فصل:
وإذا ربط رجل يدي رجل ورجليه وألقاه على ساحل بحر فزاد الماء فغرقه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون زيادة الماء مألوفة في أوقات راتبه كالمد والجزر بالبصرة، فهذا قاتل عمدًا وعليه القود، لأنه فاسد لتغريقه.
والضرب الثاني: أن تكون الزيادة غير مألوفة فلا قود فيه وهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الأغلب من حال الماء أن يزيد وإن حاز أن لا يريد، فيكون ذلك منه عمد الخطأ تجب الدية فيه مغلظة على عاقلته.
والضرب الثاني: أن يكون الأغلب من حال الماء أن لا يزيد وإن جاز أن يزيد فيكون هذا خطأ محضًا تجب فيه الدية مخففة على العاقلة.
ولو ربط يديه ورجليه وألقاه في صحراء فأكله السبع فلا قود عليه، لأن المتلف غيره، ثم ينظر فإن كان الصحراء مسبعة فهو عمد الخطأ تجب فيه الدية مغلظة على عاقلته، وإن كانت غير مسبغة فهو خطأ محض تجب فيه الدية مخففة.
فصل:
وإذا تجارح رجلان وادعى كل واحد منهما أنه جرح صاحبه دفعًا عن نفسه والآخر منكر فالقول قول كل واحد منهما في إنكار الطلب وعليه القود فإن نكل عن يمين الطلب حلف كل واحد منهما على أنه مطلوبه ولا قود ولا أرش والله أعلم.
باب من العاقلة التي تغرم
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "لم أعلم مخالفًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة".
قال في الحاوي: أما العاقلة فهم ضمناء الدية ومتحملوها من عصبات القاتل، واختلف في تسميتهم عاقلة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن العقل اسم للدية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله" أي يتحمل عقله وهو الدية.
والثاني: أنهم سموا عاقلة، لأنهم يقودون إبل الدية فيعقلونها على باب المقتول.
والثالث: أنهم سموا عاقلة، لأنهم يعقلون القاتل أي يمنعون عنه، والمنع العقل، ولذلك سمى العقل في الناس عقلًا، لأنه يمنع من القبائح.
فصل:
لا خلاف أن دية العمد لا تحملها العاقلة، سواء وجب فيهما القود أو لم يجب كجناية الوالد على الولد وما لا قصاص فيه من الجائفة وسائر الجوارح، وتكون الدية حالة في مال الجاني.
وقال أبو حنيفة: ما لا قصاص فيه من العمد تجب الدية فيه على الجاني مؤجلة كالخطأ، وهذا خطأ الأمور:
أحدها: أن سقوط القود في العمد لا يوجب تأجيل ديته كسقوطه بالعفو.
والثاني: أن غرم المتلف إذا لم يدخله التحمل حل كالأموال.
والثالث: أنه لما لم يتعجل دية الخطأ باختلاف أحواله لم تتأجل دية العمد باختلاف أحواله.
فصل:
فأما دية الخطأ المحض وعمد الخطأ فالذي عليه جمهور الأمة من المتقدمين والمتأخرين أنها واجبة على العاقلة تتحملها عن القاتل، وشذ منهم الأصم وابن علية وطائفة من الخوارج فأجبوها على القاتل دون العاقلة كالعمد، احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:18] وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:15] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38] أي مأخوذة.
وبما روي أن الحسحاس بن عمرو العنبري قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الرجل من قومي يجني أفؤآخذ به فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "من هذا منك" وكان معه ابنه فقال: ابن اشهد به أي أعلمه قطعًا وليس بمستحلق فقال: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" ولم يرد بذلك فعل الجناية؛ لأنه قد يجني كل واحد منهما على صاحبه، وإنما أراد به أن لا يؤاخذ بجنايتك ولا تؤاخذ بجنايته.
وروي أياد بن لقيط عن أبي رمثة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي فرأى التي في ظهره فقال له أبي: دعني أعالجها فإني طبيب، فقال: "أنت رفيق والله الطبيب" من هذا معك؟ فقال: ابني أشهد به فقال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" وروي الحكم عن مسروق عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه" وهذا نص.
قالوا: ولأنه لما لم يتحمل
العاقلة قيم الأموال لم يتحمل دية النفوس، ولأن العاقلة لو تحملت دية الخطأ لتحملت دية العمد، ولأن الدية عقوبة فلم تتحملها العاقلة كالقود، ولأن القتل الخطأ موجبين: الدية والكفارة، فلما لم تتحمل العاقلة الكفارة لم تتحمل الدية.
والدليل على أن العاقلة تتحمل الدية قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:2] وتحمل العاقلة من جملة البر والتقوى فدخل في عموم الآية، وروي سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها.
وروي أبو سلمة عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من بني هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثتها والدها ومن معه، فقال حمل بن مالك النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك بطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا من إخوان الكهان" من أجل مسجعه الذي سجعه.
وروي الشعبي عن جابر أن امرأتي من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وروى أبو عازب عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القود بالسيف والخطأ على العاقلة".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ميز بين معاقل قريش والأنصار فجعل معاقل قريش فيهم، ومعاقل الأنصار في بني ساعدة.
وروي حماد عن إبراهيم أن عليًا والزبير اختصما إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في موالي صفية بنت عبد المطلب لأن الزبير ابنها وعلي ابن أخيها، فقضى للزبير بالميراث وعلى علي بالعقل.
ولأن إجماع الصحابة انعقد في قصة عمر بن الخطاب حين أنفذ رسوله إلى امرأة في قذف بلغه عنها فأجهضت ذات بطنها، فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: لا شيء عليك إنما أنت معلم، وسأل عليًا فقال: إن كانا اجتهدا فقد أخطأ وإن كانا ما اجتهدا فقد غشيا عليك الدية، فقال عمر: غرمت لا تبرح حتى تضربها على قومك يعني قريشًا لأنهم عاقلته، فقضى بها عليهم فتحملوها عنه، ولم يخالفه منهم ولا من جميع الأمة أحد مع انتشار القضية، وظهورها في الكافة، فثبت أنه إجماع لا يسوغ خلافه، ولأن
اختصاص العاقلة بالاسم موجب لاختصاصهم بالحكم، وفقد الحكم يوجبه زوال الاسم، ولأن العقل في كلامهم المنع، وقد كانت العرب في الجاهلية يمنعون عن القاتل بأسيافهم فلما منعهم الإسلام من السيف عوض منه منعهم منه بأموالهم؛ ولذلك انطلق اسم العاقلة عليهم، ولأن النفوس مغلظة على الأموال، وقتل الخطأ يكثر بين الناس وفي إيجاب الدية على القاتل في ماله أحد أمرين إما استئصال ماله إن كان واحدًا وقل أن يتسع لتحمل الدية مال الواحد، وإما إهدار الدم إن كان معدمًا، وفي تحمل العاقلة عنه مواساة تفضي إلى حفظ الدماء واستبقاء الأحوال، وهذا أدعى إلى المصلحة وأبعث على التعاطف، ولأنه لما تحمل بالنسب بعض حقوق الله تعالى في الأموال وهو زكاة الفطر جاز أن يتحمل بعض حقوق الآدميين في الأموال وهو ديات الخطأ، فأما الجواب عن الآية فحقيقة الوزر الإثم، وهو لا يتحمل، وكذلك ظاهر الآيتين محمول على أحد أمرين: إما المأثم وإما أحكام عمده.
وأما قوله في الخبرين أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه فعنه جوابان:
أحدهما: أن الأبناء والآباء لا يتحملون العقل وإنما يتحمله من عداهم من العصبات.
والثاني: أنه يحمل على العمد الذي لا يتحمل عن القاتل ولا يؤاخذ به غيره، وكذلك الجواب عن قوله: "لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه".
وأما جمعهم بين الأموال والنفوس فغير صحيح، لتغليظ النفوس على الأموال، ولذلك دخلت القسامة في النفوس ولم تدخل في الأموال.
وأما العمد فلأنه عن معصية يستحق فيها القود، والعاصي لا يعان ولا يواسي، والقود لا يدخله تحمل ولا نيابة.
وأما الكفارة فمن حقوق الله تعالى التي يتعلق بالمال تارة والصيام تارة، ولا يصح فيها عفو فلم يدخلها مواساة، وخالفتها الدية في هذه الأحكام مخالفتها في التحمل والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا اختلاف بين أحدٍ علمته في أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها في ثلاث سنين".
قال في الحاوي: ذهب قوم إلى أن العاقلة تتحمل الدية حالة يؤدونها معجلة كديات العمد وقيم المتلفات.
وحكي عن ربيعة بن أبي ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنها مؤجلة في خمس سنين،
لأن دية الخطأ أخماس، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وما عليه الجمهور أنها مؤجلة في ثلاث سنين.
قال الشافعي: لا اختلاف بين أحدٍ علمته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها في ثلاث سنين فأضافه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجعل نقله كالإجماع، فاختلف أصحابنا فيما أراده الشافعي بهذا القضاء، لأن أصحاب الحديث اعترضوا على الشافعي فيه وقالوا: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشيء فكيف قال هذا".
وقال ابن المنذر: لا أعرف هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وسئل أحمد بن حنبل عن هذا فقال: لا أعرف فيه شيئًا، فقيل له: إن أبا عبد الله قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لعل أبا عبد الله سمعه من ذلك المدني فإنه كان حسن الظن فيه يعني إبراهيم بن يحي الهجري ولأصحابنا عنه جوابان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وطائفة أن مراد الشافعي بقضائه تأجيل الدية في ثلاث سنين، وأنه مروي لكنه مرسل، فلذلك لم يذكر إسناده.
والثاني: أن مراده القضاء بأصل الدية وهو متفق عليه.
فأما تأجيلها في ثلاث سنين فهو مروي عن الصحابة، روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولأن العاقلة تتحمل دية الخطأ مواساة، وما كان طريق المواساة كان لأجل فيه معتبرًا كالزكاة، ولما خرجت عن عرف الزكاة في القدر زاد حكمها في الأجل، فاعتبر في عدد السنين أكثر القليل وأقل الكثير فكان ثلاث سنين، وبهذا خالف العبد وقيم المتلفات، لأنه لا مواساة فيهما، ولا اعتبار بما قاله ربيعة إنما مؤجلة في خمس سنين؛ لأن دية الخطأ أخماس، لأن عمد الخطأ أثلاث والأجل فيهما سواء.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا مخالفًا في أن العاقلة العصبة وهو القرابة من قبل الأب.
وقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه على علي بن أبي طالبٍ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب وقضى للزبير بميراثهم لأنه ابنهما".
قال في الحاوي: العاقلة هم العصبات سوى الوالدين من الآباء والمولودين من الأبناء، كالإخوة، وبينهم، والأعمام وبنيهم، وأعمام الآباء والأجداد وبنيهم.
وقال مالك وأبو حنيفة: يتحملها الآباء والأبناء وهو من العاقلة كسائر العصبات استدلالًا بأنهم عصبة فاشبهوا في العقل سائر العصبات وهم أولى، لأن تعصيبهم أقوى، ولأن النصرة ألزم فكانوا أحق بتحمل الغرم.
ودليلنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الحسحاس بن خباب وأبي رمثة في الابن: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" وحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه".
وهذه الأحاديث نصوص مع حديث أبي هريرة، ولأن عمر رضي الله عنه قضى في موالي صفية للزبير بالميراث وعلى علي بالعقل، وهو إجماع، ولأن كل من لا يحمل العقل مع وجود أهل الديوان لم يحمله مع عدمهم كالصغير والمعتوه، ولأن كل من لزمه تحمل النفقة عنه في ماله لم يلزمه تحمل العقل عنه كالزوج.
وقياسهم على البعضية منتقض بالصغير والمعتوه، ثم المعنى في الفرضية عدم الولادة والبعضية واعتبارهم بالنصرة فهو شرط وليست بعلة، ويفسد بالزوج والجار.
فصل:
وإذا كان للقاتلة خطأ ابن عمها لم يعقل عنها بالتعصيب تغليبًا لحكم البنوة، وجاز أن يزوجها بالتعصيب تغليبًا لحكمه على البنوة، والفرق بينهما أن خروج الأبناء من العقل وإن كانوا عصبة لاختصاصهم بتحمل النفقة وهو يتحملها هاهنا، وإن كان ابن عم فلم يجمع بين تحملها وتحمل العقل، وخالف ولاية التزويج الذي قد وجدت فيه مع البنوة شروط العصبات، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وإذا ثبت أن العاقلة من عدا الآباء والأبناء من العصبات لم يتحمل القاتل معهم من الدية شيئًا، واختصوا بتحملها عنه دونه.
وقال أبو حنيفة: يشاركهم في تحمل الدية ويكون فيها كأحدهم، استدلالًا بما روي أن سلمة بن نعيم قتل مسلمًا ظنه كافرًا فقال له عمر: ديته عليك وعلى قومك، ولم يظهر له مخالف.
ولأن تحمل الدية عن القاتل مواساة له وتخفيف عنه فلم يجز أن يتحمل عنه ما لا يتحمله عن نفسه كالنفقة، ولأن تحملها عنه نصرة له وهو أحق بنصرة نفسه من غيره.
ودليلنا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة فكان الظاهر أن جعل جميعها على العاقلة، ولأن تحمل المواساة يوجب استيعاب ما وقعت به المواساة كالنفقة وزكاة الفطر، وفيه انفصال عما استدلوا به من المواساة، ولأنه لما تفرد القاتل بدية العمد وجب أن تتفرد العاقلة بدية الخطأ، لأن الدية مستحقة في جهة واحدة، وحديث عمر محمول على أ، هـ جعلها عليه وجوبًا وعلى قومه تحملًا.
وأما النصرة فلا اعتبار بها، لأن الزوج ينصر زوجته ولا يعقل عنها، وعلى أن العاقلة قد كفوه النصرة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ومعرفة العاقلة أن ينظر إلى إخوته لأبيه فيحملهم ما يُحمل العاقلة فإن لم يحتملوها دفعت إلى بني جده فإن لم يحتملوها دفعت إلى بني جد أبيه ثم هكذا لا يدفع إلى بين أب حتى يعجز من هو أقرب منهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن تفرد الأقارب بها دون الأباعد إجحاف فخرج عن المواساة، وأخذها من كل قريب وبعيد يفضي إلى دخول جميع بني آدم فيها فوجب أن يراعي في تحملها الأقرب فالأقرب كالميراث.
قال أبو حنيفة: يستوي فيها القريب والبعيد ويشتركون في تحملها على سواء استدلالًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المقتول على عاقلة القاتلة، وأن عمر بن الخطاب قال لعلي رضي الله عنهما في دية الجنين الذي أجهضته المرأة الموهوبة: "غرمت عليك لتقسمنها على قومك" ولم يفرق بين القريب والبعيد.
وهذا فاسد، لأن كل حكم تعلق بالتعصيب وجب أن يعتبر فيه الترتيب كالميراث وولاية النكاح، ولأن الأقرب أخص بالنصرة من الأبعد، فكان أحق بالفعل منه.
فأما الخبر والأثر فالمراد بهما بيان محل العقل أنهم العصبات ثم تقف التعيين على ما يوجبه الترتيب، فإذا ثبت هذا فأول العصبات درجة في تحمل الدية الإخوة، وقدر ما يتحمله الموسر منهم في كل سنة نصف دينار، والمتوسط ربع دينار على ما سنذكره، ويخرج من الإخوة من كان لأم، ويتحملها منهم من كان لأب وأم، أو لأب، فإن اجتمعوا فهل يقدم الإخوة للأب والأم في تحملها على الإخوة للأب؟ على قولين: كما قيل في ولاية النكاح، فإذا أمكن أن يتحملها الإخوة، لأن العقل خمسة دنانير والإخوة عشرة ضربت عليهم ولم يعدل إلى غيرهم وإن قصروا عنها، لأن العقل خمسة والإخوة خمسة ضم إليهم بنو الإخوة، فإن كانوا خمسة صاروا مع الإخوة عشرة يتحملون العقل الذي هو خمسة دنانير فلا يضم إليهم غيرهم، وإن كان بنو الإخوة أقل من خمسة ضممنا إليهم بنيهم حتى يستكملوا عشرة فيتحملون عقل الخمسة، ولا تتعداهم إلى غيرهم، فإن زاد العقل على الخمسة ضممنا إلى الإخوة وبينهم الأعمام، فإن تحملوه لم يعدل إلى غيرهم، وإن عجزوا عنه ضممنا إليهم بنيهم، ثم كذلك أعمام الأب وبنوهم وأعمام الجد وبنوهم حتى يستوعبوا جميع القبيلة التي هو إليها منسوب وبها مشهور، ولا يقتصر على النسب الأدنى دون الأبعد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل معاقل قريش منهم، فإذا كان القاتل من بني هاشم جعلنا الدية عليهم، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو عبد مناف، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو قصي، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو كلاب، ثم كذلك بنو أب بعد أب حتى تستوعب جميع قريش، ولا يعدل يعد قريش إلى غيرهم من العرب لتميزهم بأنسابهم، فإن قصروا
عنها عدلنا إلى المولي المعتقين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "موالي القوم منهم" فإن عجزوا عنها كان ما عجزوا عنه في بيت المال، لأن جميع المسلمين عاقلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم".
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن في الديوان ومن ليس فيه منهم سواءٌ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على العاقلة ولا ديوان في حياته ولا في حياة أبي بكرٍ ولا صدرٍ من ولاية عمر رضي الله عنه".
قال في الحاوي: وهذا قاله الشافعي ردًا على أبي حنيفة، لأنه أوجبها على من شاركه في ديوانه تدفع من أعطياتهم، سواء كانوا عصبة أو لم يكونوا، فإن لم يكن له ديوان قسمت حينئذٍ على عصبته احتجاجًا بأن عمر بن الخطاب دون الدواوين وجعل العقل على أهل الديوان من أعطياتهم، ولأن أهل الديوان بالنصرة أحق فكانوا بتحمل العقل أحق، وذهب الشافعي إلى أنها على العصبة، سواء كان في الديوان أو لم يكن، وسواء كانت عصبته معه في الديوان أو لم يكن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة ولم يكن على عهده ديوان.
وكذلك قضى أبو بكر رضي الله عنه بالدية على العاقلة ولم يكن في خلافته ديوان، وكذلك في صدر من أيام عمر إلى أن أحدث الديوان في آخر أيامه لتميز القبائل وترتيب الناس في العطاء، فلم يجز العدول به عما كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره من أمر حدث بعده، لأنه يكون نسخًا، والنسخ مرتفع بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن كل حكم تعلق بالتعصيب مع عد الديوان، تعلق به مع وجود الديوان كالميراث وولاية النكاح، ولأنها جناية يتحمل عقلها فوجب أن يختص بها العصبات كالذي لا ديوان له، ولأن كل سبب لا يستحق به الميراث لم يتحمل به العقل كالجوار ولأن عدم العقل في مقابلة غنم الميراث ليكون غانمًا وغارمًا لا يجتمع هذا إلا في العصبات، ولذلك انتقل عنهم العقل إذا عدموا إلى بيت المال لانتقال ميراثه إليه، ولا يعقل بيت المال عن الكافر، لأن ماله يصير إليه فيئًا لا ميراثًا، وفيما ذكرنا انفصال وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا أعلم مخالفًا أن الصبي والمرأة لا يحملان منها شيئًا وإن كانا مُوسرين وكذلك المعتوه عندي".
قال في الحاوي: وهو كما قال، لا يعقل من العصبات إلا الرجال العقلاء الأحرار دون النساء والصبيان والمجانين والعبيد، لأمرين:
أحدهما: أنها مختصة بأهل النصرة من العصبات.
والثاني: أن يحمل العقل في الإسلام بدل من المنع بالسيف في الجاهلية، وذلك مختص بالرجال العقلاء الأحرار.
فإن قيل: فسهم ذوي القربى مستحق بالنصرة ولذلك ضم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المطلب إلى بني هاشم وقال: "لأنهم ما افترقوا في جاهلية ولا إسلام"، ثم سوى فيه بين الرجال والنساء والصبيان فهلا كان العقل بمثابته، وإن كان مستحقًا بالنصرة؟
قيل: لأن سهم ذوي القربى مستحق بالقرابة، وإن أثرت في النصرة فلذلك كان للذكر فيه مثل حظ الأنثيين، فلذلك أجرى عليهما حكم المواريث وخالفت العقل الذي هو مقصور على التعصيب والنصرة.
فصل:
فإذا تقرر هذا فلا فرق في العاقلة بين المقاتلة وغير المقاتلة، لأن جميعهم من بين ناصر بيد أو لسان، فأما الشيوخ والمرضى فمن كان منهم باقي المنة ولم ينته إلى عجز الهرم والإياس بالمرض تحملوا العقل، فقد تحمل عمار بن ياسر العقل، وهو شيخ كبير يحارب في محفة، فأما من انتهت به السن إلى عجز الهرم وانتهى به المرض إلى الزمانة حتى لم يبق فيهما نهضة ولا يقدران على الحضور في جميع ففيهم وجهان مخرجان من اختلاف قولي الشافعي فيهم: هل يقتلون إذا أسروا في الشرك؟ فإن قيل: يقتلون عقلوا، وإن قيل: لا يقتلون لم يعقلوا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويؤدي العاقلة الدية في ثلاث سنين من حيث يموت القتيل".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الدية تجب على العاقلة بموت القتيل، وهو أول أجلها، سواء حكم بها الحاكم عليهم أو لم يحكم.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الدية على العاقلة إلا بحكم الحاكم، فإذا حكم بها عليهم فهو أول وقت الأجل احتجاجًا بأن تحمل العقل يختلف فيه فلم يستقر وجوبه إلا بحكم، ولم يتأجل إلا بعد الحكم كالعنة.
ودليلنا: هو أن كل ما وجب بسبب تعلق وجوبه بوجود السبب كالأثمان في المبيع تجب بوجود المبيع وهو أول المؤجل، ولأنها مواساة يعتبر فيها الحول فلما يقف
ابتداؤها على الحكم كالزكاة، ولأن من لزمته الدية المؤجلة لم يقف وجوبها وابتداؤها على الحكم كالمقر بقتل الخطأ.
فأما الاحتجاج بالاختلاف فيه فخطأ، لأن تحمل الدية نص، وفي النص على الأجل ما قدمناه من الوجهين، والاختلاف فيهما شاذ حدث بعد تقدم الإجماع فكان مطرحًا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا الدية من أن تكون مستحقة في نفس أو فيما سوى النفس فإن كان في نفس فأول أجلها موت القتيل وهو وقت الجناية، سواء كان القتل بتوجيه أو سراية، لأن دية النفس لا تجب إلا بعد تلفها، ثم لا يخلو حال الدية من ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن تكون كاملة.
والثاني: أن تكون ناقصة.
والثالث: أن تكون زائدة.
فإن كانت كاملة فهي دية الرجل الحر المسلم، فتجب على العاقلة في ثلاثة سنين، يؤدي بعد انقضاء السنة الأولى ثلثها، بعد انقضاء الثانية ثلث ثان، وبعد انقضاء السنة الثالثة الثلث الباقي، وإن كانت الدية ناقصة كدية المرأة والذمي ففيها وجهان:
أحدهما: أن العاقلة بتحملها في ثلاثة سنين، لأنها دية نفس، فيؤدي في انقضاء كل سنة ثلثها.
والثاني: أنها تؤدي في كل سنة منها ثلث دية الرجل الحر المسلم، فإن كانت دية ذمي فهي ثلث دية المسلم، فتؤدي العاقلة بعد انقضاء السنة جميعها، لأنه القدر الذي تؤديه من دية المسلم، وإن كانت دية امرأة فهي نصف دية الرجل، فيؤدي بعد انقضاء السنة الأولى ثلثيها وهو ثلث دية الرجل، ويؤدي بعد انقضاء السنة الثانية ثلثها الباقي وهو سدس دية الرجل، وإن كانت الدية زائدة كقيمة العبد إذا زادت على دية الحر.
وقيل: إن قيمة العبد تحملها العاقلة ففيها وجهان:
أحدهما: أنها تقسم على ثلاث سنين، يؤدي عند انقضاء كل سنة ثلثها، وإن كان أكثر من ثلث دية الحر، لأنها دية نفس إذا قيل: إنها إن انقضت كانت تؤدي على ثلاث سنين.
والثاني: أنها تؤدي منها عند انقضاء كل سنة قدر الثلث من دية الحر إذا قيل نقصت كانت مؤداة في أقل من ثلاث سنين، فعلى هذا إن كانت قيمته دية وثلثًا أداها في أربع سنين في كل سنة ربعها، وإن كانت دية وثلثين أداها في خمس سنين، في كل سنة خمسها، فهذا حكم ديات النفوس.
فأما ديات ما سوى النفس من الجراح والأطراف فعلى ضربين:
أحدهما: أن تندمل كقطع اليد إذا اندملت أو الموضحة إذا اندملت، فديتها واجبة بابتداء الجناية لاستقرار الوجوب بالاندمال، فيكون أول الأجل من وقت الجناية لا من وقت الاندمال لتقدم الوجوب بالجناية دون الاندمال، فلو اندملت بعد انقضاء الأجل استحق تعجيلها حينئذٍ كالثمن المؤجل إذا حل عند القبض.
والثاني: أن تسري الجناية عن محلها إلى عضو آخر كقطع الأصبع إذا سرى إلى الكف، فالدية وجبت بعد استقرار السراية كما تجب دية النفس بعد الموت، فيكون ابتداء الأجل بعد اندمال السراية ولا اعتداد بما مضى من المدة بعد الجناية وقبل اندمال السراية، فإذا تقرر حكم هذين الضربين فيما سوى النفس في ابتداء وقت التأجيل فأرش الجناية على أربعة أضرب:
أحدها: أن تكون في ثلث النفس فما دون كالجائفة وما ودونها، فتؤديه العاقلة في سنة واحدة إذا انقضت ولو كان دينارًا واحدًا.
والثاني: أن تزيد على الثلث ولا تزيد على الثلثين، فتؤديه في سنتين بعد انفصال السنة الأولى وثلث الدية، وبعد انفصال السنة الثانية ما بقي منها، فإن كان سدس الدية، لأن جميع الأرش كان نصف الدية في إحدى اليدين أدته في السنة الثانية، وإن كان ثلث الدية؛ لأنهما جائفتان أدته في السنة الثانية.
والثالث: أن تزيد على ثلثي الدية ولا تزيد على جميع الدية كدية اليدين، فتؤديه في ثلاث سنين عند انقضاء كل سنة ثلث دية على ما قدمناه.
والرابع: أن يزيد على دية النفس مثل قطع اليدين والرجلين فنوجب ديتين إحداهما في اليدين، والأخرى في الرجلين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يستحقا لنفسين، فعلى العاقلة أن تؤدي في كل سنة ثلث كل واحدة من الديتين، فتصير في كل سنة مؤدية فثلثي الدية لانفراد كل جناية بحكمها.
