دونها, وقال أبو حنيفة: يسقط عنه المهر مع وجوب الحد عليه ولا يسقط مهرها عند الشافعي بسقوط الحد عنها وقد مضى الكلام فيها.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حكم الإفضاء ووجوب الدية الكاملة فيه مع ما يقترن به من الأروش الزائدة في استرسال البول وذهاب العذرة فقد ينقسم الإفضاء ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما يجري عليه حكم العمد المحض, وهو أن تكون الموطوءة صغيرة والواطئ كبير الذكر يعلم أن وطء مثله يفضيها, فهو عامد في الإفضاء, فيلزمه دية مغلظة حالة في مالها, وإن أفضى الإفضاء إلى تلفها كان عليه القود, ودخلت دية الإفضاء في دية النفس, وكذلك أرش البكارة ولا يدخل فيه مهر المثل.
والقسم الثاني: ما يجري عليه حكم الخطأ المحض, وهو أن يكون وطء مثله مفضيًا للصغيرة وغير مفض للكبيرة, فيطأ الصغيرة وهو يظنها الكبيرة فيفضيها فيكون إفضاؤها خطأ محضًا, فتكون الدية فيه مخففة على عاقلته دونه ولا قود في النفس إن انتهى الإفضاء غلى التلف وتجب فيه الكفارة مع الدية؛ لأن الإفضاء صار قتلًا, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي العين القائمة واليد والرجل الشلاء حكومة".
قال في الحاوي: أما العين القائمة فهي التي قد ذهب بصرها, وهي صورة الصحيح فذهب نفعها وبقى جمالها, ففيها إذا قلعت حكومة لأجل الألم وما أذهب من جمالها, وحكي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه أوجب فيها ثلث الدية وحكي عن زيد بن ثابت أنه أوجب فيهما مائة دينار وهذا فيها على وجه الحكومة إن تقدرت باجتهاد أبي بكر ثلث الدية, وباجتهاد زيد مائة دينار, وقد يجوز أن تتقدر باجتهاد من بعدهما من الحكام بهذا المقدار وبأقل منه وبأكثر, بحسب اختلافه في الشين والقبح اليد الشلاء التي لا تألم, والرجل الشلاء إذا قطعها لا دية فيها لذهاب منفعتها؛ لأن منفعة اليد البطش, ومنفعة الرجل المشي وقد ذهب بطش اليد ومشي الرجل بشللهما وبقي الجمال فيهما, فسقطت الدية لذهاب المنفعة, ووجب الحكومة لأجل الجمال.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولسان الأخرس".
قال في الحاوي: يعني أن فيه حكومة إذا قطع؛ لأن ذهاب الكلام قد سلبه المنفعة
فصار كالعين القائمة, فاقتضى لهذا التعليل أن تجب في قطعه حكومة كما يجب في العين القائمة, وهذا القول على الإطلاق ليس بصحيح عندي؛ لأن مقصود اللسان أفعال:
أحدهما: الكلام, والثاني: الذوق, ويقترن بهما ثالث يكون اللسان عونًا فيه وهو إدارة الطعام به في الفم للمضغ, فإن كان ذوق الأخرس بعد قطع لسانه باقيًا ففيه حكومة كما أطلقه الشافعي, ولأنه ما سلبه القطع أحد النفعين المقصودين, وإنما سلبه أقل منافعه وهو إدارة الطعام به في فمه, وإن ذهب ذوق الأخرس بقطع لسانه ففيه الدية كاملة, لما قدمناه من وجوب الدية في ذهاب الذوق, ولأنه أحد الحواس كالشم بل هو أنفع, فيكون الإطلاق محمولًا على هذا التفصيل والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وذكر الأشل فيكون منبسطًا لا ينقبض أو منقبضًا لا ينبسط".
قال في الحاوي: أما الذكر السليم من شلل ففيه الدية تامة, لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الذكر الدية".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى في الأداف الدية, قال قطرب: الأداف الذكر ولأنه من آلة التناسل وذلك من أعظم المنافع ولأنه أحد منافذ الجسد فأشبه الأنف, ولا فرق بين ذكر الصبي والرجل والشيخ الهرم والعينين الذي لا يأتي الناس؛ لأنه العنة عيب في غير الذكر؛ لأن الشهوة في القلب والمني في الصلب, فإن كانت العنة من قلة الشهوة فمحلها في القلب, وإن كانت من قلة الماء فمحله في الصلب, والذكر ليس بمحل لواحد منهما فكان سليمًا من العنين كسلامته من غير العنين, وكانت الدية في قطعه منهما على سواء, فإن قطع حشفة الذكر حتى استوعبها مع بقاء القضيب ففيها الدية, لأن نفع الذكر بحشفة كما تكمل دية الكف بقطع الأصابع, فإن قطع بعض الحشفة كان عليه من الدية بقسطها, وهل يتقسط على الحشفة وحدها أم على جميع الذكر؟ على قولين:
أحدهما: تتقسط على الحشفة, لأن الدية تكمل بقطعها, فتقسط عليها أبعاضها, فيلزمه في نصف الحشفة نصف الدية, وإن كان أقل من نصف الذكر.
والقول الثاني: أنه تتقسط دية المقطوع من الحشفة على جميع الذكر؛ لأنه الأصل المقصود بكمال الدية فكانت أبعاضه مقسطة عليه, فعلى هذا إن كان المقطوع من نصف الحشفة هو سدس الذكر لزمه سدس الدية, وكذلك حكم الحلمة من الثدي إذا قطع بعضها كان على هذين القولين.
فصل:
فأما الأنثيان وهم الخصيتان ففيهما الدية لأنهما من تمام الخلقة وهما محل التناسل, لانعقاد مني الصلب في يسراهما إذا نزل غليها فصار لقاحًا فيهما, ولأن الحياة محلهما, ولذلك كان عصر الأنثيين مفضيًا إلى التلف, ولا فرق في الأنثيين بين قطعهما من كبير أو صغير, عنين أو غير عنين, سواء كان باقي الذكر أو مجبوبًا, لأن جب الذكر نقص في غيره وأوجب مالك في أثنيي المجبوب الذكر حكومة؛ لأن جب الذكر قد آثر في نقص الأنثيين بعد النسل, وهذا فاسد بما قدمناه من أنه نقص في غيره فلم يؤثر فيه مع سلامته, وفي إحدى الأنثيين نصف الدية, ولا فضل ليسرى على يمنى.
وحكي عن سعيد بن المسيب أنه أوجب في البيضة اليسرى ثلثي الدية, وفي اليمنى ثلثها؛ لأن محل المني في اليسرى, ومحل الشهر في اليمنى, وهذا قول فاسد؛ لأن كل عضوين كملت فيهما الدية تنصفت في كل واحد منهما على سواء, وإن اختلفت منافعهما كاليدين, وعلى أن ما ذكره من لقاح اليسرى مظنون بذكره الطب وقد حكي عن عمرو بن شعيب أنه قال: عجبت من يفضل البيضة اليسرى على اليمنى؛ لأن النسل منها, كان لنا غنم فخصيناها الجانب الأيسر فكن يلقحن, فإن قطع الذكر مع الأنثيين لزمه ديتان إحداهما في الذكر والأخرى في الأنثين سواء قطعهما معًا أو قطع إحداهما بعد الأخرى, سواء قدم قطع الذكر أو قطع الأنثيين.
وقال مالك: إن قطعهما معًا ففيه الدية وحكومة, وإن قطع الذكر ثم الأنثيين وجب دية في الأنثيين وحكومة في الذكر, وقال أبو حنيفة: إن قطعهما معًا أو قطع الذكر ثم الأنثيين فعليه ديتان كما قلنا, وإن قطع الأنثيين أولًا ثم الذكر فعليه دية في الأنثيين وحكومة في الذكر كما قال مالك, وهذا خطأ؛ لأن كل ما كملت فيه الدية إذا انفرد لم تنقص ديته إذا اقترن بغيره كاليدين مع الرجلين, أو قطع الأذنين مع ذهاب السمع.
وعلى قول أبي حنيفة: إن كل عضوين كملت ديتاهما إذا اجتمعا كملت ديتاهما إذا افترقا كما لو قدم قطع الذكر, وهكذا لو وجأ ذكره حتى استحشف ووجأ أنثييه حتى استشحفتا وجب في كل واحد منهما دية كاملة لأنه قد أذهب منافعهما بالاستشحاف والشلل.
فصل:
فأما إذا قطع أشل ينقبض فلا ينبسط, أو ينبسط فلا ينقبض فهي مسألة الكتاب, وفيه حكومة كقطع اليد الشلاء؛ لأن الشلل الذكر قد أبطل منافعه, فإن قيل: فمنافعه باقية؛ لأنه مخرج البول وخروجه من الأشل كخروجه من غير الأشل فوجب أن لا تكمل فيه
الدية, قيل: مخرج البول منه هو أقل منافعه؛ لأن البول يخرج مع قطعه وقد فات بقطعه أكثرها فلم يلزم فيه إلا حكومة, وهذا لو قطع خصيتين مستحشفتين كان فيهما حكومة لذهاب منافعهما بالاستحشاف.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الأذنين المستحشفتين بهما من الاستحشاف ما باليد من الشلل وذلك أن تحركا فلا تتحركا أو تغمزا بما يؤلم فلا تألما".
قال في الحاوي: أعلم أن شلل الأعضاء على ضربين:
أحدهما: ما يسلبها جميع المنفعة ولا يبقى فيها إلا الجمال وحده على نقص فيه كشلل اليدين والرجلين, لأنه قد أذهب منافعهما وبقي بعض جمالها؛ لأنه ليس جمال السليمة كجمال الشلاء ففيهما إذا شلت بجنايته الدية, لذهاب المنفعة, ولو قطعهما بعد الشلل كان فيهما حكومة لذهاب الجمال.
والضرب الثاني: ما يبقى بعد الشلل الجمال والمنفعة على نقص فيهما كاستحشاف الأذنين والأنف؛ لأن الأذنين بعد استحشافهما تجمع الصوت, والأنف بعد استحشافه يجذب الروائح المشمومة ففيهما إذا جني عليهما فاستحشفتا قولان:
أحدهما: الدية كاملة كغيرها من الأعضاء إذا شلت.
والثاني: حكومة لبقاء الجمال والمنفعة ولو قطعهما بعد الاستحشاف كان على قولين أيضًا.
أحدهما: فيهما الدية إذا قيل في استحشافهما حكومة.
والقول الثاني: فيهما حكومة إذا قيل في استحشافهما الدية.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكل جرح ليس فيه أرش معلوم حكومة".
قال في الحاوي: هذا صحيح, وهو ما دون الموضحة في شجاج الرأس وما دون الجائفة في جراح الجسد ففيها حكومة تتقدر بالاجتهاد وبحسب الألم والشين لا يبلغ بما في شجاج الرأس دية الموضحة, ولا مما في جراح البدن دية الجائفة؛ لأن الموضحة أغلظ مما تقدمها والجائفة أجوف مما دونها فلم يجز أن يبلغ بالأقل دية الأكثر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي شعر الرأس والحاجبين واللحية وأهداب العينين في كل ذلك حكومة".
قال في الحاوي: وهذا قاله ردًا على أبي حنيفة؛ لأنه أوجب في كل واحد من هذه الشعور الأربعة الدية تامة, وأوجب الشافعي في جميعها حكومة تتقدر بحسب الشين, ولم يوجب فيها الدية, لأمرين:
أحدهما: أن الدية تجب فيما يكون له مع الجمال منفعة, وهذا مسلوب المنفعة فلم تجب فيه الدية.
والثاني: أن الدية تجب فيما يؤلم قطعه ويخاف سرايته, وقد عدم في الشعر الألم والسراية فلم يجب فيه دية, وإذا كان كذلك لم يخل حال الشعر المأخوذ من الجسد من ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما لا يحدث أخذه شيئًا في جميع الناس وذلك مثل شعر الإبط والعانة, فلا شيء فيه, سواء عاد أو لم يعد, إلا أن يحدث في الجلد أثرًا فيلزم في أثر الجلد حكومة دون الشعر المأخوذ منه, وقد خرج بعض أصحابنا فيه وجهًا ثانيًا أن فيه إذا لم يعد حكومة وإن كان ذهابه أجمل لأن الشافعي قد أوجب في لحية المرأة إذا نتفت فلم تعد حكومة, وإن كان ذهابها أجمل بالمرأة من بقائها وهما في المعنى سواء.
والقسم الثاني: ما يحدث أخذه شيئًا في جميع الناس كشعر اللحية والحاجبين وأهداب العينين ففيه إذا لم يعد حكومة, وإن عادل مثل نباته قبل أخذه ففيه وجهان:
أحدهما: لا شيء فيه.
والثاني: فيه حكومة هي دون حكومة ما لم يعد, وقد لوح الشافعي إلى الوجهين معًا, فلو خرج على قولين كان محتملًا, فلو نبت بعضه لزمته حكومة ما لم ينبت, وفي حكومة ما نبت وجهان على ما مضى.
والقسم الثالث: ما يحدث أخذه شيئًا في بعض الناس, ولا يحدث شيئًا في بعضهم وهو شعر الرأس والشارب, يحدث شينًا فيمن لم تجر عادته بحلق رأسه وحف شاربه, ولا يحدث شيئًا فيمن جرت عادته بذلك, فإن أخذه من لا يشينه أخذه فلا شيء عليه إن عاد, وإن لم يعد فهل فيه حكومة هي أقل من حكومة الشعر أم لا؟ على وجهين: وإن أخذه ممن يشينه أخذه ففيه إن لم يعد حكومة وهي أكثر من حكومته فيمن لا يشينه أخذه, وإن عاد ففيه ما قدمناه من الوجهين.
فأما القصاص في نتف الشعر فلا يجب لاختلاف الناس في كثافته وخفته, وطوله, وقصره, وشينه, وجماله, وذهابه ونباته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومعنى الحكومة أن يقوم المجني عليه كم يسوي أن
لو كان عبدًا غير مجني عليه ثم يقوم مجنيًا عليه فينظر كم بين القيمتين فإن كان العشر ففيه عشر الدية أو الخمس فعليه خمس الدية".
قال في الحاوي: وجملة الأروش في الجنايات ضربان:
أحدهما: ما ورد الشرع بتقديره فينطلق عليه اسم الدية واسم الأرش إلا دية النفس فلا ينطلق عليها اسم الأرش, لأن الأرش لتلافي خلل ولم يبق مع تلف النفس ما يتلافي فلم تسم ديتها أرشًا, فكل شيء تقدرت ديته بالشرع زال الاجتهاد فيه, وساوى حكم مع قلة الشين وكثرته, فما تقدرت أروشه بالدية الكاملة كالأنف واللسان والذكر ففيه من العبد جميع قيمته, وما تقدر أرشه بنصف الدية كإحدى العينين وإحدى اليدين والرجلين ففيه من العبد نصف قيمته, وما تقدر أرشه بعشر الدية كالإصبع ففيه من العبد عشر قيمته, وكذلك فيما زاد ونقص, فيصير الحر أصلًا للعبد من المقدر.
والضرب الثاني: ما لم يرد الشرع بتقدير أرشه فالواجب فيه حكومة يختلف باختلاف الشين لا تتقدر إلا باجتهاد الحكام, ولذلك سميت حكومة لاستقرارها بالحكم, فإن اجتهد فيها من ليس بحاكم ملزم لم يستقر تقديره, لأنه لا ينفذ حكمه, ثم إذا تقدرت باجتهاد الحاكم في واحد لم يصر ذلك حكمًا مقدرًا في كل أحد, لأمرين:
أحدهما: لقصور مرتبة الاجتهاد عن النص فصار الاجتهاد خصوصًا والنص عمومًا.
والثاني: لاعتبار الشين في الاجتهاد وحذفه من النص, وإذا كان كذلك فمعرفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدًا لا جناية به, فإذا قيل: مائة دينار قوم وبه هذه الجناية, وإذا قيل: تسعون دينارًا علم أنه نقص الجناية عشرة من مائة هي عشرها معتبر من دية نفس الحر فيكون أرشها عشر الدية, ولو نقص بعد الجناية عشرون من مائة هي خمسمائة كان أرشها خمس الدية, وكذلك فيما زاد ونقص, ولو كان المجني عليه عبدًا كان الناقص من قيمته هو أرش حكومته, فيصير العبد أصلًا للحر في الحكومة, والحر أصلًا للعبد في التقدير, وكان بعض أصحابنا يجعل نقص الجناية معتبرًا من دية العضو المجني عليه لا من دية النفس فإن كان على يد وهو العشر وأوجب عشر دية اليد, وإن عشر دية الموضحة, وإن كان على الجسد فيما دون الجائفة أوجب عشر دية الجائفة ولم يعتبره من دية النفس حذرًا من أن يبلغ أرش الحكومة دية ذلك العضو أو زيادة عليه, وهذا الاعتبار فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان التقويم للنفس دون العضو وجب أن يكون النقص معتبرًا من دية النفس دون العضو.
والثاني: أنه قد تقارب جناية الحكومة جناية المقدر كالسمحاق مع الموضحة, فلو اعتبر النقص من دية الموضحة لبعد ما بين الأرشين مع قرب ما بين الجنايتين, فإن قيل:
فإذا اعتبرتموه من دية النفس ربما ساواه وزاد عليه, قيل: يختبر زمن هذه المساواة والزيادة حد فيها والنقصان فيها على ما سنذكره فلا توجب زيادة ولا مساواة.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من اختيار الحكومة فلا يخلو حال الجناية ذات الحكومة من أحد أمرين: إما أن يكون لها تأثير في نقصان القيمة أو لا يكون فإن كان لها تأثير في النقصان وهو العشر الموجب لعشر الدية نظرت, فإن كان أقل من دية العضو المجني عليه كالجناية على إحدى العينين يقدر أرش الحكومة بعشر الدية, فيجب بها عشر الدية, وإن كان مساويًا لدية العضو المجني عليه كالجناية على الإصبع لم توجب فيه حكومتها عشر الدية, لأن لا يساوي أرش حكومتها دية قطعها, ونقصت من عشر الدية التي هي دية الإصبع ما يقتضيه الاجتهاد بحسب كثيرة الشين وقلته, ولو كانت على الرأس وهي دون الموضحة وكان نقصها عشر القيمة لم توجب بها عشر الدية؛ لأنه أكثر من دية الموضحة ونقصت من دية الموضحة بحسب الشين, ولا يجوز أن يجعل النقصان ناقصًا حقه أو أقله ما يجوز أن يكون ثمنًا لبيع أو صداقًا لزوجة, وإن لم يكن للجناية تأثير في نقصان القيمة وذلك من وجوه إما بأن لا يكون للجراح بعد اندمالها تأثير, أو يكون كقطع إصبع زائدة أو قلع سن شاغبة أو نتف لحية امرأة فقد أذهبت الجناية شيئًا وأحدثت جمالًا ففيها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: أنه لا أرش لها وتكون هدرًا لأنها لم تحدث نقصًا, وقد أشار الشافعي إلى هذا في اللطمة توجب الحكومة إن أثرت في تغيير البشرة وتكون هدرًا إن لم تؤثر.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها تضمن ولا تكون هدرًا لاستهلاك بعض الخلقة التي توجب ضمان جملتها ضمان أجزائها وقد أشار الشافعي إلى هذا في لحية المرأة إذا نتفت أنها توجب حكومة دون حكومة لحية الرجل, وإن لم يحدث نتفها في المرأة شيئًا فعلى هذا إن كان عدم التأثير في جرح قد اندمل لم يبق له بعد الاندمال أثر اعتبرت نقصان أثره قبل الاندمال وبعد انقطاع دمه, فإن لم يكن له تأثير اعتبرت نقصانه عند سيلان دمه فنجد له في نقصان القيمة أثرًا, وكذلك في اعتبار قطع الإصبع الزائدة يعتبر وقت سيلان الدم وإن كان قلع سن شاغبة فهي وإن شانت فقد كانت مقوية لما وراءها من سن الأصل فصارت بعد قلعها أضعف فيعتبر نقصان تأثير قوة تلك السن وضعفها, وإن كانت في نتف لحية امرأة فهو يحدث في المرأة زيادة وفي الرجل نقصانًا, فسقطت الزيادة الحادثة في المرأة من النقصان الحادث في الرجل, وينظر الباقي بعده فيعتبره من ديتها, فإن لم يبق بعد إسقاط الزيادة شيء من النقصان أوجب حينئذ ما قل مما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وما كسر من سن أو قطع من شيء له أرش معلوم فعلى حساب ما ذهب منه".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة وذكرنا أن ما تقدرت فيه الدية من الأعضاء والأسنان كان في أبعاضها إذا عرف مقداره منها قسطه من ديتها؛ لأن ما قابل جملة تقسط على أجزائها كالأثمان, فيكون في نصف السن نصف دية السن, وفي نصف الأذن نصف دية الأذن, وكذلك فيما زاد ونقص, فإن جهل قدر الذاهب من الباقي تقدر تقسيط الدية عليه فوجبت فيه حكومة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "في الترقوة جمل وفي الضلع جمل, وقال في موضع آخر: يشبه ما حكي عن عمر فيما وصفت حكومة لا توقيت, قال المزني - رحمه الله -: هذا أشبع بقوله كما يؤول قول زيد في العين القائمة مائة دينار أن ذلك على معنى الحكومة لا توقيت, وقد قطع الشافعي - رحمه الله - بهذا المعنى فقال: في كل عظم كسر سوى السن حكومة, فإذا جبر مستقيمًا ففيه حكومة بقدر الألم والشين, وإن جبر معيبًا بعجز أو عرج أو غير ذلك زيد في حكومته بقدر شينه وضره وألمه لا يبلغ به دية العظم لو قطع".
قال في الحاوي: نقل المزني عن الشافعي أنه قال: في الترقوة جمل إذا كسرت وفي الضلع جمل إذا كسر, وهذا قاله في القديم, ونقل عنه في الجديد أن فيهما حكومة, فاختلف أصحابنا فكان المزني وطائفة من المتقدمين يخرجون ذلك على قولين:
أحدهما: أن الجمل منهما تقدير يقطع الاجتهاد فيه ويمنع من الزيادة عليه والنقصان منه؛ لأن عمر - رضي الله عنه - حكم فيهما بالجمل, ومذهب الشافعي أن قول الصحابي إذا انتشر ولم يظهر له مخالف وجب العمل به وإن لم ينتشر فعلى قولين, وهذا قول قد انتشر فكان العمل به واجبًا.
والقول الثاني: إن فيه حكومة, لأن مقادير الديات تؤخذ عن نص أو قياس, وليس فيه نص عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصل يقاس عليه وجوب الجمل فيه, وقال أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة وأكثر المتأخرين إنه ليس ذلك على قولين ومذهبه فيه وجوب الحكومة وإنما ذكر فيهما الجمل تبركًا بقول عمر, وأثبته على قدر الحكومة أنها لا تبلغ دية السن, وأن ما نفذ من الاجتهاد فيه بهذا القدر كان ما تعقبه عن الاجتهاد مقارنًا له, فإن زاد عليه فيصير وإن نقص عنه فيصير, ولا يصير حدًا لا يتجاوز فأما العين
القائمة فلا تتقدر رقبتها فصارت يد بمائة دينار قولًا واحدًا, لأن أبا بكر - رضي الله عنه - قد خالفه فأوجب فيها ثلث الدية فتعارض قولاهما ولزمت الحكومة, وخالف الترقوة والضلع الذي لم يظهر فيه مخالف لعمرو, ولو قدره عمر بالجمل تقديرًا عامًا في جميع الناس ما جاز خلافه, لأنه صار إجماعًا, ولكنه قضى به في رجل بعينه انتهت حكومته إليه, وجاز أن يؤديه اجتهاده في غيره إلى أقل منه أو أكثر بحسب الشين, فلذلك لم يصر حدًا, وخالف حكم الصحابة في جزاء الصيد الذي يكون اجتهادهم فيه متبوعًا, لأنه على العموم دون الخصوص.
فصل:
فإذا ثبت في الترقوة والضلع حكومة فإن انجبر مستقيمًا قلت حكومته, وإن انجبر معوجًا كانت حكومته أكثر, وإن كان مع اعوجاجه قد صار ذا عقدة كانت حكومته أكثر, لأن زيادة الشين في الحكومات معتبرة, وكذلك إذا كسر سائر عظام الجسد سوى الأسنان ففيه حكومة بقدر ضرره وشينة لا يبلغ دية ذلك العضو إلا أن يشل فلو ضرب عظمة حتى تشظى لم يجب فيه دية منقلة ولا هاشمة كما لا تجب في موضحة الجسد دية الموضحة في الرأس, وكانت الحكومة فيه بقدر ألمه وضرره وشينه, فلو أنفذ عظمه وأخرج مخه كانت الحكومة أكثر لأن الضرر أعظم والخوف أكثر, ولو سلخ جلده فشرره أعظم وخوفه أكثر, وفيه حكومة لا تبلغ دية النفس, ويعتبر اندماله, فإن عاد جلده كانت حكومته أقل منها إذا لم يعده ولو لطمه فإن أثر في جلده أثرًا بقى شينة ففيه حكومة, وإن لم يبقى له أثر فلا شيء فيه ويعزز اللاطم أدبًا, فصار تقدير هذا الشرح أنه متى بقى للجناية أثر شين في الجرح, أو في كسر العظم وفي جرح الجسد وفي اللطم وجبت فيه حكومة وإن لم يبق منه ذلك أثر شين في كسر العظم وفي جرح الجسد وفي اللطم وجب في كسر العظم حكومة ولم تجب في اللطمة حكومة, وفي وجوب الحكومة في الجرح وجهان؛ لأن العظم وإن انجبر مستقيمًا فهو بعد الجبر أضعف منه قبله فلذلك وجبت فيه الحكومة واللطمة لم تؤثر في الجيد شيئًا ولا ضعفًا فلذلك لم يجب فيها حكومة, فأما الجرح فمتردد بين هذين فلذلك كان على وجهين:
أحدهما: فيه حكومة, لأنه قد أسال دمًا وأحدث نقصًا كالعظم إذا انجبر مستقيمًا.
والثاني: لا حكومة فيه, لأنه ما أحدث شيئًا ولا ضعفًا كاللطمة إذا لم تحدث أثرًا, والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جرحه فشان وجهه أو رأسه شينًا يبقى فإن كان
الشين أكثر من الجرح أخذ بالشين وإن كان الجرح أكثر من الشين أخذ بالجرح ولم يزد للشين".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن شجاج الرأس والوجه تتقدر دياتها في الموضحة وما فوقها من الهاشمة والمنقلة والمأمومة وإن لم تتقدر دياتها في الجسد تغليظًا لحكم الرأس على حكم الجسد فاقتضى ذلك فيما لا تتقدر دياته من شجاج الرأس والوجه فيما دون الموضحة من الحارصة والدامية والدامغة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق أن تكون حكوماتها في الرأس أغلظ من حكوماتها في الجسد, وإذا كان كذلك وجب في الرأس أن يعتبر فيها أغلظ الأمرين.
قال الشافعي في تفصيله الذي قدمه من الشين أو الجراح فاختلف أصحابنا في تأويله على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وجمهور البصريين: أنه أراد أكثر الحكومتين من ح الشين بعد اندماله في الانتهاء, أو قال الجرح عند سيلان دمه في الابتداء, فأيهما كان أكثر فهو القدر المستحق تغليظ لشجاج الرأس على شجاج البدن غير المقدر كما تغلظ في المقدر.
والوجه الثاني: وهوو قول أبي حامد الإسفراييني وطائفة من البغداديين أن مراد الشافعي بأكثر الحكومتين أن يعتبر قدرها في العمق قدر الموضحة, فإن كان نصفها اعتبر قدر شينها بعد الاندمال, فإن نقصت عن نصف الموضحة أوجبت نصف الموضحة وهو الجرح, لأنه أغلظ من قدر الشين وإن كان قدر شينها زائدًا على نصف الموضحة وبلغ ثلاثة أرباعها أوجبت حكومة الشين وهو ثلاثة أرباع الموضحة, لأنه أغلظ.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كان الشين أكثر من موحضة نقصت من الموضحة شيئًا ما كان الشين لأنها لو كانت موضحة معها شين لم أزد على موضحة فإذا كان الشين معها وهو أقل من موضحة لم يجز أن يبلغ به موضحة وفي الجراح على قدر دياتهم والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن ما نقص عن المقدر لم يجز أن يجب فيه ما يجب في المقدر؛ لأنه يقضي إلى تفاضل الجنايات وتساوي الديات, وهذا ممتنع فإن قيل: فليس يمتنع هذا لأنكم توجبون في قطع الأصابع ما توجبونه في جميع الكف وهو أقل؟ قيل: لأن منفعة الكف ذاهبة بقطع الأصابع فلذلك وجب فيها ما يجب في جميع الكف, وخالف ذلك في مسألتنا فعلى هذا لا يجوز أن يجب فيما دون الموضحة إن كثر
شينها دية الموضحة ووجب أن ينقص منها ما يؤدي إليه الاجتهاد, وكذلك لا يبلغ بالحكومة على الكف دية الكف, ولا بالحكومة على الإصبع دية الإصبع, ولا بالحكومة على الأنملة دية الأنملة, وهو معنى قول الشافعي في الجراح: على قدر ديتها, وتأوله بعض أصحابنا أنه يعتبر نقص الحكومة من دية العضو لا من دية النفس, وهو قول من قدمنا مذهبه في اعتبار الحكومة, وقد أبطلناه بما ذكرناه, ثم قال الشافعي: "والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر", يعني أن دية شجاج المرأة وجراحها وأطرافها على النصف من دية الرجل, لأن ديتها نصف دية الرجل, فيجب في موضحتها بعيران ونصف, وفي هاشمتها خمس, فأما حكومتها فهي معتبرة من ديتها, وديتها على النصف فأغنى ذلك عن تنصيف الحكومة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وفي الجراح في غير الوجه والرأس بقدر الشين الباقي بعد التئامه لا يبلغ بها الدية إن كان حرًا ولا ثمنه إن كان عبدًا, ولأنه ليس في الجسد قدر معلوم سوى الجائفة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن ما اقتضاه التعليل المتقدم من تغليظ شجاج الرأس, والوجه على جراح الجسد يوجب اعتبار حكوماتها بحال الشين بعد الاندمال, ولا يعتبر فيها أغلظ الأمرين, وإذا كان كذلك لم يخل حال الجراح في الجسد من أن تكون على عضو أو في البدن, فإن كانت على عضو اعتبر في حكومتها حال الشين بعد الاندمال, فقوم سليمًا وشائنًا ووجب بقسط ما بينهما من دية الحر وقيمة العيد إلا أن تزيد على دية العضو فينقص منها قدر ما يؤدي الاجتهاد إليه, وإن كانت على البدن كالظهر والبطن والصدر ففيه وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من منصوص الشافعي: أنه يعتبر حكومة الشين ما لم تبلغ دية النفس, فإن بلغها نقص منها ولا اعتبار بدية الجائفة.
والوجه الثاني: أنه يعتبر حكومة الشين ما لم تبلغ دية الجائفة, فإذا بلغها نقص فيها ما يؤدي الاجتهاد إليه, لأنها المقدر في جراح الجسد فأشبهت الموضحة في شجاج الرأس, وقد يمكن أن يفضل بين الموضحة مع ما تقدمها وبين الجائفة مع غيرها أن ما تقدم الموضحة بعض الموضحة فلم يبلغ ديتها, وغير الجائفة قد لا يكون بعضها لما فيه من كسر عظم وإتلاف لحم, فجاز أن تزيد حكومتها على ديتها وهو الأصح, فإن لم يكن للشين بعد اندماله أثر ولا للحكومة فيه قدر ففيه وجهان ذكرناهما من قبل:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج, تكون هدرًا.
والثاني: وهو قول أبي اسحاق المروزي: يعتبر ما قبل الاندمال ولا يقدر مع حال الألم وإراقة الدم, فيعتبر ما قبل الاندمال حالًا قبل حال حتى يبلغ إلى وقت الجرح وسيلان الدم للضرورة, كما يلزم في حمل الأمة إذا أعتق بوطء شبهة أن يعتبر قيمته بعد ظهوره لما تقدرت قيمته عند علوقه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ودية النصراني واليهودي ثلث الدية واحتج في ذلك بعمر وعثمان - رضي الله عنهما".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في دية اليهودي والنصراني من أهل الذمة والمعاهدين على أربعة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة: أنها كدية المسلم سواء وبه قال من الصحابة: ابن مسعود, ومن التابعين: الزهري, ومن الفقهاء: الثوري وأبو يوسف ومحمد.
والثاني: وهو مذهب مالك أنها نصف دية المسلم, وبه قال عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير.
والثالث: وهو مذهب أحمد بن حنبل: إن قتل عمدًا فمثل دية المسلم كقول أبي حنيفة, وإن قتل خطأ فنصف دية المسلم كقول مالك.
والرابع: وهو مذهب الشافعي: أن ديته دية المسلم في العمد والخطأ, وبه قال من الصحابة عمر وعثمان - رضي الله عنهما - ومن التابعين: سعيد بن المسيب, وعطاء, من الفقهاء: أبو ثور وإسحاق بن راهويه, واستدل أبو حنيفة على أن ديته مثل دية المسلم بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92], ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فلما أطلق ذكر الدية فيها دل على تساويهما, وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية اليهودي والنصراني مثل نصف دية المسلم" وهذا نص وروي مقسم عن ابن عباس أن عمرو بن أمية الضمري قتل كافرين لهما أمان ولم يعلم بأمانهما فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده بدين حرين مسلمين, ولأنه حر محقوق الدم على التأييد فوجب أن تكون ديته كاملة كالمسلم, ولأن الحر مضمون يضمن بالدية والعبد يضمن بالقيمة, فلما كملت قيمة العبد مسلمًا كان
أو كافرًا وجب أن تكمل دية الحر مسلمًا كان أو كافرًا, ولأن القتل موجب للدية والكفارة, فلما تماثلت الكفارة في قتل المسلم والكافر وجب أن يتماثل الدية في قتل المسلم والكافر, فلما تماثلت الكفارة في قتل المسلم والكافر وجب أن يتماثل الدية في قتل المسلم والكافر, ولأن الكفر فسق, والفسق لا تأثير له في الدية فكذلك الكفر, ولأن الدية قد أوجبت حقن دمه وحفظ ماله فلما تساوى بها المسلم في ضمان ماله ساواه, في ضمان نفسه, وأما مالك فدليله ما رواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية المعاهد نصف دية المسلم" ذكره أبو داود وقال أحمد بن حنبل: ليس في الأخبار أصح من هذا, وروى سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلم وهم اليهود والنصارى وذكره رجاء بن المرجي الحافظ ولأن النقص نوعان أنوثية وكفر, فلما أوجب نقص الأنوثية إسقاط نصف الدية كذلك نقص الكفر.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فدل على أن دماء الكافر لا تكافئهم.
وروى ابن المنذر من كتابه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتاب عمرو بن حزم: "وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" فجعل الإيمان شرطًا في كمال الدية, فوجب أن لا تكمل بعدمه, وروى موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قضى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم", وهذا نص ذكره أبو إسحاق المروزي في شرحه, فإن قيل: حديث من روى كمال الدية أزيد والأخذ بالزيادة لأن الأحكام مستنبطة من الألفاظ, فإن قيل: يحمل على أنه قضى في السنة الأولى ثلث الدية لتأجيل دية الخطأ في ثلاث سنين, فالجواب عنه أن قضاءه بأن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم تدل على أن جميع ديته هذا القدر فلم يجز أن يحمل على قدرها وهو بعضها, على أن ثلث الدية عندهم أقل من أربعة آلاف, فإن قيل: يحمل على أنه قوم إبل الدية بأربعة آلاف درهم قيل: لا يصح من وجهين:
أحدهما: أن القيمة تختلف فلم يجز أن تقدر في عموم الأحوال.
والثاني: إنه قضى بالدراهم ولم يقض بها قيمة على أنا روينا عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم, فبطل هذا التأويل, ومن القياس: أنه مكلف لا يكمل سهمه من القيمة فوجب أن لا تكمل ديته كالمرأة, ولا ينتقص بالصبي والمجنون, لعدم التكليف, ولأنها لم نقصت دية المرأة المسلمة عن دية
الرجل بنقصها بالأنوثية, وجب أن تنقص دية الرجل الكافر عن دية المرأة المسلمة لنقصه بالكفر لأن الدية موضوعة على التفاضل, ولأنه لما أثر أغلظ الكفر وهو الردة في إسقاط جميع الدية وجب أن يؤثر أخفه في تخفيف الدية, لأن بعض الجملة مؤثر في بعض أحكامها, ولأن اختلاف الأمة في قدر الدية توجب الأخذ بأقلها كاختلاف المقومين يوجب الأخذ بقول أقلهم تقويمًا؛ لأنه اليقين, فأما الجواب عن استدلالهم بمطلق الدية في الآية فلا يمنع إطلاقها من اختلاف مقاديرها, كما لم يمنع من اختلاف دية الرجل والمرأة ودية الجنين؛ لأن الدية اسم لما يؤدي من قليل وكثير.
وأما حديث عمرو بن شعيب فقد اختلفت الرواية عنه فتعارضت ويمكن حملها على أنها مثل دية المسلم في التغليظ والتخفيف والحلول والتأجيل حتى لا يكون نقصان قدرها موجبًا لإسقاط حلولها وتغليظها وأما الجواب عن حديث عمرو بن أمية فمن وجهين:
أحدهما: أنه لما تبرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحمل الدية عنه جاز أن يتبرع بالزيادة تألفًا لقومهما.
والثاني: يجوز أن يكونا أسلما بعد الخروج وقبل موتهما فكمل بالإسلام ديتهما, وأما الجواب عن قياسه على السلم بعلة أنه محقون الدم على التأييد, ففاسد بالمرأة والعبد, لا يقتضي حقن دماهما على التأييد كمال ديتهما, كذلك الذمي, على أن المعنى في المسلم كمال سهمه في الغنيمة, وأما الجواب عند استدلاله بالعبد في استواء الكفر والإسلام في كمال قيمته فهو أنها لما تساوى فيهما الذكر والأنثى تساوى فيهما المسلم والكافر, ولما اختلف في الدية الذكر والأنثى اختلف فيها المسلم والكافر, وكذلك الجواب عن استدلاله بالكفارة أنه لما لم يمتنع التساوي فيها من اختلاف الذكر والأنثى في الدية كذلك تساوى المسلم والكافر فيها لا يمنع من اختلافهما في الدية, وأما الجواب عن استدلالهم بالفسق فهو أن الفسق لا يسلبه أحكام الإسلام فساوى في الدية, والكفر يسلب أحكام الإسلام فخالف في الدية, وأما الجواب عن ضمان ماله كالمسلم فهو أنه لما لم يختلف ضمانه في العمد والخطأ في حق الرجل والمرأة لم يختلف في حق المسلم والكافر, ولما اختلف ضمان الدية في حق الرجل والمرأة اختلف في حق المسلم والكافر والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ودية المجوسي ثمانمائة درهم واحتج في ذلك بعمر بن الخاطب - رضي الله عنه".
قال في الحاوي: واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اختلف في دية المجوسي فجعلها أبو حنيفة كدية المسلم, وجعلها عمر بن عبد العزيز نصف دية
المسلم كاليهودي والنصراني عنده, وهي عند الشافعي ثمان مائة درهم, ثلثا عشر دية المسلم, وتكون من الإبل ستة أبعرة وثلثين ومن الدنانير ستة وستون دينارًا وثلثان, لرواية سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم والمجوسي ثمان مائة درهم.
وروى الزهري عن عمر وعثمان وابن مسعود - رضي الله عنهم - أن دية المجوسي ثمان مائة درهم, فكان هذا القول منهم والقضاء به عليهم مع انتشاره في الصحابة إجماعًا لا يسوغ خلافه, ومع أن حكم المجوسي في إقرارهم وأخذ جزيتهم منقول عن عمر ومعمول به إجماعًا فكذلك حكمه فيهم بالدية, ولأنه لما نقصت رتبة المجوسي عن أهل الكتاب في تحريم نسائهم, وأكل ذبائحهم نقصت ديتهم عن دياتهم, لأن الديات موضوعة على التفاضل, وإذا نقصت عنهم لم يكن إلا ما قلنا لقضاء الأئمة به.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حال من خالف دين الإسلام من أن يكون له أمان أو لا يكون, فإن كان له أمان لم يخل حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فديتهم ثلث دية المسلم, سواء كانوا أصحاب ذمة أو عهد.
والقسم الثاني: أن لا يكونوا أهل كتاب ولكن سن بهم سنة أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية وهم المجوسية, فديتهم ثلثا عشر دية المسلم.
والقسم الثالث: أن لا يكونوا أهل كتاب ولا سن بهم سنة أهل كتاب وهم عبدة الأوثان الذين لا يقرون بالجزية ويقرون بالأمان والعهد, فديتهم كدية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم, لأنها أقل الديات فردوا إليها, وإن كانوا أنقص رتبة من المجوسي في أنهم يقرون بالجزية.
فأما الصابئون والسامرة فإن أجروا مجرى اليهود والنصارى في إقرارهم بالجزية وأكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لموافقتهم في أصل معتقدهم كانت ديتهم ثلث دية المسلم, وإن لم يقروا بالجزية لمخالفتهم لليهود والنصارى في أصل معتقدهم كانت ديتهم ثلث دية المسلم, وإن لم يقروا بالجزية لمخالفتهم لليهود والنصارى في أصل معتقدهم فديتهم إذا كان لهم أمان كدية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم.
فصل:
وأما من لم يكن له أمان ولا عهد فضربان:
أحدهما: من بلغته دعوة الإسلام, فنفوسهم مباحة ودماؤهم هدر لا تضمن بقود
ولا عقل, سواء كانوا أهل كتاب أو لم يكونوا كذلك دماء المرتدين عن الإسلام.
والضرب الثاني: أن يكونوا ممن لم تبلغه الدعوة, قال الشافعي: "ولا أحسب أحدًا لم تبلغه دعوة الإسلام إلا أن يكون قوم وراء الذين يقاتلونا من الترك والخزر فدماؤهم محقونة حتى يدعوا إلى الإسلام فيمتنعوا فإن قتلوا قبل دعائهم إلى الإسلام ضمنت نفوسهم بالدية دون القود.
وقال أبو حنيفة: لا تضمن نفوسهم بقود ولا دية, لأن دماء الكفار على الإباحة إلا من ثبت له عهد أو ذمة, وهذا خطأ, لأن الدماء محقونة إلا من ظهر منه المعاندة ولأنه لما حرم قتلهم قبل دعائهم ثبت حقن دمائهم ووجب ضمان نفوسهم كأهل العهد وهذه مسألة تأتي في كتاب السير مستوفاة, فإذا تقرر ضمان دياتهم ففيها وجهان, لأن الشافعي أطلقها فاختلف أصحابنا فيها من بعده على وجهين:
أحدهما: أنه كدية المسلم, لأنه مولود على الفطرة لم تظهر منه معاندة.
والثاني: أنها كدية المجوس ثلثا عشر دية المسلم, لأنها يقين مع الأصل براءة الذمة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وجراحهم على قدر دياتهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن ما دون النفس معتبر بدية النفس فيكون في دية اليهودي بعير وثلثان, وفي هاشمته ثلاثة أبعرة وثلث وفي منقلته خمسة أبعرة وفي مأمومته أحد عشر بعيرًا وتسع, وفي إصبعه ثلاثة أبعرة وثلث, وفي أنملته بعير وتسع, وفي موضحة المجوس ثلث بعير, وفي هاشمته ثلثا بعير, وفي منقلته بعير, وفي إصبعه ثلث بعير, وفي أنملته تسعًا بعير, وعلى قياس هذا فيما زاد ونقص.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر واحتج في ديات أهل الكفر بأن الله تعالى فرق ثم رسوله صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والكافرين فجعل الكفار متى قدر عليهم المؤمنون صنفًا منهم يعبدون وتؤخذ أموالهم لا يقبل منهم غير ذلك وصنفًا يصنع ذلك بهم إلا أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فلا يجوز أن يجعل من كان خولا للمسلمين في حال أو خولا بكل حال إلا أن يعطوا الجزية كالعبد المخارج في بعض حالاته كفيئًا لمسلم في دم ولا دية يبلغ بدية كافر دية مؤمن إلا ما لا خلاف فيه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأنه لما كانت دية المرأة المسلمة في نفسها
وأطرافها وجراحها على النصف من الرجل المسلم كانت دية المرأة الكافرة في نفسها وأطرافها وجراحها على النصف من الرجل الكافر, فيجب في موضحة اليهودية خمسة أسداس بعير, وفي هاشمتها بعير وثلثان وفي موضحة المجوسية سدس بعير, وفي هاشمتها ثلث بعير, ثم على هذا القياس.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ويقول سعيد بن المسيب أقول جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته في كل قليل وكثير وقيمته ما كانت وهذا يروى عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -".
قال في الحاوي: أما الجناية على نفس العبد فموجبه لقيمته, وهذا متفق عليه, وأما الجناية على ما دون نفسه من أطرافه وجراحه فقد اختلف على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها تكون مقدرة من قيمته كما تكون مقدرة من الحر من ديته, فيجب في كل واحد من لسانه وأنفه وذكره قيمته وفي إحدى يديه نصف قيمته كما يجب في الحر نصف ديته كما يجب في الحر ديته, ويجب في إصبعه عشر قيمته, وفي أنملته ثلث عشرها, وعلى هذا القياس وهو قول عمر, وعلي, وسعيد بن المسيب, والحسن, وابن سيرين, وأبي حنيفة.
والمذهب الثاني: ما قاله داود بن علي وأهل الظاهر, ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة الواجب في جميعها ما نقص من قيمته من غير تقدير كالبهائم.
والمذهب الثالث: ما قاله مالك: أنه ما لا يبقى له أثر بعد الاندمال من شجاج الرأس ففي مقدر من قيمته - كما قلنا, وما يبقى أثره بعد الاندمال كالأطراف ففيه ما نقص من قيمته كأهل الظاهر, واستدل أهل الظاهر بأمرين أحدهما: أنه مملوك كالبهائم.
والثاني: أنه لا يضمن بالقيمة فأشبه ضمان الغصب, وفرق مالك بين شجاج رأسه وأطرافه بأنه قول أهل المدينة وهو عنده حجة, وبأنه لما تقدر شجاج الرأس في الحر ولم تتقدر جراح جسده تغلظ حكمه على حكمة, والدليل عليهم أن من ضمنت نفسه بالقود والكفارة ضمنت أطرافه بالمقدر كالحر, وعلى مالك أن من تقدرت شجاجته تقدرت أطرافه كالحر, ولأن ما تقدر في الحر تقدر في العبد كالشجاج, ثم يقال لمالك: العبد متردد بين أصلين:
أحدهما: الحر.
والثاني: البهيمة, فإن الحق بالحر تقدرت أطرافه وشجاجه, وإن ألحق بالبهيمة لم تتقدر شجاجه ولا أطرافه, وإلحاقه بالحر أولى من إلحاقه بالبهائم لم يتوجه إليه من
التكليف, ويجب عليه من الحدود, ويلزم من قتله من القود والكفارة, فأما ضمانه باليد إذا يغصب, فإنما لم يضمن بالمقدر لأنه لا يضمن بالقود والكفارة فأجرى عليه حكم الأموال المحضة, وصار فيها ملحقًا بالبهائم, ويضمن في الجنايات بالقود والكفارة فألحق بالأحرار.
فصل:
فإذا ثبت تقدير الجنايات عليه من قيمته كالحر من ديته فلسيده أن يأخذ أرش الجنايات عليه كلها, سواء زادت على قدر قيمته أضعافًا أو نقصت, وهو باق على ملكه.
وقال أبو حنيفة: إن وجب فيها جميع قيمته كان بيده بالخيار بين تسليمه إلى الجاني وأخذ قيمته منه أو إمساكه بغير أرش, لأن لا يجمع بين البدل والمبدل, وإن وجب بها نصف قيمته كان سيده بالخيار بين إمساكه وأخذ نصف قيمته وبين تسليمه إلى الجاني وأخذ جميع قيمته وقد مضى الكلام معه في كتاب الغصب مما أغنى عن إعادته, فأما إذا تبعضت فيه الحرية والعتق فكان نصفه حرًا ونصفه عبدًا ففي أطرافه نصف ما في أطراف الحر ونصف ما في أطراف العبد, فيجب في يده ربع الدية وربع القيمة, وفي إصبعه نصف عشر الدية ونصف عشر القيمة وفي أنملته سدس عشر القيمة وسدس عشر الدية, ثم على هذا القياس فيما زاد من الحرية ونقص, فأما ضمان المكاتب فكالعبد وكذلك أم الولد.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وتحمل ثمنه العاقلة إذا قتل خطأ".
قال في الحاوي: أما العبد إذا قتل حرًا فالدية في ذمته ومرتهنة رقبته, يباع فيها ويؤدي الدية حالة في العمد والخطأ لا تتحملها العاقلة عنه ولا السيد إلا أن يتطوع باقتدائه منها, فإن عجز ثمنه عن الدية كان الباقي في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه ولا يكون على سيده, فإن قيل: فهلا كان السيد ضامنًا لجناية عبده كما يضمن جناية بهيمته, قيل: لأن جناية البهيمة مضافة إلى مالكها, لأنها مضمونة إذا نسب إلى التفريط في حفظها وجناية العبد مضافة إليه دون سيده لأن له اختيارًا يتصرف به, فلذلك ضمن جناية بهيمته ولم يضمن جناية عبده فأما إذا قتل الحر عبدًا, فإن كان القتل عمدًا محضًا فقيمته في مال القاتل حاله, وإن كان خطأ محضًا أو عمد الخطأ ففي قيمته قولان:
أحدهما: أن قيمة نفسه وأروش أطرافه على عاقلة الجاني مؤجلة وهو اختيار المزني.
والقول الثاني: أن قيمة نفسه وأروش أطرافه في مال الجاني لا تحمله العاقلة في
مال القاتل حالة وهو مذهب مالك.
وقال أبو حنيفة: تحمل العاقلة دية نفسه ولا تحمل أروش أطرافة فإذا قتل تحمله العاقلة, فدليله أن من وجبت الكفارة في قتله تحملت العاقلة بدل نفسه كالحر, ولأن العبد متردد الحكم بين الحر لكونه مكلفًا وبين البهيمة لأنه مقوم ومبيع فكان إلحاقه بالحر أولى, لما يتوجه إليه من الثواب والعقاب, ولما يجب في قتله من الكفارة والقود, فوجب إلحاقه بالحر أولى, لما يتوجه إليه من الثواب والعقاب, ولما يجب في قتله من الكفارة والقود فوجب إلحاقه به في تحمل العاقلة لبدل أطرافه ونفسه.
فإذا قيل: لا تحمله العاقلة فدليله رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا" ولأنه مضمون بالقيمة فوجب أن لا تحمل العاقلة ضمانة بالجناية كما لم تحمل ضمانة باليد كالأموال, ولأنه لما لم تتحمل عنه العاقلة إذا كان قاتلًا لم تتحمله العاقلة إذا كان مقتولًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذكره ثمنه ولو زاد القطع في ثمنه أضعافًا".
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "فإن قيل فإذا كنت تزعم أن ثمنه كثمن البعير إذا قتل فلم لم يحكم في جرحه كجرح البعير وبعضه؟ قلت: قد يجامع الحر البعير بقتل فيكون ثمنه مثل دية الحر فهو في الحر دية وفي البعير قيمة والقيمة دية العبد وقسته بالحر دون البهيمة بدليل من كتاب الله تعالى في قتل النفس الدية وتحرير رقبته وحكمت وحكمنا في الرجل والمرأة والعبد بديات مختلفات وجعلنا في كل نفس منهم دية ورقبة وإنما جعل الله في النفس الرقبة حيث جعل الدية وبدل البعير والمتاع قيمة لا رقبة معها فجامع العبد الأحرار في أن فيه كفارة وفي أنه إذا قتل قتل وإذا جرح جرح في قولنا وفي أن عليه حد الحر في بعض الحدود ونصف حد الحر في بعض الحدود وأن عليه الفرائض من الصلاة والصوم والتعبد وكان آدميًا كالأحرار فكان بالآدميين أشبه فقسته عليهم دون البهائم والمتاع, قال المزني: وقال في كتاب الديات والجنايات لا تحمله العاقلة كما لا تغرم قيمة ما استهلك من مال, قال المزني: الأول بقوله أشبه لأنه شبهه بالحر في أن جراحه من ثمنه كجراح الحر من ديته لم يختلف ذلك عندي من قوله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأننا قد قررنا أن ما في الحر منه دية كان في العبد منه قيمة, وفي ذكر الحر ديته, فوجب أن يكون في ذكر العبد قيمته, فإن قيل: فقطعه من الحر نقص فلذلك ضمن بالدية, وقطعه من العبد زيادة لأن ثمنه يزيد بقطعه فلم يضمن
بالقيمة قيل: المضمون بالجناية لا يراعى فيه النقص والزيادة, لأن الأعضاء الزائدة تضمن بالجناية وإن أحدثت زيادة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وكل جناية عمد لا قصاص فيها فالأرش في مال الجاني".
قال في الحاوي: أما جناية الخطأ المحض وعمد الخطأ فتحملها العاقلة, وأما جناية العمد المحض فمن مال الجاني, ولا تتحملها العاقلة سواء وجب فيها القصاص أو لم يجب كالجائفة والمأمومة, وقال مالك: ما لا يجب فيه القصاص من العمد تتحمله العاقلة كالخطأ, وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا", ولأن ما لم تتحمله العاقلة من العمد إذا وجب فيه القود لم تتحمله, وإن لم يجب فيه القود كجناية الوالد على الولد, ولأن جناية العمد مغلظة وتحل العاقلة تخفيف فتنا في اجتماعهما, ولأن تحمل العاقلة رفق ومعونة, والعامد معاقب لا يعان ولا يرفق به, والخاطئ معذور, فلذلك خص بالمعونة والرفق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وقيل جناية الصبي والمعتوه عمدًا وخطأ يحملها العاقلة وقيل لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن تحمل العاقلة الخطأ في ثلاث سنين فلو قضينا بها إلا ثلاث سنين خالفنا دية العمد لأنها حالة فلم يقض على العاقلة بدية عمد بحال, قال المزني: هذا هو المشهور من قوله".
قال في الحاوي: فلا قود عليهما فيه لعدم تكليفهما, وفيه قولان:
أحدهما: أنه يجري عليه حكم الخطأ, وإن كان في صورة العمد وهو قول أبي حنيفة, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم على ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم, وعن المجنون حتى يفيق, وعن النائم حتى ينتبه" ولأن كل ما سقط فيه القود بكل حال كان في حكم الخطأ كالخطأ.
والقول الثاني: أنه يجري عليه حكم العمد وإن سقط فيه القود, لأن صفة العمد متميزة فكان حكمها متميزًا, ولأن الصبي قد وقع الفرق فيه بين عمده ونسيانه إذا تكلم في الصلاة وأكل في الصيام وتطيب في الحج, فوجب أن يقع الفرق بين عمده وخطئه في القتل, لأن كل من وقع الفرق بين عمده وخطئه في العبادات وقع الفرق بينهما في الجنايات كالبالغ العاقل.
فصل:
فإذا صح توجيه القولين قلنا بالأول منهما أن عمده كالخطأ, فالدية مخففة تحب على عاقلته في ثلاث سنين, لأن العاقلة لا تتحمل إلا مؤجلًا, وإذا قيل بالثاني إن عنده وإن سقط فيه القود, فالدية مغلظة حاله تجب في ماله دون عاقلته, ويستوي في ذلك الصبي والمجنون وسواء كان الصبي مميزًا أو غير مميز.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو صاح برجل فسقط عن حائط لم أر عليه شيئًا ولو كان صبيًا أو معتوهًا فسقط من صيحته ضمن".
قال في الحاوي: وهو كما قال, إذا وقف إنسان على شفير بئر أو حافة نهر أو قلة جبل فصاح به صائح فخر ساقطًا ووقع ميتًا لم يخل حال الواقع من أمرين:
أحدهما: أن يكون رجلًا, قوي النفس, ثابت الجأش, ثابت الجنان فلا شيء على الصائح, لأن صيحته لا تسقط مثل هذا الواقع, فدل ذلك على وقوعه من غير صيحته.
والضرب الثاني: أن يكون صبيًا أو مجنونًا أو مريضًا أو مضعوفًا لا يثبت لمثل هذه الصيحة فالصائح ضامن لديته, لأن صيحته تسقط مثله من المضعوفين, ولا قود عليه لعدم المباشرة, لكنه إذا عمد الصيحة كانت الدية مغلظة, وإن لم يعمد كانت مخففة.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن بها الصغير كما لا يضمن بها الكبير القوي, وهذا جمع فاسد, لأن الصيحة تؤثر في الصغير المضعوف, ولا تؤثر في الكبير القوي فافترقا من الضمان؛ لأن الجنايات تختلف باختلاف المجني عليه ألا ترى أن رجلًا لو لطم صبيًا فمات ضمنه, ولو لطم رجلًا فمات لم يضمنه, لأن الصبي يموت باللطمة والرجل لا يموت بها فلو اغتفل إنسانًا وزجره بصيحة هائلة فزال عقله فقد اختلف أصحابنا فيه فحمله أكثرهم على ما قدمناه من التفسير أنه يضمن بها عقل الصبي والمجنون, ولا يضمن بها عقل الرجل الثابت.
وقال ابن أبي هريرة: يضمن بها عقل الفريقين معًا بخلاف الوقوع, لأن في الوقوع فعلًا للواقع فجاز أن ينسب الوقوع إليه وليس في زوال العقل فعل من الزائل العقل لم ينسب زواله إلا الصائح المذعر, ولو قذف رجل امرأة بالزنا فماتت لم يضمنها, ولو ألقت جنينًا ميتًا ضمنه, لأن الجنين يلقى من ذعر القذف والمرأة لا تموت منه, قد أرسل عمر إلى امرأة قذفت عنده رسولًا فأرهبها فأجهضت ما في ذات بطنها فحمل عمر عاقلة نفسه دية جنينها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو طلب رجلًا بسيف فألقى بنفسه عن ظهر بيت فمات لم يضمن وإن كان أعمى فوقع في حفرة ضمنت عاقلة الطالب ديته لأنه اضطره إلى ذلك".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل شهر سيفًا وطلب به إنسانًا فهرب منه المطلوب حتى ألقى نفسه من سطح أو جبل أو في بحر أو نار حتى هلك فتنقسم حال الهارب المطلوب ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون بالغًا عاقلًا بصيرًا فلا ضمان على طالبه من قود ولا دية لأمرين:
أحدهما: أن الطلب سبب والإلقاء مباشرة, وإذا اجتمعا سقط حكم السبب بالمباشرة.
والثاني: أنه وإن ألجأه بالطلب إلى الهرب فلم يلجئه إلى الوقوع؛ لأنه لو أدركه جاز أن يجيء عليه, وجاز أن يكف عنه, فصار ملقى نفسه هو قاتلها دون طالبه؛ لأنه قد عجل إتلاف نفسه بدلًا مما يجوز أن لا يتلف به, فصار كالمجروح إذا ذبح نفسه.
والقسم الثاني: أن يكون المطلوب أعمى فيهرب من الطالب حتى يتردى من سطح أو جبل أو يقع من بئر أو بحر, فإن أعلم بالسطح والجبل والبئر والبحر فألقى نفسه بعد علمه كانت نفسه هدرًا كالبصير وإن لم يعلم بذلك حتى وقع فمات فعلى طالبه الدية دون القود, لأنه وإن لم يكن مباشرًا لإلقائه فقد ألجأه إليه, والملجئ إلى القتل ضامن كالقاتل, ألا ترى أن الشهود إذا شهدوا عند الحاكم على رجل بما يوجب القتل فقتله ثم بان أنهم شهدوا بزور ضمنوه دون الحاكم, لأنهم ألجئوه إلى قتله فتعلق الحكم بالملجئ دون المباشر.
والقسم الثالث: أن يكون المطلوب صبيًا أو مجنونًا, ففي ضمان ديتهما على الطالب وجهان مخرجان من اختلاف قول الشافعي في قصدهما للقتل هل يجري عليه حكم العمد أم لا؟
أحدهما: أنه يضمن ديتهما إذا قيل إنه لا يجري على قصدهما للقتل حكم للعمد.
والثاني: لا يضمن ديتهما إذا قيل: إنه يجري على قصدهما للقتل حكم العمد.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو عرض له في طلبه سبع فأكله لم يضمن لأن الجاني غيره".
قال في الحاوي: وهذا صحيح يحتاج إلى تفصيل: فإذا اعترض الهارب المطلوب
سبع فافترسه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يلجئه الطالب إلى موضع السبع فيضمنه بالدية كما لو ألقاه عليه.
والضرب الثاني: أن لا يلجئه إليه وإنما هرب في صحراء وافق سبعًا معترضًا فيها فافترسه فلا ضمان على الطالب, سواء كان المطلوب بصيرًا أو ضريرًا, صغيرًا أو كبيرًا, لأنه غير مباشر ولا ملجئ, فإن قيل: فلو ألقاه في بحر فالتهمه الحوت ضمنه فهلا قلتم إذا اعترضه السبع ضمنه؟ قيل: لأنه بإلقائه في البحر مباشر فجاز أن يضمن ما حد بإلقائه, لأنه صار ملجئًا وفي الهرب منه غير مباشر فلم يضمن ما حد بالهرب إذا لم يقترن به إلجاء, ولو انخسف من تحت الهارب سقف فخر منه ميتًا ففي ضمان الطالب له وجهان:
أحدهما: لا يضمنه كالسبع إذا اعترضه؟
والوجه الثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني يضمنه لأنه ملجئ إلى ما لا يمكن الاحتراز منه.
فصل:
ولو رماه من شاهق فاستقبله آخر بسيفه من تحته فقده نصفين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الشاهق مما يجوز أن يسلم الواقع منه فضمانه على القاطع دون الملقى, لأن القاطع موج والملقى جارح.
والضرب الثاني: أن يكون الشاهق مما لا يجوز أن يسلم الواقع منه ففي ضمانه ثلاثة أوجه:
أحدهما: على الملقى ضمانة, لأنه قد صار بإلقائه كالموجئ فيضمنه بالقود لمباشرته.
والوجه الثاني: أن ضمانه بالقود أو الدية على القاطع دون الملقى, لأنه قد سبقه إلى مباشرة موجيه.
والوجه الثالث: أنهما يضمنانه جميعًا بالقود أو الدية, لأنهما قد صارا كالشريكين في توجيته, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويقال لسيد أم الولد إذا جنت أفدها بالأقل من قيمتها أو جنايتها ثم هكذا أو جنايتها ثم هكذا كلما جنت, قال المزني: هذا أولى بقوله من أحد قوليه وهو أن السيد إذا غرم قيمتها ثم جنت شرك المجني عليه الثاني المجني عليه الأول, قال
المزني: فهذا عندي ليس بشيء لأن المجني عليه الأول قد ملك الأرش بالجناية فكيف تجني أمه غيره وتكون بعض الغرم عليه".
قال في الحاوي: إذا جنت أم الولد وجب على سيدها أن يفديها وهو قول الجمهور, إلا أن أبا ثور وداود شذا عن الجماعة, وأوجبا أرش جنايتها في ذمتها تؤديه بعد عتقها, لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: 18] ولأنها إن جرت مجرى الإماء لم يلزم السيد الفداء, وإن جرت مجرى الأحرار فأولى أن لا يلزمه, فلما حرم بيعها صارت كالأحرار في تعلق الجناية بذمتها, وهذا خطأ, لأن من جرى عليه حكم الرق تعلقت جنايته برقبته, وأم الولد قد حرم بيعها بسبب من جهته فصار كمنعه من بيع عبده وأمته يصير بالمنع ضامنًا لجنايته, وكذلك المنع من بيع أم الولد, ولأنه قد صار مستهلكًا لثمنها بالإيلاء كما يصير مستهلكًا لثمن عبده بالقتل: ولو قتل عبده بعد جنايته ضمنها, كذلك إذا جنت أمته بعد إيلادها ضمن جنايتها وفي هذا انفصال.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من ضمان السيد لجنايتها فإن كانت عمدًا اقتص منها لتعلق القصاص ببدنها, وإن كانت خطأ أو عمدًا عفا عن القصاص فيه, فعلى السيد أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايته فإن كان أرش جنايتها أقل ضمن أرش الجناية, لأنه لا يستحق المجني عليه أكثر منها, وإن كان أرش جنايتها أكثر من قيمتها لم يضمن إلا قدر قيمتها, لأنه يمنع الإيلاد كالمستهلك لها فلا يلزمه أكثر من القيمة كما لو قتل عبده بعد جنايته لم يضمن إلا قدر قيمته, فإن قيل: أفليس لو منع من بيع عبده الجاني ضمن جميع الجناية في أحد القولين فهلا كان في أم الولد كذلك؟ قيل: لأنه في المنع من بيع العبد مفوت لرغبة راغب يجوز أن يشتريه بأكثر من قيمته لو مكن من بيعه فجاز أن يضمن جميع جنايته, وليس أم الولد بمثابته لعدم هذه الرغبة التي لا يجوز الإجابة إليها فافترقا.
فصل:
فإذا غرم في جنايتها أقل الأمرين ثم جنت بعده على آخر نظر فيما غرمه السيد للأول من أقل الأمرين, فإن كان هو أرش الجناية, لأن قيمتها ألف وأرش جنايتها خمسمائة لزم السيد أن يغرم للثاني أرش جنايته إذا كان بقدر الباقي من قيمتها, وهو أن يكون أرشها خمسمائة فما دون, وإن كان ما غرمه للأول من أقل الأمرين هو جميع قيمتها وهي ألف, فإذا جنت على الثاني ففيها قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: يضمنها كضمان الأول بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها ويعلم للأول ما أخذه من أرش الجناية عليه لأمرين:
أحدهما: أنها قد عادت بعد الفداء إلى معناها الأول فوجب أن يضمنها كضمانه
للأول, كما لو غرم قيمة عبده في جنايته للمنع من بيعه ثم جني ثانية فمنع من بيعه غرم قيمته ثانية.
والثاني: أن الأول قد ملك أرش جنايته والجاني على الثاني غيره فلم يلزمه أن يضمن جناية غيره, وليس بجان ولا من عاقلة الجاني فعلى هذا يضمنها السيد في كل جناية تجددت منها ولو كانت مائة جناية بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها.
والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة, أن السيد لا يلزمه ضمان الجناية الثانية ويرجع الثاني على الأول فيشاركه في القيمة, وإنما كان هكذا لأمرين:
أحدهما: أنه بالإيلاد مستهلك, والمستهلك لا يلزمه أكثر من قيمة واحدة.
والثاني: أنه لما لم يلزمه إذا تقدمت الجناية على الغرم أكثر من قيمتها كذلك لا يلزمه فيما حدث بعد غرمه أكثر من قيمتها وقد غرمها, وخالف المانع من بيع غيره, لأن أم الولد مستهلكة والممنوع من بيعه غير مستهلك ولا يمتنع أن يرجع الثاني على الأول, وإن لم يكنن جانبًا ولا عاقلة كما لو مات رجل في بئر تعدى حفرها ضمن في تركته فأتلف فيها بعد موته وإن لم يكن الورثة جناة ولا عاقلة, فلو كانت قيمة ما تلف فيها ألف وجميع التركة ألف فاستوعبها المجني عليه ثم تلف فيها ما قيمته ألف ثانية رجع الثاني على الأول فشاركه في الألف التي أخذها, وإن لم يكن جانبًا ولا عاقلة, كذلك في جناية أم الولد, فعلى هذا لو غرم قيمتها للأول وهي ألف ثم جنت ثانية بعد الأول لم يخل حال الجنايتين من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتساويا في أرشها, فيكون أرش الأولى ألفًا وأرش الثانية ألفًا, فيرجع الثاني على الأول بنصف الألف ويتساويان فيها لتساوي جنايتهما.
والقسم الثاني: أن تكون أرش الجناية الثانية أقل من أرش الجناية الأولى, لأن أرش الأولى ألفان وأرش الثانية ألف, فيرجع الثاني على الأول بثلث الألف, لأن أرشه ثلث الأرشين.
والقسم الثالث: أن يكون أرش الجناية الثانية أكثر من الجناية, لأن أرش الأولى ألف وارش الثانية ألفان, فيرجع على الأول بثلثي الألف, لأن أرشه ثلثا الأرشين لتكون القيمة في الأحوال الثلاث مقسطة على قدر الأروش, وهكذا لو وجبت على ثالث بعد اشتراك الأولين في القيمة رجع الثالث على كل واحد من الاثنين بقسط جنايته مما أخذه كل واحد من الأولين, ثم كذلك على رابع وخامس, وبالله التوفيق.
التقاء الفارسين والسفينتين
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا اصطدم الراكبان على أي دابة كانتا فماتا معًا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبة لأنه مات من صدمته وصدمة صاحبه كما لو جرح نفسه وجرحه صاحبه فمات وإن ماتت الدابتان ففي مال كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه".
