بحر المذهب للرويانيكتاب الحوالة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال: أخبرنا مالك عن أبي الزناد .... الخبر.
وهذا كما قال: الحوالة مشتقة من الإحالة والتحويل، وهو نقل الحق من محل إلى محل ومن ذمة إلى ذمة يقال: حولت الشيء من موضع إلى موضع إذا نقلت إليه.
والأصل في جوازها ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مطل الغني ظلم وإذا أُتبع أحدكم على ملء فليتبع)).
وقوله "أتبع" بتخفيف التاء وتسكينها وضم الألف ومعناه أحيل وأصحاب الحديث يقولون "أتبع" بالتشديد وهو غلط.
وروي "من أتبع على سبيل فليتبع".
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحيل أحدكم على ملء فليحتل) فإذا ثبت جوازها لا تتم الحوالة إلا بثلاثة أنفس محيل ومحتال ومحاٍل عليه، فالمحيل من يحيل بما عليه، والمحتال من له الحق، والمحال عليه من ينتقل حق المحتال إليه، وصفته أن يكون عليه دين فيطالبه به فيحيله على رجل له عليه دين من جنسه، فإذا أحاله عليه لم يجب على المحتال قبول الحوالة، بل هو إلى اختياره ورضاه.
... وقال داود وابو ثور: يلزمه قبول الحوالة إذا أحيل على ملىٍء، وروي هذا عن أحمد لظاهر الخبر الذي ذكرنا.
وهذا غلط، لأن نقل الحق إلى العين لا يجوز إلا بالتراضي فنقله إلى الذمة أولى أن لا يجوز.
ولو سأله الحوالة لا يجب على المحيل ذلك ويفتقر إلى رضاه لأن من له الحق يتخير في وجهة القضاء، وليس لمن له الدين أن يقول: أقضي ديني من هذا المال دون هذا.
وأما المحال عليه هل يعتبر رضاه؟ فالمذهب المشهور أنه لا يعتبر رضاه وبه قال مالك وأحمد.
وقال ابن أبي أحمد في "التلخيص": نص الشافعي في "الإملاء" على أنه: يعتبر رضاه ولا تتم إلا به وبه قال الاصطخري والزبيري وهو ظاهر مذهب المزني، لأنه أحد من يتم به الحوالة فيعتبر رضاه كالمحتال وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهذا غلط لأن من له حق على إنسان له أن يقبضه بنفسه وبوكيله وليس لمن عليه الامتناع من الدفع إلى الوكيل فلا يكون له الامتناع من الدفع إلى المحتال لأن الحوالة أشد من الوكالة.
ويفارق المحتال لأنه صاحب الحق وهو

الجزء: 5 - الصفحة: 446

يريد نقل حقه من محلَّ [9/ب] إلى محل آخر فيعتبر رضاه.
وقال القفال: فيه مبنيان على أنها مبادلة أو استيفاء فإن قلنا: مبادلة يعتبر رضاه، لأن الإقراض لا يجوز إلا بالقضاء، وإن قلنا: استيفاء لا يعتبر.
واختلف أصحابنا في حكم الحوالة فمنهم من قال: الحوالة بيع وهو أن المحيل يشتري ما في ذمته بماله في ذمة المحال عليه، والمحتال يتشري ما في ذمة المحال عليه من المحيل بماله في ذمته وهذا هو المنصوص عليه في كتاب "السلم"، وقال في كتاب "البيوع": لو حل عليه طعام فأحاله به على رجل له عليه طعام وأسلفه إياه لم يجز من قبل أن أصل ما كان له بيع وإحالته به بيع فجعل الحوالة بيعًا ولكن المقصد منه الرفق دون الفضل والربح، ولا ينعقد بلفظ البيع ويدخله خيار المجلس دون خيار الثلاث على ما ذكرنا، ويكون بمنزلة المبيع المقبوض بدليل جواز التصرف فيه قبل القبض.
ومن أصحابنا من قال: هي إسقاط حق بعوٍض على طريق الرفق المعروف لأنها لا تجوز بلفظ البيع ولا تجوز الزيادة فيها والنقصان، وهي مشتقة من التحويل.
ومن أصحابنا من قال: هي قبض وإقباض فكأنه قبض من المحيل وأقرض المحال عليه.
وقال القاضي الطبري: ليس لهذا الخلاف فائدة أكثر من ثبوت خيار المجلس فإني لا أعرف بين أصحابنا خلافًا فإن الحوالة بالطعام الذي في الذمة بعقد السلم لا يجوز وسائر أصحابنا ذكر فوائد لهذا الخلاف على ما سنذكر إن شاء الله تعالى ثم إذا قلنا: إنه بيع هل هي في حكم بيع دين بدين خصَّ بالشرع أو في حكم بيع عين بدين وجهان، وعلى كلا الوجهين لا يدخلها خيار الثلاث.
وقال في "الحاوي": هل تجوز الحوالة بالسلم؟ وجهان بناًء على الوجهين أنها بيع أو عقد بإرفاٍق.
والصحيح أنها لا تجوز وجهًا واحدًا لأن الحوالة لا تجوز إلا في حق مستقر والمسلم فيه غير مستقر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) فالحوالة مفاوضة فلا يجوز إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه.
واعلم أن الحق الذي تصح فيه الحوالة هو كل ما يثبت مثله بالإتلاف في الذمة كالدراهم [10/أ] والدنانير والحبوب والأدهان فأما ما يضمن بالقيمة في الإتلاف كالثياب والحيوان لا تصح فيه الحوالة لأن المثل فيه لا يتحقق، ولهذا لا يضمن بمثله في الإتلاف، وهذا هو المشهور.
ومن أصحابنا من قال: تصح الحوالة في كل مال يثبت في الذمة من الثياب وغيرها، وثبوته إنما يكون في القرض والسلم، ففي القرض تجوز الحوالة وفي السلم لا تجوز لما ذكرنا، فيعتبر شرطان، وأن يكون مستقراً في الذمة.

الجزء: 5 - الصفحة: 447

فرع الحوالة بالثمن في مدة الخيار هل تجوز أم لا؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز قاله أبو حامد في "الجامع"، لأنه ليس بثابت مستقر، فإن قطع الخيار لم يثبت حتى يستأنف الحوالة.
والثاني: يجوز لأنه يؤول إلى اللزوم.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو أحال السيد غريمة على مكاتبه بنجومه لا يجوز، لأن الكتابة عقد جائز من جهة العبد.
ولو أحاله على مكاتبه بدين ثبت للسيد عليه من جهة المعاملة وجهان: أحدهما: لا يجوز أيضًا لأن ذلك الدين يبطل بالعجز كما يبطل النجوم.
والثاني: يجوز وهو المذهب لأنه دين لازم.
فرع آخر لو أحال المكاتب سيده بدينه أو بنجومه على أجنبي له عليه مثله جازت الحوالة قوًلا واحدًا، لأن الكتابة لازمة من جهة السيد.
فرع آخر لو ثبت له في ذمة قاتل وليه لإبل الدية هل تجوز الحوالة؟ بها وجهان: أحدهما: لا تجوز وهو الصحيح لأنها مداومة الاثنان غير معلومة الأوصاف والحوالة لا تجوز بالمجهول.
والثاني: تجوز لأنها ثابتة مستقرة في الذمة كما لو كانت قرضًا.
وقيل: هما مبنيان على القولين للشافعي.
إذا جعل هذا الإبل صداقًا أو صالح منها على ماٍل هل يجوز؟ قولان، وذكر أبو حامد: أن الحيوان إذا كان صداقًا ودخل بها الزوج جازت الحوالة وربما ذكره على أحد الوجهين.
فرع آخر لا تصح الحوالة إلا أن يكون الحقان متساويين في الجنس والصفة فإن كانا من جنسين أحدهما دنانير والآخر لا تصح الحوالة لأن الحوالة لا تتم [10/ب] إلا في دينين في الذمة فأشبهت المقاصة، والمقاصة لا تجوز في جنسين فكذلك الحوالة، وأيضًا طريق الحوالة المعروف والرفق كالقرض، فإذا اختلف الجنسان دخل فيه الفضل والزيادة، وخرج عن معناه ولأنه يجبر المحال عليه على الحوالة على الصحيح من المذهب، ويمكن إجباره مع الاختلاف.
وإن كانت الصفة مختلفة بأن يكون أحدهما دنانير نيسابورية والآخر خراسانية لا يجوز، وكذلك إذا كان أحدهما صحاحًا والآخر مكسرًا، أو كان أحدهما حاًلا والآخر مؤجًلا أو اختلف الأجلان أو كانت الحنطة من

الجزء: 5 - الصفحة: 448

نوعين لا تجوز الحوالة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أما إذا أحال الدين الحال على من عليه للمحيل دين مؤجل لا يجوز لأنه ما أحال إلا بعوض وهو الأجل والأجل لا يلزم.
ولو أحال صاحب الدين المؤجل على من عليه دين حال فوجهان: أحدهما: لا يجوز لاختلاف الدينين في الصفة.
والثاني: يجوز وهو على قولنا إنها استيفاء فكأنه عجل له حقه.
فرع آخر لو أحال بغير النقد من الحنطة والشعير، فإن كان وجوبها في الذمتين أو وجوب أحدهما في إحدى الذمتين بعقد المعاوضة لا يجوز نص عليه، وإن أوجبنا بالائتلاف أو القرض يجوز ذكره القاضي الطبري رحمه الله.
فرع آخر هل يصح اشتراط الرهن فيها والضمين فإن قلنا: إنها في حكم بيع عين بدين جاز، وإن قلنا: إ؟ نها في حكم بيع دين بدين لا يجوز.
فرع آخر لو قال: أحلتك بما لك على فلان وهما لا يعلمان قدره أو لا يعلمه أحدهما لم يجز.
فرع آخر لو أحال على من لا حق له في ذمته لا يلزم على المحال عليه قبوله.
فإن قيل: هل تصح الحوالة وجهان؟ أحدهما: لا تصح وهو الصحيح لأنها إذا لم تصح مع اختلاف الجنسين في الجنس أو الصفة فلأن لا تجوز عند عدم أصل الحق إلي.
والثاني: تجوز وبه قال أبو حنيفة، ويسقط الحق عنه لأ؟ نه يلزمه بالقبول كما يلزم على الضامن، وإن لم يكن عليه مال وقال القفال: هما مبنيان على ما تقدم من الوجهين فإن قلنا: الحوالة مبادلة لا تجوز، وإن قلنا استيفاء تجوز.
قال: وفي الحقيقة هذه الحوالة ضمان [11/أ] بشرط أن يبراء المضمون عنه فكأن المحال عليه ضمن ما في ذمة المحيل بشرط أن يبرأ المحيل ولا حاجة هاهنا إلى رضا المحيل وينفي رضا المحتال، وإن كان من أصحابنا من لا يشترط رضا المضمون له لأن هذا ضمان بشرط براءة المضمون عنه فلابد من رضاه ليبرأ المحيل من حقه، وإنما يحتاج المحال عليه إلى رضا المحيل لحق الرجوع عليه، فإن كان بإذنه ثبت الرجوع عليه وإلا فلا.
ومن هاهنا ذكر بعض أصحابنا أن رضى المحيل في أصل الحوالة هل يشترط؟ وجهان، بناًء على أن الضمان بشرط البراءة هل يصح وجهان، وهذا كله غير مشهور.

الجزء: 5 - الصفحة: 449

فرع آخر إذا قلنا: تصح الحوالة على من لا عليه وقيل: برضا المحيل له أن يطالب المحيل بتخليصه وقضاء الحق عند مطالبته المحتال، كالضامن يطالب المضمون عنه بتخليصه.
فرع آخر لو دفع الحق ولم يطالبه بتخليصه فإن دفع بإذن المحيل رجع عليه، وإن دفع من غير إذنه فيه وجهان: أحدهما: يرجع عليه لأن الالتزام كان بأمره.
والثاني: لا يرجع لأن الأداء كان بغير أمره.
وقيل فيه وجه ثالث: أنه إن أجبر على أداء الحق رجع إليه وإن دفع مختارًا لا يرجع.
فرع آخر لو اختلفا عند الرجوع فقال المحال عليه: لم يكن عليَّ شيء، وقال المحيل: كان لى عليك ما أديت الحوالة فالقول قول المحال عليه لأن الأصل أنه لا شيء عليه، ذكره ابن سريج رحمه الله.
فرع آخر لو أبراً المحتال لم يرجع هو على المحيل لأنه لم يغرم عنه شيئاً.
وإن دفع الحق ثم وهبه له هل يرجع عليه؟ وجهان: أحدهما: لا يرجع لأنه لم يغرم شيئًا.
والثاني: يرجع وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لأنه غرم ثم رجع إليه بجهة أخرى، وهذان الوجهان كالقولين فيما لو وهبت المرأة صداقها للزوج ثم طلقها قبل الدخول هل يرجع الزوج عليها بنصف الصداق؟ قولان.
فرع آخر لو قيل من لا دين عليه الحوالة ثم أحال المحتال على آخر، فإن أحاله على من له عليه دين رجع في الحال على المحيل لأنه غرم، وإن أحال على من لا دين عليه لا يرجع في الحال على المحيل أو يوقف فإن غرم له المحال عيه ثانيًا رجع الأول على المحيل، وإن لم يغرم لا يرجع.
فرع آخر لو ضمن [11/ب] رجل ألف درهم ثم أحال الضامن المضمون له على رجل له عليه ألف بالألف وقبل الحوالة برئ الضامن والمضمون عنه ورجع الضامن على المضمون عنه إن كان ضمن بأمره وقضى بأمره.
وإن كان ضمن بأمره وقضى بغير أمره فعلى وجهين، وسواء قبض المحتال، وأبرأه لأن الضامن غرم فإن برأه حصل

الجزء: 5 - الصفحة: 450

للمحال عليه فلا يسقط رجوع الضامن.
وإن أحاله على من ليس عليه شيء فإن قلنا: لا تصح الحوالة فالمال باقٍ على الضامن بحاله، وإن قلنا: تصح الحوالة فقد برئت ذمة الضامن والمضمون عنه بشيء في الحال لأنه لم يغرم شيئًا، فإن قبض المحتال الحق رجع المحال عليه على الضامن ورجع الضامن على المضمون عنه، وإن أبرأه لم يرجع على المحيل الضامن ولم يرجع الضامن على المضمون عنه لأنه لم يغرم عنه شيئًا.
فرع آخر إذا قلنا: لا تصح الحوالة على من لا دين عليه يصير كأنه التزم قضاء دين عن غيره، فإن شاء أوفي به، وإن شاء رجع عنه، فإن وفي به هل يرجع فالحكم على ما ذكرنا.
مسألة: قال: وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الحَقَّ يُحَوَّلُ على المُحَالِ عَلَيْهِ.
الفصل وهذا كما قال: إذا صحت الحوالة وتحول الحق إلى المحال عليه وبرئ المحيل فلا يجوز له مطالبة المحيل بوجه سواء أفلس أو مات مفلسًا، وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومالك والليث وأحمد رحمهم الله، وحكي عن زفر أنه قال: الحوالة تجري مجرى الضمان وله مطالبة من شاء من المحيل والمحال عليه، وهذا قول بخلاف الإجماع لا عبرة به، وقد ذكرنا أن الحوالة من التحويل والضمان من ضمن الذمة إلى الذمة فحققنا حكم الاسم فيهما.
وقال: الحكم يرجع عليه إذا مات المحال عليه مفلسًا ولا يرجع في غير هذا الموضع.
وقال أبو حنيفة: يرجع هاهنا وإذا جحد الحق وحلف.
وقال أبو يوسف ومحمد: ويرجع أيضًا إذا أفلس في حياته وحجر عليه الحاكم.
واحتج الشافعي بخبر أبي هريرة الذي ذكرنا، ووجه الدليل منه أنه لو كان للمحتال الرجوع لما فسر عدم ... المال في المحال عليه عند الحوالة، وقد ذكر ذلك حين قال: «فإذا أحيل أحدكم على مليءٍ فليحتل».
وفي هذا الخبر دليل على أن المديون إذا حل عليه الدين فسوّف مماطلًا مع التمكن من الإيفاء كان ظالمًا، ولو [12/ أ] أخر قضاءه للإعسار لا يكون ظالمًا من طريق المفهوم، لأنه ليس بغني وهذا الفقير لو مات لقي الله تعالى معذورًا.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لأن أموت وعليَّ دين يعلم الله تعالى أني أريد قضاءه أحب إليَّ من أن أخلف مثله مالًا، وهذا دليل على أنه مع فقره لو أضمر أن لا يقضي الدين عند يساره فمات فقيرًا مات عاصيًا.
فإن قال قائل: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عمير: «إن مات وعليه دين حجب من الجنة».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى».

الجزء: 5 - الصفحة: 451

قلنا: يحتمل أنه قال في رجل فرط في قضائه مع الميسرة أو نوى ترك القضاء أو استدان فيما لا يرضاه الله تعالى.
وفي الخبر الذي ذكرنا دليل أيضًا على أن المديون يخرج عن صفة المطل والظلم بالإحالة كما يخرج بالقضاء عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عقب الظلم بالحوالة وأمر المستحق بقبولها.
وفيه دليل أيضًا على أن صاحب الدين مأمور من جهة الندب بقبول الحوالة، وإنما يكون مندوبًا إذا أحيل على ملء.
ثم حكى الشافعيعن محمد بن الحسن أنه احتج بأن عثمان رضي الله عنه قال في الحوالة أو الكفالة: يرجع صاحبها لا توى على مال مسلم.
قال الشافعي: «وهو عندي يبطل من وجهين»، ولو صح لما كان له فيه حجة لأنه لا يدري قال ذلك في الحوالة أو الكفالة.
وقوله: وهو عندي يبطل من وجهين اختصار مشكل، وتفسير أحد الوجهين أن راوي هذا خليد بن جعفر وهو مجهول جدًا.
والثاني: أن خليدًا رواه عن إياس بن معاوية بن قرّة عن عثمان وإياس ما رأى عثمان رضي الله عنه.
ثم أجاب بأنه لا يدري، قال ذلك في الحوالة أو الكفالة، وعندنا يرجع في الكفالة فبطل الاحتجاج به.
ثم أصحابنا عارضوا بما روي أنه كان لحزن جد سعيد بن المسيب على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه مال فسأله أن يحيله على آخر فأحاله فمات المحال عليه فرجع إلى عليّ فقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: اخترت علينا غيرنا أبعدك الله فدل أنه ليس له الرجوع المحيل بحال.
فإذا تقرر هذا لو لم يعلمه المحتال مفلسًا فظهر مفلسًا بعد قبوله الحوالة لا رجوع له وكذلك لو غره وقال له: إنه هذا المحال عليه مليء وفي فقبل الحوالة ثم بان فقره لا يرجع، وقال مالك: يرجع [12 ب/ 8] عليه غره أم لم يغره إذا لم يكن علم بإعساره.
واحتج بأن الظاهر السلامة والإعسار عيب فصار كما لو وجد بالمبيع عيبًا له الخيار.
وهذا غلط، لأن الأصل الإعسار لا اليسار ولأنه لو حدث الإعسار قبل قبض الحق لا رجوع بخلاف ما لو حدث العيب بالمبيع قبل القبض فدل على الفرق.
وقال ابن سريج: إذا غره يرجع عليه والذي نقله المزني لا يعرف في شيء من كتب الشافعي، وغلط في نقله لأنه بمنزلة سلعة يشتريها ثم يجد بها عيبًا له ردها، وهذا اختيار أبي حامد، وقال أيضًا: هو كما لو شرط البكارة في شراء الجارية ثم وجدها ثيبًا له الرد لا للعيب، ولكن للخلف في الشرط، وكذلك لو شرط كون العبد المبيع كاتبًا أو خبازًا فلم يكن له الرد.
وقال سائر أصحابنا: وهو الصحيح الأمر على ما قال المزني، وهو ثقة في النقل والدليل عليه أنه لو وضعه أنه غير مطولٍ فوجده مطولًا فله

الجزء: 5 - الصفحة: 452

الاختيار، كذلك هاهنا ويفارق البيع لأنه لو باع عبدًا وشرط أنه ثقة أمين فوجده خائنًا له الخيار.
ولأنه لو كان له الرجوع عند الشرط لكان له الرجوع عند عدم الشرط لأن كل نقص وعيب يثبت الرجوع بالشرط يثبت عند عدم الشرط كالرد بالعيب.
ولأن حكم هذا الغرور حكم الغبن فلا يثبت به الخيار.
فرع لو أحاله على رجل فقبل الحوالة ثم وجده عبدًا قال في «الإفصاح»: قال بعض أصحابنا: ينظر فيه فإن كان عبدًا لغير المحيل يتبعه إذا أعتق لأنه للعبد ذمة.
وإن كان عبدًا للمحيل فإن كان له كسب تعلق بكسبه، وإن لم يكن له كسب ففي ذمته وهذا إذا قلنا: الحوالة تصح من غير أن يكون للمحيل على المحال عليه دين، فأما إذا قلنا: لا تتم الحوالة إذا لم يكن للمحيل على المحال عليه دين فهاهنا لا تصح الحوالة.

باب

قال المزني رحمه الله: هذه مسائل تحيرت فيها معاني جوابات الشافعي رحمة الله عليه في الحوالة، قال من ذلك لو اشترى عبدًا بألف درهم وقبضه.
الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى عبدًا بألف درهم ولزم البيع وثبت للبائع الثمن في ذمة المشتري فأحال المشتري البائع بالثمن على رجل له عليه ألف فقبل [13 أ/ 8] البائع الحوالة وبرئت ذمة المشتري عن الثمن، ثم أصاب المشتري بالعبد عيبًا فرده على البائع وانفسخ البيع ووجب للمشتري الثمن نقل المزني أن الحوالة باطلة.
وقال في جامعه الكبير: إنها لا تبطل، وقال فيه: وإن كان بينهما خيار الثلاث فرد في مدة الخيار وبطلت الحوالة لأنهما إذا تبايعا بشرط الخيار فرد لم يتم بيعها.
قال القاضي الطبري رحمه الله: هذا دليل على أن الحوالة بالثمن في مدة الخيار جائزة لأنه قال: بطلت الحوالة فذلك أنها كانت جائزة ثم بطلت بخلاف ما ذكر القاضي أبو حامد في الجامع.
واختلف أصحابنا في هذه المسألة على أربعة طرق، فقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة: الحوالة باطلة كما ذكر هاهنا، والذي ذكره في الجامع الكبير خطأ من الناقل.
وقال أبو حامد في الجامع: يبطل كما قال أبو إسحاق، وتأملت الجامع الكبير ونظرت في كثير من نسخه غير نسختي فوجدت الجواب في جميعها واحدًا، وغلط أصحابنا في نقله، وهذا لأن الحوالة تثبت بثبوت الثمن، فإذا رد المشتري العبد بالعيب فقد سقط الثمن، وإذا سقط الثمن بطلت الحوالة.
قال ابن أبي هريرة: وعلى هذا.
أقول: إذا كان البائع قبض مال الحوالة ولكن المحال عليه صار بريئًا لأن البائع قبضه بإذن المشتري فهو في

الجزء: 5 - الصفحة: 453

معنى الوكيل فيرجع المشتري على البائع بالألف.
وقال صاحب «الإفصاح»: لا تبطل الحوالة قولًا واحدًا على ما قال في «الجامع الكبير»، والذي نقله المزني قول مرجوع عنه، واحتج بأن الحوالة كالقبض والحق الذي كان للبائع في ذمة المشتري أخذ به ذمة أخرى فصار كما لو أخذ به عرضًا ولو أخذ به عرضًا ثم رد العبد بالعيب لا يبطل الملك في العض كذلك هاهنا.
ويوكده أن أخذ الذمة أقوى من أخذ العرض فوجب أن يكون بالثبوت أولى.
وهذا الذي قاله لا يصح لما ذكرنا.
وأما ما ذكر من المسألة فالشيخ أبو حامد لم ينكرها وأجاب عنها بأن العرض ملكه بعقد آخر وهاهنا نفس الحق يحول إلى ذمة المحال عليه، ولهذا لا يجوز أن يختلف ما في ذمة المحيل والمحال عليه فافترقا.
وقال القاضي الطبري: لا نسلم هذه المسألة أيضًا، وإذا فسخ البيع بالعيب يلزمه رد [13 ب/ 8] العرض الذي أخذه بدلًا من الثمن، ولا فرق بين المسألتين.
ومن أصحابنا من قال: يحمل القولين على اختلاف الحالين، فالذي قاله هاهنا أراد إذا لم يكن قبض البائع من المحال عليه مال الحوالة، والذي قال في «الجامع الكبير»: أراد إذا كان قد قبض المال فإن المحال عليه قد برئ فلا يجوز انتقاضه بعد سقوط الحق، وبراءة ذمته منه.
ومن أصحابنا من قال: يحمل على اختلاف حالين من وجه آخر، فالذي قال هاهنا أراد إذا كان العيب متقدمًا لا يجوز حدوث مثله بعد القبض أو يجوز حدوث مثله ولكن البائع اعترف بأنه كان به قبل القبض فتبطل الحوالة، لأن البائع اعترف أنه لا يستحق الثمن.
والذي قال في «الجامع الكبير»: أراد إذا أنكر البائع هذا وكان العيب مما يجوز حدوثه بعد القبض فنكل البائع عن اليمين وردّ اليمين على المشتري فحلف واستحق الرد لا تبطل الحوالة، لأن الحوالة تبطل باتفاق المحيل والمحتال كما كان تمامها بهما، ولو أبطلناها هنا لأبطلناها بقول المحتال وحده، وهو المشتري، ويحكى هذه الطريقة عن أبي إسحاق، وفي هذا نظر لأنه إذا استحق الرد بالثمن مع النكول كان بمنزلة إقراره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقة خامسة وهي: أن فيه قولين مبنيين على المعنيين فإن قلنا: الحوالة مبادلة لم تبطل كما قلنا في المسألة التي احتج بها صاحب «الإفصاح»، وإن قلنا: إنها قبض بطل لأنه نوع رفق فلما سقط الثمن عن ذمة المشتري بطل ذلك الرفق، كما لو اشترى شيئًا بألف مكسر فأعطى البائع ألفًا صحاحًا ثم رد المبيع بالعيب يلزم البائع أن يرد إليه ألفًا صحاحًا، وليس له أن يقول: أرد المكسر ويبقى لي الرفق لأن ذلك الرفق تبع لهذا البيع، وقد فسخ البيع.
وقال هذا القائل: فإذا قلنا: لا تبطل الحوالة فإن كان البائع قبض المال سلمه إلى المشتري.
وإن لم يكن قبض هل للمشتري أن يطالبه بالمال قبل أن يقبضه هو من المحال عليه؟ وجهان، والأصح أنه لا يلزمه رد المال إليه، وليس له مطالبته لأن الرد على حسب القبض، وهو لم يقبض عين المال وإنما قبض حكمًا.
وسائر أصحابنا

الجزء: 5 - الصفحة: 454

قالوا: المشتري يطالب البائع بالألف بكل والبائع يطالب المحال [14/ أ] عليه بألف وهذا أصح عندي.
وقيل: أصح الطرق إن لم يصح النقلان الطريقة الأولى، وإن صح النفلان فالطريقة الثالثة.
فرع لو تزوج امرأةً وأصدقها ألفًا ثم أحالها بالألف على رجل له عليه ألف فقبلت وبرئت ذمة الزوج، ثم انفسخ النكاح قبل الدخول بالردة من جهتها، قال ابن سريج رحمه الله: الحكم فيه كما لو انفسخ البيع بالعيب وقد ذكرنا، وقال القاضي الطبري: عندي إن لم تكن قبضت بطلت الحوالة وللمحيل مطالبته بدينه، وإن كانت قبضت يأخذه الزوج من يدها والمحال عليه برئ بدفعها إليها.
فرع آخر لو كان البائع هو المحيل والمشتري هو المحتال عليه والمحال أجنبي فقبل الحوالة برئ المشتري من حق المحيل فصار الحق عليه للأجنبي دون البائع، فإذا أصاب المشتري به عيبًا فرده وانفسخ البيع، قال ابن سريج: لم تبطل الحوالة وجهًا واحدًا ورجع المشتري على البائع بالثمن، لأن المحتال ملك المال بعقد بعد تمام البيع بين البائع والمشتري فكان في إبطالها إبطال الحق الثابت للأجنبي، ولا يجوز ذلك فبقيت بحالها.
وهكذا إذا كان العبد في يد البائع قبل التسليم لم تبطل الحوالة، لأن ملك الثمن إذا زال إلى غير المتعاقدين بعقد مستأنف لم يبطل العقد بفسخ البيع، وإذا لم يزل إلى غير المتعاقدين بطل العقد الثاني بفسخ البيع الأول.
مسألة: قال: وَلَوْ كَانَ البَائِعُ أَحَالَ عَلَى المُشْتَريْ بِهَذِه الأَلْفِ رَجُلًا لَهُ عَلَيْهِ أَلفٌ ثُمَّ تَصَادَقَ البَائِعُ وَالمُشْتَريْ أَنَّ العَبْدَ الذِيْ تَبايَعَاهُ حُرُّ الأَصْلِ فَإِنَّ الحَوَالَةَ لَا تَنْتَقِضُ.
الفصل وهذا كما قال: لو باع رجل من رجل عبدًا وأحال البائع بالثمن رجلًا آخر على المشتري ثم تصادق البائع والمشتري على أن العبد كان حر الأصل، نظر فإن كذبهما المحتال لم يقبل قولهما عليه كما لو باع المشتري العبد ثم اعترف هو وبائعه أنه كان حرًّا لم يقبل قوله على المشتري الثاني، ويحلف المحتال أن البيع وقع على رقيق يملك فإذا حلف حكم بصحة الحوالة، ويطالب المشتري بالألف.
وإن أقاما بيّنة لم تسمع منهما [14 ب/ 8] لأنهما كذبا بنيتهما بدخولهما في التبايع.
وإن أقام العبد البيّنة بحريته ثبتت حريته وبطلت الحوالة.
وإن صدقهما المحتال بطلت الحوالة باعترافه.
ولو صدقهما المحتال وادعى أن الحوالة كانت بغير ثمن العبد فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف لا تبطل الحوالة لجواز أن يكون الألف الذي له على المشتري من غير ثمن هذا

الجزء: 5 - الصفحة: 455

العبد ولا يرجع المشتري على المحيل بشيء، لأنه مقر بأن المحتال ظلمه فلا يرجع عليه بما ظلمه به غيره.
ولو أقام البينة على أن الحوالة كانت ثمنه سُمعت البينة في ذلك لأنهما لم يكذباها.
مسألة: قال: وَلَوْ أَحَالَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَضَمِنَهُ لَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَا.
الفصل وهذا كما قال: إذا أحال رجل على رجل بألف درهم وبعثه له ثم اختلفا لا يخلو اختلافهما من أحد أمرين: إما أن يكون في لفظ الحوالة فيقول المحيل: ما تلفظت بلفظ الحوالة فأنت وكيلي في قبضه، وقال المحتال: تلفظت بلفظ الحوالة فالحق لي استوفيته لنفسي، فالقول قول المحيل مع يمينه، لأن الأصل أن حق المحتال في ذمة المحيل وحق المحيل في ذمة المحتال عليه والمحتال مدعي لانتقاله فكان عليه البينة، وإما أن يتفقا على لفظ الحوالة مثل أن يقول: أحلتك على فلان بألف درهم ولم يقل بالألف الذي لك عليَّ وقبله المحتال على هذا الإطلاق، ثم اختلفا فقال المحيل: أردت بها الوكالة، وقال المحتال: أردت بها الحوالة قال المزني: القول قول المحيل وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وصوّبه أبو إسحاق وابن أبي هريرة وغيرهما رحمهم الله، لأنهما لو اختلفا في اللفظ كان القول قوله فكذلك إذا اختلفا في معناه لأن الأصل أن حق كل واحد منهما ثابت في الذمة التي وجب فيها والمحتال يدعي انتقال حقه وتملك الحق الذي كان للمحيل في ذمة غيره فكان عليه البينة.
ومن أصحابنا من خالف المزني، وقال: القول قول المحتال، لأن الظاهر معه فإن لفظ الحوالة موضوع لإسقاط الدين بعوض دون التوكيل وهذا اختيار ابن سريج رحمه الله، والأول هو المشهور.
فإذا ثبت هذا فلا يخلو المحتال من أحد أمرين: إما أن يكون قد قبض المال من المحال عليه أو لم يكن قبض، فإن كان قد قبض فقد برئ [15/ أ] المحال عليه لأنه دفعه إليه بإذن صاحبه.
فإن كان باقيًا في يده وكان المحيل غير ممتنع من أداء حق المحتال أخذ المال من يده ودفع إليه حقه.
وإن كان ممتنعًا كان للمحتال أخذه بحقه.
ومن أصحابنا من قال: إذا أخذ منه المحيل ما قبضه فهل يرجع هو عليه بحقه وجهان: أحدهما: لا يرجع عليه لأنه أقر بأنه برئ من حقه بالحوالة.
والثاني: يرجع وهو الأصح لأن هذا المحيل قد أخذ ما قبضه هو، فإن كان صادقًا في الوكالة فحقه عليه باقٍ، وإن كان كاذبًا فما أخذه منه أخذه بغير حق فكان له المطالبة بدينه، فإنه واجب عليه بقولهما.
وإن كان تالفًا نظر فإن كان قد تلف بغير صنع

الجزء: 5 - الصفحة: 456

منه لا شيء عليه، لأنهما اتفقا على براءته، فإن المحيل يقول: كنت وكيلي فلا ضمان عليك فيما تلف في يدك والمحتال يقول: تلف مالي.
وإن كان قد أتلفه كان عليه ضمانه وقد وجب عليه مثل حقه فيتقاضان.
وإن لم يكن قبضه من المحال عليه لم يكن له مطالبة المحال عليه بالمال، لأن الحوالة لم تثبت له، والوكالة قد أنكرها فلا تكون له المطالبة بوجه وللمحيل مطالبة المحال عليه بالمال الذي في ذمته، وهل يجوز للمحتال مطالبة المحيل؟ وجهان: أحدهما: لا مطالبة له لأنه أقر أنه لا حق له في ذمته.
والثاني: له مطالبته لأن الحاكم قد حكم بأنه كان وكيلًا فله أن يرجع بما له على المحيل؟ ولو خالف وقبض هل يضمن؟ وجهان، بناء على أنها هل تكون حوالة فاسدة؟ أو وكالة فاسدة؟ فإن قلنا: حوالة فاسدة يضمن، وإن قلنا: وكالة فاسدة لا يضمن، ذكره في «الحاوي».
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان في الابتداء لفظ الحوالة فالقول قول المحتال قولًا واحدًا، وصورة ما ذكر المزني أنه قال: اقبض من فلان ما لي عليه وهو ألف درهم ثم اختلفا ماذا أراد به الحوالة أو الوكالة، فالقول قوله إنه أراد الوكالة، وإنما يفيد هذا الاختلاف إذا كان الآمر قد أفلس فلو ثبتت الحوالة لكان حق المحتال قد وصل اليد ولم يحتج إلى مزاحمة الغرماء.
وإن كانت وكالة احتاج إلى مزاحمة الغرماء.
فإن قال قائل على هذا لمَ صور المزني المسألة بلفظ الحوالة، وقال في آخر التصوير: وتصادقا على الحوالة والضمان، قلنا: المصنف قد يصور المسألة أحيانًا بعين لفظ متخاصمين [15/ ب] وأحيانًا بمعنى لفظهما لا بعين عبارتهما، فصورة المسألة ما ذكرنا أنه قال: اقبض من فلان ألف درهم، ثم اختلفا فقال المأمور: كنت محتالًا، وقال الآمر: كنت وكيلًا، قال هذا القائل: ولو قال المأمور: قلت لي: خذ ومرادك الحوالة، أو مرادك الوكالة لم يقبل منه دعوى المراد ولا يسمع في ذلك دعوى الضمائر، وحكي عن ابن سريج أنه قال: بالوجهان فيه مبنيان على أصل وهو إذا ضرب مكفوفًا فقده باثنين ثم اختلف هو وولي المقدود أنه كان حيًا أو ميتًا فيه قولان: أحدهما: القول قول الولي لأن الأصل بقاء الحياة.
والثاني: القول قول الجاني لأن الأصل براءة الذمة، كذلك هاهنا الأصل بقاء المحيل في ذمة المحال عليه وحقيقة اللفظ للحوالة، فكانت المسألة على وجهين.
وأما قوله: «وضمنها له» قد قيل: ذكره تأكيدًا ولا يكون ضمان المحال عليه شرطًا في صحة الحوالة، وقيل: إنه شرط في صحة الحوالة وهذا قول المزني والزبيري والاصطخري، ومن قال يعتبر فيها رضا المحال عليه.
وقيل: إنه صور في الحوالة على من لا حق

الجزء: 5 - الصفحة: 457

عليه للمحيل فيجري مجرى الضمان، ولا يصح إلا برضاه.
مسألة: قال المزني رحمه الله: ولو قال المحتال أحلتني عليه لأقْبِضَهُ لك.
الفصل وهذا كما قال هذه المسألة بالعكس مما تقدم وهي أن: يقول المحيل أحلتك بما لك عليَّ حتى تقبضه لنفسك، وقال المحتال: كنت وكيلًا لك وإنما يقع هذا الاختلاف إذا كان المحال عليه مفلسًا أن يكون المال تلف في يد القابض فيكون القول قول المحتال مع يمينه على قول المزني وأكثر أصحابنا، ويكون القول قول المحيل على قول ابن سريج لأن الظاهر معه.
فإذا قلنا بالأول: فحلف حكمنا بأنه وكيله وأن حقه باقٍ في ذمة المحيل، ثم لا يخلو إما أن يكون قد قبض الألف أو لا فإن لم يكن قبض كان للمحتال قبض حقه من المحيل، وهل يرجع المحيل على المحال عليه؟ وجهان: أحدهما: يرجع لأن الحاكم حكم بأن المحتال وكيله وما قبض.
ولأن إقراره بها للمحتال مشروط بسقوط حقه من ذمته وما سقط هاهنا.
والثاني: لا يرجع لأنه معترف بأن ذمة المحال عليه قد برئته بالحوالة عن حقه.
وليس له بعد ما حلف أنه كان وكيلًا أن يقبض الحق من المحال عليه، لأنه صار معزولًا بقول المحيل.
وإن كان قد قبض [16/ أ] الحق برئت ذمة المحال عليه، لأنه قبض ما عليه للمحيل بأمره.
ثم لا يخلو الألف المقبوض من أحد أمرين: إما أن تكون قائمة، أو تالفة، فإن كانت قائمة والمحتال يقول: هو في يدي أمانة للمحيل لأني وكيله في الحفظ له، والمحيل يقول: بل الألف له لأنه قبضه لنفسه فيقول الحاكم للمحتال: أنت تدعي على المحيل ألفًا وله في يدك ألفًا فأمسكه لنفسك.
وإن كانت الألف تالفة نظر فإن كان بتفريط من المحتال فعليه ضمانه للمحل وله على المحيل ألف فيتقاصان على ما نقوله في المقاصة، وإن تلف بغير تفريط فالمذهب أنه لا يضمنه ويرجع إلى المحيل بحقه لأنه ثبت أنه وكيل بيمينه، والتوكيل لا يضمن إلا بالتعدي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا ينفعه يمينه في أن لا يضمن ما تلف في يده فيحلف الآمر ويغرمه ما قبض وتلف في يده، وإنما ينفعه يمينه في أنه لا حوالة والصحيح ما ذكرنا.
فرع لو قال: ضمنت لك مالك على فلان على أنه بريء منه فالحكم فيه مبني على ما ذكرنا من الخلاف، فعلى قول المزني: يكون حوالةً بلفظ الضمان، وعلى قياس قول ابن سريج: يكون ضمانًا باطلًا اعتبارًا بظاهر اللفظ.

الجزء: 5 - الصفحة: 458

فرع آخر لو قال: أحلتك على زيد على أني ضامن للمال حتى تقبضه فعلى قياس قول المزني: يكون ضمانًا بلفظ الحوالة فيصح إذا قبل المحال عليه، وعلى قياس قول ابن سريج: يكون حوالة فاسدة اعتبارًا بظاهر اللفظ، وما اقترن به من فساد الشرط.
مسألة: قال: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَحَالَهُ المَطْلُوبُ بِهِ عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَحَالَهُ المُحْتالُ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى ثَالِثٍ.
الفصل وهذا كما قال: المحال عليه إذا أحال المحتال على آخر صحت الحوالة لأنه دين يجوز أن يأخذ عنه عوضًا فجاز أن يحيل به، وهذا يدل على أن مال الحوالة بمنزلة المقبوض لأن التصرف فيه جائز مجرد العقد.
وعلى هذا أبدًا يكون المحتال واحدًا والمحال عليه يتكرر.
ولو أن الأخير أحاله على الأول ما أحال عليه، وإن تكرر المحتال دون المحال عليه مثل أن قبل الحوالة فتحول الحق إلى ذمة المحال عليه ثم المحتال أحال به آخر عليه ثم المحتال الثاني أحال به آخر عليه ثم الثالث أحال به آخر عليه فكل هذا [16/ ب] صحيح، لأنها حوالة بحق ثابت، فلا فرق بين أن يتكرر المحتال أو المحال عليه، وليست الحوالة في ذلك كالضمان، لأن الحوالة كاسمها إحالة حق من ذمة إلى ذمة، والضمان كاسمه ضم ذمة إلى ذمة، وتضمين حق في ذمة.
وأما قول المزني رحمه الله: «فأحاله على رجل له عليه ألف درهم» دليل على أنه لا تصح الحوالة على من لا حق عليه.
فرع لو كان له على رجل ألف درهم فقال لآخر: لا حق له عليه أحلتك بألف درهم على فلان على أنك إذا أخذت منه فأنت بريء مني، قال ابن سريج: لا يصح هذا الشرط، والظاهر أنه وكالة لأنه لا يجوز أن يكون حوالة ولا حق له عليه ولا يجوز أن يكون هبة له لأنه هبته ما في ذمة الغير لا تجوز.
فإن مات المحال عليه لم تبطل الوكالة، وإن مات المحيل بطلت، لأن الوكالة تبطل بموت الموكل.
فرع آخر لو أحاله على رجل بدين له عليه ثم دفع المحيل المال الذي كان عليه إلى المحتال صح قضاؤه للدين عن المحال عليه، ولا يرجع به عليه لأنه قضى عنه الدين بغير إذنه، وقال أبو حينفة: له الرجوع به ولا يكون متبرعًا بناءً على أصله أن الدين باقي في ذمة المحيل من طريق الحكم، ولهذا يرجع عليه عند تعذره، وهذا غلط لأنه لا يملك إبطال الحوالة وإسقاط حقه عن المحال عليه فما يدفعه يكون تبرعًا فلا رجوع به.

الجزء: 5 - الصفحة: 459

فرع آخر لو أحال بدين مؤجل إلى سنة على رجل له عليه دين مؤجل إلى سنة صحت الحوالة ثم إن مات المحيل لم يحل دين المحتال لأن الدين قد سقط عنه بالحوالة، ولو مات المحال عليه حَلَّ الدين لأن الدين المؤجل يحل بموت من عليه.
وإن مات المحتال لم يحل الدين.
فرع آخر لو كان له على رجل ألف درهم فأحاله على رجلين له عليهما ألف درهم على كل واحدٍ منهما خمسمائة تصح الحوالة، وللمحتال أن يأخذ خمسمائة من أحدهما وخمسمائة من الآخر.
وإن كان أحاله عليهما بشرط أن يكون كل واحد منهما ضامنًا عن صاحبه ما عليه فهل تصح الحوالة؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: تصح لأنه ضمان دين مستقر وهذا اختيار أبي حامد وهو الأشبه.
والثاني: لا تصح لأن الحوالة معروف ورفق فإذا حصل فيها طلب الزيادة خرجت عن معناها وصارت ربا كالقرض الذي يجر المنفعة وهاهنا طلب الزيادة فإنه كان له مطالبة واحد [17/ أ] والآن يطالب اثنين وهذا اختيار القاضي الطبري رحمه الله.
ومن قال: بالأول أجاب عن هذا بأن الزيادة الممنوعة في القدر أو الصفة وهذه الزيادة ليست بواحد منهما، ولهذا جازت الحوالة على من هو أغنى منه وأسهل أداء.
وعلى هذا الخلاف إذا كان دينه بغير رهن فأحاله بدين على رهن.
فرع آخر إذا اشترى من رجل دراهم بدنانير في الذمة ثم أحاله على رجل بالدنانير في المجلس وتفرّقا، قال القاضي الطبري: قال بعض أصحابنا: تصح الحوالة ولا يبطل الصرف، قال القاضي: وهذا عندي إذا كانا قد تخايرا وسقط الخيار فأما مع بناء الخيار لا تصح الحوالة.
وعلى هذا إذا أحال برأس مال السلم في المجلس بعد التخاير ثم تفرّقا، لم يبطل السلم هكذا ذكر في مجرّد المذهب، وقال في «المنهاج» من أصحابنا من قال: الحوالة قبض وهو عندي غلط، لأنه لا تصح الحوالة في عوض الصرف قبل التفرق ورأس مال السلم أيضًا، وهذا خلاف ما ذكر في المذهب وهذا أصح، وقد ذكرنا فيما مضى أن التخاير في الصرف يبطله إذا لم يكن قبض عوض الصرف.
وسمعت بعض أصحابنا بخراسان: ذكر فيه وجهين، وقال: المنع أسلم في النظر وليس مذهب.
فرع آخر لو كان لرجل على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحدٍ منهما كفيل ضامن عن صاحبه، ولرجل عليه ألف فأحاله عليهما على أن يطالب أيهما شاء، هل تصح الحوالة؟ قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان، لأنه زاد حقه بذلك

الجزء: 5 - الصفحة: 460

فإنه كان يطلب حقه من محل واحد والآن يطلبه في محلين وهو نظير المسألة السابقة.
فرع آخر لو كان عليه ألف إلى سنة فأحال به على رجل لا حق له عليه فقبل وقلنا: يلزم وصحت ولزمت على ما ضمنه فيقضي ذلك في محله.
فإن قضاه بعد محله بإذنه رجع عليه به، وإن قضاه قبل محله لم يرجع على المحيل في الحال لأنه قد تطوع بالتقديم فهو كما لو قبل الحوالة بمكسرة ثم أعطاه صحاحًا لم يرجع إلا بالمكسر.
وإن كانت المسألة بحالها وحل الحق أو كان الحق حالًا فقبل الحوالة أن يعطي المحتال، فإن قال المحال عليه للمحيل: أعطني رهنًا لما يلزمني عنك فأعطاه لم يصح لأنه لا يملك الرجوع عليه حتى يغرم.
فصل في الدعوي في الحالة وفيه مسائل إحداها: إذا كان لزيد على عمرو [17 ب/ 8] ألف ولخالد على زيد ألف فقال خالد لعمرو: قد أحالني زيد عليك وأنكر عمرو فالقول قول المحال عليه فإن حلف سقطت دعوى المحتال وللمحيل أن يقبض حقه من المحال عليه، لأن حقه باقٍ في ذمته وهو معترف له به.
وأما المحتال لا يرجع على المحيل بشيء لأن قبوله الحوالة اعتراف بقبض الحق، وإن نكل المحال عليه حلف المحتال واستوفي حقه منه وكان للمحيل أن يرجع على المحال عليه بحقه لأنه يقول: أعطيته ظلمًا فلك أن ترجع عليَّ بحقك، وإن صدَّق زيد خالدًا على ما قال برئ عمرو من دينه، وإذا قلنا: لا يشترط رضا المحال عليه في الحوالة ثبتت الحوالة بتصديقه وله المطالبة ولا يضرّه تكذيب المحال عليه.
وإن صدق عمرو خالدًا وجب عليه دفع المال ثم ينظر في زيد فإن صدقه فلا كلام، وإن كذبه فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف رجع على عمرو بالألف ولا يرجع خالد عليه بشيء لأنه أقر أنه استوفي حقه بالحوالة بإقراره، وله أن يستوفي ذلك من عمرو لتصادقهما على الحوالة، والثانية: لو كان له ألف درهم على رجلين على كل واحدٍ خمسمائة ولهما على رجل ألف درهم لكل واحد منهما خمسمائة فادّعى من له الألف عليهما أنهما أحالاه بالألف الذي عليهما على من لهما عليه ذلك الألف وأقام بذلك شاهدين نظر فإن شهد للمحتال ابناه لم تقبل شهادتهما لأبيها، وإن شهد ابنا المحيلين أو ابنان لأحدهما قبلت لأنها شهادة على أبيهما.
فإن كانت المسألة بحالها وكان المدعي المحيلين ادعيا أنهما قد أحالاه بالألف عليهما نظر فإن شهد بها ابنا المحتال قبلت لأنها على أبيهما، وإن شهد لهما ابناهما لم تقبل شهادة من شهد لأبيه منهما ولكنه قد شهد لأبيه ولشريك أبيه فردت في أبيه للتهمة.
وهل ترد في غير أبيه قولان، وهذا أصل كل من شهد لرجلين بحق فردت شهادته في أحدهما للتهمة، هل تقبل للآخر قولان.
وإن ردت في أحدهما للعذارة مثل إن قالا: قذفنا وقذف زيدًا ردت في الكل.
فإذا

الجزء: 5 - الصفحة: 461

قلنا: ترد فلا كلام وإذا قلنا: لا ترد في حق شريك أبيه فقد حصل لكل واحد منهما شاهد واحد بما يدعيه [18/ أ] فيحلف معه ويستحق لأنه إثبات مال، فإن كانت المسألة بحالها فكان المحتال هو المدعى عليه هو المحال عليهما، فإن شهد له ابناه لم تقبل، وإن شهد له ابنا المحال عليه قبلت، والثالثة: إذا كان له على رجل ألف فادّعى عليه أنك أحلت به عليَّ فلان الغائب فالحق له دونك فالقول قول صاحب الحق فإن أقام هذا المدعي البينة سمعت وحكم على المحيل بسقوط حقه من المحال عليه، ولم يحكم بها للغائب لأن القضاء للغائب لا يجوز، وإذا عاد الغائب نظر، فإن ادعى ذلك وصدقّه المحيل قبض ذلك منه وإلا أقام البينة ثانياً وقضى بحاله عليه بالحوالة ولا تكفي البينة التي أقامها المحال عليه، هكذا ذكر ابن سريج، وفي هذا نظر لأنه إذا قدم من الغيبة يدعي على المحال عليه دون المحيل وهو مقر له فلا حاجة به إلى إقامة البينة، ولو دفع هذا المحال عليه إليه لم يكن لصاحب الدين مطالبته بشيء لأن المطالبة سقطت عنه بالبينة.
ولو جاء إلى رجل فقال لفلان الغائب: عندك ألف؟ فقال: نعم، فقال: قد أحالني به عليه، فانكر القول، فالقول قوله.
فإن أقام المحتال البينة به قال ابن سريج: حكمت بها في حقهما وحق الغائب معًا، وألزمت المحتال عليه التسليم لأنه قضاء على غائب.

الجزء: 5 - الصفحة: 462

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل