باب أسنان الإبل المغلظة والعمد وكيف يشبه العمد الخطأ
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلقة في بطونها أولادها ". قال الشافعي رحمه الله: "فهذا خطأ في القتل، وإن كان عمداً في الضرب ".
قال في الحاوي: والأصل في وجوب الدية في الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلاَّ خَطَئًا ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فنص على دية أجمل بيانها حتى أخذ من السنة الذي قدمه الشافعي بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ".
فإذا ثبت وجوب الدية بالكتاب والسنة، فالقتل ينقسم ثلاثة أقسام:
قسم يكون عمداً محضاً.
وقسم يكون خطأ محضاً.
وقسم يكون عمد الخطأ يأخذ من العمد شبهاً ومن الخطأ شبهاً.
فأما العمد المحض: فهو أن يكون عامداً في فعله بما يقتل مثله قاصداً لقتله، وذلك أن يضربه بسيف أو ما يقتل مثله من المثقل عامداً في الفعل قاصداً للنفس.
وأما الخطأ المحض: فهو أن لا يعمد الفعل ولا يقصد النفس، وذلك بأن يرمي من الفعل، والقصد.
وأما عمد الخطأ: فهو أن يكون عامداً في الفعل غير قاصداً للقتل، وذلك بأن يعمد ضربه بما لا يقتل في الأعلب، وإن جاز أن يقتل كالسوط والعصا وما توسط من المثقل الذي يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل فيأخذ شبهاً من العمد لعمده للفعل ويأخذ شبهاً من
الخطأ لعدم قصده للقتل فسمي عمد الخطأ لوجود صفة العمد في الفعل وصفة الخطأ في عدم القصد، فصار العمد ما كان عامداً في فعله وقصده، والخطأ ما كان مخطئاً في فعله وقصده، وعمد الخطأ ما كان عامداً في فعله خاطئاً في قصده، ووافق أبو حنيفة على عمد الخطأ، وخالف فيه مالك، وقال: لا أعرف عمد الخطأ وليس القتل إلا عمداً أو خطأ، وليس بينهما ثالثة، كما قال: لا أعرف الخنثى وما هو إلا ذكر أو أنثى استدلالاً باستحالة اجتماع الضدين في حالة؛ لأن الخطأ ضد العمد فاستحال أن يجتمعا، كما استحال أن يكون قائماً قاعداً، ومتحركاً ساكناً، ونائماً مستيقظاً، قال: ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه حكم العمد المحض وحكم الخطأ المحض، ولم يذكر حكم عمد الخطأ لاستحالته، ودليلنا السنة المعمول بها، ثم الإجماع المنعقد بعدها، ثم الاعتبار الموجب لمقتضاها.
فأما السنة فما قدمه المزني ورواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها "فدل على مالك من ثلاثة أوجه:
أحدها: وصفه بالعمد الخطأ، ومالك ينكرها.
والثاني: إيجاب الدية فيه، ومالك يوجب القود.
والثالث: أنه قدر الدية بمائة من الإبل، ومالك يوجب ما تراضيا به كالأثمان.
فإن قيل: فهذا الحديث لا يصح الاحتجاج به من وجهين:
أحدهما: أن علي بن زيد بن جدعان ضعيف لا يؤخذ بحديثه.
والثاني: أن القاسم بن ربيعة لم يلق ابن عمر فكان الحديث منقطعاً.
قيل: أما الوجه الأول في ضعف علي بن زيد فغير مسلم بل هو ثقة قد نقل عنه سفيان وغيره.
وأما الوجه الثاني: في انقطاعه فليس يمتنع أن يكون القاسم بن ربيعة قد لقي ابن عمر، وعلى أنه قد روى من طريق أبي داود، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس فصار من هذا الوجه متصلاً، ويحتمل أن يكون قد رواه عن ابن عمر تارة، وعن عقبة بن أوس أخرى وأما الإجماع فهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم أنهم اتفقوا على عمد الخطأ، وإن اختلفوا في بعض أحكامه ولم يعرف لهم من الصحابة مخالف فصار إجماعاً، وأما الاعتبار: فهو أن العمد المحض لما جمع صفتين من اعتماد الفعل وقصد النفس وسلب الخطأ المحض الصفتين وهو قصد النفس أن يجري عليه حكم العمد من وجه.
وهو تغليظ الدية لاعتماد الفعل وحكم الخطأ من وجه وهو سقوط القود؛ لأنه خاطئ في النفس، فصار من هذا الوجه عمد الخطأ ولا يكون ذلك جمعاً بين ضدين ممتنعين؛ لأنه ليس يجمع بينهما في حكم واحد فيمتنعان.
فصل:
فإذا تقرر ثبوت حكم العمد الخطأ فالدية تنقسم ثلاثة أقسام اعتباراً بأقسام القتل.
أحدها: دية العمد المحض، وهي مختصة بثلاثة أحكام: أحدها: تغليظها على ما سنذكره، والثاني: تعجيلها، والثالث: وجوبها في مال الجاني.
والقسم الثاني: دية الخطأ وهي مختصة بثلاثة أحكام تخالف تلك الأحكام.
أحدها: أن تكون مخففة.
والثاني: أن تكون مؤجلة.
والثالث: أن تكون على العاقلة.
والقسم الثالث: دية العمد الخطأ وهي مختصة بثلاثة أحكام:
أحدها: مأخوذ من أحكام العمد المحض وهو تغليظها.
والثاني والثالث: مأخوذان من أحكام الخطأ المحض وهو تأجيلها ووجوبها على العاقلة.
مسألة:
قال المزني رضي الله عنه: "واحتج الشافعي بعمر بن الخطاب وعطاء رضي الله عنهما أنهما قالا في تغليظ الإبل أربعون خلفة وثلاثون حقة وثلاثون جذعة.
قال الشافعي رحمه الله: "والخلفة الحامل وكل ما تحمل إلا ثنية فصاعدا فإنه من إبل العاقلة حملت فهي خلقة تجزئ في الدية ما لم تكن معيبة ".
قال في الحاوي: تغليظ الدية في الإبل يكون بزيادة السن والصفة مع اتفاق القدر، وتغليظها في الدراهم والدنانير يكون بزيادة العين مع اتفاق الصفة.
فأما الدية من الإبل فهي مائة بعير لا يختلف قدرها بالتغليظ والتخفيف واختلف في تغليظها بالسن والصفة، فذهب الشافعي إلى أنها أثلاث ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، والخلفات الحوامل التي في بطونها أولادها، وهل ما تحمل إلا ثنية.
وهو في الصحابة قول: عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عباس، والمغيرة وفي التابعين قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير.
وفي الفقهاء قول مالك، وربيعة بن عبد الرحمن، وأهل الحرمين، ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة: تغليظها أن تكون أرباعاً خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، ولم يوجب الخلفات، فخالف في السن والصفة، وبه قال سفيان الثوري، وأبو يوسف، استدلالاً بأن
بدل النفس لا يستحق فيه الحوامل كالخطأ؛ لأن الحوامل لا تستحق في الزكاة فلم تستحق في الدية كالزائد على الثنايا؛ ولأن الحمل صفة مجهولة فلم يستحق ثبوتها في الذمة كالمسعر.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ".
وقد روي أنه قال: على درج الكعبة ليعم بيانه فلم يجز خلافه ولا دفعه بالتأول.
فإن قيل: فإذا عولتم على هذا النص في الخلفات الأربعين فبأي دليل أوجبتم ثلاثين حقة وثلاثين جذعة؟ قيل: لأمرين أحدهما: قول عمر ومن تابعه من الصحابة والتابعين.
والثاني: أنه لما نص على الخلفات لتغليظها علم أن الباقي دونها ودون الثنايا هي الجذاع، ودون الجذاع الحقاق، فلم يقتصر بالباقي على سن واحدة؛ لأنه خلاف للإجماع، فجعلناه من سنين متواليين، فلذلك أوجبنا ثلاثين جذعة، وثلاثين حقة، وعلى أنه قد روى محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم "ولأنه لما كان تغليظ الدية ضد تخفيفها اقتضى أن يكون أدنى ما في المغلظة من الأسنان هو أعلى أسنان المخففة لأجل العلتين، فوجب بأن يكون المستحق فيها الجذاع والحقاق دون بنات لبون وبنات مخاض، وهذا يمنع من قياسهم على الخطأ، ويمنع قياسهم على الزكاة أنه لما وجب في الدية الثنايا، وإن لم تجب في الزكاة، وما ذكروه من الجهل بالحمل فغير صحيح؛ لأن للحمل أمارات تدل عليه، له أحكام تتوجه إليه ولا يمتنع أن يثبت في الذمة، منها ما يثبت فيها من غير الدية كما ثبت فيها الجذاع والثنايا كالمطلقة من غير نعت ولا صفة.
فصل:
فإذا ثبت تغليظها في الإبل بما وصفنا فقد اختلف قول الشافعي هل يعتبر في الحوامل السن أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يعتبر فيها السن، وأي ناقة حملت من ثنية أو ما دونها لزم أخذها في تغليظ الدية، لقول النبي صل الله عليه وسلم: "منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ".
والقول الثاني: أنه يعتبر فيها السن أن تكون ثنية فما فوقها، ولا يقبل ما دون هذا السن من الحوامل، لرواية عقبة بن أوس أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "منها أربعون خلفة في بطونها
أولادها ما بين الثنية إلى بازل عامها ".
فأما تغليظها في الذهب والورق فيكون زيادة ثلثها على ما سنذكره.
فصل:
وإذا قد تقرر صفة الدية المغلظة فهي تتغلظ في العمد المحض إذا سقط فيه القود وتكون في مال الجاني حالة، وتتغلظ في عمد الخطأ وتكون على العاقلة مؤجلة، ولا يجب فيه القود، وأوجب مالك فيه القود وجعلها ابن شبرمة في مال الجاني دون عاقلته.
والدليل عليها ما رواه عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل في عمية أو رمياً بحجر أو ضرباً بعصا أو سوط فعليه عقل الخطأ ومن قتل عمداً فهو قود لا يحال بينه وبين قاتله فمن حال بينه وبين قاتله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرف ولا عدل ".
وروي سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "عقل شبه العمد مغلظ مثل العمد ولا يقتل صاحبه ". ذكرهما الدارقطني في سننه، فسقط بهما قول مالك وابن شبرمة.
فصل:
فإذا صح ما ذكرناه فدية العمد المحض مغلظة بأربعة أشياء بالسن، والصفة، والتعجيل، والمحل، فتكون في مال الجاني دون عاقلته ودية الخطأ المحض مخففة بأربعة أشياء بالسن، والصفة، والتأجيل والمحل، فتكون على عاقلته دونه، ودية عمد الخطأ مغلظة بشيئين: الصفة والسن، ومخففة بشيئين: التأجيل، والمحل؛ لأنه لما كان عامداً في فعله بخلاف الخطأ ومخطئاً في قصده بخلاف العمد توسط فيها بين حكم الخطأ والعمد.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلك لو ضربه بعمود خفيف أو بحجر لا يشدخ أو بحد سيف لم يجرح أو ألقاه في بحر قرب البر وهو يحسن العوم أو ماء الأغلب أنه لا يموت من مثله فمات فلا قود وفيه الدية على العاقلة وكذلك الجراح ".
قال في الحاوي: قصد الشافعي بهذا بيان عمد الخطأ بأن يكون عامداً في فعله خاطئاً في قصده وجملته أن آلة القتل على ضربين محدد، ومثقل فأما المحدد من الحديد إذا ضرب بحده أو برمته، فهو عمد محض، لأنه لما كان لا يضرب بحده إلا لقصد القتل صار عامداً في فعله وقصده، فصار عمداً محضاً، وأما المثقل فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقتل ولا يسلم منه مضروبه كالحجر العظيم والخشبة الكبيرة إذا ضربه بهما، فهذا كالمحدود في أنه عمد محض؛ لأنه لا يقصد به الضرب إلا للقتل، فصار عامداً في الفعل والقصد.
والقسم الثاني: ما كان خفيفاً لا يقتل مثله من ضرب به، كالنواة من الحجارة، والقلم من الخشب، فهذا هدر لا يضمن.
والقسم الثالث: ما كان متوسطاً من الحجر والخشب يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل، فإذا فهو عمد الخطأ؛ لأنه عامد في فعله خاطئ في قصده.
وأما إن ألقاه في بحر بقرب البر وهو يحسن العوم فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون مما لا يسلم من مثله لعظم موجه وقلة خلاص من يلقي في مثله، فهذا قاتل عمد يجب عليه القود له مدة في فعله وقصده.
والقسم الثاني: أن يكون مما لا يموت فيه من يحسن العوم فلا شيء فيه.
والقسم الثالث: ما جاز أن يموت منه وجاز أن سلم، فهذا من عمد الخطأ، لعمده في فعله وخطئه في قصده.
وأما شجاج الرأس إذا كان بالمثقل فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون مثله يشج في الأغلب، فإذا ضربه به فأوضحه كانت موضحة عمد يجب فيها القود؛ لأنه عامد في فعله وقصده.
والثاني: أن يكون مثله يجوز أن يشج ويجوز أن لا يشج، فإذا أوضحه فهو موضحة عمد الخطأ فيها الدية دون القود.
فأما الضرب الثالث الذي قسمناه في النفس، وهو أن لا يقتل مثله في الأغلب فيقترن به الموت، فيستحيل الشجاج أن يكون مالا يشج مثله فيقترن به الشجاج، لأن الموت قد لا يكون بالطبع وبالأسباب الخفية من أمراض وأعراض، فجاز أن يقترن بالضرب، وإن لم يحدث عنه، والشجاج لا تحدث بالطبع ولا بالأسباب الخافية، فلم يكن حدوثه إلا من الضرب، وقد يكون الحجر عمداً محضاً في الشجاج؛ لأن مثله يوضح الرأس لا محالة، ويكون ذلك الحجر عمداً الخطأ في النفس، فإن كان في النفس؛ لأن مثله يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل فلا يجب به القود في النفس، وإن كان في شجاج الموضحة وجب به القود فيصير الفرق بين النفس وما دونها من وجهين:
أحدهما: أنه قد يكون الفعل في النفس هدراً ولا يكون الشجاج هدراً.