والثاني: أن يستحقها نفس واحدة فتجمل العاقلة الديتين في ست سنين، تؤدي في كل سنة منها ثلث دية، لأنها جناية واحدة لا تتحمل العاقلة فيها أكثر من ثلث دية النفس والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يقوم نجم من الدية إلا بعد حلوله، فإن أعسر به أو مطل حتى يجد الإبل بطلت القيمة وكانت عليه الإبل".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الدية هي الإبل لا يعدل عنها مع وجودها، فإن أعوزت عدل عنها إلى الدراهم والدنانير، وهي على قوله في القديم مقدرة بالشرع، فيكون
من الدراهم اثني عشر ألف درهم ومن الدنانير ألف دينار، وعلى قوله في الجديد تقدر بقيمة وقتها دراهم أو دنانير، وعلى هذا موضوع هذه المسألة، ووقت قيمتها عند انقضاء الحول الذي يستحق فيه الأداء، ولا اعتبار بقيمتها وقت القتل، لأن قيمة ما في الدية معتبر بوقت الأداء، كالطعام المغصوب إذا مثله اعتبرت قيمة وقت الأداء لا وقت الغصب، فإذا حال الحول الثاني اعتبرت عنده قيمة النجم الثاني، فإذ حال الثالث اعتبرت عنده قيمة النجم الثالث، سواء انقضت قيم النجوم الثلاث في الأحوال الثلاثة أو اختلفت ولو أعوزت في نجم ووجدت في نجم أخذت في النجم الذي وجدت، وأخذ قيمتها من النجم الذي أعوزت، فلو قومت في حول أعوزت فيه ووجدت فيه نظر وجودها، فإن كان بعد أخذ قيمتها أجزأت القيمة ولم يرجع إلى الإبل، وإن كان وجودها قبل أخذ القيمة بطلت القيمة وأخذ الإبل كالطعام المغصوب إذا قوم مثله عند إعوازه ثم وجد بعد القيمة يرجع بالطعام وإن لم تقبض القيمة، ولا يرجع به إن قبضها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يجملها فقيرٌ"
قال في الحاوي: وهذا كما قال، دية العاقلة تستحق على الموسر والمتوسط، ولا تجب على الفقير المعسر، لأنها مواساة فأشبهت نفقات الأقارب، ولأن المقصود بها إزالة الضرر عن القاتل فلم يجز أن يدخل بها الضرر على المتحمل العاقل، وخالفت دية العمد التي يؤخذ بها الغني والفقير لاستحقاق العمد بمباشرته واستحقاق الخطأ بمواساته.
فأما الجزية ففي أخذها من الفقير قولان:
أحدهما: لا تؤخذ منه كالعالقة.
والثاني: تؤخذ منه الجزية وإن لم تؤخذ الدية من فقراء العاقلة للفرق بينهما بأن الجزية موضوعة لحقن الدم وإقراره في دار الإسلام فصارت عوضًا، وتحمل الدية مواساة محضة والفقر يقسط والمواساة ولا يقسط المعاوضة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قضى بها فأيسر الفقير قبل أن يحل نجمٌ منها أو افتقر غين فإنما أنظر إلى الموسر يوم يحل نجمٌ منها".
قال في الحاوي: اعلم أن ما يستحق بالحول ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان الحول فيه مضروبًا للوجوب وهو حول الزكاة.
والثاني: ما كان الحول فيه مضروبًا للأداء مع تقدم الوجوب وهو حول العاقلة.
والثالث: ما اختلف فيه هل هو مضروب للوجوب أو للأداء على وجهين، وهو حول الجزية.
فإذا تقرر هذا فالفقر والغني في العاقلة معتبر عند انقضاء الحول وقت الأداء ولا يعتبر في أوله وقت الوجوب، فإن قيل: فالاعتبار بوقت وجوبه أولى من الاعتبار بوقت أدائه كالجزية.
قيل: لأن الجزية معينة فاعتبر بها وقت وجوبها، والدية تجب بالقتل على الإطلاق ولا يتعين إلا عند الاستحقاق، ألا ترى لو مات أحد العاقلة قبل الحلول لم تؤخذ من تركته، ولو تعين استحقاقها لأخذت، فإذا تقرر اعتبار الغني والفقر عند الحلول الحول فمن كان منهم عند الحلول، غنيًا وجبت عليه، وإن كان فقيرًا في أوله، ومن كان منهم عند الحول فقيرًا لم تجب عليه وإن كان غنيًا في أوله، فلو حال الحول على غني فلم يؤدها حتى افتقر كانت دينًا عليه، ولم تسقط عنه بفقره، لأنها تعينت عليه وقت غناه، وينظر بها إلى ميسرته، ولو حال الحول على فقير فلم يستوف حتى استغنى لم يجب عليه بغناه، لأنه تعين سقوطها عنه وقت فقره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن غرم في نجم ثم أعسر في النجم الآخر تُرك".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن الغني والفقر معتبر في كل حول فلم يتعين في الحول إلا النجم الذي يستحق فيه، فمن كان غنيًا في الأحوال الثلاثة تحمل العقل في جميعها، ومن كان منهم فقيرًا في الأحوال الثلاث سقط عنه العقل في جميعها، ومن كان غنيًا في بعضها، ومفتقرًا في بعضها وجب عليه العقل في حول غناه وسقط عنه في حول فقره، فلو ادعى فقرًا بعد الغني أحلف ولم يكلف البينة على فقره، لأنها لا تجب عليه إلا مع العلم بغناه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن مات بعد حلول النجم مؤسرًا أخذ من ماله ما وجب عليه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا مات من العاقلة موسر بعد الحلول وقبل الأداء لم يسقط عنه العقل بموته.
وقال أبو حنيفة: يسقط عنه بالموت استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أنها مواساة فأشبهت نفقات الأقارب.
والثاني: أنها صلة وإرفاق فأشبهت الهبات قبل القبض، وهذا خطأ لأمرين: كالديون.
والثاني: أنه لما لم يكن للورثة أن يمنعوا من الوصايا وهي تطوع، كان أولى أن لا يمنعوا من العقل وهو واجب.
والثالث: أنه لما لم تسقط بالموت دية العمد لم تسقط به دية الخطأ.
فأما نفقات الأقارب فإنما وجبت لحفظ النفس، وقد وجد ذلك فيما مضى فسقط معنى الوجوب، ودية القتل وجبت لإتلاف النفس وقد استقر وجوبه فلم تسقط بمضي زمانه، وأما الهبة فليس كتحمل العقل عنه، لأنها تؤخذ خبرًا والهبة تبذل تطوعًا فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت أنها لا تسقط بالموت قدمت على الوصايا والمواريث، وتؤدي وإن استوعبت جميع التركة، فإن عجز صاحب التركة عنها، وعن ديون الميت قسمت على قدر الحقوق، وكان باقي العقل دينًا يؤدي على الميت، ولا يرجع به على الباقين من العاقلة لوجوبه على غيرهم، ولو امتنعت العاقة من بدل الدية ولم يوصل إليها منهم إلا بحربهم جاز أن يحاربوا عليها كما يحارب الممتنعون من الحقوق الواجبة، فإن وجدت لهم أموال بيعت عليهم ولم يحاربوا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولم أعلم مخالفًا في أن لا يحمل أحدٌ منهم إلا قليلًا وأرى على مذاهبهم أن يحمل من كثر ماله نصف دينارٍ ومن كان دونه ربع دينارٍ لا يُزاد على هذا ولا ينتقص منه وعلى قدر ذلك من الإبل حتى يشترك النفر في البعير".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن العقل يحمله من العاقلة الأغنياء والمتوسطون دون الفقراء، فوجب أن يفرق بين الغني والمتوسط فيه.
وقال أبو حنيفة: لا فرق بينهما في قدر ما يتحمله كل واحد منهما اعتبارًا بزكاة الفطر والكفارات التي يستوي فيها الكثير والمتوسط، وهذا ليس صحيح لقول الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:7] وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة:236] ولأنهما مواساة فوجب أن يقع الفرق فيهما بين المقل والمكثر كالنفقات، ولم يسلم ما استدل به من زكاة الفطر والكفارات لاختلاف حكم المقل والمكثر فيها.
فصل:
فإذا ثبت الفرق فيها بين المقل والمكثر فالذي يتحمله الغني المكثر منها نصف دينار
والذين يتحمله المقل المتوسط ربع دينار.
وقال أبو حنيفة: الذي يتحمله كل واحد من الغني والمتوسط من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم، لا يزاد عليها ولا ينقص منها.
وقال أحمد بن حنبل: يتحملون ما يطيقون بحسب كثرة أموالهم وقلتها من غير أن تتقدر بشرع، واستدل أبو حنيفة بأن فرض الزكاة أوكد من تحمل العقل، وأقل ما يجب في زكاة المال خمسة دراهم من مائتي درهم، فوجب أن يكون ما يلزم في العقل أق منها فكان أربعة دراهم أو ثلاثة، واستدل أحمد بقول الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة:236].
ودليلنا هو أن ما أوجبه الشرع من حقوق المواساة كان مقدرًا كالزكوات والنفقات فبطل به قول أحمد، ولكن في تقديره طريقان:
أحدهما: أن يبدأ بتقدير الأقل، ويجعله أصلًا للأكثر.
والثاني: أن يبدأ بتقدير الأكثر ويجعله أصلًا للأقل.
فإن بدأت بتقدير الأقل في حق المتوسط فهو ما خرج عن حد التافه، لأنه لو اقتصر على التافه جاز الاقتصار على القيراط والحبة وذلك مما لا يفي بالدية وينهدر به الدم، وحد التافه ما لم يقطع فيه اليد، لقول عائشة رضي الله عنها لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "القطع في ربع دينار" فوجب أن يضاعف في حق المكثر فيلزمه نصف دينار، كما يلزم الموسر في النفقة مثلًا نفقة المعسر، وإن بدأت بتقدير الأكثر في حق المكثر فهو أن أول ما يواسى به الغني في زكاته نصف دينار من عشرين دينارًا، فحمل الغني نصف دينار، لأن الزيادة عليه تؤول إلى الإجحاف، ولا يقف على مقدار، وإذا لزم الغني نصف دينار وجب أن يقتصر من المقل على نصفه كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر، وفي هذا التقدير دليل وانفصال.
فصل:
فإذا ثبت تقديره بنصف دينار في حق المكثر وربع دينار في حق المقل فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أكثرهم: أن هذا قدر ما يؤخذ في السنة الواحدة، فيكون في السنين الثلاث على المكثر دينار ونصف من جميع الدية، وعلى المقل ثلاثة أرباع الدينار من جميع الدية.
والثاني: وهو قول أقلهم: أن هذا قدر ما يؤخذ من جميع الدية في السنين الثلاث،
فيصير المأخوذ من المكثر في كل سنة منها سدس دينار، والمأخوذ من المقل في كل سنة نصف سدس دينار، والأول أشبه، لأن لكل سنة حكمها، فإذا ثبت هذا لم يجز العدول عن الإبل مع وجودها، ومعلوم أن قيمة تعيين إبل الدية أكثر من نصف دينار، ولا يمكن أن تتجزأ فينفرد كل واحد منهم بجزء قيمته نصف دينار، فوجب أن يشترك في أداء البعير الواحد العدد الذين يكون قسط الواحد من ثمنه نصف دينار إن كان مكثرًا، وربع دينار إن كان مقلًا، وهذا عدد لا يمكن حصره، لأن البعير قد تزيد قيمته في حال وثقل في أخرى، وإن أعوزت الإبل عدل إلى الدنانير إما مقدرة بألف دينار على قوله في القديم، أو بقيمة مائة بعير على قوله في الجديد، يحمل المكثر منها نصف دينار والمقل ربع دينار، وإن عدل عنه إعواز الإبل إلى الدراهم فإن قدرت باثني عشر ألف درهم على قوله في القديم تحمل المكثر منها ستة دراهم والمقل ثلاثة دراهم، لأن الدينار فيها مقابلًا لاثني عشر درهمًا، وإن قدرت بقيمة مائة بعير ففيه وجهان محتملان:
أحدهما: أن يتحمل المكثر منها ستة دراهم والمقل ثلاثة دراهم على ما ذكرنا لو قدرت بالدراهم اعتبارًا بقيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه لما عدل بالإبل إلى قيمة الوقت وجب أن يعدل بالدينار إلى قيمة الوقت، فيتحمل المكثر من الدراهم قيمة نصف دينار بسعر وقيمة، والمقل قيمة ربع دينار، لأن الدينار في وقتها أكثر قيمة منه في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويحمل كل ما كثر وق من قتلٍ أو جرحٍ من حر وعبدٍ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حملها الأكثر دل على تحميلها الأيسر".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء فيما تحمله العاقلة من الدية على خمسة مذاهب:
فقال الشافعي: يحمل كل ما كثر وقل من قتل وجرح.
وقال قتادة: تحمل دية النفس في القتل ولا تحمل ما دون النفس ويتحمله الجاني.
وقال مالك وأحمد بن حنبل تحمل ثلث الدية فصاعدًا ويتحمل الجاني ما دون الثلث.
وقال الزهري: يتحمل العاقلة ما زاد على الثلث ويتحمل الجاني الثلث فما دون.
وقال أبو حنيفة: يتحمل العاقلة نصف عشر الدية فما زاد، ويتحمل الجاني ما دون ذلك واستدل قتادة بأن حرمة النفس أغلظ لاختصاصها بالكفارة والقسامة فاختصت بتحمل العاقلة.
واستدل مالك وأحمد بأن العاقل مواسي يتحمل ما أجحف تحصينًا للدماء، وما دون الثلث غير مجحف فلم يتحمله.
واستدل الزهري بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث كثير" فصار مضافًا إلى ما زاد عليه في تحمل العاقلة له.
واستدل أو حنيفة على تحمل نصف العشر بأمرين:
أحدهما: أن تحمل العاقلة لما عدل فيه عن القياس إلى الشرع وجب أن يختص بأقل ما ورد به الشرع، وأقله أرش الموضحة، والغرة في الجنين، وهي مقدرة بمثل أرش الموضحة خمس من الإبل أو خمسين دينار أو ستمائة درهم وذلك نصف عشر الدية فكان هذا أصلًا في أقل ما تحمله العاقلة وكان ما دونه محمولًا على موجب القياس.
والثاني: أن ما دون الموضحة لما لم يجب فيه قصاص ولا أرش مقدر جرى مجرى الأموال فوجب أن لا تتحمله العاقلة كما لا تتحمل الأموال.
والدليل على جميعهم في تحمل الأكثر والأقل بينه النص وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حمل العاقلة جميع الدية وهي أثقل فيه به على تحمل ما هو أقل، ولو نص على الأقل لما نبه على حكم الأثقل، وفي إلزام الجمع بين النصين خروج عن موضوع الشرع.
ثم نحرر هذا الأصل قياسًا فنقول: إنه أرش خطأ على نفس فجاز أن يتحمله العاقلة قياسًا على دية النفس مع قتادة، وعلى ثلث الدية مع مالك، وعلى نصف عشرها مع أبي حنيفة، ولأنه لما تحمل الجاني قليل الدية وكثيرها في العمد وجب أن تحمل العاقلة قليلها وكثيرها في الخطأ، ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أن من تحمل كثير الدية تحمل قليلها كالجاني.
والثاني: كل قدر تحمله الجاني جاز أن يتحمله العاقلة كالكثير، ولأن الجماعة لو اشتركوا في جناية قدرها الثلث عند مالك ونصف العشر عند أبي حنيفة تحملت عاقلة كل واحد منهم ما لزمه لجنايته، وهو أقل من ثلث الدية ومن نصف عشرها، فكذلك إذا انفرد بالتزام هذا القدر، ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أن من تحمل كثير الدية تحمل قليلها كالجاني.
والثاني: كل قدر يتحمله الجاني جاز أن تتحمله العاقلة كالكثير، لأن الجماعة لو اشتركوا في جناية قدرها الثلث عند مالك ونصف العشر عند أبي حنيفة تحملت عاقلة كل واحد منهم ما لزمه لجنايته وهو أقل من ثلث الدية ومن نصف عشرها، فكذلك إذا انفرد بالتزام هذا القدر ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أن ما تحملته العاقلة في الاشتراك جاز أن يتحمله في الانفراد كالكثير.
والثاني: أن ما تحملته العاقلة من الكثير جاز أن تتحمله من القليل كالاشتراك، وما قاله قتادة من تغليظ حرمة النفس فحرمتها لأجل حرمة الإنسان، وحرمة الإنسان عامة في نفسه وأطرافه، فوجب أن يستويا في حكم الغرم ومحله، وما قاله مالك من أن الثلث قليل لا يجحف فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث كثير" فصار ضد قوله: ثم قد يجحف الثلث وأقل منه بالجاني إذا انفرد بغرمه لاسيما إذا كان مقلًا، وما قاله أبو حنيفة من ورود الشرع فيه
فلا يمنع ذلك من وجوب الأرش وإن لم يرد فيه شرع لم يمنع من تحمل العقل، وإن لم يرد فيه شرع، وما قاله من إجزائه في سقوط القصاص وتقدير الأرش مجرى الأموال فمنتقض بالأنملة يجب فيها القصاص ويتقدر أرشها بثلث العشر ولا تتحملها العاقلة عنده وقد لا يجب القصاص فيما زاد على نصف العشر ولا يتقدر أرشه وتحمله العاقلة فبطل ما اعتد به ولم يبق إلا حفظ الدماء بالتزام العاقلة لأورشها وهذا يصح قليلها وكثيرها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كان الأرش ثلث الدية أدته في مُضر سنة من يوم جُرح المجروح فإن كان أكثر من الثلث فالزيادة في مضي السنة الثانية فإن زاد على الثلثين ففي مضي السنة الثالثة وهذا معنى السنة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا وجب ثلث الدية من جرح أو طرف أدته العاقلة في سنة واحدة لأنها تلتزم في جميع الدية أداء ثلثها في كل سنة، وإن وجب ثلث الدية في نفس كدية اليهودي والنصراني ففيه وجهان على ما مضى:
أحدهما: تؤديه العاقلة في سنة واحدة اعتبارًا بدية الجرح.
والثاني: أن تؤديه في ثلاث سنين اعتبارًا بدية النفس، وكذلك نصف العشر في دية الجنين يكون على هذين الوجهين؛ لأنها دية نفس.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا تحمل العاقلة ما جني الرجل على نفسه".
قال في الحاوي: إما إذا جني على نفسه عمدًا ققطع يده أو قتل نفسه إما لغيظ أو حمية، وإما من سفه وجهالة، فجنايته هدر لا يؤاهذ بها إن كان حيًا، ولا يؤخذ بها أرشه إن كان ميتًا، وعليه الكفارة في ماله، فيكون نفسه مضمونة عليه بالكفارة، وغير مضمونة عليه بالدية، لأن الدية من حقوقه فسقط عنه، والكفارة من حقوق الله تعالى فوجبت عليه كما لو قتل عبده سقطت عنه القيمة لأنها له ووجبت عليه الكفارة لأنها لله تعالى.
فصل:
فأما إذا جني على نفسه خطأ فقطع يده بانقلاب سيفه عليه أو قتل نفسه بعود سهمه إله فجنايته هدر كالعمد في قول أكثر الفقهاء، وعاقلته براء من ديته.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تتحمل عاقلته ما جناه على نفسه يؤدونه إليه إن كانت على طرف، والورثة إن كانت على نفس، استدلالًا بما روي أن رجلًا ركب دابة له وضربها بخشبة كانت يده فطارت منها شظية ففقأت عينه فذكر ذلك لعمر بن الخطاب
رضي الله عنه فقال: يده يد رجل من المسلمين وجعل الدية على عصبته.
ودليلنا ما روي أن عامر بن الأكواع أعوج سيفه في قتال المشركين فقتل نفسه فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبطل جهاده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبطل جهاده، ولم ينقل أنه قضى بالدية في ماله ولا عاقلته، وهذا وإن كان في العمد ففيه دليل على الخطأ.
ويدل عليه ما روي أن عوف بن مالك الأشجعي ضرب مشركًا بالسيف فرجع السيف إليه فقتله فامتنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وقالوا: قد أبطل جهاده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مات مجاهدًا شهيدًا"، فدل الظاهر على أن هذا جميع حكمه، ولو وجبت الدية لأبانها، لأنه لا يؤخر بيان الأحكام عن أوقاتها، ولأن جناية العمد أغلظ من جناية الخطأ، فلما أهدر عمده كان خطأه أهدر، ولأنه يواسي بدية الخطأ تخفيفًا عنه، وهو لا يلزمه بقتل نفسه ما تتحمله العاقلة تخفيفًا عنه، فصار هدرًا وجرى مجرى استهلاكه مال نفسه لا يرجع ببدله على غيره، فأما قضاء عمر فهو قول واحد من الصحابة والقياس بخلافه فكان أولى منه والله أعلم.
باب عقل الموالي
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يعقل الموالي المعتقون عن رجلٍ من الموالي المعتقين وله قرابةٌ تحمل العقل فإن عجزت عن بعضٍ حمل الموالي المعتقون الباقي وإن عجزوا عن بعض ولهم عواقلٌ عقلته عواقلهم فإن عجزوا ولا عوقل لهم عقل ما بقي جماعة المسلمين".
قال في الحاوي" العقل يتحمل بالولاء كما يتحمل بالنسب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
ولأنه لما استحق الميراث بالولاء كاستحقاقه بالنسب وجب أن يتحمل به العقل كما يتحمل بالنسب، وإذا كان كذلك فالمناسبون من العصبات مقدمون في العقل على الموالي كما يتقدمون عليهم في الميراث، ويقدم أيضًا العصبات على الموالي في العقل والميراث كما يقدم أقرب العصبات على أبعدهم، فإذا وجد في أقرب العصبات من يتحمل العقل وقف تحملها عليهم، وخرج من التحمل البعداء من العصبات وشاركوا فيها الأقارب وخرج منها والموالي، وإن عجز الأقربون عنها تحملها البعداء والموالي من العصبات وشاركوا فيها الأقارب وخرج منها الموالي إذا تحملها جميع العصبات، وإن عجز جميعهم عنها شركهم فيها الموالي وكانوا أسوة العصبات في تحملها، فإن عجز عنها العصبات والموالي شركهم فيها عصبات الموالي ثم موالي الموالي، فإن عجزوا أو عدموا
تحمل بيت مال المسلمين ما عجزوا عنه من بقي العقل أو من جميعه إذا عدموا؛ لأن ولاء الدين يجمع عاقلة المسلمين فكان عقل جنايته عليهم في بيت مالهم عند عدم عصبته كما ورثوه، وصار ميراثه لبيت مالهم عند عدم عصبته، فإن لم يكن في بيت مال المسلمين مال كانت الدية أو ما بقي منها دينًا، وفي محله قولان مبنيان على اختلاف قول الشافعي في دية الخطأ هل كان ابتداء وجوبها على الجاني ثم تحملها العاقلة عنه أو وجبت ابتداء على العاقلة.
فأحد القولين: إنها وجبت ابتداء على الجاني ثم تحملتها العاقلة لوجوبها بالقتل وتحملها بالمواساة، فعلى هذا تؤخذ من القاتل لعدم من يتحملها عنه فإن أعسر بها كانت دينًا عليه.
والثاني: إنها وجبت ابتداء على العاقلة، لأنها لو وجبت على غيرهم لما انتقلت إليهم إلا بعقد أو التزام وهي تلزمهم من غير عقد ولا التزام، فعلى هذا تكون دينًا في بيت المال ولا يرجع بها على الجاني، وإن كان موسرًا بها لوجوبها على غيره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "قال ولا أحمل الموالي من أسفل عقلًا حتى لا أجد نسبًا ولا موالي من أعلى ثم يحملونه لا أنهم ورثته ولكن يعقلون عنه كما يعقل عنهم".
قال في الحاوي: اعلم أن الموالي ضربان:
مولى من أعلى وهو السيد المعتق.
ومولى من أسفل وهو العبد المعتق.
فأما المولى الأعلى فيعقل عن المولى الأسفل ويرثه وحكم عقله ما قدمناه.
وأما المولى الأسفل فلا يرث المولى الأعلى، وفي عقله عنه قولان:
أحدهما: لا يعقل عنه كما لا يرثه.
وبه قال أبو حنيفة: لأن العصبات ورثوا فعقلوا، وهذا لا يرث فلم يعقل، لأن غرم العقل مقابلًا لغنم الميراث.
والقول الثاني: إن المولى الأسفل يعقل كما يعقل المولى الأعلى لأمرين:
أحدهما: أنه لما عقل الأعلى عن الأسفل وجب أن يعقل الأسفل عن الأعلى.
والثاني: أنه لما عقل الأعلى مع إنعامه كان عقل الأسفل مع الإنعام عليه أولى فعلى هذا يقدم المولى الأعلى في العقل بميراثه، فإن عجز شركه المولى الأسفل ويكون الأسفل مع الأعلى جاريًا مجرى الأعلى مع العصبات والله أعلم.
باب أين تكون العاقلة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "إذا جني رجلٌ جنايةً بمكة وعاقلته بالشام فإن لم يكن خبرٌ مضى يلزم به خلاف القياس فالقياس أن يكتب حاكم مكة إلى حاكم الشام يأخذ عاقلته بالعقل.
وقد قيل: يحمله عاقلة الرجل ببلده ثم أقرب العواقل بهم ولا ينُتظر بالعقل غائبٌ وإن احتمل بعضهم العقل وهو حضورٌ فقد قيل: يأخذ الوالي من بعضهم دون بعض لأن العقل لزم الكل.
قال: وأحب إلى أن يقضي عليهم حتى يستووا فيه".
قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو عاقلة الجاني خطأ من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكونوا حضروا مع الجاني في بلده.
والثاني: أن يكونوا غائبين عن الجاني في غير بلده.
والثالث: أن يكون بعضهم حاضرًا في بلد الجاني وبعضهم غائبًا عن بلده.
فأما الحال الأولى: أن يكونوا كلهم حاضرين في بلد الجاني فهو على ضربين:
أحدهم: أن يتساووا في الدرج.
والثاني: أن يتفاضلوا في الدرج وكان بعضهم أقرب من بعض بدئ بالأقرب فالأقرب نسبًا، فيقدم الإخوة وبنوهم على الأعمام وبنيهم، فإن تحملها الأقربون خرج منها الأبعدون، وإن عجزوا عنها شركهم من بعدهم من الأباعد درجة بعد درجة حتى يستوفي، فإن عجز عنها بعداؤهم شركهم مواليهم، ثم عصبات مواليهم، ثم بيت المال، فإن استووا في الدرج ولم يتفاضلوا لم يخلوا قسم الدية فيهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون موافقة لعددهم لا تزيد عليهم ولا تنقص عنهم فتنقص على جميعهم ولا يخص بها بعضهم دون بعض بحسب أحوالهم من إكثار وإقلال.
والثاني: أن تزيد على عددهم كأنهم يتحملون نصفها ويعجزون عن باقيها، فتفض على ما احتملوا منها، وينقل ما عجزوا عنه إلى الموالي، فإن لم يكونوا فإلى بيت المال.
والثالث: أن تنقص الدية عن عددهم ويمكن أن تنقص على بعضهم، لأنها تتقسط على مائة رجل وهم مائتان ففيه قولان:
أحدهما: أنها تقضي على جميعهم ولو تحمل كل واحد منهم قيراطًا، ولا يخص بها بعضهم لاستواء جميعهم فيها.
والثاني: أنها تقضي على بعضهم دون جميعهم ويخص بها منهم العدد الذي يرافق تحملها، ويكون من استغنى عنه خارجًا منها، ويكون الحاكم مخيرًا في فضها على من
شاء منهم، لأنها تؤخذ بواجب وتترك بعفو، والأولى أن يفضها على من كان أسرع إجابة إليها، وإنما خص بها بعضهم؛ لأنه لما تقدر ما يتحمله كل واحد منهم لم يجز الزيادة عليه لم يجز النقصان منه، ونقل المزني عن الشافعي تعليل هذا القول في أخذها من بعضهم دون بعض، لأن العقل لزم الكل، واختلف أصحابنا فيما نقله من هذا التعليل هل وهو فيه أو سلم؟ على وجهين:
أحدهما: أنه وهم فيه وهو تعليل القول الأول، وهذا قول أبي حامد المروزي.
والثاني: أنه سلم فيه، ومن قال بهذا اختلفوا هل حصل في النقل عنه سهو أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه ما حصل فيه سهو، وهو تعليل صحيح، لهذا القول أنه يؤخذ ن بعضهم دون بعض؛ لأن العقل لزم الكل، فإذا أخذ من بعضهم لم يخرج من جملة من لزمه من العقل فجاز الاقتصار عليه لدخوله في اللزوم.
والثاني: قد حصل في النقل عنه سهو، ومن قال بهذا اختلفوا في المحذوف بالسهو على وجهين:
أحدهما: أن الذي نقله المزني لا يأخذها من بعضهم دون بعض؛ لأن العقل لزم الكل، ويكون ذلك إشارة إلى القول الأول فسها الناقل عنه فحذف لا فصار القول الثاني.
الثاني: أن الذي نقله المزني يأخذها من بعضهم دون بعض، لأن العقل لزم الكل وهو تعليل للقول الثاني إن لم يلزم الكل إذا أخذها من البعض فسها الناقل عنه في حذف الألف التي أسقطها من لا أن حين نقل لأن [.......].
فصل:
وأما الحالة الثانية: وهو أن يكون جميع عاقلته غيبًا عن بلده كأنه جني بمكة وعاقلته الشام، فعلى حاكم مكة أن يكتب إلى حاكم الشام حتى يفضها على عاقلته بالشام، ولحاكم مكة فيما يكاتب حاكم الشام حالتان:
إحداهما: وهو أقل ما يجزئ أن يكتب به أن يقول: ثبت عندي أن فلانًا قتل فلانًا خطأ مضمونًا، فيذكر القاتل باسمه ونسبه وقبيلته، ويذكر المقتول باسمه ونسبه وإسلامه وحريته، لاختلاف الدية بالإسلام والحرية، ولا يلزمه أن يذكر قبيلة المقتول وإن لزمه أن يذكر قبيلة القاتل لتوجيه الحكم على قبيلة القاتل دون المقتول، فيكون حاكم مكة ناقلًا لثبوت القتل المضمون من القاتل للمقتول، ويختص حاكم الشام بالحكم فيحكم بوجوب الدية على العاقلة، ويحكم بفضها عليهم بحسب أحوالهم، ويحكم باستيفائها منهم عند حلولها عليهم.
والثانية: أن يكتب حاكم مكة بثبوت قتل الخطأ ويحكم بالدية فيه على عاقلة القاتل
وهم بنو فلان إشارة إلى قتيلهم.
فإن قيل: فكيف تقضي عليهم وهم غير حضور ولا معين؟
قيل: لأن حكمه على عموم القبيلة لا على أعيان كل واحد من أهلها لتوجه الحكم إلى عمومهم دون أعيانهم، فيحتاج حاكم الشام أن يحكم بفضها عليهم بحسب أحوالهم ويحكم باستيفائها منهم، وقد تقدم من حاكم مكة الحكم بوجوبها عليهم، ولا يسع حاكم مكة أن يزيد على هذا في فضها واستيفائها؛ لأن أعيان من تقضى عليه وتستوفي منه لا يعرف إلا عند الحلول والاستيفاء لتغير الأحوال في الإيسار والإعسار، ولكن يسعه أن يقول: وحكمت على كل موسر منهم بنصف دينار وعلى كل مقل بربع دينار، فيقطع اجتهاد حاكم الشام في التقدير، ولو لم يحكم بهذا كان التقدير موقوفًا على حاكم الشام ليحكم فيه برأيه.
فصل:
وأما الحال الثالثة: وهو أن يكون بعض عاقلته حضورًا بمكة وبعضهم غيبًا بالشام فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الأقربون نسبًا حضورًا بمكة والأبعدون نسبًا غيبًا بالشام فيفضها حاكم مكة على الأقربين بمكة، فإن احتملوها خرج منها الأبعدون بالشام لاختصاص من حضر بقرب الدار وقرب النسب، فإن عجزوا عنها كتب حاكم مكة بالباقي منها إلى حاكم الشام حتى يستوفيه من الأباعد.
والثاني: أن يكون الأبعدون نسبًا حضورًا بمكة والأقربون نسبًا غيبًا بالشام ففيها قولان:
أحدهما: أنها تقضي على الأقربين نسبًا بالشام ولاختصاصها بالنسب الذي يستحق به الميراث، والميراث مستحق بقرب النسب لا يقرب الدار، كذلك تحمل العقل، فعلى هذا يكتب بها حاكم مكة إلى حاكم الشام فإن وفوا بها وإلا فض حاكم مكة باقيها على من بعد نسبه من الحضور.
والثاني: أنها تفض على الحاضرين بمكة وإن كانوا أبعد نسبًا؛ لأن محل العقل معتبر بالنصرة والذب عن القاتل، ومن قريب داره أخص بالنصرة مع بعد نسبه ممن بعدت داره مع قرب نسبه فوجب أن يكون أخص بتحمل العقل فيفضها حاكم مكة عليهم، فإن وفوا بها خرج منها من بالشام من الأقارب، فإن عجزوا عنها فض باقيها على من الشام منهم، وكتب به بحاكم مكة إلى حاكم الشام ليستوفيه ولو كان بعض الغائبين أقرب دارًا من بعض مضي باقيها على أقربهم دارًا مثل أن يكون بعضهم بالمدينة وبعضهم بالشام فيختص باقيها أهل المدينة، لأنها أقرب إلى مكة من الشام.
والثالث: أن يتساوي من حضر بمكة ومن غاب بالشام فيكونوا كلهم أقارب أو
أباعد، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تستوعب الدية جميعهم فتفض على من حضر وغاب حتى يستوفي جميعها.
والثاني: أن يكتفي بأحد الفريقين من الحضور أو الغيب ففيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها تفض على الخاضرين والغائبين جميعًا اعتبارًا بالتساوي في النسب.
والثاني: أنها تفض على الحاضرين دون الغائبين: إذا قيل: إن بعد الدار أولى في الإسقاط.
والثالث: أن الحاكم بالخيار في أن يفضها على الحاضرين دون الغائبين أو أن يفضها على الغائبين دون الحاضرين أو أن يفضها على بعض الحاضرين وبعض الغائبين إذا قيل: إن بعد الدار لا يؤثر وإن العدد إذا زاد فض على البعض والله أعلم.
باب عقل الحلفاء
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يعقل الحليف إلا أن يكون مضى بذلك خبرٌ ولا العديد ولا يعقل عنه ولا يرث ولا يورث إنما يعقل بالنسب أو الولاء الذي كالنسب وميراث الحليف والعقل عنه منسوخٌ وإنما يثبت من الحلف أن تكون الدعوة واليد واحدةً لا غير ذلك".
قال في الحاوي: قد كان التوارث والعقل معتبرًا في الجاهلية بخمسة أشياء: بالنسب والولاء، والحلف، والعديد، والموالاة.
فأما النسب والولاء: فقد استقر الإسلام على استحقاق الميراث وتحمل العقل بهما.
وأما الحلف: فهو أن تتحالف القبيلتان عند استطالة أعدائها على التناصر والتظافر لتمتزج أنسابهم ويكونوا يدًا على من سواهم فيتوارثون ويتعاقلون، أو يتحالف الرجلان على ذلك فيصيرا كالمتناسبين في التناصر والتوارث والعقل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلف المطيبين حين اجتمعت عليه قبائل قريش في دار عبد الله بن جدعان قبل الإسلام على نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، ومعونة الحجيج، وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا من حلف المطيبين، وما زاده الإسلام إلا شدة وما يسرني بحله حمر النعم".
وفيه توارث المسلمون بالحلف في صدر الإسلام، وتأوله بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:33] ثم نسخ التوارث بالحلف بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:75].
فأما تحمل العقل بالحلف فالذي عليه الشافعي رضي الله عنه وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء أن الحلفاء يتعاقلون إلا أن يكونوا متناسبين فيتعاقلون بالنسب دون الحلف.
وحكي عن مالك بن أنس ومحمد بن الحسن أن الحلفاء يتعاقلون بالحلف وإن لم يتناسبوا استدلالًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله.
وإنما قال ذلك لأن خزاعة وبني كعب كانوا حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلفاء بني هاشم فتحمل العقل عنهم بالحلف مع التباعد في النسب.
والدليل عليهم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:75] فكان على عمومه في اختصاصهم بأحكام النسب.
وروي أن علي بين أبي طالب عليه السلام أراد أن يحالف رجلًا فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: "لا حلف في الإسلام" أي لا حكم له، لأن الحلف إن كان على معصية كان باطلًا، وإن كان على طاعة فدين الإسلام يوجبها فلم يكن للحلف تأثير ولأن عقود المناكح أوكد من الحلف، ثم لا توجب تحمل العقل، فكان الحلف أولى أن لا يوجبه، وأما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل خزاعة فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه تحمل عقلهم تفضلًا لا وجوبًا.
والثاني: يجوز أن يكون تحمله عنهم حين كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالحلف.
والثالث: أن معنى قوله: وأنا والله عاقلة أي أحكم بعقله.
وأما العديد: فهو أن القبيلة القليلة العدد تعد نفسها عند ضعفها عن المحاماة في جملة قبيلة كثيرة العدد قوية الشوكة ليكونوا منهم في التناصر والتظافر ولا يتميزون عنهم في سلم ولا حرب، أو ينافر الرجل الواحد قومه فيخرج نفسه منهم وينضم إلى غيرهم ويعد نفسه منهم فهذا أضعف الحلف، لأن في الحلف إيمانًا ملتزمة وعقودًا محكمة وهذا استجارة وغوث فلم يتوارث به المسلمون مع توارثهم بالحلف فكان أولى أن لا يوجب تحمل العقل ولا أعرف قائلًا بوجوب عقله.
وأما الموالاة، فهو أن يتعاقد الرجلان لا يعرف نسبهما على أن يمتزجا في النسب والنصرة ليعقل كل واحد منهما عن صاحبه ويرثه، فهذا عقد فاسد على مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء لا يوجب توارثًا، ولا عقلًا، وأجازه أبو حنيفة وقال: لا يرث واحد منهما صاحبه إلا أن يعقل عنه، فإذا عقل عنه توارثًا، والكلام فيه مذكور في التوارث بالولاء وبالله التوفيق.
باب عقل من لا يعرف نسبه وعقل أهل الذمة
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه" "إذا كان الجاني نُوبيًا فلا عقل على أحدٍ من النوبة حتى يكونوا يُثبتون أنسابهم إثبات أهل الإسلام وكذلك كل رجلٍ من قبيلةٍ أعجميةٍ أو القبط أو غيره فإن لم يكن له ولاءٌ يعلم فعلى المسلمين لما بينه وبينهم من ولاية الدين وإنهم يأخذون ماله إذا مات".
قال في الحاوي: وهذا قاله الشافعي ردًا على بعض أهل العراق حيث زعم أن النوبي إذا جني عقلت عنه النوبة، وكذلك الزنجي وسائر الأجناس يعقل عنهم من حضرهم من أجناسهم لأمرين:
أحدهما: أن نسبهم واحد.
والثاني: أنهم يتناصرون بالجنس كما تتناصر العرب بالأنساب، وهذا فاسد، والجنس لا يوجب تحمل العقل إلا أن يثبتوا أنسابهم ويتحققوا من أقاربهم فيها وأباعدهم، وإنما كان كذلك لأمرين:
أحدهما: أن العقل تابع للميراث والجنس لا يوجب التوارث فكذلك لا يوجب تحمل العقل.
الثاني: قد يجمعهم اتفاق البلدان واتفاق الصنائع كما يجمعهم اتفاق الأجناس فلو جاز أن تعقل النوبة عن النوبي لجاز أن يعقل أهل مكة عن المكي وأهل البصرة عن البصري، وكذلك أهل الصنائع، وهذا مدفوع بالإجماع فوجب أن يكون الجنس مدفوعًا بالحجاج، وهكذا العجم لا يعقل بعضهم عن بعض إلا بالأنساب المعروفة وكذلك اللقيط الذي لا يعرف له نسب ولا يعقل عنه ملتقطه ولا القبيلة التي نبذ فيها والتقط منها، وهكذا لو جني رجل قرشي لا يعرف من أي قريش هو لم تعقل عنه قريش كلها حتى يعرف من أي قبيلة هو من قريش، لأن أباعد قريش إنما يعقلون عنه عند عجز أقربهم نسبًا إليه، فإذا لم يعرف أقربهم إليه للجهل بنسبه فيهم سقط تحمل عقله عنهم وصار جميع هؤلاء من لا عواقل لهم بالأنساب فيعقل عنهم جماعة المسلمين من بيت مالهم كما يكون ميراث لو مات لهم لما يجمعهم من ولاية الدين، كما يعقل عنه مواليه لما يجمعهم من ولاية الولاء.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن انتسب إلى نسبٍ فهو منه إلا أن تثبت بينةٌ
بخلاف ذلك ولا يُدفع نسبٌ بالسماع".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني وطائفة أنها محمولة على دعوى النسب الخاص وهو الواحد يدعى أبًا فيقول: أنا ابن فلان، فإن اعترف له بالأبوة ثبت نسبه أو يدعي الواد ابنًا فيقول: هذا انبي، فإن اعترف له بالنبوة ثبت نسبه وصار جميع من ناسبهما عواقل لكل واحد منهما، فإذا ادعاه رجل أقر أنه ولده لم يقبل دعواه بعد لحوقه بالأول إلا بينة تشهد له أنه ولد على فراشه فيلحق به، لأن لحوق البينة بالفراش أقوى من لحوقه بمجرد الدعوى، ولو شهدت البينة له بأنه ابنه ولم يشهد له بالفراش لم يحكم به بنسبه وكان لاحقًا بالأول، سواء صدقه الولد أو لم يصدقه؛ لأن لحوقه بالأول يمنع من نفيه عنه إلا بما هو أقوى منه وليس في هذه البينة زيادة قوة إلا أن تشهد بالفراش وإلا فشهادتها منسوبة إلى السماع، وقد قال الشافعي: "لا يدفع نسب بالسماع" فهذا حكم تأويلها على الوجه الأول.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا أنها محمولة على دعوى النسب العام: وهو أن يدعي الرجل أنه من قريش وقريش تسمع دعواه ولا تنكره، أو يدعي أنه من بني هاشم وبنو هاشم يسمعون ولا ينكرونه فيحكم بنسبه فيهم بإقرارهم على دعوى نسبهم وبمثل هذا تثبتي أكثر الأنساب العامة، فإن تجرد من أنكر نسبه ونفاه عنهم، وقال: لست منهم لم يقبل نفيه له، ولو شهد أنه ليس منهم؛ لأن الشهادة على مجرد النفي لا يصح.
وقال مالك: إذا شاع هذا القول وذاع حكمت به ونفيته عنهم؛ وهذا خطأ؛ لأن انتشار القول محكوم به في ثبوت الأنساب غير محكوم به في نفيها، لأن القول المنتشر في الأنساب كالبينة، والبينة تسمع من النسب ولا تسمع على مجرد النفي فكذلك شائع الخبر، ويكون على لحوقه بهم حتى تشهد بينته على أنه من غيرهم ولد على فراش أحدهم، ولا يقبل شهادتهم بالسماع أنه من غيرهم بعد لحوقه بهم، وهو معنى قول الشافعي: "ولا يدفع نسب بالسماع" والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا حكمنا على أهل العهد ألزمنا عواقلهم الذين تجري أحكامنا عليهم فإن كانوا أهل حربٍ لا يجري حُكمنا عليهم ألزمنا الجاني ذلك ولا يقضي على أهل دينه إذا لم يكونوا عُصبةً لأنهم لا يرثونه ولا على المسلمين لقطع الولاية بينهم وإنهم لا يأخذون ماله على الميراث إنما يأخذونه فيئًا".
قال في الحاوي: إذا جني الذمي في دار الإسلام جناية خطأ فله حالتان:
أحدهما: أن تكون له عاقلة من مناسبيه.
والثاني: أن لا يكون له عاقلة مناسبون فإن كان له عاقلة من ذوي نسبه لم يخل حالهم من أحد أمرين: إما أن يكونوا مسلمين أو غير مسلمين، فإن كانوا مسلمين لم يعقلوا عنه كما لم يرثوه، لأن اختلاف الدين قاطع للموالاة بيتهم، وإن كانوا كفارًا فكان القاتل يهوديًا وعاقلته نصارى؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، ولا يخلو حالهم من أحد أمرين:
إما أن تجري عليهم أحكامنا أو لا تجري عليهم، فإن لم تجر عليهم أحكامنا لمقامهم في دار الحرب كان الجاني كمن لا عاقلة له على ما سنذكره لانقطاع الموالاة بين أهل الذمة وأهل الحرب، واختلافهم في التناصر، وظهور ما بينهم من التقاطع والتدابر، ولهذا المعنى لم يتوارثوا؛ فكذلك لأجله لم يعقلوا، وإن جرت أحكامنا على عاقلة لكونهم من أهل ذمة حكمنا عليهم بالعقل.
وقال أبو حنيفة: لا يعقلون عنه إن شاركوه في النسب ووافقوه في الذمية احتجاجًا بأنهم مقهورون بالذمة ولا يتناصرون فيها فبطل التعاقل بينهم لذهاب التناصر منهم، وهذا خطأ لأن ثبوت الأنساب التي يتوارثون بها توجب تحمل العقل بها كالمسلمين وهم لا يتناصرون على الباطل ويتناصرون على الحق كذلك المسلمون.
فصل:
وإن لم يكن للذمي من عاقلة مناسبون وجبت الدية في ماله ولم يعقل عنه.
وقال بعض العلماء: يعقل عنه أهل جزيته الذين في كورته لأنهم مشاركوه في ذمته وجزيته كما يتحمل المسلمون عن المسلم، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن المسلمين قد جمعهم الحق فصحت موالاتهم عليه، وهؤلاء جمعهم الباطل فبطلت موالاتهم فيه.
والثاني: أن المسلم لا يعقل عنه أعيان الأجانب فكان أولى أن لا يعقلوا عن الذمي، فإن قيل: فهلا كانت جنايته في بيت مال المسلمين، لأن ميراثه يصير إلى بيت مالهم؟ قيل: إنما صار ميراثه إلى بيت المال فيئًا ولم يصر إليه إرثًا، فذلك لم يعقل عنه وعقل عن المسلم؛ لأن ماله صار إليه إرثًا.
فصل:
وإذا استرسل سهم اليهودي خطأ على رجل ثم أسلم اليهودي قبل وصول السهم ثم وصل فقتل لم يعقل عنه عصباته من اليهود لوصول السهم بعد إسلامه، ولم يعقل عنه عصبته من المسلمين ليهوديته عند إرساله، تحمل الدية في ماله، ولو قطع يهودي يد رجل
ثم أسلم ومات المقطوع عقلت عنه عصبته من اليهود دون المسلمين؛ ولحدوث الجناية في يهوديته وإن استقرت بعد إسلامه، ولذلك سقط عنه القود بإسلامه، وخالف القطع إرسال السهم لوجود الجناية مع القطع وحدوثها بعد إرسال السهم، وهكذا لو كان القاطع مسلمًا فارتد عن الإسلام ومات المقطوع عقل عنه عصباته من المسلمين لإسلامه عند جنايته، والله أعلم.
باب وضع الحجر حيث لا يجوز وضعه وحفر البئر وميل الحائط
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو وضع حجرًا في أرضٍ لا يملكها وآخر حديدةً فتعقل رجلٌ بالحجر فوقع على الحديدة، فمات فعلى واضح الحجر لأنه كالدافع له".
قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن القتل إن حدث عن سبب محظور كان مضمونًا وإن حدث عن سبب مباح كان هدرًا، فإذا وضع رجل حجرًا في أرض لا يملكها إما في طريق سابق أو في ملك غيره فوضعه محظور، فإن عثر به إنسان فمات كان واضع الحجر ضامتًا لديته لحظر السبب المؤدي إلى قتله، والقتل يضمن بالسبب كما يضمن بالمباشرة، ولو دفعه رجل على هذا الحجر فمات كانت ديته على الدافع له لا على واضع الحجر؛ لأن المباشرة أقوى من السبب، فإذا اجتمعا غلب حكم المباشرة على السبب، ولو كان صاحب الحجر وضعه في ملكه أو في ملك غيره بإذنه فعثر به إنسان فمات فلا ضمان عليه، ودية العاثر هدر، سواء كان بصيرًا أو ضريرًا، دخل بإذن أو غير إذن، لإباحة السبب المؤدي إلى قتله.
فإذا تقررت هذه المقدمة فصورة المسألة: في رجل وضع حجرًا في أرض لا يملكها ووضع آخر حديدة بقربه في الأرض التي لا يملكها، فعثر رجل بالحجر فوقع على الحديدة، فمات فضمان ديته على واضع الحجر دون واضع الحديدة، لأن وقوعه على الحديدة بعثرة الحجر فصار واضعه كالدافع له فوجب أن يكون ضامنًا لديته كما لو دفعه عليها.
وقال أبو الفياض من أصحابنا البصريين: إن كانت الحديدة سكينًا قاطعة فالضمان على واضعها دون واضع الحجر، وإن كانت غير قاطعة فالضمان على واضع الحجر؛ لأن السكين القاطعة موجية والحجر غير موج.
وهكذا قال في رجل دفع رجلًا على سكين في يد قصاب فانذبح بها أن ديته على القصاب دون الدوافع، وهذا القول معلول، لأن الدفع مباشرة يضمن بها المدفوع سواء ألقاه على موج أو غير موج، ولو عثر بالحديدة فوقع على الحجر فمات كان ضمانه على
واضع الحديدة دون واضع الحجر؛ لأنه قد صار صاحب الحديدة كالدافع له، ولو كان صاحب الحجر غير معتد بوضعه وصاحب الحديدة متعديًا فعثر رجل بالحجر فوقع على الحديدة فمات ضمنه واضع الحديدة دون واضع الحجر، لأن وضع الحجر مباح، فصارت الجناية منسوبة إلى واضع الحديدة لتعديه، وبطل التعليل بالدفع الملغي لخروجه عن التعدي والحظر، وهكذا لو برزت نبكة من الأرض فعثر بها هذا الثمار فسقط على الحديدة الموضوعة بغير حق فمات ضمن واضعها ديته، لأن بروز النبكة التي عثر بها لا توجب الضمان فأوجبه وضع الحجر.
فصل:
ولو أخرج طينًا من داره لهدم أو بناء ليستعمله حالًا بعد حال فعثر به بعض المارة فسقط ميتًا نظر: فإن كان الطريق ضيقًا أو الطين كثيرًا فهو معتد بوضعه، فيه فيكون ضامنًا لديته، وإن كان الطريق واسعًا والطين قليلًا وقد عدل به عن مسلك المارة إلى فناء داره لم يضمن، لأنه غير متعد به ولا يحد الناس من مثله ابدًا.
وقال بعض أصحابنا: يضمن لأنه مباح بشرط السلامه، فإذا أفضى إلى التلف ضمن كتأديب المعلوم، وهذا فاسد، لما فيه من التسوية بين المباح والمحظور مع وضوح الفرق بينهما.
فصل:
ولو رش ماء في طريق سابق فزلق فيه بعض المارة فسقط ميتًا ضمن ديته لحدوثه عن سبب محظور، وهكذا لو ألقي في الطريق قشور بطيخ أو فاكهة قد أكلها فزلق بها إنسان فمات ضمنه لما ذكرنا، ولو بالت دابته في الطريق فزلق إنسان فمات فإن لم يكن معها لم يضمن، كما لو رمحت برجلها وليس صاحبها معها لم يضمن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "جرح العجماء جبار": البهيمة، وإن كان صاحبها حين بالت معها ضمن ما تلف بزلق بولها، سواء كان راكبًا أو قائدًا أو سائقًا، لأن يده عليها فجرى بولها الذي في الطريق مجرى بوله الذي يلزمه ضمان ما تلف به.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو حفر في صحراء أو طريقٍ واسعٍ محتملٍ فمات به إنسانٌ".
قال [في] الحاوي: وتفصيل هذا أنه إذا حفر بئرًا لم يخل حاله في حفرها من أحد أربعة أقسام:
أحدها: أن يحفرها في ملكه.
والثاني: أن يحفرها في ملك غيره.
والثالث: أن يحفره في الموات.
والرابع: أن يحفرها في طريق سابل.
فأما القسم الأول وهو أن يحفرها في ملكه فهو مباح، ولا ضمان عليه فيما سقط فيها من بهيمة، أو إنسان، بصير أو ضرير سواء كان الدخول بأمر وغير أمر إذا كانت ظاهرة، ولكن لو حفر بئرًا في ممر داره وغطاها عن الأبصار ودخل إليها من سقط فيها فمات فلا يخلو حال الداخل من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يدخلها بغير أمر فو متعد بالدخول ونفسه هدر.
والثانية: أن يكرهه الحافر على الدخول، فيضمن ديته لتعديه بإكراهه على الدخول.
والثالثة: أن يدخلها مختارًا بإذن الحافر، فإ أعلمه بها فلا ضمان عليه، وإن لم يعلمه بها، وهو بصير ولها آثار تدل عليها فلا ضمان عليه وإن لم تكن لها آثار أو كان لها آثار والداخل أعمى ففي وجوب الضمان قولان: أحدهما: وهو الأظهر، المنصوص عليه أنه لا ضمان عليه، وتكون نفس الواقع فيها هدرًا، ولأنه دخل باختيار والحفر مباح.
والثاني: يضمن الحافر دية الواقع تخريجًا من أحد قوليه فيمن سم طعامًا وأذن في أكله.
فصل:
وأما القسم الثاني وهو أن يحفر بئرًا في ملك غيره فهو على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها المالك فلا ضمان فيما سقط فيها على الحافر ولا على المالك لأن كل واحد منهما غير متعد، ويخرج الحافر بالإذن من عواقب الحفر.
والثاني: أن يحفرها بغير إذن مالكها فالحافر، متعد بحفرها وهو الضامن لما تلف فيها من إنسان أو بهيمة، سواء قدر المالك على سدها أو لم يقدر لخروجه عن عدوان الحفر، فإن أراد الحافر أن يطمها ليبرأ من ضمانها أخذ المالك بتمكينه من طمها ليبرأ من ضمان ما سقط فيها، فإن أبرأه المالك من الضمان ففيه وجهان:
أحدهما: أنها براءة باطلة لتقدمها على الوجوب، فعلى هذا يؤخذ بتمكين الحافر من طمها.
والثاني: يبرأ ويكون الإبراء جاريًا ومجرى الإذن بالحفر، فعلى هذا يمنع الحافر من طمها.
فصل:
وأما القسم الثالث، وهو أن يحفرها في الموات: فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها لنفسه ليتملكها فيمكن، ويصير مالكًا لها بالإحياء، وسواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن، لأن إحياء الموات لا يفتقر إلى إذنه، ولا يضمن ما سقط فيها كما لا يضمنه فيما حفره في ملكه؛ لأنه في الحالين مالك.
والثاني: أن يحفرها لينتفع هو والسابلة بمائها ولا يتملكها فينظر، فإن أذن له الإمام في حفرها فلا ضمان عليه فيما سقط فيها لقيام الإمام بعموم المصالح وإذنه حكم بالإبراء وإن لم يأذن له الإمام في حفرها ففي ضمانه قولان:
أحدهما: وبه قال في القديم - عليه الضمان، وجعل إذن الإمام شرطًا في الجواز لأنه أحق بالنظر في عموم المصالح من الحافر.
والثاني: وبه قال في الجديد: أنه لا ضمان عليه في المباح، لأن المباح لا يفتقر إلى إذن الإمام والمحظور لا يستباح بإذنه.
فصل:
وأما القسم الرابع وهو أن يحفرها في طريق سابل: فهذا على ضربين: أحدهما: أن يضر حفرها بالمارة فيصير متعديًا ويلزمه ضمان ما سقط فيها، سواء أذن له الإمام أو لم يأذن؛ لأن إذن الإمام لا يبيح المحظورات.
والثاني: أن لا تضر بالمارة؛ لسعة الطريق وانحراف البئر عن جادة المارة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها ليتملكها فهذا محظور؛ لأنه لا يجوز أن يتملك طريق السابلة فيلزمه ضمان ما سقط فيها.
والثاني: أن يحفرها للارتفاق لا للتمليك، فإن لم يحكم رأسها وتركها مفتوحة ضمن ما سقط فيها، وإن أحكم رأسها واستأذن فيها الإمام لم يضمن، وإن لم يستأذنه فيها ففي وجوب ضمانه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قياس قوله في القديم يضمن، لأنه جعل إذن الإمام شرطًا في عموم المصالح.
والثاني: لا يضمن للارتفاق الذي لا يجد الناس منعه بدًا.
والثالث: أنه إن حفرها لارتفاق كافة المسلمين بها.
إما لشربهم منها.
وإما ليفيض مياه الأمطار إليها فلا ضمان عليه، وإن حفرها ليختص بالارتفاق بها لحشر داره أو لماء مطرها فعليه الضمان؛ لأن عموم المصالح أوسع حكمًا من خصوصها، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البئر جبار والمعدن جبار" وفيه تأويلان:
أحدهما: المراد به الأجبر في حفر البئر والمعدن إذا تلف كان هدرًا.
والثاني: أن ما سقط فيها بعد الحفر هدر، ولا يمتنع أن يحمل على عموم الأمرين فيما استبيح فعله وإن أريد به أحدهما لاشتراكهما في المعنى.
فصل:
ويتفرع على ما ذكرناه إن بني مسجدًا في طريق سابل، فإن كان مضرًا بالمارة لضيق الطريق أو سعة المسجد كان ضامنًا لما تلف به من المارة وإن لم يضر بهم فإن كان قد بناه بإذن الإمام لم يضمن، وإن بناه إذنه ففي ضمانه وجهان:
لأنه من عموم المصالح، ولو علق قنديلًا في مسجد فسقط على إنسان فقتله أو فرس فيه بارية أو حصيرًا فعثر به داخل إليه فخر ميتًا فقد كان أبو حامد الإسفراييني يجريه مجرى بناء المسجد إن كان بإذن الإمام لم يضمن، وإن كان بغير إذنه فعلى وجهين، وخالفه سائر أصحابنا وقالوا: لا يضمن وجهًا واحدًا سواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن، وهو الصحيح لكثرته في العرف، وإن أذن الإمام فيه شق.
فصل:
وإذا استقر البئر بحق فوقع فيها واقع ووقع فوقه آخر وحدث من ذلك موت فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يقع الثاني خلف الأول من غير جذب ولا دفع، فإن مات الأول فديته هدر، لأنه لما صنع لغيره في موته، وإن ماتا جميعًا وجبت دية الأول على الثاني، وكانت دية الثاني هدرًا لما ذكرنا، روى علي بن رباح اللخمي أن بصيرًا كان يقود أعمى فوقعا في بئر ووقع الأعمى فوق البصير فقتله فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى ينشد في الموسم ويقول:
يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
خرا معًا كلاهما تكسرا
والثاني: أن يجذب الأول الثاني فيقع عليه، فإن مات الأول كانت ديته هدرًا وإن مات الثاني كانت ديته كلها على الأول بخلاف الضرب الأول، لأن الجاذب هو القاتل والأول جاذب والثاني مجذوب، فصار الأول ضامنًا غير مضمون، والثاني مضمونًا غير ضامن، فعلى هذا لو وقع الأول ثم وقع عليه الثاني ثم وقع عليهما ثالثًا، فإن كان وقوعهم من غير جذب ولا دفع فدية الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات بوقوعهما عليه فاشتركا في ديته لاشتراكهما في تلفه، ودية الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه فانفرد بديته، ودية الثالث هدر؛ لأنه تلف من وقوعه، وإن جذب بعضهم بعضًا فجذب
الأول الثاني وجذب الثاني الثالث فإذا ماتوا جميعًا كان موت الأول والثاني بفعل قد اشتركا فيه، وموت الثالث بفعل لم يشاركهما فيه، لأن موت الأول كان بجذبه للثاني وبجذب الثاني للثالث وموت الثاني بجذب الأول وبجذب الثاني للثالث فصار الأول والثاني مشتركين في قتل أنفسهما يجب عليهما حكم المصطدمين، وكان النصف من دية كل واحد منهما هدرًا؛ لأنه في مقابلة فعله والنصف الآخر على عاقلة صاحبه، فيكون على عاقلة الأول نصف دية الثاني وباقيها هدر، وعلى الثاني نصف دية الأول وباقيها هدر، فأما الثالث فهو مجذوب وليس بجاذب فتكون جميع ديته مضمونة؛ لأنه مجذوب ولا يضمن دية غيره، لأنه ليس بجاذب وفيمن يضمن ديته وجهان:
أحدهما: يضمنها الثاني دون الأول، لأن الثاتي هو امباشر بجذبه.
والثاني: يضمنها الثاني والأول بينهما بالسواء، لأن الأول لما جذب الثاني وجذب الثاني للثالث صارا مشتركين في جذب الثالث فلذلك اشتركا في ضمان ديته، وعلى هذا لو جذب الأول ثانيًا وجذب الثاني ثالثًا وجذب الثالث رابعًا وماتوا فيسقط الثلث من دية الأول هدرًا، ويجب ثلثاها على الثاني والثالث؛ لأنه مات بجذبه للثاني وبجذب الثاني للثالث وبجذب الثالث للرابع، فكان موته بفعل وفعل الثاني وفعل الثالث وليس الرابع فعل؛ لأنه مجذوب وليس بجاذب فكان ثلث ديته هدرًا؛ لأنه في مقابلة فعله وثلثها على عاقلة الثاني وثلثها على عاقلة الثالث، وهكذا الحكم في الثاني يكون ثلث ديته هدرًا، وثلثاها على عاقلة الأول وثلثها على عاقلة الثالث لأنه مات بجذب الأول له وبجذبه للثالث ويجذب الثالث الرابع فصار الأول والثاني والثالث مشتركين في قتل الثالث، فسقط ثلث الدية، لأنها في مقابلة فعله ووجب ثلثاها على الأول والثالث، وأما دية الثالث ففي قدر ما يهدر منها ويضمن وجهان:
أحدهما: يهدر نصف ديته ويجب نصفها على الثاني؛ لأنه مات بجذب الثاني وبجذبه للرابع فصار مشاركًا للثاني في قتل نفسه فسقطت نصف ديته، لأنه في مقابلة قتله، ووجب نصفها على الثاني وخرج منها الأول، لأنه باشر جذبه.
والثاني: أنه ينهدر من ديته ثلثها ويجب ثلثاها على الأول والثاني، لأن الأول لما جذب الثاني صار مشاركًا له في جذب الثالث، ولما جذب الثالث الرابع صار مشاركًا للأول والثاني في قتل نفسه وهم ثلاثة، فسقط من ديته ثلثها، ولأنه في مقابلة فعله، ووجب ثلثاها على الأول والثاني، وأما دية الرابع فجميعها واجبة لا ينهدر منها شيء؛ لأنه مجذوب وليس بجاذب ومقتول وليس بقاتل، وفيمن تجب عليه ديته وجهان:
أحدهما: تجب على الثالث وحده، لأنه باشر جذبه.
والثاني: أنها تجب على الأول والثاني والثالث أثلاثًا، لأن كل واحد منهما جاذب لمن بعده فصاروا مشتركين في جذب الرابع فاشتركوا في تحمل ديته والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "أو مال حائطٌ من داره فوقع على إنسانٍ فمات فلا شيء فيه، وإن أشهد عليه؛ لأنه وضعه في ملكه والميل حادثٌ من غير فعله وقد أساء بتركه، وما وضعه في ملكه فمات به إنسانٌ فلا شيء عليه.
قال المزني: وإن تقدم إليه الوالي فيه أو غيره فلم يهدمه حتى وقع على إنسانٍ فقتله فلا شيء عليه عندي في قياس قول الشافعي".
قال في الحاوي: وصورتها: في حائط سقط من دار رجل فأتلف نفوسًا وأموالًا فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الحائط منتصبًا فيسقط عن انتصابه.
والثاني: أن يبنيه المالك مائلًا فيسقط لإمالته.
والثالث: أن يبنيه منتصبًا ثم يميل ثم يسقط لميله.
فأم القسم الأول وهو أن يكون منتصبًا فيسقط عن انتصابه من غير ميل مستقر فيه فلا ضمان عليه فيما تلف به، سواء كان سقوطه إلى داره أو دار جاره أو إلى الطريق السابل؛ لأنه لم يكن منه عدوان يوجب الضمان، وسواء كان في الحائط شق بالطول أو بالعرض وقال ابن أبي ليلى: إن كان شق الحائط طولًا لم يضمن، وإن كان شقه عرضًا ضمن؛ لأن شق العرض مؤذن بالسقوط فصار بتركه مفرطًا، وشق الطول غير مؤذن بالسقوط فلم يصر بتركه مفرطًا، وقد قال الله تعالى فيما حكاه عن موسى والخضر عليهما السلام: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:77] ومعنى ينقض: أي يسقط، فلولا ما في تركه من التفريط لما أقامه ولي الله الخضر، ولأقره على حاله لمالكه، وهذا الذي قاله ابن أبي ليلى فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه قد يسقط بشق الطول ويبقى مع شق العرض.
والثاني: أنه ليس شقه عوضًا بأكثر من تشريخ آلة الحائط وتعيينها من غير بناء، وهو لو فعل ذلك فسقط لم يضمن فكان أولى إذا بناه فانشق عرضًا أن لا يضمن، فأما الآية فعنها جوابان:
أحدهما: أن الخضر إما بني مبعوث أو ولي مخصوص على حسب الاختلاف في نبوته قد اطلع على مصالح البواطن على ما خالف ظواهرها ولذلك أنكرها موسى عليه السلام، ولو ساغ في الظاهر ما فعله الخضر لم ينكره موسى فكان في إنكار موسى ي الظاهر لنا دليل، وإن كان في فعل الخضر لابن أبي ليلى في الباطن دليل، والحكم في الشرع معتبر بالظاهر دون الباطن فكان دليلنا من الآية أحج.
والثاني: أنه قد قرأ عكرمة: جدارًا يريد أن ينقاض والفرق بين ينقض وينقاض أن ينقض يسقط، وينقاض ينشق طولًا، وانشقاق الطول عند ابن أبي ليلى غير مضمون، ولعل عكرمة تحرز بهذه القرارة من مثل قول ابن أبي ليلى.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يبنيه مائلًا فيسقط لإمالته فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يجعل إمالة بنائه إلى ملكه فلا يضمن ما تلف به إذا سقط، لأن له أن يفعل بملكه في ملكه ما شاء من مخوف أو غير مخوف كحفر بئر، وارتباط سبع، أو تأجيج نار، وسواء علم من سقط عليه بميل الحائط أو لم يعلم، أنذرهم به أو لم ينذرهم، لأنهم أقاموا تحته باختيارهم، فلو ربط أحدهم تحته فلم يقدر على الانصراف عنه حتى سقط عليه نظر:
فإن لم يكن الحائظ منذرًا بالسقوط لم يضمنه، وإن كان منذرًا بالسقوط ضمنه، لأنه مخوف إذا أنذر وغير مخوف إذا لم ينذر.
والثاني: أن يجعل إمالة بنائه إلى غير ملكه إما إلى طريق سابل، وإما إلى ملك مجاوز، فيكون بإمالة بنائه متعديًا لصرفه في هواء لا يملكه؛ لأنه إن أماله إلى ملك غيره تعدى عليه، وإن أماله إلى الطريق لم يستحق منه إلا ما لا ضرر فيه كالجناح فضمن ما تلف بسقوطه من نفوس وأموال.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يبنيه منتصبًا فيميل ثم يسقط بعد ميله فهي مسألة الكتاب فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يميل إلى داره فلا يضمن ما تلفه به بسقوطه؛ لأنه لا يضمن إذا بناه مائلًا فكان أولى أن لا يضمن إذا مال.
والثاني: أن يميل إلى غير ملك وإما إلى دار جاره، وإما في الطريق سابل، فقد أرسل الشافعي جوابه في سقوط الضمان وقال: لا شيء عليه، وعلل بأن الميل حادث من غير فعله، واختلف أصحابنا في إطلاق هذا الجواب هل هو محمول على ميله إلى غير ملكه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول المزني وأبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري، وأبي حامد الإسفراييني، أنه محمول على ميله إلى غير ملكه، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف بسقوطه لأمرين:
أحدهما: أن أصله في ملكه وميله ليس من فعله، فصار كما لو مال فسقط لوقته وهذا غير مضمون فكذلك إذا ثبت مائلًا ثم سقط.
والثاني: أن طيران الشرر من أجيج النار أخطر وضرره أعم وأكثر، ثم ثبت أنه لو
أجج في داره نارًا طار شررها لم يضمن ما تلف بها لحدوثه عن سبب مباح، فوجب إذا بني حائطًا فمال أن لا يضمن ما تلف به، وسقوط الضمان في الحائط أولى، لأنه لا يقدر على التحرز من ميله ويقدر على التحرز من شرر النار.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة أن جواب الشافعي في سقوط الضمان محمول على ميله إلى ملكه، فأما ميله إلى غير ملكه فموجب للضمان، وهذا أصح الوجهين عندي وإن كان الأول أشبه بإطلاق جواب الشافعي، وإنما وجب به الضمان لأمرين:
أحدهما: أنه يؤخذ بإزالة ميله إذا مال بنفسه كما يؤخذ بإزالته إذا بناه مائلًا، فصار بتركه على ميله مفرطًا وببنائه متعديًا، وهو يضمن بالتفريط كما يضمن بالتعدي فوجب أن يستويا في لزوم الضمان.
والثاني: أنه لو أشرع جناحًا من داره أقر عليه وضمن ما تلف به وهو لا يقر على ميل الحائط فكان أولى أن يضمن ما تلف به.
فصل:
فإذا تقرر توجيه الوجهين لم يعتبر في واحد منها إنكار الوالي والإشهاد عليه، وإن قيل بسقوط الضمان لم يجب بإنكار الوالي والإشهاد عليه، وإن قيل بوجوب الضمان لم يسقط إمساك الوالي وترك الإشهاد عليه.
وقال أبو حنيفة: إن أنكره الوالي أو كان ميله إلى الطريق أو الجار وإن كان ميله إلى داره وأشهد عليه ضمن، وإن لم ينكراه ولم يشهدا عليه لم يضمن فصار مخالفًا كلا الوجهين احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: أنه يصير بتركه بعد الإنكار والمطالبة متعديًا فلزمه الضمان لتعديه، وهو قبل الإنذار غير متعد فلم يلزمه الضمان لعدم التعدي.
والثاني: أنه لما وقع الفرق في تلف الوديعة بين أن يكون بعد طلبها فيضمن، وبين أن يكون قبل طلبها فلا يضمن، وجب أن يقع الفرق في ميل الحائط بين أن يكون سقوطه بعد مطالبته فيضمن وبين أن يكون قبل مطالبته لا يضمن؛ لأن يده على حائط قد استحق عليه رفعه كما يد المودع على مال قد استحق عليه رده، فوجب أن يستويا في الفرق بين المطالبة والإمساك.
ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن لا يخلو ميل الحائط من أن يكون موجبًا للضمان فلا يسقط بترك الإنكار، كما لو حفر بئرًا في غير ملكه، أو يكون غير موجب للضمان فلا يجب الإنكار كما لو حفر بئرًا في ملكه، فلم يبق للإنكار تأثير في سقوط ما وجب ولا في وجوب ما سقط.
الثاني: أنه لا يخلو إما أن يكون الإنكار مستحقًا فلا يسقط حكمه بعدمه
كالمنكرات، أو يكون غير مستحق فلا يثبت حكمه بوجوده كالمباحات، فلم يبق للإنكار تأثير في إباحه محظور ولا في حظر مباح، وبه يقع الانفصال عما احتج به من تعديه بعد الإنكار وعدمه قبله، واحتجاجه بالوديعة لا يصح، لأن المودع نائب عن غيره فجاز أن يتعلق ضمانها بطلبه، وليس صاحب الحائط المائل نائبًا فيه عن غيره فلم يتعلق ضمانه بإنكاره وطلبه.
فصل:
فإذا ثبت أن الاعتبار بالإنكار والإشهاد في وجوب الضمان لا في سقوطه فلا فرق في تلف من علم بميله أو لم يعلم، قدر على الاحتراز منه أو لم يقدر، في أن سقوط الضمان على الوجه الأول في الأحوال كلها وإن وجب الضمان على الوجه الثاني ففي الأحوال كلها يختلف بها حكم ما سقط من آلته في الطريق إذا عثر بها مار فتلف، فإن قيل إن سقوطه غير موجب للضمان على الوجه الأول لم يلزمه ضمان من عثر بآلته إذا كان عثاره قبل القدرة على نقلها، ويضمنه إن كان بعد القدرة عليه، وإن قيل إن سقوطه موجب للضمان ضمن من عثر بآلته، سواء كان عثاره قبل القدرة على النقل أو بعده، لأن سقوطه غير منسوبي إلى التعدي على الوجه الأول ومنسوب إليه على الوجه الثاني.
فصل:
وإذا كان حائط بين دارين مشترك بين جارين فخيف سقوطه فطالب أحدهما صاحبه بهدمه، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون قائمًا على انتصابه، فليس لواحد منهما مطالبة الآخر بهدمه ويكون مقرًا على استدامه وإن خافاه حتى يتفقا على هدمه، فإن أراد أحدهما أن ينفرد بهدمه والتزام مؤنته نظر فيه، فإن كانت قيمته قائمًا مستهدمًا أكثر من قيمته نقصًا مهدومًا لم يكن له التفرد بهدمه، وإن كانت قيمة نقضه وآلته مثل قيمته قائمًا أو أكثر سئل عنه أهل المصر من يعرف الأبنية فإن قالوا: إن سقوطه يتعجل ولا يثبت على انتصابه كان له أن ينفرد بهدمه لحسم ضرره، وإن قالوا: إنه قد يلبث على انتصابه ولا يتعجل سقوطه لم يكن له أن ينفرد بهدمه.
والثاني: أن يميل إلى أحد الدارين فللذي مال إلى داره أن يأخذ شريكه بهدمه، وله إن امتنع أن ينفرد بهدمه لحصوله فيما قد اختص بملكه من هواء داره، وليس للذي لم يمل إليه أن يأخذ شريكه بهدمه، ولا له أيضًا أن ينفرد بهدمه والتزم مؤنته، لأنه قد أمن ميلة إلى غير ملكه أن يسقط إلى داره.
فصل:
وإذا أشرع من داره جناحًا على طريق نافذة جاز إذا لم يضر بمار ولا مجتاز، وكذلك إذا أراد إخراج سياطًا يمده على عرض الطريق مكن إن لم يضر ومنع إن أضر، فاختلف
أصحابنا في حد ضرره، فقال أبو عبيد بن حربويه ما ناله رمح الفارس مضر، وما لم ينله رمحه غير مضر.
وقال جمهور أصحابنا: إن ما لا يناله أشرف الجمال إذا كان عليها أعلى العماريات فهو غير مضر وما يناله ذلك فهو مضر، وهذا الحد عندي على الإطلاق غير صحيح، بل يجب أن يكون معتبرًا بأحوال البلاد، فما كان منها تسلكه جمال العماريات كان هذا حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه جمال العماريات وتسلكه الأجمال كان الجمل بحمله حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه الجمال وتسلكه الخيل بفرسانها كان أشرف الفرسان على أشرف الخيل حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه الخيل ولا الركاب كجزائر في البحر وقرى في البطائح كان أطول الرجال بأعلى حمل على رأسه هو حد ضرره؛ لأن عرف كل بلد أولى أن يكون معتبرًا من عرف ما عداه، إذا كان غير موجود فيه، إذا كان غير مضر أقر ولم يكن لأحد أن يعترض عليه ولا يمنعه منه.
وقال أبو حنيفة: يقر عل ما لا يضر إذا لم يعترض عليه أحد من المسلمين، فإن أعترض عليه أحدهم منع منه وأخذ بقلعه احتجاجًا بأنه لما منع من بناء دكة في عرصة الطريق منع من إشراع جناح في هوائه، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بدار العباس بن عبد المطلب فقطر عليه من ميزابها ماء فأمر بقلعه، فخرج العباس وقال: قلعت ميزابًا نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده؟ فقال عمر: والله لا صعد من يعيد هذا الميزاب إلا على ظهري، فصعد العباس على ظهره حتى أعاد الميزاب إلى موضعه فدل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصبه ومن عمر في إعادته ومن الصحابة في إقرارهم على أنه شرع منقول وفعل متبوع.
والثاني: مشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما وطئه من البلاد وفيها الأجنحة والميازيب فما أنكرها وأقر أهلها عليها، وجرى خلفاؤه وصحابته رضي الله عنهم على عادته في إقرارها بعد موته، وقد سلكوا من البلاد أكثر مما سلك، وشاهدوا من اختلاف أحوالها أكثر مما شاهد، فلم يوجد أحد عارض فيه أحد فدل على انعقاد الإجماع فيه وزوال الخلاف عنه، وخالفت الأجنحة الدكاك لأن الدكاك مضرة بالمجتازين مضيقة لطرقاتهم وليس في الأجنحة مضرة ولا تضيق.
فصل:
فإذا ثبت جواز فعله وجواز إقراره فسقط على مار فقتله ضمن ديته وإن كان مباحًا؛ لأنه مباح بشرط السلامة كتعزيز الإمام وضرب الزوجة، وأما الميزاب إذا سقط فأتلف مارًا ففي ضمانه قولان:
أحدهما: وهو قول في القديم: لا يضمن، لأنه مما لا يوجد منه بد فصار مضطرًا إليه وغير مضطر إلى الجناح فافترقا.
والثاني: وهو الجديد: أنه يكون مضمونًا يلزمه ما تلف به كالجناح، لأنه قد كان
يقدر على إجراء مائه إلى بئر يحفرها في داره فيكون غير مضطر إليه كما هو مضطر إلى الجناح، فإذا وجب عليه الضمان فيما تلف بالجناح والميزاب نظر فيما وقع به التلف، فإن كان خارجًا عن داره ضمن به جميع الدية، وإن كان بعضه خارجًا وبعضه في حائطه فسقط جميعه فقتل ففي قدر ما يضمنه من ديته ثلاثة أقاويل حكاهما أبو حامد المروزوي في جامعه:
أحدهما: يضمن جميع ديته، لأن الداخل في الحائط من الخشب جذبه الخارج منه فضمن به جميع ديته.
والثاني: يضمن به نصف ديته، لأن ما في الحائط منه موضوع في ملكه والخارج منه مختص بالضمان، فصار التلف من جنسين مباح ومحظور فضمن نصف الدية.
والثالث: أنه يضمن من الدية بقسط الخارج من الخشبة.
مثاله: أن يكون طول الخشبة خمسة أذرع، فإن كان الخارج منها ثلاثة أذرع ضمن ثلاثة أخماس ديته، وإن كان الخارج أربعة أذرع ضمن أربعة أخماس ديته يقسط على قدر الداخل والخارج.
وقال الشافعي: "ولا أبالي أي طرفيه أصابه؛ لأنها قتلت بثقلها.
فصل:
وإذا وضع الرجل على حائطه جرة ماء فسقطت على مار في الطريق فقتله لم يضمن ديته، لأنه وضعها في ملكه، ولو نام على طرف سطحه فانقلب إلى الطريق فسقط على مار فقتله نظر في سبب سقوطه، فإن كان بفسخ من الحائط انهار من تحته فلا ضمان عليه وإن كان لثقله في نومه فعليه الضمان؛ لأنه سقط بفعله، وسقط في الأول بغير فعله، وكلما أوجبنا عليه في هذه المسائل كلها من ضمان النفس فدياتها على عاقلته؛ لأنه خطأ عمد فيه وعليه مع ضمان الدية الكفارة في ماله، والله أعلم.
باب دية الجنين
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "في الجنين المُسلم بأبويه أو بأحدهما غرةٌ".
قال في الحاوي: وهو كما قال، والأصل فيه ما روه أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحمل بغرة عبد أو أمة، فقال حمل بن مالك بن النابغة: يا رسول الله: كيف ندى من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك بطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا ليقول قول شاعر فيه غرة عبد أو أمة".
وروي عن الزبير عن مسور بن مخرمة قال: استشار عمر في إملاص المرأة يعني