بحر المذهب للرويانيكتاب الحجر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال: قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] الآية.
الفصل: وهذا كما قال: الحجر في اللغة المنع والحظر والتضييق, ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22] ويقولون حجرًا محجورًا يعني حرامًا محرمًا, وقال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:5] أي لذي عقل, وإنما سمي العقل حجرًا, لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما لا يجوز, وسمي حجر البيت حجرًا لأنه يمنع من الطواف فيه, وعلى هذا قولنا محجور عليه, أي ممنوع من التصرف, ومحظور عليه التصرف, والحجر على ضربين: أحدهما: لحق غيره وهو حجر المفلس والمريض والمكاتب.
والثاني: لحق نفسه وهو حجر صغير والمجنون والسفيه والمقصود بهذا الباب بيان أحكام هؤلاء.
وأما الصبي فالأصل في الحجر عليه قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] فإن أنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم, فدل على أن ماله لا يدفع إليه قبل بلوغه النكاح وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا﴾ [النساء: 6] معناه: واختبروا وامتحنوا كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] معناه اختبره وامتحنه, وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: 249] أي مختبركم وقال [ق 339 ب] ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:7] أي مختبركم.
وأما اليتامى: منهم الصغار الذين مات آباؤهم, فأما إذا ماتت الأم وبقي الأب لا يسمى يتيمًا حقيقة, وكذلك إذا مات الأب بعد بلوغه لا يسمى يتيمًا لما روي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتم بعد الحلم" وروي: بعد البلوغ.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:6] أراد به البلوغ فعبر عن البلوغ ببلوغ النكاح؛ لأن الغالب أن شهوة النكاح عند البلوغ وقيل: أراد الاحتلام لأن الاحتلام يتوجه التكيف, وقيل: أراد بالنكاح الجماع, وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:6] أي أبصرتم منهم رشدًا أو علمتم, فوضع ذلك موضع العلم كما وضعها موضع الرؤية في قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:29] وقوله: ﴿رشْدًا﴾ [الجن:10] قال مجاهد, والشعبي: هو العقل.

الجزء: 5 - الصفحة: 385

وقال السدي: هو العقل والصلاح في الدين, وقال ابن عباس والحسن رضي الله عنهم هو الصلاح في الدين والصلاح في المال, وهو قولنا وقوله: ﴿وَلَا تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أًن يَكْبَرُوا﴾ أي لا تأخذوها إسرافًا على غير ما أباح الله تعالى لكم, وأصل الإسراف تجاوز الحد, وقوله: ﴿وَبِدَارًا أًن يَكْبَرُوا﴾ [النساء:6] يعني بأكل مال اليتيم ويبادر أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله, ثم قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:6] يعني بمال نفسه عن مال اليتيم, ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:6 [] ق 340 أ] وقد ذكرنا هذا من قبل واحتج على ذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:282] والسفيه: الفاسق المبذر بماله, ولفظ الشافعي رحمه الله تعالى هو المبذر لماله المفسد في الجهات المحترمة.
وقال مجاهد: هو الجاهل بالصواب فيما له وعليه.
وأما الضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو, نقل المزني -رحمه الله- أنه أراد بهما المغلوب على عقله لأنه لا فرق بين الضعيف وبين الذي لا يستطيع, ومعنى اللفظتين واحد.
وقال في "كتاب الوصايا": الضعيف الصغير والكبير الذي يضعف عن القيام بمصالح ماله, والذي لا يستطيع أن يمل هو المغلوب على عقله, وهذا أصح ما نقله المزني؛ لأن الظاهر من الآية أن الذي لا يستطيع غير الضعيف كما أن الضعيف غير السفيه, وقيل: هو ضعيف الرأي والتدبير من صغر أو كبر وهو قريب مما ذكرنا, وقال مجاهد -رحمه الله-: السفيه الجاهل بالصواب فيما له وعليه, والضعيف: الأحمق.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما الذي لا يستطع أن يمل هو الأخرس وقيل: إنه المحبوس بحبس أو غيبة وما قاله الشافعي أولى؛ لأن الأخرس والغيبة لا يوجبان الحجر, وقوله: أن يمل: يعني يقر [ق 340 ب] فليملل وليه بالعدل أن يقر وليه ويملل الإقرار عليه من وجهين: أحدهما: بمباشرة البيع والشراء والثمن وعليه إن كان اشتراه مؤجلًا.
والثاني: أن تقوم البينة على إقراره بحق عليه ولم يعرف صفته وحبسه فيقر الولي عليه به لئلا يطالب بأكثر مما عليه.
وأما إذا أقر عليه بإتلاف ماله أو قتل أو دين لزمه قبل الحجر لا يقبل إقراره بذلك عليه.
وقال ابن عباس رضي الله عنه أراد بقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] ولي الحق: هو صاحبه أن يعدل في إملائه ومطالبته بالحق.
وقال الضحاك: أراد ولي من عليه الحق فيما لزم من أرش جناية أو قيمة متلف, فإذا تقرر هذا فهو محجور عليه ما لم يبلغ على العموم, فإذا بلغ رشيدًا زال الحجر عليه,