قال في الحاوي: إذا اصطدم الفارسان فماتا وماتت دابتاهما وجب على كل واحد منهما نصف دية صاحبه ونصف قيمة دابته, ويكون النصف الثاني هدرًا, وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يجب على كل واحد جميع دية صاحبه وجميع قيمة دابته ولا يكون شيء منها هدرًا, وهو قول أبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن موت كل واحد منهما منسوب إلى فعل صاحبه فوجب أن يضمن جميع ديته, كما لو جلس إنسان في طريق ضيقة فعثر به سائر فوقع عليه فماتا جميعًا كان على عاقلة السائر جميع دية الجالس, وعلى عاقلة الجالس جميع دية السائر, ولا يكون شيء من ديتهما هدرًا, كذلك اصطدم الفارسين.
الثاني: أن حدوث التلف إذا كان بفعله ويفعل صاحبه سقط اعتبار فعله في تعيينه وكان جميعه مضافًا إلى فعل صاحبه وهو المأخوذ بجميع ديته, كما لو تعدى رجل بحفر بئر فسقط فيها سائر فمات ضمن الحافر جميع دية السائر وإن كان الوقوع فيها بحفر الحافر ومشي السائر, كذلك في اصطدام الفارسين, ودليلنا ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: "إذا اصطدم الفارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه", ولم يظهر له مخالف, فإن كان هذا منتشرُا فهو إجماع, وإن لم ينتشر فهو حجة عند أبي حنيفة وعلى قول الشافعي في القديم, ولأن موت كل واحد منهما كان بفعل اشتركا فيه, لأنه مات بصدمته وصدمة صاحبه فوجب أن يضمن ما اختص بفعله ولا يضمن ما اختص بفعل صاحبه, وعلى هذا شواهد الأصول كلها ألا ترى لو أن رجلًا جرح رجلًا ثم جرح المجروح نفسه ومات كان نصف ديته هدرًا, لأنها في مقابلة جراحته لنفسه ونصفها على جارحه؛ لأن التلف كان يجرح اشتراكًا فيه, وهكذا لو جذبا حجر منجنيق فعاد الحجر عليهما فقتلهما كان على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه ونصفها الباقي هدرًا لاشتراكهما في الفعل الذي كان به تلفهما, وهكذا لو اصطدم رجلان معهما إناءان له فانكسر الإناءان بصدمتهما ضمن كل واحد منهما نصف قيمة إناء صاحبه,
وكان نصفه الباقي هدرًا, وإذا كانت الأصول تشهد بصحة ما ذكرناه دل على صحته, وبطلان ما عداه.
فأما استدلالهم بالسائر إذا عثر بالجالس فماتا فإنما ضمن كل واحد منهما جميع دية صاحبه, لأنهما لم يشتركا في فعل التلف, لأن السائر تلف بعثرته بالجالس فضمن الجالس جميع ديته, والجالس تلف بوقوع السائر عليه, فضمن السائر جميع ديته وليس كذلك اصطدام الفارسين لاشتراكهما في فعل التلف.
وأما استدلالهم بالوقوع في البئر فالجواب عنه أن الحافر لها ملجئ للوقع فيها مسقط اعتبار فعل الملجأ وصار الجميع مضافًا إلى فعل الملجئ ففارق من هذا الوجه ما ذكرنا, كشاهدي الزور بالقتل يؤخذان به دون الحاكم لإلجائهما له إلى القتل.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا فلا فرق بين الراكبين أن يستويا في القوة أو يختلفا فيكون أحدهما كبيرًا والآخر صغير, أو يكون أحدهما صحيحًا والآخر مريضًا, ولا فرق في المركوبين بين أن يتماثلا أو يختلفا فيكون أحدهما على فرس والآخر على حمار, أو يكون أحدهما على فيل والآخر على كبش ولا فرق بين أن يكونا راكبين أو راجلين أو أحدهما راكبًا والآخر ماشيًا راجلًا, ولا فرق بين أن يصطدما مستقبلين أو مستدبرين أو أحدهما مستقبلًا والآخر مستدبرًا, ولا فرق بين أن يكونا بصيرين أو أعميين, أو يكون أحدهما بصيرًا, والآخر أعمى, وإن اختلفا في صفة الضمان دون أصله, لأن الأعمى خاطئ وقد يكون البصير عامدًا, ولا فرق بين أن يقعا مستلقيين على ظهورهما أو مكبوبين على وجهه فدية المستلقي كلها على المكبوب, ودية المكبوب هدر, لأن المكبوب دافع والمستلقي مدفوع, وهذا اعتبار فاسد, لأن الاستلقاء قد يحتمل أن يكون لتقدم الوقوع والانكباب لتأخر الوقوع, ويحتمل أن يكون الاستلقاء في الوقوع لشدة صدمته كما يرفع الحجر من الحائط لشدة رميته فلم يسلم ما اعتل به.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من صفة الاصطدام وحكمه, في ضمان النصف وسقوط النصف هدرًا فضمان الدابتين يستوي فيه العمد والخطأ, لأنه ضمن مال ويفترق في النفوس ضمان العمد والخطأ, وإذا كان كذلك صح في الاصطدام الخطأ المحض, وتكون الدية فيه على العاقلة مخففة, وصح فيه عمد الخطأ وتكون الدية فيه على العاقلة مغلطة, واختلف أصحابنا هل يصح فيه العمد المحض الموجب للقود؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: يصح فيه العمد المحض الموجب للقود, لأن الاصطدام قاتل, وتكون الدية فيه حالة في مال الصادم دون عاقلته.
والوجه الثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه لا يصح فيه العمد المحض, لأنه قد يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل, وتكون الدية فيه مغلظة على عاقلة الصادم.
صفة الخطأ المحض أن يكونا أعميين أو بصيرين مستديرين: وصفة عمد الخطأ أن يكونا بصيرين مستقبلين.
وصفة العمد المحض أن يكونا مستقبلين يقصدان القتل, فإن كان أحدهما مستقبلًا والآخر مستديرًا كان المستدير خاطئًا والمستقبل عامدًا, فإن قصد القتل فهو عمد محض, وإن لم يقصده فهو عمد الخطأ, وحكمة ما قد مضى.
فصل:
وإذا كان كذلك لم يخل حال الراكبين من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكونا حرين.
والثاني: أن يكونا مملوكين.
والثالث: أن يكون أحدهما حرًا والآخر مملوكًا.
فإن كانا بالغين عاقلين فلهما خمسة أحوال:
أحدها: أن يموت الراكبين والدابتان, فيكون في مال كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه, ولا تحملها العاقلة لاختصاص العاقلة بحمل ديات الآدميين دون البهائم فيتقاص المصطدمان بما لزم كل واحد منهما لصاحبه من قيمة نصف دابته, ويتراجعان فضلًا إن كان فيه, ويجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه مخففة إن كان خطأ محضً, ومغلظة إن كان عمدًا شبه الخطأ, ولا قصاص من العاقلتين فيما تحملاه من ديتهما إلا أن يكون عاقلتهما ورثتهما فيتقاصان ذلك؛ لأنه حق لهما وعليهما.
والحال الثانية: أن يموت الراكبان دون الدابتين, فيلزم عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه ولا يتقاضانها إلا أن تكون العاقلتان وارثي المصطدمتين.
والحال الثالثة: أن تموت الدابتان دون المصطدمين, فيلزم كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه في ماله ويتقاضانها.
والحال الرابعة: أن يموت أحدهما ودابته دون الآخر ودون دابته, فيضمن الحي نصف قيمة الدابة الميتة, وتضمن عاقلته نصف دية الميت.
والحال الخامسة: أن يموت أحدهما دون دابته وتموت دابة الآخر دونه فيكون نصف دية الميت على عاقلة الحي, ونصف قيمة دابة الحي في مال الميت, ولا يتقاضان قيمة الدابة من الدية, وإن كانت العاقلة وارثة, لأن الحي لا يورث, ويجيء فيها حال
سادسة وسابعة قد بان حكمها بما ذكرناه, فإن كانا صغيرين, وقد ماتا ودابتاهما فلهما ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يركبا بأنفسهما.
والثاني: أن يركبهما وليهما.
والثالث: أن يركبهما أجنبي لا ولاية له عليهما.
فإن ركبا بأنفسهما فحكمهما في الضمان كحكم البالغ, يضمن عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر, ويضمن في ماله نصف قيمة دابته, وإن أركبهما وليهما فالضمان في أموال الصغيرين وعلى عواقلهما دون الوليين, لأن للولي أن يقوم في تأديب الصغيرين بالارتياض للركوب ولا يكون به متعديًا فإنه أركبهما أجنبي لا ولاية له عليهما ضمن مركب كل واحد منهما نصف دية من أركبه ونصف دية الآخر ونصف قيمة دابته ونصف قيمة دابة الآخر, ولا يسقط شيء من دية أحدهما ولا من قيمة دابته, لأنه قد تعدى بإركابه فضمن جنايته وضمن الجناية عليه.
وإن كان أحدهما صغيرًا والآخر كبيرًا كان ما اختص بالصغير مضمونًا على ما ذكرناه إذا كانا صغيرين, وما اختص بالكبير مضمونًا على ما ذكرناه إذا كان كبيرين, وهكذا لو كان المصطدمان امرأتين حاملتين فألقت كل واحدة منهما جنينًا ميتًا لم ينهدر شي من دية الجنين, وكان على عاقلة كل واحدة منهما نصف دية جنينها, ونص دية جنين صاحبتها, لأن جنينها تلف بصدمتها وصدمة الأخرى, وجنينها مضمون عليها بالجناية لو انفردت باستهلاكه, فكذلك تضمنه إذا شاركت فيه غيرها, ولا قصاص ها هنا في الديتين بحال وإن كانا ورثة الجنين, لأن من وجبت له غير من وجبت عليه.
فصل:
وإن كان المصطدمان عبدين فماتا صار دمهما هدرًا, وسقطت قيمة كل واحد منهما, لأن كل واحد منهما سقطت نصف قيمته بصدمته ووجب نصفها في رقبة الآخر لصدمته, وسواء ماتا معًا, أو مات أحدهما بعد الآخر إذا لم يمكن بيع المتأخر منهما قبل موته, وإن كان أحد المصطدمين حرًا, والآخر عبدًا لم ينهدر من دم كل واحد منهما إلا النصف المختص بفعله, لأن العبد إذا مات وجب على الحر نصف قيمته, فانتقل العبد بعد موته إلى نصف قيمته فلم يبطل محل جنايته فوجب فيه نصف دية الحر, وأن تكون نصف قيمة العبد على قولين:
أحدهما: في مال الجاني:
والثاني: على عاقلته.
فإن قيل: إن نصف قيمة العبد في مال الجاني لا تتحمله عاقلته فقد وجب في مال
الحر نصف قيمة العبد، ووجب نصف دية الحر في المستحق من نصف قيمة العبد فصار من وجب عليه نصف القيمة هو الذي وجبه له نصف الدية فيكون ذلك قصاصا، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يتساوى نصف قيمة العبد ونصف دية الحر فيقع الوفاء بالقصاص.
والثاني: أن يكون نصف قيمة العبد أكثر من نصف دية الحر، فيرجع سيد العبد في تركة الحر بالفاضل من نصف قيمة عبده.
والثالث: أن يكون نصف دية الحر أكثر من نصف قيمة العبد، فيكون الفاضل من نصف الدية هدرا لبطلان محله.
وإن قيل: إن نصف قيمة العبد على عاقلة الحر فإن كان عاقلة الحر هم ورثته فقد وجب عليهم نصف قيمة العبد ووجب لهم نصف دية الحر، فيكون ذلك قصاصا، فإن فضل للسيد من نصف قيمة العبد فضل أخذه من العاقلة، وإن فضل من نصف الدية فضل كان هدرا، وإن لم يكن العاقلة ورثة الحر وكان ورثة غيرهم وجب على العاقلة لسيد العبد نصف قيمته، ووجب لورثة الحر في المستوفي من قيمة العبد نصف ديته، ولا يكون قصاصا، لأن من وجب له غير من وجب عليه، فإن استوي نصف قيمة العبد ونصف دية الحر ففي كيفية القبض والأداء وجهان محتملان:
أحدهما: يستوفي سيد العبد عن عاقلة الحر نصف القيمة ويؤديه إلى ورثة الحر في نصف الدية ليقبضها بحق ملكه ويدفعها بحق التزامه.
والوجه الثاني: أن ينتقل الحق إلى ورثة الحر، وليس لسيد العبد أن يقبضه، لأنه مستحق، وربما تلف بين قبضه وإقباضه فتلف على مستحقه، فصار ما استحقه السيد من نصف القيمة متنقلا إلى ورثة الحر بما استحقوه من نصف الدية وإن كان نصف قيمة العبد أكثر من نصف الدية أخذ سيده الفاضل من نصف قيمته بعد أن يستوفي ورثة الحر نصف ديته، وإن كان نصف الدية أكثر من نصف قيمة العبد كان الفاضل ونصف الدية هدرا، وبالله التوفيق.
فصل:
إذا جذب رجلان ثوبا بينهما فتخرق، فإن كان الثوب لهما فعلى كل واحد منهما لصاحبه ربع أرش خرقه، لأنه يملك نصف الثوب، وخرقه بفعله وفعل شريكه مسقطا ما قابل فعل شريكه فيتقاضان ذلك، لأن كل واحد منهما يجب عليه مثا ما يجب له، وإن كان الثوب لأحدهما كان نصف أرشه هدرا، لأنه مقابل لفعل مالكه، ونصف الأرش على الذي لا ملك له فيه، وإن كان الثوب لغيرهما كان على كل واحد منهما نصف أرشه لمالكه.
فصل:
وإذا اصطدم رجلان بإناءين فيهما طعام فانكسر الإناءان واختلط الطعامان ضمن كل واحد منهما لصاحبه نصف قيمة إناثه، وكان نصفه الباقي هدرا، وأما الطعامان فضربان:
أحدهما: أن يكون تمييز أحدهما عن الآخر بعد اختلاط كالسويق والسكر الصحيح، فيميز كل واحد منهما طعامه من طعام صاحبه، فإن احتاج تمييزهما إلى أجرة صانع كانت بينهما، فإن كان لتمييزهما بعد اختلاطهما نقصان في قيمتهما رجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف أرش بنقصان طعامه.
والضرب الثاني: أن لا يمكن تمييزهما بعد اختلاطهما كالسويق والعسل، فيقوم كل واحد من الطعامين على انفراده، ثم يقومان بعد الاختلاط فإن لم يكن فيهما نقصان فلا غرم وصارا شريكين فيه بتقدير الثمنين، كأن قيمة السويق خمسة دراهم وقيمة العسل عشرة دراهم فيكون صاحب الويق شركيا فيه بالثلث، وصاحب العسل شريكا فيه بالثلثين فإن باعاه اقتسما ثمنه على قدر شركتهما، وإن أراد قيمة بينهما جبرا لم يجز، لأن كل واحد منهما معاوض عن سويق بعسل، وذلك بيع لا يدخله الإجبار وإن أراد قسمة عن تراض ففي جوازه قولان:
أحدهما: يجوز إذا قيل: إن القسمة بيع بدخول التفاضل فيه، وإن نقض باختلاطهما ضمن كل واحد منهما لصاحبه نصف أرش الناقض من طعامه وتضاقا، ثم كانا في الشركة على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وكذلك لو رموا بالمنجنيق معا فرجع الحجر عليهم فقتل أحدهم فترفع حصته من جنايته ويغرم عاقلة الباقين باقي ديته)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا جذب جماعة حجر منجنيق فأصابوا به رجلا فقتلوه فهو على ضربين:
أحدهما: أن يقتلوا به رجلا من غيرهم، فضمان نفسه على جميعهم وبهم في إصابته ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يقصدوا بحجز المنجنيق هدم جدار فيعترضه فيصيبه فهذا خطأ محض، تجب الدية على عواقلهم مخففة بينهم بالسوية، فإذا كانوا عشرة تحمل عاقلة كل واحد منهم عشر ديته.
والحال الثانية: أن يقصدوا قتله بعينه فينفقوا على اعتماده، فهؤلاء عمد على جميعهم القود.
فإن قال بعضهم: عمدت، وقال بعضهم: لم أعمد اقتص من العامد، ولزم من أنكر العمد دية الخطأ في ماله بعد إحلافه، ولا تتحملها العاقلة عنه لأنه اعتراف إلا أن يصدقوه فيتحملوا عنه.
والحال الثالثة: أن يقصدوا بحجز المنجنيق رمى جماعة ليقتلوا به أحدهم لا بعينه فهذه هي القتلة العمياء تكون عمد الخطأ، لأنهم عمدوا الفعل فأخطؤوا في تعيين النفس فلا قود فيه، وتجب الدية على عواقلهم مغلظة.
روى عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل في عمياء رميا بحجر أو ضربا بعصا فعليه عقل الخطأ، ومن قتل اعتباطا فهو قود لا يحال بينه وبين قاتله فمن حال بينهما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)).
فالعمياء أن يرمي جماعة فيصيب أحدهم لا يعينه والاعتباط: أن يرمي أحدهم بعينه، فإذا ثبت أن ديته على عواقل الجماعة فإنما يجب على عاقلة من جذب في الرمي دون من وضع الحجر في ككفة المنجنيق، ودون من يصيب المنجنيق، لأن وقوع الحجر كان من الحذب، فاقتضى أن تجب الدية على من تولاه، ووضع الحجر يجري مجرى وضع السهم من وتر القوس، فإذا تولى الرمي غيره كان الضمان على الرامي دون واضع السهم، وناصب المنجنيق يجري مجرى صانع القوس، وأجراه بعض أصحابنا مجرى الممسك مع الذابح وبأنه أجرى فلا ضمان عليه.
فصل:
والضرب الثاني: أن يعود حجر المنجنيق على جاذبية فيقتل أحدهم وهي مسألة الكتاب، فيكون قتله بجذبه وجذب الجماعة، فإذا كانوا عشرة سقط من ديته عشرها، لأنه في مقابة جذبه، ووجب تسعة أعشارها على عواقل التسعة الباقين، تتحمل عاقلة كل واحد منهم عشرها ولو عاد جدر المنجنيق على اثنين من عشرة فقتلهما سقط من دية واحد منهم عشرها المقابل لجذبه، ووجب لكل واحد منهما على عاقلة الآخر عشر ديته، لأنه أحد قتلته، وواجب لكل واحد منهما على عاقلة كل واحد من الثمانية الباقين عشر ديته، فيتحمل كل واحد من الثمانية عشري في ديتين، لأنه قاتل الاثنين، ويتحمل كل واحد من القاتلين عشر دية واحدة، لأنه قاتل لواحد وعلى هذا القياس لو قتل ثلاثة فأكثر، فإن عاد الحجر على جميع العشرة فقتلهم سقط العشر من دية كل واحد منهم لمقابلتها بجذبه، فوجب على عاقلة كل واحد منهم تسعة أعشار تسع ديات، لوارث كل قتيل منهما تسع.
وهكذا لو جذب جماعة حائطا أو نخلة فتلف أحدهم أو جميعهم كان كوقوع حجر المنجنيق على أحدهم أو على جميعهم في أن يسقط من دية كل واحد منهم ما قابل فعله،
ويجب على الباقين باقي ديته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا كان أحدهما واقفا فصدمه الآخر فماتا فالصدام هدر ودية صاحبه على عاقلة الصادم))
قال في الحاوي: لأن الصادم تفرد بالجناية على نفسه وعلى الواقف المصدوم وسواء كان الوقوف في ملك الواقف أو في غير ملكه أو في طريق سابل، لأن من وقف في غير ملكه لا يستوجب القتل، فأما إذا كان أحدهما جالسا أو نائما في طريق سابل فعثر به الآخر فماتا معاً فدية الجالس على عاقلة العاثر، وأما دية العاثر فقد قال في القديم: إنها على عاقلة الجالس أو النائم.
وقال في الجديد: دية العاثر هدر، فاختلف أصحابنا فخرجه بعضهم على قولين:
أحدهما: وهو في القديم أن دية العاثر على عاقلة الجالس كلها، ودية الجالس على عاقلة العاثر كلها، لأن كل واحد منهما مات بفعل انفرد به الآخر، ولم يقع فيه اشتراك، فالجالس مات لسقوط العاثر، والعاثر مات بجلوس الجالس، ويكون الفرق بين الجالس والقائم أن القيام في الطرقات لا يستغنى عنه، ولا يجد الناس بدا منه، وخالف الجلوس والنوم فيها، لأن مواضع النوم والجلوس في غير المسالك المطروقة.
والقول الثاني: وهو الجديد: أن حكم الواقف والجالس واحد، وأن دية العاثر هدر ودية الجالس على عاقلة العاثر، لأن عرف الناس جار بجلوسهم في الطرقات كما تقعون فيه.
وقال آخرون من أصحابنا: ليس اختلاف نصه في القديم والجديد على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فالقديم الذي أوجب فيه دية العاثر على الجالس إذا جلس في طريق ضيقة يؤذي بجلوسه المارة، ولو كان بدل جلوسه فيه قائماً وقيامه مضر بالمارة كان في حكم الجالس، فيضمن دية العاثر، والجديد الذي أسقط فيه دية العاثر إذا كان الجالس قد جلس في طريق واسعة لا يضر جلوسه؛ لأن الناس لا يجدون من الجلوس في الطرقات الواسعة بداً، وكذلك لو كان نائماً لأن محل النوم والجلوس يتقاربان، وإذا انهدرت دية العاثر بالنائم والجالس كان أولى أن ينهدر بالواقف.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا اصطدمت السفينتان وتكسرتا أو إحداهما فمات من فيهما فلا يجوز فيها إلا واحد من قولين أحدهما أن يضمن القائم بهما في تلك الحال نصف كل ما أصابت سفينته لغيره أو لا يضمن بحال إلا أن يقدر على
تصريفها بنفسه وبمن يطيعه فأما إذا غلبته بريح أو موج وإذا ضمن غير النفوس في ماله ضمنت النفوس عاقلته إلا أن يكون عبدا فيكون ذلك في عنقه.
قال المزني -رحمه الله- وقد قال في كتابه الإجارات لا ضمان إلا أن يمكن صرفها)).
قال في الحاوي: وصورتها في سفينتين سائرتين اصطدمتا فتكسرتا وغرقتا، وهلك من فيها من الناس، وتلف ما فيها من الأموال، فلهما حالتان:
إحداهما: أن يكون منهما تفريط.
والثاني: أن لا يكون منهما تفريط.
فإن كان ملاح كل واحدة من السفينتين المدبر لسيرها مفرطاً وتفريطاً قد يكون من وجوه منها: أن يقصر في آلتها، أو يقلل من أجزائها، أو يزيد في حملها، أو يسيرها في شدة ريح لا يسار في مثلها، أو يغفل عنها في وقت ضبطها فهذا كله وما شاكله تفريط يجب به الضمان، وإذا وجب الضمان بالتفريط تعلق بفصلين: أحدهما: بالنفوس.
والثاني: بالأموال.
فأما النفوس فإن عمد الملاحان للصدم والتغريق لنزاع أو شحناء فهما قاتلان عمداً لمن في السفينتين من النفوس، فيجب على كل واحد منهما القود لمن في سفينته وسفينة صاحبه، فيقتل أحدهم بالقرعة، ويؤخذ في ماله نصف ديات الباقين، ويؤخذ النصف الآخر من مال الملاح الآخر.
وإن لم يعمد الاصطدام فلا قود على عاقلة كل واحد منهما نصف ديات ركاب سفينته وركاب السفينة الأخرى، فتكون دية كل واحد من ركاب السفينتين على عاقلة كل واحد من الملاحين، لأن الجناية منهما، إلا أن يكون الملاحان عبدين فيكون الديات من رقبتهما، فإن هلك الملاحان مع الركاب وكانا عبدينن كانت نفوس الركاب هدراُ، لتلف محل جنايتهما، وإن كانا حرينن تحملت عاقلة كل واحد منهما نصف دية كل واحد من الركاب فتكون عاقلة هذا نصف الدية، وعلى عاقلة الآخر نصفها الآخر، ويتحمل عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر، ويكون نصفها الباقي هدراُ لأنه في مقابة جناية نفسه.
وأما الأموال فلا يخلو إما أن تكون لهما أو لغيرهما.
فإن كانت لغيرهما ضمن كل واحد من الملاحين في ماله نصف قيمة المتاع الذي في سفينته، ونصف قيمة المتاع الذي في سفينة الآخر، وضمن الملاح الآخر لنصف الآخر.
وإن كان المتاع لهما ضمن كل واحد منهما نصف قيمة متاع صاحبه لجنايته على مال غيره، وكان النص الباقي هدراً، لأنه من جنايته على مال نفسه.
وأما السفينتين فإن كانتا لغيرهما ضمن كل واحد منهما نصف قيمة سفينته وسفينة صاحبه، وإن كانتا لهما ضمن كل واحد منهما نصف سفينة صاحبه وكان نصف سفينته هدرا كما قلنا في الأموال.
فصل:
وإن كان الملاحان غير مفرطين لقيام كل واحد منهما بما يحتاج إليه من آلة وأعوان وحمل سفينة ما تقله وتسيرها في وقت العادة فهاجت ريح عاصفة لم يقدروا معها على ضبط السفينتين حتى غرقنا وما فيهما من النفوس والأموال، ففي وجوب الضمان قولان نص عليهما فيما نقله المزني في هذا الموضع.
أحدهما: عليه الضمان ونص عليه في "الإملاء".
والقول الثاني: لا ضمان، ونص عليه في الإجارات، فإذا قيل: بوجوب الضمان فدليله أنه لما كان اصطدام الفارسين موجبا للضمان وإن عجزا من ضبط الفرسين وجب أن يضمنه الملاحان وإن عجزا ضبط السفينتين، فعلى هذا يكون ضمان النفوس والأموال على ما مضى من التفريط إلا في القود بأنه لا يجب بخروجه عن حكم الغير، ويكون ديات النفوس مخففة على العاقلة؛ لأنه خطأ محض.
وإذا قيل: بسقوط الضمان فدليله أن ما خرج عن التعدي والتفريط في الأمانات لم يضمن بالحوادث الطارقة كالودائع، ولأن التلف لو كان بصاعقة لم يضمن كذلك بالريح العارضة، وخالف اصطدام الفارسين لأن عنان الدابة بيد راكبها تتصرف على اختياره، فإذا قهرته فلتفريطه في آلة ضبطها والريح العارضة لا يقدر على دفعها ولا يجد سبيلا إلى ضبطها فافترقا، فعلى هذا تكون النفوس هدرا.
فأما السفن فإذا كانت ملكا أو مستأجرة لم يضمن، وإن كانت مستعارة ضمن كل واحد منهما من الملاحين جميع قيمة سفينته التي استعارها، لأن العارية مضمونة في الأصل بعدوان وغير عدوان.
وأما الأموال فإن كان معها أربابها لم يضمنها الملاحان، وإن لم يكن معها أربابها لم يضمن إن كان منفردا كالأجير المنفرد، وفي ضمانه إن كان مشتركا قولان كالأجير المشترك.
أحدهما: يضمن إذا قيل إن الأجير المشترك ضامن.
والثاني: لا يضمن إذا قيل إن الأجير المشترك ليس بضامن، فإن كان أحد الملاحين منفردا والآخر مشتركا، فلا ضمان على المنفرد، وفي ضمان المشترك قولان، ولو فرط أحد الملاحين ولم يفرط الآخر كان المفرد ضامنا وفي ضمان من لم يفرط قولان، فإن غرقت إحدى السفينتين ولم تغرق الأخرى كان الحكم في ضمان التي غرقت كالحكم في ضمانها لو غرقا معا، وإذا كان في السفينة مالكها وملاحها فإن كان مالكلها هو المراعي لها والمدبر لسيرها كان الضمان إن وجب على المالك دون الملاح، وإن كان الملاح هو المدبر لسيرها دون المالك فالضمان واجب على الملاح دون المالك.
فلو اختلف في التفريط الملاح والركاب فادعاء الركاب وأنكره الملاح فالقول فيه قول الملاح مع يمينه، لأنه على أصل الأمانة إلا أن يجب عليه الضمان مع عدم التفريط فلا
يكون لهذا الاختلاف تأثير إلا فيما وقع الفرق في صفة ضمانه بين التفريط وغيره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا صدمت سفينته من غير أن يعهد بها الصدم لم يضمن شيئا مما في سفينته بحال لأن الذين دخلوا غير متعدى عليهم ولا على أموالهم)).
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنها مصورة في اصطدام السفينتين السائرتين إذا لم يكن منهما تفريط فلا ضمان على واحد منهما في أصح القولين، ويكون هذا بقية المسألة الماضية، وهذا تأويل أبي علي بن أبي هريرة وطائفة.
والوجه الثاني: أنها مصورة في سفينة مرساة إلى شاطئ نهر أو ساحل بحر قد أحكمت ربطها وألقيت أناجرها فعصفت ريح قطعت ربطها وقلعت أناجرها حتى هلكت ومن فيها فلا ضمان ها هنا على ملاحها قولا واحدا؛ لأنه لا فعل له فيها عند غرقها، وخالف حال السائرة التي هي مديرة بفعله، وربما خفي فيه وجه تقصيره حكاه أبو القاسم الصميري.
والوجه الثالث: أنها مصورة في سفينة مرساة إلى الشط محكمة الربط.
وأخرى سائرة عصفت بها الريح فألقتها على الواقفة حتى غرقتها فلا ضمان على صاحب الواقفة، وفي وجوب الضمان على صاحب السائرة إن لم يفرط قولان حكاهما أبو حامد الإسفرابيني.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا عرض لهم ما يخافون به التلف عليهما وعلى من فيها فألقى أحدهم بعض ما فيها رجاء أن تخف فتسلم فإن كان ماله فلا شيء على غيره وكذلك لو قالوا له ألق متاعك فإن كان لغيره ضمن)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا خاف ركبان السفينة من غرقها لثقل ما فيها وعصوف الريح بها فألقى رجل بعض متاعها لتخف فتسلم فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يلقي متاع نفسه.
والثاني: أن يلقي متاع غيره.
فإن ألقى متاع غيره كان متعديا بإلقائه سواء كان الملقي صاحب السفينة أو غيره، وعليه ضمانه، سواء نجت السفينة أو هلكت، منعه المالك من إلقائه أو لم يمنعه، لأن
إمساكه عن منعه لا يبرئه من ضمانه، كما لو قتل له قتيلا أو قطع منه عضوا، ولا يجب على ركبان السفينة من ضمانه شيء، وإن كان سببا لسلامتهم، فلو كانوا قد أمروه بإلقائه لم يضمنوا، لأن الملقي لا يستبيح الإلقاء بأمرهم، فصار وجود أمرهم وعدمه سواء.
فإن قيل: فهلا سقط ضمان هذا المال لما في استهلاكه من خلاص النفوس كالفحل إذا صال فقتل لم يضمن.
قيل: لأن خوف الفحل لمعنى فيه سقط ضمانه، وخوف الغرق لمعنى في غير المالك فلزم ضمانه، كما لو اضطر إلى أكل طعام غيره ضمنه، فإن ألقى متاع نفسه فعلى ضربين:
أحدهما: بأمرهم.
والثاني: بغير أمرهم كان محتسبا في إلقائه لما يرجى من نجاته ونجاتهم وليس له الرجوع بقيمته على أحد منهم، وإن كان ألقاه سبباً لنجاتهم لأنه تطوع بإلقائه، وإن ألقاه بأمرهم فعلى ضربين:
أحدهما: أن يضمنوا له قيمته.
والثاني: أن لا يضمنوها.
فإن لم يضمنوها بل قالوا: ألق متاعك فألقاه فلا غرم لهم عليهم وإن أمروه به، وحكي عن مالك أن عليهم ضمانه وغرمه لأن الآمر كالفاعل، ولما في ذلك من عموم الصالح وهذا فاسد لأمرين:
أحدهما: أنهم لو أمروه باستهلاكه في غير البحر لم يضمنوه فكذلك في البحر.
والثاني: أنهم لو أمروه بعتق عبده أو بطلاق زوجته لم يضمنوا كذلك بإلقاء ماله وإن ضمنوه له فقالوا له: ألق متاعك وعلينا ضمانه فألقاه لزمهم ضمانه، وهو قول الجمهور، وقال أبو ثور: لا يلزمنهم ضمانه، لأن ضمان ما لم يجب، كما لو قال له: قد ضمنت لك ما تداين به فلانا لم يلزمه ضمان ما داينه به، لتقدم ضمانه على الوجوب، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن أحكام الضرورات وعموم المصالح أوسع من أحكام العقود الخاصة في الاختيار.
والثاني: أنه لو قال له: أعتق عبدك عني وعلى ضمانه لزمه الضمان لعتقه كذلك في مسألتنا فأما ضمان ما لم يجب فقد اختلف أصحابنا فيه هاهنا على وجهين:
أحدهما: أنه ليس بضمان، وإنما هو استدعاء للاستهلاك بشرط الغرم، لأن الضمان ما كان الضامن فيه فرعا للمضمون عنه وهنا غير موجود هاهنا.
والوجه الثاني: أنه ضمان المتاع بعد إلقائه لا يصح فصح ضمانه قبل إلقائه وضمان المداينة بعد استحقاقها يصح فلا يصح ضمانها قبل الاستحقاق، ويشهد له من الأصول
أن بيع الثمر لما صح بعد خلقها لم يجز بيعها قبل خلقها، ومنافع الدار المستأجرة لما لم تصح المعاوضة عليها بعد حدوثها صح قبل حدوثها، كذلك ما ذكرناه من الضمان.
فأما إذا قال له وقد أمنوا الغرق: ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه فألقاه ففي لزوم هذا الضمان وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني: لا يلزمه لعدم الضرورة وارتفاع الأغراض الصحيحة.
والوجه الثاني: يلزمه ضمان بشرط الضمان عند الاستهلاك والأول أشبه والثاني أقيس.
فأما أخذ الرهن من هذا الضمان فلا يصح لأمرين:
أحدهما: لعقده قبل وجوب الحق.
والثاني: للجهل بمقدار القيمة وأجازه بعض أصحابنا كالضمان وليس بصحيح، لأن حكم الضمان أوسع من حكم الرهان، لأن ضمان الدرك يجوز أخذ الرهان عليه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قال لصاحبه ألقه على أن أضمنه أنا وركبان السفينة ضمنه دونهم إلا أن يتطوعوا.
قال المزني: هذا عندي غلط غير مشكل وقياس معناه أن يكون عليه بحصته فلا يلزمه ما لم يضمن ولا يضمن أصحابه ما أراد أن يضمنهم إياه)).
قال في الحاوي: وصورتها أن يلقي متاعه في البحر بشرط الضمان، فلا يخلو أن يضمنه جميعهم أو أحدهم، فإن ضمنوه جميعا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يشتركوا فيه فيقولوا: ألقه وعلينا ضمانه، فيكون الضمان مقسطا بين جميعهم على أعدادهم، فإن كانوا عشرة ضمن كل واحد منهم عشر قيمته.
والضرب الثاني: أن ينفردوا فيه فيقولوا: ألقه وعلى كل واحد منا ضمانه، فيلزم كل واحد منهم ضمان جميع قيمته، وإن ضمنه أحدهم لم يخل من أن يضمنه عن نفسه أو عن جماعتهم، فإن ضمنه عن نفسه اختص بضمانه وغرمه، وإن عاد نفعه على جميعهم، وإن ضمنه عنه وعنهم لم يخل أن يكون بأمرهم أو غير أمرهم، فإن كان بأمرهم كان ضمانه عنه وعنهم لازما لجميعهم، وإن كان على وجه الاشتراك كان متقسطا على أعدادهم، وإن كان على وجه الإنفراد لزم جميع الضمان لكل واحد منهم، وإن ضمن عنه وعنهم بغير أمرهم لم يلزمهم ضمانه عنهم، لأن الضمان لا يلزم إلا بقول أو فعل ولم يوجد منهم أحدهما، وأما الضامن فيلزمه ضمان نفسه، وقدر ما يلزمه
من الضمان معتبر بلفظه وله فيه ثلاثة أحوال:
أحدها: أن بعبر عنه بلفظ الانفراد فيقول: ألقه وعلى كل واحد منا ضمانه فعليه ضمان جميعه بلفظه وله فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يعبر عنه.
والحال الثانية: أن يعبر عنه بلفظ الاشتراك فيقول: ألقه وعلى جماعتنا ضمانه، فعليه من الضمان بقسطه من عددهم.
والحال الثالثة: أن يعبر عنه بلفظ مطلق فيقول: ألقه على أن أضمنه أنا وركبان السفينة، فهي مسألة الكتاب قال الشافعي: ((ضمنه دونهم)) فاختلف أصحابنا في مطلق هذا الضمان هل يقتضي حمله على الانفراد أو الاشتراك؟ على وجهين:
أحدهما: أن يكون محمولا على الاشتراك فلا يلزمه منه إلا بحصته ويكون تأويل قول الشافعي ضمنه دونهم محمولا على أصل الضمان دون قدره ويكون المزني موافقا للشافعي في حكم الضمان ومخطئا عليه في تأويل كلامه.
والوجه الثاني: أنه محمول على ضمان الانفراد، ويلزمه ضمان جميع القيمة ويكون قول الشافعي ((ضمنه دونهم)) محمولا على ضمانه جميعه ويكون المزني مخالفا للشافعي في الحكم مصيبا في تأويل كلامه، ووجدت لبعض أصحابنا وجها ثالثا أنه أن كان عند ضمانه عنه وعنهم ضمن أن يستخلص ذلك من أموالهم لزمه ضمان جميعه، وإن لم يضمن استخلاصه من أموالهم لم يضمن إلا قدر حصته، وأشار إلى هذا الوجه أبو حامد الإسفراييني، واستشهد عليه بقول الشافعي في الخلع: ولو قال: اخلع زوجتك على ألف أصححها لك من مالك لزمه ضمانها، ولو قال: على ألف في مالها لم يلزمه ضمانها.
فصل:
ولو ابتدأ صاحب المتاع فقال لركبان السفينة: ألقي متاعي على كل واحد منكم ضمانه.
فقالوا جميعهم: نعم، أو قالوا: افعل فهما سواء، وعلى كل واحد منهم ضمان جميع قيمته.
ولو قال أحدهم: نعم أو افعل أو أمسك الباقون لزمه الضمان دونهم، ولو كان صاحب المتاع قال لهم: ألقي متاعي وعليكم ضمانه.
فقالوا جميعا: نعم لزم كل واحد من الضمان بقدر حصته، لأن هذا ضمان اشتراك والأول ضمان انفراد، ولو أجابه أحدهم ضمن وحده قدر حصته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو خرق السفينة فغرق أهلها ضمن ما فيها وضمن ديات ركبانها عاقلته وسواء من خرق ذلك منها)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وله إذا خرقها ثلاثة أحوال يستوي ضمان الأحوال في جميعها ويختلف فيها ضمان النفوس:
أحدها: أن يكون خرقة لها عمدًا محضًا.
والثاني: أن يكون خطأ محضًا.
والثالث: أن يكون عمد الخطأ، فإن كان عمد الخطأ فهو أن يعمد خرقها وفتحها لغير إصلاح لها ولا لسد موضع فيها، فلا يخلو حال الخرق من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون واسعًا لا يجوز أن تسلم السفينة من مثله فهذا قاتل عمدًا، وعليه القود إن سلم منها، وإن غرق معها ففي ماله ديات من غرق فيها مع قيمة الأموال التالفة فيها.
والقسم الثاني: أن يكون الخرق مما يجوز أن تسلم السفينة مع مثله ويجوز أن تغرق منه فهذا عمد الخطأ لعمده في الفعل وخطئه في القصد، فتكون ديات النفوس مغلظة على عاقلته وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، ولا قود عليه.
والقسم الثالث: أن يكون الخرق مما لا يغرق من مثله فيتسع ويغرق فهذا خطأ محض، تكون ديات النفوس مخففة على عاقلته، وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، فهذا حكم خرقه إذا كان عامدًا في فعله.
وأما الحالة الثانية: وهو أن يكون الخرق من خطأ محضًا، فهو أن يسقط من يده حجر فيفتحها فيغرق، فتكون ديات النفوس مخففة على عاقلته، وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، يستوي فيه الحكم على اختلاف حال الخرق في صغره وكبره.
وأما الحالة الثالثة: وهو أن يكون الخرق منه عمد الخطأ فهو أن يعمد فتحها لعمل عيب فيها فتغرق، أو يدق فيها مسمار فينشق اللوح وتغرق فتكون ديات النفوس مغلظة على عاقلته، وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، ولو دق جانبًا منها لعمل فانفتح الجانب الآخر لم يكن عن قصده.
فصل:
وإذا دفع الرجل ولده إلى سابح ليعلمه السباحة فغرق فللولد حالتان:
إحداهما: أن يكون صغيرًا غير بالغ، فتجب ديته على عاقلة السابح مغلظة كالمعلم إذا ضرب صبيًا فمات، لأن له أن يحطه في الماء على شرط السلامة فإذا أفضى إلى التلف كان منسوبًا إلى تقصيره فضمن، كما يكون للمعلم ضرب الصبي للتأديب على شرط السلامة فإذا أفضى إلى التلف صار منسوبًا إلى التعدي فضمن.
والحالة الثانية: أن يكون الولد بالغًا فلا ضمان على السابح، لأن حفظه في الماء إذا كان بالغًا وتجنبه فيه من الغرق متوجه إليه لا إلى السابح فصار التفريط منه لا من غيره فلم يضمن ديته.