بالاعتراف فلا يعتبر فيه التكرار كالقصاص وحد القذف وأما ما روي [79/ب] عن علي رضي الله عنه فلا يكون حجة حتى يصير إجماعًا ويحتمل أن يكون انتهره ليرجع فلما رجع قطعه، فإذا تقرر هذا فإنه يسقط بالرجوع بعد الاعتراف خلافًا لجماعة قد ذكرناهم قبل هذا وهو قول بعض أصحابنا حكاه أبو إسحاق المروزي لتعلقه بصيانة أموال الآدميين والدليل على أنه يسقط بالرجوع بعد الاعتراف ما روى أبو أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاعٌ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أخالك سرقت" قال: بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا فأمر به بقطع وجيء به فقال: استغفر الله وتب إليه فقال: أستغفر الله وأتوب إليه: فقال:" اللهم تب عليه ثلاثًا"، وروي أنه قال: واغفر له.
وروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه أتي بجاريةٍ سوداء سرقت فقال لها: سرقت؟ قولي: لا فقالت: لا فخلى عنها، وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه مثله.
فرع
إذا رجع عن الإقرار نظر فإن كان قبل فعل شيء من القطع رفع عنه القطع، وإن كان بعد فعل شيء من القطع نظر، فإن كان قدر ما بقي مما يندمل ويبرأ رفع عنه، وإن كان قدرًا لا يندمل فإن بقي جلدة يسيرة رفع أيضًا فإن قال المقطوع للقاطع: تمم القطع لم يلزمه ذلك بل هو بالخيار بين تركه وقطعه لأن هذا القطع ليس بحدٍّ فلم يجب فعله، وإنما جوزنا له إتمام القطع لأنه [80/أ] يتأذى به فيبان للمصلحة ويستريح بهذا الرجوع من تعليق اليد في عنقه نكالًا.
وإن تلف فيما قطعنا منه قبل الرجوع أو فيما قطعنا منه بإذنه بعد ذلك فلا ضمان.
فرع آخر
لو أقر اثنان بسرقة نصف دينار قطعا فإن رجع أحدهما وأقام الآخر على إقراره ترك الراجع وقطع المقيم.
فرع آخر
إذا كان عليه قصاص أو حد القذف يلزمه الإقرار به ولا يسعه كتمانه، وإن كان عليه حد الزنا أو حد الخمر أو حد السرقة.
قال أصحابنا: إن شاع ذلك في الناس أو تكرر منه وظهر يستحب أن يحضر ويعترف ليقام عليه حد الله تعالى، وإن لم يكن شاع في الناس فالمستحب أن يكتمه ولا يظهره لقوله صلى الله عليه سلم: "فليستتر بستر الله" وقال صاحب "الحاوي": لا وجه لهذا الفرق عندي والصحيح أنه إن تاب فالمستحب له أن يكتمه ولا يقر به، وإن لم يتب فالأولى أن يقر به لأن في إقامة الحد تكفيرًا وتطهيرًا.
فرع آخر
قال: المستحب للإمام أن يعرض له بالإنكار إذا رأى منه آثار الندم الذي ذكرناه.
وأتي عمر رضي الله عنه برجل فسأله: أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا، فتركه ولم يقطعه وبه قال أبو الدرداء وأبو هريرة رضي الله عنهما، وروي أنه أتي أبو هريرة بسارقٍ وهو أمير على المدينة فقال: أسرقت قل: لا وقال أحمد وإسحاق: لا بأس [80/ب] أن يلقن السارق، وقال أبو ثورٍ مثله إذا كان السارق مضعوفًا أو امرأة.
فرع آخر
قال في "الحاوي": يصح العفو عن القطع قبل علم الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر صفوان: "هل قبل أن تأتيني به" وروي أن الزبير رضي الله عنه شفع في سارقٍ فقيل له: حتى يبلغه الإمام فقال: إذا بلغ الإمام يلعن الله الشافع والمشفوع كما قال صلى الله عليه وسلم وروي أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أتي بلصوصٍ فقطعهم حتى بقي واحدٌ منهم فقدم ليقطع فقال:
يمين أمير المؤمنين أعيذها بعفوك أن تلقى نكالًا يشينها
يدي كانت الحسناء لو تم سترها ولا تعدم الحسناء عيبًا يشيبها
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبةٌ إذا ما شمالي فارقت يمينها
فقال معاوية: كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك؟ فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين: اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها فخلى سبيله فكان أول حدٍّ ترك في الإسلام.
فإن قيل: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم:" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" قلنا: قال الشافعي رضي الله عنه: أراد بذوي الهيئة من لم يظهر منه ريبة، وقيل: خاطب الأئمة في التعزير إن شاءوا عزروا، وإن شاؤوا وتركوا به خاصةً في ذوي الهيئة، وأما إذا أنكر السارق فالقول قوله مع يمينه [81/أ] فإن كان للمدعي بينةٌ تقبل ولا يقبل إلا شهادة رجلين عدلين.
فرع آخر
إذا شهد رجلان بالسرقة قال الشافعي رضي الله عنه: استثبتت البينة فإن قالا: هذا
وأشاروا (إلى) السارق سرق من هذا، وأشارا إلى المسروق منه ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار من حرز مثله وعينا الحرز ووصفاه لأن فيه اختلافًا قطع حينئذ ولا يكفي أن يقولا: سرق نصابًا من حرز لأن قدر النصاب وكيفية الحرز مختلف فيهما.
قال القاضي الطبري: ويقولان: لا شبهة له فيه وهذا تأكيد لأن الأصل عدم الشبهة وهكذا إذا لم يحضر المالك وحضر وكيله وأقام البينة يحتاج أن يذكر البينة المشهود له وترفع نسبة إلى حيث يزول الإشكال، فإن كان وكيله ويذكر النصاب والحرز والسارق والمسروق، وأما قول الشافعي: ويدعي شهادتهما معناه يدعي سرقة المال الذي شهدا عليه.
فإن قيل: الشافعي لم يذكر إعادة الشهادة بعد حضور المسروق منه ومعلوم أن الدعوى ما لم تسبق لم تسمع الشهادة قلنا: في هذا الكلام تقديم وتأخير، ومراده أن يحضر المسروق منه أولًا ويدعي شهادتهما ثم يشهدان ويحتمل أن يكون معنى قوله: ويدعي شهادتهما فيعدان شهادتهما [81/ب] غير أنه لم يذكر الإعادة ويحتمل أن يقال: لما كان حد السرقة حد الله تعالى لا دعوى فيه، ولا تتحقق السرقة إلا بذكر المال المسروق منه والمسروق فإذا سبق الشاهدان حضور المسروق فشهدا ثم حضرا المالك استغني عن إعادة الشهادة وصار حق المال فيه تبعًا لحق الحد في جواز الاقتصار عل الشهادة المسموعة والاستغناء عن الاستعادة والصحيح أنهما شهدا حسبة وقبلناها للقطع ثم حضر المسروق منه وادعى المال أو أمر بشبهةٍ للسارق في ذلك لا يقطع.
فرع آخر
لو أقر ابتداءً من غير دعوى بأن يقول: سرقت مال فلان الغائب قدر النصاب بشرائط القطع أو قال: زنيت بجارية فلانٍ الغائب، قال أبو حامد: هو كما لو شهد به الشهود قال الشافعي: ولو شهدا أن هذا بعينه سرق مالًا مبلغه كذا من حرز وصفاه من فلانٍ ابن فلانٍ الغائب وهما يعرفانه باسمه ونسبه حبس السارق حتى يحضر المسروق منه، فإذا حضر وأكذب الشهود لم يقطع ولم يغرم قال: وإن كان ذلك في الزنا وشهد عليه أربعةٌ بأنه زنا بجارية فلانٍ الغائب وهما يعرفونه بعينه ونسبه أقيم عليه الحد ولم ينتظر حضور المالك، واختلف أصحابنا على ثلاثة طرقٍ فمنهم من قال: في كلتا المسألتين [82/أ] قولان على سبيل النقل والتخريج وهذا اختيار أبي إسحاق: أحدهما: لا يقطع ولا يحد حتى يحضر الغائب لأن الحد يسقط بالشبهة ويحتمل أن يكون المال المسروق للسارق اغتصبه المسروق منه أو من أبيه أو أودعه عنده أبوه ولا يعلم به السارق.
ويحتمل أن يكون المسروق منه أباحه، وكذلك في الأمة يحتمل ما ذكرنا من كونها ملكًا له والشهود شهدوا على الظاهر.
والثاني: يقطع ويحد لأن سبب الحد قد وجد وجواز الشبهة لا يمنعه كما تجوز الشبهة، وإن ادعاه المسروق منه أو
وكيله، ومن أصحابنا من قال: المسألتان على ظاهرهما وهو اختيار ابن سلمة وابن الوكيل والقاضي أبي حامد وهو الأصح.
والفرق أن القطع في السرقة جعل لصيانة الأموال وتحصينها فكان معلقًا بحق الآدمي فلم يقم إلا بعد دعواه وليس كذلك حد الزنا لأنه لم يجعل لتحصين الأموال على الآدميين بل هو حق الله تعالى خالصًا فلم يتعلق بالدعوى وأيضًا حد الزنا لا يسقط بالإباحة والقطع في السرقة يسقط بالإباحة لأنه لو قال: أبحت لكل من دخل الحرز أخذ ما فيه لا يجب القطع على سارقه، ولو قال: أبحت جاريتي لفلان لا يسقط الحد به.
وأيضًا أوسع في الإسقاط، ولهذا لو سرق مال أبيه لم يقطع، ولو زنا بجارية أبيه حد.
[82/ب] ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار ابن سريج لا يقطع ولا يحد حتى يحضر الغائب قولًا واحدًا وما ذكره في حد الزنا خطأ من الناقل، وقيل: المنصوص أنه لا يقطع وخالفه أبو إسحاق وهو غلط.
وقال ابن أبي هريرة: يقطع ويحد قولًا واحدًا في الإقرار والطرق الثلاثة من الشهادة بها.
وهو اختيار صاحب "الحاوي" وهذا لقوة الشبهة في الشهادة وضعفها في الإقرار، وإن إقراره على نفسه أقوى من شهادة غيره عليه.
فرع آخر
إذا قلنا: يقطع مع غيبة المالك انتزعت منه السرقة ويغرم قيمتها إن كانت تالفة، ثم إن رجع الغائب وادعاها سلمت إليه فإن أنكرها فإن كان ثبوتها بشهادة ردت إلى السارق، وإن كان ثبوتها بالإقرار لم ترد إليه وكانت في بيت المال لأنه في الإقرار منكر لاستحقاقها بخلاف البينة ويفارق هذا ما إذا أقر بدين لغائب لم يؤخذ منه لأن صاحبه رضي بذمته وإن قلنا: لا يقطع فإن كانت السرقة تالفة لم يقبض منه لتكون ذمته مرتهنة به وحبس على حضور الغائب فيه وجهان: أحدهما: لا يحبس لبقاء العين المسروقة.
والثاني: يحبس لحق الله في قطعه.
فإن قيل: كيف يحبس لحق غائب لم يطالبه ولو أقر أنه غصب مال غائب لم يحبس؟ قلنا: الفرق أنه لا ولاية على [83/أ] الغائب فإذا لم يوجد منه المطالبة ولا له تعلق به لم يحبسه وهنا يتعلق به القطع وله المطالبة به فيحبس من أجله حتى لو مات المغصوب منه وخلف أطفالًا فللإمام مطالبته وحبسه عليه لأن له في مال الأطفال ولاية قال ابن أبي هريرة: وهذا إذا كانت مسافة الغائب قريبة فإن كانت الغيبة بعيدة لا يحبس لأنه لا يعلم غاية الحبس وعلى هذا إن كان الحبس لغرم السرقة طولب بكفيل وأطلق، وإن كانت العين قائمة انتزعت من يده وجعلت في يد أمين.
ومن أصحابنا من قال: يحبس بكل حالٍ وهو كلام الشافعي رضي الله عنه.
لو امتنع عند تلف السرقة من إقامة
كفيل حبس على الكفيل لا على قدوم الغائب فإن غرم السرقة لم يجبس ولم يكفل.
فرع آخر
لو سرق رجلان وغاب أحدهما وشهد شاهدان على سرقتهما شهادة كاملة قطع الحاضر.
مسألة: قال: ولو ادعى أن هذا متاعه غلبه عليه أو ابتاعه منه أو أذن له في أخذه لم أقطعه.
قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم وهو أن يدعي السارق أن المتاع ملكه وكان قد غلبه عليه أو اشتريت منه أو أذن المالك لي بأخذه وقول الشافعي: حلفت المسروق منه فإن نكل أحلفت المشهود عليه أراد في دعوى الغصب أو الشراء، أما إذا قال: كان أذن لي [83/ب] في أخذه فلا يحلف المدعى عليه أنه لم يأذن بل يرد إليه المال بلا يمين.
ولو قال: كذب الشهود في الشهادة لا يلتفت إلى قوله لأن البينة حجة لا يطرح المشهود عليه
فرع
لو قال: الشهود عبيدي لا يدرء القطع قال ابن أبي أحمد: إلا أن يكون قاله قبل الشهادة ولعل حجته أن تصير خصمًا ولا تجوز شهادة الخصم.
فرع آخر
لو أقر رجلان بالسرقة ثم ادعى أحدهما أن ما أخذه له درء عنه القطع وأقيم على المقر القطع.
وهكذا لو ثبتت السرقة على رجلين بشهادة الشهود ثم ادعى أحدهما ملك المسروق دون الآخر سقط القطع عن المدعي دون الآخر.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لو سرق اثنان نصف دينار فادعى أحدهما أن كله لي، ولم يدع الآخر ولكنه صدقه لا قطع عليهما لأن المدعي خصم والمصدق أخذ نصف ما أخرجه بعلم من صدقه أنه له ولم يحرزه عنه، وإن كذبه في دعواه قطع المكذب على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال أيضًا: لو سرق عبد من إنسان مالًا وادعى العبد أن ما أخذه مال سيده وأنكر السيد لا يقطع لادعائه شبهة يمكن صدقه فيها وإنكار السيد للشبهة غير مقبول عليه كما لو أقر السيد على عبده بما يوجب قطعه لم يقبل قوله على العبد إذا أنكره.
فرع آخر
قال أيضا: لو ادعى السارق أن المسروق منه عنده لا قطع عليه [84/أ] أيضًا،
وكذلك لو ادعى أن الدار التي دخلها منزله غصبها منه ساكنها لم يقطع لأنه خصم يدعي شبهةً تنافي السرقة.
مسألة: قال: وإن لم يحضر رب المتاع حبس السارق حتى يحضر.
قد شرحنا المسألة.
مسألة: قال: ولو شهد رجل وامرأتان أو شاهدٌ ويمين على سرقةٍ أوجبت الغرم في المال ولم أوجبه في الحد.
هذا توسع في العبارة لا أن الحد يسمى غرمًا، وقد ذكرنا أنه إذا ادعى سرقةً أقام شاهدًا وامرأتين أو شاهدًا وحلف معه يجب الغرم على السارق ولا يلزمه القطع لأنه حد لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين وهذا كما لو قال: إن كنت غصبت هذا المال فامرأتي طالق فشهد رجل وامرأتان على الغصب ثبت في حق الضمان دون الطلاق، قال ابن سريج: هذا إذا حلف قبل حكم الحاكم بشاهدٍ وامرأتين أو بشاهدين بالغصب ثم حلف أنه ما غصب طلقت لأنه أمر ثابت جعله صنعةً في الطلاق، ولا يراعي سببه بأي أمرٍ ثبت وقد يترتب على الأمر الثابت بالبينة مالا يثبت بمثل تلك البينة، كأحكام النسب يترتب على الولادة الثابتة بأربع نسوةٍ ذكره القفال وقال: هذه أحد القولين وفيه قول آخر لا يثبت المال ولا القطع في أصل المسألة وهذا غريب.
مسألة: قال: وفي إقرار [84/ب] العبد بالسرقة شيئان.
الفصل
قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يقبل إقراره في المال؟ قولان فقيل: محل القولين إذا كان المسروق قائمًا، لأن له تعلقًا ظاهرًا بالسرقة فإن كان تالفًا لا يقبل قولًا واحدًا.
لأن العبد يدعي شيئًا وراء السرقة إذا ليس من ضرورة السرقة الإتلاف حتى يباع رقه فيها، وقيل: القولان في التالف، والقائم يسترد قولًا واحدًا لأنه بيد سيده فلا يقبل فيه قول العبد، وقيل: القولان في القائم، وفي التالف يقبل قولًا واحدًا، وقيل: القولان في الكل.