الجزء: 5 - الصفحة: 386

ومعناه جرى عليه القلم, والبلوغ يتعلق بأربعة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي السن والاحتلام والإنبات, وواحد يختص به النساء وهو الحيض.
ومن أصحابنا من قال: يتعلق بخمسة أشياء؛ اثنان يختص بهما النساء: الحيض والحمل, وهذا لا يصح؛ لأن الحمل دليل على تقدم البلوغ وليس ببلوغ في نفسه, لأنه يستدل به على تقدم الإنزال, فإن الولد لا يخلق إلا من المائين, وقيل: إنما لم يذكر الشافعي -رحمه الله- الحمل لأن حيضها يسبق حملها في العادة.
وأما السن فهو استكمال [ق 341 أ] خمس عشر سنة في الذكور والإناث, وبه قال أبو يوسف ومحمد وعن أبي حنيفة في الغلام روايتان: أحدهما: تسع عشر سنة وهي رواية الأصل.
والثانية: ثماني عشرة رواها الحسن بن زياد, وفي الجارية ثمان عشرة سنة.
وقال بعض أصحابنا: إذا طعن في خمس عشرة سنة يصير بالغًا, وهذا ليس بشيء لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأخذت منه الحدود رواه أنس رضي الله عنه, وعندنا خمس عشرة سنة بالقمرية من حين ينفصل المولود من بطن أمه, وقال أبو يوسف, ومحمد, وزفر, والحسن بن صالح رحمهم الله إذا خرج أكثر المولود من الرحم يعتبر أول سنة, وإذا علمت حياته عند خروج أكثره, ثم خرج باقية ميتًا ورث, وعندنا لا يرث؛ لأن انقضاء عدتها لا يكون إلا بالانفصال التام كذلك هذا.
وحكي عن مالك أنه قال: لا بلوغ بالسن بل هو بالاحتلام, وغلظ الصوت وانشقاق الغضروف, وروي عنه: ليس في السن للبلوغ حد, وقال أصحابه: سبع عشرة أو ثماني عشرة.
وقال داود: البلوغ بالاحتلام وغلظ الصوت لا بالسن, واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحلم" وهذا غلظ لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: عرضت [ق 341 ب] على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردني وعرضت عليه يوم أحد وأما ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة.
وقال أنس رضي الله عنه لما استكملت خمس عشرة سنة حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه.
وأما خبرهم نقول به وليس فيه نفي غيره.
وأما الاحتلام عبارة عن نزول الماء الدافق: وهو المني الذي يخلق منه الولد على

الجزء: 5 - الصفحة: 387

أي وجه كان, نائمًا أو مستيقظًا بجماع أو بغيره, ومن أصحابنا من قال: الاحتلام في المرأة لا يكون بلوغًا؛ لأن الشافعي قال: "إلا أن يحتلم الغلام أو تحيض الجارية" وليس بشيء, والأصل من هذا ما ذكرنا من الخبر, وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: 59] وأقل زمان الاحتلام في الغلام عشر سنين ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا: تسع سنين وهو القياس.
وأما الإنبات: فهو الشعر الخشن الذي يحتاج إلى جريان الموسى عليه حول ذكر الغلام وفرج الجارية ولا يختلف مذهب الشافعي أنه يحكم به بالبلوغ في أطفال المشركين, الفرق بين الذرية والمقاتلة وأخذ الجزية: لما روي أن سعد بن معاذ رضي الله عنه حكم في بني قريظة أن تقتل مقاتلهم ويسبي ذراريهم وأمر أن يكشف عن مؤتزرهم [ق 342 أ] فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت فهو من الذراري فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لقد حكم سعد بحكم الله تعالى من فوق سبع سمواته" وهل هو بلوغ في نفسه أو دلالة على البلوغ؟ وقال في "الجزية" إنه دلالة عليه, فإذا قلنا: إنه بلوغ في نفسه حقيقة وهو قول مالك كان بلوغًا في أولاد المسلمين أيضًا؛ لأن حقيقة البلوغ لا تختلف بالمسلمين والمشركين والاحتلام والحيض, وإذا قلنا دلالة على البلوغ هل يكون دلالة عليه بين المسلمين؟ قولان: أحدهما: أنه دلالة أيضًا في حقهم لما روى محمد بن يحيى بن حسان أن غلامًا من الأنصار شيب بأمره في شعره فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال: لو أنبت الشعر لحددتك ولأن ما كان علمًا على البلوغ في حق المشركين كان كذلك في حق المسلمين كالحمل.
والثاني: لا يكون دلالة في حقهم, والفرق أن في أولاد المشركين لا يجوز الرجوع إلى آبائهم في معرفة سنهم فكان الإنبات دلالة على بلوغهم, وفي أولاد المسلمين الرجوع إلى قول آبائهم وجيرانهم في معرفة سنهم فلا حاجة بنا إلى أن نجعل الإناث فيهم بلوغًا فلهذا افترقا, وأيضًا المسلم يستفيد ببلوغه فضائل من الولايات والشهادات واستحقاق السهم من المغنم وغير ذلك من الأحكام فيهم أنه يعالج الإنبات حتى ينبت قبل أوانه والكافر لا يتهم في ذلك.
وقال أبو حنيفة [ق 342 ب]: لا يتعلق الحكم بالإنبات بحال لا في المسلم ولا في الكافر, وهذا غلظ لما ذكرنا وأما انفراق الأرنبة ونتوء طرف الحلقوم وثقل الصوت ونهود الثدي واللحية لا يحكم بها أصلًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 388

أما الحيض: فبلوغ في النساء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة امرأة حائض إلا بخمار" وقال صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: "إذا بلغت المرأة الحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا" وأشار إلى الوجه والكف.
وأما الحمل يدل على سن البلوغ لأنه يعلم به نزول الماء, وقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 6 - 7] أي من أصلاب الرجال وعظام صدور النساء.
فرع البلوغ في الخنثى المشكل إن كان بالسن فهو ما ذكرنا, وأما بغيره فإن احتلم من الفرجين جميعًا حكم ببلوغه, ولو احتلم من أحدهما دون الآخر أو أنبت على أحدهما دون الآخر لم يكن بلوغًا, وكذلك إذا حاض من الفرج, أو حاض واحتلم منه لم يكن بلوغًا, وإن حاض من الفرج واحتلم من الذكر كان بلوغًا لأنه إن كان ذكرًا فقد أمنى وإن كانت أنثى فقد حاضت.
وأما في "كتاب الإقرار": إذا حاض الأنثى واحتلم لم يكن بلوغًا حتى يستكمل خمس عشرة سنة, معناه إن كان جميعًا من الفرج, وقيل معناه: إذا حاض واحتلم والتأويل الأول أصح.
مسألة: قال: "وإذا أمر الله [ق 343 أ] تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم بأمرين لم يدفع إلا بهما".
الفصل: وهذا كما قال, لا يزول الحجر عن الصبي إلا بشرطين: بلوغ ورشد, فالبلوغ ما ذكرناه, والرشد عند الشافعي -رحمه الله- الصلاح في الدين والمال جميعًا, وهو أن يكون مصلحًا لماله ولا يكون مبذرًا, وقال الشافعي: الرشد والله أعلم الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة مع صلاح المال, وإنما أراد بجواز الشهادة الصلاح فإنه إذا أردت شهادته لا لسفه كالأعمى ونحوه يدفع إليه المال إذا كان مصلحًا لدينه وماله, وكذلك حائكًا أو كناسًا أو محترفًا ببعض هذه الحرف الدنية التي ترد شهادته بها, فإن المال يدفع إليه, وقيل: أراد الله بجواز الشهادة أن لا يركب محضورًا ولا يخل بواجب, أو تظهر أفعاله الجميلة وينتشر سداده عند الكافة, وهذا قريب مما تقدم, وإنما إصلاح المال (فإنا) نحتاج

الجزء: 5 - الصفحة: 389

إلى تخييره لأن المال لم يكن معه فيعلم كيف حفظه وتدبيره فيه فاحتجنا أن نختبره.
قال الشافعي رحمة الله عليه: "يختلف ذلك باختلاف حال المختبر".
وفيه فصلان: أحدهما: في وقت الاختبار, واختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: يختبر بعد البلوغ لأنه لا يصح التصرف قبله, ومن أصحابنا من قال: يختبر قبل البلوغ لئلا يتأخر دفع المال إليه عن البلوغ, فمن أصحابنا من قال: يختبر بعد البلوغ, قال: يدفع إليه بعد مال حتى [ق 343 ب] يبيع ويشتري فإن حسن تدبيره, وحفظه ولم يعين فيه بما يتغابن بمثله دفع إليه الباقي, وإذا غبن فيه بما لا يتغابن بمثله ولم يحسن تدبيره لم يفك الحجر عنه ولا ضمان على الولي فيما يبلغه في هذه الحالة وظاهر مذهب الشافعي أنه يحكم بصحة هذا العقد.
ومن أصحابنا من قال: يحكم بفساده وإنما يصح ما بعد ذلك, ومن قال: يختبر قبل البلوغ احتج بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:6] وهذا يقتضي الاختبار قبل البلوغ, ثم اختلفوا فمن أصحابنا من قال: يأمره الحاكم بالمساومة وتقدير السعر, ثم يعقد الولي البيع أو يشتري الولي سلعة في السر من الغير ولا ينقد الثمن ولا يقبض المبيع, ثم يأمره أن يمضي ويشتريها ويقبض ثمنها ويقبضها ويواطيء البائع على ذلك فيختبره.
ومن أصحابنا من قال: يمضي الواقعة حتى يساوم الصبي وبقدر السعر, فإذا أوجب البائع البيع أذن للصبي في قبوله, ويصح هذا العقد ها هنا للضرورة وهذا ضعيف.
والفصل الثاني: في كيفية الاختبار, فإن كان ذكرًا لا يخلو من أحد أمرين, إما أن يكون مما لا يصان عن دخول السوق ومخالطة الناس فاختباره سهل بأن يدفع إليه بعض ماله ويختبر تصرفه فيه وحفظه له, وإن كان مما يصان عن الأسواق فإنه يدفع إليه مقدر نفقة شهر, ويأمر بالإنفاق على نفسه وسائر مصالحه على يد وكيله وينظر رشده فيه [ق 344 أ] في الضبط والحساب, أو اختبره بأمر المزارعة والنظر في أمور الصناع ويحتاج إلى الاختبار دفعتين أو ثلاثة ولا يقتصر على مرة واحدة, لأنه ربما ينفق أول مرة إنفاقًا عن بصيرة, وإن كان أنثى, فإن اختبارها أصعب لأنها عورة فاختبارها أن يدفع إليها بعض مالها للنفقة وما يتعلق بمصلحتها من الغزل والقطن, ويراعيها النساء الثقات وذو المحارم, ولا يفتقر الاختبار إلى نظر الحاكم فإن الأب أو الجد لو اختبره جاز, ثم إذا اختبر ووجد رشيدًا هل ينفك الحجر من حكم الحاكم؟ ذكرنا وجهين واختار ابن أبي هريرة أنه يحتاج إليه لأنه يتعلق بالاختبار والنظر فيتعلق بالحكم, والصحيح الظاهر من المذهب أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم في ابتدائه فكذلك في فكه, وقال الصميري: إذا كان الولي أبًا يرتفع ببلوغه ورشده, وإن كان أمين الحاكم لا يرتفع إلا بحكمه, وإن كان وصي أبيه فيه وجهان: وقال أبو حنيفة, ومالك: إذا كان مصلحًا لماله دفع إليه ماله, وإن كان مفسدًا لدينه

الجزء: 5 - الصفحة: 390

فاسقًا, لأن قوله تعالى: ﴿رَشَدًا﴾ [الكهف: 10] ذكره في إثبات فيقتضي رشدًا واحدًا, وهذا غلط, لأن فسقه يمنع رشده لأنه اسم مدح, وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما تفسير الرشد أن يبلغ ذا وقار وحلم وعقل.
فرع إذا منعنا المال من المبذر عند بلوغه لا يدفع إليه المال, وإن صار شيخًا, وبه قال مالك إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة يفك عنه [ق 344 ب] الحجر ويسلم إليه المال لأنه بلغ أشده ويصلح أن يكون جدًا.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: انفك الحجر عنه ببلوغه وعاد الحجر عليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة, وقال محمد: يستدام الحجر أبدًا ولا ينفذ تصرفه إلا في النكاح والعتق, وهذا غلط ظاهر لأنه مبذر لماله فلا يختلف ببلوغه خمسًا وعشرين وعدم بلوغه ذلك وتتصور الحدود فيما دون ذلك من السن.
فرع آخر إذا مبذرًا ومنعنا منه المال لا ينفذ تصرفه, وقال أبو حنيفة: ينفذ تصرفه وفائدة منع المال منه أنه لا يقدر تسليمه في التبرعات, وهذا غلط لأنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده فلا يصح تصرفاته كالصبي, ولأنه لا فائدة فيما قالوه, لأنه إن لم يسلم إليه في التبرعات ينتزع من يده بإقراره وبيعه ويبطل ماله بإعتاقه فلا فائدة في منعه.
فرع آخر إذا شهد عدلان بسفه رجل وفسر أيسمع ذلك وإن لم يستشهد أو حجر عليه.
مسألة: قال: "وإذا أونس منها الرشد دفع إليها مالها تزوجت أو لم تتزوج ". الفصل: وهذا كما قال: إذا بلغت المرأة رشيدة انفك عنها الحجر ودفع إليها مالها تزوجت أو لم تتزوج, وبه قال أبو حنيفة, وقال مالك: لا يدفع إليها مالها حتى تنكح ويدخل بها الزوج, وروي عنه أنه قال: لا ينفذ تصرفها إلا بإذن زوجها حتى تكبر وتصير [ق 345 أ] عجوزًا معنسة.
حكي القفال عنه أنه قال: لا ينفذ تبرعها في مالها دون إذن الزوج إلا في الثلث, قال الشافعي رحمه الله: أرأيت لو تصدقت بالثلث, ثم بعد ذلك تصدقت بثلث الثلاثين أما

الجزء: 5 - الصفحة: 391

جاز لها ذلك, فإن قلنا: لا يجوز فقد أجزت أن يحال بين البالغ العاقل الصحيح وبين ماله, وإن قلت: يجوز فسبيلها على مالها, والدليل على هذا أنها رشيدة فيدفع إليها مالها كما لو تزوجت وطال الزمان, أو من دفع ماله إليه عند رشده لم يقف نفوذ تصرفه على إذن الغير كالغلام, واحتج بأن حق الزوج بتعلق لمالها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها " والعادة أن يتبسط في مالها وينتفع بجهازها فكان له منعها من هبة جميع مالها, قلنا: والمرأة ترغب في نكاح الرجل لماله أيضًا ولا تعترض عليه في تصرفه.
واحتج بما روى عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجوز للمرأة عطية في مالها إذا ملك زوجها عصمتها ", وروي: " لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها ", قلنا: أراد على طريق الأدب والاحتياط, وإذا كان زوجها وليًا لمالها, وقد قال الشافعي: أعتقت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب ذلك عليها.
مسألة: قال [ق 345 ب] المزني - رحمه الله- واحتج الشافعي -رحمه الله عليه بعثمان وعلى والزبير رضي الله عنهم.
الفصل: وهذا كما قال, إذا دفع ماله إليه, ثم صار مبذرًا أعيد الحجر عليه والتبذير عندنا في المعاصي, فأما الإنفاق في الثياب الفاخرة والطيب والمأكول ودعوات أهل الصلاح فليس من التبذير ولا يحجر عليه به, وإذا صار لا يعرف حظه من التجارة ويغبن فيها بما لا يتغابن الناس بمثله أعيد عليه الحجر.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان تبذيره بالإنفاق في ملاذه والإسراف في ملبوسه وشهواته حتى يتجاوز فيه الحد المألوف والقدر المعروف هل يجب الحجر عليه وجهان: أحدهما: يجب الحجر لأنه إنفاق في غير الحق.
والثاني: لا يجب لأنه إنفاق في المباح, ولو لم يبذر ولم يغبن في التجارة إلا أنه صار فاسقًا هل يعاد الحجر عليه؟ قال ابن سريج: يعاد إليه كما يعاد بالتبذير ولكل معنى لو قارن البلوغ استديم الحجر عليه, فإذا طرأ بعد زواله أوجب إعادة الحجر عليه كالجنون وهذا أقيس.
وقال أبو إسحاق: لا يعاد عليه, وهذا ظاهر المذهب, لأن الشافعي قال: "إذا حجر عليه لسفهه وتبذير ماله أشهد عليه" وهذا لأن الحجر لحفظ المال والفسق في الدين يورث

الجزء: 5 - الصفحة: 392

تهمة فيه, فإذا قارن البلوغ شككنا في ارتفاع سبب الحجر, والأصل هو الحجر فبقيناه على حكم الأصل وبعدما ظهر رشده [ق 346 أ] ودفعنا إليه المال فالأصل أنه إصلاح المال وشككنا عند طرئان الفسق في إفساد ماله فلا يترك هذا الأصل بالشك, ويفارق التبذير لأنه يقين في إفساد المال طارئًا كان أو مقترنًا بالبلوغ فسوينا الحكم فيه وبقولنا قال: عثمان, وعلي, والزبير, وعبد الله بن جعفر, وعبد الله بن الزبير, وعائشة رضي الله عنها وشريح, ومالك, والأوزاعي, وأحمد, وإسحاق, وأبو يوسف, ومحمد, وأبو ثور, وأبو عبيد رحمهم الله, وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا يعاد الحجر عليه بحال, ولو حجر عليه الحاكم لم ينفذ حتى يقضي قاض آخر به, وبه قال النخعي وابن سيرين رحمهما الله, وهذا غلط لما روى الشافعي من الأثر, وبيانه ما روي أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضًا بستين ألف درهم فعبر فيها عثمان فقال: والله ما يسرني أنها لي بنعلي فقال علي: لآتين أمير المؤمنين عثمان وأسأله أن يحجر عليه فذكر عبد الله بن جعفر ذلك للزبير فقال: إني شريكك فيها فجاء علي إلى عثمان رضي الله عنهما, فذكر ذلك له فقال: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير وإنما قال ذلك, لأن الزبير كان معروفًا بالضبط في التجارة ووجوه الربح والخسران وهذا دليل من قولهم جميعًا على جواز الحجر وعلى سأل الحجر عليه والزبير احتال [ق 346 ب] في دفع الحجر عنه وهم عثمان بالحجر عليه, ثم اعتذر لترك الحجر, ومثل هذا لينتشر فيما بين الجماعة الصحابة ولم ينكر منكر, وروى عروة أن عبد الله هذا اشترى أرضًا بستمائة ألف درهم وهم على وثمان أن يحجرا عليه فلقيه الزبير فقال: ما اشترى أحد بيعًا أرخص مما اشتريت فذكر له عبد الله الحجر فقال: لو أن عندي مالًا لشاركتك, قال: فإني أقرضك نصف المال قال: فإني شريكك فأتاه علي وعثمان وهما يتراوضان فقال: ما تراوضان فذكرا, فقال الزبير: تحجران على رجل أنا شريكه فتركه.
أورده الشيخ أحمد البيهقي رحمه الله, واحتج بالقياس الذي أشار إليه فقال: إذا وجب الحجر من فاقد البلوغ وقد عقل نظرًا له واثقًا لماله فبعد البلوغ أشد تضييقٌا لماله وأكثر إتلافًا له فلم لا يجب الحجر عليه, ومعنى التبذير الإسراف قائم لأنه عقب البلوغ في عنفوان الشهوة والشباب أشد تضييعًا منه وهو مراهق.
فرع لابد في هذا الحجر من الحاكم, وقد قال الشافعي رحمة الله عليه يشهد قال أصحابنا: ويشهر أمره ويتقدم إلى المنادي حتى ينادي في البلد إلا أن فلان ابن فلان حجر القاضي عليه فلا يعامله أحد, فمن عامله فهو المتلف لماله, فإن لم يشهد جاز لأنه

الجزء: 5 - الصفحة: 393

احتياط كما نقول في إشهار أمره وبنفس الحجر ينقطع تصرفه, وقيل في وجوب (ق 347 أ) الإشهار وجهان, والمذهب ما ذكرنا, وقال محمد: يصير محجوزًا بنفس السفه ولا يفتقر إلى الحاكم, وخالفه أبو يوسف, وهذا غلط لأن التبذير يختلف ويحتاج إلى الاجتهاد فلا بد فيه من الحاكم كما قلنا في مدة العنة.
فرع آخر يقول الحاكم في حجر السفيه: حجزت على فلان, بخلاف المفلس في أحد الوجهين, لأن لفظ الحجر أعم وحجر السفيه عام.
فرع آخر يقول الحاكم في حجر السفيه: حجزت على فلان, بخلاف المفلس في أحد الوجهين, لأن لفظ الحجر أعم وحجر السفيه عام.
فرع آخر الشحيح الذي يبخل على نفسه بالنفقة فلا يأكل ولا يلبس بقدر حاله شحًا على نفسه وحبًا لماله, قال ابن سريج, والإصطخري: يجب الحجر عليه كما بالسرف والتبذير, لأن الله تعالى نهى عنهما, فقال عز وجل: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29] الآية, وقال سائر أصحابنا: لا يحجر عليه لأنه يمسك ولا يتلف وليس كل منهي عنه يوجب الحجر, فمن قال بالأول قال: لا يمنع من عقوده ولا التصرف ولكن ينفق عليه جبرًا بالمعروف من ماله, إلا أن يخاف إخفاء ماله لعظم شحه من التصرف فيه.
مسألة: قال: " من بايعه بعد الحجر فهو المتلف لماله ". وهذا كما قال: " إذا حجر عليه على ما ذكرنا جعل ماله في يد عدل ثقة يوليه أمره والإنفاق عليه والنيابة عنه في مصالحه, ثم خلي سبيله فإن تصرف بعد ذلك نظر, فإن اشترى سلعة في ذمته [ق 347 ب] فالشراء باطل, فإن كانت باقية في يده رجع عليها بها, وإن كانت بالغة فلا ضمان عليه ولا فرق بين أن يكون بايعه جاهلًا بحاله أو عالمًا به, لأن الحاكم إذا أشهد وأعلن فقد أعذر من أنذر, وإن أطلق الحجر عليه بعده لا يطالب بشيء, لأن الحجر عليه كان لحق نفسه لا لحق غيره وحق نفسه يراعى في حالة الإطلاق كما يراعى في حالة الحجر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال أبو حامد: يصح شراؤه في ذمته, وهذا غلط وليس في شيء من تعاليقه.
فرع هل يلزمه الغرم فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزم لأن المالك رضي باستهلاكه, وبه قال ابن أبي هريرة.

الجزء: 5 - الصفحة: 394

والثاني: يلزم لأنه مكلف استهلك مالًا على طريق المعاوضة, وبه قال أبو ثور, وقيل: الوجهان إذا لم يعلم بحجره والأصح يلزمه.
فرع آخر لو باع مال نفسه فالبيع باطل, فإن كان باقيًا في يد المشتري رد على وليه, وإن كان تالفًا لزمه قيمته.
فرع آخر لو جني على إنسان جناية توجب الأرش أو تلف ماله فعليه ضمانه, يدفع ذلك من ماله الذي في يد وليه, لأن صاحبه لم يكن مضيعًا إذ لا صنع له فيه.
فرع آخر لو أدعه رجل وديعة فتلفت في يد المحجوز عليه بآية فلا ضمان عليه وإن اتلفها فيه وجهان: أحدهما: يلزمه الضمان [ق 348 أ] وهو الأصح لأن صاحبها لم يسلطه على إتلافها, فأشبه إذا أتلفها وهي في يد صاحبها.
والثاني: لا يلزمه الضمان, لأنها حصلت في يده برضا صاحبها, فكان هو المضيع لها كما لو أقرضه شيئًا أو باعه, وهكذا الحكم في الصبي.
ومعنى الوجهين أنه هل يغلب حكم الإتلاف لأنه من غير اختياره أو يغلب حكم التسليم لأنه باختياره؟ فيه وجهان.
فرع آخر لو أقر بعد الحجر, فإن كان بحد أو قصاص, أو بأمر يوجب عقوبة على يده قبل إقراره وأقيم عليه الحد لأنه غير متهم فيما يوجب عليه عقوبة, ولأن الحجر فيما يؤدي إلى إتلاف ماله, ولهذا يصح طلاقه ولا يتناوله الحجر.
فرع آخر لو أقر بمال عن جناية لا يقبل إقراره لجواز أن يكون وافقه لينذر ماله, ولأنا لو قبلنا ذلك لم يكن للحجر معنى, وهذا في الحكم, فأما فيما بينه وبين الله تعالى يلزمه بما أقر به إن كان صادقًا, لأن النية لو قامت بها في حال حجره أوجب الضمان في ماله, ويخالف ذلك مال القراض والبيع إذا أتلف لا يلزمه الضمان فيما بينه وبين الله تعالى, لأن النية لو قامت بها في حالة الحجر لم يضمنه.
وقال القاضي الطبري: إذا لم يشهد الحاكم أمره ولم يشهد لا يتعلق به المنع من التصرف على قول بعض أصحابنا, لأن الشافعي رحمة الله عليه شرط الإشهاد [ق 348 ب]

الجزء: 5 - الصفحة: 395

ويكون معامله معذورًا فلم يجز أن يسقط عنه ضمان القرض والبيع.
وذكر عن بعض أصحابنا أنه قال: يصح, وإن عقد عقدًا يتعلق كالبيع والقرض والإجارة يصح وينفذ, لأن غيره معذور فيه.
والصحيح عندي أنه ينفذ الحجر في منع التصرفات وبطلانها, ولكن يعتبر الإشهاد, والإشهاد في سقوط الضمان للغير فيما يعامله وهو القياس, وظاهر المذهب ما تقدم.
فرع آخر لو أقر المحجور بجنايات الخطأ على النفوس, ظاهر المذهب أنه لا يقبل, وقال بعض أصحابنا: فيه قولان: أحدهما: هذا لأنه يوجب المال.
والثاني: يقبل ويلزم لتغليظ حكم النفوس, وأنه يثبت عمدها بإقراره فكذلك الخطأ.
فرع آخر لو أقر بأنه سرق ما يوجب القطع, قال الشافعي رحمة الله عليه في العبد إذا أقر بالسرقة يقطع, وهل يباع منه بمقدار مال السرقة قولان, فإذا قلنا: هناك يقطع ويباع فها هنا يقطع ويغرم ولا يبعض أقواله, وإن قلنا: هناك يقطع ولا يباع فها هنا يقطع ولا يغرم, وبه قال صاحب "الإفصاح".
ومن أصحابنا من قال: لا يقطع ها هنا إذا غرم, لأن القطع لا ينفرد عن المال, فإذا لم يلزمه المال لم يقطع, ويخالف العبد, لأن المال يلزمه وإنما يتأخر المطالبة به إلى وقت العتق ولا يصح ما تقدم.
فرع آخر لو أقر بنسب [ق 349 أ] معين فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل ولا يثبت نسبة لأنه يتعلق به إتلاف المال, وهو ما يلزمه من الإنفاق عليه.
والثاني: يثبت نسبة منه وينفق عليه من ماله, لأنه يثبت النفقة تبعًا لا مقصودًا وهو الأشهر.
وفيه وجه ثالث يثبت نسبه منه وينفق عليه من كسبه أو من مال بيت المال.
فرع آخر إذا أقر بابن أمه له أنه منه فالمشهور أنه يثبت نسبة بإقراره وصار حرُا, وقال أبو ثور: إقراره به باطل لا يثبت نسبًا ولا يوجب عتقًا, وقال محمد: يثبت ويصير حرًا

الجزء: 5 - الصفحة: 396

ويسعى في قيمته, وهذا غلط لأنه صادف إقراره فيما لا يقصد به المال فيقبل.
فرع آخر لو مرض السفيه وأعتق في مرضه ثم مات هل يغلب حجر السفيه أو حجر المرض؟ وجهان: أحدهما: يغلب حجر السفه لأنه أسبق.
والثاني: يغلب حجر المرض لأنه حالة تسبق حفظ المال فيها للوارث, فعلى هذا يكون عتقه ماضيًا في ثلثه.
فرع آخر لو قبل السفيه الهبة أو الوصية لا يجوز أن يسلمها إليه, فإن سلم إليه فاستهلكه وجب على من أقبضه غرم الوصية دون الهبة, لأنه ملك الوصية بقبوله فوجب غرمها له ولم يملك الهبة بقبوله فلم يجب غرمها له.
فرع آخر لو آجر نفسه فإن كان فيما هو مقصود من عمله من أن يكون صانعًا [ق 349 ب] وعمله مقصودًا في كبسه لم يجز, وإن كان غير مقصود مثل أن يؤاجر في حج أو وكالة في عمل ليس عمله مقصودًا في كبسه لاستغنائه بماله صحت الإجازة, لأنه لما جاز أن يتطوع عن غيره بهذا العمل فأولى أن يجوز منه بعوض.
فرع آخر لو وجب له القصاص له استيفاؤه وله العفو على مال, وإن عفا على غير مال, فإن قلنا: موجبه القود فقط صح, وإن قلنا موجبه أحد الأمرين والقود أو الدية ولا يصح عفوه عن الدية.
فرع آخر إذا باع شيئًا بإذن وليه ظاهر المذهب أنه لا يجوز, وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز, لأن المقصود منه المال والحجر تناوله وهو قائم.
والثاني: يجوز لأنه عقد من مكلف كالنكاح.
فرع آخر إذا أحرم لحجة الإسلام انعقد إحرامه ويدفع وليه نفقته إلى غيره لينفق عليه في ذهابه ورجوعه, فإن فعل محصورًا تجب به الكفارة, فإن كانت كفارة فخيره يلزمه أن يصوم منها, وإن كانت كفارة مرتبة لا يجوز العدول فيها عن المال إلى الصوم, ويجري مجرى

الجزء: 5 - الصفحة: 397

الجناية فيلزمه حكمها, وقال بعض أصحابنا: هل يجري عليه فيها حكم اليسار أو الإعسار؟ وجهان: أحدهما: يجري عليه حكم اليسار لوجود ملكه.
والثاني: يجري عليه حكم الإعسار, لأنه بالحجر صار أسوأ حالًا [ق 350 أ] من المعسر, ذكره في "الحاوي".
فرع آخر إذا قلنا بالوجه الثاني فلم يكفر بالصوم حتى قال حجره, فإن قلنا: المراعى حالة الأداء في الكفارات لم يجزئه الصوم لاعتبار حالة الوجوب.
والثاني: لا يجزئه إلا المال لأنه كان موسرًا, وإنما المانع كان الحجر وقد ارتفع الآن.
فرع آخر لو أفسد حجة الفرض هل يعطيه الولي نفقة القضاء؟ وجهان: أحدهما: يعطيه, وبه قال محمد لأنه واجب.
والثاني: لا يعطيه لتعلقه بإفساده ولا يؤمن منه, وبه قال أبو ثور.
فرع آخر لو أحرم لحجة التطوع انعقد ويمنعه الوالي النفقة ويقول له: احتل لنفسك, فإن لم تقدر على ما يبلغك الحج فأنت كالمحاصر بالعدو ويجوز ذلك التحلل ويتحلل بالصيام دون الهدي, وإن كانت نفقته في السفر كنفقته في الحضر لا يتحلل ودفعت إليه النفقة, وكذلك إن قال: إلى نفقة الحضر, فإني اتمم نفقة السفر من كسبي.
فرع آخر لو ظاهر من امرأته فالظهار صحيح والعود صحيح ويلزمه أن يكفر بالصوم, فإن قيل: هذه كفارة مرتبة فهلا أو جبتم عتق الرقبة كما قلتم في محظورات الإحرام لأنها أفعال من جنايات يتعلق بها الضمان, هكذا ذكره جمهور أصحابنا, وقيل: فيه وجهان كما ذكرنا في غيرها.
فرع آخر لو طلق يقع فيه طلاقه لأنه ليس فيه إطلاق المال, [ق 350 ب] وقال ابن أبي ليلى: لا ينفذ طلاقه كما لا ينفذ عتقه, وقال أبو يوسف: ينفذ عتقه أيضًا كالمطلق, وهذا غلط,

الجزء: 5 - الصفحة: 398

والفرق ما ذكره الشافعي رحمة الله عليه ههنا حيث قال: " فإن قيل: "فلم أجزت إطلاقه وهو إتلاف مال؟ قلنا: ليس بإتلاف لأنه يموت فلا تورث عنه امرأته ولا يحل فيها هبة ولا بيعه ويورث ويباع عليه فيملك ثمنه فالعبد مال بكل حال والمرأة ليست بمال ", ولهذا العبد المأذون بالتجارة والنكاح الطلاق إليه دون سيده, والمال إلى السيد دونه هذا, لأن المهر متعلق بالعقد يتقرر بالدخول فلا تأثير للطلاق في إيجابه, بل يؤثر في إسقاطه بعضه إذا كان قبل الدخول, فإن قيل: إذا طلق يتزوج أخرى ويطلق فيؤدى إلى إتلاف المال, قيل: إذا أكثر الطلاق لا يزوج حينئذ بل يسري جارية, ثم لو أعتق لا ينفذ عتقه.
فرع آخر لو خالع امرأته على مال صح الخلع, لأنه إذا جاز طلاقه بلا مال فبالمال أولى, ولكن المرأة لا تدفع إليه المال, فإن دفعته لا تبرئ بذلك ولا يصح قبضه, وقيل: جملة عقود المحجوز عليه ثلاثة, عقد يصح من غير إذن الولي أو لم يأذن كالبيع والهبة ونحو ذلك.
فرع آخر إقرار الولي عليه يقبل فيما يتعلق بتصرفاته دون غيرها من الإتلاف [ق 351 أ] والجنايات.
فرع آخر لو ظهر رشده بعد السفه يجب على الحاكم أن يفك حجره في هذا الرشد, اختلف أصحابنا فمنهم من قال: الصلاح في الدين وإصلاح المال, وبه قال ابن سريج رحمه الله, والثاني: أن الإصلاح للمال وحده, وبه قال أبو إسحاق هكذا ذكره في "الحاوي" وعندي أنه ما قاله ابن سريج أصح في هذا الموضع, لأن الأصل ههنا الحجر والتبذير, وإذا كان فاسقًا شككنا في رشده فيبني على الأصل كما لو قارن البلوغ سواء.
فرع آخر إذا حجر الحاكم عليه, قال الشافعي رحمة الله عليه, يستحب له أن يرد أمره إلى الأب, والجد, فإن لم يكن فسائر العصبات لأنهم أشفق عليه.
مسألة: قال: " ومتى أطلق عنه الحجر ثم عاد إلى حالة الحجر حجر عليه ".

الجزء: 5 - الصفحة: 399

وهذا كما قال: إذا أطلق الحجر عنه عند عود الرشد, ثم صار سفيهًا مبذرًا ثانيًا يعاد عليه الحجر, ثم إذا رجع إلى حالة الإطلاق أطلق, لأن الحكم إذا أطلق بعلة فزالت العلة زال الحكم المتعلق بها, ثم إذا عادت العلة عاد حكمها كما لو جن, ثم عقل, ثم جن.
فرع لو حلف وحنث انعقدت يمينه ولزمته الكفارة ويكفر بالصوم هكذا أطلقه أصحابنا والمعنى فيه ذكرنا في كفارة الظهار والله أعلم بالصواب.

الجزء: 5 - الصفحة: 400

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل