أحدهما: أن يكون قد غشي جميع الناظر، وهو رقيق فصار مبصرًا أقل من بصره قبل البياض، فيعتذر من هذا معرفة منه بالبياض إلا أن يكون قد عرف مدى بصره قبل البياض فيعرف ما بقى منه بعده أو يكون ذلك في إحدى عينيه وقد اعتبر ذلك بالعين الصحيحة فيلزمه من الدية بقسطه، وإن لم يعرف ففيه حكومة.
والضرب الثاني: أن يكون البياض قد غشي بعض الناظر فلا يبصر بما غشاه ويبصر بما عداه فيلزم الجاني عليها إذا ذهب بصرها ما كان باقيًا منها من نصف أو ثلث أو ربع إذا عرف ذلك، وخير من أهل العلم بالبصر.
فصل:
وإذا ضرب عينه فأشخصها لم يخل حالها بعد الشخوص من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون بصرها باقيًا بحاله فيلزمه في إشخاصها حكومة يتقدر بقبح الأشخاص، ولا قصاص فيه لتعذره، ولا شيء عليه في البصر لبقائه.
والقسم الثاني: أن يذهب بصرها، فيلزمه جميع ديتها، ويجوز أن يقتص منه في ذهاب البصر دون الأشخاص، لأن القود فيه غير ممكن.
والقسم الثالث: أن يذهب بعض بصرها فيلزمه أكثر الأمرين من دية الذاهب من بصرها أو حكومة إشخاصها، ولا يجمع عليه بينهما، لاجتماع محلهما ويكون أقلهما داخلًا في الأكثر، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال: جنيت عليه وهو ذاهب البصر فعلى المجني عليه البينة أنه كان يبصر".
وقال الحاوي: قد مضت هذه المسألة، وذكرنا حكم الأعضاء الظاهرة إذا اختلف الجاني والمجني عليه في سلامتها وعطبها، والعين من جملة الأعضاء الظاهرة، فإذا فقأ رجل عين رجل واختلف الفاقئ والمفقوء.
فقال الفاقئ: فقأتها وبصرها ذاهب.
وقال المفقوء: بل كان سليمًا، فلا يخلو حال الفاقئ من أن يعترف له بتقدم السلامة أو لا يعترف، فإن لم يعترف له بها، وقال: خلقت ذاهب البصر فالقول قوله مع يمينه، لأن المفقوء يمكنه إقامة البينة على سلامة بصره، وإن اعترف له بالسلامة المتقدمة وادعى ذهاب بصره قبل جنايته ففيه قولان:
أحدهما: أن القول قول الفاقئ مع يمينه، لأن الأصل بقاؤه على سلامته حتي يقيم المفقوء البينة على سلامته عند الجناية.
والقول الثاني: أن القول قول المفقوء مع يمينه، لأن الأصل بقاؤه على سلامته حتى يقيم الفاقئ البينة على ذهاب بصره وأصل هذين القولين اختلاف قوليه في الملفوف إذا قطع، وقال الجاني: قطعته وكان ميتًا.
وقال أولياؤه: كان حيًا.
أو هدم على جماعة بيتًا وقال: هدمته عليهم وكانوا موتى، وقال أولياؤهم: كانوا أحياء ففيها قولان:
أحدهما: أن القول قول الجاني مع يمينه، لأن الأصل عدم القود وبراءة الذمة.
والثاني: أن القول قول الأولياء مع إيمانهم، لأن الأصل بقاء الحياة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويسعها أن تشهد إذا رأته يتبع الشخص بصره ويطرف عنه ويتوقاه وكذلك المعرفة بانبساط اليد والذكر وانقباضهما، وكذلك المعتوه والصبي ومتى علم أنه صحيح فهو على الصحة حتى يعلم غيرها".
قال في الحاوي: وأصل الشهادة أنها لا تصح إلا بأقصى جهات العلم بها فإذا شهدوا بسلامة البصر وإن كان مما لا يشاهد فقد يقترن بالشهادة من أمارات العلم به ما لا يعترضه شك، وهو أن يراه يتبع الشخص ويسلك المعاطف ويتوقى الآبار، ويقرأ الكتب، ويتطرف عينه عن الأذى، فيعلم بهذه الأمارات والدلائل علمًا لا يدخله شك أن يبصر، فجاز أن يشهد له بسلامة بصره، وهكذا في سلامة اليدين والرجلين، إذا رآه يمشي على قدميه، ويقبض أصابع رجليه، ويعمل بيديه قبضًا وبسطًا، ورفعًا ووضعًا، علم بذلك سلامتها من شلل، فجاز أن يشهد له بالصحة، وهكذا الذكر وهو من الأعضاء يجوز إذا رآه ينقبض وينبسط أن يشهد له بالسلامة من الشلل، وذلك بأن يشاهده في إحدى ثلاثة أحوال:
إما في حال الصغر قبل تغليظ عورته، أو يشاهده في الكبر بالاتفاق من غير تعمد لمشاهدته، أو يكون طبيبًا قد دعته الضرورة إلى مشاهدته، فأما إن تعمد في الكبر للنظر بغير ضرورة فقد فسق، ولا يقبل للفاسق شهادة، وكذلك الشهادة للصبي والمعتوه بسلامة أعضائه، لأنه يستبدل عليها بحركات طبعه.
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومتى يعلم أنه صحيح فهو على الصحة".
وشهد له شاهدان بها نظرت شهادتهما، فإن شهدا له بالصحة عند الجناية حكم بها، ولم يستحلف المجني عليه معها، لأن البينة تغني عن اليمين فيما تضمنته، وإن شهدا بالسلامة قبل الجناية ففي سماعها والحكم بها قولان من اختلاف قوليه فيمن علم بتقدم سلامتها هل يحكم فيها عند الجناية بقوله أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يحكم بقوله، فعلى هذا لا تسمع الشهادة له بتقدم سلامته.
والقول الثاني: يحكم له بقوله، فعلى هذا تسمع الشهادة له بتقدم سلامته، ثم يستحلف معها على أنه لم يزل على السلامة إلى حين جنايته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الجفون إذا استؤصلت الدية وفي كل واحد منهما ربع الدية لأن ذلك من تمام خلقته وما يألم بقطعه".
قال في الحاوي: أما جفون العينين فهي أربعة تحيط بالعينين من أعلى وأسفل، وتحفظهما من الأذى، وتجلب إليهما النوم، ويكمل بهن جمال الوجه والعين، وفيها إذا استوصلت الدية تامة.
وقال مالك: فيها حكومة؛ لأن مقادير الديات موقوف على النص وليس فيها نص، ولأنها تبع للعينين فلم تجب فيها الدية الواجبة في العينين؛ لأن حكم التبع أخف من حكم المتبوع، ودليلنا ما رواه بعض أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجفون إذا استؤصلت الدية".
وليس بمشهور عند أصحاب الحديث، ولأنها من تمام الخلقة فيها منفعة وجمال تألم بقطعها، ويخاف على النفس من سراية الجناية عليها، فوجب أن تكمل الدية فيها كسائر الأعضاء ولا يمتنع، وإن كانت تبعًا أن تساوي متبوعًا في الدية إذا اختصت بزيادة جمال ومنفعة كالأنف في الشم، والأذنين في السمع، فإذا ثبت أن فيها الدية فسواء استؤصلت من صغير أو كبير أو بصير؛ لأن للضرير بها منفعة وجمالًا وإن كانت منفعة البصر بها أعم.
فأما القود فإن أمكن فيها ولم يتعد ضرره إلى العينين وجب، وإن لم يمكن سقط، فإنه قلع جفنًا واحدًا ففيه ربع الدية؛ لأن كل ذي عدد من الأعضاء إذا كملت فيه الدية تقسطت على عددها كاليدين في تقسيط ديتها على الأصابع، وتقسط دية الإصبع على الأنامل وسواء كان الجفن أعلى أو أسفل، وفي الجفنين نصف الدية، وفي ثلاثة جفون ثلاثة أرباع الدية، فلو جني على عينيه فقطع جفونهما، وأذهب بصرهما لزمته ديتان: أحدهما: في الجفون، والأخرى: في العينين، كما لو قطع أذنيه وأذهب سمعه.
فصل:
فأما أهداب العينين وأشفارهما من الشعر النابت في أجفانهما ففيهما من المنفعة ذبها عن البصر، ومن الجمال حسن المنظر، وفيها إذا انتفت فلم تعد حكومة.
وقال أبو حنيفة: فيها الدية، وليس بصحيح؛ لأن الدية تجب في قطع ما يخاف من سرايته ويؤلم في إبانته، وهذا معدوم في الأهداب وموجود في الجفون، فلذلك وجب في الأجفان دية، وفي الأهداب حكومة، فإن انتف أهدابه فعاد نباتها دون ما كانت ففيها من الحكومة أقل مما فيها لو لم تعد، فإن عاد نباتها إلى ما كانت عليه ففيها وجهان:
(أحدهما): لا شيء فيها لعدم التأثير ويعزر لأجل الأذى.
والثاني: فيها حكومة دون حكومتها لو عاد نباتها خفيفًا، فإن استأصل أجفانه مع أهدابها فعليه دية الجفون تدخل فيها حكومة الأهداب، وحكى أبو حامد الإسفراييني -رحمه الله- وجهًا آخر أنه يجمع عليه بين دية الجفون وحكومة الأهداب، وهذا لا وجه له، لأن الجفون محل الأهداب فلم ينفرد بالحكومة فيها كالأصابع مع الكف.
فصل:
فأما شعر الحاجبين فيختصان بالجمال دون المنفعة، فإن نتفه حتى ذهب ولم يعد ففيه حكومة.
وقال أبو حنيفة: فيه دية، لأن يوجبها في أربعة شعور: شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين، إلا أن يكون عبدًا فيجب فيه ما نقص من قيمته، وقد تقدم الكلام.
فلو عاد شعر الحاجبين بعد نتفه فعلى ما ذكرنا من الوجهين، فلو كشط جلدة الحاجبين ولم يستخلف، كان عليه حكومة بحسب الشين هي أكثر من حكومة الشعر، فإن أوضح محلهما كان عليه دية موضحتين، وهل يدخل فيهما حكومة الشين أم لا؟ على وجهين ذكرنا نظيرهما من قبل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعًا الدية".
قال في الحاوي: وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعًا الدية"، فأورد الشافعي -رحمه الله- ذلك بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمكن، فإن لم يمكن فبألفاظ الصحابة، فإن لم يجد فبألفاظ التابعين، وكثيرًا ما يوردها بلفظ عطاء بن أبي رباح.
وروى عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الأنف إذا أوعب جدعًا مائة من الإبل" لأن الأنف عضو فيه منفعة وجمال تألم بقطعه، وربما سرت الجناية عليه إلى نفسه فوجب أن يكمل فيه الدية كاللسان والذكر ومارن الأنف هو ما لان من الحاجز بين المنخرين المتصل بقصبة الأنف.
والقصبة: هي العظم المنتهي إلى الجبهة، وكمال الدية فيه يجب باستيعاب المارن مع المنخرين، وسواء في ذلك الأنف الأقنى والأفطس والأحجر والأخنس، وأنف الأشم والأخشم فإن قطع أرنبة الأنف وتجرأ فيه من الدية بحسابه وقسطه، وإن لم يتجزأ ففيه
حكومة، ولو قطع أحد المنخرين وبقي المنخر الآخر مع المارن ففيما يلزمه من الدية وجهان حكاهما أبو حامد الإسفراييني.
أحدهما: عليه نصف الدية، وحكاه عن أبي إسحاق المروزي، لأنه قد أذهب نصف منفعته.
والوجه الثاني: عليه ثلث الدية تقسيطًا على المنخرين والمارن الذي يشتمل الأنف عليها، فكان في كل واحد منهما ثلث الدية، ويلزمه على هذا في قطع المارن مع بقاء المنخرين ثلث الدية، ولو شق المارن، ولم يقطعه ففيه حكومة، اندمل أو لم يندمل، غير أنها في المندمل أقل وفي غير المندمل، أكثر، فإن خرم أحد منخريه فإن لم يذهب منه بالخرم شيء ويجزأ ففيه من الدية بقسطه وإن لم يتجزأ ففيه حكومة بحسب الشين لا تبلغ بها ثلث الدية في أحد الوجهين ونصفها في الوجه الثاني، بحسب اختلاف الوجهين في قطع أحد المنخرين لأن قطعه أكثر من خرمه، فإن استوعب قطع الأنف من أصل المارن فأوضح عظم القصبة فعليه مع دية الأنف موضحة، ولو هشمه لزمه دية هاشمة، ولو نقله لزمه دية منقلة، ولو أجافهما تحته لزمه دية مأمومة، لوصوله إلى جوف الرأس، وحكي أبو حامد المروزي في جامعه قولًا ثانيًا: إنه يلزمه فيه دية مأمومة ويلزمه حكومة القصبة لا يبلغ بها دية الأنف لأنها تبع له، وخرج هذا التعليل أبو علي بن أبي هريرة قولًا ثانيًا في قصبة الأنف إذا قطعت مع الأنف قولًا ثانيًا إنه لا يجب فيها إلا دية بناء على اختلاف قولي الشافعي في قطع الحلمة مع الثديين، وقطع الحشفة مع بعض الذكر، وليس هذا التحريم بصحيح، لأمرين:
أحدهما: أن محل الحلمة في الثدي ومحل الحشفة على الذكر، وليس محل الأنف على القصبة وإن اتصل بها فاختلفا.
والثاني: أنه لما وجب في إيضاح المارن دية موضحة كان التزام الغرم في قطع أصلها أحق.
فصل:
ولو جني على أنفه فاستحشف ويبس ففيه قولان كالأذنين إذا استحشفتا:
أحدهما: عليه الدية تامة كاليدين إذا شلتا.
والقول الثاني: عليه حكومة، لبقاء نفعه مع ذهاب جماله بخلاف شلل اليد الذي قد فات به الجمال والمنفعة، وعلى هذا لو جدع أنفًا مستحشفًا كان فيما يلزمه قولان:
أحدهما: حكومة إذا قيل في استحشافه دية.
والثاني: دية إذا قيل في استحشافه حكومة، ولو جني على أنفه فاعوج لزمته حكومة، فإن جبر حتى عاد مستقيمًا كانت حكومته أقل، وإن بقى على عوجه كانت حكومته أكثر بحسب شينه.
فصل:
ولو جدع أنفه فأعاده بحرارة دمه حتى التحم نظر فإن لم يكن عند الجناية قد بان وانفصل ففيه حكومة كالجراحة المندملة، وإن بان وانفصل ففيه الدية كاملة؛ لأنه لا يقر على تركه، ويؤخذ من حق الله تعالى بقطعه؛ لأنه صار بالانفصال ميتًا نجسًا، ولو ألصقه المقتص منه حتى التحم أخذ بقطعه وإزالته، فإن كان إلصاقه قبل انفصاله كان مأخوذًا بقطعه في حق المجني عليه، وإن كان بعد انفصاله كان مأخوذًا بقطعه في حق الله تعالى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذهاب الشم الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وقد حكى بعض الرواة عن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الشم الدية"، ولأن الشم من الحواس النافعة فأشبه حاسة السمع والبصر، وهو من الأمور المغيبة التي لا ترى ولا تعلم إلا من صاحبها، فإن ادعى المجني عليه ذهاب شمه وأنكره الجاني وادعى بقاؤه كان القول فيه قول المجني عليه، لأن ذهابه لا يعرف إلا من جهته لكن يستظهر عليه بغاية ما يمكن في اختيار صدقه بأن يثار عليه في أوقات غفلاته الروائح الطيبة والمنتنة مرة بعد أخرى، فإن كان لا يرتاح إلى الروائح الطيبة ولا يظهر منه كراهة للروائح المنتنة دل ذلك على صدقه، فكان القول فيه قوله مع يمينه، لإمكان تصنعه، وإن وجد منه الارتياح للروائح الطيبة والكراهة للروائح المنتنة، صار الظاهر بها في جنبه الجاني فأحلف على بقاء شمه ولا بشيء عليه فلو أحلف المجني عليه على ذهاب شمه ثم غطى أنفه عند رائحة منتنة فادعى الجاني أنه غطاء لبقاء شمه.
وقال المجني عليه: بل غطيته لحاجة أو عادة كان القول فيه قول المجني عليه دون الجاني، ويحكم له بالدين لاحتمال ما قاله.
فصل:
ولو ذهب شمه وقضى له بالدية، ثم عاد شمه لزمه رد الدية، وعلم أن ذهاب شمه كان لحائل دونه، ولا حكومة له في المدة التي لم يشم فيها، لبقاء شمه إلا أن يكون بعد عوده أضعف من قبل ذهابه لأنه كان يشم من قريب وبعيد فصار يشم من القريب، ولا يشم من البعيد، أو كان يشم الروائح القوية والضعيفة فصار يشم الروائح القوية دون الضعيفة، فإن علم قدر الذاهب منه ولا أحسبه يعلم كان فيه من الدين بقدر الذاهب، فإنه لم يحلم ففيه حكومة.
ولو كان في أصل خلقته يشم شمًا ضعيفًا وذلك بأن يشم من القريب أو القوي من الروائح دون الضعيف فجني عليه فأذهب شمه صار لا يشم قويًا ولا ضعيفًا من قريب ولا بعيد ففيه وجهان محتملان:
أحدهما: فيه الدية كاملة، لأن الحواس تختلف بالقوة والضعف كالأعضاء التي لا تختلف الجية باختلاف قوتها وضعفها.
والوجه الثاني: أن الموجود كان فيه بعض الشم فلم يلزم في إذهابه إلا بعض الدية، بخلاف ضعف الأعضاء الذي يوجد جنس المنافع فيها.
فعلى هذا إن علم قدر ما كان ذاهبًا من شمه ففيه من الدية بقسطه، وإن لم يعلم ففيه حكومة يجتهد الحاكم فيها رأيه.
فصل:
لو جدع أنفه فذهب منه شمه لزمه ديتان: إحداهما: في جدع الأنف، والأخرى: في ذهاب الشم، لاختلافهما في المحل كالأذنين والسمع، وخالف ذهاب البصر مع العينين، وذهاب الكلام مع اللسان، لاجتماعهما في المحل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الشفتين الدية إذا استوعبتا وفي كل واحدة منهما نصف الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لرواية عمرو بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الشفتين الدية"، وهو قول أبي بكر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- ولأنهما عضوان من أصل الخلقة فيهما منفعة وجمال، يألم بقطعهما ويخاف من سرايتهما فأشبها اليدين والرجلين، وسواء في ذلك الغليظتان والدقيقتان، والطويلتان والقصيرتان، من ناطق أو أخرس، ذي أسنان وغير أسنان، وفي إحدى الشفتين نصف الدية، ولا فضل للعليا على السفلى، وحكي عن زيد بن ثابت أن في السفلى ثلثي الدية، وفي العليا ثلثها؛ لأن السفلى أنفع من العليا، لحركتها ودورانها، وحفظ الطعام والشراب بها، وما فيها من حروف الكلام الشفوية، وهذا يفسد من وجهين:
أحدهما: أن لكل واحدة منهما منفعة ليست للأخرى فصارتا متساويتين.
والثاني: لأن تفاضل المنافع في الأعضاء المتجانسة لا يوجب تفاضلها في الديات كالأصابع والأسنان، فإن قطع النصف في إحدى الشفتين كان عليه ربع الدية، وإن قطع أكثر أو أقل كان عليه من الدية بحسب ما قطع.
فصل:
ولو جني عليهما فاستحشفتا ويبستا حتى لم يتحركا ولم يألما فعليه الدية كاملة قولًا
واحدًا، بخلاف الأنف إذا استحشفه إن عليه حكومة في أحد القولين، لأن منفعة الأنف باقية ومنفعة الشفة ذاهبة، وإن تقلتا بالجناية حتى صار كاشر الأسنان نظر، فإن انبسطتا فذلك نقص في المنفعة تجب فيه حكومة، وإن لم تنبسط بالمد فهو ذهاب جميع المنفعة فتكمل فيها الدية، ولو تقلص بعضها ولم ينبسط بالمد ففيه من الدية بحساب ما تقلص، ولو جني عليها فاسترختا حتى لا ينفصلان عن الأسنان إذا كشر أو ضحك ففيهما الدية كاملة، نص عليه الشافعي، وفيه عندي نظر، لبقاء منفعتهما بحفظ الأسنان وما يدخل الفم من طعام وشراب، فاقتضى لأجل ذلك أن تجب فيه حكومة بخلاف تقلصهما المذهب لجميع منافعهما، ولو شق الشفة فلم يندمل حتى صار كالأعلم إن كان الشق في العليا وكالأقلع إن كان الشق في السفلى، ففيه حكومة بحسب الشين لا يبلغ بها إحدى الشفتين، وإن اندملت ففيه حكومة إن تقل عن حكومة ما لم يندمل، وتقل إن اندملت ملتئمة وتكثر إن اندملت غير ملتئمة ولو قطع شفة مشقوقة لزمه جميع ديتها إن لم يذب الشق شيئًا من منافعها، ويقسطه إن أذهب معلوم القدر من منافعها، وحكومة تقل عن ديتها إن لم يعلم قدر الذاهب من منافعها.
فصل:
وحد الشفتين ما وصفه الشافعي في كتاب "الأم" أنه ما زائل جلد الذقن والخدين من الأعلى والأسفل مستديرًا بالفم كله مما ارتفع عن الأسنان واللثة.
قال الشافعي: "وفي جناية العمد عليهما العود"، وقال أبو حامد الإسفراييني: لا قود فيهما؛ لأنه قطع لحم من لحم فصار كقطع بضعة من لحمه.
وهذا خطأ، وما قاله الشافعي من وجوب القود أصح، لأنه محدود وإن كان لحمًا متصلًا بلحم فشابه المحدود بالمنفصل وخالف البضعة من اللحم التي ليس لها حد ولا مفصل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي اللسان الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لرواية عمرو بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي اللسان الدية" ولأنه قول أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود -رضي الله عنهم- ولا مخالف لهم، ولأنه عضو من تمام الخلقة في جمال ومنفعة يألم بقطعه، وربما سرى إلى نفسه فوجب أن تكمل فيه الدية كسائر الأعضاء، فأما جمال اللسان فقد روى ابن عباس أنه قال: يا رسول الله فيما الجمال؟ قال في "اللسان".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المرء مخبوء تحت لسانه".
وأما منفعة اللسان فالمعتمد منها ثلاثة أشياء:
أحدها: الكلام الذي يعبر به عما في نفسه ويتوصل به إلى إرادته ولأهل التأويل في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسَانَ (3) عَلَّمَهُ البَيَانَ (4)﴾ [الرحمن:3 - 4] تأويلان: أحدهما: الخط، والثاني: الكلام.
والثاني: من منافع اللسان حاسة ذوقه الذي يدرك به ملاذ طعامه وشرابه، ويعرف به فرق ما بين الحلو والحامض، والمر والعذب.
والثالث: الاعتماد عليه في أكل الطعام ومضغه وإدارته في لهواته حتى يستكمل طحنه من الأضراس ويدفع بقاياه من الأشداق.
وهذه الثلاثة من أجلّ المنافع التي لا يتوصل بغير اللسان إليها، فكان من أجلّ الأعضاء نفعًا، فإذا ثبت أن في اللسان الدية ففيه الدية كاملة إذا كان ناطقًا سليمًا، ولا فوق بين لسان الصغير والكبير، والمتكلم بالعربية والأعجمية، والفصيح والألكن، والثقيل والعجل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن خرس ففيه الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا جني على لسانه فأذهب كلامه حتى خرس ولم يتكلم بحرف فعليه الدية كاملة، لأنه قد سلبه أعظم منافعه ذهابه، لأن محل من اللسان محل ذهاب البصر من العين، ولو جني عليه فأذهب حاسة ذوقه وسلمه لذة طعامه حتى لم يفرق بين طعم الحلو والحامض فليس للشافعي فيه نص، والذي يقتضيه مذهبه أن يكون فيه الدية كاملة، لأن الذوق أحد الحواس المختصة بعضو خاص فأشبه حاسة السمع والشم، والذوق أنفع من الشم، وآكد، فكان بكمال الدية أحق.
فإن جمع في الجناية على لسانه بين ذهاب كلامه وذهاب ذوقه كان عليه ديتان في كل واحد منهما دية، قد يصح بقاء الذوق مع قطع اللسان، لأن حاسة الذوق تدرك بعصب اللسان، فإذا بقى من عصبه في أصله بقية كان الذوق بها باقيًا فلذلك فلم يتحتم قطعه إلا بذهاب كلامه، فإن اقترن بقطعه استئصال العصب حتى ذهب ذوقه وجبت عليه حينئذٍ ديتان، وإذا وجب بما ذكرت أن يلزم في ذهابه الذوق الدية وأنه يجوز أن يبقى مع قطع اللسان وتذهب مع بقاء اللسان إذا ذهب حس العصب تعلق بكمال الدية بذهاب جميع الذوق، فلا يفرق بين مذاق الطعوم المختلفة، فعلى هذا لو نقص ذوقه بالجناية فنقصانه ضربان:
أحدهما: أن يكون نقصان ضعيف، وهو أن يدرك الفرق ما بين الحلو والحامض
ولا يدرك حقيقة الحلو وحقيقة الحامض، فذا ناقص المذاق ولا ينحصر قدر نقصانه، فيتقسط عليه الدية، فوجب أن تلزمه حكومة تختلف باختلاف النقصان في القود والضعف.
والضرب الثاني: أن يذهب بها بعض ذوقه مع بقاء بعضه فيصير مدركًا طعم الحامض دون الحلو وطعم المر دون العذب، فيلزمه من الدية بقسط ما أذهب من مذاقه، وعدد المذاق خمسة، ربما فرعها أهل الطب إلى ثمانية على أصولهم لا نعتبرها في الأحكام، لدخول بعضها في بعض كالحرافة مع المرارة والخمسة المعتبرة الحلو، والحامض، والمر، والعذب، والمالح فتكون دية الذوق مقسطة على هذه الخمسة، فإن أذهب واحد منها وجب عليه خمس الدية، وفي الاثنين خمساها، ولا يفصل بعضها على بعض كما تقسط دية الكلام على أعداد حروفه.
فصل:
فإن ادعى المجني عليه ذهاب ذوقه وأنكره الجاني فهو من الباطن الذي لا يعرف إلا من جهته كالشم والسمع، فيكون القول فيه قول المجني عليه مع يمينه بعد الاستظهار عليه في غفلاته بأن يمزج بحلو طعامه مرًا وبعذبه ملحًا وهو لا يعلم فإن استمر على تناولها ولم توجد منه أمارات كراهتها دل على صدقه، وأحلف على ذهاب ذوقه، وإن كرهها وظهرت منه أمارات كراهتها صار الظاهر عليه لا معه، فيصير القول قول الجاني مع يمينه على بقاء ذوقه كما قلنا في ذهاب الشم والسمع والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ذهب بعض كلامه اعتبر عليه بحروف المعجم ثم كان ما ذهب من عدد الحروف بحسابه".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا ذهب بالجناية على اللسان بعض كلامه اعتبر قدر الذاهب منه بعدد حروف المعجم التي عليها بناء جميع الكلام، وهي تسعة وعشرون حرفًا إن كان عربي اللسان، وإن كان أعجمي اللسان اعتبر عدد حروف كلامه، فإن حروف اللغات مختلفة الأعداد والأنواع فالضاد مختصة بالعربية وبعضها مختص بالأعجمية، وبعضها مشترك بين اللغات كلها، وبعض اللغات يكون حروف الكلام فيها أحد وعشرون حرفًا وبعضها ستة وعشرون حرفًا، وبعضها أحد وثلاثين حرفًا، فيعتبر قدر ما ذهب من الكلام بقدر حروف اللغة التي يتكلم بها المجني عليه، فإذا كان عربي اللسان يقسط على تسعة وعشرين حرفًا، ومنهم من عدها ثمانية وعشرين حرفًا وأسقط حرف لا لدخوله في الألف واللام، وسواء في ذلك حروف الحلق والشفة، هذا ظاهر مذهب
الشافعي وقول جمهور أصحابه، وقال أبو سعيد الإصطخري وأبو علي بن أبي هريرة يكون ما ذهب من الكلام معتبرًا بعدد حروف اللسان، ويسقط منها حروف الحلق والشفة وهي عشرة أحرف، ستة منها حلقية وهي همزة الألف، والحاء، والخاء، والعين، والغين، والهاء وأربعة منها شفوية وهي الباء، والفاء، والميم، والواو.
ويبقى من حروف الكلام ما يختص باللسان وهي تسعة عشر حرفًا تتقسط عليها ما ذهب من الكلام، فإن ذهب منه حرف كان عليه جزءًا من تسعة وعشرين جزءًا من الدية وهذا فاسد من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن هذه وإن كان مخارجها في الحلق فالشفة واللسان معبر عنها وناطق بها، ولذلك لم يتلفظ الأخرس بها.
والثاني: أنه يقتضي غير قولهما أن لا يلزم بالجناية على لسانه ضمان ما ذهب من حروف الحلق والشفة، ويكون ضمانه مختصًا بما ذهب من حروف اللسان وهي تسعة عشر، ويكون ضمان الحروف الحلقية والشفوية ساقطًا عنه، لأنه لم يجزئ على محله قالاه لم يقله غيرهما، وإن لم يقولاه فسد تعليله.
والثالث: يلزمهما في الحروف الشفوية أنه يضمنها إذا جنى على شفته، فإن قالاه ركبا الباب، وإن لم يقولاه فسد التعليل وصح ما رأيناه من اعتبار جميعها باللسان المفصح عنها والمترجم لها، فإن أذهب بحرف واحد منها كان عليه جزءًا من تسعة وعشرين جزءًا من الدية، وإن أذهب بعشرة أحرف كان عليه عشرة أجزاء من تسعة وعشرين، وعلى قياس هذا فيما زاد أو نقص، وسواء في ذلك ما خف على اللسان، وقل هجاءه أو ثقل على اللسان وكثر هجاؤه لا يفضل بعضها على بعض، وتكون الدية مقسطة على أعداد جميعها.
فصل:
فإذا أردت أن تعتبر كل حرف منها في بقائه وذهابه، لم تعتبر مفردات الحروف؛ لأن للحرف الواحد يجمع في الهجاء حروفًا، لكن تعتبره بكلمة يكون الحرف من جملتها إما في أولها أو في وسطها أو في آخرها، ولو اعتبرته في الأول والوسط والأخير كان أحوط، فإذا أردت اعتباره في أول الكلمة وكان المعتبر هو الألف أمرته أن يقول: أحمد وأسهل وأبصر وأبعد، ليكون بعد الألف حروف متغايرة يزول بها الاشتباه، فإن لم يسلم له الألف في هذه الأسماء والأفعال كانت ذاهبة، وإن سلمت كانت باقية.
وإذا أردت اعتبار الباء أمرته أن يقول: بركة وبابًا وبعدًا، ثم علم هذه العبرة من جميع الحروف، فإن ثقل عليه الحرف ثم يأتي به سليمًا عد من السليم دون الذاهب، وإن قلبه بلثغة صارت في لسانه عد في الذاهب دون السليم، لأن الألثغ يبدل الحروف باعتبارها فصار حرف اللثغة ذاهبًا، وكذلك لو صار به أرت، لن ما خفي بالرتة معدودًا في الذاهب دون السليم، لأن الأرت يأتي من الكلمة بعضها ويسقط بعضها ولو صار أرت
يردد الكلمة مرارًا أو وفاقًا يكرر الفاء مرارًا، أو تمتامًا يكرر التاء مرارًا، عد ذلك في السليم دون الذاهب، لأن الحرف منه سليم، وإن تكرر ففيه حكومة؛ لأن فيه مع بقائه نقصًا، ولو كان الباقي من حروف كلامه بعد الذاهب منه لا يفهم معناه لم يضمنه الجاني، للعلم بأن بعض الحروف لا يقوم مقام جميعها فلم يلزم إلا ضمان الذاهب منها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قطع ربع لسانه فذهب بأقل من ربع الكلام فربع الدية وإن ذهب نصف الكلام فنصف الدية".
قال في الحاوي: إذا قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه كان عليه أكثر الأمرين مما قطع من اللسان أو ذهب من الكلام، فإن قطع نصف لسانه فذهب نصف كلامه فقد استويا وعليه نصف الدية، وإن قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه كان عليه نصف الدية اعتبارًا بما ذهب من الكلام دون اللسان، لأنه أكثر، وإن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه كان عليه نصف الدية اعتبارًا بما قطع من اللسان، لأنه أكثر، وعلى هذه العبرة فيما زاد أو نقص، واختلف أصحابنا في العلة التي لأجلها اعتبر وجوب أكثر الأمرين على وجهين:
أحدهما: وهو تعليل أبي كنيز وظاهر تعليل الشافعي في "الأم": أنه منفعة العضو إذا ضمنت بديته اعتبر فيها الأكثر من ذهاب المنفعة أو ذهاب العضو.
ألا ترى أنه لو قطع الخنصر من أصابع اليد فشل جميعها لزمه دية دميعها، لذهاب جميع منافعها ولو لم يشل باقيها لزمه دية الإصبع وهو خمس دية اليد، لأنه أخذ خمس اليد وإذا كان الذاهب لها أقل من خمس المنفعة، كذلك فيما ذهب من اللسان والكلام.
والوجه الثاني: وهو تعليل أبي إسحاق المروزي أن قطع ربع اللسان إذا أذهب نف الكلام دليل على شلل ربع اللسان من الباقي منه، فيلزمه نصف ديته، ربعها بالقطع، وربعها بالشلل، وفائدة هذا الاختلاف في التعليل مؤثر في فرعين:
أحدهما: أنه يقطع ربع لسانه فيذهب نصف كلامه فيلزمه نصف الدية ثم يأتي آخر فيقطع باقي لسانه فعلى التعليل الأول تلزمه ثلاثة أرباع الدية لنه قطع ثلاثة أرباع اللسان، وعلى التعليل الثاني يلزمه نصف الدية في نصف اللسان، وحكومة في ربعه لأن نصفه سليم وربعه أشل.
والفرع الثاني: أن يقطع نصف لسانه فيذهب ربع كلامه، فيلزمه نصف الدية ثم يأتي آخر فيقطع باقي لسانه، فعلى التعليل الأول في اعتبار الأغلظ تلزمه ثلاثة أرباع الدية لأنه أذهب ثلاثة أرباع كلامه، وعلى التعليل الثاني في اعتبار الأجزاء تلزمه نصف
الدية لأنه قطع نصف لسانه.
فصل:
فإن أخذ الدية ما ذهب من كلامه ثم نطق به عد ذلك رد دية ما أخذه، ولو عاد بعضه رد دية ما عاد واستحق دية ما لم يعد، ولو أخذ دية ما ذهب من كلامه ثم ذهب بعد ذلك حروف أخر من كلامه فإن كان قبل اندمال لسانه وسكون ألمه ضمنها، وإن كان بعد الاندمال وسكون الألم لم يضمن إلا ما تقدم.
فصل:
وإذا خلق للسان طرفان أحدهما فلا يخلو حاله أبعد من قطعه من أن ينطق بجميع كلامه أو لا ينطق، فإن نطق بجميعه لم يخل حال الطرف المقطوع من أن يكون مساويًا للطرف الثاني في تخريجه من أصل اللسان أو يكون خارجًا عنه، فإن ساواه لزمه فيه من الدية بقسط المقطوع من قدر اللسان، ولو قطع الطرفين معًا لزمه من الدية بقسطهما من جميع اللسان، وإن كان الطرف المقطوع خارجًا عن الاستقامة في اللسان فهو طرف زائد يلزمه في قطعه حكومة لا تبلغ قسطه من الدية لو كان من أصل اللسان، ولو قطع الطرفين معًا لزمه في الزائد حكومة، وفي طرف الأصل قسطه من الدية، ولو قطع جميع اللسان من أصله لزمه دية اللسان وحكومة في الطرف الزائد، وإن ذهب مع قطع هذا الطرف الزائد شيء من كلامه لزمه أكثر الأمرين من دية الذاهب من كلامه أو المقطوع من لسانه.
فصل:
ولو قطع باطن اللسان لزمه قسطه من الدية، فإن أذهب بشيء من كلامه لزمه أكثر الأمرين، ولا قود فيه، لتعذره، ولا قود في ذهاب الكلام أيضًا إذا أذهبه مع بقاء اللسان، فعلى هذا لو قطع نصف لسانه فذهب به نصف كلامه قطع نصف لسان الجاني، لأن في جميع اللسان وفي بعضه قود، فإن ذهب بالقود نصف كلامه كان وفاء جنايته، وإن ذهب بربع كلامه لزمه مه القود دية ربع الكلام، ولو ذهب بقطعه ثلاثة أرباع كلامه، فقد وفى المستحق بجنايته، وكان الزائد فيما ذهب من كلامه هدرًا لحدوثه عن قود مستحق، فأما قطع اللهاة ففيه القود إن أمكن، وفيه حكومة لا تتقدر بقسط من دية اللهاة عن الأعضاء التي قدرت فيها الديات.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي لسان الصبي إذا حركه ببكاء أو بشيء بغير اللسان الدية".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن لسان الصبي الطفل يعجز عن الكلام لضعف الصغر كما تعجز أعضاؤه عن استيفاء الحركة، فيلزم في لسانه إذا كان معروف السلامة جميع الدية مثل ما يلزم في لسان الناطق الكبير، كما يلزم من رجليه جميع الدية إذا عرفت سلامتها وإن كان ينهض للمشي بهما، وإذا كان كذلك فأول ما يظهر من الطفل حرف الحلق في البكاء، ثم حروف اللسان إذا تكلم، وبعض ذلك يتلو بعضًا، فإذا عرف منه أحد هذه الثلاثة في زمانه دل على سلامة لسانه فكملت فيه الدية وإن لم يستكمل الكلام، لأنه يكمل في غالب العرف إذا بلغ زمان الكمال، وإن لم يظهر منه في أوقات هذه الحروف ما يدل على سلامة لسانه كان ظاهره دليلًا على خرسه، فيلزمه فيه حكومة، ولو قطعه ساعة ولادته قبل أوقات حركات لسانه صار لسانه وإن كان من الأعضاء الظاهرة من الكبير جاريًا مجرى الأعضاء الباطنة فيكون على قولين:
أحدهما: يحمل على الصحة، لتعذر البينة فيه اعتبارًا بالأغلب من أحوال السلامة، وتكمل فيه الدية.
والقول الثاني: أنه يحمل على عدم الصحة، لن لا يقضي بالإلزام مع إمكان الإسقاط اعتبارًا ببراءة الذمة وتجب فيه حكومة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي لسان الأخرس حكومة".
قال في الحاوي: وإنما لم يجب في لسان الأخرس الدية، لأنه قد سلب الكلام الذي هو الأخص الأغلب في منافع اللسان وإن بقى بالخرس بعض منافعه وهو الذوق وتصرفه في مضغ الطعام فلم تبلغ ديته دية لسان كامل المنافع.
فإن قيل: فمثله لسان الصبي فهلا كان فيه أيضًا حكومة؟ قيل: لأن لسان الصبي سليم الكلام، وإن لم يظهر في زمانه، وهذا معدوم الكلام، لأنه مفقود في زمانه فافترقا، فلو كان اللسان مسلوب الذوق لا يحس به طعوم المأكولات والمشروبات وهو ناطق سليم الكلام لم تكمل فيه الدية، وكان فيه حكومة كالأخرس، وإن لم يذكره الشافعي بناء على ما قدمناه في الجناية عليه إذا أذهبت بذوقه أن فيه الدية، وحكومة المسلوب الذوق أقل من حكومة المسلوب الكلام، لأن نقص الكلام أظهر، والحاجة إليه أدعى، ولو ابتدأ بالجناية على لسان ناطق فأخرسه وضمن بالخرس ديته، ثم عاد هو فقطع لسانه لزمه حكومة، لأنه قطع بعد الجناية الأولى لسان أخرس، كما لو أشل يده بجناية ثم قطعها بعد الشلل لزمته دية في الشلل وحكومة في القطع بعده.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن قال لم أكن أبكم فالقول قول الجاني مع يمينه
فإن علم أنه ناطق حتى يعلم خلاف ذلك".
قال في الحاوي: وهذا من جملة ما مضى إذا اختلفا بعد قطع اللسان في سلامته وخرسه فادعى الجاني أنه كان أخرس وادعى المجني عليه أنه كان ناطقًا فاللسان من الأعضاء الظاهرة في الكبير، لأنه يقدر على إقامة البينة بنطقه وسلامته، فيكون القول فيه قول الجاني مع يمينه إن لم يعترف له بتقدم السلامة؛ لأن الأصل براءة ذمته من قود وعقل، فإن اعترف له بتقدم السلامة وادعى زوالها قبل جناية فهو على قولين كمن قطع ملفوفًا في ثوب وادعى أنه كان ميتًا فيه قولان، كذلك هاهنا.
فإن قيل: فكيف يصح من المقطوع اللسان أن يقول لم أكن أبكم وهو لا يقدر بعد قطعه على القول.
قيل: معناه أنه أشار بالعين فعبر عن الإشارة بالقول كما قال الشاعر:
وقالت له العينان سمعًا وطاعة وخدرنا كالدر لما يثقب
فعبر عن إشارة العينين بالقول.
فصل:
وإذا قطع لسانه فأخذ بالقود أو الدية ثم ثبت لسان المجني عليه فهو مبني على سن المثغور إذا ثبت بعد أخذ ديتها وفيها قولان:
أحدهما: أنها عطية من الله لا يسترجع بها ما أخذه من ديتها، فعلى هذا أولى في اللسان أن يكون عطيته مستجدة لا يسترجع بعد نباته بما أخذه من ديته.
والقول الثاني: أن هذه السن الثابتة خلف من السن الذاهبة دل على بقاء أصلها، فيسترجع منه بعد نباتها ما أخذه من ديتها، فعلى هذا هل يكون حكم اللسان إذا نبت كذلك أم لا؟ على وجهين ذكرناهما في عود ضوء العين بعد ذهابه، ولكن لو جني على لسانه فخرس وغرم ديته ثم عاد فنطق رد ما أخذه من الدية قولًا واحدًا، بخلاف اللسان إذا نبت والفرق بينهما أن ذهاب اللسان مستحق وأن النابت غيره وذهاب الكلام مظنون، فدل النطق على بقائه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " وفي السن خمس من الإبل إذا كان قد أثغر".
قال في الحاوي: في كل سن من أسنان المثغور خمس من الإبل، لرواية عمرو بن حزام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتابه إلى اليمن: "وفي السن خمس من الإبل" وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وفي الأسنان خمس
خمس" فإذا ثبت هذا النص في وجوب خمس من الإبل في كل سن، فإنما هي من أسنان المثغور التي لا تعود على الأغلب بعد القلع، وسواء كانت صغارًا أو كبارًا، طوالًا أو قصارًا، كما تساوى ديات الأطراف من الصغر والكبر، والطول والقصر، وسواء كانت بيضاء ملاحًا أو سوداء قباحًا كان ذلك من أصل الخلقة أو طارئًا عليها، باقية المنافع؛ لأن القلع قد أبطل منافعها وكانت كاملة وازداد محلها بالقلع قبحًا فصار مذهبًا لنفعها وجمالها، فلذلك كمل ديتها، فإن قلعها من أصلها مع سنخها الداخل في لحم اللثة الممسك لها بمرابط العصب ففيها ديتها خمس من الإبل، ولا يلزمه في قلعها مع سنخها المغيب حكومة زائدة، لأن السنخ تابه لها ظهر كتبع الكف للأصابع، وإن قلع ما ظهر من السن وخرج عن لحم اللثة وبقى السنخ المغيب جرى مجرى قطع الأصابع من الكف، فإن عاد أو غيره فقلع السنخ المغيب.
ففيه حكومة، كما لو عاد بعد قطع الأصابع فقطع الكف لزمه حكومة، ولو كسر بعض سنه لزمه من الدية بقسطه، وهو مقدر من الظاهر البارز عن لحم اللثة دون السنخ المغيب فيها، لأن الدية تكمل بقلع ما ظهر فكان الكسر معتبرًا بالظاهر دون الباطل، فلو تقلص عمود اللثة حتى ظهر من السنخ المغيب في اللثة ما لم يكن ظاهرًا كان المكسور من السن معتبرًا بما كان بارزًا منها قلوص العمور عنها، ولا يعتبر بما ظهر بعده قلوصه وإذا كان كذلك واعتبر المكسور منها فإن كان النصف لزمه نصف ديتها، وإن كان أقل أو أكثر فحساب من ديتها، وسواء كان المكسور من طولها أو عرضها، فلو قلع آخر بقيتها مع سنخها بعد أن كسر الأول نصف ظاهرها لزم الثاني نصف ديتها، لأنه قلع نصفها الباقي، وهل تلزمه حكومة بقلع سنخها المغيب أم لا؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يلزمه حكومة في السنخ، لأنه تبع للمضمون بالمقدر كما لا حكومة فيه إذا قلع مع جميع السن.
والوجه الثاني: وهو المنصوص من مذهب الشافعي أن عليه فيه حكومة لأن النسخ تابع لجميه السن فصار أكثر من التابع لنصفه فلزمته لهذه الزيادة حكومة.
والوجه الثالث: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أن الأول إن كان قد كسر نصفه عوضًا لزم الثاني في سنخه حكومة، لزيادته على سنخ ما قلعه وإن كان الأول قد كسره طولًا لم يلزم الثاني حكومة من السنخ؛ لأنه سنخ للبقية التي قلعها.
فصل:
وإذا قلع سنًا قد حصل فيها شق أو ثقب أو أكلة، فإن لم يذهب من أجزائها بذلك شيء فعليه جميع ديتها، كاليد المريضة إذا قطعها وإن ذهب بالثقب والتآكل بعض أجزائها أسقط من دية السن قدر الذاهب منها، ولزمه باقي ديتها، وإن كانت أسنانه قد تصدعت
وتحركت حتى ربطها بالذهب أو لم يربطها فقلعها الجاني نظر فإن كانت منافعها باقية مع حركتها في المضغ وحفظ الطعام والريق ففيها الدية تامة، وإن ذهبت منافعها كلها ففيها حكومة، وإن نقصت منافعها فذهب بعضها وبقى بعضها ففيها قولان نص عليمها في كتاب الأم.
أحدهما: فيها الدية تامة، لأن منافع الأسنان مختلفة بالزيادة والنقصان.
والقول الثاني: فيها حكومة، لقصورها عما اختص بها من منافعها.
وجهل قدر الناقص فوجب فيه حكومة.
فإن اختلفا فادعى الجاني ذهاب منافعها وادعى المجني عليه بقائها فالقول قول المجني عليه مع يمنه، لأن بقاء منافعها لا يعلم إلا من جهته، وله ديتها تامة، ولو كانت السن كاملة المنافع فجنى عليها حتى تصدعت وتحركت وهي باقية في موضعها نظر، فإن ذهب بالجناية جميع منافعها حتى صار لا يقدر على المضغ بها فقيل: ديتها تامة، وإن ذهب منها نصف منافعها ففيها قولان:
أحدهما: عليه ديتها تامة، لأنه قد يكون المسلوب من منافعها مساويًا لمنافع غيرها.
والقول الثاني: فيها حكومة، لأن منفعة كل شيء معتبرة بها، ولو قيل: بوجه ثالث إنه إن أذهب أكثر منافعها كملت ديتها، وإن ذهب أقلها ففيه حكومة اعتبارًا بالأغلب كان له وجه، فإن اختلفا فالقول قول المجني عليه مع يمينه، لأن ذهاب منافعها لا يعلم إلا من جهته.
فصل:
ولو اختلف نبات أسنانه فكان بعضها طوالًا وبعضها قصارًا فدياتها متساوية مع اختلافهما في الطول والقصر، فإن كسر بعض الطويلة حتى عادلت ما جاورها من القصار لزمه من ديتها بقدر ما كسر منها، وإن زادت منافعها بكسر الزيادة عن نظائرها، وكذلك لو كسر بعض القصيرة حتى كان ما كسر منها معتبر بها لا بما جاورها من الطول، فلو كان المكسور نصفها وهو من الطويلة ربعها لزمه نصف ديتها، ولو جنى على سن فخرجت عن حد صاحبتها حتى برزت عما جاورها فإن ذهبت منافعها مع البروز تحت ديتها، وإن بقيت منافعها ففيها حكومة لقبح بروزها.
فصل:
وإذا كانت إحدى رباعيته أقصر من الأخرى في أصل خلقتها خالفت قصر الثنية عن الرباعية، لأن السن معتبرة بأختها لكونها شبه لها في الاسم والمحل، ولا تعتبر بغيرها، فإذا نقصت إحدى الرباعيتين عن الأخرى علم أنها رباعية ناقصة، فإذا قلعت وعرف قدر نقصانها وجب فيها من دية السن بقدر ما بقى منها وسقط منها قدر ما نقص، ولو ذهب
حدة الأسنان حتى كلت بمرور الزمان كان فيها الدية تامة، لأن كلا لها مع بقائها على الصحة يجري مجرى ضعيف الأعضاء، ولو حالت حتى ذهب منها بمرور الزمان بعض أضراسها سقط من ديتها بقسط ما ذهب منها ووجب في قلعها ما بقي من ديتها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن لم يثغر انتظر به فإن لم تنبت ثم عقلها وإن نبتت فلا عقل لها".
قال في الحاوي: وهو كما قال، إذا قلع سن صبي لم يثغر فلا قود في الحال ولا دية؛ لأن المعهود من أسنان اللبن أنها تعود بعد السقوط فلم تصر مساوية لسن المثغور التي لا تعود، وقد يجوز أن لا تعود سن اللبن إذا قلعت، وإن كان نادرًا، كما يجوز أن تعود سن المثغور إذا قلعت وإن كان عودها نادرًا، ووجب أن يعتبر في كل واحد منهما حكم الأغلب دون النادر، وهو أن سن اللبن تعود وسن المثغور لا تعود، فلذلك وجب الانتظار بسن اللبن حال عودها وإن جاز أن لا تعود، ولم ينتظر بسن المثغور حال عودها وإن جاز أن تعود، فإذا كان كذلك لم تخل سن الصبي إذا قلعت من أن يعود نباتها أو لا يعود، فإن لم يعد نباتها بعد نبات أخوتها.
وقال أهل العلم: قد تجاوزت مدة نباتها ووجب فيها القصاص، وكمال الدية، وكانت في حكم سن المثغور، لأنها سن لم تعد بعد القلع، وإن عاد نباتها فعلى ضربين:
أحدهما: أن تعود مساوية لأخواتها من المقدار والمكان فلا دية فيها ولا قود، فأما الحكومة فإن كان قد جرح محل المقلوعة حتى أدماه لزمته حكومة جرحه، وإن لم يجرحه ففي حكومة المقلوعة وجهان:
أحدهما: لا حكومة فيها؛ لأنها تسقط لو لم تقلع.
والوجه الثاني: فيها حكومة؛ لأنه قد أفقده منفعتها.
ولو قبل بوجه ثالث: إنه إن قلع في زمان سقوطها فلا حكومة فيها، وإن قلعها قبل زمانها ففيها حكومة كان مذهبًا، لأنها قبل زمان السقوط نافعة وفي زمانه مسلوبة المنفعة.
والضرب الثاني: أن يعود نباتها مخالفًا لنبات أخواتها، وهو أن يقاس الثنية بالثنية، والرباعية بالرباعية، والناب بالناب، ولا يقاس ثنية برباعية، ولا ناب، ويقاس سفلى بسفلى، ولا يقاس عليا بسفلى وإذا كان كذلك لم يخل حال اختلافهما من أربعة أقسام:
أحدها: أن يختلف في المقدار، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تعود أطول من أختها فلا شيء عليه في زيادة طولها وإن شان أو ضر، لأن الزيادة لا تكون من جناية؛ لأن الجناية نقص لا زيادة وكذلك نبت معها سن زائدة.
والثاني: أن تعود أقصر من أختها فعليه من ديتها بقدر ما نقص من نباتها، لحدوثه في الأغلب عن جنايته.
والقسم الثاني: أن يختلف في المحل فتنبت هذه العائدة خارجة عن صف أخواتها أو داخلة، أو راكبة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تذهب منافعها بخروجها عن محلها لخلوه وانكشافه ففيها الدية تامة.
والثاني: أن تكون منافعها باقية، لأنها قد سدت محلها وقامت مقام أختها، فلا دية فيها، لكمال منافعها، وفيها حكومة لقبح بروزها عن محلها.
والقسم الثالث: أن يختلفا في المنفعة فتكون أقل من منفعة أختها مع نباتها في محلها ففيها قولان:
أحدهما: فيها الدية تامة.
والثاني: فيها حكومة، ولو قيل تكمل ديتها إن ذهب أكثر منافعها، وحكومة إن ذهب أقلها كان مذهبًا.
والقسم الرابع: أن يختلف في اللون فتغير لونها مع بياض غيرها، فإن تغير بصفرة كان فيها حكومة، وإن تغير كانت حكومتها أكثر من حكومة الصفرة، وإن تغير بسواد فصارت سودًا فالصحيح من مذهب الشافعي أن فيها حكومة هي أزيد من حكومة الصفرة والخضرة؛ لأن شين السواد أقبح، وخرج قول آخر أن فيها ديتها تامة، وسنذكر ذلك في السن إذا اسودت بجنايته.
فصل:
فإن مات الصبي قبل أن يبلغ زمان نباتها ففيها قولان:
أحدهما: فيها الدية تامة؛ لأنه قلع سنًا لم تعد.
والقول الثاني: فيها حكومة؛ لأن الظاهر عودها لو بلغ زمان نباتها.
ولو مات بعد أن طلع بعضها، وبقى بعضها فهو على القولين يجب فيها على أحدهما قسط ما تأخر طلوعه من الدية، وحكومة في القول الثاني هي أقل من حكومة ما لم يعد.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والضرس سن وإن سمي ضرسًا كما أن الثنية سن، وإن سميت ثنية وكما أن اسم الإبهام غير اسم الخنصر وكلاهما أصبع وعقل كل أصبع سواء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: ديات الأسنان متساوية مع اختلاف أسمائها
ومنافعها, ومن كل سن منها خمس من الإبل, تستوي فيه الثنية والضرس والناب والناجز, وحكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه جعل فيما ظهر من أسنان الفم بالكلام والأكل خمسًا من الإبل في كل سن, وجعل فيما غاب من الأضراس بعيرين في كل ضرس, وقيل: بعيرًا, لأن مقاديم الأسنان تشارك مواخيرها في المنفعة وتختص بالجمال, فيفضل بين دياتها, واختلف عنه في مفاضلة ديات الأصابع, فروي عنه أنه فاضل بينهما كالأسنان, وروي أنه سوى بينهما وإن فاضل بين الأسنان, واختلف عنه هل رجع عن هذا التفاضل أم لا؟ فحكى قوم أنه رجع عنه, وحكى آخرون أنه لم يرجع, وقد أخذ بما قاله عمر - رضي الله عنه - قوم من شواذ الفقهاء لقضائه بذلك في إمامته وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: عموم النص من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "في كل سن خمس من الإبل" وهو اسم يعم كل سن ولأن اختلاف المنافع غير معتبر فيما تقدرت دياته من وجهين:
أحدهما: أن منافع الميمان من الأعضاء أكثر من منافع مياسرها تساوي دياتها.
والثاني: أن منافعها تختلف بالصغر والكبر, والقوة والضعف, ودياتها مع اختلاف منافعها سواء, كذلك الأسنان, وعلى أن لكل سنة منفعة ليس لغيره فلم تقم منفعة الثنية مقام منفعة الضرس.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن نبتت سن رجل قلعت بعد أخذه أرشها قال في موضع: يرد ما أخذ وقال في موضع آخر: لا يرد شيئًا, قال المزني - رحمه الله - هذا أقيس في معناه عندي لأنه لم ينتظر بسن الرجل كما انتظر بسن من لم يثغر هل تنبن أم لا؟ فدل ذلك عندي من قوله: إن عقلها أو القوم منها قم تم, ولولا ذلك لانتظر كما لم يرد شيئًا ولو قطعه آخر ففيه الأرش تامًا ومن أصل قوله أن الحكم على الأسماء.
قال المزني: وكذلك السن في القياس نبتت أو لم تنبت سواء إلا أن تكون في الصغير إذا نبتت لم يكن لها عقل أصلًا فيترك له القياس".
قال في الحاوي: وقد تقدمت هذه المسألة وقلنا: إن سن المثغور إذا قلعت لم ينتظر عودها, وقضى له بقودها أو ديتها؛ لأنها لا تعود في الأغلب بخلاف الصغير الذي تعود سنه في الأغلب, فلو عادت سن المثغور بعد أخذ ديتها ففي وجوب ردها قولان:
أحدهما: يجب ردها كالصغير, إذا عادت سنة فعلى هذا هل يبقى منها شيء للألم وسيلان الدم أم لا؟ على وجهين ابن أبي هريرة:
أحدهما: يرد الكل ولا يبقى شيء منها وهو الظاهر من كلام الشافعي ها هنا.
والوجه الثاني: يبقى منها قدر حكومة الألم وسيلان الدم ويرد ما سواه.
والقول الثاني: اختاره المزني أن المثغور لا يرد ما أخذه من الدية لقود سنه, لأمرن ذكرهما المزني:
أحدهما: أنه لما لم ينتظر بالدية عود سنه لم يلزمه ردها بعوده.
والثاني: أن دية اللسان لما لم يلزم ردها بعد نباته لم يلزم رد دية السن بعد عوده, وكلا الأمرين معلول, أما الأول في ترك الانتظار فلأن المعتبر في الجنايات الأغلب من أحوالهما دون النادر, والأغلب من سن المثغور أن لا تعود, ومن سن الصغير أن تعود فانتظر بالصغير ولم ينتظر بالمثغور, وأما نبات اللسان فهو أكثر ندورًا وأبعد وجودًا.
قال أبو علي عن بن أبي هريرة: وقد كنا ننكر على المزني حتى وجدنا في زماننا رجلًا من أولاد الخلفاء قطع لسانه فنبت فعلمنا أن مثله قد يكون, وإذا كان كذلك فالحكم من نبات اللسان محمول على عود اللسان, فإن قيل: إن عود السن لا يوجب رد ديتها, فأولى أن يكون نبات اللسان لا يوجب رد دينه, وإن قيل: إن عود السن يوجب رد ديته فقد اختلف أصحابنا من عود اللسان هل يوجب رد ديته أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: يوجب نبات اللسان رد ديته كما أوجب عود السن رد ديتها, فسوى بينهما وأسقط استدلال المزني, فعلى هذا يستبقى قدر الحكومة من قطع الأول وجهًا واحدًا ورد ما زاد عليها.
والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: لا ترد دية اللسان وإن رد دية السن, والفرق بينهما أنه في جنس السن ما يعود في الغالب فألحق به النادر, وليس في جنس اللسان ما يعود فصار جميعه نادرًا, ولذلك وقف سن الصغير دون الكبير, ولم يوقف لسان الصغير والكبير فافترقا والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والأسنان العليا في عظم الرأس والسفلى في اللحيين ملتصقتين ففي اللحيين الدية وفي كل سنة من أسنانها خمس من الإبل".
قال في الحاوي: أما أسنان الفم فأعلاها عظم الرأس وأسفلها في اللحيين واللحيان يجتمع مقدمها في الذقن ومؤخرهما في الأذن, فإن قلع الأسنان مع بقاء اللحيين كان في كل سن منها خمس من الإبل إذا لم ترد على العشرين سنًا, ويستكمل في العشرين دية كاملة, وإن زادت على العشرين وبلغت اثنين وثلاثين سنًا وهي غاية الأسنان المعهودة, فإن قلعها واحدًا بعد واحد كان في كل واحد منها خمس من الإبل, فيجتمع
في جميعها مائة وستون بعيرًا, وإن قلع جميعها دفعة واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: يجب فيها كمال الدية ولا يزاد عليها, لأن ما يجانس في البدن من ذوات الأعداد لم تجب فيه أكثر من الدية كسائر الأعضاء والأطراف.
والوجه الثاني: أنه يجب في كل سن منهما خمس, وإن زادت على دية النفس؛ لأن لكل سن منها حكمها, وليس بعضها تبعًا لبعض, وكما لو قلعها متفرقًا, فأما اللحيان إذا قلعهما فلا يخلو أن يكون عليهما أسنان أو لا يكون فإن لم يكن عليها أسنان إما من طفل لم تطلع أسنانه أو في شيخ قد سقطت أسنانه ففيها الدية, لما فيها من كثرة الجمال وعظم المنفعة, وأن ذهابها أخوف على النفس وأسلب للمنافع من الأذن, فكان بإيجاب الدية أولى, فإن قلع أحد اللحيين وتماسك الآخر كان عليه نصف الدية, لأنها لما كملت فيها نصفت من أحدهما كاليدين, فأما القود فإن أمكن فيهما أو في أحدهما وجب, وإن تعذر سقط, وإن كان في اللحيين أسنان فمعلوم أنها لا تنبت مع قلعها فعليه دية اللحيين وديات الأسنان, ولا تدخل دياتها في دية اللحيين, فإن قيل: فهلا دخلت ديتها في دية اللحيين لحلولها فيها كما دخلت دية الأصابع في دية اليد, قيل: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن اسم اليد ينطلق على الكف والأصابع ولا ينطلق اسم اللحيين على الأسنان ولا اسم الأسنان على اللحيين.
والثاني: أن اللحيين قد يتكامل خلقهما مع عدم الأسنان في الصغير ويبقيان على كمالهما بعد ذهاب الأسنان من الكبير ولا يكمل خلق اليد إلا مع أصابعها, ولا تكون كاملة بعد ذهابها.
والثالث: أن اللحيين منافع غير حفظ الأسنان, وللأسنان منافع غير منافع اللحيين, فانفرد كل واحد منهما بحكمة وليس كذلك من منافع الكف, لأنه يحفظ الأصابع, فإذا زالت بطلت منافعها فصارت تبعًا لهما فلو جني على لحييه فيبستا حتى لم ينفتحا ولم ينطبقا ضمنهما بالدية كاليد إذا شلت, ولا يضمن دية الأسنان وإن ذهبت منافعها, لأنه لم يجن عليها, وإنما وقف نفعها بذهاب منافع غيرها, نص عليها الشافعي في كتاب "الأم" فلو أعوج اللحيان لجنايته وجب عليه حكومة بحسب شينه وضرره, ولا يبلغ بها الدية إذا كانا ينطبقان وينفتحان.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ضربها فاسودت ففيها حكومة, وقال في كتاب عقولها ثم عقلها, قال المزني - رحمه الله -: الحكومة أولى؛ لأن منفعتها بالقطع والمضغ ورد الريق وسد موضعها قائمة كما اسود بياض العين لم يكن فيها إلا حكومة؛
لأن منفعتها بالنظر قائمة".
قال في الحاوي: أما إذا ضرب سنه فاصفرت أو اخضرت ففيها حكومة إذا لم يذهب شيء من منافعها وحكومة الخضرة أكثر من حكومة الصفرة؛ لأنها أقبح, فأما إن ضربها فاسودت فقد قال الشافعي ها هنا, فيها حكومة كما لو اصفر أو اخضرت, وقال في كتاب العقل ثم عقلها فاختلف أصحابنا فكان المزني والمتقدمون منهم يخرجون ذلك على اختلاف قولين:
أحدهما: فيها حكومة واختاره المزني, لبقاء منافعها بعد سوادها كما لو جني على عينه فاسود بياضها لبقاء نظرها بعد سواد البياض.
والقول الثاني: فيها الدية تامة, لذهاب جمالها بالسواد, وذهب جمهور أصحابنا ومتأخرون إلى أن ذلك على اختلاف حالين وليس على اختلاف قولين, والمواضع الذي أوجب فيها حكومة إذا كانت باقية المنافع والمواضع الذي أوجب فيها الدية إذا ذهبت منافعها, وهذا أشبه؛ لأنه قد بقي بعد اسودادها أكثر جمالها, وهو سر موضعها فلم يجز أن يجب فيها مع بقاء أكثر جمالها وجميع منافعها دية, فلو قلع سنًا سوداء سئل عنها أهل العلم بها فإن قالوا: اسودادها من غذاء أو طول مكث كملت فيها الدية, وإن قالوا: من مرض كان في كمال ديتها قولان على اختلافهما في السن إذا ذهب بعض منافعها والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي اليدين الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, وهو نص السنة, وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي اليدين دية" ولأنهما من أعظم الأعضاء نفعًا في البطش والعمل, وفي إحدى اليدين نصف الدية لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمين: "وفي اليد خمسون من الإبل" وإذا كان كذلك فاليد التي تكمل فيها الدية أن تقطع من مفصل الكف, فإن قطعها من الذراع أو العضد وجب في الكف دية وفيما زاد من الذراع حكومة, فإن زاد إلى العضد كانت الحكومة فيه أكثر, وقال سفيان الثوري: إن قطعها من المرفق فليس عليه إلا دية, وإن زاد على المرفق ففي الزيادة حكومة؛ لأن حكم اليد يستوعبها إلى الذراع ويفارقها بعده كالوضوء.
وقال أبو عبيد بن حربويه من أصحابنا: الاسم يتناولها إلى المنكب وليس عليه إذا
استوعب قطعها إلى المنكب إلا الدية دون الحكومة, لأن عمار بن ياسر تيمم حين أطلق ذكر اليد في التيمم إلى المناكب تعويلًا على مطلق الاسم حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يكفيك ضربة لوجهك وضربة لذراعك" وكلا المذهبين خطأ لقول الله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] فلو اقتضى إطلاق اليد إلى المرفق لاقتصر على الإطلاق ولما قيدها بالمرافق, فبطل قول سفيان, ولما جعل المرفق غاية دل على أن حد اليد ما دون الغاية فبطل به قول أبي عبيد؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من مفصل الكف دل على أنها هي اليد لغة وشرعًا, ولأن الدية تكمل في الرجل إذا قطعت من مفصل القدم, لأنها تقطع منه في السرقة, كذلك اليد لما قطعت في السرقة من الكف وجب أن يختص بكمال الدية.
فصل:
فإن قطع أصابع الكف كملت فيها دية الكف, لأن ما أبقاه منها بعد قطع الأصابع مسلوب المنفعة, وتكون دية اليد مقسطة على أعداد الأصابع بالسوية, فيجب في كل إصبع عشر من الإبل, لأنها في المعهود تقسطت عليها خمسون فكان قسط كل إصبع منها عشر, ولا يفضل إبهام على خنصر.
وحكي عن عمر - رضي الله عنه - أنه فاضل بين ديات الأصابع في إحدى الروايتين عنه فجعل في الخنصر ستًا, وفي البنصر تسعًا, وفي الوسطى عشرًا, وفي السبابة عشرًا, وفي الإبهام ثلاثة عشر, فقط الخمسين على الأصابع الكف هذا التقسيط المختلف اعتبارًا باختلاف المنافع, ولأن البنصر وراء الخلاف وهو ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي اليدين الدية وفي الرجلين الدية وفي كل إصبع مما هناك عشر من الإبل", وروى أوس بن مسروق عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والأصابع سواء".
قال شعبة: قلت لغالب التمار حين روى ذلك عن أوس بن مسروق عشرًا عشرًا؟ قال: نعم, وروى يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأصابع سواء والأسنان سواء" وهذه نصوص لا يجوز خلافها, ولأنه لو جاز أن
يفاضل بينهما لتفاضل المنفعة لكان ذلك في أصابع الرجلين, ولفضلت اليمنى على اليسرى, والقوية على الضعيفة, والكبيرة على الصغيرة, ولم يقل بذلك أحد اعتبارًا بمطلق الاسم كذلك في الأصابع
فصل:
ولو جني على يده فشلت كملت ديتها, وإن كانت باقية بعد الشلل لذهاب منافعها, كما لو جني على عينة فذهب بصرها, فإن شلت إصبع منها ففيها ديتها, فإن قطعت بعد الشلل كان فيها حكومة لا تبلغ دية السليمة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الرجلين الدية وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الرجلين الدية وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل".
ولرواية معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي الرجلين الدية" ولأن الرجلين من أعظم الأعضاء نفعًا؛ لأن عليها يسعى, وبها يتصرف وفي إحدى الرجلين نصف الدية, لرواية عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتابه إلى اليمين: "وفي الرجل خمسون من الإبل" ولأنها واحد من عضوين كاليدين, ولا فضل ليمنى على يسرى, وفي كل إصبع من أصابعها عشر من الإبل كأصابع اليدين, ولا يفضل إبهام على خنصر فإن شلت كان فيها ديتها كالمقطوعة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي كل أنملة ثلث عقل أصبع إلا أنملة الإبهام فإنها مفصلات ففي أنملة الإبهام نصف عقلة الإصبع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لم قسط رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الكف على أعداد أصابعها وجب أن يقسط دية الإصبع على أعداد أناملها وفي كل إصبع ثلاث أنامل, فيكون في كل أنملة ثلث دية إصبع ثلاثة أبعرة وقال مالك: أنملة الإبهام كغيرها فيها ثلث دية إصبع, لأنها ثلاث أنامل أحدها باطنة وهذا فاسد, لأن لجميع الأصابع أنامل
باطنة, وإنما يسقط ديتها على ما ظهر من أناملها, والظاهر من الإبهام أنملتان ومن غيرها ثلاث أنامل, فلو خلق لرجل في إبهامه ثلاث أنامل وجب في كل أنملة منها ثلث دية الإصبع, ولو خلق في غيرها أربع أنامل كان في كل أنملة منها ربع دية الإصبع, ولو خلقت له خمس أنامل كان في كل أنملة منها خمس ديتها, تقسيطًا لدية الأصابع على أعداد أناملها, وكذلك لو نقصت فكانت أنملتين كان في إحداهما نصف ديتها, فإن قيل: فلم قسطتم دية الإصبع على ما زاد من أناملها ونقص ولم تفعلوا مثل ذلك في الأصابع إذا زادت ونقصت وجعلتم في الإصبع الزائدة حكومة ولم يقسطوا دية الكف على ما بقي من الأصابع بعد الأصبع الناقصة؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه لما اختلفت الأنامل في أصل الخلقة المعهودة بالزيادة والنقصان كان كذلك في الخلقة النادرة, ولما لم يختلف الأصابع في أصل الخلقة المعهودة, فارقها حكم الخلقة النادرة.
والثاني: أن الزائدة من الأصابع متميزة ومن الأنامل غير متميزة فلذلك ما اشتركت الأنامل وتفردت الأصابع.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وأيها شل تم عقلها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح بشلل الأنامل موجب لديتها كشلل الأصابع, وليس يشل بعض الأنامل إلا في أعاليها, ولا يصح أن تشل أنملة وسطى مع سلامة العليا, وفي الأنامل القود على ما مضى فإن قطع بعض أنملة لم يجب فيها قود لأنها من غير منفصل, فإن تقدر المقطوع منها لزم فيه من ديتها بقدر المقطوع منها, وإن لم يتقدر ففيه حكومة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قطعت من الذراع ففي الكف نصف الدية وفيما زاد حكومة وما زاد على القدم حكومة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, وقد مضى وذكرنا أن دية اليد ينتهي كمالها إلى مفصل الكوع الذي بين الكف والذراع, فإن انتهى القطع إلى الذراع كان في الكف ديتها وفي الزيادة حكومة تقل بقلة ما قطع من الذراع وتزيد بزيادته, فإن قطعها من المرفق كانت الحكومة أزيد, ويجب فيه القود, ولا يجب فيه إذا قطع من دون المرفق اعتبارًا بالمفصل, فإن قطع من المنكب حتى استوعب بالقطع الذراع مع العضد وجب فيه القود إذا كان من مفصل, ولا يجب في الزيادة على الكف إلا حكومة هي أقل من دية الكف, لأن الزيادة عليها أصل لها يتبعها في حكمها, وكذلك دية الرجل ينتهي كمالها إلى قطع
القدم من مفصل الكعب, فإن زاد بقطعها من الساق ففي الزيادة حكومة فإن قطعها من مفصل الركبة كانت الحكومة أكثر, وفيها القود, فإن قطعها من نصف الفخذ كانت الحكومة أكثر ولا قود, فإن قطعها من أصل الورك كانت الحكومة أكثير وفيه القود, ولا يبلغ بالحكومة دية القدم كما ذكرنا في اليد.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي قدم الأعرج ويد الأعسم إذا كانتا سالمتين الدية".
قال في الحاوي: أما العرج في الرجل فقد يكون تارة من قصور أحد الساقين, فتصير إحدى الرجلين أقصر من الأخرى, فيعرج إذا مشى بالميل على القصرى, وفيها الدية الكاملة, لأن القدم سليمة والنقص في غيرها, كما يكمل في ذكر العنين الدية, وأذن الأصم لأن النقص في غيره, وأما يد الأعسم فقد ذهب آخرون إلى أنه اعوجاج الرسغ إلى أن يخرج زند الذراع كوع الكف وأيهما كان فالدية في كف الأعسم كاملة, لأن العسم نقص في غير الكف فساوت غيرها.
فصل:
ولو خلع كفه من الزند حتى الموجب لم يجب فيه القود, لتعذره فيه حكومة, فإن جبرت فعادت بالجبر إلى استقامها قلت الحكومة فيها, وإن لم تعد إلى الاستقامة كثرت حكومتها فإن قال الجاني: أن أعيد خلعها وأجبرها لتعود إلى استقامتها منع من ذلك, لأنه ابتداء جناية منه, فإن فعل وخلعها فعادت بعد الجبر مستقيمة لم يسقط عنه ما وجب من الحكومة المتقدمة, ولزمته حكومة ثانية في الخلع الثاني, غير أن الحكومة الأولى أكثر, لأنها عادت معوجة, والحكومة الثانية أقل لأنها عادت مستقيمة, وهكذا لو كسر ذراعه من العظم حتى انتقصت, وتشظى فإن جبرت وعادت إلى حالها ففيها حكومة بقدر الألم والشين, وإن عادت بعد الجبر ناقصة البطش زيدت الحكومة في ذهاب البطش, فإن ذهب جميع بطشها كملت ديتها كالشلل وكذلك مثله إذا كان في خلع القدم وكسر الساق وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو خلقت لرجل كفان في ذراع إحداهما فوق الأخرى فكان يبطش بالسفلى ولا يبطش بالعليا فالسفلى هي الكف التي فيها القود
والعليا زائدة وفيها حكومة وكذلك قدمان في ساق فإن استوتا فهما ناقصتان فإن قطعت إحداهما ففيها حكومة لا تجاوز نصف دية قدم وإن قطعتا معًا ففيهما دية قدم ويجاوز بها دية قدم وإن قطعت إحداهما ففيها حكومة فإن عملت الأخرى لما انفردت ثم عاد فقطعها وهي سالمة يمشي عليها ففيها القصاص مع حكومة الأولى".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا خلق لرجل كفان في ذراع أو ذراعان في عضد, أو عضدان, في منكب فلا يخلو فيها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يبطش بهما ولا بواحدة منهما فهما يد ناقصة لا قود فيهما ولا في واحدة منهما ولا دية فيهما ولا في واحدة منهما, لأن عدم البطش قد أذهب بمنافعهما, وذهاب المنافع يمنع من القود والدية كالشلل, وفيهما حكومة لا يبلغ بها دية يد باطشة, وفي إحداهما حكومة على النصف من حكومتهما إلا أن تكون إحداهما أزيد شيئًا فيزاد في حكومتهما, فلو بطشت الباقية منهما بعد المقطوعة علم أنها هي اليد من أصل الخلقة فيجب فيها القود إن قطعت وكمال الدية.
فصل:
والقسم الثاني: أن يبطش بأحدهما ولا يبطش بالأخرى فالباطشة هي اليد وفيها القود أو الدية وغير الباطشة هي الزائدة لا قود فيها ولا دية, وفيها حكومة وسواء كانت الباطشة في استواء الذراع أو منحرفة عنه, لأننا نستدل على الأصل بمنافعه كما نستدل على الخنثى المشكل ببوله, فإن قطعت الزائدة فصارت الباطشة غير باطشة لزم ديتها كاملة مع حكومة الزائدة ويقوم ذهاب بطشها مقام الشلل, ولو قطعت الباطشة فحكم فيها القود أو كمال الدية, ثم صارت غير الباطشة باطشة وجب فيها كمال الدية إن قطعت, لأنها يد باطشة, ويجيء في رد ما أخذه من الأول من كمال الدية وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في المثغور إذا أخذ دية سنة فعادت: أحدهما: لا يرد من كمال ديتها شيئًا وتكون هذه قوة أحدثها الله تعالى به, والثاني: يرد ما زاد على قدر حكومتها من كمال الدية, لأن البطش قد انتقل إلى الباقية فلم يسلبه الأول بطشه وبقاء البطش يمنع من كمال الدية.
فصل:
والقسم الثالث: أن يكون باطشًا بهما جميعًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون بطشه بإحداهما أكثر من الأخرى, فأكثرهما بطشًا هي الأصل يجب فيها القود أو كمال الدية وأقلهما بطشًا هي الزائدة لا قود فيها وفيها حكومة كما يستدل في إشكال الخنثى بقوة بوله.
والضرب الثاني: أن يستوي بطشه بهما فيسقط الاستدلال بالبطش لتكافئه ويعدل إلى غيره, كما إذا سقط الاستدلال في الخنثى بالبول عند التساوي عدل إلى غيره من الأمارات, وإذا كان كذلك لم يخل حالهما من أن يستويا في القدر أو يختلفا, فإن
الأمارات وإذا كان كذلك لم يخل حالهما من أن يستويا في القدر أو يختلفا فإن اختلفا فكانت إحدى الكفين أكبر من الأخرى فالكبيرة هي الأصل تكمل فيها الدية والصغيرة هيا الزائدة يجب فيها حكومة, فإن استويا في القدر ولم تزد إحداهما على الأخرى فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون إحدى الكفين في استواء الذراع والأخرى عادلة عنه, فتكون التي في استواء الذراع هي الأصل تكمل فيها الدية والخارجة عن استوائه زائدة يجب فيها حكومة.
والضرب الثاني: أن يستويا في مخرج الذراع, فإن كانت إحداهما كاملة الأصابع, والأخرى ناقصة فذات الكمال هي الأصل وذات النقص هي الزائدة, فلو كانت إحداهما كاملة الأصابع والأخرى زائدة الأصابع لم يكن في الزيادة مع الكمال دليل, وإن كانت في الكمال مع النقصان دليل؛ لأن الزيادة نقص فلم يستدل بها على أصل فإذا عدمت الأمارات الدالة على تميز الأصل من الزيادة واعتدلت في الكفين معًا فهما يدان زائدتان إن قطعهما قاطع وكان عليه القود وحكومة من الزيادة, وإن قطع إحداهما فلا قود عليه لعدم المماثلة, وعليه نصف دية يد وزيادة حكومة؛ لأنها نصف يد زائدة فإن قطع إصبعًا من إحداهما فعليه نصف دية إصبع وزيادة حكومة لأنها نصف إصبع زائدة, وإن قطع أنملة إصبع من إحداهما فعليه نصف دية إصبع وزيادة حكومة لأنها نصف أنملة زائدة, فأما القود في ذلك فيسقط إلا أن يقطع إصبعين متماثلين من الكفين قبل أن يقطع إبهام كل واحدة من الكفين فيقتص من إبهامه ويؤخذ منه حكومة في الزيادة كما يقتص من كفه إذا قطع الكفين وتؤخذ منه حكومة في الزيادة, ولو قطع من إحداهما إبهامًا ومن الأخرى خنصرًا فلا قود عليه في الإبهام ولا في الخنصر, لنقص كل واحد منهما, ويؤخذ منه دية إصبع وزيادة حكومة لأنها إصبع زائدة.
فصل:
ولو خلق له قدمان في ساق, أو ساقان في فخذ, أو فخذان في ورك فحكم ذلك جار مجرى الكفين في تكافؤ اعتبار المشي بهما, فإن كان لا يمشي بهما فهما رجل ناقصة لا قود فيها ولا دية, وفيها حكومة, وإن كان يمشي بواحدة منهما دون الأخرى فالتي يمشي بها هي القدم يجب فيها القود أو الدية, والأخرى زائدة لا قود فيها ولا دية, وفيها حكومة, فإن كانت إحداهما طويلة والأخرى قصيرة وهو يمشي على الطويلة دون القصيرة لزيادتها فقطعت الطويلة فصار يمشي على القصيرة ففي القصيرة بعد الطويلة دية كاملة, وفي قطع الطويلة ما قدمناه من الوجهين وإن كان يمشي على كلا القدمين فهو كبطشه بالكفين في اعتبار الكبر والصغر, ثم اعتبار الاستواء والعرج فإن حصل التساوي فيهما من كل وجه فهما رجلان زائدتان يجب فيهما القود وزيادة حكومة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الإليتين الدية وهما ما أشرف على الظهر من المأكمتين إلى ما أشرف على استواء الفخذين وسواء قطعتها من رجل أو امرأة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, في الإليتين الدية من الرجل والمرأة لأنهما عضوان فيهما جمال ومنفعة, لأنهما رباط المفصل الورك وبهما يستقر الجلوس فكملت الدية فيهما كاليدين والرجلين, وساء ذلك في الصغير والكبير, ومن كان أرسخ الإلية معروقها, أو لحيم الإلية غليظها ففيها القصاص إذا استوعبها من الحد الذي بينه الشافعي, وأسقط المزني القصاص فيهما, لأنهما لحم متصل بلحم كقطع لحم بعض الفخذ, وليس كذلك لأن حدهما يمنع من تجاوزهما, فإن تعذر القصاص سقط ووجبت الدية, فإن قطع إحدى الإليتين فنصف الدية كقطع إحدى الرجلين ولو قطع بعض إحداهما وعلم قدر المقطوع منها ففيه من الدية بحسابه فإن جعل ففيه حكومة, ولو قطعهما حتى أبقاهما على جلد لم تنفصل وأعيدتا فالتحمتا كان فيهما حكومة كالجراح المندمل, ولو ثبتت الإليتان بعد قطعهما لم يرد المأخوذ من ديتهما, وقد خرج في ردها قول آخر كاللسان إذا نبت.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكل ما قلت فيهما الدية ففي إحداهما نصف الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن النص وارد به, والإجماع منعقد عليه, والاعتبار موجب له, فإن وجبت في ثلاثة كالأنامل كان في كل واحدة منهما الثلث, وإن وجبت في أربعة كالجفون كان في كل واحد منهما ربع الدية, وإن وجبت في خمسة كالأصابع كان في كل واحد منهما الخمس, ثم على هذا القياس, لأن ما قابل الجملة تقسطت أجزاؤه على أجزائها كالأثمان.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا تفضل يمنى على يسرى".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن مطلق الاسم يتناولها, والنفع والجمال مشترك بينهما, ولئن تفاضلا في المنفعة فليس ذلك بموجب لتفاضل الدية, كما لا تفضل يد الكاتب والصانع على يد من ليس بكاتب ولا صانع, وكما لا نفضل يد الكبير القوي على يد الصغير الضعيف, وعلى أن لمياسر الأعضاء نفعًا ربما لم يكن لميامنها, فإن قيل: فإذا
تساويا في حكم الدية فهلا تساويا في القود فجاز أخذ اليمنى باليسرى, قيل: القود يعتبر فيه مع التساوي في الحكم التساوي في المحل وهما وإن اشتركا في الحكم فقد افترقا في المحل فكذلك لو استويا في الدية واختلفا في القود وكما لا تفضل اليمنى على اليسرى وإن اختلفتا في القود كذلك لا تفضل العليا على السفلى في الأنامل والأسنان وإن اختلفا في القود.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا عين أعور على عين ليس بأعور ولا يجوز أن يقال فيها دية تامة وإنما قضى النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية وعين الأعور كيد الأقطع".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا فقئت عين الأعور ففيها دية عين واحدة وهي نصف الدية كعين من ليس بأعور وهو قول جمهور الفقهاء.
وقال مالك: فيها جميع الدية وهو قول الزهري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق, احتجاجًا بأنه قول الأئمة وإجماع أهل المدينة, روي عن عمر بن الخطاب, وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - أنهم أوجبوا في عين الأعور الدية وأن علي بن أبي طالب - عليه السلام - خيره إذا كان للجاني عينان أن يقتص من إحداهما ويأخذ نصف الدية, وبين أن يعدل عن القصاص ويأخذ جميع الدية, وليس يعرف لقولهم مع انتشاره مخالف فكان إجماعًا, ولأن الأعور يدرك بعينه جميع ما يدركه ذو العينين, فإذا قلع عينه فقد أذهب بصرًا كاملًا فوجب أن يلزم فيه دية كاملة, وخالف يد الأقطع, لأنه لا يعمل بها ما كان يعمل بهما, ولذلك جاز في الكفارة عتق العوراء ولم يجز عتق القطعاء, ولأن ضوء العينين يحول فينتقل من إحدى العينين إلى الأخرى, ألا ترى أن من أراد تحديد نظرة في رمي أو ثقب أغمض إحدى عينيه ليقوي ضوء الأخرى فيدرك بها نظرًا لما يدرك مع فتح أختها, وإذا كان كذلك علم أن ضوء الذاهبة انتقل إلى الباقية فلزم فيها جميع الدية, ودليلنا رواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في العين خمسون من الإبل" ولم يفرق بين الأعور وغيره فكان على عمومه, وقول الصحابة يدفع بعموم السنة ولأنها عين واحدة لم تكمل فيها دية العينين كعين ذي العينين, ولأن كل واحد من عضوين إذا وجب فيهما نصف الدية مع بقاء نظيره وجب فيه ذلك النصف مع عدم نظيره كيد الأقطع, ولأنه لو قامت عين الأعور مقام عينين لوجب أن يقتص بها من عيني الجاني لقيامهما مقام عينيه, ولوجب إذا قلع عين الأعور إحدى عينين أن لا يقتص منه كما لا يقتص من عينين بعين, وفي الإجماع على خلاف هذا دليل على فساد ما قالوه؛ ولأنه لو
وجب في عين الأعور كمال الدية لوجب على من قلع عيني رجل واحدة بعد الأخرى أن تلزمه دية ونصف, لأنه قد جعله يقلع الأولى أعور فلزمه بها نصف الدية ويقلع الأخرى بعد العور جميع الدية ولم يقل به أحد, فدل على فساد ما اعتبروه, فأما الجواب عن احتجاجهم بالإجماع فمن وجهين:
أحدهما: أنه قد خالف فيه عائشة وزيد بن ثابت وعبد الله بن مغفل فلم يكن إجماعًا.
والثاني: أنه قد روي عن علي - عليه السلام - أنه رجع عما قالوا وخالفهم وأما قولهم إنه يدرك بالباقية ما كان يدركه بهما فعنه جوابان:
أحدهما: دفع هذه الدعوى, لأن الأعور لا يرى البعيد كرؤية ذي العينين وقد يكون بينهما ضعف المسافة فلم يسلم ما ادعوه.
والثاني: أنه لو أوجب هذا كمال الدية في العين الباقية لوجب مثله فيمن بقي سمعه من إحدى أذنية أن يلزم في ذهابه من الأذن الأخرى كمال الدية كمال قاله يزيد بن أبي زياد, لأنه يسمع بهما ما كان يسمع بهما ولم يقل بذلك في سمع الأذنين, فكذلك في ضوء العينين.
وأما قولهم: إن ضوء العين ينتقل من الذاهبة إلى الباقية ففاسد, لأنه لو كان كذلك لكان من قلع واحدة من عينين أن لا يلزمه ديتها لأن ضوءها قد انتقل إلى الأخرى فصار كالمجاني على عين لا ضوء لها, فلم يلزمه أكثر من حكومتها, وهذا مدفوع بالإجماع فدل على أن الضوء غير منتقل, وإنما يغمض الرامي إحدى عينيه, وكذلك الناظر في ثقب حتى لا ينتشر ضوء العينين ويقتصر على إحداهما ليستقيم تراجع السهم والثقب ولا يختلف السمت باختلاف النظرين, وأما فرقهم بين العوراء والقطعاء لفرق ما بينهما في الكفارة فقد كان الأوزاعي يسوي بينهما في كمال الدية ويقول: إن من قطعت يده في الجهاد كان الباقية إذا قطعت جميع الدية ونحن نسوي بينهما في أن كل واحدة منهما نصف الدية وأنت تخالف بينهما لافتراقهما في الكفارة وليس ذلك بصحيح, لأن من قطعت خنصر أصابعه يجزئ في الكفارة, ولا يدل على أن من قطع الكف بعد ذهاب خنصرها يلزمه جميع ديتها لإجزائها في الكفارة, كذلك عين الأعور.
فصل:
وإذا قلع الأعور عين بصير ذي عينين كان للبصير أن يقتص من الأعور, فإن عفا عنه كان له على الأعور نصف الدية.
وقال مالك: له أن يقتص من الأعور, فإن عفا عنه وجبه له على الأعور بعينه الواحدة جميع الدية, لأنه قد عفا الله عن جميع بصره, وهذا خطأ, لأن العفو عن القصاص يوجب دية العضو المجني عليه, لا دية المقتص منه, ألا ترى أن رجلًا لو قطع يد امرأة كان لها عليه أن تقتص من يده, فإن عفت عن القصاص كان لها دية يدها لا دية
يد الرجل, كذلك وجوبه القصاص على الأعور, وهكذا لو قطع عبد يد حر فعفا الحر عن القصاص كان له دية يد الحر لا دية العبد, لأن في العينين دية واحدة, وما قاله مالك يفضي إلى إيجاب ديتين, لأنه إذا قلع إحدى عينيه أعور أوجب عليه الدية ثم يصير بعد قلعها أعور, فيوجب فيها إذا قلعت دية ثانية, وما أفضى إلى هذا كان مطرحًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كسر صلبه فلم يطق المشي ففيه الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأنه قد أذهب جماله بكسر صلبه وأبطل تصرفه بذهاب مشيه فكملت فيه الدية, فإن كسر صلبه ولم يذهب مشيه وصار يمشي كالراكع وجب فيه حكومة لذهاب الجمال مع بقاء المنفعة, ولو صار بعد كسر صلبه منتصب الظهر لكن ذهب مشيه فعليه الدية تامة, لذهاب المنتفعين مع بقاء الجمال كما لو ضرب يده فشلت, فلو صار ضعيف المشي لا يقدر على السعي ولا على السرعة ففيه حكومة؛ لأنه قد أذهب من مشيه ما لا ينحصر, ولو انحصر لوجب فيه من الدية بقسطها, ولو صار لا يقدر على المشي إلا معتمدًا على عصا كانت عليه حكومة هي أكثر من حكومته لو مشي بغير عصا, وكلما أوجبناه في ذلك من الدية أو الحكومة فإنما نوجبه بعد استقرار الجناية بالتوقف عن الحكم بها حتى ينظر ما ينتهي إليه من أمرها, فلو حكم له بالدية لذهاب مشيه ثم صار يمشي من بعد استرجع منه ما أخذه من الدية إلا قدر حكومة الألم والشين, فإن اقترن بكسر الصلب وذهاب المشي شلل القدمين لزمته ديتان, إحداهما في ذهاب المشي, والأخرى في شلل الرجلين.
فإن قيل: فهلا وجبت دية الرجلين بذهاب المشي وإن لم يصر فيهما شلل, لأنه قد أبطل نفعهما, قيل: لأن منفعة الرجلين باقية في انقباضهما وبسطهما لا تذهب إلا بالشلل, وإنما ذهب المشي لنقص في غيرهما, فلذلك لم تجب ديتها إلا بشللهما.
فصل:
ولو كسر صلبه فعجز عن الجماع فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون عجزه عنه لضعف حركته مع بقاء منيه وانتشار ذكره ففيه حكومة, لأنه قد يقدر على الإنزال باستدخال ذكره.
والضرب الثاني: أن يكون عجزه عن الجماع لذهاب منيه وعدم انتشار ذكره ففيه الدية كاملة, لأنه قد أذهب منفعة الصلب بذهاب المني, فإن أنكر الجاني ما ادعاه نظر فإن اقترنت بدعواه علامة تدل عليه جعل القول قوله مع يمينه في ذهابه؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته, وإن لم يقترن به علامة سئل عنه أهل العلم به, فإن قالوا: لا يذهب منه
الجماع حلف الجاني ولم يلزم الدية, وإن قالوا: يجوز أن يذهب منه الجماع حلف المجني عليه واستحق الدية, ولو كسر صلبه فأذهب مشيه وجماعه معًا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه إلا دية واحدة, لأنهما منفعة عضو واحد, حكاه أبو حامد الإسفراييني,
والوجه الثاني: تلزمه ديتان وهو الظاهر من مذهب الشافعي, لأنهما منفعتان في محلين فلزمت فيهما ديتان, وإن كانت الجناية على محل واحد, كما لو قطع أذنه فذهب سمعه, أو جدع أنفه فذهب شمه.
فصل:
ولو جني عليه فالتوت عنقه وانعطف وجهه فصار كالملتفت وجهه وجبت فيه حكومة بحسب الشين والألم لا تبلغ بها الدية, لبقاء بعض المنافع ولو كان وجهه بعد الجناية على استقامته لكنه لا يقدر على الالتفات به كانت فيه حكومة الوجه دية ما ذهب من الكلام, فإن أذهب جميع كلامه بالتواء عنقه كملت دية الكلام وزيد في حكومة الالتواء, فإن كان لا يقدر على مضغ الطعام إلا بشدة ضم إلى ذلك حكومة في نقصان المضغ, فإن كان لا ينساغ الطعام ولا يصل إلى جوفه بوجور ولا غيره قيل: هذا لا يعيش ولا ينتظر به؛ فإن مات وجبت ديته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ودية المرأة وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر".
قال في الحاوي: دية المرأة في نفسها على النصف من دية الرجل وهو قول الجمهور, وقال الأصم وابن علية ديتها كدية الرجل لأمرين:
أجدهما: أن تساويهما في القصاص يوجب تساويهما في الدية.
والثاني: أن استواء الغرة في الجنين الذكر والأنثى يوجب تساوي الدية في الرجل والمرأة, لأن الغرة أحد الديتين.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور رواية معاذ بن جبل, وعمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ودية المرأة على النصف من دية الرجل", وهذا نص ولأنه قول
عمر, وعلي, وابن عباس, وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وليس بعرف لهم مخالف فصار إجماعًا, ولأن الدية مال والقصاص حد, والمرأة تساوي الرجل في الحدود فساوته في القصاص, ولا تساويه في الميراث وتكون على النصف منه لم تساوه في الدية, وكانت النصف منها وفيه انفصال, فأما الجنين فلأن اشتباه حاله في الحياة والموت والذكورية والأنوثية أوجبت حسم الاختلاف بإيجاب الغرة مع اختلاف أحواله فلم يجز أن يقاس عليه ما زال عنه الاشتباه والحسم فيه التنازع.
فصل:
فإذا أثبت أن ديتها في النفس على النصف من دية الرجل فقد اختلف الفقهاء في دية أطرافها وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر, وبه قال علي بن أبي طالب - عليه السلام - وهو قول أبي حنيفة من أهل الكوفة, وعبيد الله بن الحسن العنبري في أهل البصرة والليث بن سعد في أهل مصر.
وقال ابن مسعود وشريح: المرأة تعاقل الرجل إلى نصف عشر ديته, أي تساويه في الدية إلى نصف عشرها وهو دية السن والموضحة ثم تكون على النصف من الرجل فيما زاد عليه, وقال زيد بن ثابت, وسليمان بن يسار: تعاقل الرجل إلى دية المنقلة وذلك عشر الدية ونصف عشرها ثم تكون على النصف فيما زاد, وقال مالك: تعاقله إلى ثلث الدية أرش المأمومة والجائفة, ثم تكون على النصف عنه فيما زاد, وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومن التابعين سعيد بن المسيب والزهري, ومن الفقهاء أحمد وإسحاق وقد ذكره الشافعي في القديم فمن أصحابه من جعله مذهبًا له في القديم ومن أصحابنا من جعله حكاية عن مذهب غيره.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر, قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون, قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون, قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون فقلت له: لما عظمت مصيبتها قل عقلها, قال: هكذا السنة يا بن أخي, واستدل من ذهب إلى هذا برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها" ولعل سعيد بن المسيب أشار بقوله هكذا السنة إلى هذه الرواية, ولأن المرأة لما ساوت الرجل في الميراث إلى المقدر بالثلث وهو ميراث ولد الأم الذي يستوي فيه الذكر والإناث وكانت على النصف من الرجل فيما زاد على الثلث وجب أن تساويه في الدية إلى الثلث وتكون على النصف فيما زاد, ودليلنا هو أن نقص الأنوثة لما منع من مساواة الرجل في دية النفس كان أولى أن يمنع من مساواته فيما دونها من ديات الأطراف والجراح, لأن دية النفس أغلظ اعتبارًا
بالمسلم مع الكافر, ولأنه لما كان القصاص فيما دون النفس معتبرًا بالقصاص في النفس وجب أن تكون الدية فيما دون النفس معتبرة بدية النفس وهي فيه على النصف فكذلك فيما دونها.
وأما الجواب عن حديث عمرو بن شعيب فلم يسنده, لأن جده محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص لا صحبة له, وإنما يكون مسندًا إذا رواه عن جده عبد الله بن عمرو, ولأنه هو الصحابي وقد قال الشافعي: "لم أجد له نفاذًا" يعني طريقًا لصحبته, وأما الميراث فقد تكون فيه على النصف من الرجل فيما نقص من الثلث عند مقاسمة الإخوة, وإنما ساوت ولد الأم؛ لأن الإدلاء فيه بالرحم الذي يوجب تساوي الذكور والإناث فيه كفرض الأبوين, فإن تكن العلة فيه تقديره فلم يجز أن يحصل اختلاف والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ثدييها ديتها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن في الثديين جمالًا ومنفعة فصارا في الدية كاليدين وسواء كانا كبيرين أو صغيرين, من كبيرة أو صغيرة, نزل فيهما لبن أو لم ينزل, فإن قطعهما وأجاف ما تحتهما كان عليه الدية فيهما وأرش جائفتين تحتهما, ولو ضربهما فاستحشفتا ويبسا حتى صارا لا يألمان فهذا شلل, وفيها الدية كاملة؛ لأنه قد أبطل منافعهما وإن بقي الجمال فيهما, كما لو أشل يده, ولو ضربهما فذهبا مع بقاء الألم فيهما ففيهما حكومة, ولو ضربها فذهب لبنها فقد يجوز أن يكون ذهابه من الضرب ويجوز أن يكون من غيره فيسأل أهل العلم به, فإن قالوا: إن من الضرب كان فيه حكومة, وإن قالوا: من غيره فلا شيء عليه فيه, ولو قطع إحدى الثديين كان فيه نصف الدية كإحدى اليدين, وكذلك لو ضربه فشل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي حلمتيها ديتها لأن فيهما منفعة الرضاع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن جمال الثدي ومنفعته بالحلمة كما أن منفعة اليد بالأصابع, فإذا قطع الحلمتين كان فيهما الدية كاملة كما تكمل الدية بقطع الأصابع, فإن عاد أو غيره فقطع ما بقي من الثديين بعد قطع الحلمتين كان في بقيتهما حكومة كما يجب في قطع الكف بعد قطع أصابعها حكومة, وكذلك إذا استحشفت الحلمتان بجنايته كملت ديتها لذهاب منافعهما, فإن قطع إحدى الحلمتين أو أحشفهما كان فيها نصف الدية, ولو قطع بعض أجزائها كان فيه من الدية بقسطه, وهل يعتبر قسط المقطوع من نفس الحلمة أو من جميع الثدي على قولين من اختلاف قوليه في قطع بعض حشفة الذكر
هل يعتبر قسطه من الحشفة أو من جميع الذكر؟ على قولين نذكرهما من بعد, لأن محل الحلمة من الثدي محل الحشفة من الذكر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وليس ذلك في الرجل ففيهما من الرجل حكومة".
قال في الحاوي: أما ثدي الرجل فهو أقل منفعة وجمالًا من ثدي المرأة وإن لم يخل من منفعة وجمال وفي قطعهما منه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع فيهما حكومة؛ لأن كمال منفعتهما بالرضاع وذلك مختص بالمرأة دون الرجل, فوجب فيهما من الرجل حكومة ومن المرأة دية.
والقول الثاني: قال في كتاب الديات: فيهما الدية كاملة, لكمال نفعهما في الجنس, وإن كان أقل من نفعهما في غير الجنس, ولو قطعهما وأجاف موضعهما فعليه في إحدى القولين حكومة في الثديين ودية جائفتين.
وفي القول الثالث: دية كاملة في الثديين ودية جائفتين, ولو قطع حلمتي ثدييه كان على قولين:
أحدهما: فيهما حكومة دون حكومة الثديين.
والثاني: فيها دية كاملة كدية اليدين, وفي قطع إحداهما نصف الواجب من قطعهما من حكومة أو دية.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي إسكتيها وهما شفراها إذا أوعبتا ديتها والرتقاء التي لا تؤتي وغيرها سواء".
قال في الحاوي: أما الإسكتان وهما الشفران فهما ما غطى الفرج وانضم إليه من جانبيه كالشفتين في غطاء الفم, والجفون في غطاء العينين, وفيهما الدية كاملة إذا قطعا من الجانبين, لما فيهما من كمال المنفعة كالشفتين, فإن كان القاطع لهما امرأة وجب عليها القصاص إن أمكن, وقال المزني: لا قصاص من المكنة, لأنه قطع لحم من لحم وليس كذلك, لأن أحدهما في الخلقة يجري عليهما حكم المفصل في القصاص, وسواء قطعا مع بكر أو ثيب, صغيرة أو كبيرة يطاق جماعها, أو لا يطاق, من رتق أو قرن, لأن الرتق والقرن عيب في الفرج مع سلامة الإسكتين فجريا في كمال الدية مجرى شفتي الأخرس وأذني الأصم وأنف الأخشم, ولو ضرب إسكتيها فشلا كملت ديتها ولا قصاص فيهما كاليد إذا شلت, وهو بخلاف الأذن إذا استحشفت في أحد القولين, لأن شللهما قد
أذهب من منافعهما ما لم يذهب استحشاف الأذن, ولو قطع إحدى الإسكتين كان فيه نصف الدية كما لو قطع إحدى الشفتين, فأما الركب فهو بمنزلة العانة من الرجل, ومن قطعه من المرأة حكومة لا يبلغ بهما الدية, فإن قطعه مع الشفرين فعليه دية في الشفرين وحكومة في الركب والمخفوضة وغيرها سواء, والخفض قطع جلدة نابتة في أعلى الفرج مثل عرف الديك, وهي التي ورد الشرع بأخذها من النساء كالختان في الرجال, ولا شيء فيها إن قطعت بجناية من دية ولا حكومة لورود الشرع بأخذها تعبدًا, وإن كان يأخذها متعديًا إلا أن تسري فيضمن أرش سرايتها لتعديه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أفضى ثيبًا كان عليه ديتها ومهر مثلها بوطئه إياها".
قال في الحاوي: أما إفضاء المرأة فقد اختلف أصحابنا فيه فذهب أبو علي بن أبي هريرة وجمهور المصريين إلى أنه هتك الحاجز الذي بين سبيل الفرجين القبل والدبر, وذهب أبو حامد الإسفراييني وجمهور البغداديين إلى أنه هتك الحاجز الذي في الفرج بين مدخل الذكر ومخرج البول, وهذا قول أبي حنيفة, والأول أظهر, لأن خرق الحاجز الذي في القبل بن مدخل الذكر ومخرج البول, هو استهلاك لبعض منافعه وليس في أعضاء الجسد ما تكمل الدية في بعض منافعه, وإذا خرق ما بين السبيلين كان استهلاكًا لجميع المنافع فكان بكمال الدية أحق, فإن قيل بهذا أنه خرق ما بين السبيلين كان على خرق الحاجز الذي في القبل حكومة, وإن قيل: إنه خرق حاجز القبل كان خرق ما بين السبيلين أولى بوجوب الدية, فإذا ثبت هذا فالإفضاء مضمون بالدية الكاملة وإن كان البول معه مستمسكًا, فإن استرسل البول ولم يستمسك وجب مع دية الإفضاء حكومة في استرسال البول, وقال أبو حنيفة إن استرسل البول بالإفضاء ففيه الدية التامة وحدها من غير حكومة, وإن استمسك البول ففي الإفضاء ثلث الدية, واستدل على أنه لا حكومة عليه مع استرسال البول بأن ما ضمن إتلافه بالدية دخل غرم منافعه في ديته, كما لو قطع لسانه فأذهب كلامه, أو فقأ عينه فأذهب بصره, واستدل على أن فيه مع استمساك البول ثلث الدية بأنه ليس هتك هذا الحاجز بأعظم من حاجز الجائفة فلما وجبت في الجائفة ثلث الدية كان أولى أن لا يجب في الإفضاء أكثر من ثلث الدية, وتقدر بثلث الدية, لأنهما معًا هتك حاجز في جوف, والدليل على أن في استرسال البول حكومة زائدة على دية الإفضاء لما جاز أن يستمسك البول مع وجود الإفضاء, وجاز أن يسترسل علم أنه في غير محل الإفضاء, فصار من منافع غيره, فوجب أن يكون أرشه زائدًا على أرش الإفضاء, كما لو قطع أذنه فأذهب سمعه أو جذع أنفه فأذهب شمه لزمه غرمها, وخالف
ذهاب الكلام بقطع اللسان وذهاب البصر بفقء العين لاختصاصهما بمحل الجناية, إذ ليس يصح أن يتكلم مع قطع اللسان ولا يبصر مع فقء عينه, فلذلك لم يضمنها بزيادة على أرش الجناية, والدليل على أن في الإفضاء دية كاملة أن الأعضاء الباطنة في الجسد أخوف على النفس من الأعضاء الظاهرة, فكانت بكمال الدية أحق, وهذا الحاجز من تمام الخلقة ومخصوص بمنفعة لا توجد في غيره, لامتياز الحيض ومخرج الولد عن مخرج البول؛ لأن الحيض والولد يخرجان من مدخل الذكر, فإذا انخرق الحاجز بالإفضاء زال بالجناية عليه ما لا يقوم غير مقامه فأشبه الأعضاء المفردة من اللسان والأنف ولأن الإفضاء بقطع التناسل؛ لأن النطفة لا تستقر في محلق العلوق لامتزاجها بالبول فجرى مجرى قطع الذكر والأنثيين وفي ذلك كمال الدية, فكذلك الإفضاء, فأما الاستشهاد بالجائفة فغير صحيح, لأن دية الجائفة الثلث لاندمالها, ولو لم تندمل لأفضت غلى النفس فكمل فيها الدية, والإفضاء غير مندمل فكملت فيه الدية ولو اندمل لما كملت فيه الدية ولوجب فيه حكومة فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الإفضاء فلا يخلو من أن يكون بوطء أو بغير وطء, فإن كان بغير وطء وهو نادر لما يخل من أن يندمل أو لا يندمل, فإن اندمل ففيه حكومة, وإن لم يندمل ففيه الدية, فإن اقترن به استرسال البول ففيه مع الدية حكومة, فإن اقترن بالإفضاء ذهاب العذرة مع البكر وجب فيه مع دية الإفضاء حكومة العذرة على غير الزوج ولم يجب فيه على الزوج حكومة؛ لأنه مستحق لإزالتها باستمتاعه فاستوى الزوج وغيره في دية الإفضاء وحكومة استرسال البول, ولم يكن لهذا الإفضاء تأثير في وجوب المهر على الأجنبي, ولا في كماله على الزوج, لخلوه من وطء وإن كان هذا الإفضاء بوطء وهو الأغلب لم يخل حالة من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون من زوج في نكاح.
والثاني: أن يكون من وطء شبهة.
والثالث: أن يكون من زنا.
فأما القسم الأول: وهو أن يكون من زوج في عقد نكاح فعليه دية الإفضاء وكمال المهر, وقال أبو حنيفة: إفضاؤها غير مضمون على الزوج, وليس عليه أكثر المهر, استدلالًا بأن ما استبيح من الوطء لم يضمن به ما حدث من استهلاك كزوال العذرة, ولأن الفعل المباح لا تضمن سرايته كالقطع في السرقة, ودليلنا: هو أنها جناية قد يتجرد الوطء عنها فلم يدخل أرشها في حكمه كالوطء بشبهة لا يسقط بالمهر فيه دية الإفضاء, ولأنها حقان مختلفان وجبا بسببين مختلفين؛ لأنه مهر مستحق بالتقاء الختانين ودية مستحقة بالإفضاء فجزا اجتماعهما كالجزاء والقيمة في قتل العبد المملوك, ولأن الجنايات إذا ضمنها غير الزوج ضمنها الزوج كقطع الأعضاء, ولا يدخل عليه العذرة؛
لأنها من الزوج مستحقة, وبهذا فرقنا بينهما, وأما استدلاله بحدوث سرايته عن فعل مباح فليس ما أدى إلى الإفضاء مباحًا, وجرى مجرى ضرب الزوج يستباح منه ما لم يؤد إلى التلف ولا يستباح ما أدى إليه, وهو يضمن من الضرب ما أدى إلى التلف فوجب أن يضمن بالوطء ما أدى إلى الإفضاء.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الإفضاء من وطء شبهة فيلزم الواطئ بالشبهة مهر المثل بالوطء, ودية الإفضاء, ولا يسقط أحدهما بالآخر, وقال أبو حنيفة: يلزمه دية الإفضاء ويسقط بها المهر استدلالًا بأن ضمان العضو بإتلاف يدخل فيه ضمان المنفعة كما يضمن يده إذا قطعها بما يضمنها به لو أشلها, ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها" فكان على عمومه, ولأنها جناية قد تنفك عن وطء فوجب أن لا يدخل المهر في أرشها, كما لو قطع أحد أعضائها, ولأنهما حقان مختلفان وجبا بسببين مختلفين فلم يتداخلا كالقيمة والجزاء, وهذا يمنع من جمعهم بين قطع اليد وشللها, فإذا ثبت الجمع بين مهر المثل ودية الإفضاء لم يخل حال المفضاة من أن تكون بكرًا أو ثيبًا, فإن كانت ثيبًا التزم مفضيها ثلاثة أحكام, مهر مثلها ودية إفضائها, وحكومة استرسال بولها, وإن كانت بكرًا التزم الأحكام الثلاثة, وهل يلتزم معها أرش بكارتها أو تكون داخلًا في دية إفضائها؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه أرش البكارة, لأنه يلزمه وإن لم يفضها فكان لزومه مع إفضائها أولى.
والوجه الثاني: لا يلزمه مع دية الإفضاء أرش البكارة, ويكون داخلًا في الدية, لأنها جناية واحدة فوجب أن يدخل حكم ابتدائها في انتهائها كدخول أرش الموضحة في دية المأمومة, وقول الشافعي: "لو أفضى ثيبًا كان عليه ديتها", ليس بشرط؛ لأن إفضاء البكر والثيب في الدية سواء.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الإفضاء من وطء زنا فلا يخلو حال الموطوءة من أن تكون مطاوعة أو مكرهة, فإن كانت مطاعة فليس لها مهر ولا أرش البكارة؛ لأنها مبيحة له بالمطاوعة غير مبيحة للإفضاء وإن أباحت ذهاب العذرة وعليها الحد, وإن كانت مكرهة وجب لها مهر دية الإفضاء, وفي وجوب أرش البكارة وجهان على ما مضى من وطء الشبهة يجب في أحدهما ولا يجب في الآخر وعليه حد الزنا