فرع آخر
لو شهد أحد الشاهدين أنه سرق ثورًا أبيض، وشهد الآخر أنه سرق ثورًا أسود لم يقطع لاختلاف الشهادتين، وقال أبو حنيفة: يقطع لاحتمال أن يكون نصفه أبيض ونصفه أسود فرأى أحدهما السواد والآخر البياض وهذا لا يصح لأن القطع يسقط بالاحتمال، ولأنه لو شهد أحدهما أنه سرق ثورًا والآخر أنه سرق بقرة لا يقبل ولا يقال: يحتمل أن يكون خنثى فرأى أحدهما آلة الذكر والآخر آلة الأنثى كذلك هنا.
باب غرم السارق
مسألة: قال: أغرم السارق ما سرق.
الفصل
اعلم أنه إذا سرق عينًا يجب فيها القطع فإن كانت باقيةً ردها [85/أ] بلا خلاف، وإن كانت تالفةً رد قيمتها وبه قال الحسن والنخعي وحماد وعثمان البتي والزهري والأوزاعي والليث وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وداود وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجمع بين القطع والغرم فإن طالب صاحبها بالغرم وغرم له سقط القطع ولو أتلفه بعد القطع لا غرم عليه أيضًا وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي عنه: أنه لو أتلفها بعد القطع يغرم: وقال أبو يوسف ومحمد: لا يغرمها أصلًا، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو قطع السارق فأتلف أجير المسروق لم يضمن للسارق لأنه غير مالكٍ ولا للمالك لئلا يجتمع في حقه بين القطع والغرم، وقال أيضا: لو سرق حديدا فضربه كوزًا فقطع لا يلزمه رد الكوز لأنه صار كالعين الأخرى، وقال أيضا: لو كان ثوبًا فصبغه أسود فقطع يده لم يرده لأنه صار بالسواد كالمستهلك ولا يحل له التصرف فيهما قال: ولو صبغه أحمر أو أصفر فقطع لا يرد العين أيضًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: هنا يلزمه رد العين واحتج بأنه لو رد لكان شريكًا فيها بصبغه ولا يجوز القطع فيما هو شريكٌ فيه وهذا لا يصح لأن صبغه كان قبل القطع، فلو صار شريكًا بالصبغ لسقط القطع، وإن كان يصير شريكًا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو باعه نصفه بعدما قطع صح وصار شريكًا فيه [85/ب] واحتج في سقوط الغرم بعد القطع بما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا قطع السارق فلا غرم عليه" ودليلنا أن العين إذا كانت قائمة بعد القطع وجب ردها ومن وجب عليه رد العين وجب عليه رد القيمة إذا أتلفها كما قبل القطع رواه سعد بن إبراهيم عن المسور عن عبد الرحمن.
قال ابن المنذر: سعد بن إبراهيم مجهول، والمسور عن عبد الرحمن مرسلٌ ويحمل على الغرم الثاني الذي كان من أول الإسلام ثم نسخ.
وقال مالك: يقطع بكل حالٍ، وأما الغرم يلزمه إن كان غنيًا وإن كان فقيرًا لا يلزمه ودليلنا القياس على المغصوب لا فرق فيه بين الغني والفقير، وكذلك حكم قاطع الطريق وقد قال الشافعي: لا يسقط حد الله تعالى إذا غرم ما أتلف العباد.
فرع
إذا سرق فضةً فضربها دراهم أو ذهبًا فضربه دنانير يقطع ويرد إلى صاحبه وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يرد بناءً على أصلهما أنه يسقط حق صاحبها عنها.
وقد دللنا على فساد هذا الأصل.
باب مالا قطع فيه
مسألة: قال: ولا قطع على من سرق من غير حرزٍ ولا في خلسةٍ ولا على عبد سرق من متاع سيده.
وقد ذكرنا حكم السرقة من غير حرزٍ وحكم المختلس، وأما العبد فلا يقطع بسرقة مال سيده.
وبه قال [86/أ] جماعة الفقهاء، وقال داود: يقطع بها.
وهذا غلط لما روى السائب بن يزيد أن عبد الله بن عمرو الحضرمي جاء بغلام له إلى عمر رضي الله عنه فقال له: اقطع يد هذا فإنه سرق فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا.
فقال عمر: أرسله فليس عليه قطع خادمكم سرق متاعكم، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن عبدٍ سرق قباء لعبد له فقال: مالك سرق بعضه بعضًا لا قطع عليه وهو قول ابن عباس وكأن له فيه شبهة النفقة وكذا لو سرق المكاتب من سيده لا يقطع لأنه من حكم ملكه، ولو سرق السيد من مال مكاتبه لا يقطع أيضًا؛ لأن له فيه شبهة الملك والمال متردد بينه وبين المكاتب وأما التلميذ والأجير إن سرق ما هو محرز عنه قطع ولا يقطع فيما يتبسط فيه في داره وخزانته ويكون ذلك خيانة.
مسألة: قال: ولا على زوجٍ سرق من متاع امرأته ولا على امرأةٍ سرقت من مال زوجها.
اعلم إنه إذا سرق أحد الزوجين مال صاحبه نقل المزني أنه لا يقطع واحد منهما، وقال في كتاب "اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي": إذا سرقت المرأة من مال زوجها الذي لم يأتمنها عليه وأحرزه منها [86/ب] قطعت.
وقال القاضي أبو حامد: فرق الشافعي في رواية الحارث بن شريح البقال بين المرأة والزوج فأسقط عن المرأة القطع وإن كان في حرزٍ منها للشبهة التي لها في ماله ولم يسقطه عن الزوج وجملته أنه ينظر فإن كان مال واحد مختلطًا بمال الآخر، أو كان متميزًا إلا أنه غير محرز عنه فسرقه لا يقطع قولًا واحدًا وإن كان محرزًا عنه فسرقه ففيه طرقٌ: أحدها: وهو قول الأكثرين المسألة على قولين.
أحدهما: لا يقطع يد واحدٍ منهما وبه قال أبو حنيفة لأن لكل واحد منهما في مال صاحبه شبهة، أما المرأة فلما تستحقه عليه من النفقة، وأما الزوج ورد له فيه شرع
متأول حتى ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أن المرأة لا تتصرف في مالها إلا بإذنه وأن الزوج هو القيم عليها به ولأن كل واحدٍ منهما ينبسط في مال صاحبه فأشبه الولد مع الوالد.
والثاني: يقطع وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختاره المزني وهو الصحيح لأنه عقد على منفعةٍ فلا يتضمن سقوط القطع كالإجارة وأما ما ذكره القائل الأول فيبطل بالصديقين المتلاطفين فإن بينهما تبسطًا وتقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه.
والثانية: أنه تقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه وأراد بما ذكر [87/أ] في موضعٍ آخر إذا لم يكن محرزًا عن صاحبه وهذه الطريقة ضعيفة.
والثالثة: قال القاضي أبو حامد: فيه ثلاث أقوالٍ على ظاهر النصوص.
فرع
قال الشافعي رضي الله عنه: ولا على عبد واحدٍ من هؤلاء سرق متاع صاحبه وأراد به أن المرأة إذا لم تقطع بمال زوجها فكذلك عبدها لا قطع بماله، وإذا لم يقطع زوجها بمالها فكذلك عنده لا يقطع لأن يد عبده يده وهذا تفريعٌ على أحد القولين والدليل على هذا خبر الحضرمي الذي ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحمل أن يقال بخلافه لأن العم يدلي إلى الجد بالبنوة ويقطع وهذا خلاف النص.
مسألة: قال: ولا يقطع من سرق من مال ولده.
الفصل
لا تقطع يد الأب بسرقة مال ولده ولا ولد ولده سواء في ذلك ولد البنت وإن سفل، ولا يقطع الابن بسرقة مال أبيه ولا جده وإن علا ولا بسرقة مال أمه وجدته وإن علت، وكذلك الجد من قبل الأم وإن علا، وقال داود وأبو ثور: تقطع يد الأب والابن في السرقة، وقال قومٌ: تقطع يد الابن دون الأب كالقصاص.
وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" حين قال له رجلٌ: يا رسول الله إن أبي يريد أن يأخذ من مالي كذا وكذا، وقال حباب بن فضالة لأنس بن مالك: [87/ب] ما يحل لي من مال أبي؟ قال: ما طابت به نفسه، قال: فما يحل لأبي من مالي؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنت ومالك لأبيك" وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيًا قال: يا رسول الله إن أبي يريد أن يحتاج مالي قال: "أنت ومالك لأبيك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم فكلوا هنئاً".
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولادكم
هبة الله عز وجل يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور وهم وأموالهم لكم" ولأن على كل واحدٍ منهما نفقة الآخر الأحياء فلا يجب إتلافه لأجل المال.
فإن قيل: لم فرقتم بين الأب والابن في القصاص وحد القذف وحد الزنا إذا وطئ جاريته وسويتم بينهما في هذا الحكم؟ قلنا: إن الأب يستحق على الابن جنس الوطء بالإعفاف وهو السبب في اتخاذ الابن فلا يجوز أن يكون سببًا لإعدامه والنفقة تراد لإحياء النفس وهما فيها سواء فصار استحقاقها شبهة لسقوط القطع عنهما، وإذا سرق من سائر الأقارب كالأخوة والأعمام وغيرهم يلزم القطع كما في الأجانب، وقال أبو حنيفة: لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وهذا لا يصح لأنها قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة، ولا منع دفع الزكاة فأشبهت قرابة بني الأعمام.
[88/أ]
مسألة: قال: ولا قطع في طنبور.
الفصل
قال الشافعي رضي الله عنه هنا: ولا قطع في طنبور ولا مزمار، وقال في مواضع أخر: إلا أن يبلغ قيمته ربع دينار فيقطع وهذا لأن لجميع الناس حق نقص تلك الصنعة المحرمة، فإذا لم تبلغ قيمته نصابًا إلا بالصنعة المحرمة لا يقطع، وإن كان بعد فساد الصنعة المحرمة تبلغ قيمة الواحد نصابًا ليعاد إلى الحالة الأولى ويتخذ منها الملاهي بل لأمرٍ آخر يلزمه القطع.
قال أصحابنا: كذلك إذا كان عليه من الذهب والفضة ما يبلغ القطع يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع لأن عنده إذا اتصل ما فيه القطع بما ليس فيه لا يقطع، وقال في الصليب من ذهبٍ وزنه نصاب وأكثر لا قطع فيه لأنه اتخذ لأمر محرم ودليلنا أنه سرق نصابًا من ذهب من حرزٍ مثله فيلزمه القطع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا قطع فيهما بحالٍ لأنهما من آلات اللهو المحرم وليس لهما في الحقيقة حرز لأن كل إنسان مأمور بإفسادها ودخول حرزه ليفسدها ولأنه لا يجوز إمساكها فصار كالمال المغصوب إذا سرق من حرز الغاصب وهذا غلط لأن في المغصوب ما رضي مالكه بحرزه بخلاف هذا، وقيل: فيه ثلاثة أوجهٍ، والثالث قال ابن أبي هريرة: إن أخرجه مفصلًا يقطع لزوال المعصية وإلا فلا [88/ب].
فرع
قال: ولا يقطع في خمر ولا خنزير لأنه لا قيمة لهما، ولا فرق بين أن السرقة من مسلم أو ذميٍّ، وقال عطاء: إذا سرقها من ذمي يقطع لأنهم يعدونه مالًا وهذا غلط لأنه لو سرقه من المسلم يقطع، فكذلك إذا سرقها من الذمي كالدم وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا كانت قيمته نصابًا لتأليفه.
فرع آخر
لو كانت الصرة في كمه فبط الكم وأخذها يقطع خلافًا لأبي حنيفة، وإن كان مشدودًا في كمه فسرقه سارقٌ يقطع سواء كان شده خارج الكم أو داخل الكم، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن جعله من داخل إلى برا وشده قطع وإن جعله من برًا إلى داخل وشده لم يقطع وهذا بعيد وبالعكس أولى.
فرع آخر
لو سرق مالًا مشتركًا بينه وبين غيره لا يقطع قلت الشركة أو كثرت وإن بلغ نصيب المسروق نصابًا أو نصبًا كثيرةً لأن ثبوت الشركة أقوى بالشبهة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: يقطع لأنه لا شبهة له في مال شريكه.
فرع آخر
قال هذا القائل: إذا قلنا: تقطع يده في المال المشترك نظر فإن كان المال متساوي الأجزاء بحيث يجبر الشريك على قسمته بالقرعة كالدراهم والحنطة فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا كان [89/أ] الدينار بينهما نصفين فسرق نصف دينار قطع لأنا نتحقق أن ربع الدينار ملك شريكه خاصةً، والثاني: لا يقطع بهذا ولكن يجمع حقه فيما سرق فإن كان المشترك دينارين لم يقطع إلا بأن سرق دينارًا وربعًا، ولا يقطع إذا سرق دينارًا، لأن الدينار حقه والدنانير بينهما متماثلة الأجزاء ولهذا إذا امتنع أحد الشريكين عن القسمة فللأخر أن يأخذ نصيب نفسه، فأما إذا كان المال المشترك غير متساوي الأجزاء كالثياب ونحوها فإنه يقطع وجهًا واحدًا إذا سرق ما يساوي نصف دينار، والفرق أن هناك المال متساوي الأجزاء فإذا أخذ دينارًا فله في جملة المال دينار فجعله كأنه أخذ نصيب نفسه وهناك المال متقارب الأجزاء فلا يجوز له بحال أن يأخذ منه شيئًا إلا بإذن الشريك، فإذا سرق ما يساوي دينارًا جعل سارقًا لربع دينار فقطع.
فرع آخر
لو شهد أحدهما بسرقة وقال: قيمته كان نصابًا، وقال الآخر: أقل من نصاب لا يلزم القطع ويؤخذ في المال بالأكثر ويحلف مع الشاهد بالأكثر ويأخذ، وإن رضي بأقل القيمتين يأخذها من غير يمين.
فرع آخر
لو شهد شاهدان بأنه نصاب والآخر بأنه دون النصاب لا يقطع ويؤخذ في الغرم بالأقل [89/ب] وقال أبو حنيفة: يؤخذ بالأكثر في الغرم ووافقنا في القطع.
فرع آخر
لو قعد الرجل في بيته أو حانوته وفتح الباب وأذن في الدخول عليه للتجارة فدخل داخل وسرق شيئًا متغفلًا لا يقطع، لأنه دخل بالإذن فأخذه خيانةً لا سرقة ًكرجلين سرقا بيتًا فسرق أحدهما من صاحبه لم يقطع، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يقطع
وإن لم يأذن للناس في الدخول عليه وجلس فيه حافظًا مراقبًا فدخل داخلٌ على غفلةٍ منه وسرق قطع.
فرع آخر
لو كان صاحب البيت نائمًا في هذه المسألة فدخل داخل على غفلةٍ منه وسرق بعض ما هو موضوع حوله فيه وجهان: أحدهما: يقطع لأن المكان ملكه وهو فيه، وقد جرت العادة بأن ينام صاحب الدار ساعة وساعتين والباب مفتوح، والثاني: لا يقطع أن الموضع وإن كان ملكه والباب مفتوح والنائم كالغائب، ولو وضع ساعةً في بيت مفتوح وغاب فسرق لم يقطع كذلك هنا.
فرع آخر
لو قعد في السوق أو في المسجد وهناك كثرة الناس المارة فالصحيح أنه كما لو أذن في دخول بيته فلا قطع لأن المكان مشترك بينه وبين غيره، وفيه وجه آخر يقطع ولو كان مثل هذا في الصحراء فجلس ينظر إلى الشيء وهو موضوع يديه فتغفله السارق وأخذه قطع لأن الناس يقلون هناك، والغالب أنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يشعر به [90/أ] ولو نام والشيء موضوع بين يديه لا يكون محرزًا لا في المسجد ولا في السوق كما في الصحراء، وهكذا لو خلع نعليه أو خفيه في موضع.
فرع آخر
لو نصب الصباغ أو القصار شيئًا على باب حانوته وألقى عليه الثياب فلذلك حرز يقطع فيه ذكره أصحابنا.
فرع آخر
لو سرق من الغنيمة واحد من الغانمين بعد إخراج الخمس منها فحكمه حكم السارق من المال المشترك على ما ذكرنا، وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه أتى برجل سرق مغفر حديد من الخمس فقال: ليس عليك قطع هو خائن وله نصيب، وروي في معناه خبر مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فرع آخر
لو سرق صبي وبالغ أو والد وأجنبي من مال الولد، قطع البالغ والأجنبي خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى.