بحر المذهب للرويانيصفحات 435-439

ثم اعلم أن الرضاع إن كان لا يثبت إلا بأربع نسوة، فإذا شهدت امرأة أو أخبرت بالرضاع فالاحتياط أن لا ينكحها، وإن كانت تحته فالاحتياط أن يطلقها والدليل عليه ما ذكر الشافعي من خبر السوداء وتمامه ما روي أن عقبة بن الحارث تزوج بأم يحيى بنت أبي أهاب بن عمر فجرت بينها وبين امرأة سوداء في جوارها خصومة، فأشاعات السوداء الخبر في الجيران أني أرضعتها وزوجها، فسمعه عقبة بن الحارث فساءه ذلك فسأل أهله وأهلها؛ فقالوا: لا نعلم أنها أرضعتك وذلك بمكة فركب إلى المدينة، وقال: يا رسول الله إني تزوجت بابنة أبي أهاب فزعمت امرأة سوداء أنها أرضعتني وإياها، فوالله ما أرضعتني ولا أخبرتني قبل ذلك فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادها فقال له في الثالثة أو الرابعة «كيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما».
وروي أنه قال: «كيف وقد قيل» فطلقها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي: إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها، وقد قيل إنها أخته من الرضاعة وهو في معنى ما قلنا يتركها ورعاً لا حكماً.
مسألة: قال: «ولو قال رجل هذه أختي من الرضاعة أو قالت هذا أخي من الرضاعة».
الفصل: إذا اعترف الرجل أن هذه ذات محرم لي من رضاع بنتي أو أختي أو اعترفت لا يخلو إما أن يكون قبل النكاح [ق 174 ب] أو بعده، فإن كان قبل النكاح فإن كان هو الذي أقر بذلك لم يحل له نكاحها لأنه حق عليه وإن كانت هي أقرب بذلك لم يحل لها أن تتزوج به لأنه إقرار فيما هو عليها وقبل ذلك على نفسها ولا يتعلق به ضرر على غيرها هذا إذا كان في وقت يمكن ذلك فإن كان على وجه لا يمكن ذلك مثل أن يقول لمن هو أكبر سناً منه هذه بنتي أو تقول الزوجة: هذا ابني وهو أكبر سناً منها سقط قولهما ولا اعتبار به خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يحرم بذلك كما قال إذا قال لعبده وهو أكبر سناً منه هذا ابني يعتق فإذا ثبت هذا فكل موضع صح الاعتراف نظر فإن أقاما عليه فالحكم على ما مضى، وإن رجعا عنه وقالا: كذبنا وليس بيننا حرمة الرضاع، فإن كان الإقرار صحيحاً حرمت عليه في الظاهر والباطن وإن كان الإقرار كذباً حرمت في الظاهر دون الباطن.
وعند أبي حنيفة: الإصرار على هذا الإقرار شرط، فإذا رجعا جاز النكاح، وهذا غلط لأن الإقرار إذا كان محرمه من حرمات الله تعالى على التأييد كان الرجوع عنه محالاً كما لو أقر بنسب أو أقرب به، ثم رجع لا يقبل رجوعه والرضاع يجري مجرى النسب

وإن كان هذا النكاح نظر، فإن كان الزوج هو الذي قال هذا فرق بينهما فإن كذبته أخذت نصف المسمى إن كان قبل الدخول أو كل المسمى إن كان بهد الدخول، وإن كانت هي المدعية أفتيته بأن يتقي الله ويدع نكاحها بتطليقة فتحل بها لغيره، وإن كانت كاذبة وأحلفته لها، فإن نكل حلفت وفرق بينهما، وإذا حلف الزوج يحلف على العلم وتحلف المرأة على البنت أنها أختها.
قال القفال: ولو قيل إنها تحلف على المعلم إثباتاً فيقول: والله لا أعلم أنه أخي من الرضاع ليكون يمين الرد موافقاً ليمين الابتداء كان أولى ثم لا مهر لها قبل الدخول [ق 175 أ] سواء حلف أو نكل لأنها لا تدعيه.
وقال في الحاوي في صف يمينه وجهان: أحدهما: على العلم ليمين الزوجة إذا أنكرت الرضاع.
والثاني: البت والقطع، والفرق وإن كانتا على نفي فعل الغير أن في يمين الزوج مع تصحيح العقد فيما مضى إثبات استباحة في المستقبل فكانت على البت تغليظاً ويمين الزوجة لبقاء حق وجب بالعقد فكانت على العلم تحقيقاً.
فرع: لو شك الزوج فلا يقع في نفسه صدقها ولا كذبها هل يجوز إحلافه وجهان بناء على الوجهين في صفة يمينه.
أحدهما: يجوز أن يحلف إذا قلنا يمينه على نفي العلم وله أن يستمتع بها حكماً وصار أن يفارقها فدعا.
والثاني: ليس له أن يحلف إذا قلنا يمينه على البنت وهو بالخيار بين أمرين: إما أن يرد عليها اليمين فإذا حلفت فسخ النكاح بيمنها.
وإما أن يطلقها واحدة لتحل لغيره من الأزواج وهذا أولى الأمرين.
فرع آخر: لو قال بيني رضاع افتقر التحريم إلى ذلك العدد، ولو قال: هي أختي من الرضاع، فإن كان من أهل الاجتهاد لم يفتقر إلى ذكر العدد، لأن في اعترافه بأخوتها التزاماً لحكم التحريم بالعدد المحرم، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ويحتمل وجهين: أحدهما: يلزم ذكر العدد ويرجع فيه إليه بعد إقراره لحهله بالتحريم.
والثاني: لا يلزم ذكر العدد ولا يرجع إليه بعد إطلاق الإقرار، كما لا يرجع إليه في صفة الطلاق بعد إقراره بالطلاق ويفارق الشهادة تفتقر فيها إلى صفة الرضاع وذكر العدد لأنها لا تصح إلا عن مشاهدة فاستوى فيها شروط المشاهدة وفي الإقرار لا يحتاج إلى

المشاهدة لأنه لا يشاهد رضاع نفسه من لبن أمه وإنما يعمل فيه على الخبر الذي وثق بصدقه، ولأن من الشهادة إلزام حق على غير الشاهد فبني على [ق 175 ب] الاحتياط في نفي الاحتمال والإقرار إلزام حق على المقر فكان في ترك الاحتياط تقصير من المقر فألزم حكم إقراره.
فرع آخر: لو شهد اثنان بالرضاع وقالا: تعمدنا بالنظر إلى الثدي لا لإقامة الشهادة لم يقبل لأنهما أخبرا عن فسق.
فرع آخر: لو قالت: أرضعت البارحة طفلاً خمساً لا أدري هو ذا أم ذا حرما عليه ولو قالت: لا أدري ابني هذا أو ذا الطفل الأجنبي فالورع أن لا يتزوج بالطفل وجاز في الحكم.
فرع آخر: قال القفال عن الشافعي: لو زوجت البكر بغير إذنها فادعت رضاعاً بينها وبين زوجها فالقول قولها مع يمينها ولو استؤذنت أو كانت ثيباً فأذنت ثم ادعت هذا لا يقبل لأنها معذورة إذا لم تستأذن وغير معذورة إذا اسنؤذنت.
قال الإمام الجويني من المنهاج: ظاهر كلام الشافعي ههنا أنه لا يقبل دعواها ولا فرق بين أن تكون بكراً وبين أن تكون ثيباً فيحتمل أن يكون الشافعي قصد بالتصوير في الثيب دون البكر ويحنمل أن تكون الثيب والبكر سواء، لأن الأب قام مقامها في حق العقد فهي كالمستأذنة، وإن كانت غير مستأذنة والعادة أن الأب يستقضي ويستبرئ ويحتاط ثم يعقد عليها العقد.
فرع آخر: لو شهد شاهدان بالطلاق ففرق الحاكم بينهما، ثم رجعا عن الشهادة يعرفان فلو شهد شاهدان بأنها أخت الزوج من الرضاع سقط الغرم عن شاهدي الطلاق لأنا علمنا أنهما لم يتلفا عليه ملكاً ولا حالاً بينه وبين ملكه.
فرع آخر: لو تزوج رجل ثلاث نسوة كبيرتين وصغيرة فأرضعت كل واحدة منهما هذه الصغيرة أربع رضعات، ثم حلبت كل واحدة منهما حلبة، ثم مزجا في إناء واحد ثم أوجز ماءها معاً هذا اللبن انفسخ نكاح الثلاث [ق 176 أ] لأنه جمع بين امرأة وأمها وحرمت الكبيرتان على التأييد، وأما الصغيرة في التفضيل إن كان دخل بالكبيرتين أو بإحداهما حرمت على التأييد لم يكن دخل بواحدة منهما حلت له.
وأما المهر فللصغيرة نصف المسمى ويرجع

على الكبيرتين بنصف مهر مثل الصغيرة على كل واحد منهما رجعياً.
وأما الكبيرتان فإن كان دخل بها ثبت لكل واحدة جميع مهرها على كل واحدة منهما بنصف مهر مثل صاحبتها لأنهما كانتا السبب في فسخ النكاح معاً فسقط ما قابل فعلها ووجب نصف المهر لأجل فعلها، وإن لم تكن دخل بهما ثبت لكل واحدة منهما ربع مهرها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها وقبل غيرها، فثبت نصف النصف وهو الربع وترجع على صاحبتها بربع مهر مثلها لأنها أتلفت عليه نصف البضع، والبضع ههنا مضمون بنصف المهر.
قال أبو حامد: ويحتمل أن يقال يرجع عليه بنصف المهر والأول أصح هذا إذا أوجرناها اللبن معاً، فإن أوجرها اللبن إحداهما انفسخ نكاح الكل، وكان للصغيرة نصف المسمى وترجع هي على التي أوجرتها بمهر مثل الكبيرة الأخرى ولا ترجع في حق نفسها بشيء لأن الفسخ جاء من قبلها بعد الدخول، وإن لم يكن دخل بها سقط مهر السابقة ولغير السابقة المسمى وترجع بما غرم على ما فصلناه.
وإن كانت المسألة بحالها لها فأرضعت إحداهما الرضعة الخامسة دون الأخرى انفسخ نكاح التي أرضعت ونكاح الصغيرة معاً دون التي لم ترضع والحكم والرجوع كما لو كان له زوجتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة، وقد مضى، وهذا فصل متسع التفريغ وفيما ذكرنا كفاية فقص عليه ما يرد عليه إن شاء الله تعالى.
[ق 176 ب] باب رضاع الخنثى مسألة: قال: «وإن كان الأغلب من الخنثى أنه رجل نكح امرأة».
الفصل: إذا رضع الخنثى بلبنه مولوداً فإن بان أنه رجل لم تثبت الحرمة بلبنه، وإن بان أنه امرأة ثبتت الحرمة بلبنها وكان ولداً لها، وإن كان مشكلاً وقف الأمر إلى أن يتبين، هكذا قال أبو حامد وجماعة، وقال القاضي الطبري: إذا كان مشكلاً قلنا له: ارجع إلى طبعك، فإن مال طبعك إلى أن يكون رجلاً كنت رجلاً لا تثبت الحرمة بلبنك، وإن مال طبعك إلى أن تكون امرأة كنت امرأة وكان المرضع ولدك، وإن قال: لا يميل إلى طبعي إلى أحدهما وليس لأحدهما على الآخر عندي مزية.
قال أبو إسحاق: يعرض لبنها على القوابل: فإن قلن: هذا اللبن على غزارته لا يكون إلا لامرأة حكم بأنه وأن لبنه يحرم.
وإن قلن يجوز أن يكون مثل هذا اللبن للرجل لم تثبت الحرمة بلبنه ويوقف إلى أن يكشف

الأمر، وقال غيره: لا يكون اللبن دليلاً على الأنوثة بحال لأنه قد يكون للرجال.
وقال ابن أبي هريرة: إذا عدمت الأمارات كلها وعدم شهوتها في الميل يجعل اللبن دليلاً بكل حال، وهذا خلاف ظاهر المذهب، وقد ذكرنا فيما تقدم الأمارات الدالة على الذكورة والأنوثة وقيل المال أعم ملقى العضو فيقدم الاستدلال به، فإن لم يكن تعتبر المنفعة الخاصة وهو المني وذلك عند البلوغ، فإن أمنى من ذكره فهو رجل، وإن أمنى من فرجه فهو امرأة، وإن أمنى منهما فلا بيان فيه، وهل يعتبر الحيض وجهان: أحدهما: يعتبر فإن حاض فهو أنثى، وإن لم يحض فهو ذكر.
والثاني: الاعتبار بالحيض، وإن اعتبر المني لأنهما يشتركان في المني ويختلفان في مخرجه فجاز أن يكون معتبراً [ق 177 أ] كما [يشتركان] في البول ولا يشتركان في الحيض، ويجوز أن لا يكون الدم حيضاً فلم يعتبره.
ذكره في «الحاوي» والله أعلم.
وأما قوله ههنا: «وإن كان مشكلاً فله أن ينكح بأيهما شاء» عبارة مشكلة وليس معناها أنه يختار ما شاء ولكن معناها أن الواجب عليه مراجعة نفسه ليتأمل أمارات بلوغ شهواتها ثم يخبر عن نفسه بأنه رجل أو امرأة، فإذا أخبر بواحد منهما لزم ولا يمكن الرجوع بحال.
فرع: لو ارتضعت الصغيرة من أم زوجها رضعتين والأم نائمة وأرضعتها الأم تمام الخمس والصغيرة نائمة فيه وجهان: أحدهما: يسقط عن نصف المسمى نصفه وهو الربع.
والثاني: يسقط على عدد الرضعات فيسقط من نصف المسمى خمسان ويجب ثلاثة أخماسه.
وقد ذكرنا نظير هذه المسألة فيما قبل والله أعلم.

جارٍ التحميل