والثاني: أنه قد يكون المثقل في النفس عمد الخطأ وفي الشجاج عمداً محضاً، ثم
يكون تغليظ الدية فيهما دون النفس من الأطراف والجراح لتغليظها من النفس على ما سنذكره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلك التغليظ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام وذي الرحم، وروي عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه أنه قضى في دية امرأة وطئت بمكة بدية وثلث قال: وهكذا أسنان دية العمد حالة في ماله إذا زال عنه القصاص.
قال المزني رحمه الله: "إذا كانت المغلظة أعلى سناً من سن الخطأ للتغليظ فالعامد أحق بالتغليظ إذا صارت عليه وبالله التوفيق ".
قال في الحاوي: أعلم أن الدية على ثلاثة أقسام:
أحدها: دية العمد المحض، وهي مغلظة تجب على الجاني حالة.
والثاني: دية العمد الخطأ وهي مغلظة تجب مؤجلة على العاقلة، فيتساوى الديتان في التغليظ ويختلفان في التأجيل والتحمل، فتكون في العمد المحض حالة في مال الجاني، وفي عمد الخطأ مؤجلة على عاقلته؛ لأنه لما كان عمد الخطأ أخف من العمد المحض وقد ساواه في تغليظ الدية لعمده في الفعل خالفه في التأجيل والمحل لخطئه في القصد.
والقسم الثالث: دية الخطأ المحض فهي مخففة على ما سنذكره من صفة التخفيف تتحملها العاقلة مؤجلة في ثلاثة سنين ولا تتغلظ إلا في ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون قتل الخطأ في الحرم.
والثاني: أن يكون في الأشهر الحرم.
والثالث: أن يكون على ذي الرحم المحرم، فتكون مغلظة في الخطأ المحض كما تتغلظ دية العمد المحض ودية العمد الخطأ، فيصير تغليظ الدية في خمسة أحوال: في العمد المحض، وفي العمد الخطأ، وفي الخطأ المحض، وفي الحرم، وفي الأشهر الحرم، وعلى ذي الرحم المحرم.
وقال أبو حنيفة: لا تتغلظ دية الخطأ المحض بالحرم ولا بالأشهر الحرم ولا على ذي الرحم.
وبه قال مالك، والنخعي، والشعبي، استدلالاً برواية ابن مسعود عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "دية الخطأ أخماس "ولم يفرق، ولأن ما وجب بقتل الخطأ لم يتغلظ بالزمان والمكان كالكفارة، ولأن قتل الخطأ أخف من قتل العمد، فلما لم يكن للحرم والرحم والأشهر الحرم زيادة تأثير في قتل العمد، فأولى أن لا يكون لها زيادة تأثير من قتل
الخطأ، ولأن لحرم المدينة حرمة كما لحرم مكة حرمة، ولشهر رمضان حرمة كما للأشهر الحرم حرمة، ولشرف النسب حرمة كما للرحم حرمة، ثم لم يتغلظ الدية بحرمة المدينة وحرمة شهر رمضان وحرمة شرف النسب، كذلك لا تتغلظ بحرمة الحرم، وحرمة الأشهر الحرم، وحرمة الرحم؛ لأن القتل كالزنا لوجوب القتل به تارة وما دونه أخرى، فلما لم يتغلظ حكم الزنا بالمكان والزمان والرحم لم يتغلظ حكم القتل، ولأنه لو تغلظ حكم القتل بكل واحد من هذه الثلاثة لوجب إذا جمعها أن يضاعف التغليظ بها، وفي إجماعهم على سقوط هذا دليل على سقوط ذلك، ولأن الأموال تضمن كالنفوس، والعبد يضمن بالقتل كالحر، ولم يتغلظ ضمان الأموال وقتل العبد بهذه الثلاثة، كذلك لا يتغلظ بها ضمان النفوس في الأحرار، ودليلنا عليه انعقاد الإجماع به، روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عباس.
فأما عمر فروى ليث عن مجاهد عن عمر بن الخطاب أنه قال: من قتل في الحرم، أو قتل في الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم فعليه دية وثلث.
وأما عثمان فروى ابن أبي نجيح عن أبيه أن عثمان قضى في دية امرأة قتلت بمكة بستة آلاف درهم وألفي درهم تغليظاً لأجل الحرم.
وفي رواية الشافعي أنه قضى في دية امرأة ديست في الطواف بالبيت فهلكت بثمانية آلاف درهم.
وأما ابن عباس فروى نافع بن جبير أن رجلاً قتل في الشهر الحرام في الحرم فقال ابن عباس: الدية اثنا عشر ألفاً وأربعة آلاف تغليظاً لأجل الحرم، وأربعة آلاف للشهر الحرام.
وليس لقول هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم مع انتشاره عنهم لأن فيهم إمامين مخالف فثبت أنه إجماع لا يجوز خلافه.
فإن قيل: يجوز أن يكون التغليظ الذي أجمعوا عليه هو في العمد المحض أو في عمد الخطأ، فلا يكون فيه دليل على تغليظه بهذه الأسباب الثلاثة في الخطأ، فعنه جوابان.
أحدهما: أنهم قد نصوا على تغليظها بهذه الأسباب، ولو كانت في عمد الخطأ لما تغلظت بها.
والثاني: أنه حكم نقل مع سبب فاقتضى أن يكون محمولاً عليه، كما نقل عن النبي صل الله عليه وسلم أنه سهي فسجد فكان محمولاً على سجوده لأجل السهو، ولأنه لما كانت هذه الأسباب الثلاثة مخصوصة بتغليظ الحرمة في القتل جاز أن يتغلظ بها حكم القتل.
أما الحرم فلقول الله تعالى: ﴿ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: 191].
ولرواية أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صل الله عليه وسلم حرم مكة "فمن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يسفك فيها دماً، ولا يعضدن فيها شجراً "فإن رخص مترخص فقال: إنها أحلت لرسول الله صل اله عليه وسلم فإن الله أحلها لي ساعة، ثم هي حرام إلى أن تقوم الساعة، ولأنه لما تغلظ بالحرم حرمة الصيد كان أولى أن نغلظ به نفوس الآدميين.
وأما الأشهر الحرم فلقول الله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
وقال تعالى: ﴿َسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]. وقد قال: القتال فيها محرماً في صدر الإسلام لعظم حرمتها وأما ذو الرحم فلقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ويَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] فقيل: هي الرحم أمر الله بوصلها، ويخشون ربهم في قطعها، ويخافون سوء الحساب في المعاقبة عليها، ولأن رسول الله صل الله عليه وسلم منع أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة: من قتل أبيه يوم بدر، وقال: "دعه يلي قتله غيرك "حتى قتله حمزة بن عبد المطلب، ومنع أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحد، وإذا كانت هذه الثلاثة مخصوصة بزيادة الحرمة وعظم المأثم في القتل جاز أن يختص بتغليظ الدية كالعمد وعمد الخطأ.
ويدل عليه من طريق القياس أنه قتل في الحرم فكان العمد والخطأ في قدر غرمه سواء كقتل الصيد.
وأما الجواب عن عموم جواب ابن مسعود فتخصيصه بدليلنا.
وأما قياسهم على الكفارة، فالجواب عنه أنها لما لم تتغلظ بالعمد لم تتغلظ بهذه الأسباب، والدية لما تغلظت بالعمد تغلظت بهذه الأسباب.
وأما قياسهم على العمد فالمعنى فيه أنه قد استوفى غاية التغليظ فلم يبق للتغليظ تأثير والخطأ بخلافه، وأما اعتبارهم حرم مكة بحرم المدينة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من غلظ الدية فيها كتغليظها بمكة من قوله في القديم إن صيدها مضمون فعلى هذا يسقط الاستدلال.
وقال الأكثرون: لا تتغلظ الدية فيها وإن تغلظت بحرم مكة؛ لأن حرم مكة أغلظ حرمة لاختصاصه بنسكي الحج والعمرة، وتحريم الدخول إليه إلا بإحرام، فلذلك تغلظت الدية فيه بخلاف المدينة، وهكذا اختلف أصحابنا في تغليظ الدية بالقتل في الإحرام على هذين الوجهين: وأما اعتبارهم الأشهر الحرام بشهر رمضان فغير صحيح، لأن حرمة شهر رمضان مختصة بالعبادة دون القتل، وحرمة الأشهر الحرم مختصة بالقتل فلذلك تغلظت الدية بالأشهر الحرم ولم تتغلظ بشهر رمضان، وأما اعتبارهم ذا الرحم بذي النسب، فلا يصح، لأن حرمة الرحم أقوى لاختصاصها بالتوارث والنفقة، وأما اعتبار القتل بالزنا، فالفرق بينهما: أن الزنا لما لم يختلف حكمه باختلاف الأعيان لم يختلف المكان والزمان
ولما اختلف حكم القتل باختلاف الأعيان جاز أن يختلف بالمكان والزمان.
وأما اعتبارهم نفوس الأحرار بنفوس العبيد والأموال.
فالفرق بينهما: أنه لما لم يختلف في نفوس العبيد والأموال غرم العمد والخطأ لم يختلف الزمان والمكان, ولما اختلف في نفوس الأحرار غرم العمد والخطأ اختلف بالزمان والمكان والله أعلم.
فصل:
فأم استيفاء القصاص والحدود في الحرم فيجوز أن يقتص في الحرام من القاتل في الحل والحرم, وكذلك إقامة الحدود.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقتص من القاتل في الحل إذا لجأ إلي الحرم, ويلجأ إلي الخروج منه بالهجر وترك المبايعة والمشاراة معه حتى يخرج فيقتص منه في الحل استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران 96 - 97] وقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت 67] فوجب بهاتين أن يكون داخله آمنًا, وليس قتله فيه أمنًا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعتى الناس على الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه والقاتل في الحرم, والقاتل في الجاهلية" وقوله: "القاتل في الحرم" يعني قودًا وقصاصًا؛ لأن ابتداء القاتل داخل في قوله: "القاتل غير قاتله" ولأن حرمة الحرم منتشرة عن حرمة الكعبة فلما لم يجز قتله في الكعبة لم يجز قتله فيما انتشرت حرمتها إليه من جمع الحرم, ولأن حرمة الآدميين أغلظ من حرمة الصيد, فلما حرم قتل الصيد إذا ألجأ إلي الحرم كان قتل الآدمي أشد تحريمًا.
ودليلنا عموم الظواهر من الكتاب والسنة في القصاص وإن لما يقترن بها تخصيص الحل من الحرم, لأن كل قصاص جاز استيفاؤه في الحل جاز استيفاؤه في الحرم كالقاتل في الحرم ولأن كل قصاص استوفى من جانبه في الحرم استوفى منه إذا لجأ إلي الحرم كالأطراف, لأن أبا حنيفة وافق عليها, ولأن كل موضع كان محلًا للقصاص إذا جني فيه كان محلًا, وإن جني في غيره كالحل, ولأن النص وارد بتحريم الهجر وإباحة البيع قال الله تعالى: ﴿وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة 275], وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" فأمر أبو حنيفة بهجره وهو محظور ومنع من بيعه وهو مباح, وأخر الاقتصاص منه وهو واجب فصار في الكل مخالفًا للنص.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران 96] فهو أنه
محمول على البيت لقوله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران 96].
فإن قيل: فالمراد به الحرم لأنه قال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران 97] ومقامه خارج البيت لا فيه فعنه جوابان:
أحدهما: أن مقام إبراهيم حجر منقول لا يستقر مكانه, فيجوز أن يكون في وقت وضع الحجر في البيت ثم أخرج منه.
والثاني: أنه محمول على أنه في مقام إبراهيم آيات بينات.
وأما قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت 67] فهو دليلنا لأنه مقتضى الأمن أن لا يؤخر فيه الحقوق ويعجل استيفاءها لأهلها, وإذا أخرت صارت مضاعة فخرج الحرم عن أن يكون آمنًا.
وأما الجواب عن الخبر.
وقوله: "القاتل في الحرم" فمحمول على ابتداء القتل ظلمًا بغير حق دون القصاص لأمرين:
أحدهما: أن لقتل القصاص أسماء هو أخص إطلاقه على غيره.
والثاني: أنه جعله من أعتى الناس وليس المقتص من أعتى الناس, لأنه مستوف لحقه ومستوفي الحق لا يكون عاتيًا, وإنما العاتي المبتديء ولئن كان داخلًا في قوله: "من قتل غير قاتله" فأعيد ذكر قتله في الحرم تغليظًا وتأكيدًا كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة 238] وأما جمعه بين الكعبة والحرم فقد أجمعنا على الفرق بينهما لأنه يقتص منه في الحرم إذا قتل فيه فجاز أن يقتص منه فيه إذا لجأ إليه, ولا يقتص منه في الكعبة إذا قتل فيها, فلم يقتص منه فيها إذا لجأ إليها وما ذكروه من الصيد وتغليظ حرمة الآدمي عليه فاسد بالإحرام, لأنه يمنع من قتل الصيد ولا يمنع من القصاص مع تغليظ حرمة الآدمي على الصيد كذلك حال الإحرام والله أعلم.
باب أسنان الخطأ وتقويمها وديات النفوس والجراح وغيرها
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "قال الله تعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء 92] فأبان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن الدية مائة من الإبل, وروي عن سليمان بن يسار قال: إنهم كانوا يقولون دية الخطأ مائة من الإبل عشرةن ابنة مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة.
قال الشافعي رحمه الله: "فبهذا نأخذ".
قال في الحاوي: أما الدية من الإبل فمائة بعير في العمد والخطأ, وفي عمد الخطأ, قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانًا لقول الله تعالى: ﴿ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء 92] وكان أول من قضة بها في الجاهلية على ما حكاه ابن قتيبة في كتاب المعارف أبو
سارة العدواني الذي كان يفيض بالناس من مزدلغة.
وقيل: إن عبد المطلب أول من سنها فجاء الشرع بها واستقر الحكم عليها إلا أن دية العمد مغلظة على الجاني, وقد ذكرنا تغليظها, ودية الخطأ مخففة على العاقلة, اختلف أهل العلم في صفة تخفيفها, فقالت طائفة: تكون أرباعًا, واختلف من قال بهذا في صفة أرباعها فحكي عن الحسن البصري أنها خمسة وعشرون ابنة مخاض وخمس وعشرون ابنة لبون, وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وبه قال علي ابن أبي طالب-عليه السلام-وحكي عن عثمان بن عفان, وزيد بن ثابت, رضي الله عنهما أنها عشرون ابنة مخاض وعشرون ابن لبون, وثلاثة ابن لبون, وثلاثون حقة, وذهب الجمهور إلي أنها أخماس لرواية ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أنها عشرون ابن مخاض وعشرون ابنة لبون, وعشرون ابن لبون, وعشرون حقه, وعشرون جذعة.
وبه قال من الصحابة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ومن التابعين عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار, والزهري ومن الفقهاء مالك, وربيعة والليث بن سعد والثوري, وقال أبو حنيفة: بمثل ذلك إلا في ابن اللبون فإنه جعل مكانه عشرين ابن مخاض.
وبه قال النخعي, وأحمد, وإسحاق, وأضافوه إلي ابن مسعود استدلالًا برواية عبد الرحمن بن سليمان عن الحجاج بن أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك الطائي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية الخطأ مائة من الإبل عشرون جذعة وعشرون حقه وعشرون بنت لبون, وعشرون بنت مخاض, وعشرون ابن مخاض ولأن بنت اللبون سن يجب دونها في الديات سن فوجب أن لا يجب ذكر من هذا السن كالجذاع والحقاق, ولأن موضوع دية الخطأ على التخفيف لتحمل العاقلة لها فكان إيجاب بني المخاض أقرب إلي التخفيف من بني اللبون.
ودليلنا ما رواه قتادة عن لاحق بن حميد عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود أنه قال: دية الخطأ أخماس عشرون جذعة, وعشرون حقة, وعشرون بنات لبون, وعشرون بنو لبون ذكر, وعشرون بنات مخاض, هذا موقوف عليه.
وقد روى إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في دية الخطأ أخماسًا خمسًا جذاع, وخمسًا حقاق, وخمسًا بنات لبون, وخمسًا بنات مخاض, وخمسًا بن لبون ذكر.
وهذه الرواية أثبت من رواية عبد الرحمن بن سليمان وأشبه بما رواه عن ابن مسعود ابنه أبو عبيدة وعلقمة وهو لا يفتي بخلاف ما يروى ثم يدل عليه ما حكاه الشافعي عن سليمان بن يسار من إجماع الصحابة أنهم كانوا يقولون: دية الخطأ مائة من الإبل عشرون بنت
مخاض, وعشرون بنت لبون, وعشرون ابن لبون, عشرون حقة, وعشرون جذعة.
وسليمان تابعي وإشارته إلي من تقدمه محمول على الصحابة فصار ذلك إجماعًا نقله عنهم.
ومن طريق القياس: أن كل ما لا يجب في الزكاة لا يجب في دية الخطأ كالثنايا والفصال, ولأن ما استحق من الإبل مواساة لم يجب فيه بنو المخاض كالزكاة, ولأن بنات المخاض أحد طرفي الزكاة فلم يجب ذكورها في الدية كالجذاع في الطرف الأعلى.
فأما الجواب عن حديثهم مع ضعف الحجاج بن أرطأة, وأن خشف بن مالك مجهول لم يرو عنه إلا زيد بن جبير فهو أن ما رويناه عنه من خلافه وأنه وافق فيه الجماعة من إيدال بني اللون مكان بني المخاض أولى.
وأما قياسهم على الجذاع والحقاق فالمعنى فيه: أنه مال أقيم في الزكاة منها مقاس سن دونها فلذلك لم تجب في الدية وبنو اللبون بخلافها.
وأنا قولهم إنها موضوعة على التخفيف, فإذا تخففت من وجه لم يجب تخفيفها من كل وجه, لأننا نوجب فيها مع التخفيف ما نوجبه في المغلظة من الجذاع والحقاق والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يكلف أحد من العاقلة غير إبله ولا يقبل منه دونها, فإن لم يكن لبلده إبل كلف إلي أقرب البلدان إليه".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في مقادير الدية من الإبل وأسنانها في العمد والخطأ ونقلها نصًا, فأما أنواعهم فلم يرد فيه نص, لأنها موكولة إلي العرف اعتبارًا بنظائرها في الشرع, فتؤخذ الدية من إبل العاقلة في الخطأ وإبل القاتل في العمد فإن كانت إبله عرابًا, وإن كانت بخاتي أخذت بختًا, وإن كانت عرابًا مهرية أخذت مهرية, وإن كانت محتدبة أخذت محتدبة, تؤخذ من جنس ماله ونوعه كالزكاة وسواء كانت إبله خير الأنواع أو أدونها, فإن عدل عن إبله إلي ما هو أعلى قبل من, وإن عدل إلي ما هو أدون لم يقبل كالزكاة وإن طولب بما هو أعلى لم يجب عليه, وإن طولب بما هو أدون كان مخيرًا فيه, فإن لم يكن له إبل كلف الغالب من إبل البلد فإن لم تكن لبلده إبل كلف الأغلب من إبل أقرب البلاد إليه كما قيل في زكاة الفطر, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كانت إبلا لعاقلة مختلفة أدى كل رجل من إبله".
قال في الحاوي: واختلاف إبل العاقلة على ضربين:
أحدهما: أن يكون لكل واحد منهم نوع من الإبل فيؤخذ كل واحد منهم من النوع الذي في ملكه ولا يكلف أحدهم إبل غيره, كما لو كانت إبل جميعهم نوعًا واحدًا.
والضرب الثاني: أن تكون إبل الواحد منهم مختلفة الأنواع, فإن أراد أن يعطي من كل نوع منها جاز, وإن أراد أن يعطي من أحد أنواعها, فإن كان هو الأغلب من إبله جاز, سواء كان أعلى أو أدنى, وإن لم يكن أغلب إبله, فإن كان من أعلاها جاز قبوله وإن كان من أدناها قبل من العاقلة في الخطأ, ولم يقبل من الجاني في العمد, لأنها تؤخذ من العاقلة مواساة ومن الجاني استحقاقًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كانت عجافًا أو جربًا قيل: إن أديت صحاحًا جبر على قبولها".
قال في الحاوي: المستحق في إبل الدية ما كان سليمًأ من العيوب لأمرين:
أحدهما: أنه يدل عن النفس فأشبه سائر الأعواض.
والثاني: أنه ثابت في الذمة فأشبه زكاة الفطر والنفقات, فإذا كانت إبل العاقلة كلها مراضاة أو عجافًا أو جربى لم يأخذ منها مراضًا ولا عجافًا وإن اخناها في الزكاة إذا لم يكن في ماله غيرها للفرق بينهما في الوجهين المتقدمين, وأخذنا مثل إبله سليمة من العيوب ولا يعدل إلي الغالب من إبل بلده, لأن النوع معتبر بماله وإن منع العيب أخذه فصار أصلًا معتبرًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن أعوزت الإبل فقيمتها دنانير أو دراهم كما قومها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "والعلم محيط بأنه لم يقومها إلا قيمة يومها, فإذا قومها كذلك فإتباعه أن تقوم متى وجبت ولعله أن لا يكون قومها إلا في حين وبلد أعوزت فيه أو يتراضى الجاني والولي فيدل على توقيمه للإعواز قوله لا يكلف أعرابي الذهب ولا الورق لأنه يجد الإبل وأخذه ذلك من القروي لإعواز الإبل فيما أرى الله وأعلم.
ولو جاز أن يقوم بغير الدراهم والدنانير جعلنا على أهل الخيل الخيل وعلى أهل الطعام الطعام.
قال المزني رحمه الله: "وقوله القديم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم ورجوعه عن القديم رغبة عنه إلي الجديد وهو (بالسنة) أشبه".
قال في الحاوي: أما الدية من الإبل فمقدرة بمائة بعير وردت بها السنة وانعقد عليها بالإجماع, فإذا وجدت لم يجز العدول عنها على مذهب الشافعي في القديم والجديد, فإن أعوزت إما بعدمها وإما بوجودها بأكثر من ثمن مثلها عدل عنها إلي الدنانير والدراهم التي هي أثمان وقيم دون غيرهما من العروض والسلع, ثم اختلف في كيفية العدول عن الإبل إليها على قولين:
أحدهما: وبه قال في القديم إنها تعتبر في الدنانير والدراهم عن إعواز الإبل بدلًا من النفس, ولا تكون بدلًا من الإبل, فتكون الدية من الذهب ألف دينار, ومن الورق اثني عشر ألف درهم, فتصير الدية على قوله في القديم ثلاثة أصول مقدرة بالشرع دون التقويم.
والقول الثاني: وبه قال في الجديد, إن إعواز الإبل يوجب العدول إلي قيمتها بالدنانير والدراهم ما بلغت بحسب اختلافها في البلدان والأزمان فتكون الدنانير والدراهم بدلًا من الإبل لا من النفس ولا تكون للدية أصلًأ واحدًا وهو الإبل.
وقال أبو حنيفة: للدية ثلاثة أصول: مائة بعيرًا او ألف دينار, أو عشرة آلاف درهم, يكون الجاني فيها مخيرًا من دفع أيهما شاء فخالفهم الشافعي في القديم في شيئين:
أحدهما: أنه خير بين الإبل وغيرها, والشافعي لا يخير فيها مع إمكانها.
والثاني: أنه قدرها بالورق عشرة آلاف درهم, والشافعي قدرها اثني عشر ألفًا ووافقه أن الثلاثة بدل من النفس, فأما على قول الشافعي في الجديد فقد خالفه أبو حنيفة في ثلاثة أشياء:
أحدها: التخيير فإنه جعله مخيرًا بين الإبل وغيرها والشافعي لا يخيره.
والثاني: في البدل, فإنه جعل الدراهم والدنانير بدلًا من النفس والشافعي في الجديد يجعلها قيمة تقل وتكثر.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: الدية على أهل الإبل مائة بعير, وعلى أهل الذهب ألف دينار, وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم, وعلى أهل البقر مائتي بقرة, وعلى أهل الغنم ألف شاة, وعلى أهل الحلل مائتا حلة, فجعلوا للدية ستة أصول, ونحن نبدأ بتوجيه قول الشافعي, ثم نعدل إلي خلاف أبي حنيفة.
ووجه قول الشافعي في القديم ما رواه عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلًا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني شر ألف درهم.
وروى الزهري من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أهل اليمن: "أن الرجل يقتل بالمرأة, وعلى أهل الذهب ألف دينار, وعلى أهل
الورق اثني عشر ألف درهم" وإذا صح هذان الحديثان فالذهب والورق أصلان مقدران كالإبل, ولأن ما استحق في الدية أصلًا مقدرًا كالإبل.
ووجه قوله في الجديد ما رواه سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقومها على أثمان الإبل, فإذا قلت الإبل رفع من قيمتها, وإذا هانت برخص منها نقص فبلغت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين أربعمائة دينار إلي ثمانمائة دينار أو عدلها".
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قوم لما كثر المال وغلت الإبل مائة من الإبل من ستمائة دينار إلي ثمانمائة دينار, حكاه أبو إسحاق في شرحه.
وروى سفيان بن الحسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار, وكانت كذلك حتى استخلف عمر فغلت الإبل, فصعد المنبر فخطب وقال: ألا إن الإبل قد غلب فقضى- يعني في الدية - على أهل الذهب بألف دينار, وعلى أهلي الورق اثني عشر ألف درهم لأن الإبل إذا كانت هي المستحقة وجب أن يكون العدول عند إعوازها إلي قيمتها اعتبارًا بسائر الحقوق وبالحرية المقدرة بالذهب إذا عدل عنه رجع إلي قيمته فهذا توجيه القولين.
فصل:
مع أبي حنيفة لا يعد عن إبل الدية إذا وجدت, وخير أبو حنيفة بين الإبل وبين الدراهم والدنانير استدلالًا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بجميعها, فدل على التخيير فيها ولأن العاقلة تتحملها مواساة مكان التخيير فيها أرفق ككفارة اليمين, ولأن الدراهم والدنانير أصول الأموال فلم يجز أن تجعل فرعًا للإبل.
ودليلنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطون أولادها", فاقتضى أن تكون الإبل أصلًا لا يعدل عنها إلا بعد العدم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكرموا الإبل فإن فيها رقوء الدم" فخصها بهذه الصفة, لأنها تبذل الدية فيعفها بها عن القود فدل على اختصاصها بالحكم.
وروى عطاء قال: كانت الدية بالإبل حتى قومها عمر بن الخطاب, قال
الشافعي: "ما قومها إلا قيمة يومها", وإذا كان العدول عنها قيمة لها لم تستحق القيم إلا بعد العدم, لأن ما استحقه الآدميون من حقوق الأموال إذا تعينت لم يدخلها تخيير كسائر الحقوق, وليس لما احتيج به من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بجميعها وجه لاحتمال قضائه بذلك مع الإعواز والعدم, ولا توجب المواساة بها التخيير فيها كما لا يخير بين ما سوى الدنانير والدراهم وبين غيرها من العروض والسلع وكذلك قوله: إنها أرفق.
فصل:
قدر أبو حنيفة الدية من الورق عشرة آلاف درهم, وعند الشافعي أنها إذا تقدرت كانت اثني عشر ألف درهم, فقوم الشافعي كل دينار باثني عشر درهمًا, وقومه أبو حنيفة بعشرة دراهم استدلالًا بقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الدية بعشرة آلاف درهم وبقول علي بن أبي طالب عليه السلام: وددت أن لي بكل عشرة منكم واحدًا من بني فراس بن غنم, وصرف الدينار بالدراهم, فدل على أن قيمة الدينار عشرة دراهم, ولأن الشرع قد قدر في الزكاة والسرقة كل دينار في مقابلة عشرة دراهم, أما الزكاة فلأن نصاب الذهب عشرون مثقالًا ونصاب الورق مائتا درهم.
وأما السرقة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القطع في دينار أو عشرة دراهم".
ودليلنا ما روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألف درهم وحديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألف درهم, ولأنه قول سبعة من الصاحبة أنهم حكموا في الدية باثني عشر ألف درهم منهم الأئمة الأربعة وابن عباس, وأنس بن مالك, وأبو هريرة رضوان الله عليهم, ولو يظهر مخالف فكان إجماعًا لا يسوغ خلافه.
فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه قضى في الدية بعشرة آلاف درهم قيل المشهور فيه ما رويناه, وقد رواه عمرو بن شعيب وحضر السيرة فيه فكان أثبت نقلًا وأصح عملًا, ولو تعارضت عنه الروايتان كان خارجًا من خلافهم ووفاتهم, ولكان من قول من عداهم إجماعًا منعقدًا, فإن قيل فتحمل الاثني عشر ألفًا على وزن ستة, والعشرة آلاف على وزن سبعة, فيكون وفاقًا في القدر, وإن كان خلافًا في العدد, قيل: ليس تعرف دراهم الإسلام إلا وزان سبعة, ولو جاز لكم أن تتأولوه على هذا لجاز لنا أن نقابلكم بمثله فتأول من روى عشرة آلاف درهم على أنها وزن ثمانية, ومن روى اثني عشر ألف على أنها وزن سبعة.
وقولهم: إن الدينار موضوع في الشرع على مقابلة عشرة دراهم في الزكاة والسرقة فليست الزكاة أصلًا للدية, لأن نصاب الإبل فيها خمس, ونصاب الذهب عشرون مثقالًا, يكون البعير الواحد في مقابلة أربعة دنانير, والدية من الإبل مائة بعير تقتضي على اعتبار الزكاة أن تكون الدية من
الذهب أربعمائة دينار, وهذا مدفوع بالإجماع فكذلك اعتبار نصاب الورق بنصاب الذهب, وأما السرقة فالحديث فيها مدفوع الونقل مردود فيما ورد فيه فكيف يجعل أصلًا لغيره, وقد روينا أنه قال: "القطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم", فأما المزني فإنه قال: ورجوعه عن القديم رغبة عنه إلي الجديد وهو أشبه بالسنة يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون القديم أشبه بالسنة فيكون اختيارًا له.
والثاني: يحتمل أن يكون الجديد أشبه بالسنة فيكون اختيارًا له والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وفي الموضحة خمس من الإبل وهي التي تبرز العظم حتى يقرع بالمرود لأنها على الأسماء صغرت أو كبرت شانت أو لم تشن".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن شجاج الرأس إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين منها ستة قبل الموضحة وأربعة بعدها وهي أربع عشرة شحة في قول آخرين منها ثمانية قبل الموضحة, وخمس بدها, فأولها الحارضة, ثم الدامية, ثم الدامغة, ثم الباضعة, ثم المتلاحمة, وقد يسميها أهل المدينة البازلة, ومنهم من يجعل بين الموضحة والهاشمة شجة زائدة, وهي المفرشة, ثم المنقلة, ثم المأمومة, ثم الدامغة, وكان ابن سريج لا يجعل بعد المأمومة شيئًا, ولا يستحق فيما قبل الموضحة وبعدها قصاص, فأما الدية المقدرة فلا تجب فيما قبل الموضحة, ويجب فيها وفيما بعدها فتصير شجاج الرأس منقسمة ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يجب فيه قصاص ولا دية مقدرة وهو ما قبل الموضحة.
والثاني: ما يجب فيه الدية المقدرة ولا يجب فيه القصاص وهو ما بعد الموضحة.
والثالث: ما يجب فيه القصاص ويجب فيه الدية المقدرة وهو الموضحة ودية الموضحة مقدرة بخمس من الإبل لرواية عمرو بن حزم أن في كتاب رسول الله صلى الله ليه وسلم إلي أهل اليمن, وفي الموضحة خمس من الإبل".
ورواه معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظًا سمعه منه.
وروى عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده أن رسول الله صلى الله ليه وسلم قال: "من الموضحة خمس خمس" وإذا كان هذا ثابتًا ففي الموضحة خمس من الإبل سواء كانت في الرأس أو في الوجه ولا تجب فيها إذا كانت في غيرها من البدن إلا أرش على ما سنذكره, ففرق الشافعي بين موضحة الرأس والوجه وبين موضحة الجسد وسوى بين موضحة الرأس والوجه في كل واحدة منهما خمس من الإبل, وفرق سيد بن المسيب بينهما فأوجب في موضحة الرأس خمسًا من الإبل, وفي موضحة الوجه عشرًا, وفرق مالك بينهما فأوجب
في موضحة الرأس خمسًا وأوجب في موضحة الأنف خمسًا, وما قدمناه من عموم الأخبار دليل عليها.
فصل:
فأما صفة الموضحة فقد قدمناه في حكم القصاص منها وهو ما أوضح عن العظم وأبرزه حتى يقرع بالمرود وإن كان العظم غير مشاهد بالدم الذي يستره أو أوصل المرود إليه, وقال الشافعي: "وهي على الأسماء صغرت أو كبرت" وهذا صحيح وفيها إذا صغرت فكانت كالمحيط أو كبرت فأخذت جميع الرأس خمس من الإبل, لأنها على الأسماء فاستوي حكم صغيرها وكبيرها كالأطراف التي تتساوى فيها الديات ولا تختلف بالصغر والكبر, وسواء كانت الموضحة في مقدم الرأس أو مؤخره, وسواء كانت في جهة الوجه أو في لحيته وذقنه, سترها الشعر أو لم يسترها, قال الشافعي: "شانت أو لم تشن" هذا مذهب أن فيها خمسًا من الإبل فيما شان أو لم يشن قل الشين أو كثر, وحكي عنه أنه قال في موضع آخر: إن موضحة الجبهة إذا كثر شينها في الوجه أن فيها أكثر الأمرين من ديتها أو أرش شينها, فاختلف أصحابنا على وجهين:
أحدهما: أن خرجوا زيادة الشين في الرأس والجوه على قولين.
والوجه الثاني: أنه لا يلزمه في شين الرأس إلا ديتها, ويلزمه في شين الوجه أكثر الأمرين من أرشدها أو ديتها, لأن شينها في الوجه أقبح, وهي من العين والخوف عليها أقرن.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو كان وسطها ما لم ينخرق فهي موضحتا فإن قال: شققتها من رأسي, وقال الجاني: بل تأكلت من جنايتي فالقول المجني عليه مع يمينه لأنهما وجبتا له فلا يبطلهما إلا إقراره أو بينة عليه".
قال في الحاوي: إذا كان في وسط الموضحة حاجز بين طرفها لم يخل ذلك الحاجز من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون جلدة الرأس وما تحتها من اللحم فيكون هذا الحاجز فصلًا بينهما فتصير موضحتين, ويلزمه فيهما ديتان, سواء صغر الحاجز ودق أو كبر وغلظ.
والقسم الثاني: أن يكون الحاجز بينهما لحمًا بعد انقطاع الجلد عنه فصار به ما بقي من اللحم بعد انقطاع الجلد حارصة أو متلاحمة فهي موضحة واحدة وليس عليه أكثر من ديتها سواء قل اللحم أو كثر, انكشف عند الاندمال أو لم ينكشف وهكذا لو كان ذلك في
طرفي الموضحة مع إيضاح وسطها لم يلزمه إلا دينها, ودخل حكومة الحارصة والمتلاحمة والسمحاق فيها, نص عليه الشافعي لأنه لو أوضح ما لم يوضحه منها لم يلزمه أكثر من ديتها فبأن لا يلزمه إذا لم يوضحه أولى.
والقسم الثالث: أن يكون الحاجز بينهما هو الجلد بعد انخراق ما تحته من اللحم حتى وضع به العظم فصارت موضحتين في الظاهر وواحدة في الباطن ففيه وجهان:
أحدهما: أنها موضحتان اعتبارًا بالظاهر في الانفصال.
والثاني: أنها موضحة واحدة اعتبارًا بالباطن في الاتصال.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الموضحتين بالحاجز بينهما من قليل وكثير وانخرق الحاجز بينهما حتى اتصلت الموضحتان فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تنخرق بالسراية التي تآكل بها الحاجز حتى انخرق فتكون موضحة واحدة, لأن ما حدث عن الجناية من سراية كان مضافًا إليها والجاني مأخوذ بها.
والضرب الثاني: أن ينخرق الحاجز بقطع قاطع فلا يخلو حال قاطعه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون هو الجاني يعود فيقطعه فتكون موضحة واحدة, لأن أفعال الجاني يبني بعضها على بعض ألا ترى أنه لو قطع يديه ورجليه, ثم عاد فقتله لم يلزمه إلا دية واحدة ولو قتله غيره لزمه ديتان في اليدين والرجلين.
والقسم الثاني: أن يقطعه المجني عليه فيلزم الجاني موضحتان, لأن فعل المجني عليه لا يبني على فعل الجاني كما لو قطع الجاني يديه ورجليه وقتل المجني عليه نفسه كان على الجاني ديتان في اليدين والرجلين.
والقسم الثالث: أن يقطعه حتى ينخرق بجنايته الحاجز الذي بينهما فتكون ثلاثة مواضع يلزم الأول منها موضحتان, ويلزم الثاني موضحة واحدة, لأن فعل أحدهما لا يبني على فعل الآخر, وفعل كل واحد منهما مضمون, كما لو قطع الأول يديه ورجليه وقتله الثاني كان على الأول ديتان في اليدين والرجلين, وعلى الثاني دية النفس, فلو اختلفا بعد زوال الحاجز الذي بينهما فقال الجاني: أنا قطعته أو قطعه أجنبي فعليك موضحتان فالقول قول المجني عليه مع يمينه إذا عدم الجاني البينة, لأننا على يقين من استحقاق الموضحتين بابتداء الجناية وفي شك من سقوط أحداهما, فاعتبر حكم اليقين دون الشك, كما لو قطع يديه ورجليه, ثم مات المجني عليه فاختلف الجاني والولي, فقال الولي: مات من عير جنايتك فعليك ديتان, وقال الجاني: مات من جنايتي فعلى دية واحدة وأمكن ما قاله كل واحد منهما فالقول قول الولي مع يمينه وله ديتان لوجوبهما بابتداء الجناية.
فصل:
وإذا (شجه) موضحة أخذت مقدم رأسه وأعلى جبهته فصار بها موضحًا لرأسه وجبهته ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما موضحتان ويلزمه ديتاهما, لأنهما على عضوين فانفرد كل واحد منهما بحكمه.
والوجه الثاني: أنها موضحة واحدة لاتصال بعضها ببعض فلم ينفصل حكمهما بالمحل, ولو شجه موضحة أخذت مؤخر رأسه وأعلى قفاه فصار بها موضحًا لرأسه وقفاه لزمه دية الموضحة في رأسه وحكومة الموضحة في قفاه وجهًا واحدًا, لأنهما عضوان ولموضحتهما حكمان, لأن في موضحة الرأس دية وفي موضحة القفا حكومة فلم يتداخلا مع اختلاف حكمهما ومحلهما, ولو شجة موضحة في طرفيها ما دون الموضحة تداخلا ولزمه دية الموضحة, وإن كان ما دونها مخالفًا لحكمهما لو انفرد؛ لأنه الأغلب من حال الموضحة أن يندرج طرفاها حتى يوضح وسطها فألحق الطرفان بالوسط من العضو الواحد وهي متصلة فهي موضحتان يلزمه أرشهما وجهًا واحدًا؛ لأن محلهما مختلف وأرشهما مختلف, لأن في مواضع الجسد حكومة تختلف أرشها باختلاف الشين فلم يتداخل بعضها من بعض مع اختلاف المحل والأرش.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "في الهاشمة عشر من الإبل وهي التي توضح وتهشم".
قال في الحاوي: أما الهاشمة فهي التي أوضحت عن العظم وهشمته حتى كسرته وفيها عشر من الإبل وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء وقال مالك, وطائفة من أهل المدينة: فيها دية الموضحة وحكومة في الهشم غير مقدرة, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر دية الموضحة بخمس ودية المنقلة بخمس عشرة, وأغفل الهاشمة عشرًا من الإبل وليس يعرف له مخالف فكان إجماعًا, ولأن لما كانت الموضحة ذات وصف واحد وفيها خمس من الإبل وكانت المنقلة ذلات ثلاثة أوصاف إيضاح, وهشم وتنفيل, وفيها خمس عشرة وجب إذا كانت الهاشمة ذات وصفين أن تكون ديتها بين المنزلتين فيكون فيها عشر من الإبل كالذي قلناه في نفقة الموسر إنها مدان ونفقة المعسر أنها مد فأوجبنا نفقة المتوسط مدًا ونصفًا لأنه بين المنزلتين, ولأن كسر العظم بالهشم ملحق بكسر ما تقدرت
ديته من السن وفيه خمس من الإبل, فكذلك في الهشم, فصار مع الموضحة عشرًا.
