذه [86/ أ] تثبت فيها الشفعةً، وإن لم يكن لها بيت لم تثبت فيها الشفعةً، وأما الحمام إن كان في بيوت واسعةً يمكن قسمتها ويجعل حمامين وجبت الشفعةَ في نصيب أحدهما، وإن كان ضيقًا لا يحتمل القسمةً فلا شفعةً فيه وبه قال ربيعة ومالك في رواية، وروي ذلك عن عثمان رضي الله عنه، وقال الثوري وأبو حنيفة: تثبت الشفعةً في البئر والرحى والحمام، وإن كانت لا تحتمل القسمةً وهو اختيار ابن سريج ولهذا القول وجه، وإن كان خلاف مذهب الشافعي وهو المشهور عن مالك وهذا لأن الشفعةً لأجل الضرر بالمشاركةً والضرر في هذه الأشياء أكثر لأنه يتأبد ضرره والفتوى على هذا اليوم ووجه قولنا: لا شفعةَ فيها أن إثبات الشفعةً فيها يضر البيع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعةً في نصيبه بالقسمة ويمتنع المشتري من الشراء خوفًا من الشفيع فلا شفعةً لهذا المعنى.
وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: "لا شفعة في بئر ولا فحل والأزفُ يقطع كل شفعةً" وأراد بالفحل فحل النخل، وأراد إذا كان للقوم نخيل في حائط توارثوها واقتسموها ولهم فحل نخل في أرض الغير يلقحون منه نخيلهم فباع أحدهم نصيبه المقسوم من ذلك الحائط بحقوقه من الفحل وغيره فلا شفعةً للشركاء في الفحل، لأنه لا ينقسم أيضًا كالبئر سواء والأزفُ المعالم والحدود بين المواضع المقسومةً وأحدها أزفةً ويقال: أزثةً بالثاء.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ثقال: "لا شفعةً في فناء ولا طريق ولا منقبةً ولا ركح ولا رهوةً" والفناء الساحة المتصلةَ بدور القوم فلا شفعةً فيه لأنه ينقسم والمنقبة، قال أبو عبيد: الطريق الضيق بين الدارين أو بين الدور والنقب الطريق الضيق بين الجبلين، والركح ناحيةُ البيت من ورائه وما كان فضاء لا بناء فيه يعني إذا كان للسابلةَ والمارةً أو لأنه مرفق الدار تابع [86/ ب] لها فلا شفعةً فيه بانفراده، والرهوةً الجوبةً تكون في محلةً القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره، وقال ابن أبي أحمد: وفي الرحى والحمام قولان قالهما ابن سريج تخريجًا.
وقال القفال: اختلف أصحابنا في حد ما يحتمل القسمةً فمنهم من قال: حده أن يمكن الانتفاع بكل شقص منه بعد القسمةً على الوجه الذي كان ينتفع به من قبل فعلى هذا لا شفعةً في الرحى والحمام على ما ذكرنا ومنهم من قال: حده أن يمكن الانتفاع به لأنه يمكن الانتفاع ببعض بيوته وساحته من وجهٍ آخر قال: والعبارةَ الصحيحةً عنه أنه إذا كان بحيث لو دعا الدخيل إلى القمةً أجبر عليه الشريك فللشريك فيه الشفعةً لأنه
يأمن بها من مؤونة المقاسمة، وإن كان لا يجبر عليه الشريك فلا شفعة له حتى لو كانت دارًا واسعة غير أن لأحدهما: جزءًا من ألف جزء أو مائة جزٍء فباع ذلك فلا شفعة فيه للآخرين لأن مشتري هذا الجزء لو دعا إلى القسمة لم يجب إليها جبرًا، وإن بيع نصف الدار أو ثلثها تثبت الشفعة وهذا غريب، وقال جماعة أصحابنا بالعراق: حده ما لا تنقص قيمته بالقسمة وقيل: هو ما ينتفع به بعد القسمة وهو ظاهر المذهب وأراد ب المنفعة التي كانت.
فرع
لو كان السقف لأرباب العلو فباع أحدهم نصيبه فيه وجهان أحدهما: وهو الأصح لا شفعة فيه لأنه لا يتبع أرضًا، والثاني: فيه الشفعة لأن السقف كالعرصة وقد قال الشافعي في كتاب الصلح: السقف أرض لصاحب العلو ولأنه إذا جاز أحدهما: حصته من البناء والسقف أمكن سكناه كالأرض.
فرع آخر
إذا كانت أرصُا واسعةً تختص الرحى بموضع منها كأرحاء البصرة في أنهارا فإطلاق بيع الأرض هل يوجب دخول الرحى؟ فيّه ثلاثة أوج أحدهما: تدخل علوًا وسفلاً فعلى هذا تجب الشفعة فيه تبعًا للأرض كالبناء، والثاني: لا تدخل أصلاً فعلى هذا لا شرط فيه وإن شرط في البيع [87/ أ] كالزرع ويأخذ الأرض بحصتها من الثمن، والثالث: يدخل السفل دون العلو فتجب الشفعة في السفل دون العلو، وأما بيت الرحى فداخل فيه والشفعة فيه واجبة كسائر الأبنية.
فرع آخر
إذا بيع الأرض هل يدخل فيه الدولاب تبعًا؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: يدخل كالبناء فيدخل في الشفعة، والثاني: لا يدخل فلا شفعة، والثالث: إن كان كبيرًا لا يمكن نقله يدخل فتجب فيه الشفعة، وإن كان صغيرًا يمكن نقله ليدخل في البيع ولا شفعة وقد ذكرنا ما قال ابن سريج.
فرع آخر
المعدن إذا كان جاريًا كمعادن النفط فحكمه حكم البئر، فإن كان ضيقًا لا يصير ما قسم معدنًا لا شفعة فيه، وإن كان واسعًا، فإن كان نبوعه في أحد جوانبه لا شفعة، وإن كان نبوعه في جميع جوانبه ففيه الشفعة.
فرع آخر
إذا أثبتنا الشفعة فيه، فإن كان ما ينبع منه يجتمع فيه ولا يخرج منه فهل يكون ما اجتمع منه وقت العقد داخلاً في البيع ومأخوذًا بالشفعة؟ وجهان أحدهما: يدخل كاللبن في الضرع ويؤحذ في الشفعة لأنه تبع لما فيه الشفعة، والثاني: لا يدخل في البيع كالثمرة المؤبرة ولا تجب فيه الشفعة وإن شرط في البيع، وإن كان ما ينبع جاريًا لا
يجتمع فيه قال أبو إسحاق: لا يملك إلا بالإجارة، وإذا خرج من معدنه لم يمنع منه الناس، وقال ابن أبي هريرة: في المعدن مملوك قبل إجارته وله منع الناس منه إذا خرج عن معدنه فعلى هذا هل يكون داخلاً في البيع إذا كان ظاهرًا وقت العقد؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
فرع آخر
لو كان المعدن جامدًا كمعادن الصفّر يدخل في البيع ثم ينظر، فإن كانت قسمته ممكنة وتصير كل حصة منه إذا قسمت معدنًا ففيه الشفعة، وإن لم يكن كذلك فلا شفعة.
مسألة: قال: "فأما الطريقُ التي لا تُملَكُ فلا شفعَة فيها ولا بها ".
وهذا كما قال: أراد به الشوارع لا شفعة فيها [87/ ب]، وإن كانت طريقًا إلى الدار المبيعة لأنها غير مملوكة وقوله ولا بها قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: تثبت الشفعة بالطريق إذا كانت غير نافذة وعندنا لا تثبت به الشفعة في الدار المقسومة بحاٍل، وإن كان الطريق مملوكًا فكيف إذا كان غير مملوك؟
فرع آخر
لو كانت عرصة يحيط بها دور وهي مشتركة بين أرباب الدار فهذه مملوكة وبيع كل واحٍد منهم لحصته جائز، فإذا باع أحدهم دار مع حصته من العرصة قال مالك وابن سريج: تجب الشفعة في الدار المحوزة وفي حصتها من العرصة للإشتراك في العرصة، وعند الشافعي لا شفعة في الدار لإجازتها وينظر في العرصة، فإن كانت ضيقة لا تحتمل القسمة لا شفعة، وإن كانت واسعة تحتمل القسمة، فإن كان للدار من غير العرصة طريق تجب الشفعة، وكذلك إن كان للمشتري دار يفتح بابها إليها أو يمكن فتحه إلى شارٍع تجب الشفعة ويأخذ مقدار حقه من الزقاق بما يخصه من الثمن، وإن لم يكن طريق من غير العرصة لا تثبت فيها الشفعة في ظاهر مذهب الشافعي لأن الشفعة تجب لإزالة الضرر وها هنا يؤدي إلى الضرر بالمشتري لأنه يبقى ملكه محبوسًا بلا طريق وهذا الضرر أعظم من ضرر الشفيع ولا يزال الضرر بالضرر.
ومن أصحابنا من قال: في ثلاثة أوجه أحدها: هذا، والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة تجب فيها الشفعة ويبطل استطراق المشتري فيها لأنه دخل على علم تضرره وهذا لا يصح لأنه لو علم هذا لم يرغب في الشراء بحاٍل، والثالث: تجب الشفعة وحق الاستطراق ثابت فيها بغير ملك ليزول الضرر عنهما، وعلى هذا الوجه لو باع دارًا ليس لها طريق كان البيع باطلاً وعلى قول ابن أبي هريرة يجوز وهذا ضعيف أيضًا لأنه يستحيل أن ينتقل الملك إلى الشفيع [88/ أ] ويستحق عليه الاستطراق وإذا استحق ذلك