بحر المذهب للرويانيصفحات 554-20

شك أن هذا ليس بركن في صحة الحج، وإذا نفر بلا وداع فقد بينا حكمه فيما سبق، وقد قال في "الأم" 1، و"القديم": يلزم الدم يتركه.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال في "الإملاء" لا يجب بتركه الدم، وهو القياس لأنه كطواف القدوم.
فرع لو ودع البيت بالطواف وصلى ركعتين وخرج من غير لبث فقد حصل الوداع، ولو أقام بعد ذلك على زيارةَ صديق أو شري متاع أو عيادةَ مريض فيها لبث بعد الوداع فلا يجزئه الأول.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفةَ: لا يعيد الوداع، وإن أقام شهرًا، وهذا غلط لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وهذا لا يوجد فيما قلتم.
فرع آخر قال في "الإملاء": ولو أقيمت الصلاةً صلاها، ولم يعد وعلى هذا قال أصحابنا: إذا ودع، ثم أخرج رجله من منزله، وشدةً واشترى في طريقه خبزًا، فأكله في الطريق يجب أن لا يكون [126/ ب] قطعًا للوداع، لأن ذلك أخذ في الانصراف وتأهب للخروج.
فرع أخر قال: وأحبّ أن يشرب من نبيذ السقايةَ، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما فرغ من حجّه أتى السقاية، واستسقى نبيذًا، فقال العباس: إنه نبيذ قد خاضت فيه الأيدي، ووقع فيه الذباب، ولنا في البيت نبيذ صاف، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هاته، فأخذه وشربه"، وروى ابن طاوس عن أبيه طاوس آن قال: من تمام الحج شرب النبيذ، وروي أن رجلًا قال لا بن عباس: ما بال أهل هذا البيت يسقون النبيذ وبنو عمهم يسقون اللبن والعسل والسويق؟ أبخل بهم أم حاجه؟ فقال: ما بنا من بخل ولا حاجةَ، ولكن دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، فدعا بشراب، فأتي بنبيذ، فشرب منه ورفع فضله إلى أسامةَ، فشرب، ثم قال: وأحسنتم وأجملتم كذلك فافعلوا، فنحن لا نريد أن نغير ما قال رسول الله، واعلم أن النبيذ الذي يستحب شربه هو النبيذ الذي كان ينبذ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشربه هو وغيره، وهو الحلو الذي يشتد به بأن يكون قد نبذ بالغداةً، فيشربه بالعشي أو بالعشي، فيشربه بالغداةً، فإن جاوز ذلك، وزالت الحلاوةَ منه كره شربه خوفًا من أن يكون مسكرًا، ولا يعلم هو به، وإن حدثت فيه الشدةً المطربةَ صار نجسًا محرمًا.
فرع قال أصحابنا: ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما روى ابن عباس أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "للمتضلع من ماء زمزم براءةً من النفاق ". وقال أيضًا: "ماء زمزم لما شرب لها" 2، وروى عطاء أن النبي [163/أ] لما أفاض نزع هو لنفسه دلوًا، ولم ينزع

معه أحد، فشرب ثم أفرغ باقي الدلو في البئر، وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيتقي شمسه ماء زمزم ويشرب منه، ثم يفرغ باقيةُ في البئر، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر: منذ كم أنت ههنا؟ فقال: منذ ثلاثين يومًا وليلةً، قال: فما كان طعامك؟ فقال: ما كان لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم، ولقد سمنت حتى تكسرت علي بطني، فقال: إنها مباركة، وهي طعام طعم وشفاء سقم، أورده مسلم في صحيحه - وقال علي رضي الله عنه: خير بئر الأرض بئر زمزم وشر بئر في الأرض برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن فيها أرواح الكافرين.
مسالة 1: قال: وليس على الحائض وداع.
لا يلزم الخائض طواف الوداع، ولها أن تنفر بلا وداع ولا دم عليها قولًا واحدًا لما روي في خبر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إلا أنه رخص للمرأةً الحائض وذكر في "المختصر" أنه رخص لها أن تنفر بلا وداع وأراد به ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خبر صفية حين حاضت، وقيل: إنها قد أفاضت بلا إذن "فلتنفر بلا وداع".
وروي أن ابن عباس كان يفتي بذلك، فأنكره زيد بن ثابت، فقال له ابن عباس: سل فلانة الأنصاريةَ هل أمرها بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وهي أم مليم بنت ملحان كانت حاضت بعدما أفاضت يوم النحر، فأذن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجت، فرجع، فضحك وقال: ما أراك إلا قد صدقت، ولأنها كيف تطوف في المسجد والحيض يمنع دخول المسجد.
فرع لو طهرت في سوق مكة كان عليها الوداع وإن خرجت من [163/ب] بيوت مكة كلها، ثم طهرت لم يكن عليها الوداع، ولا يلزمها أن تعود فإن قيل: هلا قلتم تعود ما لم تبلغ مسافةَ القصر كما قلتم فيمن ترك طواف الوداع، وخرج؟ قلنا: الفرق بينهما أن من ترك طواف الوداع فقد ترك واجبًا عليه، فلا يسقط بمفارقته البنيان حتى يشق عليه الانصراف بالبعد عنها سفرًا تامًا.
وههنا يجب عليها الطواف، فلا يجب العود إذا فارقت البيان كإتمام الصلاةً لا تجب على المسافر إذا فارق البنيان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص ههنا أنها لا ترجع بعد مفارقةَ البنيان، ونص في غيرها أنها ترجع، فمن أصحابنا من قال فيهما قولان: أحدهما: لا يرجعان، ولكن لا شيء على الحائض، ويلزم غيرها الدم، ولا ينفعه الرجوع، وهذا لا يصح عندي، والفرق ظاهر على ما ذكرنا.
فرع لو طهرت في البيوت ولم تجد ماء تغتسل به كان عليها الوداع كما يكون عليها الصلاة فتتيمم وتطوف.

فرع آخر لو كانت مستحاضةً طاقت في الأيام التي تصلي عليها، وإن خرجت في يوم حيضها، فلا شيء عليها، ولو بدت بها الاستحاضةً، فنظرت فإن كان اليوم الذي نفرت فيه يوم الطهر وجب عليها الدم، وإن كان يوم الحيض، فلا دم عليها - نص عليه في " المناسك الكبير " 1، ولو رأت الدم بمكةً يومًا وليلةً، ثم خرجت، فإن انقطع دمها دول؛ خمسةَ عشر يومًا علمنا أنه لا شيء عليها، وإن استمر بها الدم، فإن قلنا: تحيض يومًا وليلةً، فعليها الدم متى أوجبنا الدم في تركه.
فرع أخر الحاج إذا قدم مكة فلما فئ من أفعال الحج نوى الإقامة بمكةً، فلا وداع عله.
وبه قال [164/ أ] أبو يوسف، وقال أبو حنيفة: إذا نوى ذلك بعد أن حل له النفر الأول لم يسقط عند طواف الوداع، وهذا غلط، لأنه غير مفارق للبيت، فلا يلزمه الوداع كما لو نوى ذلك في الأول.
فرع آخر قال في "المختصر الصغير" 2:وأحب إذا طاف طواف الوداع أن يقف في الملتزم بين الركن والباب، ويقول: اللهم، البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتي في بلادك، وبلغتني بنعمتك، وأعنتني على قضاء نسكك، فإن كنت رضيت عني، فازدد عني رضيّ، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير متبدل بك، ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافيةً في بدني والعصمةَ في بدني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني 3، وما زاد فحسن، وقد روي هذا عن السلف، ولأنه دعاء يليق بالحال، ثم يصلي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وينصرف، وزاد أبو حامد في " جامعه": واجمع لي خير الدنيا والآخرةً إنك على كل شيء قدير.
وقال الزهري في كتابه: ويخرج وبصره يتبع البيت حتى يكون آخر عهده به وقال بعض أصحابنا: يلتزم الملتزم ويفع خده عليه ويدعو.
مسألةً: قال 4: وإذا أصاب المحرم امرأتهِ المحرمةَ، فغيب الحشفة ما بين أن يحرم إلى آن يرمي جمرةَ العقبةَ فقد أفسد حجه.
ذكر بعد الفراغ من أفعال الحج حكم الجنايات، واعلم أن الوطء في الفرج محرم على المحرم لقوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: (197)].
قال ابن عباس: الرفت: الجماع، والفسوق: المنابذة بالألقاب [164/ب] بأن تقول لأخيك: يا ظالم، يا فاسق، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه فإن وطيء لا يخلو إما أن يكون قبل الوقوف أو بعده، فإن كان قبل الوقوف فسد حجّه

بالإجماع لظاهر الآية، والنص يقتضي الفساد، ولأن كل عبادةً حرمت الوطء وغيره كان الوطء فيها مزيةً ولا مزيةً ههنا إلا الفساد، لأن البدنةً قد تجب بغير الوطء، وهو بقتل النعامةً وتجب الكفارة به لما روي عن علي وابن عمر وابن عباس وعبداه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنهم أوجبوا فيه الكفارة، وقالوا: يقضي من قابل فلأنه، إذا وجبت الكسارة في الحلق، فلان تجب في الوطء أولى، وعندنا هذه الكفارةَ بدنةً، وقال أبو حنيفة: يلزمه، لأن القضاء والبدنةَ تغليظان، فلا يجتمعان، وهذا غلط؛ لأنه وطء عمد صادف إحرامًا تامًا، فيلزم به بدنةَ كما لو كان بعد الوقوف، وإن كان بعد الوقوف قبل التحلل الأول فد حيه أيضًا، ويلزمه القضاء والبد نة، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجه، ويلزمه بدنةً، وهذا غلط؛ لأنه وطء عمد صادف إحرامًا تامًا فأفسده كما لو كان قبل الوقوف، ولو أحرم مجامعًا.
قال بعض أصحابنا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا ينعقد.
والثاني: ينعقد فاسدًا، ويلزمه المضي فيه.
والثالث: ينعقد صحيحًا ثم فسد عند الاستدامة، فإذا تقرر هذا لا يخرج عنه الإفساد، ل يكون عبد الإحرام باقيًا، وعليه أن يمضي فيه على الوجه الذي كان يمضي لو كان صحيحًا، ولكنه لا يجزئه عن فرضه، وعليه أن يقضيه، وقال داود: يخرج منه بالفساد، ولا يلزمه المضي فيه، وهذا غلط لما [(165) /أ] روي عن عمر وعلي وابن تماس وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا: من أفسد حجّه مضي في فاسدةُ، ويقضي من قابل، ولا مخالف لهم، ولأنه معنى يتعلق به وجوب قضاء الحج، فلا يخرج منه كالفوات، فإن قيل: إذا أوجبتم المضي فيه، فلم أوجبتم القضاء؟ قلنا: لأنه لم يأت, به على الوجه الذي لزمه بإحرامه، وهو كما لو ضاق عليه وقت الصلاةً، ولم يجد ماء يتطير به يأتي بها على الإمكان ثم يعيدها.
فرع هذا القضاء هل يجب على الفور أم على التراخي؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم عن قال: يجب على الفور في أول حال الإمكان، وهو آن يقضيه من العام القابل وهذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لآن الذي أفسده كان قد يضيق عليه بالدخول فيه، فيلزمه قضاؤه مضيقًا، ولما ذكرنا من الأثر من الصحابةَ، ومنهم من قال: هو على التراخي لأن أداءه كان على التراخي، فكذلك قضاؤه كما في الصوم المنذور، وهذا ضعيف، لأن الصوم المدور على التراخي قبل الشروع، وههنا شرع فيه وتعين والخفاء بدله، وعلى هذا الوجهين إذا أرادت قضاء الحجّ، هل للزوج منعها؟.
فرع أخر لو وطاء بعد التحلل الأول لا يفسد حجّه.
وقال مالك وأحمد: يفسد ما بقي من حجّه، ولا يفسد ما مضى، فيلزمه قضاء عمرةً من التنعيم، لأن الباقي من حجّه طواف وسعي وحلاق، وذلك عمرةً، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال مثل قولنا.
وآما ما ذكروا لا يصح، لأنه لو جاز ذلك لجاز آن يقال: إذا وطء قبل

الوقوف يفسد باقي الحج دون ماضيه، ولأنه وطاء بعد التحلل الثاني.
فرع آخر تلزمه الكفارةَ وإن لم يفسد به حجّه، لأنه وطء ممنوع منه لحرمةُ الإحرام، فتجب به الكفارة [165/ب] كما لو وطاء قبل التحلل.، واختلف قول الشافعي في قدر الكفارةً، قال في أحد القولين: تجب بدنةً وبه قال مالك وأحمد، وروي ذلك عن ابن عباس، ولأنه وطء ممنوع منه لحرمةَ الإحرام، فيوجب بدنةَ كما لو كان قبل التحلل، والقول الثاني تجب شاةً، لأنه استمتاع لا يفسد الحج فلا تجب به بدنةً كالاستمتاع دون الفرج.
وقيل: إن هذا قول مخرج، وليس بمنصوص.
مسألة 1: قال: وسواء وطاء مرةً أو مرتين، لأنه فساد واحد.
أراد بهذا أن الفاسد لا يفسد والفساد لا يتكرر، وهذا لا يختلف القول فيه إن كانتا وطئاته في مكان واحد حالةً واحدةً، فإن كانت في أماكن فئد ذكرنا حكمه، فيما سبق.
وقال مالك: لا يجب بالوطء الثاني شيء، وقال أحمد: إن كفر عن الأول يجب بالثاني بدنةً، والدليل على مالك أنه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه شيء، وجب الكفارةً كما لو كان الإحرام صحيحًا.
مسألةً: قال: ويحج من قابلٍ بامرأته ويجزئ عنهما هدي واحد.
قد ذكرنا حكم الوطء فيه قبل التحلل الأول، ولا فرق بين أن يكون حجه واجبًا أو تطوعًا، لأنه إن كان واجبا، فالفاسد لا يجوز عن الواجب، وإن لم يكن واجبًا، فقد لؤمه بالدخول فيه وصار واجبًا عليه، فإذا أفسده أفد واجبًا بخلاف ما لو أفسد سائر العبادات المطيع به لا يلزمه قضاؤه، لأنه لا يلزم بالدخول فيه ولفظه ههنا يقتضي وجوب القضاء على الفور، ولو أخره يأثم ثم إن كان وطاء زوجته، وهي محرمةً يلزمها القضاء أيضًا، وهل يلزمه أن ينفق عليها في الحجّة التي يقضيها؟ أعني ما بين نفقةً مقامها وفرط ظاهر المذهب أنه [(66) ا/أ] لا يلزمه ذلك، لأنه لما لم يلزمه الإنفاق عليها في حجّةَ الإسلام كذلك في القضاء، ولأنها تقضي بذلك نسكها، فكانت النفقة عليها، ومن أصحابنا من قال: يلزمه ذلك لأن القضاء أوجبه الوطء، ولا بد فيه من إنفاق المال، وكل حق هو دال وجب بالوطء يتحمله الزوج عن الزوجة ككفارةَ رمضان.
قال في "الحاوي 2 ": وهذا ظاهر المذهب، وهو كالوجهين في ثمن ماء الاغتسال، وقد قال الشافعي: ويحج بامرأته من قال فأمره بذلك.
والأول أصح، ومعنى هذا اللفظ أنه لا يجوز للزوج منعها من القضاء، أو أراد به استحبابًا أنه يوافقها يصح في صحبته، وهل تجب بدنةً واحدة أم بدنتان؟ وهل يتحلل عنها؟ على ما ذكرنا في كفارةَ الجماع في صوم رمضان؟ ومن أصحابنا من قال: يلزمها بدنةً بالوطء قولًا واحدًا، لما روى مجاهد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "على كل واحدٍ منهما بدنةً"، ويفارق كقارةَ الجماع في الصوم لأن فساد صومها لا يختص بالجماع، لأن الإيلاج يتضمن

وصول الواصل إلى باطن الفرج، وهو مبطل للصوم من دون الجماع وفطر الرجل يختص بالجماع، لأنه لو أدخل ماء فرجها بشيء آخر لا يفطر، فاختص الرجل بالكفارةَ وفساد حجها يخص بالجماع كفساد حج الرجل سواء وما بينهما في الكفارةً.
فرع إذا حج بها وكانا في محمل واحدٍ، فوصلا إلى الموضع الذي وطئها، قال الشافعي: افترقا، فلا يلتقيان حتى يفرغا من حجّهما، وهل هو واجب أم مستحب؟ فيه أحدهما: واجب، وبه قال مالك وأحمد إلا أن مالكًا يقول: يفترقان من حيث يحرمان.
وهذا لما روي عن عثمان وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا وطاء الرجل زوجته وقضي من [166/ب] قابل eم بلغا الموضع الذي وطئها فيه، فرق بينهما، ولأنهما إذا بلغا ذلك الموضع يتذاكران ما كان منهما في ذلك الموضع فربما دعته نفسه إلى معاودة مثله، فيفسد حجّه، فيفرق ينهما لئلا يؤدي إلى الإفساد ثانيًا.
والثاني: يستحب له ذلك، ولا يجب وهو الأصح وبه قال أبو حنيفة: ويستحب عندنا أن يفترقا من وقت الإحرام وإن لم يجب، وروي عنه أنه قال: لا يستحب، ولا معنى لهذا التفريق، وهذا غلط لما ذكرنا من الأثر، وهو نوع تأديب وسياسةً ولا يصح ما ذكر مالك لا يشق التفريق من مكان الإحرام.
فرع آخر لو وطاء ناسيا أو جاهلًا، في "القديم": يفسد حجّه، وعليه بدنةً.
وبه قال مالك وأبو حنيفةَ إلا أنه لا يوجب البدنةَ مع الإفساد، وقال في "الجديد": لا يفسد حجه، ولا يلزمه شيء، وهو القياس والأصح لقوله - صلى الله عليه وسلم -"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.... "، الخبر، ولأنه عبادةً تتعلق الكفارةَ بإفسادهما، فيفرق فيها حكم العامد والناسي كالصوم، ولو وطاء امرأته ناسيةً أو مكرهةً، ففي فساد حجّها وجهان بناء على القولين في الناسي.
فرع آخر إذا جامع في قضاء الحج تلزمه بدنةً، ولا يلزمه إلا قضاء حجة واحدةٍ، لأن المقضي واحد، فلا يلزمه أكثر من واحدٍ، وإذا أفسده لم يصح له القضاء، فيأتي بالأصل الذي عليه، وليس في موضع يفسد الحج ولا قضاء إلا في هذا الموضع.
فرع أخر المقيم إذا وطئء قبل تحلله فسدت عمرته، ويلزمه القضاء وبدنة وقال أبو حنيفة: لو وطاء بعدما طاف أربعة أشواط لا تفسد عمرته، ويلزمه شاةً، وإن وطاء قبل ذلك فسدت عمرته ويلزمه القضاء وشاةً، واحتج بأنها عبادةً لا تتضمن [167/ أ] الوقوف فلا يجب بالوطاء فيها بدنةً، وهذا غلط، لأنها عبادةً تشتمل على طواف وسعي، فوجب بالوطاء فيها بدنةً كالحج، ولأن في محظورات الإحرام مثل الطيب، واللباس.
وقتل

الصيد يستوي الإتيان بأكثر الطواف وأقله كذلك في الوطء، وقال أحمد يجب بالوطاء فيها القضاء وشاةً، وهذا غلط لأنها قياس الحج بالعلةَ الني ذكرناها.
فرع أخر القارن إذا فسد حجّه يمضي في فاسدةُ، وعليه بدنةَ واحدة وشاةً لقرانه، وعليه القضاء، فإن قضى قارنًا أجزأه، وعليه شاةً أخرى لقرانه، وبه قال أحمد، ولو قضى حجًا مفردًا أو عمرةً مفردةً أجزأه، لأنه إذا جاز أن يقضي قارنًا فالإفراد أولى بالجواز.
قال أصحابنا: إلا أن عليه شاةً أخرى لأن القضاء إنما وجب قارناً على حسب ما أفرده، فإذا قضاه مفرداً لم يسقط عنه دم القران، وحكي عن الشافعي أنه قال: إذا قضاه مفردًا لم يكن له ذلك.
قال أصحابنا: معناه لم يكن له ذلك من غير دم، وقال أحمد: لا يلزمه دم، لأنه أتي بالأفضل، وهذا غلط لأنه وجب في القضاء مثلما وجب في الأداء، فإذا أتى على وجه آخر لا يسقط عنه الدم كما لو نذر آن يحج قارنًا فأتي بهما مفردًا لا يسقط عنه الدم.
وقال أبو حنيفة: إن وطاء قبل طواف العمرةً أفسد الحج والعمرةَ معًا، وعليه قضاؤهما، ويلزمه شاةَ لإفساد الحج وشاة لإفساد العمرةً، لأن عنده إذا فسد النسك لا يجب إلا شاةً، لأن وطاء بعدما طاف للعمرةً أفسد حجّه وعليه قضاؤه وشاةً لأجل الحج، وآما الحج؛ فلا يجب لها القضاء ويجب شاةً، لأنه وطاء بعدما أش بمعظم الركن والخلاف معه في قولين: احدهما: هل تلزمه كفارة أو كفارتان؟ وهذا بناء على أن أعمالها تتداخل عندنا خلافًا لهم [167/ب].
والثاني: أن دم القران لا يسقط عندنا بالإفساد.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: وجهين في هذا، وهذا ليس بشيء، والمنصوص أن دم القران لا يسقط به على ما ذكرنا.
فرع أخر لو باشر امرأته فلزمته شاة ثم وطئها، فلزمته الفدية، هل تسقط الشاةً وجهان بناء على المحدث إذا أجب، هل تسقط جنابته حدثه؟ وجهان ذكره في "الحاوي" 1 وقيل: إن كان قصده بالمباشرة الوطء يكفيه بدنةً، وإن باشر ثم عزم الوطء يلزمه شاةً وبدنةً، وقيل: إن طال الفصل يلزمه شاةً وبدنةً، وإن كان كالمتصل يكفيه بدنةً ولا يعتبر القصد.
مسألةً: قال 2: وما تلذذ منها دون الجماع فشاة تجزئه.
الوطء الذي يفسد الحج هو الوطء الذي يجب به الحد بحال، وهو الوطء في الفرج.
وأما الوطء دون الفرج والمباشرةً بشهوةً لا يفسدان الحج أنزل أو لم ينزل.
وقال مالك: إن أنزل فسد حجّه كالصوم، وهذا غلط؛ لأنه استمتاع لا يجب به الحدُ، فلا يفسده كما لو لم ينزل، وأما الصوم، فحكمه أخف وحكم الإحرام أكد لأنه لو جامع في الإحرام لا

يخرج عنه به، حتى لو قتل صيدا بعده يلزمه الجزاء بخلاف الصوم، والصوم يبطل بالأكل بخلاف الإحرام، فإذا تقرر هذا، يلزمه به شاة أنزل، أو لم ينزل، وهذا إذا بها وحقيقةً ذلك التقاء البشرتين من غير التقاء البشرتين لا تلزم الفديةَ للحائل بينهما.
فرع لو قتل المحرم زوجته عند قدومه من سفر فإن قصد بها تحيةَ القادم لغير شهوةً، فلا شيء، وإن قصد الشهوةَ تلزمه الفديةَ، فإن كان ناسيًا لا فديةَ قولًا واحدًا، لأنه لا إتلاف [168/ أ] فيه بخلاف الجماع في أحد القولين، وإن لم يكن قصد شيئا، هل ينصرف إلى قبلة التحيةً أو الشهوةً؟ وجهان: أحدهما: إلى التحية، اعتبار بظاهر الحال.
والثاني: ينصرف إلى الشهوة اعتباراً بموضوع القبلةَ، ذكره في "الحاوي" 1:وفي هذا نظر، والصحيح ما ذكرت أنه يعتبر أن يتلذذ بها.
فرع لو وطاء امرأته في دبرها أو تلوّط بغلام أو أتى بهيمةً فحكمه حكم الوطء في الفرج.
وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجّه بشيء من ذلك، وهذا غلط، لأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فيفسد الحج بالإيلاج فيه كفرج المرأةً.
وقال مالك: لا يفسد بإتيان البهيمة، ويفسد باللواط.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
فرع الاستمناء كالمباشرةَ دون الفرج في هذا الحكم، لأنه بمنزلتها في التحريم والتعزيز، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يلزم به شيء لأنه لم يشاركه في الاستمتاع غيره، فأشبه الإنزال بالنظر، والأول ظاهر المذهب.
مسألة: قال 2: فإن لم يجد المفسد بدنةً فبقرةً.
الفصل قد ذكرنا أنه يلزم على المفسد بدنةً، فإن لم يجد بقرةً يلزمه سبع من الغنم، لم يجد قومت البدنةَ بالدراهم عليه، وبالدراهم طعامًا يتصدق به، لم يجد صام عن كل مد يومًا.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: هو على الترتيب، وهو قول الشافعي الذي لا يجوز أن يقال غيره.
وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا لأنها كفارة لإفساد عبادةً، فكانت على الترتيب ككفارة الجماع في رمضان.
ومن أصحابنا من [168/ ب] قال: فيه قول آخر إنها على التخيير البدنةَ أو البقرةً أو

السبع [من] الغنم أو الطعام عند التعديل والصوم.
وبه قال أحمد في رواية، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما - وهذا لأنه سبب تجب به الفديةَ، فكان فيها التخيير كقتل النعامةً.
وهذا لا يصح لأن في قتل النعامةَ تجب الفديةً على طريق البدل، ولا يتعلق بها إفساد العبادةً بخلاف هذا.
وقال القفال: القولان مبنيان على أن الوطء إتلاف أم لا؟ فإن قلنا: إتلاف، فالحكم التخيير في فدية الحلق، وإن قلنا: استمتاع، فلا ترتيب كما في فدية الطيب، وهذا ليس بشيء، وقال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا أنه لا يجوز أن ينتقل عن الثلاث البدنة، والبقرة، والأغنام إلى الصيام والإطعام مع وجودها، وإذا لم يقدر على هذه الثلاث ينتقل إلى الإطعام والصيام، وهل يجب الترتيب في الثلاث؟ نص الشافعي على أنه يجب، وهو الصحيح، لأنه قال في "الأوسط" 1: وإذا كان معتمرًا عن هذا كله قومت البدنةُ بمكة دراهم، والدراهم طعامًا، ثم أطعم، فإن كان معسرًا عن الطعام صام عن كل مد يومًا، وفيه قول آخر لا يجب بل يتخير.
وذكر في "الحاوي" 2 أنه قول ابن عباس.
فرع إذا قلنا: أنه على التخيير، فعند العدم قوم أي الثلاث شاء وإذا قلنا: على الترتيب فقد بّينا انه يقوم البدنة نص عليه، وقال ابن سريج يقوم السبع من الغنم، لأنها أقرب الواجبات المذكورةً وهذا لا يصح لأن الغنم في البدنةً عند وجودها، فإذا عدما كان اعتبار الأصل أولى [169/ أ].
فرع أخر هل ينتقل عن الإطعام إلى الصيام على الترتيب أم التخيير؟ وجهان، هذا ذكره صاحب "الحاوي" 3 والمنصوص ما ذكرنا أنه على الترتيب.
فرع أخر تقوم بمكة أو منى في الموضع الذي ينحرها فيه لو وجدها ويراعى غالب الأسفار في أهم الأحوال.
مسألة: قال 4: وهكذا م واجب عليه يعسر به ما لم يأت فيه نصّ خبر.
الفصل هكذا وجوب الترتيب بين الهدي والإطعام والصيام.
وقوله: ما لم يأت فيه نص خبر أراد في فدية الأذى ورد عن الخبر بالتخيير، وفي جزاء الصيد ورد نص القران بمثله فثبت الفرق في بين المبلغات وغيرها من التخيير والترتيب وجملته أن الدماء الواجبةُ في الحج كثيرة بعضها ثبت بالنص، وبعضها ثبت بالاجتهاد، فأما الذي ثبت بالنص، فأربعهَ دماء: دم التمتع وراء الصيد ودم الحلق ودم الإحصار، فأما دم التمتع

فهو شاةً، فإن لم يجد شاةً، فصيام عشرةَ أيام على ما بينا، والترتيب فيه واجب.
وأما جزاء الصيد، فإنه على التخيير إن شاء أخرج المثل من النعم، وإن شاء قوم المثل دراهم، والدراهم طعامًا يتصدق به.
وإن شاء صام عن كل مد يومًا، وأما دم الحلق فهو على التخيير بين أن ينسك شاةً أو يصوم ثلاثةَ أيام أو يطعم على ما ذكرنا.
وأما دم الإحصار فسيأتي حكمه، وأما المجتهد فيه فديةَ الطيب واللباس فسيأتي حكمه وأما دم الحلق لأنه وجبت للترفه.
وقال أبو إسحاق: هذا أيضًا منصوص عليه، لأن الله تعالى، قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 169]، وأراد، فحلق أو لبس أو تطيب ففديةً، والأول أولى.
وهكذا دم القبلة والوطء [169/ ب].
دون الفرج ودم ترجيل الشعر وستر الرأس، لأن طريق ذلك الترفه.
وهذا هو الصحيح نص عليه في كتبه الجديدةُ والقديمةَ.
وفيه قول آخر إنه يجب فيه الترتيب والتعديل، فإن قدر على الشاةَ ذبحها، وإن لم يقدر عليها قوم الشاةَ دراهم، والدراهم طعاما، وتصدق به، وإن لم يجد صام عن كل مد يومًا نص عليه في "الأوسط" 1، وذلك أنه قال: بعدما ذكر الترتيب والتعديل في المفسد هكذا كله وجب عليه دم، فاعتبر به ما لم يأت فيه نصّ خبر منع له؛ هذا وما جاء فيه نص خبر، فهو على ما جاء فيه.
ونقل المزني إلى المختصر هذا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل هو على التخيير أو الترتيب؟ قولان، ولكن إذا قلنا إنه على التخيير يفارق صورةَ فديةً الأذى ويراعى فيه التعديل في جزاء الصيد، وإذا قلنا: إنه على الترتيب يلحق بدم التمتع لأنه استمتاع.
وهذا خلاف النص الذي حكينا عنه، وأما دم القران والدماء الواجبةَ ترك نسك من الميقات والوقوف والمبيت بمنى والحصاةً، فهو بمنزلةُ دم التمتع على الترتيب، لأنه دم وجب درك نسك كذلك، فيلزم دم، فإن لم يجد فصيام عشرةً أيام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هو على الترتيب الدم ثم الإطعام، ثم الصيام يعني صيام التعديل، وهذا محتمل.
فرع قال في "الحاوي" 2: دم الاستمتاع الذي لا يفسده دمان.
أحدهما: أنه يجب بدون الفرج، فيلزمه شاةً وهل بجري ذلك مجرى الرقبةَ أم مجرى الإتلاف؟ وجهان: أحدهما، ترفيه، [170/أ] فيكون لفدية الأذى على التخيير- والثاني: أنه إتلاف فيكون كجزاء الصيد في التعديل والتخيير، والثاني: أنه يجب بالوطء في الفرج بعد التحلل الأول، فإن قلنا: يلزم بدنةً كان حكمها حكم البدنة في الإفساد، بان قلنا: يلزم شاةً كان حكمها حكم الشاةَ في الاستمتاع، ذكره (في) "الحاوي" 3

فرع أخر الدم الذي بجب فيما يجوز استباحةَ موجبه كالطيب واللباس، هل يجوز تقديمه قبل وجوبه؟ وجهان: أحدهم: وهو ظاهر قوله في "الأم" و"الإملاء": يجوز، لأنه مال يتعلق وجوبه بسببين، وهما، الإحرام والفعل فجاز بعد وجود أحد السببين.
والثاني: لا يجوز لأن الإحرام لا يراد لوجوب الدم به، بل يراد لغيره، وهو إذا نسكه، فلم يكن وجوده مبيحًا لتقديم الدم قبل وجوبه كالإسلام في الزكاة قبل وجود النصاب.
فرع أخر إذا بلغ أمدادا أو كسر مد لزومه أن يصوم عن كسر المد يومًا كاملًا، والواجب على الحقيقة مقابلة بعض المد ببعض الصوم، ولكن صوم اليوم الواحد لما لم يقبل التبعيض كمل الواجب يومًا بكماله.
فرع أخر في قدر ما يعطى الطعام م فقير وجهان: أحدهما: لا يتقدر، فيجوز أقل من مد وأكثر كاللحم.
والثاني: بمد فإن أعطى زيادةً لم يحتسب بالزيادة وإن أعطاه أقل لم يحتسب بشيء منه إلا أن يتمه.
فرع أخر الإطعام في كفارة التعديل، هل تنحصر أعداد مستحقيه؟ وجهان بيان على أنه هل يتعذر ما يدفع إلى كل مسكين، [170/ب] قلنا: لكل مسكين مد مقدر، وينحصر عددهم بعدد الأمداد، فإن كانت عشرةً فلعشرةً.
والثاني: لا يتقدر فعلى هذا عدد المساكن غير محصور، ولكن إن كان ثلاثةً أمداد فصاعداً لم يجز دفعها إلى أقل من ثلاثةَ مساكين، لأنهم أقل الجمع المطلق، وإن كان مدين لم يجز دفعهما إلى أقل من مسكينين ويجوز دفعهما إلى مسكينين؛ لأن أقل يؤاسي به كل مسكين مد، دفع إلى ثلاثةَ أجزأه وإن كان مدًا واحدًا صرفه إلى مسكين، فإن صرفه إلى أكثر أجزأه، ويستحب على هذا الوجه أن لا ينقص المسكين من مد، لأنه أقل ما يؤاسي به، ولا.
زد على ض، لأنهما أكثر ما يؤاسى به، ذكره في "الحاوي" 1، وقد ذكرنا فيما تقدم عن أصحابنا بخراسان خلاف هذا مسألة: قال 2: ولا يكون الطعام والهدي إلا بمكة أو منى.
الفصل كل دم وجب بسبب الإحرام سوى دم الإحصار يجب ذبحه في الحرم ويجب تفرقةُ

لحمه على مساكين الحرم، ولا يختص بمنى، بل كل احرم فيه سواء فإن ذبحه في الحرم وفرقه في الحرم، فقد أدى الأكمل، وإن ذبحه في الحل، وفرق اللحم في الحرم، فإن كان اللحم قد تغير لم يجزئه، لأنه ناقص، وإن لم يتغير نص الشافعي لا يجوز لأن الذبح مستحق في الحرم، ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر يجوز لأن المقصود هو اللحم هذا، ولا يعرف لأن الذبح أحد مقصودي الهدي فاختص بالحرم كتفرقةُ اللحم، وإن ذبحه في الحرم، ثم سرق منه يجب عليه أن يذبح آخر، ولا الواجب حتى يذبح في الحرم ويفرقه على مساكين الحرم.
وقال أبو حنيفة: يجب الذبح في الحرم، وأما تفرقة اللحم تجوز في الحل، وكذلك تفرقة الطعام تجوز على [171/أ] مساكين الحل، وهذا غلط لأن تفرقة اللحم أعظم المقاصد، فاختصاصه بالحرم أولى.
وحكي عن الشافعي أنه قال في "القديم": إذا اضطر إلى قتل الصيد أو الطيب أو اللباس في الحل، ففعل، كان الهدي في الحل، وبه قال أحمد، لأن سببه كان في الحل، فأشبه دم الإحصار، وهذا غلط، لأنه تعلق بالإحرام، فأشبه إذا أوجب في الحرم، ويفارق دم الإحصار، فإنه يتعذر عليه الإيصال إلى الحرم، ويتحلل به من الإحرام بخلاف هذا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا ذبح في الحرم، ثم سرق منه يجزئه ولا إعادةً عليه، وهذا غلط، لأنه أتلف الهدي قبل وصوله إلى مستحقه فلا يجزئه عما في ذمته كما لو أكله، وأما الصوم، فيجوز في الحرم والحل.
وقال عطاء: لا يجوز إلا في الحرم.
ويحكى عن أحمد، وهذا غلط لما ذكر الشافعي أنه لا منفعةَ لأهل الحرم في الصوم بخلاف هذا.
فرع يستحب أن يخص بتفريق اللحم من كان قاطنا في الحرم دون من كان طارئاً، لأن القاطن أوكد حرمه.
فرع أخر إذا ارتكب في الحل ما يوجب دماً أو دفع من عرفة ثل الغروب هل يخض الهدي بالحرم؟ المذهب أنه يختص.
وقال في "القديم": قولًا آخر انه لا يختص حتى لو ذبح في الحل وفرق اللحم في الحال جاز، لأن ذبحها لا يخض بزمان النسك حتى يجوز قبل يوم عرفة، فلا يختص بمكان النسك بخلاف دم التمتع، والصحيح الأول، لأن سبب وجوبه النسك، فاختصت النسيكةُ بأهل الحرم.
مسألة: قال: 1 ومن وطاء أهله بعد رمي الجمار فعليه بدنةً.
قد ذكرنا هذه المسألة، واختيار المزني أنه يلزمه شاةً، قال: قرأت عليه [171/ب] هذه المسألة، لأنه يلزمه بدنةً، ولكن إن لم تكن البدنة إجماعاً أو أصلًا، فالقياس شاةً، وأراد بالإجماع إجماع الصحابةَ، وبالأصل الكتاب والسنةً وبالقياس أنه استمتاع لا

يفسد الإحرام كما دون الفرج، وفي ضمن هذا اللفظ الذي ذكره الشافعي في التحلل الأول، يصحل برمي الجمار، وهذا على قول الذي يقول: الحلاق ليس بنسك.
مسألة: قال 1: ومن أفسد العمرةً فعليه القضاء من الميقات الذي ابتدأها منه.
إذا أحرم بالحج ثم أفسده يلزمه القضاء ويلزمه الإحرام من أغلظ الآخرين مما يلزمه في الشرع.
وهو الميقات المعروف، أو مما ألزمه على نفسه، فإن كان أحرم من الميقات، ثم أفسده يلزمه في القضاء الإحرام من الميقات، وإن كان أحرم قبل الميقات فقد ألزم نفسه الإحرام من ذك الموضع، فإذا أفسده يلزمه القضاء من ذلك الموضع، فإن أحرم دونه يلزمه دم، وكذلك إذا أحرم بالعمرةً، ثم أفسدها يلزمه الإحرام في القضاء من الموضع الذي أحرم، وإن بعد من الحرم بكثير.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك، أما في الحج يلزمه القضاء من الميقات، وفي العمرة يلزمه القضاء من أدنى الحل، وهذا غلط، لأن في كل مسافة وجبا عليه قطعهما محرماً في الأداء وجب عليه ذك في القضاء كما لو كان أحرم من الميقات.
فرع المتمتع إذا أحرم بالحج من مكة ثم أفسده، ففي القضاء يحرم من مكة لأنها ميقاته فرع أخر الطريق الذي سلكه في [172/أ] الأداء لا يتعين عليه في القضاء، وإما يتعلق عليه قدر مسافته، فلو سلك طريقًا آخر جاز ألا ترى أن من عليه الحج لا يلزمه أن يحرم بميقاته؟! بل يلزمه أن يحرم منه، أومن محاذاته كللك ههنا.
فرع آخر عندنا لا يلزمه قضاء العمرةَ مع الحج، وعند أبي حنيفة: يلزمه ذلك، وهذا غلط قياسًا على ما لو فات لا يلزمه ذلك، فإذا تقرر هذا، ففي لفظ "المختصر" إشكال.
وذلك أنه قال: من الميقات الذي ابتدأها منه، وهذا توهم أن الميقات الذي ابتدأها منه يتعين عليه حتى لا يجوز له غيره، وليس مراد الشافعي هذا، ولكن مراده تعيين المسافة وتقديرها حتى لو أحرم بعمرةً من ذات عرق أجزأه على ما ذكرنا، ثم أفسدها فرجع إلى مكان غير ذات عرق، وبين ذك المكان وبين مكة ما بين مكة وبين ذات عرق، أجزأه ذلك على ما ذكرنا، ثم ألزم الشافعي سؤالا على نفسه، فقال: فإن قيل: فقد أمر النبي- صلى الله عليه وسلم - عائشةً رضي الله عنها أن تقضي العمرةً من التنعيم، فليس كما قال: إنها كانت قارنة وكذلك عمرتها شيئا استحسنته، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وبها لا أن عمرتها كانت قضاء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "طوافك يكفيك لحجك وعمرتك" واعلم أن أهل البراق حملوا حديث عائشةُ رضي الله عنها على وجه بعيد، وحمله أهل المدينةً على وجه آخر وبين كل

فريق فروع مذهبه على وجه تأويله، ونبين ذلك ليظهر الإشكال وتمام هذا الحديث، أولًا ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة بمكة عام حجه، [(172) /ب] فرآها تبكي، فقال لها مالك: أنفست؟ فقالت: نعم، فقال: "ذاك شيء كتبه الله على بنات ادم، فاغتسلي وامتشطي وارفضي عمرتك وأهلي بالحج واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" فروى في الخبر أن عائشة طافت يوم النحر طواف الإفاضةَ، فقال لها - صلى الله عليه وسلم -"طوافك بالبيت يكفيك بحجك وعمرتك".
فقالت عائشَة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أكل نسائك يصرفن بنسكين، وآنا أنصرف بنسك واحد، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفها فأعمرها من التنعيم، قالت عائشة: فكانت عمرتي التي رفضتها.
هذا هو الحديث على وجه فأما أهل العراق قالوا: عائشةً كانت محرمة بالعمرةَ؛ فلما حاضت قبل الطواف والسعي أمرت برفض العمرةَ، فرضت إحرام عمرتها وأعمال عمرتها، ثم لما راهقت وقف الإحرام بالحج أهلت بالحج المفرد وأكملته، ثم لما فرغت من حجها رغبت في العمرةَ، فأمرها رسول الله بالعمرةَ، فخرجت إلى التنعيم وقضت تلك العمرة التي كانت رفضتها لنا حاضت فزعموا أن الحيض يوجب رفض إحرام العمرةَ بهذا الخبر، وأن من خرج من عمرته يرفض، أو أفسدها، فأراد قضائها لم يلزمه العود إلى ميقاتها بل يلزمه الخروج إلى الحل أينما كان الحل.
وأما أصل الشافعي في هذا الخبر أن عائشَة كانت محرمة بالعمرة؛، فلما حاضت عجزت عن طواف عمرتها بسبب حيضتها، فرفضت أعمال عمرتها بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -دون إحرامها، واغتسلت، وامتشطت إذ يجوز للمحرمة ذلك، وإن منعها الإحرام من الترجيل والتطيب، وهذا معنى قولها: [(17) 3/أ] عمرتي التي رفضتها، أي: رفضت، أعمالها دون إحرامها، فلما أهلت بالحج صارت قارنةً بإدخال الحج على العمرةَ؛، ألا ترى أنها لما طافت يوم النحر، قال - صلى الله عليه وسلم - "طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك" ولو لم تكن قارنة لما كان لهذا معنى، ثم إن عائشة لما شاهدت سائر أزواج رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، وقد حصل لهن طواف في الحج وطواف في العمرةً ولم يحص ذلك رغبت في كثرةَ الخطوات وثواب الأعمال الكثيرةَ، فقالت: أكل نسائك ينصرفن بنسكين، وأنا أنصرف بنسك واحد، فأمرها العمرة حينئذ.
وهذا معنى قول الشافعي، فكانت عمرتها شيئًا استحسنته، فعلى هذا التأويل قلنا: من أفسد العمرة لزمه قضائها من ميقات إحرامها، والحيض لا يقتضي رفض الإحرام، وإن لم يرتفض إحرام بحالٍ، وإنما يباح التحلل عند الإحصار بالعذر.
مسألة: قال 1: ومن أدرك عرفة قبل الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحجَ.
الفصل فوات الحج فوات الوقوف بعرفة، وقد ذكرنا وقت الوقوف ومتى فاته الوقوف يلزمه أن يتحلل بعمل عمرةً، ولا ينقلب إحرامه عمرة، فيطوف ويسعى ويحلق، إن قلنا

الحلاق من (النسك)، وقد حل؛ وعليه الهدي والقضاء من قابل، وإن قلنا: ليس من النسك، قد حل بالسعي وسقط عنه توابع الوقوف من المبيت، بمزدلفة، ورمي الجمار والمبيت بمنى.
وبه قال مالك، وروي ذلك عن صر وابن عمر رضي الله عنهما.
وقال القفال في "القديم": يتحلل بالطواف والحلاق، ولم يذكر السعي، فقد قيل قولان: أحدهما: لا يلزم السعي لأنه تابع للطواف فقط كما سقط الرمي، وهذا لا يصح، [(17) 3/ب] لأن الشافعي رضي الله عنه أراد في "القديم": إذا كان سعى عقيب طواف القدوم، فيحتسب بذلك، وهو إذا كان تابعا للطواف، فالطواف لم يسقط، فيستحيل سقوطه وقال أبو حنيفة وسعد مثل ذلك إلا أنهما قالا: لا هدي عليه.
وقال أبو يوسف وأحمد: ينقلب إحرامه عمرة ويتحلل بها، ويروى هذا عن أبى حنيفةَ، وهذا غلط؛ لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين، فلا ينقلب إلى الآخر كالعمرة لآ تنقلب حجاً قال الشافعي: وإن حل هذا بعمل عمرة، فليس أن حجه صار عمرةً، وكيف يصير عمرة، وقد ابتدأه حجا؟ وأراد آن الإحرام المنعقد عن الحج لا ينقلب إلى العمرة كما قبل الفوات، ثم إن المزني أخذ هذا الاحتجاج من الشافعي، وجعله مقتضيا للإتيان بأعمال الحج، فقال: قلت: إذا [كان] عمله عنده، أي: إذا كان عمل من مرة الحج عندد الشافعي عمل حج لم يخرج منه إلى عمرة، فقياس قوله: أن يأتي بباقي أعمال الحج مع التوابع من الرمي والمبيت بمزدلفة ومنى، وهذا مذهبه.
وبه قال أحمد، ثم أوضح ذلك تأول الشافعي من قول ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: وتأول قول عمر رضي الله عنه افعل ما يفعل المعتمر إنما أراد الطواف والسعي من عمل الحج لا أنها عمرة، فكان المزني بقول: لما ثبت أن الطواف والسعي من عمل الحج، فكذلك يلزمه أن يأتي بما بعدهما من أعمال الحج، وأجابه أصحابنا بأن بقية أعمال الحج من المبيت والرمي تابعةُ للوقوف فإذا سقط المبتدع سقط التابع ولهذا لم يشرع ذك في العمرةَ لأنه لا وقوف فيها بخلاف الطواف والسعي، لأنهما ليسا بتابعين، بل هما من أسباب التحلل من الإحرام، فيلزم الإتيان بهما.
وأما الدليل على وجوب الهدي عليه ما روي أن هبار بن [174/أ] الأسود أتى عمر بن الخطاب رض الله يوم النحر، فقال: أخطأت أو نسيت العدد، فما تأمرني، فقال: افعل ما يفعل المعتمر، وعليك القضاء من قابل، وما استيسر من الهدي.
وروي أن ابن عمر وابن عباس وزيد ين ثابت رضي الله عنهم أنهم قالوا: من فاته الحج تحلل بطواف وسعى وعليه القضاء من قابل، وما استيسر عن الهدي، ولا مخالف لهم، وعن مالك ثلاث روايات إحداها: مثل قولنا.
بالثانية: لا قضاء عليه، وبه قال عطاء.
والثالثة،: يبقى محرمًا إلى العام القابل ثم يأتي بالوقوف وأعمال الحج، وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع هل يجب القضاء على الفور؟ وجهان، والظاهر أنه على الفور لما ذكرنا من الأثر.

فرع (آخر) الهدي الواجب عليه به شاة، فإن لم يجد فحكمه حكم دم إذا لم يجد، ومنى يجب هذا الهدي؟ فيه وجهان: احدهما: يجب بالتحلل عن الفائت كما يجب على المحصر بالتحليل والأولى أن يأتي به في عام القضاء، فإن أخرجه في عام الفوات جاز، ولأن جبران النسك، فيكون في سنة النسك كالبدنةَ الواجبةً بالإفساد.
والثاني: يجب إذا أحرم بالقضاء في السنةَ الثانية، وهو اختيار أبي إسحاق، وظاهر قول الصحابةُ، لأنه في الشرع كالمتمتع، لأن النسك الثاني، مضموم إلى الأول، لأنه قضاؤه، ويسقط الفرض الأول بهما، والهدي الواجب على المتمتع يلزم بالإحرام الثاني، كذلك ههنا فعلى هذا لا يجوز إخراجه قبله.
وقال أبو حامد: في وقت الإخراج قولان، فإذا قلنا: يخرجه في سنةَ القضاء، فهل وجب فيها أم في سنةُ الفوات؟ وجهان.
وقال القفال: هل يجوز قبله؟ قولان [174/ب]: أحدهما: يجوز لوجود سببها.
والثاني: لا يجوز لأنها تبع القضاء، ولا يصح القضاء في عام الفوات، وإذا جوزنا، فهل يجوز قبل الفراغ من الفائت؟ وجهان، وعلى هذا لا يحوز الصوم إلا في القضاء، ومن أصحابنا من قال: يخرجه في السنة الثانيةَ، ولكن هل يتعلق وجوبه السنةَ الثانيةً أم الأولى؟ وجهان: أحدهما: يتعلق بالأولى الوجوب، لكن يخرجه في الثانية، كالقضاء.
والثاني: يجب في الثانية، لأنه لو وجب في الأولى أوجب إخراج فيها.
فرع آخر إذا كان محرما بالعمرةَ وحدها، فالعمرةَ لا يلحقها الفوات، وإن كان محرماً بالحج وحده فالحج يلحقه الفوات، والحكم على ما مضى، وإن كان متمتعا، فالعمرة لا تفوت، وأما بالحج بعدها، فالفوات يلحقه، وإذا فات فعليه دم التمتع، ودم الفوات معاً، ويقضي الحج دون العمرةَ، لأن العمرةَ ما فاتت فإذا قضى الحج أحرم به من جوف مكة، لأن هذا ميقاته، ولا يلزم في القضاء شيء أخر وإن كان قارناً، فالفوات يلحق النسكين معا، لأن العمرةَ صارت تبعًا للحج ففاتت بفواته، فإذا فاته القران، فوجب عليه الهدي والقضاء قارنًا، وهدي القران الثابت في ذلك، فيكون عليه ثلاثة دماء: دم القران، ودم الفوات، ودم القران الثابت في ذمته.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يلزمه قضاء العمرةَ ويجزئه عن عمرةَ الإسلام، لأنها لا تفوت، وقد أكمل أعمالها بالطواف والسعي والحلق.

ذكره القفال وصاحب " الحاوي" 1، ولأن العمرة لا تختص بوقت وأصل المسألة أن العمرة يسقط اعتبارها في حق القارن أو يقع العمل عنهما، فيه وجهان: فإن قلنا: يسقط اعتبارها من [(175) /أ] بفواته، والصحيح ما ذكره، وهو المذهب المنصوص فعلى هذا، إذا قضى لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يقضي قارناً، أو مفردًا، أو متمتعًا، فإن قضى قارناً، فقد قضى على الوجه الذي فاته، وعليه الدماء الثلاثة، وإن قضى مفردًا حجه مفردةً وعمرة مفردةً أجزأه ولكنه لا يسقط عنه دم القران الذي يجب في القضاء.
وحكي ابن المرزبان هذا عن "الإملاء": فعليه الدماء الثلاثة.
وقال أحمد: لا دم عليه، وإذا قضى مفردًا آو آتى بالعمرة بعد الحج، قال في "الإملاء": لا يحرم بها من الميقات، لأنه كان قد أحرم بها منه، فإن لم يفعل، وأحرم بها من أدنى الحل لم يجب عليه أكثر من الدماء الثلاثة، لأنه وإن ترك الإحرام بالعمرةً من الميقات كان الدم الواجب لأجل الميقات ودم القران لأجل الميقات فتداخلا، وإن قضى متمتعا أجزأه إلا أنه يحرم بالحج من الميقات، فإن أحرم به من جوف مكة وجب دم التمتع ودخل دم القران فيه.
فرع أخر المكي وغير المكي في وجوب الهدي بالفوات سواء بخلاف دم التمتع والفرق أن الفوات يحصل من المكي كما يحصل من غيره ودم التمتع يجب بترك الميقات والمكي لم يترك الميقات، لأن ميقاته بلده.
فرع أخر قال ابن المرزبان: الفائت حجه بمنزله من تحلل التحلل الأول، لأنه لما فاته الوقوف سقط عنه الرمي فيصير بمنزلة من رمى، فإن وطاء لم يفسد إحرامه، وإن تطيب أو لبس لم تلزمه الفديةَ، وهذا على القول الذي يقول: الحلاق إطلاق محظور، فأما إذا قلنا: إنه نسك يحتاج أن يحلق أو يطوف حتى يقع التحلل الأول.
فرع أخر قد ذكرنا أن العمرة تابعة للحج في الفوات، فعلى هذا [175/ب] هي تابعة للحج في الإدراك أيضًا، حتى أن القارن لو رمى وحلق، ثم جامع لم تفسد عمرته كما لم يفسد حجّه، وإن لم يأت بأعمال العمرة أصلًا.
مسألة: قال 2: ولا يدخل مكةَ إلا بإحرام في حج آو عمرةً.
الفصل الداخل في الحرم على أربعة أضرب لنسك أو قتال آو حاجة لا تتكرر، كان دخوله لنسك حج آو عمرةً لم يجز إلا بالإحرام وقد مضى وإن كان لقتال لا بد منه

مثل إن لجأ إلى الحرم قطاع الطريق أو قوم ارتدوا أو بغوا على الإمام جاز أن يدخلوها محلّين، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلها يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، ولو كان محرمًا لم يغط رأسه وجاز له الدخول من غير إحرام.
فإن قيل: أليس عندمك دخلها صلحًا؟ فكيف تقولون: دخلها للقتال؟ قلنا: كان الصلح واقعًا مع أبي سفيان، ولم يكن آمنًا من غدرهم، فلأجل خوفه من ذلك احتاط.
وفي الخبر: ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح وهو السيف والتراس ونحوهما، وقيل: هو شبه جراب من أدم يضع فيه الراكب سيفه بقرابه وسوطه يعلقه في وسط رحله أو في آخره، فإن قيل: كان هذا خاصّاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: "إن الله تعالى حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض، لم تحلّ لأحد قبلي ولا تحلّ لأحدٍ بعدي، وإنما أحلّت لي ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السماوات".
قلنا: يحتمل أن يكون معناه: أحلّت لي ولمن هو في مثل حالي، ولا يثبت بذلك التخصيص، وإذا كان المعنى الذي لأجله جاز تركه موجود في حق غيره.
قال الشافعي في "المناسك الكبير": ويجوز عندي لمن دخلها خائفًا من سلطان أو من أمر لا يقدر على دفعه ترك الإحرام [76/أ] إذا خافه في الطواف والسعي، وإن لم يخافه فيهما لم يجز له.
وجملة هذا أن يخاف من غريم يلازمه ويحبسه، ولا يتمكن هو من أداء حقّه، وإن كان دخولها لحاجةٍ لا تتكرر مثل إن دخل لرسالة أو لتجارة أو لزيارة أو للمقام بها مجاوراً أو غير مجاور، ففيه قولان.
قال في مواضع: يجب الإحرام، وهو الأشهر.
وبه قال ابن عمر رضي الله عنه، لأن مكّة مباينة لسائر البلدان في الفضل والحرم'.
ولهذا لو نذر أن يدخل مكّة لزمه الإحرام، وأومأ في بعض كتبه إلى أن الإحرام استحباب.
قال أبو إسحاق: وهذا هو الصواب لأنه تحية المكان، فلا يجب كتحية المسجد.
وقال أبو حامد قال في عامة كتبه لا يجب الإحرام وله كلام في "الأم" يدلّ على الوجوب فقد قيل: قول واحدٌ لا يجب، وكلام القفال يدلّ على هذا، وما تقدم أصحّ، ولا فرق عندنا في هذا بين أن يكون أهله دون الميقات أو وراء الميقات.
وقال أبو حنيفة إن كانت داره وراء الميقات لا يجوز له دخولها إلا بالإحرام سواء كان للقتال أو غيره وإن كانت داره دون الميقات يجوز له دخولها من غير إحرام، وهذا غلط لأن الحرمة في ذلك للمحرم لا للميقات ألا ترى أن من مرّ من بالميقات ولا يريد الحرم لا يشرع له الإحرام، فلا معنى لما قالوه، وروي عن ابن عباس انه قال: لا يدخل أحد مكّة إلا محرماً، ورخّص في ذلك للحطابي، وإن كان دولها لحاجةٍ تتكرر مثل الرعاة والحطابين.
ويقال: الميرة وكل من تكرر دخوله من أهل السواد لمنافع أهلها.
قال في "الإفصاح": هل يجب عليهم الإحرام؟ مرتبًا على القولين في غيرهم، فإن قلنا: إن غيرهم لا يجب عليهم الإحرام، ففي هؤلاء وجهان: أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب، لأنا لو كلفناهم لأدى إلى الحرج [176/ب] والمشقة لتكرر

دخولهم في كل يوم.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحدٍ، إنه لا يلزمهم الإحرام.
وبعض أصحابنا خرج قولاً آخر لأن الشافعي علّق القول فيه في (المناسك الكبير).
وقد قال الشافعي: أحبّ لهم أن يحرموا في كل سنةٍ مرة.
وهذا هو الصحيح.
ومن أصحابنا من قال: قول واحد لا يرخّص للحطابين، وأول قول الشافعي بخلافه، فقال: ولعل حطّابيهم عبيد، والعبيد لا يلزمهم الإحرام لدخول مكّة لأنهم لا يلزمهم الإحرام شرعاً، فبالدخول أولى أن لا يلزم، وهذا أضعف الطرق.
وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في "الإملاء": يحرمون في كل سنة مرّة لئلا يستهان بالحرم.
وحكاه أبو حامد أن عليه ذلك.
وهذا ليس بمشهور، ولا وجه له لأنه يستحيل أن يجب في وقت دون وقت، ومراده بما ذكر في "الإملاء" الاستحباب على ما نقلناه صريحاً.
فَزعٌ البريد يتكرر دخوله فمن أصحابنا من قال: هو كالحطابين، ومنهم من قال: إذا قلنا: لا يجب على الحطابين، ففي البريد وجهان، ذكره القاضي الطبري.
مَسْألَةٌ: قالَ 1: ومن دخلها بغير إحرام، فلا قضاء عليه.
إذا أوجبنا عليه الإحرام، فدخل بغير إحرام لا يلزمه القضاء، وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء، فعليه أن يأتي بحجّة أو عمرة، فإن أتى في سنة بحجّة للإسلام، أو حجّة منذورة، أو عمرة منذورة أجزأه ذلك عن عمرة الدخول استحساناً، وهذا غلط لأن هذا مشروع لتحية البقعة، فإذا لم يأتِ به سقط كتحية المسجد، فإن قيل: تحية المسجد لا تجب، قلنا: النوافل المترتبات لا تجب وتقضى، [177/أ] وإنما سقطت لما ذكرنا لا للوجوب، ومن أصحابنا من علّل، وقال: لا يجب القضاء، لأنه يؤدي إلى أن يتسلسل القضاء، لأنه كلمّا أراد دخولها يجب عليه أن يحرم لذلك الدخول فلا يمكنه دخولها بإحرام القضاء، وهو كم نذر صوم الدهر، فأفطر لا يمكنه القضاء، وكذلك إذا فرّ مسلم من كافرين لا يمكنه القضاء لأنه كلما يلقى كافرين يلزمه الثبات لهما، فلا يمكنه أن يقضي ما تركه من الثبات.
قال صاحب "التلخيص": وعلى هذا لا يقضى إلّا في مسالة واحدة، وهو أن يصير حطاباً من بعد، فيلزمه القضاء، لأنه لا يلزمه الإحرام بالدخول في ظاهر المذهب.
وقال القفال: ليس المعنى هذا، بل المعنى ما ذكرنا، وأيضًا الفرض الذي يلزمه لشهود مشهود، فتركه لا يوجب القضاء كالثبات لكافرين، وعلى هذا لا قضاء عليه، وإن صار حطّابًا أيضًا، وأيضًا الدخول إذا كان بإحرام يكفي سواء كان لأجله أو لأجل غيره كالصوم في الاعتكاف وبمثل هذا قلنا إذا فسد القضاء لا يجب عليه قضاءان ويكفيه قضاء واحد.
ومن أصحابنا من قال: وهو الأقيس نأمره بالقضاء على قولنا: إنه واجبٌ، ويدخل حقّ الدخول الجديد في القضاء كمن دخل مسجدًا فقضى فائته حصلت به تحية المسجد، كما قال أبو حنيفة.
ومن أصحابنا من قال: تحقيق المذهب أن الإحرام إنما يجب على أحد القولين على من أراد الدخول فيقال له: إن أردت الدخول فأحرم كما

يقال لمن أراد صلاة التطوع: إن أردت الصلاة فتطهّر، فإذا ترك ذلك فلا قضاء.

بَابُ فوات الحجّ بلا إحصار

اعلم أن القصد من هذا الباب شيء واحدٌ، وهو الكلام في أنّ [177/ب] من فاته الحجّ لا ينقلب إحرامه عمرة، كما قال أبو حنيفة، فذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "من لم يدرك عرفة قبل الفجر فقد فاته الحجّ، فليأت البيت، فليطف به وليسع بين الصفا والمروة، ثم ليحلق أو ليقصّر إن شاء وإن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق ورجع إلى أهله، فإذا أدرك الحجّ قابلًا، فليحجّ وليهد".
وقال عمر رضي الله عنه لأبي أيوب الأنصاري، وقد فاته الحجّ: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركت الحجّ قابلًا فاحجج واهدِ ما استيسر من الهدي.
وقال أيضًا: لها مثل معنى ذلك، وزاد "فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله"، ثم قال: وفي حديث عمر دلالة أنه استعمل أبا أيوب عمل المعتمر لا إن إحرامه صار عمرة يريد أنه لما قال لأبي أيوب: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت دلّ على أنه إنما أمره بان يعمل عمل المعتمر وهو الطواف والسعي لأن إحرامه صار عمرة، ولو كان معه هدي ساقه للتطوع، فعليه أن ينحره قبل الحلق كما يفعل من لم يفته الحجّ.
وقد ذكرنا سائر ما يتعلق بهذا الفصل.
تم الجزء الثالث حسب تقسيم المحقق ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وأوله:

باب حج الصبي يبلغ والمملوك يعتق والذمي يسلم

بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي

تأليف القاضي العلّامة فخرُ الإسلاَم شيخ الشافعيّة الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ

تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الرابع يحتوي على الكتب التالية: تتمة الحجّ - الصّيد والذّبائح - الضّحايا - الأطعمة السّبق والرمي - البيُوع

دار الكتاب العلمية Dar Al-Kotob Al-ilmiayh DKI أسسها محمد حلمي بيضون سنة 1971 بيروت - لبنان Est.
by Mohammad Ali Baydoun 1971 Befaut- Lebanon Etablic par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - liban

بسم الله الرحمن الرحيم

بَابُ حج الصبيّ يبلغ والمملوك يعتق والذميّ يسلم

مسألة: قال وإذا بلغ غلام أو أعتق عبد أو أسلم ذميّ.
وقد أحرموا.
الفصل إذا أتى الكافر الميقات مريدًا للنسك، فأحرم منه لم ينعقد إحرامه.
وذكر في "الشامل"، هل ينعقد إحرامه؟ قولان، وهو غلط عندي ولم يذكر غيره، فإن أسلم بعد هذا لا يخلو إما أن يُسلم قبل فوات وقت الوقوف أو بعده، فإن أسلم بعده، فالحجّ لا يلزمه في هذه السنة، لأن وقته قد [178/ أ] فات، ولا يمكنه فعله، فتلزمه العمرة، لأنه قادر على فعلها، ولكنها على التراخي، فإن شاء اعتمر في هذه السنة، وإن شاء أخّرها إلى وقت آخر وإن أسلم قبل فوات وقت الوقوف، فعليه الحجّ والعمرة معًا، إلا أنهما يجبان على التراخي، فهو بالخيار بين أن يأتي بهما في هذه السنة وبين أن يؤخّرهما لأن فرض الحجّ والعمرة على التراخي، فإن أخّرهما فلا دم عليه، لأن من جاوز الميقات يريد الحجّ، فلم يحرم، ولم يحجّ من سنة فلا دم عليه، وإن أحرم بالحجّ أو العمرة، فإن عاد إلى الميقات محرمًا، أو حلالًا، ثم أحرم، فلا دم عليه، وإن أحرم من موضعه، ومضى على وجهه، ولم يعد إلى الميقات، فعليه دم، لأنه جاوز الميقات، وهو يقدر على الإحرام منه، فلم يحرم وأحرم دونه.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا دم عليه، وعن أحمد روايتان، واحتجوا عليه بأنه مر على الميقات، وليس من أهل النسك، فإذا أحرم دونه لم يلزمه الدم، وهذا غلط، لأنه جاوز الميقات مريداً للنسك وأحرم دونه ولم يعد إليه، فيلزمه الدم كالمسلم والكافر، وان لم يكن من أهل النسك، ولكنه أراد النسك، ويمكنه الإتيان به صحيحا، بأن يلم، ثم يحرم.
وأما الصبي والمملوك إذا أحرما فإحرامهما منعقد صحيح، فإن بلغ الصبي، وأعتق العبا نظر، فإن كان بعد الوقوف لم يجز لهما عن حجة الإسلام، وكذلك إن كان بعد الفراغ من الحج، وان كان قبل فوات وقت الوقوف قبل الوقوف وقفا بعرفة بعد الكمال أجزأهما عن حجة الإسلام.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة في العبد: يكون حجه تطوعاً وبناؤه على أصله يجوز

التطوع بالحج قبل الفرض، (178/ ب) وأما الصبي لم ينعقا إحرامه، فعليه استئناف الإحرام والوقوف بعده.
وقال مالك: يكون حجهما تطوعاً لأن من أصله أن إحرام العبد والصبي صحيح، ولكن التطوع يسبق الفرض في الحج وان كان بعد الوقوف قبل فوات وقت الوقوف بأن رجعا إلى مزدلفة، ثم كملا، فإن رجعا ووقفا أجزأهما عن حجة الإسلام، وان لم يرجعا فمذهب الشافعي أنه لا يجزئهما.
وقال ابن سريج: يجزئهما عن حجة الإسلام، لأنه إذا أحرم في حال الرق أو الصغر، ثم أعتق أو بلغ في وقت يجوز ابتداء الإحرام فيه أجزأهما عن حجة الإسلام، وكان بمنزلة الإحرام المستأنف في هذا الوقت، فكذلك الوقوف.
وهذا غلط والفرق بينهما أنه مستديم الإحرام، فكانت استدامته بمنزلة ابتدائه، وليس كذلك الوقوف، فإنه في حال الحرية عن مقيم عليه، ألا ترى أنا لا نقول إنه واقف كما يقول إنه محرم، فلهذا لا يحتسب له.
وأما إذا سعى عقيب طواف القدوم، ثم بلغ أو أعتق في يوم عرفة يلزمهما إعادة السعي.
وقال ابن سريج: لا يلزمهما إعادته.
وهذا غلط لما ذكرنا أنه لم يأت به في وقت الفرض.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، بنا، على الوجهين في تقدير إحرامه، فإن قلنا: إحرامه وقع موقوفاً ولا يتبين أنه انعقد فرضاً لا يلزمه إعادة السعي، وان قلنا: إحرامه انعقد فعلاً، ثم انقلب فرضاً بعد بلوغه يلزمه إعادة السعي، ولا معنى لهذا مع النص، فإذا تقرر هذا، فكل موضع، قلنا: حجهما تطوع لا يجوز عن حجة الإسلام، فلا دم عليه، لأنه أحرم بحجة (179 / أ) التطوع، ومضى على ذلك الإحرام، فلا يلزمه الدم، وكل موضع قلنا: يجزئهما عن حجة الإسلام، فهل عليهما دم؟.
اختلف أصحابنا فيه على طريقين، فقال أبو إسحاق وغيره فيهما قولان: أحدهما: عليهما الدم لأنهما ما أحرما بالغرض من الميقات.
والثاني: لا دم لأنهما أكملا حجة الإسلام بالإحرام من الميقات، وهو اختيار القاضي أبي حامد، وهو الصحيح.
وقال الإصطخري وأبو الطيب بن سلمة: لا يلزمهما الدم قولاً واحداً، وقول الشافعي: يجب الدم، أراد إذا جاوزا الميقات مريدين النسك، ثم أحرما دونه ويفارق الكافر لأن إحرامهما من الميقات صحيح، وان لم يكونا من أهل الفرض، وهو البلوغ والعتق ليس إليهما فهما فيه معذوران.
وإحرام الكافر غير صحيح، وكان يمكنه أن يحقق مقصوده بالإسلام، فهو غير معذور في ذلك، فإذا أسلم بعد ذلك وحقق إحرامه بالاستئناف يلزمه الدم، لتأخيره عن الميقات من غير عذر واحتج المزني بما ذكر الشافعي في الصبي على مسألة الكافر، فقال: إذا لم يبن عنده أن على العبد والصبي دماً وهما مسلمان، فالكافر أحق أن لا يكون عليه دم، لأن إحرامه مع الكفر ليس بإحرام، والإسلام يجب ما كان قبله، وإنما وجب عليه مع الإسلام بعرفات، فكأنها منزله، قلنا: لا إحرام له، ولكن له إرادة صحيحة للحج والإسلام يجب ما قبله، ولكن نحن لا نوجب عليه الدم بشي، كان قبل الإسلام بل توجب لحج في الإسلام ترك

الإحرام له من الميقات، فلا يصح ما ذكره.
مسألة: قال: ولو أفسد العبد حجه قبل عرفة، ثم أعتق، والمراهق بوطءٍ عرفة، ثم احتلم (179 / ب).
الفصل إذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه.
وقال أهل الظاهر: لا ينعقد إحرامه.
وهذا غلط لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما عبد حج ثم أعتق فعليه حج الإسلام"، فأضاف الحج إليه، وأثبته له، ولم يفرق بين أن يكون بإذن السيد أو بغير إذنه، ولأنه عبادة على البدن، فصح منه بغير إذن سيده كالصوم واحتج بأنه لا يجوز نكاحه وعقوده إلا بإذن (180 / أ) السيد كذلك هذا.
قلنا: الفرق أن الإحرام قد ينعقد موقوفاً، ويقف على البيان في الثاني، فجاز أن ينعقد إحرامه، ويقف على فسخ السيد، وإجازته بخلاف النكاح، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: أحببت له أن يدعه ليمضي في نسكه ويتمه، لأنه طاعة وقربة، فإن لم يفعل ولم تطب نفسه بذلك، فله منعه ويفسخ عليه الإحرام، لأن منفعته مستحقة له في جميع الأوقات إلا في الأوقات التي يستحق العبادة فيها شرعاً، والحج لا يلزمه شرعاً، فلا يجبر السيد على تعطيل منفعته فيه، ثم إذا حلله، فهو كالمحصر، فإن ملكه السيد الهدي.
وقلنا: العبد يملك بالتمليك في أحد القولين لم يكن له أن يتحلل حتى يذبح كالحر.
وإن قلنا: لا يملك على القول الصحيح، أو لم يملكه اليد فالحز المحصر إذا لم يجد الهدي، فيه قولان: أحدهما: أنه لا بدل لهدي الإحصار، فيكون الهدي في ذمته، وعلى هذا هل يتحلل أم يبقى على إحرامه حتى يجد الهدي، ويذبح قولان.
والثاني: له بدل، وهو الصوم، وهل يبقى محرماً حتى يفرغ من الصوم أم يتحلل، ثم يصوم؟ قولان.
قال أبو إسحاق والعبد في ذلك مخالف للحز، فالعبد يتحلل في الحال.
وان قلنا: الحر لا يتحلل حتى يجد الهدي ويذبح، أو حتى يصوم لأن في تقييده العبد على الإحرام إلى ذلك الوقت ضرراً بالسيد، فلا يجوز ذلك، وكذلك في الصبر إلى أن يعتق ضرر بالعبد والحر يمكنه أن يحتال، فيكتسب ويستوهب ويتكدى ويحصل الهدي فيذبح، فلا يلحقه (180 / ب) كثرة مشقة، فافترقا.
ومن أصحابنا من قال: العبد والحز في هذا سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصوم في حق الحز مرتب على الهدي، فإن قلنا: يحل ثم يهدي، فأولى ذلك في الصوم.
وان قلنا: يصير إلى أن يهدي، فهل يلزمه الصبر في الصوم؟ حتى يفرغ منه، قولان.
والفرق أن الصوم تطول مدته بخلاف الهدي، ثم العبد مرتب على هذا، فإن قلنا: في الحر لا يلزم الصبر، ففي العبد أولى، وإلا فوجهان.

فرع من نصفه حز ونصفه عبد إذا كان بينهما مهايأة، فأحرم في يوم نفه ليس للسيد منعة.
ذكر أصحابنا، وفيه نظر عندي.
وأما إذا كان أذن السيد لعبده بالإحرام، فأحرم لم يكن للسيد منعه، وتحليله.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: له أن يحلله، وهذا غلط، لأنه عقد لازم عقده بإذن سيده، فلم يكن لسيده منعه منه كالنكاح.
فرع آخر لو أذن لعبده بالحج، ثم رجع عن إذنه نظر، فإن رجع قبل أن يحرم العبد وعلم به العبد، بطل الإذن، ولو أحرم العبد بعد ذلك كان له أن يحلله وان أحرم العبد قبل أن يعلم برجوعه، فهل له أن يحلله؟ وجهان بناء على الموكل إذا عزل الوكيل وتصرف الوكيل قبل أن يعلم بعزله، هل ينفذ تصرفه؟ قولان.
فرع آخر لو باعه بعدما أحرم بإذنه صح بيعه، لأن الإحرام لا يمنع التسليم ويفارق بيع المستأجر لا يصخ في أحد القولين، لأن الإجارة تمنع التسليم، ولهذا عقد النكاح لا يمنع البيع لهذا المعنى، فإذا صح هذا، فإن كان عالماً بإحرامه، فلا خيار له، وان لم يكن عالماً ثبت له الخيار، لأن بقاءه على الإحرام يضر بالمشتري [181 / أ].
وقال أبو حنيفة: لا خيار له، لأن عنده له أن يحلله كما كان لبائعه وقد دللنا عليه.
فرع آخر لو كان أحرم بغير إذن سيده وباعه لم يكن للمشتري الخيار سواء علم بإحرامه، أو لم يعلم، لأن له أن يحلله، لأن البائع كان له أن يحلله، فقام المشتري مقامه في ذلك، ولا يسقط ذلك بعلمه به.
والمشتري بالخيار بين تمكينه ومنعه وان لم يكن بالإحرام في ملكه لما فيه من تفويت منفعة ملكه، ولم يكن إحرامه مستقر.
فرع آخر لو أذن له بالإحرام، ثم باعه ولم يعلم بإحرامه حتى حل منه، ففي خياره وجهان: أحدهما: الاختيار له اعتباراً بالحال.
والثاني: له الخيار اعتباراً بما وجب.
ذكره في "الحاوي"، وعندي الوجه الثاني هو المذهب، لأن الخيار للضرر، وقد ارتفع الضرر.
فرع آخر لو أذن له بالإحرام بالحج مفرداً، فقرن كان قراناً صحيحاً، وليس للسيد منعه، لأن عمل القارن كعمل المفرد، ولو أذن له بالإحرام في ذي الحجة، فأحرم في ذي القعدة له منعه.

فرع آخر ليس للسيد أن يجبر عبده على الإحرام.
وقال بعض أصحابنا: للسيد أن يجبر عبده على الإحرام بالحج، وعلى العبد امتثال أمره فيه، لأن ثوابه راجع إلى السيد ذكره في "الحاوي"، وهذا غلط، لأنه لا يجبره على الصلاة والصيام، كذلك على هذا.
فرع آخر إذا قال السيد: حللتك تحلل، فإن ألبسه مخيطاً أو ضمخه بطيب، فليس ذلك بتحليل خلافاً لأبي حنيفة.
مسألة: قال: ولو أذن له أن يتمتع، فأعطاه دماً لتمتعه لم يجز عنه، وعليه الصوم.
الدماء التي تجب على العبد في الحج تنظر، فإن (181 / ب) لم تكن مما اقتضاه الإذن مثل دم الفساد والفوات وجزاء الصيد واللباس، فلا يلزم السيد، فإن قلنا: العبد إذا ملك، ملك يجوز للسيد أن يتطوع بالهدي عن العبد، ويسقط عنه الفرض، وإن قلنا: لا يملك إذا ملك، وهو الذي أجاب به ههنا، أو قلنا: يملك ولكن السيد لم يملكه، ولا أهدى عنه ففرضه الصوم، وللسيد منعه من هذا الصوم، لأنه لم يتضمنه إذنه وان كان مما يتضمنه إذن السيد مثل دم التمتع والقران، إذا أذن له في ذلك، فإن قلنا: لا بملك إذا ملك ففرضه الصوم، ولا يجوز الهدي، فإن مات العبد قبل أن يصوم، قال الشافعي ههنا: ويجزى، أن يعطي عنه ميتاً، وأراد أنه يجوز أن يهدي عنه، أو يطعم، وهذا لأنه قد أيس صومه.
وقال المزني: لا يجوز ذلك، كما لا يجوز له ذلك عنه حياً، لأنه لا يملك.
قلنا: الفرق ما ذكرنا، وأيضاً الإعطاء عن الميت لا يقتضي تمليكه، بل هو إسقاط الفرض عنه، فجاز بخلاف الحي وهي كالفرق بين الحج عن الميت، يجوز من غير إذنه ولا يجوز عن الحي من دون الإذن وأيد الشافعي هذا بالخبر، فقال: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر سعداً أن يتصدق عن أمه بعد موتها، وأراد به ما روي أن سعداً قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت، أي: ماتت فجأة، ولو قدرت لأوجبت، فهل ترى أن أتصدق عنها؟ فقال: "نعم"، وإن قلنا: العبد يملك نمق الشافعي في "القديم" على قولين: أحدهما: أن هذا الدم يكون في مال السيد، لأنه لما أذن له في التمتع كان تحملاً للهدي كالإذن في النكاح باكتساب المهر والنفقة (182 / أ).
والثاني: لا يجب في ماله بل يكون فرضه الصوم، لأنه ينفك ذلك عن وجوب المال، بأن يكون الفرض الصوم، فافترقا، وله أن يصوم من غير إذن السيد، لأنه لزمه بسبب تضمنه إذنه ولو عتق هذا العبد قبل أن يصوم عن متعته، فأراد أن يريق دماً، له

ذلك على الأقوال كلها، وهو معنى قوله ما دام مملوكاً، ولكنه جواب على القول الذي يقول: الاعتبار في الكفارات بوقت الأداء إلا بوقت الوجوب، والله أعلم.

باب من أهل بحجتين أو بعمرتين

مسألة: قال: ومن أهل بحجتين أو عمرتين معاً أو بحج، ثم أدخل عليه حجاً آخر.
الفصل إذا أحرم بحجتين أو بعمرتين آو بواحدة منهما، ثم أدخل الأخرى عليها، فلا ينعقد إحرامه إلا لواحدة، ولا تنعقد الأخرى، ولا يجب قضاؤها، ولا دم عليه.
وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد بهما إلا أنه لا يمضي فيهما، بل يرفض إحداهما، ويمضي في الأخرى ثم يقضي الثانية بعد ذلك، واختلفوا في وقت الرفض، فقال أبو يوسف: ترفض الثانية عقيب الإحرام.
وقال أبو حنيفة ومحمد: ترفض إذا أخذ في العمل حتى لو ارتكب محظوراً قبل ذلك يلزمه جزءان، والحجة ما ذكره المزني وتحريره أنهما عبادتان لا يصح المضي في عملهما، فلا يصخ الإحرام بهما كالصلاتين، ويفارق الحج والعمرة ينعقد الإحرام بهما، لأنه يمكنه المضي فيهما، وههنا لا يصح المضي فيهما، فلا ينعقد بهما.
وقد ذكرنا قبل هذا أن إدخال العمرة (182 / ب) على الحج لا يجوز قولا واحداً على أحد الطريقين.
والصحيح عند الشافعي أن إدخال أحدهما على الآخر قبل التلبس بشيء من أعماله يجوز سواء كان إدخال الحج على العمرة أو العمرة على الحج.
وإذا قلنا: لا يجوز لو رمى يوم النفر الأول له الانصراف، ثم أحرم بالعمرة، فإن كان قبل أن ينصرف لم تنعقد عمرته، وقد ذكرنا ذلك.

باب الإجارة على الحج والوصية به

مسألة: قال: ولا يجوز أن يستأجر الرجل من يحج عنه إذا لم يقدر على مركب لضعفه أو كبره إلا بأن يقول: يحرم عنه من موضع كذا وكذا.
الفصل يجوز لمن عجز عن الحج بنفسه عجزاً ميئوساً منه أن يجهز من يحج عنه، فإن تطوع عنه بلا رزق ولا أجرة جاز، وإن حج عنه بنفقة، وهو أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك جاز، وان استأجره إجارة صحيحة، بأجرة معلومة جاز وتكون الإجارة لازمة مستقرة، ويقع الحج عن المحجوج عنه، ويسقط فرضه ويستحق الأجير الأجرة المسماة.
وقال أبو حنيفة: الأجرة عليه لا تجوز، ولكن يجوز أن يعطيه نفقة ليحج عنه، فإذا

حج كان الحج عن الفاعل، وثوابه له، ويحصل للمستأجر ثواب النفقة.
وبه قال أحمد ومالك قال مالك: والدليل عليه أن هذا عمل يدخله النيابة، فجاز أخذ الأجرة عليه كتفريق الزكاة.
فرع هل من شرطها أن يبين موضع الإحرام في العقد؟ اختلف أصحابنا فيه على طرق.
وقال أبو إسحاق وغيره: فيه قولان [183 / أ]: أحدهما: لا يصخ إلا بأن يبين موضع الإحرام، لأن الإحرام يجوز من كل موضع، فتكون الإجارة مجهولة، فلا بد من البيان، وهو الذي نص عليه ها هنا.
والثاني: قاله في "الإملاء": يصح مطلقاً، لأنه مبين بالشرع، وهو الميقات، فيحمل عليه كموضع الوقوف، والطواف والسعي وكالثمن في البيع والسير في الإجازة يحمل على العرف ويصح العقد مطلقاً به.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال يحتاج أن يبين أراد إذا كان منزله بين ميقاتين يصلح أن يكون كل واحد منهما ميقاته، والموضع الذي قال: لا يحتاج إلى بيانه إذا كان ميقات بلاه معروفاً، وهذا لا يحتمل كلام الشافعي، لأنه لما قال: لا يجوز حتى يبين من العلة التي ذكرناها.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على اختلاف حالين من وجه آخر، فإن كان المحجوج عنه ميتاً لا يشترط ثباته، لأنه لا اختيار له، ولا يتوصل إلى عرضه، وان كان المحجوج عنه حياً شرط لاختلاف عرضه.
وله اختيار يتوصل إليه، فإذا قلنا: لا يشترط ذلك، فإن عين موضعاً، إما الميقات أو قبله صحت الإجارة، وتعين ذلك، وان أطلق يلزمه الإحرام من الميقات، فإن أحرم قبلها استحق المسمى، ولا يستحق شيئاً أخر للزيادة، وإذا قلنا: يشترط، فإن عين موضعاً صحت الإجازة، ويلزمه الإحرام، وان لم يعين بطلت الإجازة إلا أن الأجير إن حج عن المستأجر أجزأ ذلك الحج عنه، لأنه قد أذن له فيه، وان كان العقد فاسداً كما لو وكل في بيع شيء وكالة فاسدة، فباع صح، [183 / ب] ولا يستحق الأجير الأجرة المسماة لأن المنى يستحق بالعقد الصحيح دون الفاسد، فيلزم أجر المثل.
مسألة: قال: وان وقت (له) وقتاً فأحرم قبله، فقد زاده خيراً.
الفصل إذا عين الأجير موضعاً يحرم منه، فأحرم قبله، فقد زاده خيراً، وان أحرم من ذلك الموضع فقد وفى بموجب العقد، وأجزأه وان جاوزه وأحرم دونه، فإن رجع إليه محرماً ومضى في حجه فقد زاده خيراً، وان مضى على وجهه، ولم يرجع إلى الموضع الذي

عينه، فلا يختلف المذهب أن عليه دماً، لأنه ترك الإحرام من الموضع الذي يلزمه الإحرام منه، فهو كما لو ترك الإحرام من الميقات الشرعي، فإذا ثبت هذا، فهل عليه أن يرد من الأجرة بقسط ما ترك.
قال في " الأم": يلزمه ذلك، وعليه دم.
وقال في "القديم": عليه دم وسكت عن رد الأجرة.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال قولاً واحداً، إنه يرد بقدره من الإحرام، وما قاله في "القديم" محمول على ما فسره في "الأم"، فيقال: كم تسوي الحجة من بلده على أنه يحرم من الموضع الذي عينه؟ فيقال ثلاثمائة، فيقال: وكم تسوي الحجة من بلده على أن يحرم من الموضع الذي أحرم منه؟ فيقال: مائتان، فيرد مائة درهم، وهذا لأنه استؤجر على سفر وعمل، فلم يفعل ذلك على التمام نص عليه في "الإملاء"، وفيه قول آخر نص عليه في الجديد يعتبر بقسط للأجرة من الموضع الذي نص عليه دون البلد الذي خرج منه لتكون الأجرة مقسطة على أفعال الحج دون السفر الموصل إليه، ذكره في "الحاوي".
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان [184 / أ].
أحدهما: لا يرد من الأجرة شيئاً، لأنه جبر نقصه بدم.
وهذا ضعيف.
والثاني: يلزمه ذلك على ما ذكرنا، لأنه لم يوفه جميع العمل، فلم يستحق كمال الأجرة كما لو استأجره ليبني له عشرة أذرع فبنى تسعة أذرع لا يستحق كمال الأجرة.
وهذه الطريقة أصح، لأن الشافعي قال في "القديم": يهريق دماً وحجه تام، وتمام الحج يدل على أنه لا نقصان فيه والأجرة إنما ترد عند النقصان، فإذا لم يكن نقصان لا يلزمه رد شيء.
فرع لو ترك الرمي هل يرد من الأجرة؟ يسقط ذلك على هذين الطريقين.
فرع آخر لو تطيب ولبس المخيط وقتل الصيد لزمته الفدية في ماله، ولا يرد من الأجرة شيء، لأن ذلك ينقص الثواب دون العمل، فلا يمكن تقسيط الأجرة عليه، وههنا ينقص الثواب والعمل معاً، فيلزمه الدم جبراً لنقص الثواب، ويلزمه رد الأجرة جبراً لنقص العمل.
فرع آخر لو ترك طواف القدوم ونحوه الذي لا يوجب الدم، فعليه أن يرد بقسطه من الأجرة قولا واحداً، لأنه عمل في مقابله عوض لم يأت به ولا ببدله، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو ترك المبيت بمزدلفة ونحوه، فإن قلنا: عليه دم، فهل يرد بقسطه من الأجرة؟ على

الخلاف الذي ذكرناه، وإن قلنا: لا دم عليه يلزمه رد قسطه قولاً واحداً.
وقال ابن سريج محل القولين فيما ذكرنا إذا كان النقص الداخل في الإحرام أكثر من قيمة الشاة التي ذبحها، فأما إذا كان عليه أقل، فعليه رد الزيادة قولا واحداً.
وقال غيره: سواء كان مثل قيمة الشاة، أو أقل (184 / ب) أو أكثر، فيه قولان: لأنا لا نتحقق أن دم الشاة قد جبر النقص وتحققنا وجود النقص، لأن دم الشاة حق الله تعالى.
وهذا يرد حق الآدمي.
فرع آخر قال في "الأم": لو استأجره ليحج عنه من الميقات، فلما بلغ الميقات أحرم بالعمرة عن نفسه واعتمر ثم أحرم بالحج عن المستأجر من جوف مكة، فإنه يجزى، عن المستأجر، وعلى الأجير دم ويرد بقدره من الأجرة على المذهب الصحيح، وكيفيته على الخلاف الذي ذكرنا، ففي أحد القولين، يقال: حجة من الميقات كم تسوي وحجة من مكة كم تسوي فيرد ما بين ذلك.
وقال في "الإملاء": يرد ما بين بلده إلى مكة لأنه يصير بسيره من بلده إلى مكة لنفسه دون المستأجر إذا بدأ بالعمرة لنفسه، فوجب أن يرد من الأجرة بقدر ما بين حجه من بلده وبين حجه من مكة، والمذهب الأول، لأن الإجارة عقدت على الحج وأفعاله، وهو الإحرام من الميقات، وما قبل ذلك من قطع المسافة إلى الميقات تسبب إلى الحج والأجرة إنما تسقط على العمل الذي وقع العقد عليه دون المسبب إليه ألا ترى أنه لو استأجر أجيراً ليخبز له خبزاً، فالأجرة تكون في مقابلة الخبز دون التسبب إليه من إحضار الماء وإصلاح النار، وغيرهما، فكذلك ههنا.
وقال أبو حامد: المذهب أنه يقال: حجة من بلده أحرم بها من الميقات كم تسوي؟ فيقال: مائة وحجة من بلده أحرم بها من مكة كم تسوي، فقال: تسعين فيسقط عشر للأجرة المسماة.
وقول هذا القائل.
الثاني، أن سيره لنفسه لا يعلم فربما يعبر عرفة في الميقات.
وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يرد جميع النفقة لأنه أدى بالسفر غير المأمور به وفعل الحج من غير مشقة، وهذا غلط، [185 / أ] لأنه أتى عنه بحج صحيح، وإنما أخل بما يجزئه الدم، فلا تسقط نفقته.
فرع آخر لو رجع إلى الميقات في هذه المسألة التي ذكرناها، وأحرم بالحج عن المستأجر، فعلى قوله في "الأم": لا يلزمه رد شيء من الأجرة، وعلى قوله في "الإملاء" يرد من الأجرة بقدر ما بين بلده إلى الميقات.
وقيل: قول واحد لا يلزمه رد شيء.
وبه يظهر أن سفره لم يكن لنفسه.

فرع آخر لو أحرم الأجير موقوفاً ثم عزاه إلى مستأجره قبل شروعه في العمل، فيه وجهان: أحدهما: أنه يقع عنه، ولا يجوز صرفه إلى المستأجر.
والثاني: يقع عن المستأجر.
فرع آخر لو استأجره على فعل القران أو التمتع يلزم الدم في مال المستأجر دون مال الأجير، لأن هذا الدم موجب النسك، فإذا أذن له فيه لزمه في ماله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر يلزم النائب، لأن هذا الدم دم جبر ودم الجبر على الأجير في ماله كدم الطيب، وهذا غريب ضعيف.
فرع آخر لو استأجره ليقرن عنه أو يتمتع على أن يكون الدم على الأجير لم تصخ الإجارة لأن ذلك يكون في معنى بيع، وإجارة وفي ذلك قولان: إلا أن ههنا تفسده قولاً واحداً، لأن المبيع فيها غير مضبوط بالصفة، ولا بالعيان.
فرع آخر لو استأجره على أن يحرم عنه من بستان بني عامر.
قال ابن المرزبان: لا يصخ عقد الإجارة لأن مجاوزة الميقات لا تجوز من غير إحرام.
فرع آخر قال في "المناسك الكبير": لو استأجر رجلاً ليحج عنه من ميقات ذكره، فلك المستأجر غير الطريق الذي ذكره وأحرم من ميقات آخر وقع عن المستأجر، ولا يلزمه رد شي، من الأجرة، وان كان الميقات [185 / ب] الذي أحرم منه أقرب إلى الحرم من الميقات الذي عينه، لأن الشرع جعل هذه المواقيت يقوم بعضها مقام بعض بالشرع من غير نقص، وان كان بعضها أقصر من بعض.
وقيل: لا أجرة له لأنه خالف.
فرع آخر قال: لو استأجر بنفقته لم تصخ الإجارة، لأن الأجرة مجهولة، وكذلك لو كان النسك مجهولاً مثل أن يقول: استأجرتك لتحج عني أو تعتمر، فالإجارة باطلة، ولكن لو حج عنه وقع عنه بمجرد إذنه، ويستحق أجرة المثل، لأنه فعل ذلك على سبيل المعاوضة.
فرع آخر لو قال: أول من يحج عني فله مائة، فحج عنه رجل.
قال الشافعي: استحق المائة، وقال المزني في "المنثور"، هذا غلط، ينبغي أن يستحق أجرة المثل، لأن هذه إجارة،

والإجارة تفتقر إلى تعيين الأجير، والأجير غير معين ههنا.
وقال أبو إسحاق: غلط المزني في هذا.
والصحيح أنه يستحق المائة، وأخطأ المزني حيث ظن أنه إجارة وهي جعالة، وليست بإجارة، والجعالة تفتقر إلى تعيين المجعول، ألا ترى أنه لو قال: من جاء بعبدي الآبق من البلد الفلاني فله مائة درهم، فبادر واحد، وجاء به استحق المائة؟ وان لم يكن المجعول له معينا كذلك ههنا.
فرع آخر تعيين وقت الإحرام لا يشترط في الإجارة، لأن الشرع بين وقته، فلو قال: استأجرتك لتحج عني هذه السنة على أن تحرم من أول يوم من شوال جاز ويلزمه كما لو نذر لأن فيه زيادة قربة، وعلى هذا إذا أفسده يلزمه في القضاء أن يحرم من أول يوم من شوال، ذكره القاضي الحسين.
فرع آخر لا يحتاج إلى بيان الأعمال إذا كانا عالمين [186 / أ] بتفصيل أعمال الحج، وإن كانا جاهلين، أو أحدهما لا يجوز، لأنه مجهول.
فرع آخر لو قال: من حج عني أو اعتمر فله مائة درهم فحج عنه رجل أو اعتمر استحق المائة، لأن في الجعالة يجوز أن يكون العمل مجهولاً، نص عليه ذكره القاضي الطبري.
فرع آخر أي وقت يجوز الاستئجار؟ وعليه فهو مبني على عقد الإجارة في غير هذا الموضع والإجارة ضربان معينة، وفي الذمة فالمعينة أن يقول: أجرتك داري هذه شهراً بعشرة من وقتي هذا، فمتى مضى شيء من المدة قبل القبض انفسخ منها بقدر ما مضى منها، وإن مضى كلها زالت الإجارة.
وأما التي في الذمة، فأن يقول: استأجرتك لتخيط لي كذا وكذا، أو تحمل لي كذا وكذا، فهذه تقتضي أن يكون العمل معجلاً، فإن تأخر العمل لم يقدح في الإجارة، ويصح أن يسلم في المنافع أيضاً، فيقول: أسلمت إليك هذا في ظهر تحملني عليه إلى مكة بكذا، فإذا ثبت هذا، فالإجارة المعينة في الحج أن يقول: استأجرتك لتحج عني بنفسك أو لم يقل: بنفسك، فإن قوله: لتحج عني يقتضي فعله دون فعل غيره، فهذه إجارة متعلقة بفعله بعينه فيجب تعجيل تسليمه في السنة الأولى، وان شرط أن يحج في سنته كان تأكيداً كما لو اشترى شيئاً بعينه وجب تعجيل تسليمه، فإن شرط أن يعجل تسليمه في الحال كان تأكيداً لما تضمنه العقد، وجاز، ولا يجوز أن يشترط فيه التأجيل، وهو أن يقول: استأجرتك لتحج عني في السنة الثانية، كما لا يجوز شرط تأخير التسليم في بيع العين، ولا يجوز هذا العقد إلا في وقت يمكن تعجيل العمل، أو يحتاج [186 / ب] فيه إلى التسبب ليحصل العمل، فإن كان

ذلك بمكة، فلا يجوز قبل أشهر الحج، لأنه لا يمكن فيه تحصيل العمل إذ الإحرام بالحج قبل أشهره لا يجوز، ولا يحتاج فيه إلى التسبب، وهو السير، وإن كان في غير مكة من البلاد، فإن كان يحتاج فيه إلى تقديم السير على أشهر الحج مثل بلاد خراسان، فإنه يجوز تقديم العقد على أشهر الحج حسب الحاجة، ولو استأجره ليحج عنه ماشياً، وكان المشاة يخرجون قبلها يجوز للحاجة.
وأما عقده في أشهر الحج، فيجوز في كل موضح لإمكان تسليم العمل عقيبه، وهو الإحرام، وفي هذا العقا إذا لم يحج من سنته بطل العقد، وليس في موضع تأخير تسليم المعقود عليه يبطل العقا إلا في العقا على المنافع، لأنها يتلف بمضي الزمان.
وقال القفال: لا كون من شرطه الخروج عقيب العقد بل له أن ينتظر أيام خروج الحاج، أو يشتغل بتحصيل عدة السفر والاشتغال بأسبابه اشتغال به.
ولو أحرم عنه، ثم أفسده فقد وقع الحج عن الأجير، وعليه قضاؤه وفسد عقد الإجارة وعليه رد الأجرة على المستأجر، وإن كانت الإجارة في الذمة وهي أن يقول: استأجرتك على حجة في ذمتك، أو لتحصل لي حجة أو توافيني حجة أو تسقط عني حجة الإسلام، فإن هذه الإجارة لا تتعلق بفعله، فإذ شاء حج بنفسه وإن شاء حج عنه غيره كما لو أسلم إليه في طعام في ذمته إن شاء أعطاه من طعام نفسه، وان شاء أعطاه من طعام غيره، ويشترط فيه قبض الأجرة في المجلس لأنه سلم، وقيل: إذا أطلق فيه قولان: أحدهما: يبطل.
والثاني: يصح ويكون كالمتعين بالحلول، والشرط في انعقاده أن يكون بقي من الزمان مقدار ما يقطع فيه المسافة [187 / أ] من غير مشقة، وإن شرط فيه التأجيل ثبت وصح العقد، وهو أن يقول: تحصل في السنة الثانية، أو الثالثة، كما يقول: إن العلم الحال يجوز، والسلم إلى أجل يجوز، وهذا بمنزلة السلم، فعلى هذا إذا كان مطلقاً، كانت له مطالبته في السنة الأولى كما يقول في السلم المطلق أنه يقتضي تعجيل التسليم في الحال، وله مطالبته في السنة الأولى به، فإن أخر عن السنة الأولى لم تبطل الإجارة، ولكن قال أبو إسحاق: إن كان المستأجر حياً أو كان ميتاً، ولم يكن أوصى به أن يحج عنه، وإنما تبرع الوارث بأن دفع إليه مالاً يحج عن الميت، فإن للمستأجر الوارث فخ العقد واسترجاع الأجرة، لأن لهما غرضاً في ذلك، وهو أن ينتفعا بذلك المال ويتصرفا فيه إلى السنة الأخرى، وهذا كما قال الشافعي: إذا أسلم في الرطب، فانقطع الرطب في ذلك البلد كان بالخيار إن شاء أخره إلى القابل، وإن شاء فسخ واسترجع رأس المال، وفيه قول آخر: ينفسخ كما قلنا في المسلم فيه إذا انقطع في قول، وان كان الحج عن الميت بوصية منه لم يجز له فسخه واسترجاع الأجرة منه، لأن الأجرة لا يجوز للوصي أو الوارث التصرف فيها والانتفاع بها، بل يجب صرفها في هذه الجهة، فلم يكن لفخ العقد واسترجاع الأجرة فائدة، ولا غيره، وقيل: يفعل ما فيه النظر للميت فإن رأى أن غيره من الأجراء أصلح له يفسخ ويستأجر غيره، فإن

قيل: إذا كانت الحجة في الذمة لم جاز له فسخ العقد بتأخره عن السنة الأولى؟ قلنا: لأنها وان كانت في الذمة، فإن تعجيلها في السنة الأولى واجب، فإذا أحرم لم يفسخ العقد وثبت له خيار الفخ كما نقول في اللم في الرطب إذا انقطع على أحد القولين.
فرع آخر لو كانت المدة طويلة، فعجل [187 / ب] الحج جاز لأنه لا غرض في التأخير كما لو كان عليه دين مؤجل، فعجله يلزمه قبوله في ظاهر المذهب.
فرع آخر لو أحرم به في السنة الأولى في هذه المسألة وأفسده فقد وقع ذلك عن الأجير، ولم يصح تسليمه إليه، لأن الإجارة تقتضي حجة صحيحة فيصير في معنى ما لو أخر تسليمها عن السنة الأولى.
وقال أصحابنا: ههنا له فسخ الإجارة واسترجاع الأجرة سواء كان الحج عن الحي أو الميت بوصية، أو تطوع من الوارث، لأن لهم فيه غرضاً صحيحاً، وذلك أن هذا الأجير يحتاج إلى القابل أن يقضي عن نفه هذه الحجة ثم يحج عن المستأجر في الثالثة، فيؤدي إلى تأخير الحجة إلى السنة الثالثة، وإذا استرجعوا الأجرة منه استأجروا من يحج في العام القابل، فاستفادوا به تعجيل الحج.
وقال القاضي الطبري: لا نمق فيه، ويجب أن يكون بمنزلة التأخير من غير إفساد على ما بيناه، لأن الحجة إذا كانت في الذمة، فله أن يحج غيره عنه، فإذا كان القابل حج عن نفسه القضاء، واستأجر من يحج عن الميت، فبطل ما قال: هذا القابل، فإذا ثبت هذا، فلم تنفسخ الإجارة وصبر عليه، فإنه في القابل يحج عن نفسه قضاء عما أفسده فإن حج عن المستأجر كان عما عليه من القضاء، نص عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه يقع القضاء عن المحجوج عنه، ويجعل الفاسد كأن لم يكن، ولا يجب رد الأجرة، وهذا غريب بعيد.
فرع آخر لو استأجره رجلان ليحج كل واحد منهما، فأحرم عنهما جميعاً في سنة واحدة انعقد الإحرام عن نفه، لأن الجمع بين إحرامي في الحج لا يجوز دفعة واحدة، فلم يجز أن ينعقد بهما، فانعقد بأحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان الأولى أن ينعقد عن الأجير، وكذلك لو أحرم الولد للأبوين انعقد عن نفسه [188 / أ].
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا أحرم عن أبويه صح، وكان له أن يجعله عن أيهما شاء استحساناً، واحتج بأن المقصود بذلك جهة واحدة، وهي جهة الثواب والجهالة لا تؤثر في حق الله تعالى، وهذا غلط، لأنه قصد الإحرام الواحد عن اثنين، فأشبه إذا أحرم عن أجنبيين.
فأما ما قالوه، فلا يصخ، لأن الحج يقع عن الأب كما يقع عن الأجنبي والقصد من الكل الثواب، وحصول القربة، فلا فرق.
وهذا لو استأجره رجل

واحد يصح، فأحرم الأجير عنه وعن نفسه، انعقد إحرامه دون المستأجر.
فرع آخر لو أمره بالحج عنهما، فأحرم عن أحدهما لا يعينه، انعقد إحرامه عن نفسه دون المستأجر، وكان له صرفه إلى أيهما شاء قبل أن يتلبس بشيء من أفعال الحج.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يقع عن نفسه، وهذا غلط قياساً على ما أطلق للإحرام عن نفسه، ثم عينه بالحج أو بالعمرة يجوز.
مسألة: قال: فإن أفسد حجه أفسد إجارته.
الفصل إذا استأجره ليحج عنه، فأحرم عنه، وأفسده يتعلق بالإفساد أربعة أحكام: أحدها: أن الحج ينقلب إلى الأجير.
والثاني: يلزمه فيه عن نفسه.
والثالث: يلزمه القضاء عن نفسه.
والرابع: يلزمه بدنه لأجل الإفساد.
وقال المزني: لا يجب قضاؤه على الأجير ويمضي في حجه على الفساد عن المستأجر، لأن الحج عن المحجوج عنه، وهو لم يفسده، فكيف يجب قضاؤه عليه.
وأما الأجير، فليس الحج عنه، فلا يقضيه أيضاً، وهذا غلط لأن الحج عن الغير إنما يجوز بالإذن، وهو استأجر ولم يحج عنه حجة شرعية سليمة من الفساد، فإذا أفسدها خرج الحج عن أن يكون مأذوناً فيه، فلم يقع عنه وينصرف إليه، لأنه لو أحرم بهذه الحجة عن نفسه ابتداء صح، فإذا أحرم به عن الغير، [188 / ب] ولم يقع عن ذلك الغير، انصرف إليه كما لو وكله بأن يشتري عبداً، فاشترى جارية، فالشراء ينصرف كذلك ههنا.
وقال الشافعي ههنا: أفسد إجارته، وأراد إذا كانت الأجارة معينة على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولو لم يفسد، فمات قبل أن يتم الحجء فله بقدر عمله.
الفصل إذا استأجر رجلاً ليحج عنه، ثم مات الأجير لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يموت قبل الإحرام، أو بعد الفراغ من أركان الحج كلها، أو بعدما أتى ببعض الأركان، وبقي البعض، فإن مات قبل الإحرام مثل إن بلغ إلى أقرب الميقات، ولم يحرم بالحج، ثم مات، فلا يختلف قول الشافعي إنه لا يستحق من الأجرة شيئاً، لأن السفر تسبب إلى الحج والأجرة مقابل أعمال الحج دون التسبب.
وحكى الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: لما وقع من القرامطة ما وقع

اجتمعت أنا والمحاملي والإصطخري، واتفقنا على أن نفتي أن كل من كان حاجاً عن الغير لا يستحق الأجرة، إلا أنه يرضخ له بشيء.
هكذا حكاه القاضي الطبري، وذكر الشيخ أبو حامد: أنهم أفتوا بأن له الأجرة بقدر ما قطع من المسافة، وهذا يخرج على ما ذكره الشافعي في "الإملاء" إذا أحرم بالعمرة عن نفسه، ثم أحرم بالحج عن المستأجر من مكة أنه يلزمه أن يرد من الأجرة بقار المسافة، وما ترك هن الإحرام، فيكون في المسألة قولان: أحدهما: ما ذكرنا، وهو الصحيح.
والثاني: يستحق بقدر، فتسقط الأجرة عليها.
ثم في مسألة "الإملاء" من أصحابنا من يعتبر الفراسخ ويقتصر عليه.
ومنهم من يعتبر مع الفراسخ سهولة الطريق وحزونتها، فربما يجعل أجرة فرسخ خمسة دراهم، وأجرة فرسخ درهماً، وهذا أصح، وإن مات بعد الفراغ من الأركان [189 / أ]، وبقي الرمي والمبيت، فإن ورثته يريقون دماً عما تركه، وهل يردون بقدر ذلك من الأجرة؟ على اختلاف أصحابنا في تخريجه قولين، أو قول واحد على ما بيناه في مجاوزة الموضع الذي عينه للإحرام، وان مات في خلال الأركان مثل إن أتى بالإحرام والوقوف، وبقي عليه الطواف والسعي، فهل يستحق الأجرة) نص في "الإملاء" على قولين: أحدهما: يستحق بقدر، وهو الصحيح.
ونقله المزني إلى "المختصر"، لأنه أوفاه بعض المقصود بعقد الإجارة، فأشبه من قال: من رد أبقى مكة كذا، فرده في بعض الطريق، ثم انفلت لا يستحق الأجرة، لأن المقصود لم يحصل كذلك ههنا.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن في مسألة الأبق لم يحصل شي، من المقصود، وههنا حصل، لأن في أحد القولين، يبني الغير عليه.
وفي القول الثاني: يحصل الثواب له في قدر ما فعل، فإذا قلنا بالمذهب الأول، قال أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما: يسقط على العمل والمسير، وان كان لو انفرد المسير لم يسقط عليه، لأن ههنا تابع للأفعال، ويجوز أن يتناول العقد شيئاً على وجه البيع، ولا ينفرد به كأساس الحيطان وطي الآبار، يصخ بيعهما مع الدار تبعاً، ولا يفردان بالبيع.
والثاني: يسقط على الأعمال، فيقال: كم تسوي الحجة من الميقات) فيقال: مائة، ثم يقال: وكم قدر ما عمله من الحج؟ فيقال: نصفه، فتجب نصف الأجرة، وهذا لأنه لو قابله عوض لكان له عوض بانفراده والمقصود الأعمال لا غير.
وذكر القفال: أن الأول هو المنصوص.
والثاني، قول مخرج.
وقال ابن سريج: ليست على قولين، بل هما على اختلاف حالين، فإن قال: استأجرتك لتحج عني فالتوزيع من يوم الإحرام.
وان قال: لتخرج حاجاً عني، فمن يوم [189 / ب] الخروج هذا في مقدار ما يستحقه من الأجرة.
وأما في جواز الثناء في الحج على فعل الغير قولان:

أحدهما: يجوز للمحل أن يبني عليه ذكره في ((القديم اا، لأن فعل الحج يجوز من اثنين، ألا ترى أن الولي إذا أحرم عن الصغير، ثم صار الصبي مميزاً في وقت الحج، وأمكنه الطواف بالوقوف والرمي بنفسه لزمه أن يتولى ذلك بنفسه؟ فيكون الإحرام من الولي وسائر الأعمال من الصبي.
وقال في "الجديد": لا يجوز، وهو الصحيح، لأنه عبادة على البدن، فلا يجوز للغير أن يبني فيها على فعل الغير كالصوم والصلاة، ولأنه لو جاز هذا، جاز أن يستأجر في الابتداء اثنين يفعلان الحج عنه، فإن قيل: أليس لو وضاه نفسان أو توضأ بعض الوضوء، ثم أكمله غيره يجوز؟ قلنا: هذا لا يكون بنا، على فعل الغير، لأنه هو المتطهر دون الموضئ، وإنما هو معين له عليه، فلم يكن ذلك بناء وليس كذلك الأجير، فإنه إذا أحرم عن غيره، فهو المحرم، فإذا جاء حلال ليبني عليه احتاج إلى إحرام مستأنف، فيصير محرماً به، فيكون قد بنى فعل غيره، فإذا قلنا بقوله الجديد نظر في الإجارة، فإن كانت معينه بفعله بطلت الإجارة ورد الأجرة على ما ذكرنا، وان كانت في الذمة، فإن كان وقت الحج باقياً كأن مات قبل فوات وقت الوقوف استأجر ورثته من يحج في هذه السنة عن المستأجر، فإن أحرم هذا الثاني من حيث بلغ المورث وجب الدم لترك الميقات، وهل يرد من الأجرة بقدره؟ قد بينا، وان رجع إلى الميقات سقط الدم، وان كان قد فات وقت الوقوفء فمان الحج يتأخر إلى السنة الثانية، فإن اختار المستأجر فخ الإجارة لتأخرها عنه جاز.
وان اختار إقرارها استأجر عنه في السنة الثانية من يحج من مال المورث [190 / أ] جاز، وهذا إذا كان الحج عن حي، فإن كان الحج عن ميت لا يجوز للوصي أن يفسخ الإجارة على ما بينا.
وإذا قلنا بقوله القديم، فإن كانت الإجارة معينة بطلت الإجارة، فإن كان قبل فوات الوقوف يستأجر الآمر من يحرم عنه، ويبني على ما مضى من أعماله، وهذا الثاني يحرم مكانه، ويقف، ولا يجب الدم بترك الميقات، لأنه بنى على إحرام أتى به من الميقات، وسقوط الدم مهنا هو الفرق من القولين، فإن في القول الأول، يجب الدم على ما ذكرنا، وان مات بعد الوقوف، فالمستأجر يستأجر من يكمل الحج على ما يأتي بيانه، وان كانت الإجارة في الذمة، فإن ورثة الأجير يتمون النسك، فإن كان مات قبل الوقوف استأجروا من يحرم، ويقف ويتم الحج، أو يفعله الوارث بنفسه، وان كان بعد الوقوف، فكذلك إن كان وقت الوقوف باقياً، إلا أنه يحرم عنه بالحج، ولا يقف ويأتي بالباقي.
وقال أبو إسحاق: يحرم الثاني بالعمرة، ويأتي بالطواف والسعي، ولا يأتي بالرمي، لأنه ليس في العمرة رمي ويريق عن الرمي والمبيت دماً، لأن الدم ينوب عنهما، وهذا لأنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره.
وقال الشيخ أبو حامد: والوجه الأول الذي ذكره أصحابنا ضعيف من هذا الوجه، وهو أن إحرام الحج لا يجوز في غير أشهره.
وما قاله أبو إسحاق أفسد، لأنه يأتي بطواف العمرة، ويقع عن الحج.

وقال سائر أصحابنا: الصحيح الوجه الأول، وهذا الإحرام مبني على إحرام ابتدئ، في أشهر الحج، وإنما لا يجوز ابتداء الإحرام في غير أشهر الحج، ولأن هذا الإحرام تابع للأفعال، وهذه الأفعال الباقية تجوز في غير أشهر الحج، وما قاله أبو إسحاق لا يصح لما ذكره ومن وجه آخر، أنه لو صح ما قاله لوجب إذا أحرم الثاني بالحج (190 / أ) عند بقاء وقت الوقوف، وكان الأجير الأول، قد وقف أن يلزمه الوقوف، لأن الإحرام بالحج يوجب بذلك، ولا يقول هذا قليل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي على أن البناء على الحج جائز حتى لو وقف الأجير، ثم مات استؤجر عنه من يحرم إحراما ًناقصاً، ولا يحرم عليه في إحرامه إلا النساء، فيطوف بالبيت، ويتم الحج.
وهذا قول غريب خلاف ما ذكر أبو إسحاق.
وقيل: جملة ما ذكرناه ثلاثة أقوال: أحدهما: الوارث يبني على فعل الأجير، ويستحق تمام الأجرة.
والثاني: لا يبني ولا يستحق شيئاً من الأجرة.
والثالث: لا يبني ويستحق بقدر ما فعله الأجرة، وهكذا القولان، فيمن حج عن نفسه، ومات في خلاله هل يبني عليه أم لا؟ ولا يختص ذلك بموت الأجير.
فرع لو استأجره للحج فأحصر بعد وفاته يتحلل، ولا قضاء عليه كالمستأجر لو كان أحرم فأحصر.
فرع آخر هل يستحق من الأجرة بقدر ما أتى به إلى وقت الإحصار؟ قولان، كما لو مات.
فرع آخر لو لم يتحلل حتى فاته الحج، ثم دخل مكة فطاف وسعى وحلق، فما فعله بعد الفوات لا أجرة له لأنه للتحلل لا عن المحجوج عنه، وفيما فعله قبل ذلك إلى أن أحصر هل يستحق الأجرة؟ على ما مضى من القولين.
فرع آخر لو فاته الحج بخطأ العدد يلزمه دم الفوات، والقضاء عند الفوات.
وقال أبو حامد: يجيء على قياس ما ذكرنا في الأجير إذا أفد الحج أن لا يستحق الأجير ههنا شيئاً من الأجرة، لأن القضاء يلزمه كما في الإفساد.
وقال القاضي الطبري: نص على هذا في "المناسك الكبير".
ويفارق إذا أحصر يستحق الأجرة إلى أن أحصر، لأن الحبس من جهة غيره والفوات [191 / أ] حصل بمعنى من جهته فافترقا.

فرع آخر قال أبو حامد: قال في "الأم": إذا أحصر الأجير بعد الإحرام يتحلل على ما ذكرنا وما أتى به عن المستأجر، ويفارق الإفساد، لأنه أتى فيه بما يوجب القضاء، فوقع عليه بخلاف ذاك، فعلى هذا ينبغي أن يكون دم الإحصار على المستأجر.
وقال القاضي الطبري: يقع عن الأجير المحصر، والدم عليه وهو ا~قيس المشهور، وهل يكون له الأجرة إلى أن أحصر: على ما ذكرنا.
الفصل قال الشافعي في "المناسك الكبير": لو استأجره على أن يتمتع عنه، فأفرد أجزأت الحجة عنه، وقد زاده خيراً، بأن أحرم بالحج من الميقات، فإن التمتع يحرم بالحج من جوف مكة، وجملة هذا أنه إذا عين له الإحرام بنسك، فأحرم بغيره، فهو على أربعة أقسام: أحدها: أن يعين الحج فيحرم بغيره.
والثاني: أن يعين العمرة، فيحرم بغيرها.
والثالث: أن يعين القران فيحرم بغيره.
والرابع: أن يعين التمتع فيحرم بغيره.
فأما لأول، وهو إذا عين الحج، فأحرم بغيره ففيه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحرم بعمرة.
والثاني: أن يحرم بالقران.
والثالث: أن يحرم بالتمتع، فإن اعتمر فهذه العمرة لا تسقط ما لزمه من الحج، ثم لا يخلو حال المحجوج عنه، إما أن يكون حياً، أو ميتاً، فإن كان حياً كانت العمرة عن الأجير، لأنه لم يأذن، وإن كان ميتاً، فإن كانت عمرة الإسلام واجبة عليه، كانت واقعة عن الميت، لأن الأجير نواها عنه، ويجوز ذلك من غير إذن، والأجرة له، وعليه أن يحج عنه بعقد الإجارة، وان كانت عمرة الإسلام غير واجبة عليه، فيه قولان بناء على القولين في جواز النيابة في حج التطوع، فإن قلنا: لا يجوز يقع عن الأجير.
وان قلنا: يجوز يقع عن الميت دون الأجير، وهو مقطوع لا أجرة له [191 / ب].
والثاني، من القسم أن يقرن.
قال في "المناسك الكبير": جاز واستحق الأجرة المسماة.
وقد زاد عمرته على المستأجر دم القران، وهو كرجل استؤجر على أن يعمل عملاً فعمله وزاد آخر معه، ولا شيء له في زيادة العمرة، لأنه متطوع بها.
قال أصحابنا: تأويل هذه المسألة، أن المحجوج عنه ميت والعمرة واجبة عليه، فيجوز لكل أحد أن يعتمر عنه، وان لم يأذن الوارث فيقع كلاهما عنه، ويستحق الأجرة المسماة، ويجب دم القران في مال الأجير، لأنه تطوع به، ولو كان هذا عن حي يقع

جارٍ التحميل