فصل:
فإذا ثبت أن في الهاشمة عشرًا من الإبل فلو هشم ولو يوضح ففيه خمس من الإبل, وأوجب بعض أصحابنا في الهاشمة إذا انفرد حكومة كهشم أعضاء البدن,وهذا فاسد, لأنها لما لم تتقدر موضحة الخد وهاشمته لم يتقدر انفراد هشمه ولما تقدرت موضحة الرأس وهاشمته تقدر انفراد هشمه, وهذا الهشم مما لا يرى فلا يثبت حكمه إلا بإقرار الجاني أو شهادة عدلين من الطب يشهدان باختيار الشجة أن فيها هشمًا يقطعان به, فلو أوضح وهشم فأراد المجني عليه أن يقتص من الموضحة في العمد حكم له بالقصاص وأإرم دية الهشم خمسًا من الإبل, ولو شجه هاشمتين عليهما موضحة واحدة كانتا هاشمتين وعليه ديتاهما, لأنه زاد إيضاح ما لا هشم تحته, ولو أوضحه موضحتين تحتهما هاشمة واحدة كانت موضحتين, لأنه قد زاده هشم ما لا إيضاح عليه.
فإن قيل: فهذا هشم في الباطن دون الظاهر فهلا كان على وجهين كالموضحة في الباطن دون الظاهر؟ قيل: الفرق بينهما امتزاج اللحم بالجلد في الموضحة, وانفصال العظم عن اللحم والجلد في الهاشمة.
فصل:
وقد ذكرنا أنه جعل بين الموضحة والهاشمة شحة تسمى المفرسة وهي الموضحة إذا اقترن بها صداع, فينظر في الصداع الحادث عنها, فإن انقطع ولم يدم فلا شيء فيه سوى دية الموضحة, كما لو ضربه فألمه وإن استدام الصداع على الأبد ولم يسكن كان فيه مع دية الموضحة حكومة لا تبلغ زيادة الهاشمة, لأنه بالاستدامة قد صار كالجرح الثابت, فإن كان يضرب في زمان ويسكن في زمان نظر, فإن علم أن عود الصداع من الموضحة كان فيه حكومة, وإن علم أن من غيرها فلا حكومة فيه ولا فيما تقدمه, لأنه لم يدم, وإن شك فيه فلا حكومة فيه, لأنها لا تجب بالشك.
فصل:
وإذا شجه فهشم مقدم رأسه وأعلى جبهته فصار هاشمًا لرأسه وجبهته كان على وجهين كما قلنا في الموضحة:
أحدهما: تكون هاشمتين, لأنها على عضوين.
والثاني: تكون هاشمة واحدة لاتصال بعضها ببعض, ولو شجه فأوضح رأسه وهشم جبتهته, أو هشم رأسه وأوضح جبهته كان مأخوذًا يديه موضحة في إحداهما وبهاشمته في الأخرى, لأن محلها مختلف وديتها مختلفة فلم يتداخلا مع اختلاف المحل والدية.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وهي التي تكسر عظم الرأس حتى يتشظى فينقل من عظامه ليلتئم".
قال في الحاوي: أما المنقلة فهي التي تهشم العظم حتى يتشظى فينتقل حتى يلتئم.
قال الشافعي: تسمى المنقولة أيضًا, وفيها خمس عشرة من الإبل, وقد انعقد عليه الإجماع لرواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في المنقلة خمس عشرة من الإبل".
وروى عمر بن حزم أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أهل اليمن: في الموضحة خمس وفي المنقلة خمس عشرة, وفي المأمومة ثلث الدية فلو أراد القصاص من الموضحة سقط بالقصاص ديتها وهي خمس, ووجب الباقي من ديتها وذلك عشر من الإبل في الهشم والتنقيل, ولو شجه منقلة لا إيضاح عليها لزمه كمال ديتها بخلاف الهاشمة إذا لم يكن عليها إيضاح, لأن المنقلة لابد من إيضاحها لتنقيل العظم الذي فيها فصار الإيضاح عائدًا إلي جانبها فلزمه جميع ديتها, والهاشمة لا تفتقر إلي إيضاح فلم يلزمه إلا قدر ما جني فيها, وإذا شجه في رأسه شجة متصلة كان بعضها وبعضها هاشمة وبعضها منقلة كان جميعها منقلة لا يؤخذ أكثر من ديتها لأنها غاية جنايته التي تندرج حالًا بعد حال, وسواء في دية المنقلة أن يتشظى عظمها فلا يعاد أو يتشظى فيعاد بعينه أو بغيره أن في جميعها خمس عشرة من الإبل, كما يجب في ذلك في صغير الموضحة وكبرها, وإذا انتقلت الشجة في موضعين من رأسه وقد اتصل إيضاحها كانت منقلتين كما قلنا في الهاشمتين لما قدمناه من الفرق, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وذلك كله في الرأس والوجه واللحي الأسفل".
قال في الحاوي: يعني تقدير دية الموضحة بخمس والهاشمة بعشر والمنقلة بخمس عشرة إنما يكون في الرأس والوجه واللحى الأسفل فأما في الجسد وما قارب الرأس من العنق فلا يتقدر فيه دية الموضحة ولا دية الهاشمة, ولا دية المنقلة ويجب فيها حكومة ألا يبلغ بأرش موضحها خمسًا ولا بأرش هاشمتها عشرًا, ولا بأرش منقلتها خمس عشرة للفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنها على الرأس أخوف.
والثاني: أن شينها فيه أقبح, ويتغلظ هذه الشجاج في الرأس بالعمد, ويتخفف بالخطأ, ولا تتغلظ في الجسد بعمد ولا خطأ, لأن التغليظ يختص بالمقدر من الديات ولا يدخل فيها ما لا يتقدر من أروش الجنايات, فيتغلط خمس الموضحة بالأثلاث فيكون فيه خلفتان, وجذعة ونصف, وحقة ونصف, فتخفف فيها بالأخماس فيكون فيها جذعة وحقة, وبنت لبون وابن لبون, وبنت مخاض, وتتغلظ غير الهاشمة بالأثلاث قيكون فيها أربع خلفات, وثلاث جذاع وثلاث حقاق, ويتخفف بالأخماس فيكون فيها جذعتان, وحقتان, وبنتا مخاض, ويتغلظ في خمس عشرة في المنقلة بالأثلاث فيكون فيها ثلاثة جذاع, وثلاث حقاق, وثلاث بنات لبنون, وثلاثة بني لبون, وثلاثة بنات مخاض, وعلى غير هذا فيما زاد ونقص فيما يقدر من ديات الأعضاء والأطراف.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي المأمومة ثلث النفس وهي التي تخرق إلي جلد الدماغ".
قال في الحاوي: أما المأمومة فهي الواصلة إلي أم الرأس, وأم الرأس هي الغشاوة المحيطة بمخ الدماغ وتسمى الأمة.
وأما الدامغة فهي التي خرقت غشاوة الدماغ حتى وصلت إلي مخه, وفيها جميعًا قلق الدية لا تفضل دية الدامغة على دية المأمومة, وإن كنت أرى انه يجب تفضيلها بزيادة حكومة في خرق غشاوة الدماغ لأنه وصف زائد على صفة المأمومة وإن لم يحك عن الشافعي.
والدليل على أن المأمومة ثلث الدية حديثان:
أحدهما: حديث عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في الأمة ثلث الدية.
والآخر: حديث عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلي أهل اليمن, وفي المأمومة ثلث الدية, ولأنها واصلة إلي جوف فأشبهت الجائفة, فلو أراد المجني عليه أن يقتص من الإيضاح سقط من ديتها إذا اقتص دية الموضحة خمس من الإبل وأخذ بالباقي منها وهو ثمانية وعشرون بعيرًا وثلث, فلو شجه رجل موضحة وهشمه ثان بعد الإيضاح ونقله ثالث بعد الهشم وأمه رابع بعد التنقيل كان على الأول دية الموضحة خمس من الإبل وعلى الثاني ما زاد عليها من دية الهاشمة وهي خمس من الإبل, وعلى الثالث ما زاد عليها من دية المنقلة وهي خمس من الإبل, وعلى الرابع ما زاد عليها من دية المأمومة وهي ثمانية عشرًا بعيرًا وثلث, فإن أريد القصاص اقتص من الأول الموضح دون من عداه, وأخذ من كل واحد منهم ما يلزمه من دية جنايته, ولو جرحه في وجنته من وجهه جراحة حرقت الجلد واللحم وهشمت العظم وتنقل العظم إلي أن وصلت إلي الأم أو كانت في إحدى الحصتين فخرقت كذلك حتى وصلت إلي الفم ففيها قولان حكاهما
أبو حامد المروزي في جامعه.
أحدهما: أنها مأمومة يجب فيها ثلث الدية, ويكون وصولها إلي الفم كوصولها إلي الدماغ لأنها عملت عمل المأمومة.
والقول الثاني: أنه يجب فيها دية منتقلة وزيادة حكومة في وصولها إلي الفم لا يبلغ بها دية المأمومة, لأن وصول المأمومة إلي الدماغ أخوف على النفس من وصولها إلي الفم فلم يبلغ بدية ما قل خوفه دية ما هو أخوف.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولم أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم فيما دون الموضحة بشيء ففيما دونها حكومة لا يبلغ بها قدر موضحة وإن كان الشين أكثر".
قال في الحاوي: قد ذكرنا شجاج الرأٍس قبل الموضحة وأنها ست الحارصة: وهي التي تشق الجلد, ثم الدامية, وهي التي يدمى بها موضع الشق, ثم الدامغة, وهي التي يدمغ منها الدم, ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم فتشقه, ثم المتلاحمة وهي التي تمور في اللهم حتى تنزل فيه وقد تسمى البازلة, ومنهم من جعل البازلة شجة زائدة بين الباضعة والمتلاحمة فيجعل ما قبل الموضحة سبعًا, ثم السمحاق, وهي التي تمور جميع اللحم حتى تصل إلي سمحاق الرأس وهي جلدة تغشى عظم الدماغ ويسميها أهل المدينة الملطاة, ومنهم من جعلها بين المتلاحمة والسمحاق فيجعل شجاج ما قبل الموضحة ثمانيًا, ولا أعرف لهذه الملطاة حدًا يزيد على المتلاحمة وتنفص عن السمحاق فيصير وسطًا بينهما, وليس في جميع هذه الشجاج التي قبل الموضحة أرش مقدر بالنص, وأول الشجاج التي ورد النص بتقدير أرشها الموضحة لانتهائها إلي حد مقدر فصار أرشها مقدرًا كالأطراف, وإذا لم يتقدر أرش ما قبل الموضحة نصًا فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الظاهر من نصوص الشافعي, وقول جمهور أصحابه: أن فيها حكومة يختلف قدرها باختلاف شينها تتقدر بالاجتهاد ولا يصير ما قدره الاجتهاد ولا يصير ما قدره الاجتهاد فيها مقدرًا معتبرًا في غيرها, لجواز زيادة الشين ونقصانه, فإذا أفضى الاجتهاد في حكومة أرشها إلي مقدر ينقص من دية الموضحة على ما سنصفه من صفة الاجتهاد أوجبنا جميعه, وإن زاد على دية الموضحة أو ساواها لم يحكم بجميعه ونقص من دية الموضحة بحسب ما يؤديه الاجتهاد إليه لأن شينها لو كان من موضحة فلم يزد على ديتها, فإذا كان فيما دون الموضحة وجب أن ينقص من ديتها.
فإن قيل: فقد يجب فيما دون النفس أكثر من الدية, وإن لم يجب في النفس إلا الدية فهلا وجب فيما دون الموضحة بحسب الشين أكثر مما يجب في الموضحة.
قيل: لأن ما دون الموضحة بعض
الموضحة وبعضها لا يكافئها وليست الأطراف بعض النفس, لأن النفس لا تتبعض فجاز أن يجب فيها أكثر مما يجب في النفس.
والوجه الثاني: وهو محكي عن أبي العباس بن سريج أن أروشها مقدرة بالاجتهاد كما تقدرت الموضحة وما فوقها بالنص ولا يمتنع إثبات المقادير اجتهادًا كما تقدر القلتان بخمسمائة رطل اجتهادًا, فجعل في الحارصة بعيرًا واحدًا, وجعل في الجامية والدامغة بعيرين, وجعل في الباضعة, والبازلة والمتلاحمة ثلاثة أبعرة, وجعل في الملطأة, والسمحاق أربعة أبعرة لأنها أقرب الشجاج من الموضحة, فكان أرشها أقرب الأروش إلي دية الموضحة, ولما كانت الحارصة أول الشجاج كان فيها أو ما في الموضحة وكان فيما بين الطرفين ما يقتضيه قربة من أحدهما فلذلك رتبة في التقدير على ما ذكره, وهذا وإن كان مستقرًا بالظاهر فاسد من وجهين:
أحدهما: أن ما دخله الاجتهاد بحسب الزيادة والنقصان كان حكمه موقوفًا عليه.
والثاني: أنه لو جاز أن يستقر الاجتهاد فيه بمقدار محدود لا يراد عليه, ولا ينقص منه لكان اجتهاد الصحابة-رضي الله عنهم-فيه أمضى وتقديرهم له ألزم, وقد روى سعيد بن المسيب, عن عمر وعثمان أنهما قضيا في الملطاة والسمحاق بنص ما في الموضحة.
والوجه الثالث: حكاه أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة عن الشافعي أن يعتبر قدر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة حتة وصلت إلي العظم إذا أمكن, فإذا عرف مقداره من ربع أو ثلث أو نصف كان فيه بقدر ذلك من دية الموضحة, فإن علم أنه النصف وشك في الزيادة اعتبر شكه بتقويم الحكومة, فإن زاد على النصف وبلغ الثلثين زال حكم الشلك في الزيادة بإثباتها وحكم بها, ولزم ثلثا دية الموضحة, وإن بلغت النصف زال حكم الشك في الزيادة بإسقاطها وحكم بنصف الدية, وإن نقصت عن النصف بطل حكم النقصان والزيادة وثبت حكم النصف, فإن لم يعلم مقدار ذلك من الموضحة عد عينئذ إلي الحكومة التي يتقدر الأرش فيها بالتقويم على ما سنذكره, ولهذا الوجه وجه إن لم يدفعه أصل وذلك أن مقدار الحكومة معتبر بشيئين: الضرر والشين, وهما لا يتقدران بمقدار المور في اللحم.
وحكي عن الشعبي أنه قال: ليس فيما دون الموضحة أرش, وليس على الجاني إلا أجرة الطبيب لعدم النص فيه, وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن المنصوص عليه أصل للمسكون عنه.
والثاني: أنه قد أوجب أجرة الطبيب ولم يرد بها شرع, وأسقط أرش الدم وقد ورد به شرع, والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي- رضي الله عنه-: "وفي كل جرح ما عدا الرأس والوجه حكومة إلا الجائفة ففيها ثلث النفس وهي التي تخرق إلي الجوف من بطن أو ظهر أو صدرًا أو ثغرة نحر في جائفة".
قال في الحاوي: وإذ قد مضى الكلام في شجاج الرأس والوجه فسنذكر ما عداه من جراح البدن وينقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما يجب فيه القصاص وتتقدر فيه الدية وهو الأطراف.
والقسم الثاني: ما لا يجب فيه القصاص ولا تتقدر فيه الدية, وهو ما دون الموضحة أو فوقها ودون الجائفة.
والقسم الثالث: ما يجب فيه القصاص ولا يتقدر فيه الدية, وهو الموضحة يجب فيها القصاص في البدن كالرأس, ولا يتقد فيها الدية, وإن تقدرت في الرأس ويجب فيها حكومة.
والفرق فيها بين الرأس والجسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الرأس لاشتماله على حواس السمع والبصر والشم والذوق.
والثاني: أن الجناية عليه أخوف.
والثالث: أن شينها فيه أقبح.
والقسم الرابع: ما تتقدر فيه الدية ولا يجب فيه القصاص, وهو الجائفة والجائفة وصول الجرح إلي الجوف من بطن أو ظهر أو ثغرة نحر تخرق به غطاء الجوف حتى يصل إليه سواء كان بحديد أو بغيره من المحدد, وفيها ثلث الدية, صغرت أو كبرت, لرواية عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الجائفة ثلث الدية وفي المأمومة ثلث الدية".
وروى عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلي أهل اليمن: "وفي الجائفة ثلث الدية", ولأنها واصلة إلي غاية مخوفة فأشبهت المأمومة, ولا قصاص فيها, لتعذر المماثلة بنفوذ الحديد إلي ما لا يرة انتهاؤه, فإن أجافه حتى لذع الحديد كبده, أو طحاله لزمت ثلث الدية في الجائفة, وحكومة في لذع الحديد الكبد والطحال.
ولو أجافه فكسر أحد أضلاعه لزمه دية الجائفة, وتكون حكومة الضبع معتبرة بنفوذ الجائفة, فإن نفذت من غير ضلع لزمخ حكومة الضلع, وإن لم تنفذ إلا بكسر الضلع دخلت حكومته في دية الجائفة, وإذا أشرط بطنه بسكين ثم أجاغه في آخر الشرطة, كان عليه في الجائفة ديتها وفي الشرطة حكومتها, لأن الشرطة في غير محل الجائفة متميزة عنها فتميزت بحكمها كما قلنا إذا أوضح مؤخر رأسه وأعلى قفاه, ولو جرحه بخنجر له طرفان فأجافه في
موضعين وبينهما حاجز كانت جائفتين وعليه ثلثا الدية, فإن خرقه الجاني أو تآكل صارت جائفة واحدة ولو خرقه أجنبي كانت ثلاث جوائف, ولو خرقه المجروح كانت جائفتين كما قلنا في الموضحتين.
فصل:
وإذا أدخل في حلقه خشبة أو حديدة حتى وصلت إلي الجوف أو أدخلها في سبيله حتى بلغت الجوف لم تكن جائفة ولا شي عليه, لأنه ما خرق بها حاجز, فإن خدش ما حيالها من داخل الجوف لزمته حكومته, وعزر في الحالين أدبًا, وإن لم يعزر الجاني إذا أغرم الدية, لأنه قد انتهك منه بإيلاجها ما لم يقابله غرم, فإن خرق بوصول الخشبة إلي الجوف حاجز من غشاوة المعدة أو الحشوة ففي إجراء الجائفة وجهان:
أحدهما: يجري عليه حكم الجائفة ويلزمه ثلث دية, لأنه قد خرق حاجزًا في الجوف فأشبه حاجز البطن.
والوجه الثاني: لا يجري عليها حكم الجائفة ويلزمه حكومة لبقاء البطن الذي هو حاجز على جميع الجوف, وهذان الوجهان بناء على اختلاف الوجهين في الحاجز بين الموضحتين إذا انخرق باطنه من اللحم وهي ظاهرة من الجلد هل يجري-عليه حكم الموضحة في الجميع أم لا؟ على وجهين.
فصل:
ولو أولج خشبة في فرج عذراء خرق بها حاجز بكارتها عذر ولم يجد, إلا أن يطأ فيحد, ويلزمه مهر المثل إن أكرهها, ولا تلزمه دية الجائفة بخرق حاجز البكارة, لأنها في مسلك الخرق, وأما الحكومة فإن كانت بغير وطء لزمه حكومة بكارتها, لأنها بجناية منه, وإن كانت بوطء لم يلزمه, لأنه لا يخلو في وطئه من إكراه أو مطاوعة, فإن أكره دخل أرش الحكومة غي المهر, لأنه يلزمه مهر مثلها من الأبكار, وإن طاوعته كانت بالمطاوعة الكمبرئة من الأرش, لأن المطاوعة إذن, وإذا عصر بطنه وداسه حتى خرج الطعام من فمه أن النجو من دبره فلا غرم عليه, ويعزر أدبًا, فإن زال بالدوس أحد أعضاء الجوف عن محله حتى تياسر الكبد أو تيامن الطحال, لأن الكبد متيامن والطحال متياسر, فعليه الحكومة إن بقي على حاله, ولا شيء عليه إن عاد إلي محله.
فصل:
فإذا جرحه جائفة, ثم جاء آخر فأولج من الجائفة سكينًا, فلا يخلو حال الثاني بعد الأول من أحد أربعة أقسام:
أحدهما: أن لا يؤثر في سعتها ولا في عمقها فلا شيء عليه, لأن ما جرح ويعزر أدبًا للأذى.
والقسم الثاني: أن يؤثر في سعتها ولا يؤثر في عمقها, فعليه في زيادة سعتها إذا كان ظاهرًا أو باطنًا دية جائفة, لأنه قد أجافه وإن اتصلت بجائفة غيره, فإن اتسعت في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر فعليه حكومة, لأن جرح لم يستكمل جائفة.
والقسم الثالث: أن يؤثر في عمقها ولا يؤثر في سعتها فيلذع بعض أعضاء الجوف من كبد أو طحال فعليه في لذع ذلك وجرحه حكومة.
والقسم الرابع: أن يؤثر في سعتها ويؤثر في عمقها, فيلزمه دية جائفة في زيادة سعتها, وحكومة في جراحة عمقها, فإنه قطع بها معًا, أو حشو صار موجًا قاتلًأ يلزمه القود في النفس أو جميع الدية, ويكون الأول جارحًا جائفًا يلزمه ثلث الدية, ولو جرح الثاني المعاء والحشوة ولم يقطعه صار الثاني والأول قاتلين وعليهما القود في النفس أو الدية بينهما بالسوية لحدوث التلف بسراية جنايتهما.
فصل:
وإذا خاط المجروح جائفة ففتقها آخر حتى عادت جائفة لم يخل حالها بعد الخياطة من أحد أربعة أقسام:
أحدهما: أن يفتقها قبل التحام ظاهرها وباطنها فلا شيء عليه في الجائفة ويعزر أدبًا للأذى, ويغرم قيمة الخيط وأجرة مثل الخياطة.
والقسم الثاني: أن يفتقها بعد التحام ظاهرها وباطنها, فقد صار جائفًا وعليه دية الجائفة وإن كانت في محل جائفة متقدمة, لأنها قد صارت بعد الاندمال كحالها قبل الجناية, كما لو أوضح رأسه فاندمل, ثم عاد فأوضحه من موضع الاندمال لزمه دية موضحة ثانية ويغرم قيمة الخيط, ولا يغرم أجرة المثل لدخول أجرة فتقها في دية جائفتها بخلافة لو لم يغرم ديتها.
والقسم الثالث: أن يلتحم باطنها ولا يلتحم ظاهرها, فيلزمه حكومة في فتح ما التحم من باطنها, ويغرم قيمة الخيط وأجرة مثل الخياطة, لأنه ما التزم في محله غرمًا سواء.
والقسم الرابع: أن يلتحم ظاهرها ولا يلتحم باطنها, فتلزمه حكومة في فتح ما التحم من ظاهرها, ويغرم قيمة الخيط, ولا يغرم أجرة الخياطة لدخوله في حكومة محله.
فصل:
وإذا جرحه نافذة, النافذة: أن جرحه بسهم أو سنان فيدخل في ظهره ويخرج من بطنه, أو يدخل في بطنه ويخرج من ظهره أو ينفذ من أحد خصرية إلي الآخر فمذهب الشافي وما عليه جمهور أصحابه أن النافذة جائفتان, ويلزمه فيهما ثلثا الدية, وقال أبو حنيفة: تلزمة دية جائفة في الوصول إلي الجوف, وحكومة في النفوذ منه, وبه قال بعض
أصحابنا, لأن الجائفة ما وصلت إلي الجوف, والنافذة خارجة منه فكانت أقل من الجائفة, وهذا خطأ, لما روى عن أبي بكر-رضي الله عنه-أنه قضى على رجل رمى رجلًا بسهم فأنفذه بثلثي الدية ولم يظهر له مخالف فكان إجماعًا, ولأن ما خرق حجاب الجوف كان جائفة كالداخلة, فإن قطع سهم النافذة بنفوذه في الجوف بعض جشوته كان عليه مع دية الجائفتين حكومة فيما قطع من حشوته.
مسألة:
قال الشافعي- رضي الله عنه-"وفي الأذنين الدية".
قال في الحاوي: وقال مالك: فيهما حكومة لاختصاصهما بالجمال دون المنفعة فكانا كاليدين الشلاوين, وهذا فاسد, لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلي أهل اليمن: "وفي الأذنين الدية" ولأنهما عضوان يجتمع فيهما منفعة وجمال فوجب أن تكمل فيهما الدية كاليدين والرجلين, فإن قيل: المنفعة فيهما مفقودة.
قيل: إن منفعتهما موجودة, لأن الله تعالى ما خلق الأعضاء عبثًا ولا قدرها إلا لحكمة ومنفعة, ومنفعة الأذن جمع الصوت حتى يلج إليها فيصل إلي السمع, وهذا أكبر المنافع.
فصل:
فإذا ثبت وجوب الدية فيهما فتكمل الدية إذا استوصلنا صغرت الأذنان أو كبرتا, والمثقوبة وذات الخرم مساوية لغير ذات الثقب والخرم إذا لم يذهب شيء من الأذن بالثقب والخرم, فإن أذهب شيئًا منها سقط من ديتها بقدر الذاهب, وإذا قطع إحدى الأذنين كان فيها نصف الدية يمنى كانت أو يسرى كاليدين, فإن قطع بعض أذنه كان عليه من ديتها بقسط ما قطع منها من ربع أو ثلث أو نصف سواء قطع من أعلى أو أسفل, ولا اعتبار بزيادة الجمال والمنفعة في أحد النصفين كما تستوي ديات الأصابع والأسنان مع اختلاف منافعهما وسواء قطع أذن سميع أو أصم, لأن محل السمع في الصماخ لا في الأذن, لبقاء السمع بعد قطعهما, وخالف حلول البصر في العين وحلول حركة الكلام من اللسان.
فصل:
وإذا جني على أذنيه فاستحشفتا وصار بهما من اليبس وعدم الألم ما باليدين من الشلل ففيه قولان:
أحدهما: عليه الدية كاملة كما يلزمه في شلل اليدين الدية.
والقول الثاني: عليه حكومة, لبقاء منافعهما بعد الشلل والاستحشاف (وعدم) منافع
اليد بالشلل سواء, فلو قطعت الأذن بعد استحشافها كان على قولين:
أحدهما: فيهما حكومة إذا قيل في استحشافهما الدية كاليد الشلاء إذا قطعت.
والقول الثاني: فيها الدية إذا قيل في الاستكشاف حكومة, ولا يجتمع فيها ديتان إحداهما بالاستحشاف, والأخرى بالقطع, ولا حكومتان ويجتمع فيهما دية وحكومة, فإن أوجبت الدية في الاستحشاف كانت الدية في القطع.
وذهب بعض أصحابنا إلي أنه لا يجب في الحالين إلا حكومة إحداهما بالاستحشاف والأخرى بالقطع, تستوفي بالحكومة جميع الدية لا يجوز نقصانها, ويجوز زيادتها, وهذا فاسد, لأنه لا بد أن يجري على إحدى الحكومتين: حكم الجناية على الصحة, وذلك موجب لكمال الدية.
فأما إذا جني على أذنه فاسود لونها ففيها حكومة كما لو جني على يده لأن سواد اللون في الأبيض شين, وكذلك بياض اللون في الأسود شين, والحكومة في الحالين واجبة, وإن كانت المنافع باقية.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي السمع الدية ويتغفل ويصاب به فإن أجاب عرف أنه يسمع ولم يقبل منه قوله, وإن لم يجب عند غفلاته, ولم يفزع إذا صيح به حلف لقد ذهب سمعه وأخذ الدية".
وروي أن رجلًا رمى رأس رجل بخحر في زمان عمر فأذهب سمعه وعقله ولسانه, وذكره, فقضى عليه عمر بأربع ديات, ولأن السمع من أشرف الحواس فأشبه حاسة البصر واختلف في أيهما أفضل؟ فقال يوم: حاسة البصر أفضل, لأن به تدرك الأعمال, وقال آخرون: حاسة السمع أفضل, لأن به يدرك الفهم, وقذ ذكرهما الله تعالى في كتابه فقرنه بذهاب البصر, لأن بذهاب البصر فقد النظر وبذهابه السمع فقد العقل, فقال تعالى في البصر: ﴿ومِنْهُم مَّن يَنظُرُ إلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس 43] وقال في السمع: ﴿ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس 42].
فصل:
والسمع لا يرى فيرى ذهابه, فلم يكن للبينة فيه مدخل مع التنازع, ولكن له أمارات تدل عليه يعلم بها وجوده من عدمه, فإذا ادعى المجني عليه ذهاب سمعه فللجاني حالتان: تصديق, وتكذيب فإن صدقه على ذهاب سمعه لم يحتج إلي الاستظهار بالأمارات, وسأل عنه عدول الطب هل يجوز أن يعود أم لا؟ فإن نفوا عوده حكم له بالدية دون القصاص لتعذر استيفائه وإن جوزوا عودة إلي مدة قدروها وجب الانتظار بالدية إلي انقضاء تلك المدة, فإن عادة السمع فيها سقطت الدية, وإن لم يعد حتى انقضت استقر بها ذهاب السمع, واستحق دفع الدية, وإن كذب الجاني على ذهاب السمع اعتبر صدق المجني عليه, لتعذر البينة فيه بالأمارات الدالة عليه, وذلك بأن يتغفل, ثم يصاح به بأزعج صوت وأهل له يتضمن إنذار أو تحذير, فإن أزعج به والتفت لأجله, أو أجاب عنه دل على بقاء سمعه, فصار الظاهر مع الجاني, فيكون القول فيه قول الجاني مع يمينه بالله أن سمعه لباقي ما ذهب من جنايته, ولو اقتصر في يمينه على أنه باقي السمع أجزأه, ولو اقتصر على أن سمعه ما ذهب بجنايته لم يجزه, لأن الحلف على ذهاب السمع وبقائه لإذهابه بجناية غيره, وإنما حلف الجاني مع ظهور الأمارة في جنيته لجواز أن يكون إزعاج المجني عليه بالصوت بالاتفاق, وإن كان المجني عليه عند سماع الأصوات المزعجة في أوقات غفلاته غير منزعج بها دل ذلك على ذهاب سمعه فصار الظاهر معه, فيكون القول قوله مع يمينه في ذهاب سمعه من جنايته, فإن لم يقل من جنايته لم يحكم له بالدية لجواز ذهابه بغير جنايته, ولزم اليمين مع وجود الأمارات في في جنيته لجواز أن يتصنع لها بذهابه وجلده, ولا يقتصر بهذه الأصوات المزعجة على مرة واحدة لجاوز التصنع, ويكون ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها, فإن الطمع يظهر منها فيزول مع التصنع.
فصل:
وإذا ادعى المجني عليه صمم إحدى أذنيه سدت سميعته بما يمنع وصول الصوت فيها, وأطلقت ذات الجناية, وأزعج في غفلاته بالأصوات الهائلة, فإن انزعج بها كان سمعه باقيًا بظاهر الأمارة فيكون القول في بقائه قول الجاني مع يمينه, فإنه لم ينزعج بها كان سمعه ذاهبًا بظاهر الأمارة, فيكون القول في ذهابه قول المجني عليه مع يمينه ويكون على الجاني نصف الدية, لأنه قد أذهب بضمها نصف منفعة فإن قيل: فقد تسمع الأخرى ما كان يدركه بها.
قيل: لا يمنع ذلك من الاستحقاق للدية وإن كان الإدراك باقيًا, كما لو أذهب ضوء إحدى عينيه لزمه ديتها, وإن كان يدرك بالباقية ما كان يدركه بهما.
فصل:
ولو ادعى المجني عليه وقرًا في إحدى أذنيه ذهب به بعض سمعها اعتبر ما ذهب من
قدر سمعها تصم ذات الجناية وسدها وإطلاق السليمة, وأن ينادي من بعد فإذا سمع الصوت بعد المنادي حتى ينتهي إلي أقصر غاية يسمع صوته فيها, ثم صمت السمعية وفتحت ذات الجناية, ونودي من ذلك المكان بمثل ذلك الصوت فإن سمعه كان سمعهما باقيًا بحاله, وإن لم يسمعه قرب المنادي منه حتى ينتهي إلي حيث يسمع صوته, ويعتبر ما بين المسافتين بعد أن يفعل ذلك دفعًا يزول معها التصنع ويتفق فيها النداء, فإن اختلف عمل على أقل الوجوب, فإن كان بين مسافتي السمعية وذات الوقر النصف كان عليه ربع الدية, لأن قد أذهب ربع سمعه, وإن كان الثلث كان عليه سدس الدية.
فصل:
فإن ادعى المجني عليه وقرًا في أذنيه معًا ذهب بعض سمعه منها, فإن كان يعلم مدى سماعه قبل وقت الجنية, اعتبر مدى سماعه بعد الجناية, واستحق من دية السمع بقدر ما بين المسافتين من ربع أو ثلث أو نصف وإن لم يعلم مدى سماعه في حال الصحة فلا سبيل إلي تحقيق المستحق من الدية ويعطى في الذاهب منه حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده, فلو قال المجني عليه: أنا أعرف قدر ما ذهب من سمعي, وهو النصف, أحلف على دعواه وحكم بقوله لأنه لا يوصل إلي معرفة إلا من جهته فقبل قوله فيه مع يمينه كما يقبل قول المرأة في حيضها, ولو ادعى الجاني عود السمع بعد ذهابه وأنكر المجني عليه عوده كان القول مع يمينه, وهو على حقه من الدية, فإن مات قبل اليمين فلا يمين له على الورثة إن لم يدع علمهم, وإن ادعاه أحلفهم بالله ما يعلمون سمع بعد ذهاب سمعه.
فصل:
وإذا قطع أذنيه فذهب بقطعهما سمعه لزمته ديتان:
أحداهما: في الأذنين.
والأخرى: في السمع, لأنها جناية على محلين فصارت كالجناية على عضوين, وخالف قلع العين إذا ذهب ضوؤها فلم يتلزمه إلا دية واحدة, لأن محل الضوء في العين, ومحل السمع في غير الأذن ولذلك كملت الدية في أذن الأصم والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذهاب العقل الدية".
قال في الحاوي: إذا جني عليه فأذهب عقله ضمنه بالدية دون القود, وإنما سقط القود فيه لأمرين:
أحدهما: اختلاف الناس في محله, فمن طائفة تقول محله الدماغ.
وأخرى تقول محله القلب, وأخرى تقول مشترك فيهما, وإن كان الأصح من أقاويلهم أن محله القلب لقول الله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج 46] ولأنه نوع من العلوم.
والثاني: تعذر استيفائه, لأنه يذهب يسير الجناية ولا يذهب بكثيرها, فأما الدية فواجبة فيه على كمالها لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلي اليمن: في العقل الدية.
وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم: "في العقل الدية مائة من الإبل".
وقضى عمر رضي الله عنه في المشجوج رأسه حين ذهب بها سمعه وعقله ولسانه وذكره بأربع ديات, ولأن العقل أشرف من حواس الجسد كلها لامتيازه بع من الحيوان البهيم, وفرقه به بين الخير والشر, وتوصله به إلي اختلاف المنافع ووقع المضار, وتعلق التكليف به, فكان أحض بكمال الدية من جميع الحواس مع تأثير ذهابه فيها وفقد أكثر منافعها.
فصل:
إذا ثبت وجوب الدية بذهاب العقل فإنما يستحق في العقل الغريزي الذي يتعلق به التكليف, وهو العلم بالمدركات الضروري, فأما العقل المكتسب الذي هو حسن التقدير وإصابة التدبير ومعرفة حقائق الأمور فلا دية فيه مع بقاء العقل الغريزي وفيه حكومة لما أحدث من الدهش بعد التيقظ والاسترسال بعد التحفظ, والغفلة بعد الفطنة يعتبر بحكومته قدر ما حدث من ضرره, ولا يبلغ به كمال الدية, لأنه تابع للعقل الغريزي, ولا يتبعض العقل الغريزي في ذاته, لأنه محدود بما لا يتجزأ فلا يصح أن يذهب بعضه ويبقى بعضه, ولكن قد يتبعض زمانخ فيعقل يومًا ويجن يومًا, فإن تبعض زمانه بالجناية فكان يومًا ويومًا لزم الجاني عليه نصف الدية, وإن كان يعقل في يوم ويجن في يومين لزمه ثلثًا ديته.
فصل:
وأما الجناية التي يزول بها العقل فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون عن مباشرة.
والثاني: عن غير مباشرة.
فأما ما كان عن مباشرة فكضربة سيف أو رمية بحجر أو قرعة بعصا, أما على رأسه أو ما قرب من قلبه, فإذا ذهب بها العقل كان عن جنايته سواء أثر ذلك في جسده أو لم يؤثر, وكذلك لو لطمه بيده, أو ركله برجله حتى أزعجه بركلته أو لطمته التي يقول علماء الطب: إن مثلها يذهب العقل كان ذاهبًأ عن جنايته ومأخوذًا بديته, وأما ما كان عن غير مباشرة فكالإشارة إليه بسيف أو تقريب سبع أو إدناء أفعى فيذعر منه فيزول عقله به فيعتبر
حاله فإن كان طفلًا أو مضعوفًا مذعورًا فلذلك مزيل لعقل مثله فيؤخذ بديته, وإن كان قوي النفس ثابت الجأش فعقل مثله لا يزول بهذا التفزيع فلا دية فيه, وهكذا إن زعق عليه بصوت مهول فزال عقله كان معتبرًا بحاله في قوة جأشه أو ذعره, فلا تلزمه الدية في ذي الجأش وتلزمه في المذعور فأما إن أخبره مصيبة حزن لها فزال عقله أو أخبره بمسرة فرح فزال عقله لحدوث زواله عن فرح وحزن أحدثه الله تعالى فيه.
فصل:
وإذا زال عقله بجناية مباشرة فلم يخل حالها من أن يوجب غرمًا سوى دية العقل أو لا يوجب, فإن لم يوجب سوى الدية العقل غرمًا كاللطمة واللكمة وما لا يؤثر من الخشب والمثقل في الجسد غير الألم فتستقر بها دية العقل, ويكون ما عداه من ألم الضرب هدرًا, وهل يعزر به أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يعزر لإيجابه دية العقل, وغرمها أغلظ من التعزير.
والوجه الثاني: يعزر, لأن غرم الدية في غير محل الألم, فوجب أن لا يخلو من تعزير إذا خلا من غرم.
وإن أوجبت الجناية غرمًا سوى دية العقل من مقدر أو غير مقدر ففيه قولان:
أحدهما: وبه قال في القديم وهو مذهب أبي حنيفة: أنه إن كان ما وجب بالجناية أقل من دية العقل كالموضحة والمأمومة, أو قطع إحدى الأذنين دخل ذلك في دية العقل ولم يجب عليه أكثر منها, وإن موجبًا من الدية, لقطع الأذنين وجذع الأنف' دخله فيه دية العقل وأخذ بدية الأذنين والأنف ليكون الأقل داخلًا في الأكثر, استدلالًا بأن زوال العقل مسقط للتكليف فأشبه الموت.
والقول الثاني: قاله في الجديد وهو الأصح: إن دية العقل لا تسقط بما عداها, ولا يسقط بها ما عداها, سواء كان ما وجب الجناية أقل من دية العقل كالمأمومة, فيجب عليه ثلث الدية في المأمومة وجميع الدية في العقل, أو كان ما وجب بالجناية أكثر من دي العقل كالأذنين والأنف, فيجب عليه ثلاث ديات واحدة في العقل, وثانية في الأذنين وثالثة في الأنف, لرواية أبي المهلب أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قضى على رجل رمى رجلًا بخنجر في رأسه فأذهب عقله وسمعه ولسانه وذكره بأربع ديات, ولأن ما اختلف محله لا يتداخل فيما دون النفس كالأطراف, ولأن العقل عرض يختص بمحل مخصوص فلم يتداخل فيه أرش الجنايات كالسمع والبصر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي العينين الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لوراية علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" في العينين الدية" ولأنهما من أعظم الجوارح قدرًا فكانا بإيجاب الدية أحق, وسواء في ذلك الصغيرة والكبيرة, والحادة والكليلة, والصحيحة والعليلة, والعمشاء, والعشواء, والحولاء, إذا كان الباطن سليمًا, كما لا تختلف ديات الأطراف مع اختلاف أوصافهما, وفي إحدى العينين نصف الدية" ولأن كل دية وجبت في عضوين وجب نصفها في أحد العضوين كاليدين والرجلين, ولا فضل ليمنى على يسرى, ولا لصحيحة على مريضة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذهاب بصرهما الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا جني على عينيه فأذهب بصرهما مع بقاء الحدقة وجبت عليه الدية, لرواية معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي البصر الدية" ولأنه منفعة العين بناظرها كما قال الشاعر:
وما انتفاع أخي الدنيا لمقلته... إذا استوت عند الأنوار والظلم
وإذا سلبها منفعتها كملت عليه ديتها كالشلل في اليدين والرجلين, فإن عاد بعد ذهاب البصر فقلع العين فعليه حكومة, كما لو أشل يده فغرم ديتها ثم عاد بعد الشلل فقطعهما لزمه حكومتها, ولو قطعها ابتداء لم تلزمه إلا ديتها, وقد قمنا الفرق بين قطع الأذنين فيذهب بها السمع فتلزمه ديتان, وبين قلع العينين فيذهب بهما البصر فيلمه دية واحدة بأن محل السمع في غير الأذنين فلم تسقط إحداهما بالأخرى, ومحل البصر في العين, ويلحق بالأذنين ذهاب الشم يجذع الأنف, فتلزمه ديتان ويلحق بالعين ذهاب الكلام بقطع اللسان فتلزمه دية واحدة.
فصل:
فإذا ثبت أن في ذهاب البصر الدية نظ: فإن محق ذهاب البصر كان المحق شواهد ذهابه الذي يقطع التنازل فيه, كما لو استأصل عينه ففقأها, وهو ما يؤس من عوده فنقضي فيه بالقود وفي العمد والدية في الخطأ, وإن كانت العين ظاهرة لم تمحقها الجناية, فقد يجوز أن يذهب بصرها مع بقائها على صورتها فيوقف علماء الطب عليها فلا يخلو حالين فيها من أحد أمرين:
إما أن يكون عندهم منها على أو لا يكون فإن لم يكن عندهم منها على لإشكالها وتجويزهم أن يكون بصرها ذاهبًا وباقيًا عملنا على قول المجني عليه دون الجاني, لأن ذهاب بصرها لا يعلم إلا من جهته, فجعل القول فيها قوله مع يمينه بعد الاستظهار عليه إذا كان بالغًا عاقلًا بأن يستقبل في أوقات غفلاته بما يزعج البصير رؤيته, ويشار إلي عينه بما يتوقاه البصير بإغماضها ويؤمر بالمشي من طريق الحظائر والآبار ومعه من يحوله منها وهو لا يشعر, فإذا دلت أحواله بأن لا يطبق طرفه بالإشارة إليه ولا يتوقى بئرًا إن كانت بين يديه صار ذلك من شواهد صدقه, فيحلف مع ذلك لجواز تصنعه فيه, ونقضي له بعد يمينه بالقود في العمد والدية في الخطأ, وإن كان يطيق طرفه عند الإشارة ويتوقى بئرًا إن كانت ويعدل عن حائط إن لقيه صارت شواهد هذا الظاهر منافيه لدعواه, فانتقل الظاهر إلي جنبه الجاني, فكان القول قوله مع يمينه بالله إن بصره لباق لم يذهب, لجواز أن يكون تحرز المجني عليه بالاتفاق, فاستظهر له باليمين, فإن كان المجني عليه صغيرًا أو مجنونًا لم يرجع إلي قولهما ولم يقبل دعواهما, لأنه لا حكم لهما, ووقف أمرهما إلي وقت البلوغ والإفاقة بعد حبس الجاني ليرجع إلي قولهما إذا بلغ الصبي وأفاق المجنون أو يموتان فيقوم مقامهما فيما يدعيانه من ذهاب البصر وإحلافهما عليه إن كان معهما ظاهر يدل عليه والله أعلم.
فصل:
وإن كان عند علماء الطب من حال العين فلا يخلو علمهم بها من حد أربعة أقسام:
أحدها: أن يشهد عدولهم ببقاء بصرها في الحال وفي ثاني الحال.
والثاني: أن يشهدوا ببقائه في الحال وجاوز ذهابه في ثاني حال.
والثالث: أن يشهدوا بذهابه في الحال وفي ثاني حال.
والرابع: أن يشهدوا بذهابه في الحال وجواز عوده في ثاني حال.
فأما القسم الأول: إذا شهدوا ببقاء البصر في الحال وما بعدها حكم بشهادة عدلين منهم فبرئ الجاني من القود والدية, ونظر في الجناية فإن كان لها أثر يوجب حكومة غرمها ولو يعزر, وإن لم يكن لها أثر عزر أدبًا ولم يغرم.
وأما القسم الثاني: إذا شهدوا ببقاء بصره في حال وجواز ذهابه في ثاني حال لم يخل خال تجويزهم لذهابه من أن يقدروه بمدة, أو لا يقدروه فإن قدروه بمدة فقالوا: يجوز أن يذهب سنة ولا يجوز أن يذهب بعدها, فإن ذهب فيها وإلا فقد سلم منها عمل على شهادتهم, ووقف المجني عليه سنة فإن ذهب بصره فيها كان الجاني مأخوذًا بالقود في العمد والدية في الخطأ, وإن ذهب بصره بعدها فلا شيء على الجاني, ويؤخذ بالحكومة إذا كان لجنايته أثر, ولا يعزر ولا حكومة إن لم يكن لها أثر ويعزر, فعلى هذا لو جني على عينه آخر ففقأها قبل ذهاب بصره كان الثاني هو المأخوذ فيها بالقود والدية
دون الأول, سواء فقأها قبل السنة أو بعدها, لأنه جني والبصر باق.
وأما القسم الثالث: إذا شهدوا بذهاب بصره في الحال وما بعدها فيحكم له بالقود في العبد إذا شهد من عدولهم رجلان, وبالدية في الخطأ إذا شهد منهم رجل وامرأتان, فلو عاد بصر المجني عليه بعد أن قضى له بالدية أو القود فالمذهب أن لا درك عليه بعودها فيما قضى له من قودها أو ديتها, لأن عودها بها من عطايا الله تعالى وهباته, وللشافعي في سن المثغور إذا قلعت واقتص منها أو أخذ ديتها, ثم عادت فيثبت قولان:
أحدهما: يلزمه رد ديتها, فعلى هذا اختلف أصحابنا في تخريجه إذا عاد بصرنا هل يلزمه رد ديتها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه ردها إذا عاد بصرها كما يلزمه ردها في السن.
والوجه الثاني: لا يلزمه رد الدية بعود البصر, ويلزمه ردها بعود السن.
والفرق بينهما أن عود السن معهود في جنسه, وعود البصر غير معهود في جنسه فاختلفا في الرد لاختلافهما في معهود العود, وعلى هذا لو اقتص من بصر الجاني فعاد بصره بعد القصاص لم يؤخذ بذهابه ثانية على الصحيح من المذهب, وهلل يؤخذ به على القول المخرج في السن أم لا؟ على الوجهين المذكورين لا يؤخذ به في أحدهما ويؤخذ به في الوجه الآخر ويقتص منه ثانية, فإن عاد بعدها اقتص منه أبدًا حتى يذهب فلا يعود.
والقسم الرابع: إذا شهدوا بذهاب بصره في الحال وجواز عوده في ثاني حال فلا يخلو حالهم فيه من أن يقدروا زمان عوده أو لا يقدروا, فإن لم يقدروا وقالوا: يجوز أن يعود إلي الأبد إلي وقت الموت من غير تحديد ولا إياس لم توجب هذه الشهادة توقفًا عن القصاص أو الدية وأخذ الجاني بهما في الحال, لأن استحقاقه مانع من تعليقه بشرط يفضي ثبوته إلي سقوطه.
وإن قدروا المدة وقالوا: يجوز أن يعود إلي سنة إن كان من ظلمة غطت الباطن ولا يجوز أن يعود بعدها, لأنه من ذهاب الباطن حبس الجاني, وقف البصر إلي سنة, فإن عاد فيها بريء الجاني من القود والدية, وكان مأخوذًا بحكومة الجناية إن أثرت, ولم يعزر, وإن لم تؤثر عزر ولم يغرم, وإن لم يعد في السنة حتى انقضت أخذ الجاني بالقود في العمد والدية في الخطأ, فعلى هذا لو جني عليه قبل انقضاء السنة آخر ففقأ عينه فدية البصر والقود فيه على الأول, دون الثاني, لأنه ذهب بجناية الأول, ولم يعد عند جناية الثاني فلو اختلف الأول والثاني فقال الأول: عاد البصر قبل جنايتك فأنت المأخوذ بالقود فيه أو الدية دوني.
وقال الثاني: بل كان البصر عند جنايتي على ذهابه فأنت المأخوذ فيه بالقود أو الدية دوني, فالقول قول الثاني مع يمينه دون الأول لأننا على يقين من ذهابه وفي شك من عوده.
فإن ادعيا علم المجني عليه لم يخل حاله إن أجاب من أحد أمرين: إنما أن يصدق الأول أو الثاني فإن صدق الثاني أن بصره لم يعد حلف للأول وإن طلب (يمينه), وقضى
عليه بالقود أو الدية.
وإن صدق الأول أن بصره عاد قبل جناية الثاني برئ الأول من القود والدية بتصديقه, ولم يقبل قوله على الثاني, وصارت عينه هدرًا, لأنه قد استأنف بتصديق الأول دعوى على الثاني وشهادة للأول فلم تقبل دعواه على الثاني, ولم يستمع شهادته للأول لما فيها من اجتلاب النفع, ولم لم يجن عليه ثان, ولكن مات قبل انقضاء السنة كان الجاني مأخوذًا بالقود الودية, لأنه أذهب بصرًا لم يعد, وفي سن من لم يثغر إذا قلعت فقد عودها إلي مدة مات قبلها قولان:
أحدهما: لا يجب فيه الدية, لأن الظاهر عودها في المدة لو عاش إليها فعلى هذا القول اختلف أصحابنا في تخريجه في العين على وجهين:
أحدهما: يجيء تخريج قول ثان في العين أنه لا يلزمه القود ولا الدية وتلزمه حكومة كموته في مدة السن.
والوجه الثاني: لا يجيء تخريج هذا القول في العين وإن خرج في السن لما قدمناه من الفرق بين السن والعين, فلو اختلف الحاني ووليه بعد موته.
فقال الجاني: عاد بصره قبل الموت, وقال الولي: لم يعد.
فالقول قول الولي مع يمينه أن بصره لم يعد, ويكون الجاني مأخوذًا بالقود أو الدية, فإن نكل الولي حلف الجاني وبريء منهما, ولو لم يذهب بصر المجني عليه في حال الجناية, وذهب بعدها نظر, فإن كان لم يزل عليل العين أو شديد الألم إلي أن ذهب بصره فالظاهر ذهابه من الجناية فيكون الجاني مأخوذًا بالقود فيه أو الدية كالمجروح إذا لم يزل صبيًا حتى مات, وإن برأت عينه وزال ألمها, ثم ذهب بصرها, كان ذاهبًا من غير الجناية في الظاهر, فلا يلزمه قود ولا دية, وللمجني عليه الإحلاف بالله لقد ذهب البصر من غير جناية إن ادعى ذهابه منها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن نقصت إحداهما عن الأخرى اختبرته بأن أعصب عينه العليلة وأطلق الصحيح وأنصب له شخصًا على ربوة أو مستوى فإذا أثبته بعدته حتى ينتهي بصرها ثم أذرع بينهما وأطيع على قدر ما نقصت عن الصحيحة".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يجني على إحدى عينيه فيذهب ببعض بصرها فيمكن أن يختبر قدر الذاهب منها بما وصفه الشافعي من تعصيب عينه العليلة وإطلاق الصحيحة, ونصب شخص له من بعد على ربوة مرتفعة أو في أرض مستوية, فإذا رأي الشخص بوعد منه حتى ينتهي إلي أبعد مدى رؤيته الذي لا يراه أبعدها, واختبر صدق في مدى الرؤية الصحيحة بأن يعاد الشخص من جهات شتى, ولو ضم إلي الشخص بعد مدى
رؤيته شخص آخر يختبر به صدقه، وهو لا يعلم به كان أحوط؛ لأن قصده بعد مدى البصر بالعين الصحيحة، فإذا أوثق بما قاله من هذا الاختبار الذي لم يختلف مدى البصر فيه باختلاف الجهات واختلاف الأشخاص مسح قدر المسافة، فإذا كانت ألف ذراع علم أنه قدر مدى بصره مع الصحيحة، وإن اختلف عمل على الأقل احتياطًا، ثم أطلقت العليلة الصحيحة، فإن رأى الشخص من مداه علم أنه لم يذهب من بصر العليلة شيء، وإن لم يره قرب منه حتى ينتهي إلى حد يراه، وغرض في هذا تقليل مدى بصره بالعليلة كما كان غرضه تبعيد مدى بصره بالصحيحة ليكون نقصان ما بين البصرين أكثر فيكون أكثر فيما تستحقه من الدية، فيستظهر عليه بإعادة الشخص من جهات، ويحتسب بأكثر مما قاله من مدى بصره بالعليلة كما احتسب بأقل ما قاله من مدى بصره بالصحيحة حتى يكون أقل لما يستحقه ليشك فيما زاد عليه بالتصنع له، وينظر قدر مسافة العليلة، فإن كان خمسمائة ذراع من ألف كان الذاهب من بصرها النصف، فيؤخذ بربع الدية، لأن نصف دية إحدى العينين، وإن كان مائة ذراع من ألف كان الذاهب من بصرها تسعة أعشار، فيؤخذ بتسعة أعشار نصف الدية، وعلى هذه العبرة فيما زاد أو نقص، فإن سأل الجاني إحلافه على ما ذكره من المسافة أحلف له، ولا قصاص في هذا، لأن استيفاء لقدر ما ذهب من البصر من غير زيادة، ولا نقصان غير ممكن فسقط القصاص فيه.
فصل:
ولو جني على عينيه فأذهب بعض بصرهما فيعتذر في الحال اعتبار ما ذهب منهما بالجناية، لأن النقصان في العينين معًا، فإن كان قد عرف مدى بصره قبل الجناية اعتبر مدى بصره بعدها، ولزمه من الدية بقدر ما بين المسافتين، وإن لم يعلم ذلك قبل الجناية لم يعلم بعدها قدر الذاهب منهاما، فيلزمه حكومة (بمقدرها) الحاكم باجتهاده.
فصل:
ولو كان في عينيه قبل الجناية عليها بياض لم يخل حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يؤثر في البصر، ويرى مع البياض ما كان يراه قبله، ففي بصره إذا ذهب بالجناية الدية تامة، ولا يكون للبياض تأثير في الدية كما لم يكن له تأثير في البصر، وسواء كان يشق عليه النظر أو لا يشق لأنه يدرك مع المشقة ما كان يدركه بغير مشقة.
والقسم الثاني: أن يكون البياض قد منعه من النظر حتى صار لا يبصر من قرب ولا بعد، فيكون بالجناية عليه كالبصر الذاهب لا تجب فيه إلا حكومة، وإن كان بصره باقيًا تحت البياض، لأنه لا يبصر به كما لا يبصر بالذاهب من أصله، وليس ما يرجى من زوال البياض بالعلاج، فيعود البصر بمانع من أن يجرى عليه في الحال حكم الذاهب البصر، وإنما يفترقان في قدر الحكومة فتكون حكومة ذات البياض أكثر لبقاء البصر تحته.
والقسم الثالث: أن يكون البياض قد أذهب بعض بصره وبقى بعضه، فهذا على ضربين: