كتاب الشركة
تحريت فيها مذهب الشافعي رحمة الله عليه.
قال المزني رحمه الله: "الشركةُ من وجوٍه".
الفصل
وهذا كما قال: الأصل في الشركة وجوازها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: 41] فأضاف الغنيمة إلى الغانمين ثم قطع منها الخمس لأهله فحصلت أربعة أخماس مشتركة بين الغانمين [43/ ب] والخمس مشترك بين أهله.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [ص: 24].
والخلطاء هم الشركاء.
وأما السنَّة ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان له شرك في رَبْعٍ أو حائط فلا يبعه حتى يُؤذن شريكه 1. وروي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان نسيئة فردوه" 2. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا" 3. وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله تعالى: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان احدهما صاحبه خرجت من بينهما" 4 رواه أبو هريرة رضي الله عنه.
وروى مجاهد أن قيس بن السائب رضي الله عنه قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان شريكي في الجاهلية وكان خير شريك لا يشاري ولا يماري" 5 المشاراة اللجاج.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في جوازها.
فإذا تقرر هذا ذكر المزني أنه تحرى كتاب الشركة على مذهب الشافعي وهذا يوهم أنه ليس للشافعي شيء في الشركة
الجزء: 6 - الصفحة: 3
وليس كذلك لأن للشافعي كتاب الشركة في اختلاف العراقيين ونقل الربيع والبويطي شيئًا منها.
وقيل: قوله الشركة من وجوه غلط بل الصحيح إذا شركة من وجه واحد وهو أن يجعلا شريكين في المال، وإنما أسباب الشركة كثيرة من الإرث والهبة للجماعة والغنيمة والشراء، بين جماعة.
ولأنه ذكر وجوهًا وكلها جهات الشيوع لا حقيقة ما يسمى شركة، فإن اسم الشركة في الشريعة وعرف اللسان يقتضي مع الشيوع صفة أخرى وهي أن يأذن كل واحد منهما للآخر في التصرف، وجملة ذلك أن الشركة مباحة إذا كان الشريكان مسلمين فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا كرهناه، سواء كان المتصرف المسلم أو الكافر.
وحكي عن الحسن البصري [44/ أ] رحمه الله أنه قال: إن كان المتصرف المسلم لا يكره وان كان المتصرف الكافر أو هما كره لأن الكافر يتصرف في المباح والحرام بخلاف المسلم وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أكره أن يشارك المسلم اليهودي والنصراني والمجوسي لأنهم يربون والربا لا يحل ولا مخالف له.
ولأن مال اليهود ليس بطيب فإنهم يبيعون الخمور ويتعاملون بالربا فكرهت مشاركتهم.
ثم أعلم أن الشركة على ستة أضرب في الرقاب والمنافع، وفي الرقاب دون المنافع، وفي المنافع دون الرقاب.
وفي المنافع المباحة، وفي حقوق الأبدان، وفي حقوق الأموال.
فأما التي في الرقاب والمنافع معًا: فالشركة في الأعيان المملوكة كالعقار والحيوان والنيل والبغال والحمير والثياب ونحو ذلك.
وأما في الرقاب دون المنافع وفي المنافع دون الرقاب بأن يوصى لجماعة بمنفعة دارٍ على التأبيد فتكون المنفعة دون الرقبة مشتركة بين الموصى لهم بها والرقبة دون المنفعة مشتركة ين الورثة.
واختلف قول الشافعي في الوقت على قولين: أحدهما: تنتقل رقبة الوقف إلى الله تعالى لا إلى مالك فعلى هذا يكون أهل الوقف شركاء في المنافع دون الرقاب.
والثاني: أنها تنتقل إلى الموقوف عليه فعلى هذا يكون أهل الوقف شركاء في المنافع والرقاب معًا.
وأما الشركة في المنافع المباحة فهي مانع الكلب إذا مات وله ورثة وخلف كلابًا كانوا شركاء في منافعها والمنفعة غير مملوكة لهم لأنها لا تضمن بالغصب.
وهكذا لو أوصى بمنفعة كلب لجماعة.
وأما الشركة في حقوق الأبدان فالقصاص، وحد القذف إذا ورثوا قصاصًا أو حد قذف كانوا فيه شركاء، وإنما يختلفان من وجه وهو أن القصاص حق لهم ولكل واحٍد منهم قدر نصيبه من الميراث، وحد القذف حق لهم ولكل واحٍد منهم تمامه حتى لو ترك واحد منهم حقه كان للباقين الاستيفاء، ولو عفا عنه الكل إلا واحدًا كان لذلك الواحد أن يستوفيه.
وأما الشركة في حقوق الأموال: فالآخذون بالشفعة يستحقون [44/ ب] الشفعة بالشقص الذي هو شركة بينهم.
والقصد من هذا الكتاب الشركة لابتغاء الفضل
الجزء: 6 - الصفحة: 4
بالتصرف وكل هذه الأقسام يرجع إلى قسمين شركة في الأعيان، وشركة في المنافع، وكلها ينقسم قسمين: أحدهما: شركة تحصل بين قوم بغير اختيارهم وهو الميراث.
وشركة لا تحصل بغير تراضٍ وهي ما عدا الميراث إلا أن يختلط مالان فيكون المالان شركة بينهما بغير اختيارهما.
وقيل: الشركة من ثلاثة أوجه في الأعيان، وفي المنافع وفي الحقوق.
فالذي في الأعيان من وجوه شركة التجارة بالشراء، مشتركًا والهبة والميراث وفي المنافع والحقوق ذكرنا.
ومن جملتها حق الرد بالعيب وخيار الشرط ونحو ذلك.
وذكر المزني بيان القسمة ها هنا وليس هذا موضعه ولكنا نشير إلى طرف منها فالقسمة جائزة في الأموال المشتركة ولا يفتقر فيها إلى لفظ بيع كما قسم - صلى الله عليه وسلم - خيبر من غير بيع.
والقرعة جارية في كل قسمة تشبه قسمة الغنائم وإنما تجوز فيما يحتمل القسمة، فإن ما لا يحتملها تؤدي القسمة فيها إلى إضاعة المال.
وإنما يقسم إذا دعا بعض الشركاء، إلى القسمة ولا يجبر الحاكم عليها قبل ذلك.
وقال: لا يجوز قسمة رقاب الأوقاف، وعلل بأنه ارتفع الملك عنها وهذا يوهم أنا إذا حكمنا بالملك للموقوف عليهم جازت لهم القسمة وليس المذهب هكذا بل هم ممنوعون عن قسمة الرقبة على جميع الأقاويل.
ومعنى قوله: لارتفاع الملك عنها أي لارتفاع الملك الكامل عنها، ونحن وإن حكمنا بالملك لهم في أحد القولين فهو موصوف بالضعف، ألا ترى أنه لا يستحق به الشفعة والقسمة حتى لمن تكامل ملكه؟! فإن تراضوا على المهايأة للسكنى سنة فسنة فلا بأس لأن المهايأة قسمة المنافع وملك لهم على الإطلاق.
وقوله: (سنة فسنة) ربما يوهم ذلك تقديرًا بالسنة وليس كذلك إليهم في السكني، فإن شاءوا زادوا وإن شاؤوا نقصوا.
وتلطف المزني فنص على المدة الطويلة في المهايأة تنبيهًا على جوازها في المدة القصيرة، إذ لو نص على المدة القصيرة لم يحصل التنبيه على المدة الطويلة.
وإن كانت أرضًا تزرع فالمهايأة على مدة لإمكان الزراعة والحصاد لتتوفر الفائدة [45/ أ) وأما غلة الأوقاف من ثمارها وأجرتها تجوز قسمتها بلا إشكال.
مسألة: قال 6: والذي يشبه قول الشافعي أنه لا تجوز الشركة في العروض.
الفصل
وهذا كما قال: هذا نص قول الشافعي رحمة الله عليه في "البويطي" ولكن ذكره المزني من عنده، وجملته أن العَرَض بفتح الراء كل ما يتمول من النقود وغير النقود.
والعَرْض بسكون الراء، كل ما يتمول إلا النقود وبفتح الراء أعم.
وجملته أن الأموال في الشركة على ثلاثة أضرب نقود، وعرض لا مثل له وعرض له
الجزء: 6 - الصفحة: 5
مثل، فأما النقود: فالشركة فيها جائزة إذا كان المالان على صفة لا يعرف مال أحدهما عند الخلط عن الآخر.
فأما العرض الذي لا مثل له كالثياب والعقار والحيوان فلا تصح فيها الشركة، فإذا كان لكل واحد منهما عبد أو ثوب ونحو ذلك فالشركة فيها لا تصح بعقد الشركة فإن قالا: اشتركنا في هذين العبدين أو الثوبين ولم تنعقد الشركة، وبه قال جماعة العلماء.
وقال ابن أبي ليلى: تصح الشركة في العروض كلها، وحكي عن مالك أنه قال: تصح الشركة في العروض كلها إلا فيما فيه الربا من الحنطة والشعير.
وحكي عنه أنه قال: تصح ويكون رأس المال قيمتها واحتج بأن مقصود الشركة أن يملك أحدهما نصف مال الآخر وتكون أيديهما عليه وهذا موجود في العروض فتصح الشركة فيها وهذا غلط لأن هذه الشركة لا تخلو إما أن تكون واقعة على أعيانها، أو على أثمانها، أو على قيمتها فلا يجوز الأول لأن الشركة توجب أن لا يتميز مال أحدهما عن الآخر وأن يرجع عند المفاصلة إلى رأس المال ولا مثل لها فيرجع إليه وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو تنقص قيمته فيؤدي ذلك إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس يربح، وان ما يتلف من مال الشركة يختصر به أحدهما وهو مالك العين ولا يجوز أن تكون واقعة على أثمانها لأن ذلك يكون مضاربة معلقة بشرط وهو بيع الأعيان، ويكون أيضًا عقد الشركة على ما لا يملكان حال العقد ويكون أيضًا عقد الشركة على مجهول، ولا يجوز أن تكون واقعة على قيمتها لمثل هذا المعنى فدل أنها باطلة فيها وهذا جواب [45 / ب] عما ذكره من الدليل.
فإذا تقرر هذا فإن أحبا أن يكونا شريكين فيها بغير عقد الشركة صح من وجود أحدها: ما قاله المزني: يشتري نصف عبد صاحبه بنصف عبد نفسه، فإذا تبايعا صار العبدان بينهما ويجب أن يتعاقدا البيع من غير شرط تصرف كل واحد فيه فإن ذلك يفسد البيع، ثم إذا تعاقدا البيع من غير شرط إذن كل واحٍد منهما لصاحبه في التصرف في العرضين جميعًا ويكون تصرف كل واحٍد منهما بحسب إذن صاحبه على ما بيناه.
وهذا إذا اتفقت القيمتان، فإن اختلفت القيمتان فكانت قيمة أحدهما ألفًا وقيمة الأخر ألفين، فالوجه أن يشتري ثلثي العبد الذي قيمته ألف بثلث عبده الذي قيمته ألفان فيكون العبدان شركة بينهما لأحدهما ثلث العبدين، وللآخر ثلثا العبدين.
وقول المزني: "ويتقابضا" لم يرد به أن القبض شرط في صحة البيع، وإنما ذكره لأنه شرط في الشركة فإن كل واحد من الشريكين يتصرف في جميع مال الشركة ولا يصح ذلك قبل القبض منه أو من وكيله.
ثم لو باعا عرضيهما بعد التقابض فربحا فالربح بينهما على قدر المالين.
ولو حبسا ماليهما فارتفعت السوق فهما في ارتفاع السوق سواء ويحتمل أن يكون مراد المزني بالحبس التحبيس وهو الوقف والله أعلم.
ولو عارضا ذلك بعرض آخر
الجزء: 6 - الصفحة: 6
فهما في ملك العرض الثاني سواء لأنهما كانا في العرض سواء.
ثم اختلف أصحابنا في أنهما هل يفتقران إلى العلم بقيمة العرضين؟ على وجهين:
أحدهما: يفتقران إليه ليعلما ما يحصل لهما من فضل أو يرجع عليهما من عجز.
والثاني: لا يفتقران إليه لا ليعلما ما يحصل لهما من فضل أو يرجع لأنهما لما
تساويا في ربحه ونقصه لم يكن بهما حاجة إلى تمييز الربح من الأصل، فإن قيل: لم قيد المزني أصل المسألة بالنصف وما معنى التقدير به، ولو تبايعا ثلثًا بثلثين أو ثلثًا بثلث جاز.
قلنا: لا بد للمصنف من عبارة الإفهام فإن عاد قال: نصفًا بنصف، وإن شاء قال: بعضًا ببعض ولو قال: بعضًا ببعض كان أولى وأعم ولكنه لعله أراد أن يفرغ عليه قوله لا فضل لأحدهما على الآخر في الربح فصور المسألة في المناصفة ليستقيم [46/ أ] التفريع.
فإن قال قائل: ما معنى قول المزني: ولا تجوز الشركة في العروض ولا فيما يرجع في حال المفاصلة إلى القيمة العروض؟.
قلنا: ليس كذلك وله بالعروض مقصود وهو ما سوى النقود وبقوله: ما يرجع في حال المفاضلة إلى القيمة مقصود آخر وهو النقود المختلفة وذلك أن بضاعة أحد الشريكين لو كانت دنانير هروية وبضاعة الآخر دنانير نيسابورية لم تجز الشركة بينهما لأنهما وإن خلطتا كانتا ممتازتين، وكذلك إذا كانت إحديهما مكسرة والأخرى صحيحة أو إحديهما عتيقة والأخرى حديثة فيحتاج إلى التقويم عند المفاصلة لإيصال كل واحد منهما إلى حقه.
وعند أبي حنيفة يجوز، وإن اختلفا في الجنس والنوع والصفة.
وقال أيضا: يجوز وإن كان لأحدهما دنانير وللآخر دراهم لأنهما يجريان مجرى الجنس الواحد.
وقيل: في لفظ المزني خلل لأنه قال في أول الكتاب: الشركة من وجوه الغنيمة ونظائرها، ثم قال: والذي يشبه قول الشافعي أنه لا تجوز الشركة في العروض، ومعلوم أن الغنائم والمواريث قد تكون عروضًا، ومراد المزني بما ذكر في أول الباب بيان شيوع الأملاك ومراده في هذا الموقع شركة التصرف وكان ينبغي أن يهذب الألفاظ فيقول بعدما ذكر وجوه الشركة: لا تصح شركة التصرف في العروض ليستقيم ذلك.
والوجه الثاني ذكره البصريون: أن يشتري نصف عبد صاحبه بمائة ويبيع من صاحبه نصف عبده بمائة ويتقاصان الثمن أو يتباريانه فيبقى العبدان شركة بينهما وهذا قريب مما قاله المزني، وما قاله المزني أحصر.
والوجه الثالث ذكره البغداديون أن يكون لكل واحٍد منهما عرض فيشتركا في شراء متاع بثمن في ذمتهما ثم يدفع كل واحٍد منهما عرضه بما عليه من ثمن المتاع، وهذا في الحقيقة لا يكون شركة في العروض بل هو شركة في المتاع بثمن في الذمة وكان العرض عوضًا فيه، وذكر أبو العباس ابن سريج: هذا الوجه أن يكون لكل واحٍد منهما عبدًا فيشتريان عبدين بألف فيكون على كل [46/ ب] واحٍد منهما من الثمن خمسمائة
الجزء: 6 - الصفحة: 7
فيعطي كل واحد منهما عبده الذي ينفرد به بما عليه من الثمن فيكون العبدان المبيعان بينهما وهذا يصح إذا وقع الشراء مطلقًا ونقد كل واحٍد منهما ما عليه، فإن كان على شرط لا يصح.
وإن كان لكل واحٍد منهما عبد فاشتريا بهما ثوبًا فقد ذكرنا في صحة البيع قولين:
أحدهما: لا يجوز لأنه تتفاوت قيمة العبدين ولو بأدنى شيء فلا يدري كل واحٍد منهما كم حصته من الثوب وقت الشراء.
والثاني: يجوز ثم يوزع الثوب على قيمة العبدين، ثم يصيران شريكين في الثوب شركة صحيحة.
وقد قال ابن سريج: القولان فيه كالقولين في الصداق إذا تزوج أربع نسوة على صداق واحد.
وقال أبو إسحاق: هذا باطل قولًا واحدًا، والفرق أن الصداق تبع لعقد النكاح الذي لم يكن للإجماع تأثير في فساده فكان الصداق بمثابته وها هنا الثمن المقصود والجهالة فيه تمنع صحته فافترقا.
وأما العروض التي لها مثل كالحبوب والأدهان والتمور اختلف أصحابنا فيه، قال ابن سريج وأبو إسحاق: يجوز فيها الشركة كالأثمان لأن الحنطة إذا اختلطت بالحنطة تعذر التمييز، ويؤمن فيه المعاني التي ذكرناها فيما لا مثل له لأنه متى تغيرت قيمة أحدهما تغيرت قيمة الأخر ويفارق المضاربة لأنه ربما يزيد قيمة جنس رأس المال فينفرد رب المال بجميع الربح، وذلك لا يجوز، وهذا أصح وهو ظاهر كلام المزني لأنه قال: "ولا فيما يرجح في حال المفاصلة فيه إلى القيمة" فدل أنها تصح فيما يرجع فيه إلى المثل.
ومن أصحابنا من قال: لا تجوز فيها الشركة وهو ظاهر المذهب؛ لأنه قال في "البويطي": ولا تجوز الشركة إلا في الدراهم والدنانير، وهذا لأنها ليست بنقد فلا يجوز فيها عقد الشركة كما لا تجوز المضاربة وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
فرع
قال أبو حامد في "الجامع": "تصح الشركة في كل شيء يتقارب أجزاؤه ويختلط ولا يتميز إذا كانت قيمة ما يختلط به سواء"، وهذا لأن قيمة أحدهما إذا كانت أكثر فخلطاهما نقصت قيمته بالخلط، ولا يجوز أن يشترط فيما يلحقهما ضررًا بالشركة فإن كانت حنطتان قيمة إحداهما أكثر من قيمة الأخرى [47/ أ] فخلطاهما لم يكونا شريكين شركة التجارة حتى يبيعا، فإذا باعا كان الثمن مشتركًا بينهما، فإذا أذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في نصيبه نفسه صارا شريكين.
فرع آخر
لا تجوز الشركة في الفلوس والمزيفة والزرنيخة والدراهم المغشوشة، لأن الفضة فيها مجهولة ويجب أن يكون مال الشركة معلومًا.
فرع آخر
متى صححنا الشركة بينهما فلكل واحٍد منهما أن يتصرف في قدر ملكه بما شاء من
الجزء: 6 - الصفحة: 8
التصرف، وفي النصف الذي لشريكه لا يتصرف إلا بالإذن صريحًا على ما ذكرنا.
وقال في "الإفصاح": إذا قالا: نتشارك في هذين المالين وفعلًا ذلك وخلطا يجوز لكل واحٍد منهما أن يتصرف في نصيب شريكه من غير تجديد الإذن لأن قولهما: نتشارك يحمل على الشركة الصحيحة وهي إطلاق التصرف لكل واحٍد منهما في جميع المال.
قال: ولأن فائدة عقد الشركة هذا وإلا فالاشتراك حاصل باختلاط المال قبل العقد وهذا هو العرف في موضوع اللفظ، وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار ابن سريج، والمذهب المنصوص ما ذكرنا لأن حدوث الشركة في المال لا يوجب التصرف في جميعه كما لو ورثا مالًا.
فرع آخر
إذا أذن أحدهما لصاحبه في التصرف نظر، فإن كان إذنًا مطلقًا بأن قال: تصرف بما شئت من أنواع التصرف تصرف فيما شاء.
وإن قيد فقال: لا تتجر إلا في النوع الفلاني اختص بذلك النوع، وسوا، كان ذلك مما يعم وجوده أو لا يعم ويفارق القراض حيث قلنا: لا يجوز إلا فيما يعم وجوده لأن القصد منه حصول الربح والفضل، فإذا كان مما لا يعم وجوده لا يحصل المقصود، والقصد من الشركة الإذن في التصرف فيجري مجرى الوكالة وهذا يحصل فيما لا يعم وجوده.
فرع آخر
لو أذن أحدهما لصاحبه دون الآخر فالذي لم يؤذن له يتصرف في ملك نفسه فحسب والمأذون يتصرف في الكل على ما ذكرنا.
فرع آخر
لا يجوز لواحد منهما أن يسافر بالمتاع إذا كان الإذن مطلقًا في التصرف، فإن أذن له في السفر جاز له أن يسافر به في الأسفار المأمونة في الغالب.
مسألة 7: قال: وشركة المفاوضة [47/ ب] عند الشافعي رحمه الله لا تجوز.
الفصل
وهذا كما قال: شركة التجارة على أربعة أضرب: أحدها: شركة العنان.
والثاني: شركة المفاوضة.
والثالث: شركة الأبدان.
والرابع: شركة الوجوه:
فأما شركة العنان فحكمها يأتي.
وأما شركة المفاوضة فاشتقاقها من التفويض بغير التوكيل فهي باطلة، وبه قال جماعة العلماء.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: هي صحيحة.
وحكى أصحاب مالك عنه أنها جائزة في الجملة.
وصورتها عند أبي حنيفة أن يكونا حرين مسلمين ويخرج كل واحٍد منهما جميع ما
الجزء: 6 - الصفحة: 9
يملكه من ورق وعين ويكونا في الربح متساويين ويكون مالهما سواء ويقولان: تفاوضنا شركة المفاوضة أو تشاركنا شركة المفاوضة تم بموجبها أن كل ما لزم أحدهما هن ضمان أو إتلاف مال بالغصب كان الآخر شريكًا فيه إلا في الجناية على الأحرار فقط وكل ما استفاده أحدهما من وجوه التجارة كلها كان بينهما.
وإن كان من غير التجارات كالصيود والهبات والميراث نظر، فإن لم يكن من جنس الأثمان فهما على الشركة، وإن كان من جنس الأثمان فهما على نفس الشركة ما لم يقبضه فإذا قبضه زالت المفاوضة وصارت شركة عنان.
قال: ولا تجوز بين حر ومكاتب، ولا بين مسلم وذمي ولا عند تفاوت ماليهما ولا عند اشتراط تفاضل الربح، ولا يجوز أن ينفرد أحدهما بشيء من النقود خارجًا عن الشركة.
قال الشافعي 8 رحمة الله عليه: لو كانت شركة المفاوضة صحيحة فليس في الدنيا عقد باطل ما القمار إلا هذا أو القمار أقل منه.
واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة".
وروي أنه قال: "فاوضوا فإن في المفاوضة بركة" وهذا غلط لأنها شركة لا تصح بين حر ومكاتبة، ولا بين مسلم وذمي، ولا عند تفاضل المال فلا يصح أصلًا وفيها غرر من وجوه ويشتمل على عقود باطلة فلا وجه لتجويزها.
وأما الخبر: غير معروف، وإن ثبت أراد المفاوضة في الحديث والمشاورة والمناظرة في العلوم وفي هذا المعنى قال عليه السلام: "لا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان".
ولو خالفا واشتركا على ما قال أبو حنيفة رحمه الله [48/ أ) كان لكل واحد من الربح بقدر ماله ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بأجرة مثل عمله على ماله.
وأما شركة الأبدان فباطلة وصورتها يشترك صانعان على أن يعملا فما رزق الله تعالى من فضل كان بينهما كالنجارين والحائكين والخياطين ونحو ذلك فكله باطل سواء اتفقت الصنعتان أو اختلفتا.
وقال أبو حنيفة: يصح ذلك بكل حال إلا في الاحتطاب والاحتشاش والاغتنام.
وقال أحمد: يجوز في جميعها.
وقال مالك: يجوز مع اتفاق الصنعتين، ولا تجوز مع الاختلاف لأن الحاجة تدعو إلى ذلك في الصنعة الواحدة ويتقارب الكسبان فيها.
وهذا غلط لأنها شركة على غير مال فلا تجوز كما لو اختلف الصنعتان وهذا على مالك.
وكما لو كان في الاحتشاش ونحوه وهذا على أبي حنيفة.
وأما ما ذكره لا يصح لأنه لا حاجة إلى هذه الشركة ويكفي جواز الاستعانة بالإجارة وإذا كانت الصنعتان متفقتين قد يختلف كسبهما ويتقارب عند اختلاف الصنعتين فلا اعتبار بما ذكره.
واحتج أحمد بما روي "أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر رضي الله عنهم اشتركوا فيما يغنمونه فأتى سعد بأسيرين ولم يأتيا بشيء فشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما" 9. وهذا غلط لما ذكرنا، ولا حجة في هذا الخبر "لأن
الجزء: 6 - الصفحة: 10
غنائم بدر كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان له أن يدفعها إلى من يشاء" فدفعها إليهم لهذا.
وقال بعض أصحابنا: للشافعي قول آخر إنه تجوز شركة الأبدان، لأن الشافعي قال في كتاب "الإقرار": ولو أقر أحد الشريكين على صاحبه بمال لم أقبل إقراره، سواء كانا شريكين في المال أو العمل.
وقال ابن أبي هريرة: فَرّع الشافعي هذا على قول من أجاز شركة الأبدان دون مذهب نفسه.
أو أراد اشتركا في المال على أن يعملا جميعًا فيه مناعة واحدة فالمسألة على قول واحد أنها لا تجوز.
فإذا تقرر هذا، فلو اشتركا وعملا لا يخلو عملهما من أحد أمرين، إما أن يكون عمل كل واحٍد منهما متميزًا عن عمل صاحبه أو غير متميز، فإن كان متميزًا مثل أن يكون أحدهما خاط قميصًا والآخر قميصًا آخر أو نجر أحدهما بابًا والآخر [48/ ب] بابًا آخر أو حاك أحدهما ثوبًا والأخر ثوبًا آخر فإن لكل واحدًا منهما أجرة ما عمله لا يشاركه صاحبه فيها، وإن كان غير متميز مثل أن يكونا نجرا بابًا واحدًا أو نسجا إزارًا واحدًا، أو خاطا ثوبًا واحدًا قسما الأجرة على قدر أجور أمثالهما.
وأما شركة الوجوه: فهي أن يكون رجلان وجيهان في السوق يشتركان على أن ما يشتري كل واحد منهما ويبيعه بجاهه يكون بينهما نصفين.
ومن أصحابنا من قال: تفسيرها أن يكون رجل وجيه في السوق قال لآخر لا جاه له: أنا آخذ المتاع بجاهي وأعطيك حتى تتصرف فيه ويكون ما يحصل من الربح بيننا نصفين، فأحدهما يحصل المتاع، والآخر يتصرف فيه، ويكون من أحدهما الشراء ومن الآخر البيع.
وقد ذكرهما صاحب "الإفصاح" على الاختصار فقال: شركة الوجوه أن يقول: مني المال ومنك التصرف، أو يكون ما يكتسب بجاهه فهو بينهما فعندنا لا تجوز هذه الشركة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه أجازها وقيل: هي أن يكون الرجل ذا جاه فيقول لغيره: اشترِ على جاهي متاعًا والربح بيننا.
وتسمى شركة الجاه أيضًا.
وقيل شركة الجاه أن يكون الجاه لأحدهما وشركة الوجوه أن يكون الجاه لهما.
وهذا خلاف في العبارة والحكم فيهما سواء وهو البطلان والعلة ما ذكرنا في شركة الأبدان.
فإذا تقرر هذا فإن اشتركا هكذا وتصرفا لا يخلو حال مشتري المتاع، فإن اشتراه لنفسه فهو مالك له ولا شيء للآخر في ربحه ولا عليه خسرانه.
وإن اشتراه كله لصاحبه لا يصح، لأنه أذن له في شراء نصفه، ويكون الشراء لازمًا له في النصف الزائد على القدر الذي أذن له فيه، والنصف المأذون فيه يلزم الآمر على الشروط التي يذكرها، ولا يخرج على قولي تفريق الصفقة لأن الصفقة لم تختلف في الصحة والفساد.
وإن اشتراه بينهما فهو في النصف مشتر لنفسه فلزمه وفي النصف الآخر في حكم المشتري لموكله فيصح بثلاثة شرائط: أن يكون وصف له النوع الذي يتجر فيه سواء كان نوعًا واحدًا أو أنواعًا لأن الإذن في شراء ما لم يوصف باطل.
والثاني: أن يقدر له المال الذي يشتري به لأن ما لم يقدره لا نهاية له بخلاف [49/ أ]
الجزء: 6 - الصفحة: 11
شركة المال والقراض فإن المال مقدر فلا نحاج إلى تقديرهما بالذكر.
والثالث: أن ينوي في عقد الشراء أنه له ولصاحبه سواء كان المأذون في ابتياعه معيًا أو لا.
وقال أبو حنيفة: إن كان معينًا مثل إن قال: اشتر لي هذا العبد صح الشراء للموكل بغير نية وهذا غلط قياسًا على غير المعين.
وأما ما يشتريه المضارب والشريك في المال يحتاج إلى نية أنه في مال المضاربة والشركة.
ثم إذا صح الشراء لهما بهذه الشرائط فللمشتري على شريكه نصف أجرة مثله فيما اشترى وباع.
وقال أبو حنيفة: ليس لواحٍد منهما أجرة عمله لأن العمل في الشركة لا يقابل شيئًا من الربح فلم يكن لوجوده تأثير.
وهذا غلط لأن حكم الشركة إذا زال بفسادها غلب فيها حكم الوكالة على عوض فاسد، وذلك موجب لأجرة المثل.
وإذا صح الشراء لأحدهما فدفعه إلى صاحبه وتصرف فيه فإن جميع الثمن بما فيه من الربح لصاحبه وله أجرة مثله عليه فيما عمله.
وأعلم أنه على التفسير الأول كل واحٍد منهما يشتري، وعلى التفسير الثاني أحدهما يشتري، والحكم على ما ذكرنا فيما يكون مأذونًا وما لا يكون مأذونًا.
مسألة 10: قال: والشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد منهما دنانيير مثل دنانير صاحبه.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في الشركة الرابعة وهي الشركة الصحيحة وتسمى: شركة العنان، وأجمع العلماء على صحتها.
واختلفوا في معنى تسميتها بالعنان فمنهم من قال: العنان المماثلة والمساواة يعني تساويًا فيها كتساوي عناني فرس الرهان عند الابتداء بالسير يقفان معًا لا يسبق عنان أحدهما عنان صاحبه.
وقيل: معناها المساواة أيضًا ولكن فتاوى عناني فرس الرهان في السير والكَرّ والإجهاز إذا تسابقا تساويا في التمكن من التصرف في العنانين.
وقيل: هي مشتقة من عنَّ الشيء إذا عرض فكل واحد من الشريكين عنَّ له أن يشارك صاحبه.
أو جعل كل واحد لصاحبه أن يتجر فيما عنَّ له أي عرض.
وقيل: معناه أن عنان الدابة يقصرها على تصرف مخصوص كذلك المال في شركة العنان يقصر [49/ب] على التصرف المخصوص فليس لأحدهما أن يتصرف ولا يهب منه بعد أن كان ذلك له قبل الخلطة.
وقال أهل اللغة: العنان من المعانة وهي المعارضة والمعارضة المساواة ومنه قيل: تعارض الخبران والقياسان يعني تساويا، والعنان مأخوذ من هذا، وهو أن سيريه يتساويان معًا، وعان كل واحد منهما صاحبه وكل واحد من الشريكين عارض صاحبه بمثل ماله وفعاله.
والأصل فيها شركة المساواة والمماثلة.
وقال أهل العراق: اشتقاقها
الجزء: 6 - الصفحة: 12
من العناء فإن الفارس إذا ركب كانت إحدى يديه في العنان والأخرى يتصرف فيها كيف شاء، كذلك مالهما الذي في الشركة مقصور على الشركة وما بقي يتصرف فيه كيف شاء، كذلك وفرق بينها وبين المفاوضة التي لا تصرف لأحدهما في غير شركة المفاوضة لأنه لا يجوز أن يكون لأحدهما مال من جنس الأثمان خارجًا عنه.
وجملته: أنها لا تصح إلا بأربع شرائط: إحداها أن يكون ما يخرجه كل واحٍد منهما مثل ما يخرجه الآخر جنسًا ونوعًا وصفًة وصفة الجنس أن يكون دراهم أو دنانير أو لا يكون منهما.
وصفة النوع أن يكون سكة واحدة راضية أو غزية أو نيسابورية ولا يكون بعض من واحد أو بعض من آخر.
والصفة أن تكون صحاحًا أو مكسرة ولا يكون منهما وهذا لأنهما لا يختلطان والخلط شرط عندنا.
وقال مالك: لا يشترط الخلط ولكن يشترط أن تكون يدهما على المالين، أو يد وكيلهما وهذا غلط لأنهما إذا كانا متميزين فمال كل واحدٍ منهما يتلف منه دون صاحبه فلا تنعقد الشركة كما لو لم يكن في يدهما.
وهل تفتقر هذه الشركة إلى وجود المماثلة في المقدار؟
قال عامة أصحابنا وهو المذهب: لا تفتقر إليه ويجوز التفاضل فيه فيكون لأحدهما ألف وللآخر ألفان.
وقال أبو القاسم الأنماطي: لابد فيها من المماثلة في القدر، لأن الشافعي رحمه الله قال: والشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد منهما دنانير مثل دنانير صاحبه، ولم يفرق بين الصفة والمقدار وهذا لأنهما يتفاضلان في الربح على استوائهما في العمل فكما لا يجوز التفاضل [50/ أ] في الربح مع التساوي في المال، لا يجوز التفاضل في الربح مع التساوي في العمل.
وهذا غلط لأن العمل في الشركة تابع للمال والمال هو الأصل فلم يصح اعتبار العمل بالمال.
ومراد الشافعي بما ذكر المثل في الجنس والصفة دون القدر.
والشرط الثاني: في خلط المالين، فلو اشتركا ولم يختلطا لم يجز على ما ذكرنا.
وقيل: يشترط خلط المالين ثم العقد فيقولان: اشتركنا بعدما خلطنا.
والثالث: أن يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، ولو خلطا ولم يأذنا في التصرف لا يجوز التصرف وقد ذكرنا.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يشترط تعيين النوع الذي يتصرفان فيه خلافًا لأبي حنيفة.
وأما قول المزني: فإن اشتريا لا يجوز أن يبيعه أحدهما دون صاحبه أراد أنهما لو خلطا المالين واشتريا شيئًا معًا من رجل لا يجوز لأحدهما أن يبيع ذلك الشيء إلا بإذن صاحبه، وقد صرح المزني بهذا في "الجامع الكبير".
ومن أصحابنا من قال: هذا راجع إلى شركة العروض، ومعناه إذا باع أحدهما نصف عرضه بنصف عرض صاحبه لا يجوز لأحدهما أن يبيع دون صاحبه والأول أصح.
ثم قال المزني: "فإن جعل كل واحٍد منهما لصاحبه أن يتجر في ذلك كله بما رأى من أنواع التجارات قام في ذلك مقام صاحبه فما ربحًا أو خسرًا فلهما وعليهما نصفين".
فإن قال قائل: كيف قام مقام صاحبه وصاحب الملك يبيع بما عز وهان من
الجزء: 6 - الصفحة: 13
الثمن فينبغي أن يجوز له البيع أيضا بما عز وهان من الثمن؟ قلنا: معنى قوله: قام مقام صاحبه في أمل جواز البيع لا في صفة البيع والمحاباة.
ولو قال: بع بما ترى أو تصرف ما ترى يجب مراعاة النظر فلا يجوز له أن تبيع بالمحاباة ولا بما يتغابن الناس بمثله، ولو قال: به بما شئت له أن يبيع بالمحاباة.
فإن قال قائل: ما الفرق بين قوله: "بعْ ما ترى" وبين قوله: "بع بما شئت" وكل واحد منهما تفويض إلى مراده؟.
قلنا: الفرق أنه إذا قال: بع بما شئت ظاهره الرضا بمشيئتهء وإذا قال: به بما ترى فقد وكله إلى الرأي والرأي هو الاجتهاد.
على أنه إذا قال: بع بما شئت والحال تدل على أن مراده بما شئت من نقد أو عرض [50 / ب] وليس المراد الغبن والمحاباة ليس له المحاباة، فإن لم تدل قرينة الحال ومقامة اللفظ على ذلك فظاهر اللفظ أنه خيره من جميع الوجوه.
والرابع: أن يكون الربح على قدر المالين فإن شرطا التفاضل في الربح مع التساوي في قدر المال أو التساوي في الربح مع التفاضل في قدر المال فالشركة باطلة وبه قال مالك، لأن المال هو الأصل في الشركة والربح في مقابلته والعمل تابع له بدليل أنهما إذا أطلقا عقد الشركة كان الربح على قدر المالين، فإذا شرطا شرطًا يخالف مقتضى عقد الشركة فسد الشرط وتفسد به الشركة ومن أصحابنا من قال: يفسد الشرط وتصح الشركة حكاه القاضي الطبري.
قال أبو حنيفة: يجوز شرط التفاضل والنقصان في الربح بخلافه رأس المال، ولا يجوز شرط التفاضل والنقصان في الخسران.
وقال ابن أبي ليلى: يجوز الشرط في الربح والخسارة.
فإذا تقرر هذا هل يكون بطلان شرط التفاضل فيها موجبًا لبطلان الشركة على معنى بطلان الإذن في التجارة بالمال المشترك وجهان:
أحدهما: أنه يبطل الإذن لبطلان الشرط فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف، فإن تصرفه كان كمن تصرف في مال مشترك عن شركة فاسدة.
والثاني: أن اشتراط التفاضل وإن بطل بالشرع لا يوجب ذلك بطلان الإذن فيجوز أن يتجر كل واحٍد منهما بجميع المال ويكون الربح مقومًا بالحصص.
وعلى هذا إذا عملا اقتسما الربح على قدر المالين ويثبت لكل واحد منهما على صاحبه نصف أجرة مثله فيما عمله، فإن تصرفه حصل في ملك نفسه وملك غيره فيسقط نصف الأجرة ويرجع على صاحبه بنصف الأجرة، فإن كانتا سواء تقاصيا، وإن اختلفتا رجع من له الفضل على صاحبه بالفضل لأنه لم يلم له الربح المشروطء فإذا لم يلم المسمى وجب أن يرجع إلى أجرة مثله كما نقول في المضاربة الفاسدة.
فإن قيل: العمل في الشركة لا يقابله العوض وإنما العوض في مقابلة المال في الشركة الصحيحة فكيف خالفتم هذا في هذا الموضع؟ وهذا سؤال أبي حنيفة رحمه الله.
لأن عنده لا تجب الأجرة للعامل في الشركة الفاسدة كما في [51 / أ] الصحيحة.
الجزء: 6 - الصفحة: 14
وقيل: الفاسد يخالف الصحيح، ألا ترى أن المضاربة إذا كانت صحيحة ولم يكن في المال ربح لا يستحق المضارب شيئًا في مقابلة عمله؟ وإن كانت فاسدة استحق أجره مثله كذلك ها هنا.
وإن كان مالهما مختلفين رجع صاحب القليل على صاحب الكثير بأجرة مثله من زيادة العمل.
فإن كان مال أحدهما ألف ومال الآخر ألفين كان لصاحب الألف على صاحب الألفين ثلث أجرة مثله هذا إذا كان عملهما سواء، فإن تفاضلا في العمل لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون عمل صاحب الأكثر أتى، أو عمل صاحب الأقل أكثر فإن كان عمل صاحب الألفين أكثر مثل إن كانت أجرة صاحب الألفين مائتين وصاحب الألف مائة سقط من أجرة صاحب الألف ثلثها ثلاثة وثلاثون وثلث وثلث بقي له الثلثان ستة وستون وثلثان لأجل عمله على مال صاحبه وسقط من عمل صاحب الألفين ثلثا أجرته مائة وثلاثة وثلاثون وثلث وبقي له الثلث لأجل عمله على مال صاحبه ستة وستون وثلثان وهو القدر الذي بقي لصاحب الألف فيتقاصان ولا فضل بينهما.
وإن كان عمل صاحب الألف أكثر وصاحب الألفين أقل فكانت أجرة صاحب الألف مائتين وصاحب الألفين مائة فيسقط من أجرة صاحب الألف ستة وستون وثلثان، ويبقى له لأجل عمله على مال شريكه مائة وثلاثة وثلاثون وثلث، ويسقط من أجرة صاحب الألفين ثلثاها لأجل عمله على مال نفسه ويبقى ثلثها لأجل عمله على مال صاحبه فيتقاصان فيما تساويا فيه وهو ثلاثة وثلاثون وثلث بمثلها ويفضل لصاحب الألف على صاحبه مائة.
ولو كان مال أحدهما ألفًا ومال الآخر ألفين وشرطا أن يكون الربح نصفين بشرط أن يعمل أحدهما، فإن كان بشرط أن يعمل صاحب الأكثر كانت باطلة.
وإن كانت بشرط أن يعمل صاحب الأقل وحده كان قراضًا على مال مشاع وقد جعل له صاحب الألفين قسطا من الربح في مقابلة ماله وتمام النصف بقدر عمله على مال شريكه.
فإن قيل: القراض في المشاع لا يجوز [51/ ب] فكيف جوزتم ها هنا؟.
قلنا: إنما لا يجوز إذا كان مشاعًا من غير العامل، فأما إذا كانت إشاعته مع العمل يجوز لأن هذه الإشاعة لا يمنعه من التصرف.
وإن كانا في المال سواء مثل إن كان لكل واحد منهما ألف وشرط أن يعمل أحدهما وله نصف الربح لم تكن شركة فإنهما شرطا العمل على أحدهما وحده ولا قواضًا لأنهما ما شرطا في مقابلة عمل العامل شيئًا من الربح، فتكون بضاعة دفعها إليه بغير عوض فلا يستحق شيئًا من الأجرة.
وقيل: الشركة من طريق العقد شبه شركة العنان وشركة العروض.
وشركة المفاوضة، وشركة المفاضلة وشركة الجاه، ويقال الوجه.
وشركة الأبدان وقد ذكرنا حكم الكل.
فروع
من كتاب البويطي ذكرها أبو العباس ابن سريج رحمه الله وشرحها.
أحدها: إذا اشترك أربعة: من واحد الأرض، ومن آخر البذر ومن آخر العمل، على أن يزرع العمل وما يحصل من الغلة يكون بينهم أرباعًا فهذه معاملة فاسدة لأنها ليست
الجزء: 6 - الصفحة: 15
بشركة ولا قراض ولا إجارة فإن الشركة تفتقر إلى اختلاط المالين وهذه الأموال لا تختلط، والقراض مبني على أن يأخذ العامل المال ويعمل ببدنه فإذا تفاضلا رجح رب المال بمثل رأس المال واقتسما الربح، وهذا لا يمكن ها هنا والإجارة تفتقر إلى أجرة معلومة ومدة معلومة وذلك معدوم، فثبت أنها معاملة فاسدة، فإذا ثبت فسادها فالزرع يكون لصاحب البذر لأنه عين ماله ولا أجرة له إن كان عمل شيئًا لأنه يحصل على ماله ويرجع كل واحد من الثلاثة عليه بأجرة مثل ماله فيكون لصاحب الأرض أجرة مثل أرضه، ولصاحب الفدان أجرة مثل بقرة وللأكّار أجرة مثل عمله.
والثاني: إذا اشترك أربعة من واحٍد بيت الرحى ومن الأخر الحجر ومن الآخر البغل ومن الآخر العمل على أن ما رزقه الله تعالى من فضل كان بينهم فهذه أيضا معاملة فاسدة، فإن أصابوا شيئًا جعل لكل واحد منهم أجر مثله وقم ما حصل من المسمى بينهم على قدر [52 / أ] عملهم.
قال أبو العباس رحمه الله: فإن استأجرها رجل فالإجارة على قسمين أحدهما: أن يستأجرها بعينها فقال: استأجرت هذا البيت، وحجر هذا، وبغل هذا وعمل هذا، جميعا ليطحنوا أكرارًا معلومة بأجرة معلومة فهل تصح الإجارة؟ على قولين كما لو تزوج أربع نسوة معا بألف هل يصح الصداق؟ قولان:
أحدهما: يصح لأن جملة الأجرة معلومة فلا يضر جهالة أبعاضها.
والثاني: لا تصح لأن عقد الواحد مع الأربعة في حكم أربعة عقود وما يحصل لكل واحد من الأجرة مجهول، فإذا قلنا: الإجارة باطلة سقط المسمى وكان لكل واحد منهم أجر مثله.
وإذا قلنا: إنها صحيحة استقر لهم الأجرة المسماة ويكون لكل واحٍد منهم بحصة أجرة مثله من المسمى على ما ذكرنا، وعلى هذا خرج جواب الشافعي.
والقسم الثاني: أن يستأجرهم في ذمتهم فيقول: استأجرتكم لتطحنوا لي كذا وكذا بكذا فتصح الإجارة قولًا واحدًا لأن الإجارة معقودة على ما في الذمة فيقول وهي معلومة وما يخص كل واحٍد منهم معلوم وهو ربح الأجرة، وإذا ثبت أن الإجارة صحيحة فعملوا كان ما عملوه شركة بينهم فيجب لكل واحد منهم ربح الأجرة.
وإن طحنوه في هذا الدكان فقد طحنوه في معاملة فاسدة فيتراجعون بينهم بأجر المثل.
وإن عقد العقد مع واحد منهم فاستأجره ليطحن له كذا بمائة فإن نوى في حال العقد أنه يعقد العقد عن نفسه وعن شركائه أو نطق بذلك كان كما لو عقا مع الأربعة وحكمه على ما ذكرنا.
وإن أطلق ولم ينو شيئًا ولا نطق به لزمه العقد في نفسه فإن طحن هو وشركاؤه كان له جميع المسمى ولكل واحد منهم عليه أجرة مثله.
والثالث: لو اشترك ثلاثة من واحد البغل ومن آخر الراوية ومن الثالث العمل على أن يستقوا الماء وما يرزق الله تعالى من فضل يكون بينهم فهذه معاملة فاسدة لما ذكرنا.
فإذا استقى العامل الماء قال الشافعي في موضٍع:
"الماء له وحده" وقال في موضع: "الماء لهم بالسوية"، واختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: أنه على
الجزء: 6 - الصفحة: 16
اختلاف [52 / ب] الحالين فالموضع الذي قال: الماء له وحده أراد إذا كان العامل قد جمع الماء لنفسه في بركة أو مصنع ثم أخذ منه وباعه والذي قال: الماء لهم أراد إذا استقى الماء من مباح كدجلة والفرات وهذا إذا استقى لجماعتهم، فإن نوى أن يكون الماء له وحده يكون له وثمنه له وعليه لصاحب البغل والراوية أجر مثل ذلك.
ومنهم من قال: إن كان الماء مجموعًا فلا شك أن ثمنه له، وإن كان في موضع مباح فقولان:
أحدهما: له وحده لأنه مباح يملك بالتناول فإذا تناوله ملكه وكان ثمنه له.
والثاني: يكون بينهم لأنه وإن كان مباحًا فإنما تناوله على أنه بينهم فكان على ما تناوله كما لو وكلوه في ذلك.
فإذا قلنا: الماء بينهم فلكل واحٍد منهم على صاحبه أجر مثل ما كان من جنبته فإن فضَل فضْل اقتسموا ذلك على هذه الحصص، وإن نقص عن الأجرة كان على حسابها.
قال أبو العباس رحمه الله: ويجيء في هذه المسألة ما ذكرناه من القسمين في المسألة الثانية على تفصيلها.
مسألة 11: قال: "ومتى فسخ أحدهما الشركة انفسخت".
وهذا كما قال: الشركة إذا محت وأذن كل واحد من الشريكين لشريكه في التصرف ثم أراد أحدهما الفسخ أو هما فإن ذلك جائز وينفخ العقد لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه وموكل له والوكالة من العقود الجائزة فكذلك ما يجري مجراها فإذا ثبت هذا فيه ثلاث مسائل.
أحدها: إذا قال أحدهما لشريكه: عزلتك انعزل عن التصرف في جميع المال وبقي تصرفه منه في قدر نصيبه والعازل على ما كان له التصرف في جميعه في النصف منه بحق ملكه وفي الباقي بأنه على الإذن.
والثانية: أن يعزل كل واحد منهما صاحبه فإذا عزل وقع العزل فالمال على الشركة ولكل واحد منهما التصرف في نصيب نفسه.
والثالثة أن يقول أحدهما: فسخت الشركة فقد عزل شريكه وعزل نفسه عن التصرف في مال شريكه لأن فسخ الشركة معناه زوال إذن كل واحد منهما عن التصرف لصاحبه فإن أراد استئناف الشركة أذن كل واحد منهما لصاحبه بالتصرف فيه.
ولو اشترى شيئًا بعد الفسخ على نية [53 / أ] الشركة لا ينصرف إلى الشركة ولكنه للمشتري إن اشتراه في الذمة، وإن كان بعين مال الشركة دخل في حكم تفريق الصفقة.
وقال القاضي الطبري: إذا قال: فسخت الشركة نظر فإن أراد في جنبة صاحبه له أن يتصرف في جمع المال، وإن أراد في جنبتهما جميعًا لم يجز لواحد منهما التصرف في حق صاحبه والمشهور ما ذكرنا أولًا.
وقول المزني: انفسخت الشركة أراد بفسخ الشركة المنع من التصرف لأن المال مشترك بينهما فلا ينقسم بقول أحدهما: فسخت.
وقوله: "م يكن لصاحبه أن يبيع ويشتري حتى يقتسما" غلط؛ لأنه إن كان مراده لم
الجزء: 6 - الصفحة: 17
يكن لصاحبه أن يبيع حصة نفسه له أن يبيع حصة نفسه شائعة قبل القسمة، وإن أراد حصة غيره ليس له بيعها بعد الفسخ لا قبل القسمة ولا بعدها.
وأيضًا لا معنى لقوله: "م يكن لصاحبه" بل كان ينبغي أن يقول: لم يكن لواحٍد منهما أن يبيع حصة صاحبه ولا أن يشتري له لما ذكر أنه عزل نفسه وعزل صاحبه.
وهذا الكلام دليل على أن لفظ معاقدة الشركة يوجب الإذن في التصوف، وقد ذكرنا فيه وجهين لأنه جعل الفسخ نهيًا عن التصرف.
فإن قيل: أليس رب المال إذا منع المضارب من التصرف لم يمنع من بيع المتاع الذي في يده؟ فما الفرق بين المسألتين؟ قلنا: الفرق أن المضارب لا حق له في عين المال وإنما حقه في الربح وإنما يعلم الربح بعد البيع وسلامة رأس المال لديه فجوزنا له البيع ليعلم ما يستحقه من الربح، وليس كذلك الشريكان فإن المال بينهما نصفان فيكون المباع بينهما فلا حاجة لواحد منهما إلى بيعه فلذلك منعناه منه ووزان البيع في الشركة الشراء لأنه لا حاجة به إلى الثمن.
مسألة 12: قال: وإن مات أحدهما انفسخت الشركة.
وهذا كما قال: إذا مات أحد الشريكين لم يكن للأخر أن يتصرف في حصة الميت لأن إذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف عقد جائز بدليل أن لكل واحد منهما أن يرجع عنه في حال الحياة فوجب أن يبطل بالموت كالوكالة.
ومراد المزني أيضًا من قوله: انفسخت الشركة أنه [53/ ب] لا يجوز له أن يتصرف في حصة الميت.
فإذا تقرر هذا فلا يخلو الميت إما أن يكون عليه دين، أو أوصى بإخراج الثلث من ماله أو لا دين عليه ولا وصية، فإن لم يكن دين ولا وصية لا يخلو وارثه من أحد أمرين إما أن يكون بالغًا عاقلًا أو يكون طفلًا أو مجنونًا، فإن كان بالغًا عاقلًا فهو بالخيار إن شاء قاسم الشريك، وإن شاء حدد كل واحٍد منهما لصاحبه الإذن في التصرف فيكونا شريكين، ولا فرق بين أن يكون الحظ في القسمة أو في تجديد العقد يفعل ما شاء.
قال أبو إسحاق: وينبغي للوارث أن لا يأذن له في التصرف حتى ينص جميع ذلك فيعلم مبلغ ما خلفه الميت ثم يتصرفان بعد ذلك فإنه لا يؤمن أن يظهر على الميت دين وهذا احتياط وليس بواجب، فإن قيل هما جهلا قدر المال المعقود عليه، فكيف تصح الشركة بتجديد الإذن ها هنا؟.
قيل: لا يلزم معرفة الوزن بدليل أنهما لو اشتركا ووضع أحدهما دراهم في كفة، ووضع الأخر بإزائها في كفة ولم يعلما وزنها يصح كذلك في حق الوارث ويلزم العلم بقدر نصيب كل واحد من جملة المال من نصف أو ثلث أو ربع.
فإن قيل: ليس في كلام المزني اشتراط تجديد لإذن لأنه قال: فأحب أن يقيم على شركته كأبيه فجائز.
قلنا: في كلامه ما ذكرنا إذا تأملته وذلك أنه قال في ابتداء الفصل: إذا مات أحدهما انفسخت الشركة والشركة إذا انفسخت لابد من استئنافها وتجديا الإذن فيها.
وإن كان الوارث طفلًا أو مجنونًا فإن الوصي أو الحاكم إذا لم
الجزء: 6 - الصفحة: 18
يكن هناك وصي ينظر للطفل أو المجنون، فإن رأى الحظ في الشركة جدد الإذن له في التصرف، وإن رأى الحظ في القمة قاسمه فإن قاسمه وكان حظ الطفل أو المجنون في الشركة كانت القسمة باطلة مردودة لأنه ليس بمالك وإنما هو قيّمٌ للغير فلا يجوز له أن يأتي فيه إلا ما يكون الحظ فيه.
وإن كان عليه دين فلا يجوز التصرف فيه حتى يقضي الدين لأنه تعلق به الدين كالمرهون، فإذا قضي الدين جاز المقام على الشركة على ما بيناه.
وإن كان أوصى بإخراج الثلث فإذ كان الموصى له غير معين فلا يجوز حتى يخرج الثلث فإذا أخرج الثلث [54 / أ] فالمقام على الشركة فيما بقي على ما بيناه ويصير المالان متفاضلين.
وهل تجوز الشركة في المالين المتفاضلين؟ قد ذكرنا.
وإن كان الموصى له معينا ملك ثلث حصة الميت فإذ أحب أحد الشريكين أو حجر عليه إلى أن يقيم على الشركة فعل، وإن أحب المقاسمة فعل.
فرع
لو جن أحد الشريكين أو حجر عليه لسفٍه بطلت الشركة وفعل وليه ما هو الأحظى من القسمة أو المقام على الشركة.
وأما الإغماء فإن كان يسيرًا لم يسقط معه فرض عبادة لا تبطل الشركة لأنه مرض قد يطرأ كثيرًا وإن كثر حتى أسقط فرض صلاة واحدة بمرور وقتها بطلت الشركة.
مسألة 13: قال: ولو اشتريا عبدًا وقبضاه فأصابا به عيبًا فأراد أحدهما الإمساك والآخر الرد.
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألة ذكرناها في كتاب البيع ولا يختص هذا بالشركة.
ولو تولى أحد الشريكين شراء العبد دون الآخر ولم يذكر عند الشراء أنه يشتريه لنفسه، ولشريكه لم يكن له أن ينفرد بالرد لأن ظاهر الحال أن العقد تعلق به وحده فلا يقبل قوله إني اشتريته للغير.
وإن ذكر عند الشراء أنه يشتريه لنفسه ولشريكه هل له أن ينفرد برد نصيبه فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك لأنه أوجب إيجابا واحدًا فلا يُبعّض عليه وهذا اختيار أبي إسحاق قال: ويفارق هذا إذا باشر الشراء لأنه لو أنكر المذكور أنه أمره بالشراء كانت الصفقة كلها لازمة لمتولي الشراء فالصفقة واحدة لأنها لو كانت صفقتين لتفرقت إذا أنكر الآخر.
والثاني: وهو الأصح وهو اختيار ابن أبي هريرة له ذلك لأن ذكر ذلك كأنهما باشرا ذلك وأوجب لهما، وقال القاضي الطبري: لم أذكر الوجه الأول في "كتاب البيع" لضعفه.
ثم إذا رد أحدهما انفسخت الشركة بينهما لأن المالين قد تميزا فصارت حصة أحدهما مالًا في ذمة البائع إن كان قد تصرف فيما قبضه أو عينًا في يده إن كان باقيًا وحصة الأخر سلعة، وإذا تميز مال كل واحد منهما بطلت الشركة.
الجزء: 6 - الصفحة: 19
فرع
لو أن أحد الشريكين باع عبدًا، ثم ادعى البائع أنه له ولشريكه [54 / ب] وباعه من غير إذنه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون العقد مطلقًا أو مقيدًا فإن كان مطلقًا لم يقبل قول البائع على المشتري لأن ظاهر العقد الصحة وأنه يتعلق به وحده.
فإن أقام الشريك الذي لم يبع البينة على أن هذا العبد بينهما حكمنا بذلك وبطل البيع في نصيبه.
فإن ادعى المشتري أن البيع كان بإذنه فالقول قوله أنه لم يأذن.
وإن كان العقد مقيدًا بأن قال: بعتك هذا العبا وهو لي ولشريكي نُظِر فإن صدقه شريكه في ذلك وأنه باع بإذنه صح العقد.
وإن أنكر فالقول قوله فإذا حلف بطل البيع في نصيب شريكه وهل يبطل في نصيب نفسه؟ قولان بناًء على تفريق الصفقة.
فرع أخر
لو كان لرجلين عبدًا فوكل أحدهما صاحبه ببيعه فباعه ثم وجد المشتري عيبًا فأراد رد نصفه، فإن كان الوكيل ذكر أنه شركة له ذلك، وإن لم يكن ذكر ذلك فيه وجهان: أحدهما: ليس له لأن متولي العقد واحد فلا تغرق الصفقة.
والثاني: له ذلك، لأن افتراق الملك من جهة البائع فوجب تفريق الصفقة ألا ترى أنه لو أنكر الإذن تفرقت الصفقة وصح العقل في حصة المتولي للعقد دون المدعى عليه الإذن.
مسألة 14: قال: ولو اشترى أحدهما بما لا يتغابن الناس بمثله.
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى أحد الشريكين شيئًا بما لا يتغابن الناس بمثله فإن اشتراه في الذمة فالشراء له ويلزمه الثمن في خالص ماله.
فإن نقد الثمن من مال الشركة فقد صار ضامنًا له.
وإن كان اشتراه بعين مال الشركة فالشراء باطل في نصيب شريكه قولًا واحدًا، وفي نصيبه قولان بناة على تفريق الصفقة.
ولو أجاز شريكه هذا الشراء لا يجوز خلافًا لأبي حنيفة.
فإذا قلنا: يصح في نصيبه فقد انقسم المالان لأن الذي له فقد ملكه البائع والذي لشريكه فهو على ملكه وإذا تميز نصيب أحدهما عن نصيب الآخر انفسخت الشركة.
وهكذا إذا باع أحدهما من مال الشركة شيئًا بما لا يتغابن الناس بمثله وقال في حال البيع أنه من مال الشركة أو قامت به البينة فالبيع في نصيب [55/ أ] شريكه باطل قولًا واحدًا.
وهل يبطل في نصيب نفسه؟ على القولين.
وعند أبي حنيفة يجوز له أن يبيع بغبن فاحش إذا أطلق الإذن.
ثم لا يصير ضامنًا لنصيب شريكه بمجرد البيع إلا بتسليمه إلى المشتري لأنه يصير مفرطًا بتسليمه.
قال أبو حامد: هكذا ذكر أبو إسحاق وعلل بأن هذا موضع اجتهاد لوجود الاختلاف فيه قال أبو إسحاق: ويفارق هذا إذا باع المودع الوديعة من غير إذن صاحبها
الجزء: 6 - الصفحة: 20
صار ضامنًا لها بمجرد البيع من دون التسليم لأنه لا يجوز له البيع بالإجماع.
ولأنه غير مأذون له في بيعها أصلًا، فإذا باعها دل على أنه جاحد لصاحبها ومدعي إياها لنفسه فسقطت أمانته بمجرد البيع.
قال أبو حامد: وعندي أنه يضمن بمجرد البيع، ها هنا أيضا كما في الوديعة سواء لأنه متعد بالبيع ولا فرق بين أن يكون مختلفًا فيه أو غير مختلف فيه، ألا ترى أنه لو سلم ضمن وإن كان التسليم مختلفًا فيه أيضًا.
مسألة 15: قال: وأيهما ادعى في يدي صاحبه من شركتهما شيئًا فهو مدٍع وعليه البينة.
وهذا كما قال: إذا ادعى أحد الشريكين مالا في يد الآخر وقال: إنه من جملة مال الشركة وقال الذي في يده: إنه من خاص مالي فالقول قوله مع يمينه لثبوت يده على جميعه وعلى المدعي البينة.
ولو اشترى سلعة فيها ربح فقال: اشتريته بخاص مالي وقال شريكه: بل اشتريته من مال الشركة أو كان فيه خسران فقال: اشتريته من مال الشركة وقال شريكه: بل اشتريته من خالص مالك فالقول قول الذي اشتراه مع يمينه في المسألتين جميعًا لأن الاعتبار بنيته في حال الشراء فكان المرجع إليه فيها.
ولأنه أميٌن في تصرفه فكان القول قوله مع يمينه.
مسالة 16: قال: وأيهما ادعى خيانة صاحبه فعليه البينة.
وهذا كما قال: إذا ادعى أحدهما على الآخر أنه خانه ببعض مال الشركة فكتمه ولم يظهره بمقدار معلوم ووصٍف معلوم بحيث يمكن الحاكم الحكم به فإن دعواه تسمع ويكون القول قول المدعى عليه أنه ما خانه فيما يدعيه لأن الأصل أنه لم يخنه.
ولو لم يبين قدر الخيانة [55 /ب] لا تسمع الدعوى.
المسألة 17: قال: وأيهما زعم أن المال قد تلف فهو أمين وعليه اليمين.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى أحد الشريكين تلف مال الشركة أو شيئًا منه فالقول قوله مع يمينه لأنه أمين كالمودع.
فرع
لو ذكر أنه تلف من مال الشركة في يده يوم كذا في شهر كذا وحلف عليه، ثم شهد شاهدان أنهما رأيا ذلك المال بعينه في يده بعد اليوم الذي ادعى تلفه؟ فيه وجهان: أحدهما: بطلت يمينه لأن البينة العادلة أولى منها فعلى هذا يغرم بالبينة ولا يسأل.
والثاني: وبه قال أبو الفياض لا تبطل يمينه ولكن يسأل عن ذلك فإن ذكر وجهًا تسلم معه يمينه الماضية لم يغرم وإن لم يبين غرم.
الجزء: 6 - الصفحة: 21
فرع آخر
لو كان في يد أحدهما ألف فقال: اقتسمناه وهو حصتي خاصة وقال الأخر: ما اقتسمنا وهو مشترك فالقول قول من يدعي بقاء الشركة لأن الأصل هذا.
فرع آخر
لو تولى أحد الشريكين الشراء فللبائع أن يأخذه بكل الثمن، فإذا أخذ منه فإن أداه من مال الشركة جاز ولا رجوع.
وإن أداه من مال نفسه فإن فعل ذلك لأنه لم ينصَّ من مال الشركة ما يؤديه كان له الرجوع على شريكه بحصته منه.
وإن فعل ذلك مع وجود ناض من مال الشركة ففي رجوعه على شريكه وجهان: أحدهما: يرجع عليه بالنصف منه لأنه من موجبات الشركة.
والثاني: لا يرجع لأن موجبها الأداء من مالها فإذا عدل إلى مال نفسه فقد تطوع به فلم يرجع به عليه شريكه ذكره في "الحاوي" 18.
فرع آخر
لو اشترك رجلان فأخرج أحدهما دنانير والأخر دراهم وعقد الشركة لا يصح قال في "البويطي": فإن اشتريا ثوبًا فربحا قسم الربح على قدر أموالهما وحسب الصرف يوم الشراء ورجع صاحب الدراهم على صاحب الدنانير بفضل أجرته بالعمل على ماله فينظر إلى غالب نقد البلد حين الشراء ما هو ليجعل هو الأصل، ثم يقوم النقد الآخر به ويقسم الربح بينهما عليه فإن كان غالب النقود دنانير وكان لأحدهما عشرة دنانير وللآخر مائة درهم نظر كم قيمة الدراهم، فإن كانت عشرة [6/ أ] دنانير فالمال بينهما نصفين والربح كذلك، وإن كانت أقل أو أكثر فعلى حسابه.
فرع آخر
لو ذكر أحدهما: إني بعت العبد المشترك وقبضت الثمن وتلف في يدي وخرج العبد المبيع مستحقًا وأخذه مالكه وذكر الوكيل أنه قبض ثمنه وضاع منه، قال أبو إسحاق:
يرجع المشتري بالعهدة على الوكيل ولا يرجع الوكيل على الموكل لأنه إنما يقبل قوله على موكله فيما هو أمين فيه، وأنه إن تلف لا يلزمه ضمانه ولا يقبل قوله عليه في إلزامه غرماء، فإن قامت البينة على قبضه الثمن أو أقر الموكل أنه قبضه كان له أن يرجع بالعهدة على الموكل لأنه قد ثبت قبض الثمن لموكله فثبت حق الرجوع بالعهدة عليه.
مسألة 19: قال: وإذا كان العبد بين رجلين فأمر أحدهما صاحبه ببيعه فباعه من رجل.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان عبد بين رجلين فأذن أحدهما لصاحبه في بيع نصيبه مع
الجزء: 6 - الصفحة: 22
نصيب نفسه وقبض ثمنه فباع جميع العبد بألف درهم، ثم أقر الذي لم يبع أن الذي باع قبض جميع الثمن وأنكره البائع وادعاه المشتري فإن المشتري يبرأ من نصف الثمن وهو حصة المقر لأنه يقول: قد دفع المشتري حصتي من الثمن إلى وكيلي وبرئ منه وكانت الخصومة بين البائع والمشتري.
فإذا قال البائع: لم أقبض الثمن من المشتري كان القول قوله مع يمينه وعلى المشتري البينة لأن الأصل أن الثمن واجب عليه.
فإن أقام البينة برئ من جميع الثمن ويقبل فيه شاهدان وشاهد وامرأتان وشاهد ويمين.
وهل تقبل شهادة شريكه المقر بأنه قبض الثمن إذا كان عدلًا؟ نُظِر فيه فإن شهد عليه بأنه قبض حصته قبلت شهادته لأنه لا يَجُزّ بها منفعة ولا يدفع مضرة.
وإن شهد عليه بقبض جميع الثمن فلا تقبل شهادته في حصة نفسه وهل تقبل في حصة شريكه؟ وجهان بناءً على القولين في تبعيض الشهادة.
وإن لم يكن له بينة قال البائع: يحلف ويستحق نصف الثمن فإذا حلف وقبض نصف الثمن كان له خاصة لأن الذي لم يبع مقر بتصديق المشتري مقر بأن البائع ظلم فيما يأخذه فلا يشاركه فيما ظلم وهذه علة أبي إسحاق [56/ ب].
وقال جماعة من أصحابنا: العلة أن الذي لم يبع لما صدق المشتري أبرأه وصار كالقابض لحقه فكان ذلك منه فسخًا للشركة فلم يبق له في المقبوض حتى يقاسم عليه، وبقيت الخصومة بينه وبين شريكه فإن يدعي عليه انه قبض جميع الثمن فيكون القول قوله مع يمينه أنه ما قبض حصته وعلى المدعي البينة، وإن لم تكن له بينه يحلف البائع وبرئ من دعواه، وإن لم يحلف ردت اليمين على المدعي، فإذا حلق استحق عليه نصف الثمن، فإذا دفعه إليه لم يكن له أن يرجع على المشتري لأنه يقول: هذا ظلم لحقني من جهة شريكي دون المشتري فلم يجز له أن يرجع بالظلم على غير ظالمه.
ولو أقام المشتري بينة على البائع بدفع الثمن إليه قد بينا أنه يبرأ من جميعه بالبينة وللشريك الذي لم يبع أن يرجع على البائع بحصته بينة المشتري من غير استئناف لها.
ولو نكل البائع عن اليمين الأولى فردت اليمين على المشتري فحلف وبرئ من جميع الثمن لا يضر هذا النكول في حق الشريك الموكل بل يدعي عليه الموكل أنه قبض الثمن، فإن حلف البائع أنه ما قبض قبلت يمينه الآن ونظير هذا أن ابنين لميت ادعى أحدهما على رجل لأبيه مالاً والآخر غائب فنكل المدعي عليه فردت اليمين على المدعي فحلف وأخذ نصفه فجاء الآخر وادعى نصيبه فللمدعي عليه أن يحلف ونكوله الأول لا يضره.
وكذلك لو اشترى رجلاً شقصًا فيه فادعى أحدهما على الشفيع أنه عفا عن الشفعة فنكل وحلف المدعي ثم جاء الآخر فادعى مثل ذلك فللشفيع أن يحلف أنه ما عفا ولا يضره نكوله الأول.
الجزء: 6 - الصفحة: 23
وقال في "الحاوي" 20: للشريك الذي لم يبع أن يرجع على البائع بحصته بيمين المشتري وحده بعد نكول البائع عن اليمين لأن اليمين بعد النكول إما أن يجري مجرى البينة أو مجرى الإقرار وبكل واحد منهما يثبت الرجوع.
وهذا لا يصح عندي لأن اليمين حجة في حق الحالف لا يدخلها نيابة فلم يثبت حق أحدهما بيمين الآخر.
وقال [57/ أ] بعض أصحابنا بخراسان: من فوائد السواد أن الرجل إذا قال لوكيله: بع هذا العبد ولم يزد عليه له أن يسلم العبد ويقبض الثمن، وفيه خلاف بين أصحابنا وهذا هو الصحيح إن شاء الله لأن ذلك عادة التوكيل غالبًا لأن المزني أطلق فقال: فأمر أحدهما صاحبه ببيعه فباعه ولم يشترط في تصوير المسألة أن يوكله بالقبض والتسليم صريحًا.
فإن قيل: من أين لك أن المزني جعل للوكيل ولاية القبض في هذه المسألة؟.
قيل: لأنه أبرأ المشتري من نصيب المقر لما أقر بقبض وكيله ولو لم يكن له ولاية القبض الصحيح لما أبرأه بالقبض من جهته.
وقيل: للوكيل إقباض المبيع لأن الإيجاب يقتضي الإقباض فإذا قبض المبيع هل له قبض الثمن؟ وجهان: أحدهما: ليس له، والثاني: له ذلك لأن الثمن في مقابلة المثمن فإذا كان له تسليم المثمن كان له قبض الثمن.
وكذلك إذا وكله بالشراء هل له إقباض المبيع؟ وجهان.
وان كانت المسألة بحالها إلا أن الشريك الذي باع هو الذي أقر أن الذي لم يبع قبض الثمن كله فلا تخلو هذه المسألة من أربعة أحوال:
إما أن يكون كل واحد منهما أذن لصاحبه في قبض الثمن.
أو كان أذن الذي باع للذي لم يبع في قبض الثمن ولم يأذن الذي لم يبع للذي باع في قبض الثمن.
أو لم يأذن واحد منهما لصاحبه في قبض حصته من الثمن.
أو أذن الذي لم يبع للذي باع في قبض حصته من الثمن ولم يأذن الذي باع للذي لم يبع فيه.
فإن كان أذن كل واحٍد منهما لصاحبه أو كان أذن الذي باع للذي لم يبع فإن الحكم في هذين القسمين مثل ما ذكرنا في المسألة قبلها وإنما يختلفان في الصورة على فالبائع في هذه كالذي لم يبع في الأولى والذي لم يبع في هذه كالبائع في الأولى والفقه على ما ذكرناه.
وان لم يأذن واحد منهما لصاحبه في قبض الثمن فإن المشتري لا يبرأ من شي، من الثمن فإن الباثع يقول: دفعت جميع الثمن إلى شريكي ولا يقبل قوله على شريكه في حصته فلا يبرأ منه ولا يبرأ من حصة المقر أيضًا [57 /ب] لأنه يقول: دفعت حصتي إلى شريكي ولم أوكله في قبض الثمن فدفعت حصتي إلى من لا يجوز لك أن تدفع إليه، فإذا كان كذلك لم يبرأ من شيء من الثمن وللبائع مطالبته بحصته من الثمن ولا
الجزء: 6 - الصفحة: 24
يمين عليه لأن دفع المشتري إلى شريكه لا يبرمه وتبقى الخصومة بين الشريك الذي لم يبع وبين المشتري ويكون القول قول الشريك مع يمينه أنه ما قبض ما ادعاه وعلى المشتري البينة ويقبل فيه شهادة شريكه الذي هو البائع عليه في ذلك إذا كان عدلًا لأنه لا يجر إلى نفسه منفعة ولا يدفع مضرة، فإن لم تكن بينة حلف الشريك واستحق عليه نصف الثمن.
وأما إذا أذن الذي لم يبع للذي باع في قبض الثمن ولم يأذن الذي باع للذي لم يبع في قبض الثمن فهذا القسم هو مسألة الكتاب فإنه لا يبرأ من شيء من الثمن لأن قول البائع لا يقبل على شريكه في قبض حصته ولا يبرأ من حصة المقر لأنه يقول: ادفع حصتي إلى من لا يجوز دفعها إليه فإذا كان كذلك كان للبائع مطالبة المشتري بحصته من الثمن ولا يمين عليه، فإذا قبض حصته من الثمن وهو خمسمائة درهم كان شريكه بالخيار إذ شاء طالب المشتري بنصف الثمن وهو حصته وإن شاء طالب شريكه بنصف ما قبضه وهو ما قبضه وهو مائتان وخمسون درهمًا.
فإن أراد أن يطالب المشتري بنصف الثمن فالقول قوله مع يمينه وعلى المشتري البينة.
ولا تقبل شهادة شريكه عليه في هذا القسم لأنه يدفع بشهادته مشاركته فيما قبضه فكان متهمًا فيه.
فإن أقام المشتري البينة برئ ولم يكن له مطالبة المشتري ولا مطالبة شريكه، وإن لم تكن للمشتري بينة حلف الذي لم يبع أنه ما قبض الثمن وإذا حلف استحق جميع الثمن.
وإن أراد أن يطالب في الابتداء شريكه بنصف ما قبضه كان له لأنه يقول: لا يقبل قولك عليّ لقبض حصتي من الثمن وانفرادك بما قبضته مشترك بيني وبيك، فإذا كان كذلك كان له مشاركته في نصفه ويرجع على المشتري بتمام حصته فإذا قبض من شريكه نصف ما قبضه لم يكن للمقبوض منه أن يرجع بما قبضه شريكه على المشتري لأنه [8 / أ] يقول: إنه ظلم لحقني من جهة شريكي فإن لم يجز له أن يرجع بالظلم على غير ظالمه.
وقال أبو حامد: هذا القول يفيد أن البائع انعزل عن وكالة الذي لم يبع بالقبض له قبضه لأنه معترف أنه ما بقي هناك حق هو وكيل في قبضه فصار هذا القسم والذي قبله سواء، وتقبل شهادة البائع للمشتري بالقبض على المذهب الصحيح، وللبائع مطالبة المشتري بخمسمائة وإذا قبضها فالمذهب أنه ينفرد بها ولا يشاركه الذي لم يبع فيها لأنه تبض بعد زوال وكالته وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة.
وقال المزني: له مشاركته فيها لأن الثمن في ذمة المشتري لهما قال ابن سريج: هذا غلط منه وهو قول العراقيين، قال: وهذا لأن كل نفسين كان لهما مال قبل رجل كالثمن والقرض كان لكل واحد منهما أن يفرد بقبض نصيبه ومتى قبض شيئًا انفرد به دون شريكه إلا في مسألتين: مال الكتابة والميراث، فإنهما لو كاتبا عبدًا بينهما على ألف فمتى قبض أحدهما شيًا من مال الكتابة كان الآخر شريكه فيه لأنه لما لم يصح أن يكاتب نصيبه على الانفراد منه لم يجز أن يقبضه على الانفراد ويفارق الثمن في البيع لأنه لما صح أن يثبت نصيبه في ذمة المشتري على الانفراد ابتداء صح أن يقبضه
الجزء: 6 - الصفحة: 25
على الانفراد انتهاءً وسبب استحقاق الميراث لا يتبعض والورثة ينوبون عن الميت في القبض بخلاف هذا.
وفرع المزني على مذهبه فقال: الذي لم يبع بالخيار بين أن يقبض من البائع مائتين وخمسين ومن المشتري مائتين وخمسين وبين أن يقبض من المشتري خمسمائة على ما ذكرنا.
وقال في "الحاوي" 21: وإن بطلت وكالة البائع فعلى المشتري أن يؤدي إليهما ألفا، خمسمائة إلى البائع وخمسمائة إلى الذي لم يبع بعد يمينه فإن ابتدأ ودفع إلى الذي لم يبع خمسمائة لم يكن للبائع أن يشاركه فيها لأنه مقر أن المشتري مظلوم بها.
وإن ابتدأ المشتري ودفع إلى البائع خمسمائة كان للذي لم يبع أن يشاركه فيها إن شاء لأن المال مشترك لم يقتسما عليه والبائع غير مصدق على شريكه في إبطال الشركة فيه فإذا أخذ من البائع نصف ما أخذه له أن يستوفي من المشتري [58/ ب] تمام حقه فيصير المشتري غارمًا لسبعمائة وخمسين منها خمسمائة دفعها إلى البائع وشاركه فيها الذي لم يبع ومائتان وخمسون دفعها إلى الذي لم يبع وهذا عين ما قال المزني، وهكذا ذكره القاضي الطبري وهو الأصح.
وأما ما نقل المزني في هذه المسألة أن المشتري إذا صدقه البائع في دفع الألف إلى الذي لم يبع يبرأ من خمسمائة كالمسألة الأولى لأنه أمينه غلط لأن الشافعي لا يقبل إقرار الوكيل على الموكل، وإنما هذا مذهب أبي حنيفة والمزني نقل هذه المسألة من "الجامع الكبير" لمحمد بن الحسن، ونقل جوابه إلى جواب الشافعي هكذا قاله أبو إسحاق، وقال ابن أبي هريرة: النقل صحيح والجواب مستقيم وتأويله أن المشتري يبرأ من خمسمائة في مطالبة البائع بها لبطلان وكالته فيها ولا يبرأ منها في حق من لم يبع فكان جوابه في براءة المشتري محمولًا على هذا التأويل، ولا معنى لتغليطه إذا أمكن تصويبه.
وقيل: النقل صحيح وبراءة المشتري من النصف براءة تامة ولكن المسألة محمولة على الشريكين المأذون لكل واحد منهما من صاحبه فيبرأ المشتري بإقرار كل واحد من الشريكين على صاحبه بالقبض، سواء كان بائعًا أو غير بائع، وإذا أمكن حمل جوابه على الصحة لا وجه لتخطئته كما ذكر أبو إسحاق وإذا أمكن إبراء المشتري منها لا وجه لحمله على إبطال الوكالة فيها كما فعل ابن أبي هريرة.
وقيل: مسألة المزني محمولة على وجه يصح وهو أن يكون البائع لم يعرف المشتري في حال البيع أن العبد بينه وبين شريكه فيكون له في الظاهر على المشتري جميع الثمن وليس لشريكه مطالبة المشتري بشيء من الثمن، فإذا قال البائع: إنك دفعت نصف الثمن إلى من جاز لك أن تدفع إليه فقد سقطت مطالبته عنه بنصف الثمن وحصلت البراءة في الظاهر، لأنه ليس لواحد من الشريكين مطالبته به ويرجع البائع على المشتري بالنصف الآخر، فإذا قبضه
الجزء: 6 - الصفحة: 26
طالبه شريكه بالنصف على ما بيناه.
وفي هذا نَظَرٌ، لأن دعوى المشتري عليه قبض الثمن تتضمن أنه كان له في المبيح شركة وأنه [59 / أ] مستحق لنصف ثمنه.
وقيل: إنه وجد للشافعي أنه قال: قال محمد وأراد محمد بن الحسن فظن المزني أنه أراد نفسه فهو غلط كما قال أبو إسحاق.
مسألة 22: قال: ولو كان العبد بين رجلين فغصت رجل حصة أحدهما.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان عبد بين رجلين فغصب رجل نصيب أحدهما بأن حال بين وبينه ومنعه من التصرف فيه، ثم إن الغاصب والشريك الآخر باعا العبد من رجل فإن البيع في المغصوب باطل قولًا واحدًا، وفي نصيب المالك جائز قولًا واحدًا ولا يجيء، في هذه المسألة بطلان البيع في الجميع لأنهما صفقتان، وإنما القولان إذا فسد بعض الصفقة الواحدة هل يفسد البيع؟ قولان وهو إذا وكل الغاصب الشريك في البيع أو وكل الشريك الغاصب فعقد أحدهما العقد وأطلق، ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر على التعليل الذي نقول لا تفرق الصفقة لأن اللفظة جمعت حرامًا وحلالًا وليس بشيء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا قال المالك: بعت النصف الذي هو ملكي.
فأما إذا أطلقا العقد فوجهان وهو كالوجهين في أحد الشريكين، إذا قال: بعت نصف هذا العبد ولم يقل: النصف الذي لي في أصح الوجهين وينصرف إلى حصته دون حصة صاحبه.
والوجه الثاني: يقع شائعًا والحكم فيه بناء على تفريق الصفقة، كذلك ها هنا في أحد الوجهين يصح في الوجه الذي ليس بمغصوب وفي الوجه الآخر يقع شائعًا فلا يصح إلا في الربع وهو نصف هذا النصف ويبطل في الباقي إذا جوزنا تفريق الصفقة فإن لم نجوز التفريق بطل في الكل.
فرع
لو قال أحد الشريكين: بعت من فلان السلعة الفلانية من مال الشركة وقبضت ثمنها منه فتلف في يدي، وقال الشريك الآخر: لم تقبض الثمن من المشتري قبل قوله في القبض والتلف مع يمينه لأنه أمينه فيه وكذلك إذا قال الوكيل: بعت وقبضت الثمن وتلف في يدي، وقال الموكل: لم تقبضه فالقول قول الوكيل لأنه أقامه مقام نفسه فإقراره بقبضه من المشتري بمنزلة إقرار الموكل ويخالف [59 / ب] هذا إذا أقر على من وكله بالقبض لا يقبل لأنه لم يوكله فيه.
وقيل: فيه وجه آخر لا يقبل قوله لأنه يتعلق بثالث غير الموكل وهذا ضعيف والأول أصح.
فإن قيل: أليس لو أمره بقضاء دينه فقال: قضيته وأنكر الذي له الدين لم يقبل قوله عليه ولا على الموكل؟ قلنا: لأنه صار مفرطًا بترك الإشهاد بخلاف مسألتنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان أمره بالبيع
الجزء: 6 - الصفحة: 27
بثمن مؤجل لم يقبل قول الوكيل إذ لا يزعم الموكل أنك بالتسليم صرت ضامنًا.
وإن كان أمره بالبيع بثمن حال فيه وجهان: أحدهما: يقبل لأنه لو لم يقبل لزمه الضمان حين سلم المبيع ولم يقبض الثمن.
والثاني: يقبل في حقه حتى لا يضمن فأما في أن يبرأ المشتري بقوله عن حق الموكل فلا.
وقال ابن الحداد رحمه الله: لو كان له على رجل دين فوكل رجلًا بقبضه فقال الوكيل: قبضت وتلف في يدي لا يقبل قوله ولا قول من عليه الدين إلا ببينة بخلاف مسألة الوكيل بالبيع والفرق ما أشار الخراسانيون.
فرع آخر
لو ادعى أحد الشريكين أنه دفع جميع مال الشركة إلى صاحبه وصاحبه ادعى مثل ذلك فكل واحد منهما يحلف بدعوى صاحبه ولا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء وقد ذكرنا نظير هذه المسألة.
فرع آخر
قال ابن سريج رحمه الله: إذا استأجر رجلًا ليحتش له أو يصطاد له أو يحيي مواتًا صحت الإجارة إذا كانت الأجرة معلومة والمدة معلومة وما يحتش أو يصطاد للمستأجر.
وكذلك لو استأجره ليستقي له ماء فاستقاه كان للمستأجر.
قال أصحابنا: وكذلك إذا وكله في ذلك يقع الملك للموكل لأنه تناوله لغيره بإذنه فوجب أن يقع الملك لمن تناوله له كما لو تناوله لنفسه وقع الملك له.
ولو كانت الإجارة فاسدة كان ما تناوله للمستأجر وكان له أجرة مثله.
فرع آخر
إذا باع أحد الشريكين وأقر أنه قبض الثمن وتلف في يده قد ذكرنا أنه يقبل قوله مع يمينه إذا أنكر الشريك الآخر قبضه، ثم إذا حلف ثم خرج المبيع مستحقًا فرجع المشتري على البائع قال ابن سريج: لا يرجع البائع [60 / أ] على شريكه لأنه يؤدي إلى أن يستحق الرجوع عليه بيمينه، وقال بعض أصحابنا: له الرجوع لأنه ثبت بيمينه قبضه الثمن وتلفه في يده والرجوع ثبت له بسبب أخر وهو أنه نائب عنه في البيع وهذا كما نقول: لا يثبت النسب بشهادة النساء، ولكن إذا شهدن بالولادة في الفراش ثبت النسب.
فرع آخر
لو خلط أحد الشريكين ماله بمال صاحبه ولكنهما يعرفان ما لكل واحد منهما بعلامة جعلها كل واحٍد منهما ليعرف بها دراهمه ولكن لا يعرفها غيرهما ولا يتمكنون من التمييز هل تصح الشركة اعتمادًا على غالب الحال أو لا تصح؟ نظرًا إلى حالهما يحتمل وجهين.
الجزء: 6 - الصفحة: 28