بحر المذهب للرويانيصفحات 168-207

باب أصل فرض الجهاد

مسألة: قال: لما مضت برسول الله صلى الله عليه وسلم مدة هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات بإتباعه حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم يكن قبلها ففرض عليهم الجهاد.
الفصل اعلم أن الله تعالى لما أراد إظهار الإسلام الذي اختاره لعباده بعث خبرته من خلقه محمدًا صلى الله عليه وسلم على ترتيب من أحواله وتدريج فيما أمره به لإظهاره وإحكام قواعده [152/ ب] وإعلامه ولم يأمره بجميع الشرائع دفعة واحدة وحبب إليه الخلوة فكان يمكث في غار حراء حتى أتاه الملك بأمر الله تعالى.
وأنزل عليه الوحي فكان أول ما أوحي إليه قوله تعالى: ﴿اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق 1 - 5] فأمره باعتقاد الإيمان وقراءة القرآن في نفسه لأنه خصه به ولم يأمره بإظهاره ثم أمره بالإظهار والقيام بالدعوة والإنذار فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر 1 - 2] وقد قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر 94] وقال أيضًا: ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء 214] فجد رسول الله صلى الله عليه واجتهد فجمع عشيرته وأنذرهم فاستهزؤوا به ولم يقبلوه، وقال أبو لهب: ألهذا دعوتنا؟ تبًا لك فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد 1] إلى آخر السورة، وقيل: إنه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر] جد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة ولكنه كان خائفًا سطوة المشركين فكان المتوقف من مخالفتهم حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة 67] فلم يتوقف بعد ذلك ولكنه واظب على الدعوة ليلًا ونهارًا وقاسى ما قاسى من بلاء المشركين ثم أمره بعد ذلك بهجرتهم والإعراض عنهم فقال عز من قائل: ﴿وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا [153/أ] فَأَعرِضْ عَنْهُم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام 68] وقال تعالى ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام 108] وقال تعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر 97 - 98]. ثم اشتد البلاء من الكفار عليه وعلى من أسلم من صاحبه لضعفهم وقلتهم فأباح

الهجرة بقوله تعالى: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ [النساء 100] الآية.
فهاجر بعضهم إلى أرض الحبشة وبعضهم إلى الطائف وهو يعرض نفسه في المواسم ويدعو الناس إلى الله تعالى حتى منّ الله تعالى على الأوس والخزرج وهم من عرب اليمن يسكنون بالمدينة فآمنوا وآمن ولياهما من أهلها بالمدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من لقنهم الإيمان والقرآن وعلمهم الصلوات ثم أراه الله تعالى في منامه دار الهجرة وهي المدينة وأذن له ولأصحابه في الهجرة إليها ثم فرض عليهم الهجرة بعج سنتين من الهجرة بقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء 97] الآية.
فهاجر ولو يؤذن بعد في الجهاد ثم بعد زمان أذن لهم في قتال من قاتلهم من الكفار دون من لم يقاتلهم ولم يأذن لهم في الابتداء بالقتال بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج 39] الآية.
فكان من أحب أن يقاتل من أصحابه فعل ولم يكن ذلك واجبًا [153/ب] ثم فرض عليهم القتل بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ﴾ [البقرة 216] وبقوله تعالى: ﴿وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة 244]. وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه: لما مضت برسول الله صلى الله عليه وسلم مدة من هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات بإتباعه، حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها ففرض عليهم الجهاد قال: وكان فرضه في الابتداء في غير الأشهر الحرم لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة 217] وقال تعالى: ﴿فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة 5] وكان فرضه في غير الحرم فأما في الحرم فلم يجز القتال إلا أن يبتدئ الكفار به لقوله تعالى: ﴿ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة 191] ثم نسخ ذلك بأمر القتال في جميع الزمان في جميع البلدان بقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وثِقَالاً﴾ [التوبة 41] الآية، وقال ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وقال: ﴿وقَاتِلُوا﴾ [البقرة 244] وقال: ﴿وجَاهِدُوا﴾ [المائدة 35] وابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة واعلم أن الجهاد كان من فروض الكفايات وهكذا الآن وإنما وجب على جميع المسلمين القيام به في وقت لم يكن في بعضهم كفاية وفي مثله ورد قوله تعالى: ﴿إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ [154/أ] عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة 39] وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة 120] الآية.
وحين حصلت الكفاية ببعضهم سوغ الآخرين التقاعد عنه وفيه ورد قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء 95] الآية.
هذا يدل على أن القاعد غير آثم بتركه الجهاد، ومن أصحابنا من قال: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان ثم نسخ ومنهم من قال: الاعتبار بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل من دعاه إلى الجهاد افترض عليه الإجابة، وقال سعيد بن المسيب: هو من فرائض الأعيان ولا يصح لما ذكرنا.
وأما فرض الهجرة من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دار الشرك إلى دار الإسلام كل زمان فإنه يتوجه على من أسلم وهو مستضعف بين المشركين لا يقدر على إظهار

إسلامه ولو زاد وراحلة يقدر على الخروج، فأما من كان مستضعفًا لا يقدر على إظهار إسلامه ولا زاد ولا راحلة يحتملانه إلى دار الإسلام أو كان قادرًا على إظهاره آمنًا من الكفار برهطه وعشيرته فإن هذين الضربين لم تفرض عليهما الهجرة [154/ب] والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء 97] الآية.
ثم قال: ﴿إلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ﴾ [النساء 98] الآية.
وجملته أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب منهم من يستحب له ولا تجب عليهم وهو من أسلم وله قوة بأهله وعشيرته يقدر على إظهار دينه آمنًا.
وإنما استحب لئلا يكثر سواد المشركين به وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث يوم الحديبية عثمان رضي الله عنه إلى مكة لأن عشيرته كانت أقوى القوم بمكة فأكرم ولم يبعث ضعفاء قومه.
ومنهم من يجب عليه الهجرة وهو من لم يأمن على نفسه في إظهار دينه ويقدر على الهجرة.
ومنهم من لا يجب عليه ولا يستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر لمرضه أو لفقره وهو بمنزل المكرهين ومن أكره على الكفر فلا إثم عليه.
واعلم أن فرض الهجرة على هذا التفصيل باق ما دام الشرك قائمًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطعالهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا هجرة بعد الفتح" قلنا: له تأويلان أحدهما: أراد لا هجرة من مكلة لأنها صارت [155/أ] دار الإسلام أبدًا.
والثاني: أراد لا فضيلة للهجرة بعد الفتح مثل ما كانت قبل الفتح لأن الهجرة والإنفاق كان أفضل في ذلك الوقت قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ﴾ [الحديد 10].
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: وجه الجمع بين الخبرين أن الهجرة كان مندوبًا إليها في أول الإسلام بقوله تعالى: ﴿وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة 20] وقوله: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن﴾ [النساء 100] ثم لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة اشتد أذى المشركين على المسلمين فوجبت الهجرة عليهم حتى ينتقلوا إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا وليتعلموا منه أمر دينهم فلما فتحت مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر إلى الندب فهما هجرتان فالمنقطعة منهما هي الفرض والباقية هي الندب وسائر أصحابنا أجمعوا على أن فرض الهجرة على من آمن فيها باقيًا ما بقي للشرك دار وهذا هو الصحيح، ولعله أراد الهجرة من مكة إلى المدينة والله أعلم.
وفي تسميتها هجرة وجهان أحدهما: أنه يهجر فيها ما ألف من وطن وأهل، والثاني: أنه يهجر فيها العادة من عمل وكسب.
واعلم أن القاضي الإمام أبا الحسن

الماوردي رحمه الله طول الكلام في شرح [155/ب] هذا الفصل وذكر مولد رسول الله صل الله عليه وسلم وما كان من أموره في الابتداء والانتهاء إلى وقت وفاته وما كان بعد وفاته من الخلفاء الراشدين وبسط الكلام في كل فصل من ذلك وقد انتخبت منها ما استحسنته ونقلته وذلك أن الله تعالى اختار لرسالته واصطفا لنبوته محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صل الله عليه وسلم فبعثه على فترةٍ من الرسل حين وهت الأديان، وعبدت الأوثان، وغلب الباطل على الحق وعم الفساد في الخلق ليختم به رسله ويوضح به سبله وليستكمل دينه ويحسم به من الفساد ما عم ومن الباطل ما تم فاختاره من بيت أسس به مبادئ طاعته وقواعد عبادته بالبيت الذي جعله مثابة للناس وأمناً، والحج الذي جعله من أصول الدين ركناً ليكونوا مستأنسين بتدين تسهل به إجابتهم فكان من أول التأسيس لنبوته أن كثر الله قريشاً بعد القلة وأعزهم بعد الذلة وجعلهم ولاة الحرم فكان أول من همس في نفسه ظهور النبوة فيهم كعب بن لؤي بن غالب فكان يجمع الناس في كل جمعة وهو سماه لجمع الناس فيه يوم الجمعة فكان يخطب فيه على قريش ويقول بعد خطبته: حرمكم عظموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم والله لو كنت فيه ذا سمع وبصر ويد ورجل [156/ أ] ولتنصبت تنصب الجمل، ولأرقلت إرقال الفحل ثم انتقلت الرئاسة بعده إلى قصي بن كلاب فجدد بناء الكعبة وهو أول من بناها بعد إبراهيم وإسماعيل صل الله عليهما وسلم وبني دار الندوة للتشاجر والتشاور وعقد الألوية وهي أول دار بنيت بمكة وكانوا يجتمعون في جبالها ثم بني القوم دورهم بها فزادت الرئاسة وقوي تأسيس النبوة.
ثم أمرت قريش وكثرت حتى قصدهم صاحب الفيل لهتك الحرم وهدم الكعبة وسبي قريش ففعل الله تعالى ما فعل بدعوة عبد المطلب حين أخذ خلقه الباب ودعا فكان من مبادئ إمارات النبوة في رسول الله صل الله عليه وسلم إجابة دعوة جده عبد المطلب حتى هلك أصحاب الفيل تخصيصاً له بالكرامة حتى خص بالنبوة في ولده، وقد روي في هذه القصة أنه لما جاء أبرهة لهدم الكعبة وحمل مع نفسه اثنى عشر فيلاً وركب على أعظمها جسماً وقوةً يقال له محمود، وأغار على أموال قريش منها مائتا بعير لعبد المطلب جاء عبد المطلب إليه وكان جسيماً عظيماً وسيماً فلما رآه أبرهة عظمه وأكرمه وكره أن يجلسه معه على سريره وأن يجلس تحته فهبط إلى البساط فجلس عليه ثم دعاه فأجلسه معه ثم قال لترجمانه: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد عليّ مائتي بعير أصابها لي [156/ ب] فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت فيك قال: ولم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟! فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل ولهذا البيت رب سيمنعه فقال: ما كان ليمنعه مني فقال: أنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه فرجع إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رؤوس الجبال خوفاً من معرة الجيش إن دخلوا ففعلوا وأتى عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:

يارب لا نرجو لهم سواكا يارب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا ثم ترك الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه وتهيأ أبرهة للدخول وعبأ جيشه وهيأ فيله المسمى محموداً فأقبل نفيل إلى هذا الفيل فأخذ بذنبه فقال: أبرك محمود وأرجع راشداً من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل فبعثوه وضربوه بالمعول في رأسه فأبى فأدخلوا محاجنهم تحت مرافقه ليقوم فأبى فوجهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم فلما رأى ذلك خرج يشتد حتى صعد الجبل وأرسل الله تعالى طيراً من البحر [157/ أ] أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره أمثال الحصى والعدس فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلن تصب الحجارة أحداً إلا هلك وليست كل القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدون الطريق الذي منه جاؤوا ويموج بعضهم في بعض يتساقطون ويهلكون في كل منهلٍ.
وبعث الله تعالى داء على أبرهة في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملة اتبعتها الأخرى فانتهى إلى صنعاء وهو في مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
وروي أنه كان يقع الحجر على بيضة أحدهم فتحرقها حتى تقع في دماغه ويخر ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه وكان على كل حجرٍ اسم صاحبه مكتوباً، وروي أن رجلاً يقال له: أبو يكسوم من ندماء أبرهة انفلت وحده منهم فساد وطائر يطير فوقه ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم فلما استتم كلامه رماه الطائر فسقط فمات فأرى الله تعالى كيف هلاك أصحابه.
وقيل: كان أمر الفيل قبل مولد رسول الله صل الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل: بثلاث وعشرين سنة والصحيح أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صل الله عليه وسلم وقالت عائشة رضي الله عنها: رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين [157/ب] مقعدين يستطعمان.
ثم ظهر نور النبوة في وجه أبيه عبد الله حتى مر بكاهنة من العرب يريد أن يتزوج بأم رسول الله صل الله عليه وسلم آمنة بنت وهب قرأت الكاهنة نور النبوة بين عينيه فقالت: هل لك أن تقع علي ولك مائة من الإبل؟ فأعرض ومشى لشأنه ونكح آمنة وعلقت منه برسول الله صل الله عليه وسلم وعاد فمر بالكاهنة فعرض لها فلم تر ذلك النور فقالت: قد كان هذا مرة فاليوم لا.
ثم ولد رسول الله صل الله عليه وسلم عام الفيل ومات أبوه عبد الله وهي حامل به فكفله جده عبد المطلب فكان يرى من نشوئه ما يسره.
ومات بعد ثماني سنين من ولادته فوصى به غمه أبا طالب لأنه كان أخاً لعبد الله من أمه فخرج به أبو طالب إلى الشام لتجارته وهو ابن تسع سنين فنزل تحت صومعة بالشام وكان في الصومعة راهب يقال له بحيرا قرأ الكتب وعرف ما فيها من الأنباء والإمارات فرأى بحيرا من صومعنه غمامة قد أظلت رسول الله صل الله عليه وسلم من الشمس فنزل إليه وجعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوة بين كتفيه وسأله عن حاله

في منامه ويقظته فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب، وسأل أبا طالب عنه فقال: ابني فقال: كلا فقال: ابن أخي مات أبوه وهو حمل قال: صدقت وعمل له طعاماً لم يكن يعمله لهم قبل ذلك [158/أ] وقال: أحفظوا هذا من اليهود والنصارى فإنه سيد العالمين وسيبعث نبياً إليهم أجمعين وإن عرفوه معكم قتلوه فقالوا: كيف عرفت هذا؟ قال: بالسحابة التي أظلته ورأيت خاتم النبوة في كتفه فكان هذا أول بشرى بنبوته.
ثم نشأ رسول الله صل الله عليه وسلم في قريش على أحسن هدي وطريقة، وأشرف خلق وطبيعة، وأصدق لسان ولهجة حتى عرفت خديجة أمانته وأبضعته مالاً وتزوجت به.
أول ما تلقاه جبريل عليه السلام ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر برسالة الله تعالى يوم الاثنين في الثامن عشر من شهر رمضان، وروي في الرابع والعشرين من شهر رمضان ثم أخبر رسول الله صل الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بما نزل عليه فقالت له: يا ابن عم هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي أتاك؟ قال: نعم قالت: فأخبرني به إذا جاءك فجاءه جبريل عليه السلام فقال لها: يا خديجة هذا قد جاءني فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى فجلس عليها قالت: تراه؟ قال: نعم قالت: فتحول إلى فخذي اليمنى فتحول إليها فقالت: تراه؟ قال: نعم قالت: فتحول في حجري فتحول في حجرها فقالت: هل تراه؟ فتسحرت وألقت خمارها وهو جالس في حجرها وقالت: هل تراه؟ قال: لا قالت: ابن عم أثبت وأبشر فوالله إنه لملك [158/ب] وما هو بشيطانٍ وآمنت به فكانت أول من أسلم من جميع الناس.
ثم روي أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صل الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وهو بأعلى مكة فهمز بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام منها ليريه كيف الطهور فوضا رسول الله صل الله عليه وسلم فصلى به فكانت هذه أول عبادة فرضت عليه ثم انصرف جبريل عليه السلام فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكانت أول من توضأ وصلى بعد رسول الله صل الله عليه وسلم واستسر رسول الله صل الله عليه وسلم بالإنذار من يأمنه، واختلفوا في أول من أسلم بعد خديجة فقيل: أول من أسلم بعدها من الذكور علي بن أبي طالب وصلى وهو ابن تسع سنين، وقيل: كان ابن عشر وهذا قول جائز وزيد بن أرقم، وقال ابن عباس وأبو أمامة: أول من أسلم وصلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال عروة بن الزبير وسليمان بن يسار: أول من أسلم زيد بن حارثة ثم أسلم على يدي أبي بكر عثمان والزبير وجماعة ثم تتابع الناس في الإسلام وكان رسول الله صل الله عليه وسلم على الإستسرار بدعائه ثلاث سنين من مبعثه وقد انتشرت دعوته في قريش إلى أن أمر بالدعاء جهراً [159/أ] ونزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: 94] قول الله تعالى فلزمه الجهر بالدعاء وأمر أن يبدأ بإنذار عشيرته فقال تعالى: ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] ففعل إلى أن قال أبو لهب.
تباً لك فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] ثم لم يكن من قريش في دعائه إياهم مباعدة له ولكن كانوا يردون بعض الرد حتى ذكر آلهتهم وأهانها وسفه أحلامهم في عبادتها فأجمعوا حينئذ على خلافه وتظاهروا بعداوته إلا من عصمه الله منهم بالإسلام

وهم قليل مستحقون به، وهموا به حتى دفعهم أبو طالب عمه عنه وكانوا ينالون من أصحابه فلما رأى ذلك قال لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً عادلاً إلى أن يجعل الله لكم فرجاً "فهاجر إليها من خاف على دينه وهي أول هجرة هاجر إليها المسلمون في رجب سنة خمس من المبعث فكان أول من خرج منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة فيهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صل الله عليه وسلم ثم خرج إثرهم جعفر بن أبي طالب في جماعة صاروا مع المتقدمين اثنين وثمانين نفراً وصادفوا في النجاشي ما حمدوه.
وكان قد أسلم قبل ذلك عمر ثم أسلم حمزة فجهر رسول الله صل الله عليه وسلم بالقرآن في صلاته حين أسلم حمزة ولم يكن يجهر قبل إسلامه، وقوي به المسلمون وقرأ عبد الله بن مسعود على المقام جهراً حتى سمع قريش فنالوه بالأيدي [159/ب] ثم رأت قريش من يدخل في الإسلام وعدوا رسول الله صل الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً ويزوجوه من يشاء من نسائهم ويكف نسائهم ويكف عن ذكر آلهتهم قالوا: فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] إلى آخر السورة فكف عن ذلك وكان يتمنى من ربه تعالى أن يقارب قومه ويحرص على صلاحهم فأنزل الله تعالى سورة النجم فقرأها على قريش حتى بلغ صل الله عليه وسلم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى (19) ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان في تلاوته تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى وانتهى إلى السجدة فسجد فيها وسجد المسلمون إتباعاً لأمره وسجد من في المسجد من المشركين لما سمعوا مدح آلهتهم وتفرق الناس من المسجد متقاربين قد سر المشركون وسكن المسلمون وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من المسلمين وقالوا أسلمت قريش فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:52] الآية ونسخ ما ألقى الشيطان بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنثَى (21) تِلْكَ إذًًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 21 - 22] فقالت قريش لما سمعوا النسخ: ندم محمد على ما ذكر من مدح آلهتنا وجاء بغيره فازدادوا شدة وشدة على من أسلم وقدم من عاد من أرض الحبشة وعرفوا قبل دخول مكة ما نسخ فمنهم من رجع إلى أرض الحبشة من طريقه ومنهم من دخل مكة مستخفياً [160/أ] ومنهم من دخل في جوار فدخل عثمان رضي الله عنه مع زوجته رقية في جوار عتبة بن ربيعة، ودخل جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود سراً وكانوا ثلاثة وثلاثين نفراً ثم عادوا إلى أرض الحبشة إلا عثمان فإنه أقام حتى هاجر إلى المدينة وهذه هي الهجرة الثانية.
ثم لما اشتدت العداوة كادوا رسول الله صل الله عليه وسلم وأصحابه بأمرين: أحدهما: أرسلوا إلى النجاشي فيمن هاجر إليه.
والثاني: تحالفوا على بني هاشم وبني المطلب فيمن بقي مع رسول الله صل الله عليه وسلم على مقاطعتهم وأن يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى أقام أبو طالب على نصرة رسول الله صل الله عليه وسلم وجمع بين بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم وعاهدهم على اجتماع الكلمة ودخول الشعب فأجابوه إلا أبا لهبٍ وولده فإنهم انحازوا عنهم إلى

قريش وأقام رسول الله صل الله عليه وسلم في الشعب مع أبي طالبٍ وسائر بني هاشم وبني المطلب مدة ثلاث سنين لا يصل إليهم الطعام إلا سراً ولا يدخل عليهم أحد إلا مستخفياً إلى أن بدأ من قريش هشام بن عمرو فكلم زهير بن أبي أمية ثم كلم المطعم بن عدي يقبح لهما ما ارتكبوه من قطيعة الأرحام في بني هاشم وبني المطلب فوافقاه واجتمعوا من غدهم في نادي قريش على نقض عهدهم وبدأ بالكلام [160/ب] هشام بن عمرٍو فرد عليه أبو جهلٍ، ثم تكلم زهيرٌ ومطعمٌ بمثل كلام هشامِ فقال أبو جهلٍ: هذا أمرٌ أبرم بليلٍ.
وكانوا كتبوا صحيفةً وعلقوها في سقف الكعبة فأحضرت الصحيفة من سقف الكعبة وقد أكلتها الأرض إلا قولهم باسمك اللهم فإنه بقي وشلَّت يد كاتبها وهو منصور بن عكرمة وخرج بنو هاشمٍ وبنو المطلب مع رسول الله صل الله عليه وسلم إلى مكة منتشرين فيها كما كانوا.
ثم لم يزل ما كانوا على الصلح لم يصل إليه مكروهٌ حتى مات عمه أبو طالبٍ وماتت خديجة في عامٍ واحدٍ وذلك قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فناله الأذى بعد ذلك نثر بعض سفهاء قريشِ التراب على رأسه فدخل بيته قرأت إحدى بناته على رأسه التراب فبكت فقال لها: لا تبكي فإن الله تعالى يمنع أباك وخرج إلى الطائف ليمتنع ويستنصر بثقيف فلما انتهى إليها عمد إلى ساداتها وهم ثلاثة أخوةٍ عبد بالليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير، فكلمهم ودعاهم إلى الإسلام فردوه رداً قبيحاً وأغروا به عبيدهم وضعفاءهم فاتبعوه يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ورجعوا عنه، فمال إلى حائط كرم لعتبة وشيبة ابني ربيعة فاستند إليه يستروح مما ناله فرآه عتبة وشيبة فرقا له بالرحم وأَنفذا إليه طبق عنبٍ مع غلامٍ لهما نصرانيٍ يقال له: عداس فلما [161/أ] مد يده ليأكل منه سمى الله تعالى فاستخبره عداس عن أمره فأخبره وعرف نبوته فقبَّل يده وقدمه، فلما عاد قال له عتبة وشيبة: رأيناك فعلت معه ما لم تفعله معنا قال: لأنه نبي فقالا: فتنك عن دينك ثم رجع رسول الله صل الله عليه وسلم يريد مكة حتى صار بنخلة اليمامة قام بالليل يصلي ويقرأ فمر به نفرٌ من الجن قيل: إنهم من جن نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا كما قال الله تعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ إلى قوله ﴿طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 29 - 30] وقدم رسول الله صل الله عليه وسلم مكة وقريش على أشد ما كانوا من الخلاف، وقيل: إنه قدم في جوار المطعم بن عدي ثم عرض نفسه عليهم فلم يقبلوه ثم أتى كلباً فعرض نفسه على بني عبد الله فلم يقبلوه ثم عرض نفسه على بني حنيفة فكانوا أقبح العرب رداً له ثم عرض نفسه على بني عامرٍ فقال زعيمهم: إن شاركتنا في هذا الأمر قبلناك فتركهم وقال: الأمر لله يؤتيه من يشاء ثم حضر الموسم ستة نفرٍ من الخزرج منهم أسعد بن زراره وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله فأتاهم ودعاهم إلى الإسلام [161/ب] فأجابوا إليه وكانوا سمعوا يهود المدينة إذا قاتلوهم يقولون: لنا نبيٌّ يبعث ونحن ننتصر به عليكم فوقر ذلك في أنفسهم لما أراد الله تعالى بهم من الخير فلذلك سارعوا إلى الإجابة وعرض عليهم نفسه فقالوا نقدم على قومنا ونخبرهم بما دخلنا فيه،

فلما عادوا ذكروا ذلك فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صل الله عليه وسلم.
فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس عبادة بن الصامت وغيره فبايعوه على الإسلام بيعة النساء وذلك على ﴿أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: 12] الآية فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله صل الله عليه وسلم مصعب ابن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام فقدم معهم ونزل على أسعد بن زرارة ودعا الأنصار إلى الإسلام فأسلموا على يده قوم بعد قوم وكان أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وهما سيدا قومهما بني عبد الأشهل أنكرا ذلك حتى قرأ عليهما مصعب سورة الزخرف فلما سمعاها أسلما وأسلم في تلك الليلة جميع بني عبد الأشهل من الرجال والنساء وكانوا أول قوم أسلم جميعهم وصلى مصعب بالناس الجمعة في حرة بني بياضة وهي أول جمعة صليت [162/أ] في الإسلام وعاد مصعب إلى رسول الله صل الله عليه وسلم بمكة فذكر له من أسلم من أهل المدينة فسره ثم لما كان العام المقبل حج من الأوس والخزرج سبعون رجلاً وكان فيهم البراء بن معرور فصلى إلى الكعبة حين قدم على رسول الله صل الله عليه وسلم وقال: لا أتركها وراء ظهري ثم سأله فيها فقال له: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فعاد واستقبل بيت المقدس فكان أول من استقبل الكعبة وهو من تصدق بثلث ماله.
وواعد رسول الله صل الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق فباتوا تلك الليلة في رحالهم ثم خرجوا منها بعد ثلث الليل لوعد رسول الله صل الله عليه وسلم فحضروا شعب العقبة ووافى رسول الله صل الله عليه وسلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر وعلي فوقف العباس وعلياً على فم الشعب عيناً له ووقف أبو بكر على فم الطريق عيناً لهم وتلا عليهم رسول الله صل الله عليه وسلم القرآن وأخذ عليهم الإسلام فأسلموا جميعاً وقد كان فيهم من لم يكن قد أسلم ثم قال للعباس وهو على دين قومه: خذ عليهم العهد وكانوا أخواله لأن أم عبد المطلب كانت سلمى بنت عمرو من بني النجار من الخزرج فقال العباس: يا معشر الخزرج إن محمداً آمناً في عز قومه ومنعةٍ من بلده وقد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم فإن منعتموه مما تمنعون من أنفسكم [162/ب] وإلا فدعوه بين قومه وفي بلده فقال البراء بن معرور: بل نمنعه مما نمنع نه أنفسنا وأبناءنا فقال أبو الهيثم بن التيهان: إن بيننا وبين الناس حبالاً يعني عهوداً وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صل الله عليه وسلم وقال: "الدم الدم، والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم "فأقبل أبو الهيثم على الأنصار ثم قال: يا قوم هذا رسول الله حقاً وأشهد أنه لصادق وأنه لفي حرم الله وبين عشيرته وأعلموا أنكم إن تخرجوه إليكم ترميكم العرب عن قوسٍ واحدةٍ فإن كانت أنفسكم قد طابت للقتال وذهاب الأموال والأولاد فادعوه وإلا فمن الآن، فقالوا: يا رسول الله اشترط علينا لربك ولنفسك ما تريد فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني فيما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم فأجابوا وأحسنوا.

فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد اشترطت لنفسك ولربك فماذا لنا إذا وفينا لله ولرسوله فقال: لكم على الله الجنة فقال: قد قبلنا من الله ما أعطانا ثم قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "اختاروا منكم اثنى عشر نقيباً كما اختار موسى عليه السلام من قومه وقال للنقباء: انتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين [163/أ] لعيسى ابن مريم عليه السلام قالوا: نعم فبايعوه على هذا ثم عاد رسول الله صل الله عليه وسلم فعادت الفتنة أشد مما كانت في فتنة الهجرة غلى الحبشة واشتد الأذى بأصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: "إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها" فخرجوا جماعة جماعة ورسول الله صل الله عليه وسلم مقيم بمكة ينتظر إذن الله تعالى واستأذنه أبو بكر الصديق في الهجرة فاستوقفه.
وأسريب رسول الله صل الله عليه وسلم إلى بيت المقدس والسماوات قبل هجرته بسنة فأصبح وقص ذلك على قريش وذكر لهم المعراج فازداد المشركون تكذيباً.
وروي أنه لما صارت المدينة دار هجرة وأسلم الأنصار خافت قريش أن ينصروا رسول الله صل الله عليه وسلم فاجتمعوا في دار الندوة ليتشاوروا في أمره وسمي ذلك اليوم لكثرة زحامهم فيه يوم الزحمة وكانت عادتهم إذا اجتمعوا للمشاورة لا يدخل عليهم أحد من غيرهم فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ فلما رأوه قالوا: من أين جئت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم لأنكم أحداث وأنا شيخ رأيت الأمور وجربتها فنظرت في رأيكم فقالوا: ادخل فدخل إبليس لعنة الله عليهم فقال الحارث بن هشام احبسوه في بيت وسدوا بابه وطينوه واتركوه فيه وابعثوا إليه [163/ب] كل يوم رغيفاً وكوز ماء تتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة فقال إبليس لعنه الله: ليس هذا برأي لأن بني هاشم تخرجه من البيت وتسرحه من أيديكم، وقال أبو البحتري بن هشام: من شأنكم أن تأخذوا جملاً هائجاً وتشدوه عليه ثم تخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لم يضركم ما قال فقال إبليس لعنه الله: ما هذا برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه والله إن فعلتم ذلك ليستجمعن عليكم خلقاً ثم ليأتينكم فقال أبو جهل: من شانكم أن تأخذوا من أربعين قبيلة من كل قبيلة غلاماً شاباً ثم تعطون كل غلام سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ثم إن بني هاشم قبيلة واحدة وقريش أربعون قبيلة ولا يمكنهم أن يطلبوا القصاص في أربعين قبيلة ثم نعطيهم الدية حتى تنجوا.
فقال عدو الله إبليس لعنه الله: هذا هو الرأي فتفرقوا وهم مجتمعون على ذلك فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صل الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأخبره بمكر القوم فلم يبت في بيته وأذن الله تعالى له في الخروج إلى المدينة وأنزل بعد قدومه المدينة سورة الأنفال ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: 30] أي ليحسبوك سجناً أو يقتلوك جميعاً أو يخرجوك طرداً مشدوداً [164/أ] على الإبل ويمكرون ويريدون هلاكك يا محمد، ويمكر الله أي: يقتلهم يوم بدر والله خير الماكرين.
والمكر من الله بمعنى؟ ثم أعلم أبا بكر بالهجرة وخرج إلى الغار معه، وروي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يمشي ساعة بين يدي رسول الله صل الله عليه وسلم وساعة خلفه

حتى فطن له رسول الله صل الله عليه وسلم فقال له: "يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي "فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني قال: نعم والذي بعثك بالحق فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحر فقال: يا رسول الله حتى استبرئ الجحر فدخل فاستبرأه ثم قال: انزل يا رسول الله فنزل قال عمر رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لتلك الليلة من أبي بكر خير من آل عمر ثم لما دخلا الغار أرسل الله تعالى زوجي حمام حتى باضا في أسفل النقب وأرسل العنكبوت حتى نسج بيتاً ثم لما انتهى بعضهم إلى الغار ورأى بيض الحمام وبيت العنكبوت [164/ب] قال: لو دخلاه لتكسر البيض وتفسخ بيت العنبكوت فانصرف.
وكان عبد الله بن أبي بكر يختلف إليهما فلما أراد رسول الله صل الله عليه وسلم الخروج منها إلى المدينة جاءهم بناقتين فانطلقوا وكانوا أربعة نفر النبي صل الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط الليثي فمكث في الغار ثلاثة أيام وهو نقب في جبل في مكة يقال له: ثور ثم قدموا المدينة في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ونزل بقباء وبني مسجد قباء وخرج يوم الجمعة متوجهاً إلى المدينة فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم فصلى بهم صلاة الجمعة وهي أول جمعة صلاها رسول الله صل الله عليه وسلم فلما دخل المدينة أرخى زمام ناقته فجعل لا يمر بدارٍ إلا سأله أهلها النزول عليهم وهو يقول: "خلوا زمامها فإنها مأمورة "حتى انتهى إلى موضع المسجد اليوم فبركت على باب مسجده وهو يومئذ مربد ليتيمين من الأنصار سهل وسهيل ابني عمرو فنزل عنها فاحتمل أبو أيوب الأنصاري رحله فوضعه في بيته فنزل عليه، وقال: المرء مع رحله، وقال للأنصار: ثامنوني بهذا المربد فقالوا: لا نأخذ له ثمناً فبناه رسول الله صل الله عليه وسلم بنفسه [165/أ] وأصحابه مسجداً وأقام عند أبي أيوب حتى فرغ من بنائه.
ثم هاجر علي رضي الله عنه بعد رسول الله صل الله عليه وسلم بثلاثة أيام ثم لما استقرت برسول الله صل الله عليه وسلم دار هجرته ونزل المهاجرون على الأنصار آخى رسول الله صل الله عليه وسلم بين أصحابه ليزدهم ألفة وتناصرا.
ثم وادع من حوله من اليهود لأنهم كانوا أهل كتاب يرجو منهم أن يؤدوا الأمانة بإظهار نبوته فخانوا وجحدوا الصفة التي في كتابهم وظهر المنافقون بالمدينة يعلنون الإيمان ويبطنون الكفر ويوافقون اليهود في السر على التكذيب وكان النفاق في الشيوخ ولم يكن في الأحداث إلا واحد وكان رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول فسار فيهم رسول الله صل الله عليه وسلم بقول الظاهر من إسلامهم وقصدته اليهود بالمكر بقصد الاختلاف بين الأوس والخزرج حتى ينتقض أمره.
فأصلح رسول الله صل الله عليه وسلم بينهم وقطع اختلافهم وعادت ألفتهم ومع ذلك يدعو إلى الإسلام حتى أمر بالقتال فكان أول لواء عقده في سنة مقدمه لحمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلاً من المهاجرين في شهر رمضان [165/ب] بعد سبعة أشهر من هجرته ليعترض عيراً لقريش فيها أبو جهل في

ثلاثمائة رجل فبلغوا سيف البحر واصطفوا للقنال حتى افترقوا بقول مجدي بن عمرو الجهني، وعاد حمزة ثم كانت سرية عبيد بن الحارث على ستين رجلاً من المهاجرين ثم هكذا غلى أن اتصل القتال.
وفي السنة الثانية فرض صيام شهر رمضان وفرضت زكاة الفطر وخطب رسول الله صل الله عليه وسلم بذلك قبل الفطر بيوم أو يومين وفيها خرج رسول الله صل الله عليه وسلم إلى المصلى بالناس صلاة العيد وهو أول عيد صلى فيه وفيها غزا غزوة بدر الكبرى في يوم السبت الثاني عشر من شهر رمضان بعد تسعة عشر شهراً من هجرته وفيها صلى صلاة عيد الضحى وضحى بشاةٍ وضحى معه ذوو اليسار.
ثم تتابع الغزوات والفتوح إلى فتح مكة، واختلف العلماء في مكة هل فتحها عنوة أو صلحاً فعندنا أنه فتحها صلحاً وعند أبي حنيفة أنه فتحها عنوة، وقال صاحب "الحاوي ": والذي عندي على ما يقتضيه نقل سيرته أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة لأنه قوتل فقاتل وقتل وأعلا مكة دخله الزبير بن العوام صلحاً لأنهم [166/أ] كفوا وألزموا شرط أبي سفيان فكف عنهم الزبير فلم يقتل أحداً، فلما دخل رسول الله صل الله عليه وسلم واستقر بمكة التزم أمان من لم يقاتل واستأنف أمان من قاتل فلذلك استجار بأم هانئ بنت أبي طالب رجلان من أهل مكة فدخل عليهما علي رضي الله عنه ليقتلهما فمنعته وأتت رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ "ولو كان الأمان عاماً لم يحتاجا إلى ذلك ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك.
ثم بعث رسول الله صل الله عليه وسلم علياً إلى اليمين في شهر رمضان في ثلاثمائة فارس فكانت أول خيل دخلت تلك البلاد فناوشه من أوائلهم قوم فقتل منهم وسبا وغنم ثم تسارعوا إلى الإسلام طوعاً وأسلمت همذان كلها في يوم واحد فلما بلغ رسول الله صل الله عليه وسلم خر ساجداً فقال: "السلام على همدان "وتتابع أهل اليمن في الإسلام وقدم وفد العرب قبيلة قبيلة وأسلموا.
ثم حج رسول الله صل الله عليه وسلم حجة الوداع سميت به لأنه لم يعد بعدها إلى مكة وسميت حجة البلاغ لأنه بلغ أمته فيها ما تضمنت خطبته وسميت حجة التمام لأنه بين تمامها وأراهم مناسكها وسميت [166/ب] حجة الإسلام.
وقال أصحاب التواريخ: ولد رسول الله صل الله عليه وسلم عام الفيل وربي في بني سعد ومات أبوه وكان ابن شهرين فمكث بها النبي صل الله عليه وسلم خمس سنين فكفله عبد المطلب، ثم مات عبد المطلب وهو ابن ثماني سنين، فكفله أبو طالب وذهب به إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وخرج إلى الشام بأمر خديجة وهو ابن خمسة وعشرين سنة وشهرين وصارت قريش إلى قوله ورضوا بحكمه عند الكعبة وهو ابن خمس وثلاثين سنة وبعث وهو ابن أربعين سنة وولدت فاطمة وهو ابن إحدى وأربعين سنة ومات أبو طالب وهو ابن سبعة وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً، وماتت خديجة بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام وخرج النبي صل الله عليه وسلم إلى الطائف مع زيد بن حارثة بعد موت خديجة بثلاثة

أشهر وأقام بها شهراً فلما تم له خمسون سنة رجع إلى مكة في جوار مطعم ابن عدي، ولما أسري به إلى السماء كان ابن أحد وخمسين سنة وتسعة أشهر فلما بلغ ثلاثاً وخمسين سنة هاجر إلى المدينة وبني بعائشة رضي الله عنها في السنة الأولى من الهجرة، وزوج فاطمة من علي في السنة الثانية وحج أبو بكر بالناس وقرأ علي سورة براءة [167/أ] على المشركين في السنة التاسعة ثم حج حجة الوداع في السنة العاشرة ونزل عليه قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3] يوم عرفة في حجة الوداع فلما رجع إلى المدينة نزل قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281] الآية وهي آخر ما نزل من القرآن، وعاش صل الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية سبع ليال ومات في غرة ربيع الأول يوم الاثنين.
وروي أنه كان مدة مرضه ثلاثة وعشرين يوماً ولما مات يوم الاثنين ترك مسجى ولم يدفن في بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ودفن في آخره، وقيل: انتظروا لأن بعضهم كانوا يشكون في موته ويقولون: لعله يخرج بروحه.
وكان عدد ما صلى أبو بكر الصديق في آخر حياته صل الله عليه وسلم سبع عشرة صلاة وعن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "لم يقبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته "فصلى خلف أبي بكر ذلك اليوم ومات في بقية يومه، وروي أن الناس قالوا: وددنا أن لو متنا قبله فقال معن بن عدي: والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتاً كما صدقته حياً.
ونزل قبره أربعة اثنان متفق عليهما وهما علي والفضل ابن العباس واثنان مختلف فيهما فروي أنهما العباس وعبد الرحمن بن عوف، وقيل: قثم بن العباس وأسامة بن زيد، وجعل بين قبره وبين حائط القبلة نحو من سوط [167/ب] ثم اجتمع الصحابة وبايعوا أبا بكر الصديق على الخلافة رضي الله عنه.
ثم الكلام الآن في وجوب الهجرة وفيها فصلان: أحدهما: حكمها في زمان الرسول صل الله عليه وسلم، والثاني: حكمها بعده فأما في زمانه فهما حالتان قبل الهجرة إلى المدينة وبعد هجرته إليها فأما قبل هجرته فكانت مختصة بالإباحة دون الوجوب لأنها هجرة عن الرسول صل الله عليه وسلم وقد كان المسلمون حين اشتد بهم الأذى قالوا: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمة أهلها فأجابهم الله تعالى فقال: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ [النساء: 100] والمراغم التحول من أرض إلى أرض وفي هذه الهجرة نزل قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [النحل:41] يعني ظلم أهل مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني نزول المدينة والنصر على عدوها وأما حكمها بعد هجرة الرسول صل الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مختصة بالوجوب وكانت هجرة من أسلم بمكة قبل الفتح إليه وهم فيها ثلاثة أقسام: أحدها: من كان منهم في منعة بمال وعشيرة لا يخاف على نفسه ولا على دينه فمثله كان مأموراً بالهجرة ندباً لا حتماً، وقال الله

تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] الآية.
والثاني: من خاف على دينه أو نفسه وهو قادر على الخروج بأهله وماله فهذا كانت هجرة واجبة عليه وهو عارض بالتأخير [168/أ] قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الآية، الثالث: من خاف على نفسه أو دينه وهو غير قادر على الخروج لضعف حالٍ أو عجز بدنٍ فهو بترك الهجرة معذور قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: 98] أي: بالخلاص من مكة ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: في الهجرة إلى المدينة فيُظهر الكفر ضرورةً ويبطن الإسلام كما كان عمار رضي الله عنه.
وأما الهجرة في زماننا فتختص بمن أسلم في دار الحرب ويهاجر منها إلى دار الإسلام، ولا تختص بدار الإمام وحاله فيها ينقسم إلى خمسة أقسام: أحدهما: أن يقدر على الامتناع في دار الحرب بالاعتزال ويقدر على الدعاء والقتال فهذا يجب أن يقيم هناك لأنها صارت بإسلامه واعتزاله دار الإسلام ويجب عليه دعاء المشركين إلى الإسلام بما استطاع.
والثاني: أن يقدر على الامتناع والاعتزال ولا يقدر على الدعاء والقتال فيجب عليه أن يقيم هناك أيضًا ولا يهاجر لأن داره صارت باعتزاله دار الإسلام، وإن هاجر عنها عادت دار حرب ولا يجب عليه الدعاء والقتال لعجزه عنهما.
والثالث: أن يقدر على الامتناع ولا يقدر على الاعتزال ولا على الدعاء والقتال يجب عليه المقام ولا يجب عليه الهجرة لأنه يقدر على الامتناع وله ثلاثة أحوال فإن كان يرجو ظهور الإسلام بإقامته فالأولى به أن يقيم، وإن تساوت حاله في المقام والهجرة [168/ب] فهو بالخيار بين المقام والهجرة، والرابع: أن لا يقدر على الامتناع ويقدر على الهجرة فواجب عليه أن يهاجر ويعصي إن لم يهاجر وفي مثله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا برئ من كل مسلم مع مشرك)) قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: ((لا يترأى نارهما)) معناه لا يتفق رأياهما فعبر عن الرأي بالنار لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تستضيئوا بنار أهل الشرك)) أي لا تقتدوا بآرائهم، وقيل: معناه لا يستوي حكماهما، وقيل: معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر فلا يجوز لمسلم أن يساكن المفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها، وقال بعض أهل اللغة: معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله والعرب تقول: ما نار بعيرك أي: سمته.
الخامس: أن لا يقدر على الامتناع ويضعف عن الهجرة فتسقط عنه الهجرة لضعفه ويجوز أن يدفع عن نفسه بإظهار الكفر مع اعتقاد الإسلام.
وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أحوال فأول أحواله أنه كان مدة

مقامه بمكة منهيًا عن القتال مأمورٍا بالصفح والإعراض قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾] الحجر: 94] أي: أظهر الإنذار بالوحي وأعرض عن المشركين أي: عن قتالهم وإسرائهم، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾] النحل: 125] أي دين ربك وهو الإسلام ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾] 169/أ] أي: بالقرآن ولين من القول ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي بالرشاد على قدر ما يحتملون، وروي عن ابن عمر رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرنا معاشر الأنبياء لأن نكلم الناس على قدر عقولهم)).
ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فصارت دار الإسلام فأذن الله تعالى أن يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾] البقرة: 190] ثم ازدادت قوة الإسلام فأذن فيها بقتال من رأى إذنًا خيره فيه ولم يفرضه عليه فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾] الحج: 39] ولم يقطع بنصرهم بل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39] لأنه لم يفرض عليهم ولما فرض الجهاد قطع بنصرهم فقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾] الحج: 40] وغزا بدرًا وهو في الجهاد مخير ولهذا خرج بعض أصحابه ثم قوي أمره بنصرة بدر ففرض الله الجهاد فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73].
وجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين بالوعظ إن كتموا وبالسيف إن أعلنوا وقوله ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تقبل عليهم عذرًا، وقال تعالى للكافة ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي: الصبر على الشهادة وطلب النكاية في العدو دون الغنيمة ثم بين تعالى فرضه عليهم فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾] البقرة: 216] أي: فرض وهو مكروه في أنفسكم [169/ب] وشاق على أبدانكم فإذا ثبت هذا فقد كان في ابتداء فرضه مخصوص الزمان والمكان والزمان ما عدا الأشهر الحرم والمكان ما عدا الحرم على ما ذكرنا ثم أباح فيها قتال من قاتل فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾] البقرة: 194] فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم ففي إشهار الحرمات قصاص ثم أباح الله تعالى فيها قتال من قاتل ومن لم يقاتل فقال:} يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}] البقرة: 217] الآية فأعلمهم أن حرمة الدين أعظم من حرمة الشهر الحرام ومعصية الكفر أعظم من معصية القتال فصار لتحريم القتال في الأشهر الحرم ثلاثة أحوال تحريمه فيها لمن قاتل ومن لم يقاتل، ثم الإباحة لقتال من قاتل ومن لم يقاتل، وقال عطاء: هذه الحالة الثالثة غير مباحة ولا يستباح إلا قتال من قاتل وهذا خطأ لقوله تعالى في تعليل الإباحة: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ {ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد بيعة الرضوان على قتال قريش في ذي القعدة، وأما في الحرم كان القتال حراماً على العموم لقوله تعالى:﴾ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [آل عمران: 97] ثم أباح قتال من قاتل خاصةً فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: 191] ثم أباح قتال الكل بقوله

تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39] وبقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾] التوبة: 5] وللحرم هذه الأحوال الثلاثة، وقال مجاهد: هذه الحالة [170/أ] الثالثة غير مباحة ولا يباح فيه إلا قتال من قاتل وهذا خطأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل مكة عام الفتح مبتدئًا ولأنه يقاتل فيه أهل المعاصي فكان تطهير الحرم منهم أولى.
واختلف أصحابنا: هل كان الجهاد فرضًا على الأعيان ثم انتقل إلى الكفاية أو لم يزل على الكفاية؟ على ما ذكرنا، واختار ابن أبي هريرة أنه كان على الأعيان لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قيل: أراد شبانًا وشيوخًا، وقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: ركبانًا ومشاةً، وقيل: نشاطًا وكسالى وقال: خفافًا إلى الطاعة وثقالً إلى المخالفة، وقيل: خفافًا إلى المبارزة وثقالًا إلى المصابرة ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾] التوبة: 41] أي بالإنفاق على النفس بالزاد والراحلة، وقيب: أن يبذل المال لمن يجاهد إن عجز عن الجهاد بنفسه ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾] التوبة: 118] يعني تاب عليهم حين تخلفوا في غزوة تبوك ثم ندموا وتابوا وكان خرج في هذا الغزوة ثلاثون ألفًا.
وقال سائر أصحابنا: على الكفاية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] الآية وقال تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾] النساء: 71] أي: انفروا فرادى وعصبًا أو انفروا بأجمعكم فخيًّرهم بين الأمرين وإنما تعين على الثلاثة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعاهم بأعيانهم فتعين عليهم، وقال صاحب ((الحاوي)): [170/ب] الصحيح عندي أن مبدأ فرضه كان على الأعيان في المهاجرين وعلى الكفاية في غيرهم لأن المهاجرين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصرته فتعين عليهم ولهذا كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدرٍ بالمهاجرين خاصة وما جاهد غير الأنصار قبل بدر ولهذا سمي أهل الفيء من المقاتلة مهاجرين وجعل فرض العطاء فيهم وسمى غيرهم وإن جاهدوا أعرابًا، وقد استقر فرضه الآن على الكفاية.
فالذي يلزم في فرض الجهاد شيئان: أحدهما: كف العدو عن بلاد الإسلام لينتشر المسلمون فيها آمنين على أنفسهم وأموالهم، فإن أطل العدو عليهم تعين فرض الجهاد على من أطاقه وقدر عليه ممن فيها وكان فرضه على غيرهم باقيًا على الكفاية.
والثاني: أن يطلب المسلمون بلاد المشركين ليقاتلوهم على الدين حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية لأن الله تعالى فرض الجهاد لنصرة دينه فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّه﴾ [البقرة: 193] فهذا ما لا يُعين ولا يكون إلا على الكفاية.
واعلم أنه يلزم على الإمام والمسلمين أن يجمعوا بينهم فيذبوا عن بلاد الإسلام ويقاتلوا على بلاد الشرك ولا يجوز لهم أن يقتصروا في الجهاد على أحد هذين الأمرين فإن اقتصروا

حرجوا لاختلالهم فرضه على الكفاية، والثاني: أن تكون ثغور المسلمين [171/أ] مشحونة بالمقاتلة الذين يذبون عنها ويقاتلون من يتصل بها فيسقط فرض الجهاد عمن خلفهم فإن ضعفوا وجب على من ورائهم أن يمدوهم بمن يتقوون به على قتال عدوهم ويصير جميع من تخلف عنهم داخلًا في فرض الكفاية حتى يمدوهم بأهل الكفاية.
وفي تسميته جهادًا تأويلان أحدهما: لأنه يجهد في قهر عدوه، والثاني: لأنه يبذل في جهد نفسه.
وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض غزواته قال: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) يعني جهاد النفس.
ويتوجه فرض الكفاية على من لا يحسن القتال فيكثّر ويهيّب أو يحفظ رجال المحاربين.
مسألة: قال: ودلَّ كتابُ اللهٍ تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنهُ لمْ يفرض الجهادُ على مملوكٍ.
الفصل الكلام في هذا في بيان من هو من أهل فرض الجهاد ومن ليس من أهله؟ وجملته أن الجهاد لا يجب إلا على حرٍّ ذكرٍ بالغٍ عاقلٍ وهذا لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾] التوبة: 41] والمملوك لا مال له وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾] التوبة: 91] وروي أنه كان إذا أسلم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ يقول: ((أحرٌّ أم مملوك))؟ [171/ب] فإن كان حرًا بايعه على الإسلام والجهاد، وإن كان مملوكًا بايعه على الإسلام.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النساء هل عليهن جهاد؟ فقال: ((نعم جهادٌ لا قتال فيه الحج والعمرة)) واحتج الشافعي فيهن بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾] الأنفال: 65] قال: دلت هذه الآية على أنهم الذكور، واختلف أصحابنا في الخطاب الوارد بلفظ الذكور هل تحته النساء؟ وظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه في هذا الموضع يدل على أن ظاهر الصيغة للرجال وإنما يحمل على النساء بقرينة لأنه تمسك بقوله تعالى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وادعى أن الصيغة للذكور على التخصيص، وأخرج أيضًا فيهن وفي العبيد بأنهم لو حضروا القتال لأسهم لهم وقد حضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغزو فرضخ لهم ولم يسهم وأما الدليل في الصبي خبر ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة الخبر وقد ذكرنا ذلك قال الشافعي: وسواء كان جسيمًا سديدًا أو مقاربًا لخمس عشرة سنة ليس بينه وبين استكمالها إلا يوم أو ضعيفًا وؤذنًا بينه وبين استكماله سنة أو سنتين.

فرع لا يجب الجهاد على خنثى مشكل [172/أ] وإن بلغ لأنه لا يتيقن فيه الذكورة.
فرع آخر من لا جهاد عليه من العبيد والنساء والولدان يجوز للإمام أن يأذن لهم في حضور الوقعة لأن فيهم معونة لإصلاح الطعام وتعليل المرضى ومداواة الجرحى وترضخ لهم من الغنيمة، ولا يجوز أن يأذن للمجانين في ذلك لأنه لا منعة فيهم وهم طعمة لأهل الحرب وعند مالك لا سهم للنساء ولا يرضخن بشيء، وقد روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان يغزو بأم سلمة ونسوة من الأنصار فيسقين الماء ويداوين الجرحى)).
فإن قيل: روي أن نسوة خرجن فأمر بردهن قيل: لعله لم ير القوة في المسلمين فخاف عليهن فردهن أو كن شابات ذوات جمالٍ فخاف فتنتهن.

باب من له عذر بالضعف والضرر والزمانة

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾] التوبة: 91] الآية ذكر الشافعي رضي الله عنه آيتين: إحداهما: هذه.
والثانية: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾] النور: 61] الآية فقيل: هذه الآية وردت في الجهاد دون غيره من الفرائض والأحكام، وقيل: إن ذلك في الجهاد وفي المواكلة فإنهما كانا [172/ ب] يحضران للضيافة خوفًا أن يأخذ الأعمى ما بين يدي صاحبه، وروي أن أعرابيًا واكل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ((كل مما يليك ولا تأكل من ذروة الطعام فإن البركة تنزل في أعلاه)) ثم أتى بالرطب فقال: ((كل من حيث شئت فإنه غير لونٍ)) وكان الأعرج يقول: آخذ مكان اثنتين فيؤذي جليسي وكان المريض يتحرج عن الحضور مخافة أن يُعاف.
والجهاد أشبه به، وقيل: قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾] النور: 61] نزل في موضعين في سورة الفتح وهو في القتال وفي سورة النور وهو في رفع الجناح في المواكلة فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي رضي الله عنه في الباب الأول من لا جهاد عليه لنقصه، وذكر هنا من لا جهاد عليه لضعفه ونقصان حاله فلا جهاد على الأعمى للآية ولأن القصد منه القتال ولا يتأتى منه ذلك كاملاً.
وأما الأعور فيلزمه فرض الجهاد لأنه كالصحيح في تمكنه من القتال، وكذلك الأعشى الذي يبصر بالنهار دون الليل ولو كان ضعيف البصر يرى الأشخاص، وإن لم يعرف صورها ويمكنه أن يتقي أخفى السلاح وهي السهام لزمه الجهاد، وإن كان بخلاف هذا لا يلزمه الجهاد ويلزم الأصم لأن معتبر البصر دون السمع، وأما الأعرج فضربان مقعد لا يطيق المشي ولا الركوب فلا يلزمه الجهاد [173/أ] لما ذكرنا، وإن لم يكن مقعداً ولكنه بيّن العرج لا يلزمه ذلك أيضًا والمراد بالأعرج في الآية الأعرج بالرجل الواحدة وعند أبي حنيفة المراد به المقعد ويلزم الجهاد على غيره، وإن كان عرجًا خفيًا يطيق معه العدو والقتال يلزمه ذلك ولو كان يقدر على الركوب والمشي

ويضعف على السعي يلزمه أيضًا ذكره في ((الحاوي))، وإن كان بين العرج إلا أن له دوابا وهو يحسن أن يقاتل راكبًا لا يلزمه ذلك لأنه ربما يعقر به أو تهلك دابته فيحتاج إلى الفرار أو إلى القتال راجلًا فيهلك.
ولا يلزم الأقطع والأشل لأنه يقاتل باليمنى ويتقي باليسرى فإن ذهب شيء من أصابع يده أو رجله فإن بقي أكثر بطشه يلزمه وإلا فلا يلزمه، وأما المريض فعلى ضربين: مريض خفيف المرض، ومريض ثقيل المرض، فالخفيف مثل الصداع ووجع السن ونحو ذلك لا يسقط فرض الجهاد، وأما الثقيل فيسقط فرض الجهاد لأنه لا يمكنه مع ذلك البطش والقتال، وأما المعسر ينظر فإن كان الجهاد على مسافة لا يقتصر إليها الصلاة لم يعتبر وجود الراحلة ويعتبر وجود الزاد كما قلنا في الحج وإن كان على مسافة تقصر إليها الصلاة فلا يجب الجهاد إلا بوجود الزاد والراحلة ووجود الزاد لنفسه ولمن تلزمه نفقته في قدر ما يرى أنه يلبث في غزوه ويعتبر وجود السلاح الذي يقاتل به مع ذلك فإن لم يجد شيئًا منه لا يلزمه [173/ب] الجهاد نص عليه قال: وإن لم يجد ما يدع لمن يلزمه قبوله ولزمه الفرض لأن له في بيت المال حقًا وإن بذله غير الإمام من ماله لم يلزمه قبوله للمنة، وقد قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يندب هؤلاء الذين ذكرنا من النساء والعبيد والأعرج والمريض والأعمى إلى الجهاد إلا أن يحضرهم العدو فيجب عليهم حينئذ أن يتحركوا على أنفسهم ويدفعوا ذلك.
فرع لو كان في طريقه عدو ولا يمكنه مجاوزته إلا بالقتال يلزمه الخروج بخلاف الحج لأنه يخرج إلى القتال مع المخاطرة بالروح فلا يجوز التخلف بهذا العذر بخلاف الحج.
مسألة: قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين.
الدين ضربان: حالٌّ ومؤجّلٌ فإن كان حالًا لم يكن عليه أن يجاهد بغير إذن صاحبه لما روى أبو قتادة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ((أرأيت لو انغمست في العدو فقُتلت إلى الجنة؟ فقال: نعم إلا الدين))، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرض الناس في بعض الغزوات على القتال فقال رجل يقال له عمير: بخ بخ ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال: لا يقصد أن ينغمس في العدو فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هذا جبريل عليه السلام يقول: إلا أن يكون عليك دين" وروى عبد الله [174/أ] بن عمرو

رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدين)) قال: وسواء كان الدين لمسلم أو لكافر ولأنه ينقطع به الكسب ويتعرض للشهادة فيمنع به.
وإن كان موسرًا أو استناب في قضاء دينه والمال حاضر لا يحتاج إلى إذنه لأنه كالمؤدي، وإن كان المال غائبًا لا يخرج إلا بإذنه لجواز أن يتلف المال قبل قضاء دينه.
وإن كان الدين مؤجلًا فقد ذكرنا وجهين، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذ لم يكن له وفاء فإن خلف وفاءً فهل له الغزو دون إذنه؟ فيه وجهان والصحيح أن ليس له ذلك لأنه يقتل ويتلف ماله الذي خلفه فيضيع حقه.
قال: ولو كان على المرتزقة دين مؤجل فهل له منعه إذا لم يكن له وفاء؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك.
والثاني: ليس له لأنه ربما لا يمكنه قضاء الدين إلا من الرزق فيستفيد ذلك، ولو جاهد بإذن صاحب الدين لم يتعرض للشهادة ولم يتقدم أمام الصف ووقف في وسطها أو حواشيها ليحفظ الدين بحفظ نفسه ذكره في ((الحاوي)).
مسألة: قال: وبإذن أبويه.
الفصل إذا أراد أن يجاهد وله أبوان مسلمان لم يكن له ذلك بغير إذنهما ولهما منعه لما روى علد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال: [174/ب] أحيٌّ والداك؟ فقال: نعم فقال صلى الله عليه وسلم: ففيهما فجاهد وروى أيضًا قال: جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أوي يبكيان فقال: فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)) وروي أنه قال: ((فأرجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما))، وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله أبايعك على الجهاد فقال هل لك من بعل؟ قال: نعم قال: فانطلق فجاهد فإن لك فيه مجاهدًا حسنًا وأراد بالبعل من يلزمه طاعته من والدٍ أو والدة مأخوذ من قولهم: تبعَّل الدار أي: ملكها ومنه سمي الزوج بعلًا.
وقال رجل لابن عباس: إني نذرت أن أغزو الروم وإن أبوي يمنعاني فقال: أطع أبويك فإن الروم ستجد من يغزوها غيرك)).
فرع لو أذن له أبوه دون أمه والأم دون الأب يغلب حكم المنع ولا يخرج.

فرع آخر لو كان له جد أو جدة فإن كان الأبوان معدومين قاما مقام الأبوين في وجوب استئذانهما، وإن كان الأبوان باقيين ففي وجوب استئذانهما وجهان: أحدهما: لا يجب لحجبهما عن الولاية والحضانة بالأبوين.
والثاني: يجب للشفقة وهو الأظهر.
فرع آخر لو كان الأبوان مملوكين لم يلزم استئذانهما لأنهما لا إذن لهما في أنفسهما، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: عندي لا يجوز [175/أ] إلا بإذنهما لأن المملوك كالحر في البرّ والشفقة.
فرع آخر لو كان الولد مملوكًا وله أبوان حران فأذن السيد دون الأبوين كان إذن السيد مغلبًا لأنه أحق بالتصرف فيه منهما.
فرع آخر لو كان بعض الولد حرًا لزم استئذان الأبوين بما فيه من الحرية واستئذان السيد بما فيه من الرق.
فرع آخر لو تعين الجهاد بأن أحاط العدو بالبلد ليس لأحد منعه لا الأبوان، ولا صاحب الدين فإن منعوا لم يلتفت إلى ذلك وله الخروج إلى الجهاد.
فرع آخر لو أراد سفر التجارة ولا يجب عليه نفقتهما لا يلزمه استئذانهما لأن المقصود بالجهاد التعرض للشهادة، وبالتجارة طلب السلامة والفائدة، وإن كان عليه النفقة يكون كصاحب الدين مع من عليه.
فرع آخر لو خرج لطلب العلم يستحب له أن يستأذن أبويه، ويستحب له أيضًا في سفر التجارة فإن منعاه لم تحرم عليه مخالفتهما لما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كان مما يحتاج إليه بنفسه من غير علم الطهارة والصلاة والزكاة ولا يجد ببلده من يعلمه أو لا يحتاج لنفسه كالعلم بالنكاح ولا زوجة له ونحو ذلك، وليس في بلده من يعلم ذلك فإن كان في بلده من يعلمه أو يعلّمه ما يحتاج إليه أو خرج واحداً لطلب العلم هل له أن يخرج من غير الأبوين؟ فيه وجهان [175/ب] أحدهما: ليس له لأنه لم يفترض عليه ذلك.
والثاني: له ذلك لأنه طاعة ونصرة للدين ولا يخاف منه الهلاك وهذا خلاف النص والمذهب المشهور على ما ذكرنا.

فرع آخر قال: ولو كانا كافرين فله الجهاد، وإن كانا كارهين لأنه يجاهد أهل دينهما فلا طاعة لهما عليه ومعنى هذا أنهما متهمان في المنع ولا يحمل منعهما إياه من الغزو على الشفقة والحذر عليه وإنما يحمل على المنع من قتال أهل دينهما فإنهما يكرهان ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15] فكما لا يطعهما في الشرك فكذلك لا يطيعهما في ترك قتال المشركين، ولأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول كان رأس المنافقين وكان يحذل الناس يوم أحد ويقول: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا وابنه عبد الله كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع بقوله وغزا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأبوه مقدم المشركين.
مسألة: قال: ومن غزا ممن له عذرٌ أو حدث له بعد الخروج عذر كان له الرجوع ما لم يلتق الزحفان.
الفصل جملته أن العذر ضربان لحق غيره كالدين وحق الأبوين وحق من يلزمه نفقته، فإن خرج من غير إذن من له هذا الحق فقد عصى [176/أ] ولزمه الرجوع من السفر لأنه سفر معصية ويجبره السلطان عليه.
وضربٌ لحق نفسه مثل أن يكون مريضًا أو أعرج أو فقيرًا فإنه إذ خرج بالخيار فإن شاء مضى في وجهه، وإن شاء رجع ولا يعارضه السلطان ولا فرق بين أن يكون العذر موجودًا قبل الخروج أو حادثًا بعد الخروج مثل أن يمرض أو يعرج أو يفتقر في الطريق بأن يتلف مركوبه أو تذهب نفقته أو يستدين أو يسلم أبواه أو أحدهما فإنه بمنزلة ما لو كان موجودًا قبل خروجه وكذلك إذا أذن له من له الحق ثم رجع عن الإذن كان له ذلك وعليه أن يرجع من السفر.
قال الشافعي: ما لم يلتق الزحفان أو يكون في موضع كافٍ إن رجع يتلف، فأما إذا كان يخاف على نفسه في الرجوع وانفصاله من الجيش أو يخاف على ماله لا يجب عليه الرجوع، وإن التقى الزحفان فهل يجب عليه الرجوع؟ نُظر فإن كان معذورًا لمعنى في نفسه من زمانةٍ أو عرجٍ أو مرضٍ أو فقرٍ لزمه الثبوت حتى يفترق الزحفان ولا يرجع، نص عليه وهذا اختيار صاحب ((التقريب))، وقال أبو حامد: له الانصراف لأنه لا يمكنه القتال كما لو مريضًا في الابتلاء، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان.
وإن كان معذورًا لحق غيره، والظاهر من المذهب أنه يلزمه الثبوت ولا يجوز الرجوع لئلا يؤدي إلى أكثر [176/ب] المسلمين وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] الآية، وقال القاضي أبو حامد: فيه وجهان، وقال الشيخ أبو

حامد: فيه قولان أحدهما: ما ذكرنا قياسًا على عذره في حق نفسه، والثاني: يلزمه الرجوع لأن الثبات فرض وحق الغريم حقٌّ وهما متعينان فقدم الأسبق وهو حق الغريم ثم قال في ((الحاوي)): إذا التقى الزحفان فإن كان رجوعه أصلح من مقامه رجع، وإن كان مقامه أصلح لاضطراب المجاهدين برجوعه لا يرجع، وإن تساوى مقامه ورجوعه فإن كان عذره حادثًا له أن يرجع به سواء كان في حق نفسه أو في حق غيره لأنه قد خرج به من فرض الجهاد، وإن كان عذره متقدمًا فإن كان في حق نفسه يمنع من الرجوع التوجه الفرض عليه بالحضور، وإن كان عذره في حق غيره ففي رجوعه وجهان على ما ذكره القاضي أبو حامد.
فرع كل موضع قلنا عليه أن يرجع لحق صاحب الدين أو الأبوين أو لحق من يلزمه نفقته أو قلنا: له أن يرجع لمرض لم يكن للسلطان منعه وكان عليه تحليته.
قال الشافعي: إلا أن يكون أصاب ذلك جماعة وكان يخاف على المسلمين من رجوعهم الخلوة فيكون له حبسهم.
فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: ولو غزا مع السلطان بعد ثم رده الأبوان أو الغريم كان للسلطان منعه من الرجوع [177/أ] وإن حدث له عذر من مرض أو زمانة أو عرج شديد لا يقدر على مشي الصحيح معه ليس له الرجوع في الجعل لأنه حق من حقوقه أخذه ويريد به سهم الغزاة ففرق الشافعي بين العذر بالمرض، وبين العذر بالأبوين في الحبس واسترجاع الجعل، وقال في ((الحاوي)): إذا كان مستعجلًا على غزوه من السلطان ووجد العذر فإن كان في حق غيره لم يرجع لأن الجعالة مشتركة بين حق الله تعالى وحق الآدمي فهي آكد مما انفرد بحق الآدمي، وإن كان العذر في نفسه فإن العذر في نفسه فإن كان العذر متقدمًا على الجعالة يمنع من الرجوع لأنه التزم مع عذره، وإن حدث العذر بعد الجعالة كحدوث الزمانة أو تلف النفقة يجوز له الرجوع ولا يمنعه السلطان ولا يسترجع منه ما أخذ، وإن كان بعد التقاء الزحفين يلزمه أن يقيم ولا يرجع إذا تساوى مقامه ورجوعه، وإن كان مقامه أصلح لا يرجع أيضًا، وإن كان رجوعه أصلح من مقامه رجع.
فرع آخر قال: وإن كان سليمًا صحيحًا فذهب ماله أو تلف مركوبه كان على السلطان أن يعطيه، فإن أعطاه كان له حبسه.

فرع آخر قال: وإذا غزا رجل فذهبت نفقته أو دابته ثم وجد نفقة أو أفاد دابة فإن كان كذلك ببلاد العدو لم يكن له الخروج وكان عليه الرجوع إلى المجاهدين [177/ب] إلا أن يخاف على نفسه في رجوع، وإن كان فارق بلاد العدو فالاختيار له العود إلا أن يخاف وهو بالخيار ففرق الشافعي في ذلك بين أن يكون في دار الحرب ومن خروجه منها نقله القاضي أبو حامد.
فرع آخر لو أعطاه السلطان بدل ما تلف منه، فإن كان في أرض العدو لزمه قبوله للعود إلى الجهاد فإن عاد ولم يقبله كان مخيرا في العود.
فرع آخر قال: فإن كان قد غزا وله عذر، ثم ذهب العدو وصار ممن عليه فرض الجهاد لم يكن له الرجوع عن الغزو دون رجوع من غزا معه وهو مثل أن يكون أعمي فذهب العمى وصح بصره، أو صح إحدى عينيه فخرج من حد العمى، أو كان أعرج فانطلقت رجله بذهاب العرج أو كان مريضا فذهب المرض، أو كان ممن لا يجد ما ينفق فصار واجدا، أ، كان كافرا فأسلم قال: وكذلك حال من عليه جهاد فخرج ثم حدث له عذر في نفسه وماله ثم زالت تلك الحال عنه وعاد إلى أن يكون ممن فرض الجهاد عليه فقال في ((الحاوي)): إن كان قبل التقاء الزحفين فإن كان المشركون أظهر منع العود، وإن كان المسلمون أظهر يتخير، وإن التقي الزحفان تعين جهة المقام، وإن كان بعد في دار الإسلام يتخير.
فرع آخر لو حضر الصبي أو المرأة أو العبد القتال لا يتعين عليهم القتال بالتقاء الزحفين [178/أ] لأنهم ليسوا من أهل الفرض قبل الالتقاء إلا أن في رجوع العبد يخاف أن يظن العدو أنه حر رجع فيجترئ بذلك أو يظن المسلمون ذلك فتضعف قلوبهم فيستجب له أن لا يرجع.
فرع آخر لو جاهدهم ففني سلاحه له أن يرجع.
وقال بعض أصحابنا: إن أمكنه المقاتلة بالحجارة فعل ولا يرجع، والأول أصح لأنه يغني غناء بالسلاح.
مسألة: قال: ويتوفي في الحرب قتل أبيه.
قد ذكرنا هذه المسألة وقد منع النبي صلي الله عليه وسلم أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن، وروي أن عبد الرحمن لما أسلم قال لأبيه: تمكنت منك يوم أحد، ولو شئت لأصبتك فلم

أفعل، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لكني لو تمكنت منك لما أبقيت عليك.
فرع يكره في الحرب أن يعتمد قتل كل ذي رحم محرم وفيمن عداهم من بني الأعمام وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يكره، وقال غيره: لا يكره حتى يتراخي نسبهم ويبعد، وقال صاحب ((الحاوي)): عندي أنه ينظر فإن كانوا من يرث بنسبه ويورث كره له قتلهم لقوة النسب وتأكيدا لحرمة، وإن كان غير ذلك لا يكره.
فرع آخر لو عمد قتل أحدهم لا جناح عليه وينظر فإن كان لشدة عناده لله تعالى ولرسوله والتعرض بسبهما فليس بمسيء، وإن كان لغيره فقد أساء بدليل خبر أبي عبيدة بن الجراح حين قتل أباه وحمل برأسه [178/ب] إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم على ما قدمنا بيانه.
مسألة: قال: ولا يجوز أن يغزو بجعل من مال رجل.
الفصل اعلم أنه لا تدخل النيابة في الجهاد بحال فلا يجوز أن يتطوع عن الغير به فإن فعل وقع عن نفسه، ولا يجوز أن يأخذ عليه أجره فإن فعل كانت الإجارة باطله، ويكون الجهاد عن نفسه ويلزمه رد الأجرة لأنه فرض على الكفاية فإذا حضر الوقعة تعين عليه فلم يجز أن يكون في فرضه المتعين نائبا عن غيره، وكذلك لا يجوز أن يكون قد جاهد عن نفسه مره أو لم يجاهد، لأنه إذا جاهد عن نفسه أعاد نفسه ثم عاد مرة أخري وحضر الوقعة تعين عليه ويصير دافعا كما تعين عليه في المرة الأولي ولهذا تفارق الحجة الثانية فإنها لا تجب عليه وإنما هي تطوع فكان له أن يحج عن غيره، فإن قيل: قال الشافعي رضي الله عنه: إنما أجرته من السلطان لأنه يغزو بشيء من حقه وهو جواب عن هذا السؤال، ومعناه أن الغازي إن كان من المرابطين فإن له حقا في الفئ وهو في أربعة أخماسه وخمس خمسه للمصالح وذلك من أهم المصالح، وإن كان من الذين يجاهدون إذا نشطوا فإن له سهما في الصدقات وهو السهم الذي جعله في سبيل الله تعالى، فإذا غزا بهذا المال فإنما يغزو عن نفسه بمال هو حقه ولهذا لو رجع عن الجهاد لمانع لم يسترجع منه ما أخذه لحقه فيه.
[179/أ].
فرع قال أصحابنا: لو بذل الإمام لرجل من خالص ماله على أن يغزو ويدله على شيء، نظر فإن كان البذل ليكون الغزو عن الباذل لم يجز على ما ذكرنا، وإن بذله على أن يكون الغزو للمبذول له جاز ويكون ذلك معونة على فعل الغزو وعن نفسه، وكذلك إذا بذل رجل لرجل مالا ليؤدي فرض نفسه في الحج وغيره جاز وكان له ثواب المال الذي

دفعه إليه وهو معني قوله صلي الله عليه وسلم: ((من جهز غازيا أو حاجا أو معتمرا فله مثل أجره)) وروي أنه قال: ((للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي)) وروي زيد بن خالد الجهني أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)).
مسألة: قال: ومن ظهر منه تخذيل للمؤمنين بأن يقول: عدوكم قليل وخيلكم التي أسراها الإمام فلم ينقلب منهم أحد والعدو شوكته عظيمة، وللعدو كمين عظيم أو الغدر والغدر أن يكون مواطئا للمشركين علي انتهاز فرص المسلمين والإشراف علي أحوالهم ويكاتبهم بها أو الإعانة عليهم لهم يمنعه الإمام من الخروج معه وفيه نزل قوله تعالي: ﴿ولَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالاً﴾ [التوبة: 46 - 47] الآية لأن المقصود قتال المشركين والظفر بهم وخروج هؤلاء يفيد ضد ذلك، فإن قيل: أليس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحمل مع نفسه عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وكان يخذل الناس عنه؟ قلنا: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمن شره فإنه كان يمزل عليه الوحي بما يفعله فيحذر ذلك ولا يوجد هذا في غيره.
فرع لو غزا معهم واحد منهم فقد ذكرنا أن الشافعي قال: لا يسهم له ولا يرضخ، وإن أظهر العون للمسلمين لأنه يحتمل أن يكون أظهره نفاقا، ومن أصحابنا من قال: يرضخ له وليس بشيء، فإن قيل: أليس لو غزا من غير إذن أبويه أو غريمه فإنه عاص ويستحق السهم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المنع هناك لا يختص بالغزو، وهنا المنع من الحضور لمعني يختص بالغزو، ولهذا كان لو صلي من غير طهارة لا تصح صلاته ولو صلي في دار مغضوبة صحت.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا نهاه الإمام فلم ينته.
فأما إذا لم ينهه الإمام عن الحضور فله السهم كغيره وإن عرف الإمام حاله.
فرع آخر لو أظهر المخذل القتال وأظهر التوبة فإن كان بعد توجه الظفر بالمشركين لم يسهم له، وإن كان قبله فإن كان لنفسه لم يسهم له أيضا، وكذلك لو كان لرغبة في الغنيمة،

وإن كان لتدين [180/أ] ظهر منه أسهم له وإن أشكل حاله لم يسهم له.
فرع آخر لو غزا من ذوي النفاق من أضمره ولم يتظاهر بالضرر أسهم له ولم يكشف عن باطن معتقده وأسهم رسول الله صلي الله عليه وسلم لمن شهد غزواته من المنافقين.
مسألة: قال: وواسع للإمام أن يأذن للمشرك أن يغزو معه.
اعلم أنه جوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال أهل الحرب بشرطين أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وفي المشركين كثرة.
والثاني: أن يكون المستعان به حسن الرأي ويؤمن شرهم، والدليل على هذا ما روي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع بعد بدر ورضخ لهم وشهد صفوان حنينا بعد الفتح وصفوان بعد مشرك، وروي عن سعد بن مالك رضي الله عنه أنه غزا بقوم من اليهود ورضخ لهم، فإن قيل: روي أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج حتى إذا كان خلف ثنية الوداع فإذا كتيبة فقال: من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع قال: وأسلموا؟ قالوا: لا قال لهم: فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين، وروي أن رجلا اتبع رسول الله صلي الله عليه وسلم من المشركين وكان مشهورا بحسن البلاء والشجاعة في الحرب فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أتشهد أن لا إله إلا الله [180/ب] وأني رسول الله؟ فقال: لا فقال: انصرف فإنا لا نستعين بمشرك)) فمضي رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما كان في بعض الطريق أدركه الرجل مرة أخري فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلي فقال: امض)) قلنا: يحتمل أن تكون الاستعانة بالمشركين ممنوعة في ابتداء الأمر ثم صارت جائزة.
وقد نص الشافعي فقال: والاستعانة متأخرة ولهذا قال الشافعي: غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر لأنه أبي أن يستعين بمشرك يوم بدر ويحتمل أن يقال: كان ذلك على حسب اختلاف الأحوال فحيث علم رسول الله صلي الله عليه وسلم قلة المسلمين لم يستعن بالمشركين مخافة أن تتمايل الطائفتان من المشركين وحيث علم قوة المسلمين وأنهم يقاومون الطائفتين لو تمايلا استعان بالمشركين، وقيل: هذا إلى رأي الإمام، فإن رأي أن يستعين بهم فعل، وإن رأي ردهم ردوا، وعلى هذا اختلاف الرواية، وقيل: استعان بهم حين احتاج إليهم ورد حين استغني عنهم، وقيل: استعان بمن عرف منه حسن النية، وحكي عن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا: لا يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف: 51] [181/أ] وهذا الاستدلال لا يصح لأنا اتخذناهم خدما وأعوانا لا عضدا.

فرع إذا استعان بهم وخرجوا طوعا رضخ لهم ولا يسهم لأنه لم يثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه أسهم لهم، وروي رضخ لهم على ما ذكرنا.
فرع آخر قال: وأحب إليّ إذا غزا بهم أن يستأجرهم، وأحب أن لا يعطي للشريك من الفئ شيئا أي لا يعطي من أربعة أخماس الفئ على القول الذي يقول: إنها للمرابطين في سبيل الله تعالى لا حق لأحد من المسلمين معهم فيها، فأما إذا قلنا: للمصالح كان خمس الخمس وأربعة الأخماس سواء فيعطي الأجرة أو الرضخ من رأس مال الغنيمة لأنه يجري مجري العون.
والثاني: يعطي من أربعة أخماس الغنيمة كسائر الغانمين والأظهر أن يعطي من سهم المصلحة وهو خمس الخمس من الغنيمة والفئ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ولو أعطاهم من الفئ كان جائزا ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب أن لا يعطي من الفئ ولم يقل: لا يجوز وإنما جوزنا لأن الفئ مرصد للمصالح والجهاد، وقال القفال: أربعة أخماس الفئ للمصالح لا يعطون أيضا لأن المرتزقة يأخذون عطاءهم منه فلا يسوي [181/ب] بين الكفار والمسلمين، وعلى هذا لو غزا مسلم ومشرك فغنما لم يقسم بينهما نصفين بل يفضل المسلم ليكون سهما له وما بقي رضخا للكافر فلا تقع التسوية وهذا غريب ضعيف.
والصحيح ما ذكرنا أولا.
فرع آخر قال: فإن أغفل الإمام الاستئجار أعطي ما يعطي من رسول الله صلي الله عليه وسلم ويعطي في هذه الحالة أجر لأنه يستحق بعمله.
فرع آخر قال: وإن أكره أهل الذمة على أن يغزوا فلهم أجر مثلهم في مثل مخرجهم من أهاليهم إلى بعض الحرب وإرسالهم إياهم، وإن لم يغنموا وهذا إذا قاتلوا وإن حضروا ولم يقاتلوا قال: لهم أجر إحضار الذهاب لأنه فعل حصل منهم ولا يلزم مثل أجر الحضور والاحتباس لأن منافع الحر لا تضمن بالحبس، وإنما تضمن بإتلاف المنفعة، وإن كان عبدا فله في الحالين أجر المثل إلى أن يصل إلى يد المالك.
فرع آخر لو أكره الإمام طائفة من المسلمين على الجهاد فلم يغنموا لا شيء لهم بخلاف الكفار والفرق أن المسلم من أهل الجهاد فيقع جهاده عن نفسه والكافر لا جهاد له بحال فيستحق الأجرة وإن لم يغنموا، وعلى هذا لو أكره مسلما على دفن ميت أو غسله لا أجره له لأن كل من أداه [182/أ] يقع عن فرضه، ولو أكره ذميا عليه فله الأجرة.

فرع آخر الرضخ الذي ذكرنا إنما يكون إذا أحضر بالإذن ولم يشترط له جعلا لا مجهولا ولا معلوما فإن شرط جعله مجهولا بأن قال: نرضيك أو نعطيك بقدر ذلك بأجره المثل، فإن لم يكن غنم المسلمون شيئا تلزم الأجرة، وفي موضع الرضخ إذا لم يغنموا لا يعطي شيئا.
فرع آخر إذا استأجرهم ينبغي أن تكون الأجرة معلومة وتجوز الأجرة على سهم راجل وفارس، وقال ابن أبي هريرة: لا يجوز أن يبلغ سهم فارس ولا راجل لخروجه عن أهل الجهاد كما لا يبلغ بالرضخ ذلك وهذا خطأ لأنه أجره فيكون إلى التراضي ولأن عقد الإجارة معهم قبل المغنم ولا يدري أزيد أو ينقص.
فرع آخر لا تمنع جهالة القتال ولا جهالة مدته من جواز الإجارة عليه لأنه من عموم المصالح فجاز فيه من الجهالة ما لم يجز في العقود الخاصة.
فرع آخر لو قال: استأجرتك بكذا على أن تقتل فلانا الكافر فقلته أعطاه من سهم الرسول صلي الله عليه وسلم وإذا قال لمسلم لا يكون على حكم الإجارة الصحيحة ويعطيه ذلك للمصلحة.
فرع آخر إذا شهدوا بالإجارة أخذوا بالقتال جبرا، وإن لم يجبر المسلم عليه إلا عند ظهور العدو واستيلائه، والفرق [182/ب] أن قتال المشركين هو العمل الذي استؤجر عليه فيجبر لأنه متعين عليه وقتال المسلم في حق نفسه على وجه الكفاية غير متعين فلم يجبر عليه.
فرع آخر لو حضروا ولم يقاتلوا فإن كان بعذر لانهزام العدوم استحقوا الأجرة لأنهم بذلوا أنفسهم لما استؤجروا عليه، وإن أمكنهم القتال فيم يقاتلوا مع الحاجة رد من الأجرة بالقسط.
فرع آخر كيف تتقسط الأجرة؟ فيه وجهان: أحدهما: تتقسط على المسافة في بلد الإجارة في دار الإسلام إلى موضع الوقعة في دار الحرب وعلى القتال فيها لأنها إجارة على مسافة وعمل، والثاني: على مسافة مسيره من بلاد الحرب دون بلاد الإسلام، والفرق بين المسافتين أن مسيره في بلاد الإسلام يتوصل به إلى العمل لأنه في غيرها فلم تتقسط عليه الأجرة ومسيره في دار الحرب شروع في العمل المستحق عليه لأن كل (موضع) من

دار الحرب محل لقتال أهله فقسطت عليه الأجرة وهما يثبتان على الوجهين في مسافة الحج هل تقسط عليهما أجره المعتاض أم لا؟.
فرع آخر لو صالح الإمام أهل الثغر الذي استأجرهم إليه فإن كان الصلح بعد دخوله بهم دار الحرب لا يسترجع لأن سيرهم صار أثرا في الرهبة المفضية إلى الصلح، وإن كان قبل مسيره بهم من بلاد الإسلام استرجع كل الأجرة وكان هذا عندنا في فسخ الإجارة هنا [183/أ] لعموم المصلحة، وأن يفسخ بمثله العقود الخاصة، وإن كان بعد مسيره من دار الإسلام قبل دخوله في أرض العدو فهل يستحقون الأجرة بقدر المسافة؟ فيه وجهان تخريجا من الوجهين المتقدمين.
فرع آخر لو استأجر للغزو إلى ثغر ثم أراد أن يعود بهم إلى غيره فإن كانت مسافة الثاني أبعد وطريقه أوعر وأهله أشجع لم يكن له، وإن كان مثل الأول أو أسهل كان له كما قلنا في إجارة الأرض للزرع له أن يزرع مثل ما عين ودونه دون الزيادة.
فرع آخر لو بذل الجعل فقال: من غزا معي فله دينار يجوز مثل هذا مع المسلمين والمشركين لأنه يجوز في خصوص الحقوق فلأن يجوز في عموم المصالح أولي.
فرع آخر لو قال: من غزا معي من أهل الذمة يختص بالرجال ولا يستحقها النساء منهم لأن الغزو من الرجال، ولو قال: من قاتل معي من أهل الذمة استحقته المرأة، لأن القتال فعل يوجد من الكل.
فرع آخر إذا قال هنا فحضر صبي معه لا يستحق الصبي شيئا لأن الجعالة لا تصح إلا مع أهل العقل وأما عبيدهم إذا أذن لهم دخلوا فيها، وإن لم يؤذن لهم يستحق عليهم بلا جعل بما يأخذونه من الديوان والكلام في النساء والعبيد على ما ذكرنا.
فرع آخر لو عم بالجعالة يدخل فيها أهل الإسلام [183/ب] من كان أهل الفئ ويدخل فيها أهل الذمة دون أهل العهد لأن أحكام الإسلام لا تجري على أهل العهد.
فرع آخر لا حق فيها لمن لم يشهد الوقعة سواء دخل دار الحرب أو لا، لأن الجعالة تستحق بكمال العمل بخلاف الإجارة لأن الإجارة تتقسط، فإن شهد الوقعة فإن كان قال: من غزا استحق، قاتل أو لم يقاتل، وإن قال: من قاتل لا يستحق إلا من قاتل.

فرع لو كان مسلما يجوز أن يزيد في الجعالة على سهام الغانمين ويسهم لمستحقها أيضا، وإن كان مشركا فيه وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يجوز أن يبلغ بها سهم الراجل، والأصح أنه يجوز ولا يستحق معها لا السهم ولا الرضخ لأنه لا يستحقه من غير جعالة فمنع الجعالة أولي.
فرع آخر لو قال: جعلت لجميع من غزا معي ألف دينار فإن كان بمال في الذمة يدخل فيها من المسلمين من غزا من المطوعة دون مرتزقة أهل الفئ، ويدخل فيها من المشركين أهل الذمة دون المجاهدين ثم يقسم ذلك بين جميعهم من المسلمين وأهل الذمة على أعداد رؤوسهم قالوا: أو أكثر ولا يفضل مسلم على ذمي ولا من يسهم له على من لا يسهم له، ولا يدخل فيها من العبيد المأذون لهم إلا من لم يدخل فيه سيده لأنه يعود على سيده ولا يملكه فيصير سيده بذلك مفضلا [184/أ] على غيره ووجوب التسوية بينهم يمنع التفضيل بخلاف الجعالة المفردة، وأما النساء فعلي ما ذكرنا من لفظ الغزو والقتال.
فرع آخر الصبيان هل يدخلون في هذا الحكم؟ فإن لم يدخل فيها أولياؤهم لم يدخلوا كالجعالة المفردة، وإن دخل فيها أولياؤهم دخلوا بخلاف الجعالة المفردة لأن العقد في الجعالة الجامعه واحد فدخلوا فيه تبعا وفي المفردة عقود فلم يكونوا فيه تبعا.
فرع آخر لو كان مال هذه الجعالة معينا فقال: قد جعلت لجميع من غزا معي هذا المال الخطير يصح هذا سواء كان المال معلوما أو مجهولا لأنه لما صح بالمعلوم لعدد مجهول صح بالمجهول ويكون الداخل في هذه الجهالة معتبرا لحكم المال، فإن كان من مال الصدقات خرج المشركون منها لأنهم لا حق لهم في مال الصدقات ويدخل فيها المطوعة دون المرتزقة، ولا يجوز أن يسترجع منهم إن لم يغزوا لأنهم أخذوا ما يستحقونه بغير جعالة، فإن كان من مال المصالح وهو سهم الرسول صلي الله عليه وسلم المعد لمصالح المسلمين العامة، يدخل فيها مطوعة المسلمين وأهل الذمة لأنه مال يصح صرفة إلى الفريقين، فإن لم يغزوا استرجع ما أخذه المشركون دون ما أخذه المسلمون لأنه مال مرصد لمصالح المسلمين دون المشركين، وإن كان [184/ب] المال من أربعة أخماس الفئ ففي هذه الحالة المعقودة به قولان من أصل القولين فموجب مصرفه فإن قلنا: مصرفه في الجيش خاصة فهي باطلة لأنه موقوف على أرزاقهم فإذا استوقفوها لم يستحقوا غيرها ولم يستحقه غيرهم.
والثاني: أنها جائزة إذا قلنا: مصرفه في المصالح العامة ودخل فيها من المسلمين من عدا مرتزقة أهل الفئ سواء كان من أهل الصدقات أو لا.

فرع آخر فإن قيل: أليس أهل الصدقة ممنوعين من مال الفئ؟ قلنا: إنما منعوا من أخذه بالفقر والمسكنة الذي يستحقون به مال الصدقة ولم يمنعوا من أخذه على عمل كما يجوز دفعه إليهم في بناء المسجد والحصن، ولذلك دخل في هذه الجعالة الأغنياء والفقراء ويدخل فيها أهل الذمة.
فرع آخر لو غزا من أخرجه حكم الشرع من هذه الجعالة فإن كان عالما بالحكم كان متطوعا ولا شيء له مسلما كان أو كافرا، وإن جهل حكم الشرع فيه ففيه وجهان أحدهما: يستحق جعالة مثله ولا يستحق أجره مثله لأنه دخل في جعالة فاسدة ولم يدخل في إجارة فاسدة، والثاني: لا شيء له لأنه لم يدخل في الجعالة فيتوجه إليه حكم فسادها وقد كان يمكنه أن يستعمل حكم الشرع فيها فصار مفرطا وبزوه متبرعا.
فرع آخر قد ذكرنا أنه إذا أكره أهل الذمة من غير جعالة يستحقون [185/أ] أجر المثل ولا يراعي في هذا الإكراه الحبس والضرب المراعي في الإكراه على الإطلاق وإنما المراعي أن يجبرهم على الخروج ولا يرخص لهم في التأخر لأنهم بالذمة والعهد في قبضته وتحت حجره فلم يحتج مع القبول إلى غيره.
فرع آخر قد ذكرنا أنه إذا أذن للكافر مطلقا لا أجره ويستحق الرضخ بالحضور ويفضل في الرضخ من قاتل على من لم يقاتل، ومن كان منهم راجلا لم يبلغ برضخه سهم فارس ولا راجل ومن كان منهم فارسا لم يرضخه فارس وهل يجوز أن يبلغ به سهم راجل؟ فيه وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يبلغ به حتى يساوي مسلما، وقال صاحب (الحاوي): الأظهر عندي أنه يبلغ به سهم راجل لأن الرضخ بينه وبين فرسه وإن ملكهما كان في نفسه مقصرا عن سهم راجل.
فرع آخر لو حضروا متبرعين من غير إذن لا أجره ولا سهم فإن قاتلوا أرضخ لهم وإلا فلا يرضخ لهم بخلاف ما تقدم في المأذونلأن الإذن استعانة فقوبلوا عليها بالرضخ، وحضورهم من غير الإذن تبرع فلم يقابلوا عليه بالرضخ إلاعلى عمل وخالفوا فيه المسلم لأنه من أهل الدفع بخلاف المشرك.
فرع آخر إذا كان المستحق أجرة دفعت من مال المصالح الحاصل قبل هذه الغنيمة لأن

الأجرة تستحق بالقصد الواقع قبلها وهي خمس الخمس من سهم الرسول صلي الله عليه وسلم من الفيء والمغانم وهل يجوز الدفع من أربعة أخماس الفيء؟ فيه قولان علي ما ذكرنا، وإن كانت جعالة دفعت من مال المصالح الحاصل قبل هذه الغنيمة لأنها تستحق بعد العمل فوجبت في المال الحاصل بالعمل بخلاف الأجرة، وإن كان المستحق رضخًا فيه ثلاثة أوجه علي ما ذكرنا: أحدها: في مال المصالح.
والثاني: من أصل الغنيمة.
والثالث: من أربعة أخماسها وكل ذلك من غنائم ما قاتلوا عليه.
وفي رضخ من حضرها من المسلمين قولان من أصل الغنيمة ومن أربعة أخماسها.
فرع آخر قال القفال: علق الشافعي رضي الله عنه القول في جواز إحضار نساء الكفار وصبيانهم في الجهاد فأحد القولين: يجوز كما يجوز إحضار نساء المسلمين وصبيانهم علي ما ذكرنا، والثاني: لا يجوز لأنه لا قتال فيهم ولا رأي ولا تبرك بدعائهم.
مسألة: قال: ويبدأ الإمام بقتال من يليه من الكفار بالأقرب فالأقرب لأن الله تعالي قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ﴾ ولأنهم أقرب فالمؤونة في غزوهم أقل ولأنهم أبصر بعوراتنا وأحوالنا فالبداية بهم أولي، وقد قال الشافعي في موضع آخر: ويغزوا أهل الفيء كل قوم إلي من يليهم وهذا اقتداء بالسلف وتقتضيه السياسة لأن عمر رضي الله عنه مصر البصرة وأسكنها أهل الفيء لقتال من يليهم فإن كان بين المسلمين وبين من يليهم هدنة ينقلهم إلي جهة أخري.
قال أصحابنا: وهكذا يكلف أهل البحر القتال في البحر لأنه أخبر به وأعرف ولا يكلفهم القتال في البر فيضعفوا عنه ويكلف أهل اليمن القتال في البر لأنهم به أعرف ولا يكلفهم في البحر فيضعفوا عنه، وروي أن عمر رضي الله عنه أغزي في البحر جيشا من المدينة وأمر عليهم عمرو بن العاص فلما قدموا عليه سأل عمرو بن العاص عنهم فقال له: دود علي عود بين غرق وفرق قال: إذن لا يغزي في البحر أحدًا، وروي أن معاوية كتب إلي عمر رضي الله عنه يستأذنه في غزوه البحر فكتب إليه عمر: إني لا أحمل المسلمين علي أعواد نجرها النجار وجلفظها الجلفاظ يحملهم عدوهم إلي عدوهم، والجلفاظ: الذي يشهد أعواد السفن وقوله: يحمله عدوهم إلي عدوهم له تأويلان: أحدهما: أن الملاحين كانوا إذ ذاك كفارًا يحملونهم إلي الكفار.
والثاني: أن البحر عدو وراكبه يحملهم إلي أعدائهم الكفار.
قال: وإن كان الأبعد أخوف فلا بأس أن يبدأ به علي معني الضرورة التي يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها وصورة المسألة حيث لا يكون الخوف من الأبعد غالبًا ظاهرًا، فإن كان الخوف من الأبعد غالبا ظاهرا فواجب علي الإمام البداية بهم

فلا يقال لا بأس.
وقال في "المبسوط": والواجب على الإمام أولًا أن يبدأ بسد أطراف المسلمين بالرجال حتى لا يبقى طرف إلا وفيه من يقوم بحرب من يليه من المشركين فإن قدر على الحصون والخنادق وكل أمر يدفع العدو قبل إتيانهم دار المسلمين فعل ويبدأ بالأخوف فالأخوف ويقلد القيام بذلك أميرًا من أهل الأمانة والعقل والعلم بالحرب والعدة والإناء والرفق وقلة البطش والعجلة والمعروف بالنصيحة للمسلمين فيحميهم في المقام ويدبرهم في الجهاد ولا يجعلهم فوضى فيختلفوا ويضعفوا، فإذا حكم هذا وجب عليه إدخال المسلمين ديار المشركين في الوقت الذي لا يضر بالمسلمين فيه ويرجو أن ينالوا الظفر بالمشركين وهذا كله احتياط فينا يعود إلى إصلاح المسلمين، وقال في "الحاوي": تقليد هذا الأمير يصح إذا تكاملت فيه أربعة شروط أحدها: أن يكون مسلمًا لأنه يقاتل على دين فإذا لم يعتقده لم يؤمن عليه.
والثاني: أن يكون مأمونًا على من يليه من الجيش أن يخونهم وعلى من يقاتله من العدو أن يعينهم.
والثالث: أن يكون شجاعًا في الحرب يثبت عند الهرب ويتقدم عند الطلب لأنه معد لهما.
والرابع: أن يكون ذا رأي في السياسة والتدبير ليسوس الجيش على اتفاق الكلمة في الطاعة ويدبر الحرب في انتهاز الفرصة وأمر الغزو.
ثم ولايته على ضربين ولاية تنفيذ، وولاية تفويض، فالتنفيذ ما كانت موقوفة على رأي الإمام وتنفيذ أوامره فيصح، وإن كان عبدًا من غير أهل الاجتهاد.
وولاية التفويض: ما فوضت إلى رأي الأمير ليعمل فيها باجتهاده فيعتبر في انعقادها مع الشروط الأربعة شرطان آخران الحرية لأن التفويض ولاية، والثاني: أن يكون من أهل الاجتهاد في أحكام الجهاد وهل يعتبر أن يكون من أهل الاجتهاد في غيره من أحكام الدين؟ فيه وجهان بناءً على اختلاف أصحابنا في هذا الأمير هل يجوز أن ينظر في أحكام جيشه إذا كان مطلق الولاية؟ فإن قلنا: يجوز النظر في أحكامهم يلزمه أن يكون من أهل الاجتهاد في جميع الأحكام، وإن قلنا: ليس له ذلك ويكون القاضي أحق بالنظر فيها منه لا يلزم أن يكون من أهل الاجتهاد من غير الجهاد.
مسألة: قال: وأقل ما على الإمام أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو.
الفصل يستحب الإكثار من الغزو فإنه طاعة عظيمة لله تعالى فالاستكثار منها أولى، وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال".

وفيه دليل على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب مع أمة العدل، وقوله: ناوأهم يريد ناهضهم للقتال وأصله من ناء ينوء إذا نهض، وروى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قفله كغزوة".
وأراد به القفول عن الغزو والرجوع إلى الوطن أي: أن للمجاهد إلى أهله في انصرافه كأجره في إقباله إلى الجهاد وهذا لأن المداومة تضر بأهله وفي قوله: إليهم إزالة الضرر عنهم وقد قيل: أراد به التعقيب وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا، وإن لم يكن عدو وقد يفعل الجيش ذلك الانصراف لأحد أمرين: أحدهما: أن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عن ساحتهم آمنوا فخرجوا عن مكانهم، فإذا قفل العدو نالوا الفرصة منهم فأغاروا عليهم.
والثاني: أنهم إذا انصرفوا من مغزاهم ظاهرين لا يأمنوا أن يقفوا العدو أثرهم فيوقعوا بهم وهم غارون فإذا رجعوا يكونون مستعدين لقتالهم وإلا فقد سلموا.
وروى أبو إمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل خرج غازيًا في سبيل الله تعالى فهو ضامن على الله تعالى حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما كان من أخر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله، ورجل دخل بيته بسلام.
وقوله: "ضامن" أي: مضمون كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة﴾ أي: مرضية وقوله: "ثلاث كلهم ضامن" يريد كل واحد منهم وقوله: "ورجل دخل بيته بسلام" أراد أن يسلم إذا دخل منزله، وقيل: أراد لزوم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب في العزلة بذلك.
وروى أبو مالك الأشجع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وفصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وله الجنة".
وقوله: فصل أي خرج وقوله: "وفصه فرسه" معناه صرعه فدق عنقه، والهامة إحدى الهوام وهي ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "شر ما في الرجل شح الهالع وجبن خالع" وأصل الهلع الجزع، والهالع هنا ذو الهلع، والشح أشد من البخل، ومعناه: البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه فإذا استخرج منه هلع، والجبن الخالع هو الشديد الذي يخلع فؤاده من شدته.
وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به

ومنبله فاركبوا وإن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله وفي ترك الرمي بعدما علمه رغبًة عنه فإنها نعمة تركها أو كفرها.
وقوله "منبله" هو الذي يناول الرامي النبل وهو على وجهين: أحدهما: أن يقوم مع الرامي بجنبه أو خلفه ومعه عدد من النبل فيناوله واحدًا بعد واحد.
والثاني: أن يرد عليه النبال المرمية والسهام الغريبة.
وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق.
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريم ويأسر الشريك، واجتنب الفساد فإن نومه وبيعه أجر كله وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة وأفسد في الأرض فله أن يرجع بالكفاف".
وقوله: "يأسر الشريك" معناه: الأخذ باليسر والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما يقال: رجل يسر إذا كان سهل الخلق.
وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله من في الجنة قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة" وأراد بالمولود الطفل الصغير والسقط ومن لم يدرك الحنث، والوئيد الموءود أي المدفون في الأرض حيًا وكانوا يؤدون البنات والبنين أيضًا عند المجاعة.
وروى سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا" أي تشتبك الحرب ويلزم بعضهم بعضًا.
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة والفواق ما بين المنكبين وروى عبد الله ابن أبي أوفى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
وروى جابر بن عتيق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة من غير ريبة وإن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل عند القتال واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي والفخر".
ومعنى الاختيال في الصدقة أن تهزه أريحية السخاء فيعطيها طيبة نفسه بها من غير من والاختيال في الحرب أن يتقدم فيها بنشاط نفس وقوة جنان.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث

نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق".
وروى أبو إمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق".
وروى أبو إمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يغز ولم يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة".
وروى زيد بن خالد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا".
ومن خلفه في أهله فقد غزا.
فإذا تقرر هذا فينبغي أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو بنفسه أو بسراياه فلا يجب أن يغزو بنفسه بكل حالٍ وما مضت برسول الله صلى الله عليه وسلم سنة إلا وكان له فيها جهاد إما غزوة أو غزوتان وإنما جعل الأقل مرة في كل سنة لأن الجزية المأخوذة على ترك القتال في كل سنة مرة ولأن سهم الغزاة يجب في أموال الأغنياء في كل سنة مرة ولأنه فرض الجهاد وأقل الفروض المتكررة ما يجب في كل عام مرة كالصيام والزكاة، ولا يجوز أن يتركه إلا من ضرورة لقول الله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: إنها وردت في الجهاد.
واعلم أن الذي استقرت عليه سيرة الخلفاء الراشدين أن يكون لهم في كل سنة أربع غزوات صيفية وشتوية وربيعية وخريفية.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد فرض الجهاد عليه قريب من ذلك وأكثر فإنه كان له في تسع سنين سبع وعشرون غزاًة بنفسه وسبع وأربعون سرية بأصحابه وإذا عجز عن ذلك اقتصر فيها على ما يقدر عليه والأقل ما ذكرنا.
فرع إذا غزا عامًا بلدًا غزا قابلًا غيره ولا يتابع الغزو على بلد واحد ويعطل ما سواه من بلاد المشركين، وإن يخلف حال أهل البلاد فيتابع الغزو على من يخاف نكايته أو على من يرجو غلبة المسلمين على بلاده فيكون تتابعه على هذا المعنى الذي ليس في غيره مثله.
فرع آخر قال: وينبغي للإمام إذا غزا قومًا أن يعتمد على ثقة في دينه على ما ذكرنا ويتقدم إليه أنه لا يجمل المسلمين مهلكة يخاف ولا يكلفهم قصد حن يخاف أن يشدوا تحته ولا يلزمهم دخول مطمورة يخاف أن يعطبوا فيها، ولا يدفعوا عن أنفسهم ولا غوث لهم ولا يحملهم على شيء من أسباب المهالك فإن فعل ذلك الوالي والإمام فقد أساء ويستغفر الله تعالى ولا قود ولا كفارة عليه إن أصيب أحد منهم بطاعته، وكذلك لا يأمر القليل منهم بإتيان الكثير حيث لا عون لهم ولا يحمل أحدًا منهم على

غير فرض القتال وذلك أن يقاتل الرجل الرجلين ولا يجاوز ذلك.
وروي أن عبد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه فقال له معقل: إني محدثك لولا أني في الموت لم أحدثك به سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح إلا لم يدخل الجنة معهم".
وقال عمر رضي الله عنه في خطبته: ألا إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسننكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم ألا من دابة شيء من ذلك فليرفعه إليّ لأقصه منه، ثم قال: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم.
وروي أنه نهى حمل المسلمين مهلكه قال: والذي نفسي بيده ما يسرّني أن يفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم.
وروي أن عمر رضي الله عنه استعمل رجلًا ثم قبل ولده فقال له: ما قبلت ولدًا قط وأنت تقبل يا أمير المؤمنين فقال: أنت بالناس أقل رحمة هات عهدنا لا تعمل لي عملًا أبدًا.
فرع آخر إذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه فلهم أن يفعلوه لأنه جهاد يحل لهم بأنفسهم أن يقدموا فيه على ما لي عليهم بفرض، قد برز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم إياه بما في ذلك من الثواب فقتل رحمه الله وكان هذا الرجل عوف بن عفراء.
فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ قلنا: هذا ورد في ترك النفقة في سبيل الله هكذا قال حذيفة بن اليمان ورواه ابن عباس، وروى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار حمل على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج فقال الناس: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أيوب: إنما أنزلت فينا معشر الأنصار قلنا فيما بيننا سرًا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أقمنا فأصلحنا فأنزل الله تعالى هذه الآية فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا.
وقال رجل للبراءة بن عازب رضي الله عنه: أحمل على الكتيبة بالسيف في ألفٍ من التهلكة ذلك؟ قال: لا إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ثم يلقي بيديه يقول: لا يغفر لي وقد قال الشافعي: والاختيار أن يتحرز لما روى السائب بن يزيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من

قبته في الدرع يوم بدر.
فرع آخر قال: لو كان للإمام عذر في ترك الجهاد بأن كثر المشركون حيث يكون بإزاء كل واحد أكثر من اثنين ورأى في ثبات المسلمين ضعفًا وفي أسلحتهم قلة جاز أن يترك الغزو في هذا الموضع حتى تحصل القوة لأن فيه تغريرًا بالمسلمين.

باب النفير من كتاب الجزية

قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قد ذكرنا أن فرض الجهاد على الكفاية ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ودليل على أنه فرض على الكفاية به ما ذكرنا من الآية وإذا لم يقم به قدر الكفاية خرج من تخلف واستحق العذاب، وإن قام به قدر الكفاية حتى لا يكون الجهاد معطلًا لم يأثم من تخلف لأن الله تعالى وعد جميعهم الحسنى، ولأنا لو أوجبنا الجهاد على الأعيان لتعطلت المكاسب والعمارات وذلك ضرر عظيم.
فرع لو أظل العدو بلدًا من بلاد المسلمين اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تعين الفرض على جميع المسلمين ووجب النفير على جميعهم وبه قال عامة أصحابنا.
ونص الشافعي رضي الله عنه قال في رواية البويطي في باب السنة في الجهاد: والغزو غزوان غزو نافلة، وغزو فريضة فأما الفريضة فهو النفير إذا أظل العدو بلاد المسلمين، والنافلة: الرباط والخروج إلى الثغور إذا كان فيها من فيه كفاية، وقال ابن أبي هريرة: هو فرض على الكفاية أيضًا.
فرع آخر لو كان العدو على مسافة أقل من يوم وليلة من بلاد الإسلام يكون في حكم من قد أظل بلاد الإسلام ووصل إليها لقرب المسافة ويتعين فرض قتالهم على جميع أهل الثغر من المجاهدين ويدخل في القتال من عليه دين ومن له أبوان لا يأذنان لو لأنه قتال دفاع لا قتال غزو، ثم ينظر في عدد العدو فإن كانوا أكثر من مثلي أهل الثغر لم يسقط بأهل الثغر فرض الكفاية على كافة المسلمين، ووجب على الإمام إمدادهم، وإن كانوا مثلي أهل الثغر فما دون هل يسقط بهم فرض الكفاية عمن سواهم؟ لما أوجبه الله تعالى من قتال مثلهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا وعن غيرهم ساقطًا.
والثاني لا يسقط من غيرهم فرض الكفاية بهم خوفًا من الظفر بهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا باقيًا على الكفاية في غيرهم.

فرع آخر لو دخل العدو بلاد الإسلام يتعين فرض قتاله على أهلها وهل يتعين على كافة المسلمين كما يتعين على أهل الثغر؟ فيه وجهان أحدهما: يتعين عليهم لأن جميع المسلمين يد على من سواهم، والثاني: يتعين عليهم ويكون باقيًا على الكفاية لقدرة أهل الثغر على دفعهم ولا يراعى بعد دخول العدو دار الإسلام أن يكونوا مثلين كما يراعى قبل دخوله، بل تراعى القدرة على دفعهم لأن القدرة بعد الدخول ظافر ومثله معترض.
فرع آخر لو انهزم أهل ذلك الثغر عنهم صار فرض جهادهم متعينًا على كافة الأمة وجهًا واحدًا حتى يرده إلى بلادهم، فإذا ردوه إليها فإن عادوا خاليًا من سبي وأسرى سقط ما تعين من فرض قتاله، وإن عادوا بسبي وأسرى يكون فرض قتاله باقيًا حتى يسترجع ما في أيديهم من السبي وأسرى.
فرع آخر ألحق الشافعي رضي الله عنه رد جواب السلام وفن الموتى والقيام بطلب العلم وصلاة الجنازة بالجهاد في كونها فرضًا على الكفاية.
فرع آخر اعلم أنه يتعلق بالسلام حكمان: أحدهما: في ابتدائه.
والثاني: في رده.
أما ابتداءه فينقسم ثلاثة أقسام: أدب، وسنة، ومختلف فيه، فالأدب سلام المتلاقين وهو خاص لا عام لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل مهم ويخرج به عن العرف وإنما يقصد به أحد أمرين إما أن يكتسب به ردًا، أو ستدفع به بذاءًا قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قيل: في تأويله ادفع بالسلام إساءة المسيء فصار هذا السلام خاصًا لا عامًا وكان من آداب الشرع لا من سننه لأنه يفعله لاجتلاب تآلفٍ.
والأولى في ابتداء السلام أن يبدأ به الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والقائم على القاعد لأن ذلك مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن استويا فأيهما بدأ كان له فضل التحية.
وأما السنة: فسلام القاصد على المقصود وهو عام يبتدئ به كل قاصد على كل مقصود من صغير وكبير وراكب وماشٍ.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدئ بالسلام إذا قصد ويبتدئ به إذا لقي وقصد وهذا من سنن الشرع لأنه مندوب إليه لغير سبب مختلف وبين هذا وبين سلام الأدب فرقان: عموم هذا، وخصوص ذاك، وتعيين المبتدئ بهذا

جارٍ التحميل