بحر المذهب للرويانيصفحات 394-433

يقع عن جهة أن بعض الرواة يسمع حديثاً مفسراً، فيرويه مجملاً، أو محملاً، فيرويه مفسراً مثل أن يقول قائل: مررت نفلاً، وقد زالت الشمس فأذن وأقام وصلى أربع ركعات، فيروي السامع أن فلاناً صلى الظهر، وهذا على ظاهر ظنه يروي، فلعل فلاناً قضي فائتة، أو صلى بفلاة، أو غير ذلك، وكذلك وقع في أمر الزكاة لما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة"، قال الراوي في خمس شاه لأن الظاهر من الأسباب هكذا ذكره أصحابنا والقفال معهم في الاعتذار عن هذا الفصل.
وقال بعض أصحابنا: [40/ب] يحتمل أن يكون له مقصود غير هذا، وذلك أن الشافعي ذكر في أول الباب، اختيار الإفراد، واستدل عليه بالحديث ثم حكى المزني ما قال في اختلاف الأحاديث من تفضيل التمتع على الإفراد، ثم عطف عليه الاعتراض على حديث الإفراد، فكأنه لما اختار التمتع في قوله الثاني اشتغل بالاعتراض على أحاديث الإفراد، وهذا هو النظم المستقيم في الكلام، وإنما يتناقض لو عطف اعتراضه هذا على اختيار الإفراد، وأما إذا عطفه على اختيار التمتع فلا تناقض في ظاهره.
ثم بين الشافعي أن الأخبار وإن اخنتلف في كيفية حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس ذلك مما يضر شيئاً، فقال 1: وقال فيما اختلفت فيه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجه يعني عند خروجه إلى الحج ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحاً من جهة أنه مباح لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافاً يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج، وإفراد الحج والقران واسع كله، وأراد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع قال لأصحابه: "خذوا عني مناسككم"، فنقلوا عنه مناسكه فاتفقت رواياتهم في بعض المسائل، واختلفت في بعضها.
قال الشافعي: أيسر الاختلاف ما وقع من اختلاف الروايات في إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن بعض الرواة روى أنه كان قارناً، وروى آخرون أنه كان مفرداً، وروت طائفة أنه كان متمتعاً وإنما هان أمر [41/أ] هذا الاختلاف لأن جميع ذلك مباح بالقران والسنة والإجماع.
وأراد بالكتاب قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196] الآية، تدل على إباحة الإفراد، وقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، تدل على إباحة القران.
وأراد بالسنة ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض أصحابه بالتمتع وهو من لم يسق الهدى، وأمر علياً رضي الله عنه بالإفراد، وكان قد ساق الهدى، وأمر عائشة بالقران على ما رويناه من قبل فثبت بالسنة أن كل ذلك مباح، وأراد بما لا علم فيه خلاف الإجماع، ولا خلاف بين الأمة في إباحة الكل، وكلن هذا الاختلاف قبيح جداً ممن يروي كيفية إحرامه لأنه حج تلك الحجة الواحدة، وكانوا حافين حوله، ثم اختلفت رواياتهم كل هذا الاختلاف ثم قال: وثبت، أي وثبت الحديث أنه صلى الله عليه وسلم خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء على ما ذكرنا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري" الخبر، وأراد أن من سنة من ساق الهدى أن يذبحه عند محله ومحل المعتمر إنما يكون عند المروة، فكرة النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبح في ذلك

الموضع، فيصير مذبحاً يؤدي إلى تنجيس المسجد، فلذلك صرف إحرامه إلى الحج ليكون محله بمنى عند الجمرة، فإنه المذبح المسنون.
ثم أن الشافعي طالب نفسه بإثبات تقديم حديث جابر وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم في الإفراد على حديث أنس في القران، [41/ب] فإنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول: "لبيك عمرة وحجاً، لبيك عمرة وحجاً" 1. فإن قال قائل 2: فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وابن عمر دون حديث من قال: قرن؟ ثم أجاب، فقال: قيل لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء الحديث وآخره يعني أن جابراً أقدم صحبة من أنس، فإنه كان معتمراً في ذلك الوقت، وأنه استقصى في الرواية على ما ذكرنا بخلاف غيره.
وروي عن جابر، قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصاً لا يخالطه شيء 3. قال 4: ولرواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى كل حديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه غيرها يرجح روايتها على رواية غيرها خاصة فيما صاحبت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها عنيت بالحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت زيادة توفيق، وقد روى مسلم بن الحجاج: أن عائشة راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث لتمام استفهام، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم يا موفقة"، قال 5: وقرب ابن عمر منه يريد أن أخته حفصة كانت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: أليس الشافعي فصل قبل ذلك بين حديث جابر وطاوس وبين حديث عائشة وابن عمر لأن جابراً وطاوساً يرويان الإجمال في الإحرام، وعائشة وابن عمر، يرويان الإفراد صريحاً، فلما جاء إلى هذا الفصل جمع بين رواية هؤلاء الأربعة، فاختارها دون رواية الإفراد صريحاً، فلما جاء إلى هذا الفصل جمع بين رواية هؤلاء الأربعة فاختارها دون رواية من روى القران، [42/أ] واشتغل بالترجيح، فكيف الجمع؟ قلنا: هؤلاء وإن اختلفت رواياتهم في آخر إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اتفقت رواياتهم في آخر إحرامه على أنه كان مفرداً، فحيث ميز الشافعي بعض روايات هؤلاء الأربعة عن بعض، فإنما قصد به أول إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال 6: ولأن من وصف انتظار النبي صلى الله عليه وسلم القضاء إذا لم يحج من المدينة بعد نزول فرض الحج طلب الاختيار، أي: كان بانتظاره للقضاء طلباً للاختيار فيما وسع الله تعالى له في الحج والعمرة يشبه أن يكون أحفظ، أي: الذي يرون مثل هذا يكون أحفظ من غيره، لأنه قد أتى بالمتلاعنين فانتظر القضاء كذلك حفظ عنه في الحج انتظار القضاء، وكان انتظار القضاء عادته في كثير من الأحكام، وهذا لأنه لا يعلم انتظاره للقضاء إلا بمراعاة حاله وكثرة مطالعته ومراقبته، فتكون روايته أولى فهذا بيان ترجيح رواية الإفراد.
ثم اختار المزني طريقة في المسألة، فقال 7: "إن ثبت حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرن حتى يكون معارضاً للأحاديث سواه فأصل قول الشافعي أن العمرة

فرض وأداء الفرضين في وقت الحج أفضل من أداء فروض واحد لأن ما كثر عمله لله كان أكثر في ثواب الله" يريد أن القياس يدل على تفضيل القران، ولكن إنما يصار إلى القياس بشرط وهو أن يثبت حديث أنس في قران رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعارض أحاديث من يروي الإفراد [42/ب]، ثم إذا تقابل الأحاديث صرنا إلى القياس، ثم كشف قياسه الذي احتج به أن القارن يأتي بالنسكين معاً في الوقت الأفضل، وهو وقت الوقوف، ويوم النحر، ولا يتأتى في ذلك للمفرد والعمل الأكثر في الوقت الأفضل أفضل من الاقتصار على العمل القليل في الوقت الأفضل، وجوابه: أن القارن يقتصر يوم عرفة على الوقوف والمفرد يفعل ذلك، ثم إن القارن يطوف يوم النحر فيباشر سائر مناسك ذلك اليوم، والأيام التي تليه، والمفرد يفعل ذلك أيضاً، ثم يحرم المفرد بعمرة، ويكملها على حدة فكثرة العمل مع المفرد لا مع القارن، وقد قال عليه السلام: "عمرة في رمضان تعدل حجة" 1. وأعلم أن مذهب المزني مثل مذهب الشافعي أن القارن يطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً، ولا يكاد يبين ترجيحه مع هذا المذهب.
وقيل: أن المزني توهم أن الشافعي جعل الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة بالعمرة، فاعترض بهذا.
قلنا: ليس على ما توهمت، بل الإفراد الذي هو أفضل خلاف هذا على ما تقدم بيانه، وذلك أكثر عملاً بلا إشكال، لأن أعمال العمرة في القران تدخل في أعمال الحج، وحكى عن ابن سريج أنه كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متمتعاً.
فمن روى أنه أفرد حجه بعدما اعتمر، ومن روى قرن أراد جمع بينهما في عام واحد، وكان جمعهما على التوالي، أو على المقارنة فعلاً عقيب فعل، واحتج من قال: التمتع أفضل [43/أ]، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً بما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده فيحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" 2. قلنا: أراد به أنه تمتع مع أصحابه، وهو كما يقول الرجل الرئيس في قومه: فعلنا كذا، وهو لا يباشر بنفسه فعل شيء من ذلك، وإنما هو حكاية عن فعل أصحابه يضيفها إلى نفسه على معنى أن أفعالهم صادرة عن رأيه.
واحتج من قال: القران أفضل بما روى عن البراء بن عازب، قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: "كيف صنعت"؟ فقال: قلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "فإني سقت الهدي وقرنت" 3، قال الإمام أبو سليمان الخطابي: وهذا صريح البيان بأنه كان قارناً، لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بما كان نواه قلنا: يحمله على قران الموالاة والضم دون الجمع.

واعلم أن جماعة من الجهال طعنوا فيما ذكرنا، وقالوا: لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد قيام الإسلام إلا حجة واحدة، فكيف يجوز أن يكون في تلك الحجة مفرداً وقارناً ومتمتعاً، وأفعال نسكها مختلفة، وأحكامها غير متفقة، وأسانيدها كلها عند أهل الحديث جياد صحاح، ثم قد وجد فيها التناقض؟ ويريدون تهوين الإخبار، والجواب عن هذا ذكر الشافعي: أن العرب [43/ب] في لغتهم، يجوزون إضافة الفعل إلى الآمر به كما يجوزون الإضافة إلى الفاعل، كما يقولون: بني فلان داراً إذا أمر ببنائها وضرب الأمير فلاناً إذا مر بضربه، وروي: رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً وقطع سارق رداء صفوان ولم يباشره ولا شهده، ولكنه أمر به، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع، وكل واحد منهم أخذ أمر نسكه عن تعليمه فجاز أن تضاف كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى أنه أمر بها وأذن فيها، وكل قال صدقاً، وروى حقاً، ولا ينكره إلا من جهل، أو عاند، والله الموفق.
ويحتمل أن يكون الراوي سمع قوله: لبيك، بحجة وعمرة على سبيل التعليم لغيره وتلقينه ذلك.
فإن قيل: رأي سعيد بن المسيب أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه، ونهى عن العمرة قبل الحج 1، فما معناه؟ قلنا: قد قيل: هذا الخبر لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل حجة، وجواز هذا إجماع، فلا يترك الأمر الثابت المعلوم بالأمر المظنون، ثم يحتمل أنه نهى اختيار، أو أنه أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين وأهمهما، ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقوت، وقد قدم الله تعالى اسم الحج عليها، [44/أ] فقال: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فإن قيل: أليس قد قال معاوية بن أبي سفيان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب جلود النمور وعن كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذا فلا، فقال: أنها معهن ولكنكم نسيتم 2، فما معناه؟ قلنا: يشبه أن يكون ذلك على معنى الإرشاد ويجري الآخر ليكثر العمل، ويتكرر القصد إلى البيت، كما روى عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: إن أتم الحج والعمرة أن لا يكونا في أشهره فلو أفردتم هذه العمرة حتى تزورا هذا البيت زورتين كان أفضل، وقال عمر رضي الله عنه: أفصلوا بين الحج والعمرة، فإنه أتم لحجتكم وعمرتكم، وقيل: لم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية، ولم يساعدوه عليه، ويشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى تأويل قول حين أمر أصحابه في حجته بالإحلال فشق عليهم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي"، وكان قارناً عند فحمل معاوية هذا الكلام منه على النهي.

باب صوم التمتع بالعمرة إلى الحج

مسألة: قال 1: قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196] فإذا أهل بالحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة صار متمتعًا.
أعلم أن التمتع جائز في قول الكافة إلا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: متمتعان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهي عنهما بل أعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج، والدليل [44/ب] على جواز هذه الآية.
وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "من أراد أن يهل بالحج، فليفعل ومن أراد أن يهل بالعمرة، فليفعل، ومن أراد أن يهل بالحج والعمرة، فليفعل" 2 والأخذ برواية الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الأخذ بقول عمر رضي الله عنه.
وتأول بعض الناس حديث عمر رضي الله عنه أنه أراد ما كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإحرام بالحج، ثم الفسخ بالعمرة، وهذا التأويل ليس بشيء لأنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يأتي أحدكم من أفق من الآفاق شعثًا نصبًا فيحرم بالعمرة، ثم يطوف، ويسعى ويحلل، فيذهب شعثه ونصبه، ثم لا يحج لا شعثًا ولا نصبًا، والحج أفضل من العمرة فعمر رضي الله عنه ذهب إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الحاج أشعث أغبر" فاستحب أن يكون ذلك في الحج، فلا يصح هذا التأويل فيحتمل على أنه نهي عن ذلك تنزيهًا واستحبابًا، وهو مع هذا متروك على اجتهاده وحده.
فإذا تقرر هذا فالمتمتع يلزمه الدم لما ذكرنا من الآية وإنما يلزمه الدم بخمس شرائط: أحدهما: أن يعتمر في أشهر الحج.
والثاني: أن يحج من سنته.
والثالثة: أن يقول: الإحرام بالحج من الميقات، فيحرم به من مكة، ولا يرجع إلى الميقات.
والرابعة: أن لا يكون من حاضر المسجد الحرام.
والخامسة: أن ينوي التمتع عند الإحرام بالعمرة ومروره على الميقات، وذكر أبو حامد شرطًا سادسًا، قال: قال الشافعي في "القديم": إذا مر على الميقات ولم يحرم [45/أ] بالعمرة حتى صار بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فأحرم فإنه لا يجب عليه التمتع لأنه صار كأنها من حاضري المسجد الحرام، ولكنه يجب عليه الدم لتركه الإحرام بالعمرة من الميقات مع إرادتها، وهذا ضعيف.
وذكر القفال شرطًا آخر، وهو أن يشترط أن يكون الحج والعمرة جميعًا من شخص واحد، فإن اعتمر عن غيره وحج عن نفسه، أو بالضد منه، فلا دم عليه قولًا واحدًا، واختيار الحضري.

وقيل: فيه قولان، هل هو شرط أم لا؟، وقال أبو حامد: نص الشافعي في أخريات المواقيت من "القديم" أنه يلزمه الدم سواء حج عن غيره، واعتمر عن نفسه، أو اعتمر عن غيره وحج عن نفسه.
قال: وقال بعض الناس لا يلزمه الدم إذا فعل هكذا.
واحتج الشافعي بأن فعله للحج والعمرة عن غيره بمنزلة فعل ذلك الغير عن نفسه، وصار فعله في حق نفسه كالمعدوم، فإذا اعتمر بعده من أدنى الحل، فهو مريد للإحرام بالعمرة، مر على الميقات، ولم يحرم، ثم أحرم فعليه دم، وكذلك على العكس، وهذا أصح.
فإذا تقرر هذا، فأما الأول، فإنه أن أحرم بالعمرة وأتى بأفعالها في غير أشهر الحج، ثم أحرم بالحج في أشهر الحج لم يكن مضيعاً، ولم يجب عليه الدم لأنه لم يأت بالعمرة في زمان الحج كالمفرد، فإنه لما أتى بالعمرة بعد أشهر الحج لم يجب عليه الدم بالإجماع.
وأما إذا أحرم بالعمرة في رمضان، ثم أتى بأعمالها في شوال، فيه قولان: قال في "القديم" و"الإملاء": يجب عليه الدم، ويكون متمتعاً، ووجه أنه أتى بأفعال العمرة في [45/ب] أشهر الحج، واستدامة الإحرام بها بمنزلة ابتدائه، فهو كما أحرم بها في أشهر الحج.
وقال في "الأم": لا يجب عليه الدم.
وبه قال أحمد أنه أتى بنسك لا يتم العمر إلا به في غير أشهر الحج، فلا يكون متمتعاً كما لو طاف، وهذا أصح لأنه لو حصل الاستدامة كالابتداء لوجب إذا أحرم بالحج قبل أشهره واستدامته يجوز، وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر أعمالها في أشهر الحج يكون متمتعاً، فقوله خارج عن قولنا وحكي عن مالك أنه قال: إذا لم يتحلل من إحرام العمرة حتى دخلت أشهر الحج صار متمتعا، وهذا غلط لأنه أتى بأفعال العمرة في غير أشهر الحج، فلا يجب الدم كما لو تحلل قبلها.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنا إذا جعلناه متمتعاً إذا أتى الإحرام في رمضان لو أتى بأكثر الأعمال في رمضان، ولكن الفراغ منها كان في شوال، فيكون متمتعاً أيضاً حتى إذا قلنا: الخلاف من النسك، ولم يوجد ذلك إلا في شوال يكون متمتعاً، الاعتبار بالفراغ، وهذا غلط قبيح، وإنما هو قول مالك، والشافعي حين جوز الإحرام في رمضان على معنى أنه يستديم للإحرام إلى أشهر الحج، فيكون كابتدائة فيها، وفي الأعمال لا يمكن أن يقال مثله، فلا يصح هذا القول بحال.
وقال ابن سريج: أن أحرم بالعمرة ومر بالميقات بعدما دخل أشهر الحج كان متمتعاً، وأن مر به قبل ذلك لم يكن متمتعاً، لأن ما قبل أشهر الحج لا يقدر على الإحرام بالحج [46/أ]، وفي أشهر الحج يقدر عليه، فإذا أخل به مع القدرة يلزمه دم، وهذا خلاف نص الشافعي.
فإن قيل: أليس المتمتع إذا لم يطف طواف الزيارة إلا بعد أشهر الحج لم يبطل بذلك تمتعه لأنه أتى بأكثر أعمال الحج في أشهره؟ قلنا: فرق بين التقديم والتأخير، ألا ترى أن تقديم إحرام الحج على أشهره لا يجوز عندنا، ويكره عند أبي حنيفة، ولا يكره التأخير؟ فكذلك في حق المتمتع.
وأما الشرط الثاني: لو لم يتوجه بأن أقام بمكة إلى العام الثاني، ولم يحج في ذلك السنة، أو رجع إلى بلده، ثم عاد إلى الحج في السنة الثانية، فلا دم عليه لأنه أبعد حالاً من المفرد، لأن المفرد يأتي بالحق والعمرة في سنة واحدة، وهذا أتى بها في

سنتين، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، وهذا يقتضي الموالاة بينهما.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال ابن خيران: ونص الشافعي عليه في رواية حرملة بشرط أن يكونا في شهر واحد، أما في شوال، وإما في ذي القعدة، وإما في ذي الحجة، فيعتمر في ذلك الشهر ويحرم بالحج فيه، وهذا قول لا يحكي ولين وليس بشيء.
وأما الشرط الثالث فلا خلاف فيه، فإن أحرم بالحج من جوف مكة ومضي إلى عرفات استقر عليه دم المتمتع، ولو عاد إلى الميقات، أو حرم بالحج منه لم يجب الدم، وإن أحرم بالحج من مكة، ثم عاد إلى الميقات محرماً، ثم مر بعرفات، فهل يسقط عنه دم التمتع؟ وجهان: أحدهما: يسقط لأنه كان يلزمه للترفه بترك الإحرام من الميقات، والآن أتى بأكثر من ذلك، ولم يترفه بشيء [46/ب].
والثاني: لا يسقط لأنه لزمه الدم بإحرام الحج من مكة، فلا يسقط بعده، وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط حتى يعود إلى بلده.
وهذا غلط لأن بلده لا يجب عليه الإحرام منه ابتداء بالشرع، فلا يتعلق سقوط دم التمتع بالعود إليه كسائر البلاد.
وقال القفال: وهكذا القارن إن دخل مكة، ثم خرج منها إلى عرفة، استقر عليه دم القران.
ولو خرج إلى الميقات محرماً، ثم خرج إلى عرفات، هل يسقط دم القران؟.
وجهان، والأصح هنا أنه لا يسقط، لأن اسم القران لم يزل، وهناك يحتمل أن يقال التمتع اسم لمتعته بترك الميقات في الحج فيزول الاسم بعوده إليه.
فإذا تقرر هذا فإن هذا المتمتع إذا لم يرد العود إلى ميقات بلده صارت مكة ميقاته، ولزمه الإحرام بالحج منها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه المتمتعين بذلك، فإن أحرم بالحج من مكة، فلا كلام، وعليه دم التمتع، وأن خرج من مكة، فأخرم غي الحل خارج الحرم، فقد ترك ميقاته فإن عاد إلى مكة محرماً، فلا شيء عليه، وصار كما لو أحرم من مكة، وإن لم يعد ومضى إلى عرفات.
قال أصحابنا: يلزمه الدم، وقد ذكرنا هذا.
وقيل: يجب عليه هذا الدم، ويكون دماً غير دم التمتع، وهذا لا يصح لأن دم التمتع إذا كان لترك الميقات لا يلزمه دم آخر لذلك أيضاً.
ولا فرق بين أن يترك من مسافة إحرامه [47/أ] قليلاً أو كثيراً في إيجاب دم واحد فقط.
وقال القفال: لو لم يرجع المتمتع لإحرامه بالحج إلى ميقاته الذي مر به، ولكن رجع إلى مثل تلك المسافة من ناحية أخرى يكون كما لو رجع إلى الميقات، وخرج عن أن يكون متمتعاً.
وقال أيضاً: يخرج إلى موضع يقصر إليه الصلاة من مكة، فيكون كالرجوع إلى الميقات، ولهذا وجه كأنه اعتبر أن يكون من غير الحاضرين.
وذكر أيضاً أن الشافعي قال: فمن أراد التمتع، فجاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بالعمرة، ثم لما فرغ منها أحرم بالحج، فهو متمتع، وأن رجع إلى الميقات، فليس بمتمتع.
وقال أصحابنا: إذا لم يرجع فعليه دمان: دم التمتع، ودم الإساءة بترك الميقات في العمرة، وهذا صحيح.
وأما الشرط الرابع: فلا خلاف فيه لقوله تعالى: "ذلك لمن لم

﴿يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: 196], وهذا شرط عاد إلى إيجاب الدم دون التمتع في قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196], لأن الاستثناء يعُود إلى الحكم لا الخبر الذي يقدم, ولأن الدّم إنما يلزم لترك الميقات, وهو لم يترك, وهؤلاء من كان بينهم وبين الحرم مسافة لا تقتصر فيها الصلاة من كل ناحية.
وأما الشرط الخامس: وهو نية التمتع اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يشترط, وهو اختيار القفال لأن وجود الحجّ من في سنتهِ يغني عن هذه السنة.
والثاني: أنها تشترط حتى يلزمه حكم الميقات للإحرام بالحجّ بتلك النيّة, [47/ ب] فيلزمه الدم إذا أحرم بالحجّ من مكة, وهذا لأنه جمع بين العبادتين في وقت أحدهما, فلا بدّ من النيّة كالجمع بين الصلاتين, ومتى تجب هذه النية؟ فيه وجهان: أحدهما: عند الإحرام بالعمرة.
والثاني: قبل التحلل منها, فإذا نوى من حين الإحرام بالعمرة إلى أن يفرغ منها جاز, وأصل الوجهين أن من جمع بين الصلاتين في وقت أحدهما لابدّ من أن ينوي الجمع, ومتى ينوي؟ قولان على ما ذكرنا.
فَرْعٌ في وجوب دم التمتع هل يشترط أن يكون النسكان من واحد؟ وجهان, فإذا قلنا: لا يشترط فاستأجره رجلان ليحجّ عن أحدهما, ويعتمر عن الآخر, وكانا أذنا جميعًا في التمتع.
من أصحابنا من قال: يجب الدم عليهما نصفين لأن التمتع ركنان حجّاً وعمرة, وقد أذنا فيه, فصار موجبة بينهما, والصحيح أن الدم على الأمر بالحجّ؛ لأن عندنا هو دم جبر ولم يقع من مسك العمرة فقصر لأنه أحرم بها في الميقات, وأتى بأفعالها كاملة, وإنما التقصير, وقع في الحجّ لترك الإحرام به من الميقات.
فَرعٌ آخرُ لا يكره للمكي ولا لمن أهله حاضري المسجد الحرام تمتع, ولا قران, ولكن لا دم عليهم.
وقال مالك: وهذا لأن دم القران والتمتع إنما يلزم لذبح سفر, والمكي لا يلزمه السفر, ولا يلزمه أن يحرم من الميقات لأنه يحرم بالقران من جوف مكة لأنه إذا خرج إلى عرفة حصل له الجمع بين الحلّ والحرم, ويحرم في التمتع بالعمرة من أقرب الحل, والحجّ من جوف مكة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: [48/ أ] لا يصحّ منهم تمتع, ولا قران, وإذا أحرم بهما, أو انقضت عمرته, وإن أحرم بالحجّ بعدما فعل شوطًا من الطواف للعمرة, أو نقض حجّه في قول أبي حنيفة, نقضت عمرته في قول أبي يوسف ومحمد, وإن أحرم بعد أكثر فعل الطواف مضى فيهما, ووجب عليه دم جبران, واحتجوا بما روي عن ابن عمر, قال: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران, وهذا غلط لأن كل من لا يكره منه الإفراد لا يكره منه القران.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يكره له القران والتمتع, فإن فعل يلزمه دم الإساءة بارتكاب فعل منهي عنه, وليس بدم التمتع.

مسألة: قال 1: وله أن يصوم حين يدخل الحجّ.
الفَصْلُ الكلام الآن في حكم الهدي والصوم الواجب على المتمتع, والكلام في الهدي في فصلين: أحدهما: في وقته, ووجوبه.
والثاني: في وقت جوازه.
فأما وقت وجوبه إذا فرغ من العمرة, وأحرم بالحجّ يلزمه الدم لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196], وإنما يسعى متمتعًا إذا أحرم بالحجّ, وأراد بما استيسر: دم شاه, أو سبع بدنة وبقرة, فإن أهدى بدنة أو بقرة كان أفضل.
وحكي عن عطاء أنه قال: لا يلزمه الدم حتى يقف بعرفة وحكي عن مالك أنه قال: لا يلزمه الدم حتى يرمي جمرة العقبة, فاعتبر إكمالها.
وأمّا وقت جواز إخراجه فإن ذبح بعد الوجوب جاز, وهو بعدما أحرم بالحجّ, والمستحب تأخيره إلى يوم النحر.
وهذا غلط لأنه دم يتعلق بالإحرام, وينوب عنه بصوم, فجاز قبل يوم النحر كدم الطمث, ولو ذبح قبل الفراغ من العمرة لا يجوز قولاً واحدًا لأنه لا ينطلق عليه اسم التمتع, وإن ذبح بعد التحلل من العمرة قبل الإحرام بالحجّ قد قيل فيه قولان, وهو الأظهر, وقيل: وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه لم يحرم للحجّ, فأشبه ما إذا لم يفرغ من عمرته, أو الهدي يتعلق به عمل البدن, وهو يفرق لحمه, فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه كالصوم.
والثاني: يجوز, وهو الأصحّ لأنه حق هو مال يجب بأسباب, فجاز تقديمه على بعض أسبابه: كالكفارة والزكاة.
وقال القفال: هل يجوز قبل فراغه من العمرة؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن أحد السببين لم يتم بعد.
والثاني: يجوز, لأن السبب هو: الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ لا الفراغ منها, وهذا خلاف المنصوص, ثم إذا عدم الهدي يجوز الانتقال إلى الصوم وإن واجدًا في بلده, وما دام واجدًا له لا يجوز الصوم لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196], وبفارق هذه الكفارة إذا كان واجدًا للرقبة في بلده لا يجوز له الانتقال إلى الصوم في مكانه؛ لأن البدل هناك غير مؤقت, وههنا البدل مؤقت, فاعتبر القدرة والعجز في موضعها كما في الوضوء مع اليتيم.
وفي كفارة الظهار وجهان: أحدهما: يعتبر القدرة على الرقبة في مكان دون [49/ أ] بلده, لأن عليه إضرارًا في تأخيرها لأن إباحة الوطء يتعلق بها.
والثاني: يعتبر عدمها على الإطلاق لما ذكرنا من عدم الوقت.

وإذا عدم المتمتع المال, ولا يرجو وجود المال في أيام الحجّ, فلأولى أن يعجل الصوم لأن المبادرة إلى أداء العبادة أولى, وإن كان لا يجد المال في الوقت, ولكنه بناء على ما لو لم يجد الماء إلا أنه يتحقق الماء في آخر الوقت, ولو كان لا يتحقق وجود الهدي, ولكن يرجو وجُده له أن يصوم, وهل الأفضل له أن يعجل أم يؤخر؟ وجهان: كالحكم فيمن يرجو وجُود الماء بعد دخول وقت الصلاة وهو يرجو وجود الماء في آخر الوقت, قولان.
ثم إذا انتقل إلى الصيام, فهي عشرة أيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع ووقت صيام الثلاثة ما بين الإحرام بالحجّ, ويوم النحر يكون آخره يوم عرفة, لأن الصوم لا يصحّ بعده, فإن أراد صيام الثلاثة قبل إحرامه بالحجّ لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصوم إذا أحرم بالعمرة, وناقض في ذلك حين لا يجوز الهدي في ذلك الوقت مع أنه ماليًا, ويجوز الصوم مع كونه عبادة بدنية, وهو بدل الهدي, أو يقول: كل وقت لا يجوز فيه المبدل [49/ ب] لا يجوز فيه البدل أصله قبل الإحرام بالعمرة, أو صوم ولجب, فلا يجوز تقديمه على وقتِ وجوبه كصوم رمضان.
وعن أحمد روايتان: أحدهما: كقول أبي حنيفة.
والثانية: يجوز بعد التحلل من العمرة, فإذا تقرر هذا, فإن لم يصم الثانية حتى جاء يوم النحر, فالمذهب أنه يصوم بعده, ولا يفوت بفوات يوم عرفة.
وبه قال مالك: لأنه صّوم واجب, فلم يسقط بفواتِ وقتهِ كصوم رمضان.
وقال ابن سريج: يحتمل قولاً مخرجًا أنه يسقط بفواتِ وقته إلى الهدي, ولا يجوز الصوم بحالٍ, ويستقر الهدي في ذمته, ولا يلزمه لتأخير الصوم شيء.
وبه قال أبو حنيفة, إلا أنه يقول: يلزم دم آخر للتأخير, وهذا التخريج من ابن سريج مما قال الشافعي إذا وجب عليه الصوم بالإحرام بالحجّ, فمات عقيبه فيه قولان: أحدهما: عليه الهدي.
والثاني: لا شيء عليه, فأسقط عنه بالموت, فكذلك بفوات الحجّ, وهذا تخريج بعيد لأن صوم رمضان يسقط بالموت إذا مات قبل التمكن من أدائه, ولا يسقط بفوات وقته, كذلك ههنا.
وحكي عن أحمد أنه قال: إن أخّر الصوم من غير عذر وجب عليه دم آخر للتأخير.
وهذا غلط لأنه صّوم يجب بفواته القضاء, فبم تجب به كفارة كصوم رمضان, ولأنه يستحيل وجوب مثل المبدل معه في الأصول, فإذا قلنا: له الصيام بعده لم يجز أن يصوم يوم [50/ أ] النحر.
وفي أيان التشريق قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يجوز له أن يصومها, وبه قال ابن عمر وعائشة ومالك وأحمد في رواية لما روي عن عائشة رضي الله عنها, قالت: رَخص رسول الله صلى الله عليه وسلم

للمتمتع إذا لم يجد الهدي, ولم يصم الثلاثة من العشرة أن يصوم أيام التشريق 1. والثاني: قاله في "الجديد", وهو الصحيح أنه لا يجوز, وروي ذلك عن علي رضي الله عنه.
وبه قال أبو حنيفة, والقَول الآخر مرجوع عنه لأن الشافعي قال ههنا: وكنت أراه, أي كنت في "القديم" أرى جواز ذلك, وقيل: إن الشافعي رضي الله عنه قال في "الجديد": قال قوم: يصوم أيام منى, وقد كنت أراه, وأما الآن لا أراه.
ثم تأول ما روي عن بعض الصحابة, فقال: وقد يكون من يصوم أيام منى ذهب عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها يعني ما رواه أبو هريرة, أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام 2.... الخبر.
وروى أبو هريرة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة السهميى يطوف قي منى أن لا تصوموا هذه الأيام, فإنها أيام أكل وشرب, وذكر الله تعالى 3. وأما خبرهم رواه يحيى بن سلام, وهو ضعيف وربما يروون عن عبد الغفار بن القسم عن الزهري عن عمرو, وعن عائشة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: لم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد في صيام أيام التشريق إلا ممتع, أو محصر وعبد الغفار هذا أخطأ في إسناده, وهو ضعيف أيضًا, ثم إن المزي أيّد [50/ ب] هذا القوي, فقال: قوله هذا أقيس, لأن النبي صلى الله عليه وسلم سوى في نهيه عنها وعن يوم النحر, فإذا لم يجز صيام يوم النحر للنهي, فكذلك أيام منى, فإذا قلنا: لا يجوز صيام أيام التشريق أتى بها بعدها قضاء.
وإذا قلنا: يجوز لها أن يصومها أتى بها في أيام التشريق أداء فإن فاته فيها أتى بها بعدها, وكان قضاء, فكان آخر وقت الأداء قولين, ففي القديم وقت الأداء إلى آخر أيام التشريق.
وفي "الجديد": إلى آخر يوم عرفة.
فَرْعٌ لو وجد المتمتع الهدي بعد العدم, فإن وجَده بعد الفراغ من الصوم لم يلزمه ذبحه, وإن وده وهو في الصوم, فلا فصل له أن ينتقل إلى الهدي, فإن مضى في صومه أجزأه كما يقول في المتيمم إذا رأى الماء في صلاته يمضي فيها, ولا فرق بين أن يجده في أثناء صوم الثلاثة, أو في أثناء صوم السبعة.
وبه قال مالك وأحمد في روايته, وقال المزني: يلزمه العود إلى الهدي بكل حال, وقال أبو حنيفة: إن وجده في صوم الثلاثة يلزمه العّود إلى الهدي, وإن وجده في صوم السبعة لا يلزمه العَود إلى الهدي, لأن صوم الثلاثة بدل عن الهدي دون صوم السبعة, وهذا غلط لأن الله تعالى جعل جميع العشرة بدلاً عن الهدي لأنه أوجبها عند عدم الهدي, فلا يلزمه الخروج منه بوجود الهدي كالسبعة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو وجد الهدي بعد أن صام الثلاثة [51/ أ] قبل يوم النحر يلزمه العود إليه

أيضًا, وإن وجده بعد مضي أيام النحر أجزأه الصوم, وإن لم يتحلّل, لأنه مضى زمان التحلّل وقبل ذلك كان زمان التحلّل, وهذا غلط أيضًا لمل ذكرنا.
فَرعٌ آخرٌ لو أحرم بالحجّ, وهو معسر فكان فرضه الصوم, ثم أيسر قبل دخوله في الصوم, ووجد الهدي فيه قولان بناء على أن الإعسار في الكفارات بحالة الأداء أم بحالة الوجُوب, فإن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب لا يلزمه ذبحه, ويجوز الصوم له, وإن قلنا: بحالة الأداء يلزمه ذبحه, ولا يجوز له الصوم, وقيل: في الكفارة قولٌ ثالث, يعتبر بأغلظ الأحوال, فعلى هذا ههنا يعتبر بالأغلظ, ويلزمه الهدي, وكذلك لو أحرمَ به, وهو موسور, ثم أعسر قبل الإتيان بالدم, هل يجزئه الصيام؟ على الاختلاف.
فَرعٌ آخرٌ لو لم يصم المتمتع حتى مات, قال القاضي في كتبه الجديدة: إن كان لم يمكنه أن يصوم لم يجب شيء, وإن أمكنه أن يصوم, فلم يصم تَصَدّق عنه مكان كل يوم مُدّ من حنطةٍ, ثم فيه قولان: أحدهما: يلزمه أن يفرقه على مساكين الحرم لأنه مال وجب بالإحرام كالدم.
والثاني: الأولى أن يفرق فيهم, فإن فرقه في غيرهم جاز لأن الإطعام بدل عن الصوم الذي لا يختص بالحرم, وقال في "القديم": يصوم عنه وليه, والمذهب الأول.
فإن مات بعد القدرة على بعضها دون بعض أطعم عن كل يوم قدر ما كان عليه مدّاً, ولا شيء في الباقي, وفال أبو إسحاق: ذكر الشافعي في "مختصر الحجّ" في هذه المسألة قولين: أحدهما: يتصدق عنه [51/ ب] عن كل يوم بدرهم, فيكون عن العشرة عشرة دراهم, والثاني: يخرج عن يوم ثلث دم وعن يومين ثلثي دم وعن ثلاثة فصاعدًا شاة, وهذا أيضًا غير صحيح.
وإنما ذكر أصحابنا هذه الأقاويل في إتلاف الشعر والظفر, وترك الحصيات لا في هذا الموضع, وقال في "الأم": من لم يجد الهدي, ففرضه الصيام, فإن مات من ساعته فيه قولان: أحدهما: عليه الهدي, ومعناه يطعم عنه, لأن الهدي لم يجب عليه أصلاً, لأنه لم يجد.
والثاني: لا شيء عليه, وهو الأصحّ لأن الهدي لم يجب عليه, ولم يتمكن من الصوم والإطعام لفوات صوم مقدور, وههنا لم يقدر, ووجه القول الأول أنه لا يمكن أن يصام عنه, ويمكن أن يهدي, فوجب الهدي على ما ذكرنا من التأويل.
وقيل: يقضي عنه الدم بعد موته ببيع عروضه التي لم يلزمه بيعهما في حياته.
وأما وقت صوم السبعة, قال تعالى: ﴿وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196], واختلف فيه قول الشافعي, فقال حرملة ونقلة المزني: يصوم إذا رجع إلى أهله واستقر 1 وهو الصحيح لأن الرجوع إذا أطلق فيمن خرج من أله يقتضي رجوعًا إليهم لأن الرجوع في

الحقيقة رجوع إلى المكان الذي خرج منه.
وقال في "الإملاء": يصوم السبعة إذا رجع من حجّه بعد كمال مناسكه.
ثم اختلف أصحابنا في هذا, فقال جماعة: مذهبه في "الإملاء": أنه يصومها إذا أخذ في الخروج من مكة راجعًا إلى بلده, ولا يجوز له أن يصوم بمكة قبل خروجه, وهو اختيار أصحابنا بالبصرة.
وقيل: إنه قول مالك, وهو اختيار أبي إسحاق, وقال أصحابنا البغداديون: مذهبه في "الإملاء" أنه يصومها إذا رجع إلى مكة بعد فراغه من مناسكه ورميه سواء أقام بمكة, أو خرج منها.
وبهذا قال ابن عباسٍ والحسن وعطاء [52/ أ] ومالك وأبو حنيفة وأحمد, واحتجوا بأن كل من لزمه صوم, وله أن يؤديه إذا رجع إلى وطنه له أن يؤديه قبل ذلك لقضاء رمضان, وهذا غلط لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المتمتع: "من كان معه هدي فليهده ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله".
وهذا نص صريح, فإذا قلنا بالقول الصحيح, فالمراد بالوطن موضع العزم على الاستيطان فيه سواء كان البلد الذي خرج منه, أو غيره حتى لو أقام بمكة كانت وطنه وصامها فيها, فعلى هذا وقت جواز فعلها حصوله في موضع الاستيطان, ولو صام قبل ذلك لم يجهزه لأنه لا يجوز أداء العبادة البدنية قبل دخول وقتها ولو أخّر صيامها مع القدرة عن هذا الوقت كان مسيئًا وأجزأته, وإذا قلنا بقول "الإملاء" على اختيار أبي إسحاق يصومها إذا خرج من مكة, فإن صام قبله لا يجوز, ولو أخّرها حتى رجع إلى أهلهِ كان مسيئًا وأجزأته.
هكذا قال "الحاوي" 1, وقال سائر أصحابنا: أجزأته, وهل الأفضل له التأخير إلى الرجوع إلى أهله أم التقديم على ذلك؟ قولان: أحدهما: الأفضل له التقديم لأن تعجيل العبادة في أول وقتها أفضل عند القدرة.
والثاني: التأخير أفضل.
وبه قال مالك لأنه مختلف في جوازه قبل ذلك وفعل العبادة على الوجه المجمع أولى.
وإذا قلنا بقول "الإملاء" على اختيار البغداديين يصومها إذا فرغ من أعمال حجّه, فإن صام قبل فراغه من جميع أعمالهِ لم يجز, وإن صام بعد فراغه من جميع أعمال حجّه, وهو بمكة, أو في طريقه أجزأه, وأما متابعة صيام الأيام الثلاثة في الحجّ, والسبعة الأيام إذا رجع فمستحبة وفي وجوبها وجهان مخرجان [52/ ب] من القَولَين في التتابع في صوم كفارة اليمين ذكره الإمام والدي, وصاحب "الحاوي" 2 وسائر أصحابنا ذكروا: أنه يجوز متتابعًا ومتفرقًا بلا خلاف لأن الله تعالى أطلق ولم يشترط التتابع, وإن لم يصم الثلاثة في الحجّ, فمتى عاد إلى وطنه يلزمه صَوم العشرة ثلاثة أيام قضاء وسبعة أداء, فهل يلزمه أن يفرق بين الثلاثة أو السبعة؟ المنصوص أنه يلزمه التفريق بينهما, وهو قول الأكثرين من أصحابنا.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه, وله أن يصوم العشرة متابعة, لأن التفريق وجب في الأداء لأجل الوقت, فإذا فات الوقت يسقط كترتيب الصلوات في أوقاتها تسقط بفوات الوقت.

وبه قال أحمد, وهذا غلط لأن التفريق في الأصل من ناحية الفعل دون الوقت لأنه قيل له: صم الثلاثة قبل الفراغ من الحجّ وصُم السبعة بعد العود إلى الوطن وعوده فعل من جهته قد يعود في مدة يسيرة, ومدة كثيرة, وما كان مستحقًا من ناحية الفعل يفوت بفوات الوقت كترتيب أفعال الصلاة.
فإذا قلنا بالقول الأول يصوم كيف شاء, ولو قدم السبعة على الثلاثة يجوز.
وقال والدي: فيه وجهان, والأصحّ ما ذكرت.
وإذا قلنا بالقول الثاني, وهو الصحيح, يجب التفريق بينهما بالمقدار الذي كان يفرق بينهما بالأداء, وذلك مبني على القولين في صوم السبعة, والقولين في صيام أيام التشريق, فإن قلنا بقوله الجديد: إن صيام التشريق لا يجوز وصوم السبعة لا يجوز إلا بعد الرجوع إلى الوطن وجب التفريق بينهما بأربعة أيام ومدّة السفر.
وإن قلنا بقوله القديم: إن صيام أيام التشريق يجوز والرجوع إلى الوطن [53/ أ] وهو المراد وجب التفريق بينهما بقدر المسافة, وإن قلنا: صوم السبعة يجوز بعد الفراغ من الحجّ, وقلنا: لا يجوز صيام أيام التشريق ففرق بينهما بأربعة أيام, وإن قلنا: يجوز صيام أيام التشريق لا يفرق بينهما بشيء لأنه كان يمكنه في الأداء أن يؤخّر صيام الثلاثة, ويصومها في أيام التشريق, ثم يصوم السبعة عقبها من غير فصلٍ.
وهكذا إن قلنا: الرجوع هو الأخذ في السير, وهذه الأقوال كلها مخرجة.
ونصّ في "الإملاء" أن أقلّ ما يفرق بينهما بيوم.
ثم اختلف أصحابنا في أصل هذا القول, فمنهم من قال: إنما قاله على القول الذي يقول: يجوز للمتمتع صيام أيام التشريق, ويجوز فيها أيضًا, كل صوم له سبب ولصوم السبعة سببٌ ظاهرٌ, فيفصل بينهما بيوم النحر, وهذا خطأ من قائله, لأن صوم السبعة لا يجوز في أيام التشريق بالإجماع, لأنه إنما يجوز بعد الفراغ من أفعال الحجّ, وفي أيام التشريق ففعل بقية أعمال الحجّ, والصحيح أن يقال: نص على هذا القول, وهو أصل في نفسه, ولم ينبه على غيره, ووجهه أنه إذا أوجب التفريق في الأصل وجب في القضاء وأقل التفريق يوم.
فحصل في المسألة خمسة أقوال: أحدهما: لا يفرق بينهما أصلاً.
والثاني: يفرق بيوم.
والثالث: بأربعة أيام.
والرابع: بأربعة أيام وقدر المسافة.
والخامس: يفرق بقدر المسافة فقط.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان قولاً آخر: يفرق بينهما بخمسة أيام إذا قلنا: أراد الرجوع إلى مكة في قوله تعالى ﴿إذَا رَجَعْتُمْ﴾, ولا يجوز صيام أيام التشريق ويوم الرجوع إلى مكة.
وهذا ليس بشيء.
فَرْعٌ إذا قلنا: [53/ ب] التفريق واجب بحسب الترتيب, فلا يجوز السبعة قبل الثلاثة ولو شرع في السبعة, هل يحتسب عن الثلاثة؟ وجهان, كما لو لم يفرق بين السبعة والثلاثة, وقد قلنا يجب التفريق بيوم, هل تحتسب له الأيام الستة؟ وجهان.

فَرْعٌ آخرُ لو صام هذه العشرة متتابعة من غير تفريق صحت الثلاثة, وأمّا السبعة فمبنيّة على الأقوال الخمسة, فكل زمان لزمه أن يجعله فصلًا بين الصومين لم يصحّ صيامه فيه, فإذا قلنا: لا يجب الفصل بينهما أجزأه الكل, فإن قلنا: يفصل بيوم بطل من السبعة يوم, وإن قلنا: بأربعة أيام بطلت منها أربعة.
وإن قلنا: بأربعة أيام, وقدر المسافة, فإن كانت الأربعة, وقدر المسافة سبعة أيام فأكثر لم يصحّ من السبعة شيء, وإن قلنا: بقدر المسافة, فإن كانت المسافة سبع أيام فأكثر لم يصحّ منها شيء, وإن كانت دون السبعة بطل منها بقدر المسافة, وصحّ ما عداه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يجوز السبعة بحال؛ لأن اليوم الرابع لا يجوز لا محالة, فإذا صام اليوم الخامس فعنده أن اليوم الثاني من السبعة فلم يجزه, ولا يجوز ما بعده على هذا القياس, وهذا ليس بشيء.
وقال الإصطخري: إن صام اليوم السابع بعد صيام الثلاثة أجزأته الثلاثة, والكلام في السبعة وإن نوى السابع صيام الثلاثة عند دخوله فيها لم يجز ويكون فساد نيته قادحًا في صومه.
وهذا غلط فاحش لأن طرد الفساد على صوم بعض الأيام لا يقتضي فساد الصوم في غيره.
ثم قال المزني: قال 1: فإن لم يصم حتى مات يصدق ما أمكنه, وقد ذكرنا هذا, وقال في "الحاوي" 2: إذا مات المتمتع قبل [54/ أ] فراغهِ من أركان الحجّ, فإن كان معسرًا لا شيء عليه, وإن مات موسرًا ففي وجوب الدم قولان: أحدهما: لازم لأن الدم إنما وجب للمتعة بالحجّ, فإذا مات قبل إكمال أركانه لم يكمل الحجّ, فلا دم.
والثاني: وهو الأصحّ يجب الدم, لأنه وجب بدخوله في الحجّ, والدم إذا وجب في الحجّ لم يسقط بموته قبل كماله لدم الوطء.
مَسأَلَةٌ: قالَ 3: وحَاضرو المسجد الحرام الذين لا متعة عليهم من كان أهله دون ليلتين.
الفَصلُ القصدُ به بيان حاضري المسجد الحرام من هم؟ وقد قال ههنا: من كان أهله دون ليلتين أي داره من مكة على دون مسافة القصر.
وبه قال أحمد, ثم أوضح ذلك, فقال: وهو حينئذٍ دون أقرب المواقيت, أي: أقرب إلى مكة من أقرب المواقيت, لأن أقرب المواقيت فيما قبل هو ذات عرق, وهي على مسافة ليلتين, ثم زاد في "الإيضاح", فقال: ومن سافر إليه, أي: إلى هذا الموضع الذي جعلناه من حاضري المسجد الحرام صلى صلاة الحضر لا يجوز فيه القصر, ثم زاد أيضًا فقال: ومنه يرجع من لم يكن آخر عهده بالبيت حتى يطوف, وأراد أن على من أراد الخروج من مكة أن يودع البيت بالطواف فمن نفر قبل الداع عليه الرجوع ما لم يبلغ سفره مسافة

القصر، فإن جاوز ذلك لا يلزمه الرجوع، وأجزأه دم.
جملة هذا أن الطواف في الحجّ ثلاثة طواف القدوم، وطواف الزيارة وطواف الوداع، فأمّا طواف القدوم، فهو أن الحجّ أو المقيم، أو غيرهما إذا دخل مكة يستحب له أن يطوف بالبيت عند قدومهِ، وهذا الطواف ليس من مسنونات الحجّ، ولا من أفعاله الراتبة، بل هو تحية المسجد ألا تري [54/ب] أن المكي لا يفعله، فإن تركه لم يلزمه شيء، وذكر القفال في "شرح التلخيص" قولا مخرجًا يلزم دم قياساً علي طواف الوداع، وليس بشيء، وأمّا طواف الزيارة هو أن الحاج إذا فرغ من الوقوف، والمبيت بمزدلفة عاد إلي مكة وطاف طواف الزيارة، وهذا ركن في الحج تركه يبطل الحجّ، ولا يجبر بالدم بحال، وأما طواف الوداع فهو ما ذكرنا.
وهل يجب الدم بتركه؟ قولان: أحدهما: يجب، نصّ عليه في " الأم".
والثاني: لا يجب، نصّ عليه في "الإملاء".
فإذا قلنا: يجب، فإن ذكر قبل أن يجاوز ما لا يقصر إليه الصلاة يلزمه أن يرجع، لأنه بعيد من حاضري المسجد الحرام، فأشبه إذا ذكر، وهو بمكة، وإذا رجع وودعَ لا يلزمه الدم، وإن ذكر، وقد جاوزه استقر عليه الدم، فإن رجع وودع لم يسقط عنه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه يسقط عنه الدم، وإذا قلنا: لا يجب استحببنا له العود، وإن ذكر بعدما جاوز استحببنا له الدم، وقال مالك: حاضر المسجد الحرام من كان أهله في الحرم.
وروي هذا عن ابن عباسٍ ومجاهد والثوري، وحكي عن مالك أنه قال: من كان بمكة وذي طوي.
وقال أبو حنيفة: من كان في المواقيت، أو دونها مما يلي مكة.
وهذا غلط لأن الحضور عند العرب عبارة عن المقاربة، فمن حلّ بالحرم والميقات لزمه أن يعد القرب من الغائبين، وهو إذا كان يسكن التنعيم فإنه حلّ أو يسكن العقيق، فإنما قبل الميقات ويجعل البعيد من الحاضرين، وهو من يسكن ذا الحليفة من الحاضرين عند أبي حنيفة وبينه وبين مكة قريب مائة فرسخ.
وهذا محال، ولأن اعتبارنا أولي لأنه بمنزلة الحاضر فيه [55/أ] في أنه لا يترخّص ترخّص المسافرين إذا قصده.
فَرّعُ يعتبر مسافة القصر في حق حاضري المسجد الحرام من عمارة مكة، أو من الحرم وجهان: أحدهما: من عمران مكة لأن الله تعالي قال: ﴿لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الإسراء:1]، وإنما أسري به من بيت أمّ هانئ.
والثاني: من الحرم لأن الله تعالي قال: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة:28]، وأراد جملة الحرم.
فَرّعُ آخرُ لو كان للإنسان منزلان، منزل في موضع لا تقتصر إليه الصلاة من الحرم، ومنزل تقصر إليه الصلاة منه، فإن كان في مقامه في أحدهما أكثر كان الاعتبار به.
وإن كان مقامه فيهما

سواء نظر الي ماله، فان كان ماله في أحدهما، أو في أحدهما أكثر اعتبرنا به.
وإن كان ماله فيه سواء اعتبرنا عزمه علي إقامته بعد فراغه من التمتع، فإن عزم علي الإقامة في أحدهما، فالاعتبار به.
نصّ عليه في "الإملاء".
وقال أصحابنا: فإن كان عزمه سواء اعتبرنا موضع إحرامه منه، فيكون من أهل ذلك المنزل، وقيل ذكر هذا ايضًا في "الإملاء".
وقال في "الحاوي" 1: قال أصحابنا: غلب حكم المنزل الذي خرج منه، وقال القاضي حسين: الاعتبار بالعبور علي الميقات، فإن كان في مكة وقت أداء النسك، فهو من الحاضرين، وإن كان عابراّ علي الميقات فحكمه حكم الآفاقي.
فَرّعُ آخرُ لو استوطن المكي العراق أو استوطن العراق مكة، فإن الاعتبار بما آل إليه أمره لأن الدم إنما يجب لترك الإحرام من الميقات.
والمكي اذا استوطن العراق صار ميقاته ميقات أهل العراق، فإذا تمتع فقد ترك الإحرام، وكذلك علي الضّد إذا استوطن العراق.
فَرّعُ آخرُ لو تمتع العراقي فدخل مكة معتمرًا، فلما فرغ من العمرة نوي الاستيطان بها، قال في "الإملاء": لا يسقط عنه الدم لأنه لا يصحّ فيه المقام إلا مع وجود اللبث، وهو لا يمكنه اللبث [55/ب] لأن عليه الخروج إلي مني وعرفات، ولأنه لما مرّ بالميقات فقد لزمه حكم الميقات للحجّ والعمرة، فإن أحرم بالحجّ من مكة، أو من مني لزمه الدم لتركه الميقات الذي لزمه حكمه وهكذا لو خرج من بلده ناويًا للمقام بمكة بعد فراغه من التمتع.
فَرّعُ آخرُ لو طال مقام مكي في بلد ولم يزمع أن يتخذه وطنًا لم يكن عليه دم المتعة لأنه لم يخرج عن كونه مكيًا.
فَرّعُ آخرُ اختلف العلماء في فسخ النبي صلي الله عليه وسلم الحجّ علي أصحابه، فالذي أشار إليه الشافعي "الأم" أنه لم يكن فسخاً بل كان أحرم هو وأصحابه إحراما موقوفًا لا بحجّ ولا بعمرة، ثم أمر من لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة، ومن كان معه هدي أن يجعله حجّاً، وذكر رواية جابر في ذلك.
ومن أصحابنا من قال: فسخ عليهم الحجّ وأمرهم أن يتحلّلوا بعمل العمرة، وعليه يدل ظاهر النقل والأخبار.
قال أبو سعيد الخدري: "خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم نصرخ بالحجّ صراخا، فلما أتينا أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يطوف، ويسعى ويتحلّل فتحلّلنا، ثم خرجنا يوم التروية نصرخ بالحج صراخا"، فإن كان ذلك علي ما أشار الشافعي، فهو جائز في زماننا، وإن كان علي ما نقل في الخبر، فلا يجوز الآن بل كان خاصاً لهم بدليل ما

روى الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه بلال بن الحارث أنه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا أو لنا ولمن بعدنا، فقال: (لا، بل لكم خاصًا) (1)، وقال أبو ذر: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فسخ ذلك إلي العمرة لأن الجاهلية كانت تكره الاعتمار في أشهر الحج ويعدونه من أفجر الفجور، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالعمرة في زمان الحج ليتركوا سنة الجاهلية.
وقال أحمد: يجوز فسخ الحج إلي العمرة [56/أ] لمن لم يسق الهدي في زماننا هذا، وهذا غلط لما ذكرنا، والله أعلم.

بَابُ مواقيت الحجّ

مسألة: قال 2: ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة.
الفَصْلُ اعلم أن للحج ميقاتين: أحدهما من جهة الزمان والآخر من جهة المكان، فأما ميقاته من جهة الزمان فقد مضي بيانه، وذلك الميقات لئلا يقدم الإحرام عليه.
وأما ميقاته من جهة المكان، فهو ما بينه في هذا الباب.
وهذا الميقات إنما هو لئلا يؤخر الإحرام عنه لا لئلا يقدم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأهل كل ناحية ميقاتا علي ما ذكره الشافعي، فميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وهو موضع قريب من المدينة، وأهل الشام والمغرب ومصر وغيرها من الجحفة، وأهل نهامة اليمن يلملم، وأهل نجد اليمن ونجد قرن يريد أن تهامة تهامتان، ولكل واحد منهما ميقات علي حدة، والنجد نجدان وميقاتهما واحد، وهو قرن، وذلك أن الحجاز يشتمل علي نجد وغور، فالنجد بلاد فيها ارتفاع، والغور بطونها والنجد أغلب.
وكذلك اليمن يشتمل علي نجد وغور، ويسمي الغور تهامة، فهما تهامتان/ تهامة اليمن، وتهامة الحجاز ومكة من تهماة الحجاز، وجملته أربعة مواقيت منصوصة بلا خلاف.
روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن.
هذه الثلاثة سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرت أنه قال: (ويهل أهل اليمن من يلملم" 3 [56/ب] لأهل المدينة ذا الحليفة وأهل الشام: الجحفة، وأهل نجد من قرن وأهل اليمن يلملم، وأما ذات عرق، قال الشافعي: وأهل المشرق ذات عرق وهذا الميقات الواحد مما اضطربت فيه الأخبار، واختلفت فيه العلماء وهو ميقات أهل العراق وخرسان ولم يكونو أسلموا علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك أشكل الأمر في ميقاتهم إلا أن أكثر أهل العلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك أشكل الأمر في ميقاتهم إلا أن أكثر أهل العلم علي ما قال الشافعي، وهي علي مسيرة ليلتين من مكة، وروي عن طاوس أنه قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عرق ولم يكن حينئذ أهل1

العراق، وإنما وقت بعده ذات عرق 1، وقال الشافعي في موضع: ولا أراه إلا كما قال طاوس.
وروى أبن جريج عن عطاء قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق ذات عرق 2، قال ابن جريج: فراجعت عطاء، فقلت: إن الناس يقولون: لم يوقت ذات عرق، فقال: سمعنا له وقت لأهل المشرق ذات عرق، والعقيق، فكان عطاء يذهب إلي أن ذلك منصوص عليه وطاوس يذهب إلي أن ذلك غير منصوص عليه.
والشافعي اختار في (الأم) هذا، فقال: لم يبنيه النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أجمع عليه الناس، ووجه ما روي أنه قيل لعمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت لأهل المشرق، ولو أردنا قرن شق علينا، فقال بعضهم: ذات عرق.
وقال بعضهم: العقيق، فوقت عمر رضي الله عنه لهم ذات عرق.
وهذا كان بعد فتح العراق لأهل العراق 3، ومن أصحابنا من قال بقول عطاء، وقال: قد صح الحديث، ولكنه لم يكن وقع إلي الشافعي [57/أ] ولو وقع لقال به، وهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق 4. أورده أبو داود.
وكذلك رواه الحارث بن عمروا السهمي.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق 5. قال أبو سليمان الخطابي: وهذا أثبت منه في ذات عرق.
قال الشافعي: (ولو أهلوا من العقيق كان أحب إلي" لرواية ابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه أبعد من ذات عرق، فالإهلال منه أحوط، وذات عرق اسم قرية، والعقيق واد قبل ذات العرق بقريب.
ثم المستحب في كل قرية هي ميقات أن يحرم من طرفها الأقصى ليقطع عمارة تلك القرية محرمًا، فإن أحرم من طرفها الأدني إلي مكة قبل أن يفارق عمارتها جاز.
فإن قيل: كيف تصح الراوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات عرق وأهل العراق كانوا مشركين؟ قيل: إنه وقت ذلك لعلمه بأنهم يسلمون وأنها تصير دار الإسلام كما قال لعدي بن حاتم: (يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جور معها لا تخاف إلا الله) وبهذا قال أحمد وأصحاب أبي حنيفة.
وأعلم أن بعد المواقيت ذو الحليفة علي عشر مراحل من مكة علي ميل من المدينة ويليه في البعد الجحفة، والمواقيت الثلاثة على مسافة واحدة بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان.
مسألة: قال 6: (والمواقيت لأهلها، ولكل من يمر بها ممن أراد حجًا أو عمرة).
من كان مقيماً بالمقيمات إذا أراد أن يحرم بالحج أو بالعمرة فإنه يحرم من الميقات الذي هو به، وكذلك من كان بلده وراء الميقات يحرم منه، وكذلك من مر بالميقات

ولبلده ميقات آخر يلزمه الإحرام من هذا الميقات سواء كان حاجاً أو معتمراً أو فارنًا [57/ب] ولا يحتاج إلي أن يخرج إلي ميقات أهل بلده لما روي في خبر ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما ذكر في المواقيت لأهلها: "ولكل آتٍ أتي عليها من غير أهلها ممن أراد حجًا أو عمرة" ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة يهلون منها، ومن كان أهله دون هذه المواقيت ما بينها وبين مكة فدويرة أهله ميقاته سواء كان في قرية أو حلل بادية حتى يأتي ذلك على أهل مكة فإن ميقاتهم من جوف مكة، ولا يزمهم المضي إلي الميقات للإحرام.
قال في "الأم" 1: "وأقل ما يلزمه أن لا يخرج من بيوتها حتى يحرم، "وأقل ما يلزمه أن لا يخرج من بيوتها حتى يحرم، وأحب إليّ أن يحرم من أقصى بيوتها".
وحكي عنه أنه قال في "الإملاء": "يحرم من بيته أو من مسجد قريته وهذا فلا بأس به".
وإذا كان في الحلة فلا يفارق البيوت إلا محرماً وتكون الحلة بمنزلة القرية، وإن كان قاطنًا بمكة فلا يخرج من بابها بأعلي عرفة إلا محرمًا، فإن خرج من البنيان في هذه المواضيع غير محرم كان كمن جاوز الميقات غير محرم، والأفضل أن يحرم من الطرف الذي هو من عرفة أبعد، ولو أن مدنياً وافي من المدينة فميقاته ذو الحليفة لا يلملم دون ذي الحليفة، وإن كان اليمني بالمدينة فميقاته ذو الحليفة لا يملم، وإن سلك طريقاً آخر فقد بينا حكم من مر بميقات الغير، وكل ميقات وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل، فإن نقلت تلك القرية إلي مكان آخر فالميقات مكان الأولى دون المحدثة، فإن ذات عرق قد غيرت، فالميقات ذات عرق للأولى.
وروى الشافعي بإسناده أن سعيد بن جبير رأي رجلًا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ [58/أ] بيده حتى أخرجه من البيوت، فقطع به الوادي وأتى به إلي المقابر، ثم قال: هذه ذات عرق الأولى.
فإن قيل: قال الشافعي عقيب هذه المسألة 2: وأيهم مر بميقات غيره ولم يأت من بلده، كان ميقاته ميقات ذلك البد الذي مره به، وقد سبق هذا المعني في قوله، والمواقيت لأهلها ولمن عبر عليها ممن أراد حجًا، أو عمرة فما فائدة هذا العطف؟ قلنا: ربما يختلف النسخ، ففي بعضها فأيهم مر بميقات غيره بالفاء، وفي بعضها بالواو، فإن كان بالفاء فهذا السؤال ساقط والإشكاك زائل لأن آخر الكلام يصير تفسيراً لأوله على نوع من البسط وترك الإيجاز، وإن كان بالواو، فلا بد من زيادة فائدة، وتلك الفائدة أن يقال: المجتازون بالميقات ثلاثة: منهم من أقبل من بلده، ولبلده ميقات معلوم، فعليه أن يحرم من ميقاته.
وهذه غير مقصودة بالمسألة الأولى التي ذكر بها المرور ولا بالمسألة الثانية، وإنما هي مقصودة بقوله: والمواقيت لأهلها.
والثاني، قوم ليس لهم ميقات، ولا بقربهم.
فبين بقوله: ولم يمر عليها أن كل ميقات مر عليه هؤلاء فهو ميقاتهم بمرورهم.
والثالث: قوم لبلدهم ميقات معلوم أقبلوا من طريق غير طريق بلدهم فربها يتوهم متوهم أن عليهم التحري بمحاذاة ميقات بلدهم بخلاف قوم ليس لبلدهم ميقات قريب،

فقطع الشافعي بالمسألة الثانية هذا التوهم، وألحقهم بالفريق الثاني وسوى بين من لبلده ميقات وبين من لا ميقات له إذا جاؤوا من طريق سوى طريق البلدتين.
فَرْعّ لو كان مسكنه بين ميقاتين: أحدهما: أمامه، والآخر، وراءه كأهل الأبواء والعرج [58/ب] والروحاء وبدر والصفراء، فمسكنهم بين ذي الحليفة والجحفة وهما ميقاتان فذو الحليفة وراءهم والجحفة أمامهم، فمن كان منهم في جادة المغرب والشام الذين هم علي طريق الجحفة كأهل بدر والصفراء فميقاتهم من الجحفة التي هم أمامهم لأن الجحفة لما كانت ميقاتاً لأهل المغرب والشام الذين أبعد داراً منهم، فأولى أن يكون ميقاتًا لهم، ومن كان منهم في جادة المدينة، وعلى طريق ذي الحليفة كالأبواء والعرج فميقاتهم من موضعهم كان منهم بين الجادتين كأهل بني حرب، فإن كانوا إلي جادة المدينة أقرب أحرموا من موضعهم، وإن كانوا إلى جادة الشام أقرب أحرموا من الجحفة، وليس الاعتبار بالقرب من الميقاتين، وإنما الاعتبار بالقرب من الجادتين، وإن كانوا بين الجادتين علي سواء ولم تكن إحدي الجادتين أقرب.
فيه وجهان: أحدهما: يحرمون من موضعهم لمن هو إلى جادة المدينة أقرب تغليبا لحكم الاحتياط.
والثاني: أنهم بالخيار بين الإحرام من موضعهم وبين الإحرام من الجحفة، لأن تساوي الحالتين يوجب تساوي الحكمين.
مسألة: قال 1: والمواقيت في الحج والعمرة والقران سواء.
أراد به سواء في أنه ليس له المرور إلا محرماً بما قصده من حج أو عمرة أو قران، ولا يختلف ذلك، وإن اختلفت المناسك، وإنما أعاد ذكر هذه المسألة لأن القران لم يكن مذكورًا في المسألة الأولى كما كان مذكوراً في هذه المسألة.
مسألة: قال 2: ومن سلك برًا، أو بحرًا توخي حتى يهل من حذو المواقيت، أو من ورائها إذا سلك طريقًا [59/أ] لا ميقات فيه من بر أو بحر تجري في طلب محاذاة الميقات لئلا يجاوزه غير محرم، وإحرام من موضع يعلم أنه حذو الميقات، وإنما جوزنا له الإجتهاد لأن البقين متعذر والإجتهاد في ذلك أمارات ودلائل كما جوزنا الاجتهاد في مواقيت الصلاة وجهات القبلة عند الإشكال.
وقوله: من ورائها معناه أنه بالخيار في التحري إن شاء صبر حتى يحاذي ثم أحرم وإن شاء أحرم قبل محاذاة الميقات، والاحتياط في تقديم الإحرام كما أن المجتهد في وقت الصلاة إذا أراد الاحتياط كان احتياطه في تأخير الصلاة يسيرًا عن أول الوقت، فتقديم الإحرام علي ميقات المكان عند التحري نظير تأخير الصلاة عن أول الوقت عند التحري، ولو كان طريقه بين ميقاتين أحدهما أقرب من الآخر، فإنه

يحرم من حيال قرب الميقاتين إليه لأثر عمر رضي الله عنه الذي ذكرنا، فإن تساويا في القرب أحرم من حذوا أيهما شاء، ولو كان بين ميقاتين: أحدهما: عن يمينه وبين الرجل وبينه خمسة أميال، وبين ذلك الميقات وبين مكة مسيرة ثلاثة ليال وبينه وبين الميقات الذي على يساره ثلاثة أميال إذا حاذاه، وبين مكة وبينه مسيرة ليلتين، فإذا انتهى الرجل إلى محاذاة الميقات الذي مر على يمينه لزمه الإحرام.
ولا يجوز له تأخير الإحرام إلى محاذاة الميقات الثاني، وإن كان بين طريقه وبين الثاني أقل بين طريقه وبين الأول.
مسألة: قال 1: ولو أتى علي ميقات لا يريد حجًا ولا عمرة، فجاوزه، ثم بدا له أن يحرم.
الفضل المجتاز بالميقات علي ثلاثة أضرب: أحدهما: يكون مريدًا النسك، إما الحج أو العمرة، فيلزمه أن يحرم منه، ولا يجوز له أن [59/ب] يتجاوزه إلا محرمًا، فإن جاوزه غير محرم، فإن قدر علي الرجوع لزمه الرجوع إلي الميقات، فإن لم يرجع، قال في "الأم" 2: كان مسيئا يعني يأثم به، وعليه دم، وإن رجع وأحرم من الميقات لم يلزمه الدم قولًا واحدًا، وإن أحرم دونه، ثم رجع إلى الميقات محرماً.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الدم، وهو الصحيح، وظاهر المذهب.
وبه قال الحسن وأبو يوسف ومحمد، فعلة هذا من أراد النسك مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يحرم قبل الميقات وبين أن يحرم من الميقات وبين أن يحرم دونه، ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحدٍ منهما.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه الدم، ولا يخرج عن الإساءة بذلك.
وبه قال مالك وزفر لأنه قد استقر عليه بإحرامه دون الميقات، فلا يسقط عنه بالرجوع إليه كما لو رجع بعد أن تلبس بالوقوف، أو طاف لا يسقط عنه الدم بلا خلاف.
وهذا غلط لأنه حصل في الميقات محرماً قبل التلبس بشيء من أفعال النسك، فلا يلزمه الدم كما لو أحرم فيه.
وأما الذي قاسوا عليه لا يصح لأن هناك حصل في الميقات في غير وقت إحرامه.
وههنا حصل في الميقات في وقت إحرامه لأن الإحرام يتقدم أفعال الحج كلها.
وقال أبو حنيفة إن عاد إلي الميقات ولبى، فلا دم عليه، وإن لم يلب يلزمه الدم وإن عاد، وهذا غلط لما ذكرنا، ونقيس علة ما لو عاد ولبى، وإن كان له عذر يمنعه من العود بأن يخاف الانقطاع عن الرفقة، أو كان الطريق مخوفًا، أو خاف فوت الحج لا يلزمه العود، وله الخروج على وجهه ويلزمه مع ذلك دم لأنه ترك قطع مسافة يلزمه قطعها بإحرام.
وروى ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [60/أ] قال: "من ترك نسكاً،

فعليه دم" 1، وقال أبو الشعثاء: رأيت ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم إليه.
وروي عن الحسن والنخعي أنهما قالا: الإحرام من الميقات مستحب، فإن تركه لا شيء عليه، وقال سعيد بن جبير: إذا أحرم قبل الميقات لا ينعقد كإحرام الصلاة، إذا وقع فاسدًا وهذا غلط لانه لو أحرم بالصلاة بعد خروج وقتها لم تبطل كذلك ههنا ولو مر بالميقات مريدًا للنسك فجاوزه ناسيًا، أو جاهلًا، ثم علم فإن قدر علي العود يستحب له العود، فإن لم يعد، وأحرم دونه يلزمه الدم لأنه ترك المأمور، فلا فرق فيه بين السهور وبين العمد.
والثاني: أن يجتاز به ولا يريد حجًا ولا عمرةً، ولا دخول الحرم وإنما يريد قضاء حاجةٍ بين الميقات والحرم لا يلزمه الإحرام، فإن جاوزه، ثم بدا له أن يحرم بنسك أحرم من موضعه لأن حكمه حكم من هو من أهل ذلك الموضع.
وقال أحمد: يلزمه العود إلي ميقات بلده، فإن لم يعد يلزمه دم.
وهذا غلط لأن العود إنما يجب علي من لزمه الإحرام من الميقات، وهذا لم يلزمه.
والثالث: أن يجتاز به ولا يريد النسك، ولكنه يريد دخول الحرم؟ فهل يلزمه الإحرام لدخول الحرم.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الإحرام، ولكنه يستحب، وبه قال أبو إسحاق، ومنهم من قال: فيه قولان، فإذا قلنا: يلزمه الإحرام لدخول الحرم.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الإحرام، ولكنه يستحب.
وبه قال أبو إسحاق، ومنهم من قال: فيه قولان، فإذا قلنا: يلزمه الإحرام فعليه أن يحوم منه، فإن جاوزه غير محرم لزمه دم علي ما ذكرنا، وإذا قلنا: لا يلزمه الإحرام، فلو بدا له بعد المجاوزة الإحرام أحرم من موضعه علي ما ذكرنا، وعلي مثل هذا حمل الشافعي ما روي عن أبن عمر رضي الله عنه، أنه أهل من الفرع 2. قال: تأويله أنه مر بميقاته لا يريد إحراما ثم بدا له فأهل منه أو جاء إلى الفرع مكة، أو غيرها، ثم بدا له الرجوع إلى مكة.
مسألة: قال 3: وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [60/ب] أنه لم يكن يهل حتي يبعث به راحلته 4. المستحب للإنسان أن لا يحرم قبل التوجه إلي البيت ويأخذ في السير، فإن كان راكبًا يحرم إذا انبعثت به راحلته إلي مكة، وإن كان ماشيًا يحرم إذا أخذ في المسير من المسجد الذي صلى فيه ركعتين نص عليه في "المناسك الكبير" لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ركب راحلته فلما ابعتث لبى، وروي خلاف هذا، وهو أنه لما استوت به راحلته علي البيداء لبى حينئذ.
وبه قال مالك، وروي أنه صلى بالميقات ركعتين، ثم أهل عقيبهما، وقد قال الشافعي في "القديم": والمناسك الصغير من "الأم": إذا صلى في موضعه ركعتين احرم في مصلاه، وهو قاعد، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد.
وروي عن ابن عباس أنه جمع بين هذا كله.
وقال: كل ذلك قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل

واحد من الرواة روى ما سمع وحفظ، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء وكل ذلك جائز.
وقال سعيد بن جبير: با ابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب، فقال: "أنا أعلم الناس بذلك".
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًا فلما صلى بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه، وسمع ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا يأتونه أرسالًا ويسمعوه حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علا علي البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام، وايم الله.... الخبر، ومن قال: بالأول، قال: اختلفت الراوية عن ابن عباس، فروى عنه أنه قال: اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لبس [61/أ] ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد علي بعيره، فلما استوي به علي البيداء أحرم بالحج 1، وقد روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة: "إذا رحتم متوجهين إلي منى فأهلوا بالحج" 2، ولم تختلف عنه الراوية، وهذا متأخر لأن إحرام أهل مكة كان بعد دخولها يوم السابع، فالأخذ به أولى، فإذا تقرر هذا، وأخذ في السير، فالمذهب أن الأفضل له أن يحرم من دويرة أهله، وإن كان بعيدا من الميقات يكثر.
نص عليه في "الإملاء".
وبه قال أبو حنيفة لأن ذلك أكثر في الطاعة والثوانب.
وفيه قول آخر نصّ عليه في "الجامع الكبير"، والأفضل له أن يحرم من الميقات.
وروى البويطي عن الشافعي أنه قال: إن أهل رجل بالحج قبل الميقات، فهو جائز، والميقات أحب إلي ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم قبل الميقات فالاقتداء به أولى، لأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح، وإذا أحرم قبله لا يأمن مواقعة المحظور فكان الإتيان بالمباح مع الأمن من الغرر أولى، وبهذا قال مالك وأحمد.
وقد روي أنه سئل أبن عباس عن رجل كثير الطاعات كثير المعاصي وآخر قليل الطاعات قليل المعاصي، فقال: السلامة لا يعدلها شيء.
ومن أصحابنا من قال: قول واحد: إنه يسحب له قبل الميقات من دويرة أهله، وحيث قال: لا أحب قبل الميقات، أي: لا يتجرد عن ثيابه، ولا يتشبه بالمحرمين قبل إحرامه، والدليل على صحة هذا ان الله تعالي قال: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وروي عن عمر وعلي 3 وأبي هريرة 4 رضي الله عنهم أنهم قالوا: إتمامهما أن تحرم بهما من جويرة أهلك.
وروت أم سلمة رضي الله عنها، [61/ب] قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أهل حجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلي المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة" 5. رواه أبو داود،

وأما إحرام النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن ميقاته كان قريبًا من المدينة.
وأما التغرير فلا يصح لأنه ينبغي أن يحرم من أدني الحل ويتقدم عليه أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يكره له الإحرام قبل الميقات؟ فولان قال الجديد: يكره.
وقال في "القديم" لا يكره، وقال القفال: قول واحد لا يكره، بل يستحب.
وحيث قال: يكره أراد به التشبه بالمحرمين قبله.
وهذا غلط ظاهر لأن لفظه في "الجديد" وفي "القديم" ما ذكرنا، ولا يحتمل هذا القول بوجه.
وروى الكراهية في ذلك عن عمر بن الخطاب فإنه أنكر علي عمران بن حصين رضي الله عنه إحرامه من البصرة (1). وروى الكراهية عن الحسن وعطاء ومالك.
فَرْعُ الحج راكبًا أفضل علي المشهور من مذهب الشافعي نص عليه في "الإملاء" لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبًا ولأنه يكثر المؤنة في ذلم ويقوى علي الدعاء، والذكر وشهود المشاهد فكان أولى، وهو كالفطر يوم عرفة أولى ليقوى علي الدعاء.
وقيل فيه قول آخر: إن الحج ماشيًا أفضل كالصوم في الصيف لأنه أشق.
ولأن الشافعي قال: لو أوصى أن يحج عنه ماشيًا حج ماشيًا، ولو نذر الحج ماشيًا لزمه ماشيًا.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن نصه في الوصية والنذر لا يدل على أنه ماشيًا أفضل لأن الناذر يلزمه ما نذر، وإن كان غيره أفضل كما لو نذر التصدق بدراهم، أو أوصى بها لا يجوز الإبدال بالدنانير وإن كان الدنانير أولى.

باب الإحرام والتلبية

[63/أ] مسألة: قال 2: وإذا أراد الرجل الإحرام اغتسل من ميقاته.
الفَصْلُ استحب لمن أراد أن يحرم بالحج، أو بالعمرة أن يغتسل من الميقات لإحرامه لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "تجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه، واغتسل" 3. وقال الشافعي 4: ما تركت الغسل بالإهلال قط، ولقد كنت أغتسل له مريضًا في السفر وإني أخاف ضرر المرض، وما صحبت أحدًا اقتدى به، فرأيته تركه، وليس ذلك بواجب لأنه غسل لأمر مستقبل.
وقال في " الأم" يستحب ذلك للرجل والمرأة والصبي والحائض والنفساء لأن هذا الغسل يراد للتنظيم فاستوي فيه هؤلاء.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "النفساء والحائض إذا أتتا على المواقيت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت".
قال في "الأم" 5: ولو كان الوقت موسعًا علي الحائض والنفساء لم يخافا فوت الحج1

فالأفضل لهما أن لا تحرما حتى يطهرا حتى يجمعها بين التنظيف ورفع الحدث، وتكون كل واحدة منهما على أكمل حالها عند الإحرام.
ويستحب للرجل والمرأة أن يتأهبا لحلق الشعر وتقليم الظفر وتنظيف الجسد لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتأهبوا للإحرام بحلق شعر العانة ونتف الإبط وقص الشارب والأظفار وغسل الرأس.
ووردت عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بأشنان وخطمي" 1 فإن لم يجد من أراد الإحرام الماء تيمم لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب فناب عن الغسل المسنون، وإن وجد ما يكفيه للوضوء ولا يكفيه للغسل توضأ.
وقال في "الأم" 2 الاغتسال في الحج سبعة للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة [62/ب] وللوقوف بمزدلفة ولري الجمار في أيام منى الثلاثة.
ولا يغتسل لجمرة يوم النحر لأن رمي أيام منى بعد الزوال في وقت اشتداد الحر والعرض وازدحام الناس، ورمي جمرة العقبة من حين منتصف الليل من ليلة النحر إلي آخر النهار، ومن يوم النحر وإنما يسن في أول النهار قبل أن يشتد الحر وتعرق الأبدان، ولا يكاد الناس يجتمعون لها بل يتفرقون، ولا يستحب له الغسل نص عليه.
وقال الشافعي 3: وأستحب الغسل بين هذا عند تغيير البدن بالعرق وغيره تنظيفا للبدن.
وزاد الشافعي في "القديم" ثلاثة اغتسالات لطواف الزيادة وللحلق ولطواف الصدر.
حكاه القاضي الطبري وغيره، ولم يذكر أبو حامد عن "القديم" الغسل للحلق.
مسألة: قال 4: ويتجرد ويلبس إزازًا ورداء أبيضين.
إذا فرغ من الاغتسال تجرد عن الثياب المخيطة، وذاك ما يخاط علي قدر الملبوس عليه مثل القميص والسراويل والجبة، ونحو ذلك، ويلبس ما ليس بمخيط وهو ما لا جيب له ولا كمين كالإزار، والرداء ويجب عليه كشف رأسه، فلا يلبس عليه مخيطًا، ولا غيره، والأصل في ذلك ما روى ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يجتنب المحرم من الثياب، فقال: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا ثوبًا مسه الورس ولا الزعفران 5 ويلبس إزازًا ونعلين 6 ولا يلبس الخفين إلا أن لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكمين"، وإذا لبس الإزار، وهو المئزر والرداء يستحب أن يكون الأبيض، [63/أ] لأنه أحب الثياب إلي الله تعالى.
قال: والجديد أحب إليّ من المغسول فإن لم يكن جديدًا ليس مغسولًا، ويلبس نعلين فإن لم يجد مشى حافيًا إلا أن يريد الترخيص فيذكر حكمه.
وقيل: السنة أن يحرم في إزاز ورداء ونعلين لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يلبس إزازًا،

ورداء، ونعلين" ولا يشترط أن يكون الرداء أو الإزار يقطعه، بل لو أخذ حرفًا وخالط بعضها إلى بعض جاز، ولو عدل الثوب المصبوغ فما صبغ غزله قبل النسج كعصب اليمن والأبراد الحبرة يجوز، لأنه بالرجال أشبه.
وما صبغ بعد نسجه لو لبسه كان عادلًا عن الاختيار يجوز أيضًا لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما أحرم في ثوب معصفر 1. وروي أن عبدالله بن جعفر أحرم في ثوبين مضرجين 2. وروي أن عقيل بن أبي طالب أحرم في موردتين 3. مسألة: قال 4: "ويتطيب لإحرامه إن أحب قبل أن يحرم".
قال أصحابنا: يستحب لكل من أراد الإحرام أن يتطيب قبل الإحرام، وكذلك أراد التحلل يستحب له أن يتطيب قبل تحلله.
وبه قال أحمد، وإسحاق.
وروي ذلك عن ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأم حبيبة، وعائشة، ومعاوية رضي الله عنهم.
وقال مالك: لا يجوز له ذلك قبل الإحرام، وإن تطيب أمر بغصله، فإن لم يغسل وأحرم فقد فعل محرمًا ولا يلزمه الفدية.
وبهذا قال عمر، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد رضي الله عنهم.
وقيل مثله عن ابن عمر، ولا فرق عندنا بين أن يكون الطيب عينًا قائمة كالمسك والغالية، أو أثرًا كالبخور بالعود والند.
واحتج بما روي عن يعلى بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [63/ب] بالجعرانة فأتاه رجل عليه ثياب وهو متضمخ بالخلوق، وروي: عليه ردغ من زعفران، فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وهذه عليّ فأنزل عليه الوحي، فلما أسرى عنه قال: "أين السائل عن العمرة"؟ وقال له: "اغسل عنك أثر الخلوق - أو قال: أثر الصفرة- واخلع الجبة عنك، واصنع من عمرتك ما صنعت في حجك" 5 وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرمن ولحله قبل أن يطوف بالبيت قبل النحر بطيب ومسك 6. وروي أنه قيل لها: بأي طيب؟ فقالت: بأطيب الطيب، وهو المسك.
وقالت أيضًا كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم 7. ووبيص المسك: بريقه.
ورؤي ابن عباس محرمًا وعلى رأسه مثل الرب من الغالية 8. وقال مسلم بن الزبير وهو محرم وفي رأسه ولحيته

من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال.
وأما خبرهم قلنا: هذا كان لأن التضمخ بالزعفران حرام على الرجل في حال إحرامه وحله، وروى أنس: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزعفر الرجل 1. وفي هذا الخبر دليل على أنه إذا أحرم في ثوب مخيط لا يجب عليه تمزيقه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا فدية عليه، لأنه روي أن هذا الأعرابي خلع الجبةً من رأسه، وقال النخعي: يشقه، وقال الشعبي: يمزق عليه، وقال صاحب "الحاوي" 2: عندنا لا يكره ذلك وهل يستحب؟ وجهان: أحدهما: يستحب اقتداء بفعله والثاني: وهو الأشبه بالمذهب لا يستحب بل يباح، لأنه فعله ولم يأمر به.
فرع لو لبس إزاره أو رداءه وأحرم فيه ثم نزعه ثم لبسه، قال أبو الحسن [64/ أ] الماسرجسي الإمام رحمه الله يلزمه الفدية قولا واحدًا لأنه ابتدأ لبس ثوبه مطيب في حال الإحرام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا فدية عليه، ويجوز له لبسه ثانيًا، لأن ذلك صار مستهلكًا كما لو كان استعمله في بدنه.
وحكي عن الشافعي أنه قال في موضح: ويتجمر رحله وثوبه بالبخور فقد قيل: في المسألة قولان، وذكر بعض أصحابنا وجهاً أنه لا يجوز أن يحرم في ذلك الثوب لأن الطيب يبقى على الثوب ولا يصير مستهلكا، فهو كما لو شد مسكا على ثوب لا يجوز لبسه، وإذا طيب بدنه يصير مستهلكا، وهذا ليس بشيء، وقيل: إذا قلنا: له لبسه فلبسه ثم نزعه ثم لبه ثانياً فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أنه يجوز ذلك ولا فدية عليه لأن العادة في الثوب لبسه كل وقت بعد نزعه والثاني: لزمته الفديةً لأنه يشبه ابتداء الطيب.
فرع أخر لو طيب بالغالية موضعًا من بدنه، ثم أحرم ثم أخذ الغالية من موضعها واستعملها في موضع آخر من بدنه لزمته الفدية قولًا واحداً، ولو تطيب قبل الإحرام بالغاليةً، ثم أحرم فعرق بدنه، فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر، فالمذهب أنه لا فديةَ عليه لأنه لما تهرب به صار في حكم المستهلك، وهذا ليس يتطيب من جهته، ومن أصحابنا من خرج فيه وجهاً آخر أنه تلزمه الفدية لأنه كالتطيب الجديد بالانتقال من موضعه،

وحصل ذلك بسبب فعله، وهذا ضعيف.
مسألة: قال 1: ثم يصلي ركعتين ثم يركب، فإذا توجهت به ناقته لبّى.
إذا تطيب، وأراد الإحرام، فالمستحب له أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى ذا الحليفة [64/ب] فصلى ركعتين ثم أحرم، وقد ذكرنا فيما سبق متى يلبّي مسألة: قال 2: ويكفيه أن ينوي حجا أو عمرًة عند دخوله فيه، والإحرام بالحج والعمرةَ يعقد، والدخول فيه وإنما سمى ذلك إحراماً لدخول الناس به فيما حرم عليهم في الحج من قبل الصيد ولبس المخيط ومس الطيب والاستمتاع، وغير ذلك ويسمى الإحرام، إهلالا يقال: أهل فلان بالحج، يعني أحرم وينعقد الإحرام بمجرد النية، قال في " لأم " 3: لما كانت نيةً المصلي كافيةً له من إظهار ما ينوي فكذلك نية المحرم بالحج كافيةً من إظهار ما ينوي ويستحب له التلبية مع النيةَ ولا يجب ذلك سواء ساق الهدي أو لم يسق.
وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن ساق الهدي لا تجب التلبية وإن لم يسق الهدي لا بد من التلبيةً، ومعنى التلبيةُ عنده أن يذكر الله تعالى، ولكن قال: شرعت في الحج، أو أحمرت بالحج كفي، ففي هذا يخالف إحرام الصلاةً، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" 4، وهذا غلط لأنها عبادةً ليس في آخرها نطق واجب، فلا يكون في أولها نطق واجب كالصوم، وأما الخبر فمحمول على الاستحباب بدليل أن رفع الصوت لا يجب بالإجماع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا بد من التلبيةً مع النيةً، ومعنى قول الشافعي يكفيه أن ينوي حجًا أو عمرةً أي بعدما لبّى لا يحتاج أن يذكر الحج، والعمرةً، فيقول: لبيك بحجةً أو لبيك بعمرةً، وهذا اختيار ابن خيران، وابن أبي هريرة، وهذا غريب.
والدليل على استحباب التلبيةً ما روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه [(65) /أ] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الحج أفضل؟، فقال: "الحجّ والثجّ" 5، والعج رفع الصوت بالتلبيةً، والثج نحر البدُن، وقيل: إراقةُ الدم.
وروى سهل بن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يلبّي إلا لبّى عن يمينه وشماله من حجرٍ أو شجرٍ أو سدر حتى تقطع الأرض من ههنا وههنا 6 "، ويستحب عندنا أن يقول عند إحرامه: اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي وعظمي ودمي لله رب

العالمين لا شريك له فقد روي ذلك عن السلف.
ثم إن النيةً لا يجوز أن تتقدم على الميقات بل يلزمه ضم النيةً إلى أسباب الإحرام عند الميقات، وهذا معنى قوله عند دخوله فيه ثم روى المزني ههنا يعفي ما روى الشافعي من دليل بعض المسائل السابقة في أول هذا الباب، فقال: وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل وتطيب لإحرامه يعني أنه أمر أسماء بالغسل، وكانت نفساء ولدت محمد بن أبي بكر.
واحتج الشافعي به على أن الاغتسال للإحرام غير واجب، فقال في "الكبير": ولما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - النفساء بالاغتسال، والاغتسال لا يطهرها علم أن من كان مطهرةً للاغتسال فهو به أولى، واعلم أن الاغتسال غير واجب لأنه لا يطهرها، وقوله " وتطيب يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطيب لإحرامه وتطيب ابن عباس وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما.
مسألة: قال 1: فإن لبى بحج وهو يريد عمرةً فهو عمرةً، وإن لبّى بعمرةً وهو يريد حجًا فهو حج.
إذا أراد الحج أو العمرةً ونوى ما يريده ولبّى به أجزأه، وهو الأولى وإن نوى الحج ولبّى بعمرةً أو نوى العمرةً ولبّى بحج انعقد الذي نواه يرد؛ لأن العبرة في عقد العبادةَ بالقلب والنيات [65/ب] كما تحصل بالألسنةُ وعمادها الأفئدة.
مسألة: قال (2): وإن لم ينو حجًا ولا عمرةً فليس بشيء.
ليس على ظاهره، لأنه إذا لم ينو حجاً ولا عمرةً ولكن نوى إحرامًا مطلقًا انعقد إحرامه موقوفًا ثم يصرفه بعد ذلك إلى ما شاء فيقول: أراد أنه إذا لم ينو بقلبه شيئًا أصلًا فلا يلزمه شيء لأنه عقده باليةً ولم يوجد ذلك، وحكي الربيع في المسألة قولًا آخر إن ما ذكر بمائه يلزمه وإن كان قلبه ساهيًا، ومن أصحابنا من قال: المسألةَ على حالين فصورة ما قال ههنا أنه نفي بقلبه ما ذكره بلسانه فلا يكون شيئًا وصورة ما ذكره الربيع أنه نوى بقلبه الإحرام ولم يعين حجًا ولا عمرةً فإن إحرامه ينصرف إلى ما ذكر بلسانه، وعندنا لا يكره آن يذكر التلبية ولا ينوي شيئًا، وقال مالك: يكره لأنه شعار الإحرام، فيكره للحلال كرمي الجمار، وهذا غلط لما روى ابن مسعود رضي الله عنه، لقي ركبانًا بسالحين محرمحين فلبوا، فلبّى ابن مسعود، وهو داخل الكوفةَ، ولأنها تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه وحده.
مسألة: قال (3): وإن لبى يريد الإحرام ولم ينو حجًا ولا عمرةً فله الخيار.
الإحرام الموقوف المبهم يجوز وهو على ضربين: أحدهما: أن يحرم لا بحج ولا بعمرةً بل مطلقًا.
والثاني: أن يقول: إهلال كإهلال فلان، فإن أطلق انعقد وله أن يصرفهما إلى أيهما شاء من الحج والعمرةً إن كان الوقت صالحا لهما، وإن كان الوقت ضاق، وخاف فوت الحج أو كان فات وقت الحج صرفه إلى العمرةً، وإن كان هذا غير وقت إحرام الحج انعقد

بعمرةً ولم ينعقد مطلقًا، ولأن هذا الإحرام لا يصلح لغيرها، هما جوّزنا هذا للخبر الذي تقدم، لأن الإحرام بالحج [65/أ] يخالف غيره لأنه لم يخرج منه بالفساد وإذا عقد عن غيره ينقلب إليه إذا لم يكن حج عن نفسه، فجاز أن ينعقد مبهمًا لهذا المعنى.
وأما إذا قال: إهلال كإهلال فلان، فإن علم بحكم إحرامه عمل عليه، ويجوز، وإن لم يعلم كيف أحرم فلان في الحال، ثم علم بعد ذلك عمل عليه أيضًا، بان لم يمكن معرفته بأن يموت آو يجئ، أو غاب انعقد إحرامه نص الشافعي في "القديم" و"الجديد": أنه يلزمه أن ينوي القران، ولا يجوز له التحري لجواز أن يكون زيد قارنًا، قال أصحابنا: هذا يدل على أنه إذا شكَ في إحرام نفسه هل كان قارنًا أو مفرداً؟ يكون قارنًا قولًا واحدًا لأنه يجوز أن يكون قد قرن كما جاز آن يكون زيد قد قرن، فلا فرق، ومن أصحابنا من قال: ههنا قول واحد، وبه قال أهل البصرةَ، وهناك في أحد القولين يتحرى، والفرق أن الاشتباه إذا وقع في فعل غيره لم يكن له طريق إلى التحري والاجتهاد فيه، وهناك الاشتباه وقع في فعل نفسه، فكان الطريق إلى التحري والاجتهاد فيه، بان علم أن فلانًا لم يكن أحرم، فإن إحرامه ئد صحّ مطلقًا من غير تعين فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران.
فإن قيل: ينبغي أن يكون مثل فلان حلالا، قلنا: هو عقد إحرام نفسهِ، ولم يقل: أنا محرم إن كان فلان محرمًا، هما جعل صفة إحرامه كصفةً إحرام فلان، فإذا لم يكن فلان محرمًا لم يكن إحرامه موصوفًا، وكان موقوفًا فوجب عليه أن يصرفه إلى ما شاء على ما ذكرنا.
والأصل في هذا ما ذكرنا من خبر علي رضي الله عنه حين أهل، فقادت إهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي أنه قال له: ائت على إحرامك، أي- صلى الله عليه وسلم - على الحج، وإذا كان فلان أحرم بإحرام مطلق، فله إحرام مطلق ثم إن صرف فلان إحرامه المطلق إلى حج لا يلزمه، [(86) /ب] صرفه إلى الحج، بل له صرفه إلى العمرةً، وإن كان فلان معتمرًا بنيةً التمني لم يلزمه التمني، بل يكون معتمرًا لا غير، وقال والدي رحمه الله: لو قادت إحرامي كإحرام زيد نم تبين أنه كان ميتًا انعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما أراد على ما ذكرنا، وفيه وجه آخر لا ينعقد إحرامه، والأول أصح لما ذكرنا إذا كان فلان حلالا.
وقال أيضًا: لو قال: إحرامي كإحرام فلان الكافر، وكان أحرامه بالعمرة أو بالحج، ذلك الكافر وفيه وجهان: احدهما: يلزمه ما أحرمه الكافر.
والثاني: ولا يصح، ويبقى مجرد إحرامه مطلقًا، فيصرفه إلى ما شاء.
قال أصحابنا: قد ذكرنا أنه إذا أحرم مطلقًا له أن يحرفه إلى القران بالإجماع، وعندنا القارن متلبس بإحرام واحدٍ، وعند أبي حنيفةَ رضي الله عنه هو متلبس بإحرامين فنقول لأبي حنيفةَ إذا سلمت أنه يجوز له صرف الإحرام المطلق دل على أن الإحرام واحد.
فرع لو قال: إحرامي كإحرام زيد وعمرو، وكان أحدهما محرمًا بحج، والآخر بعمرةً كان قارنًا، ولو كان أحدهما قارنا، والآخر حاجاً كان قارنًا، ولو كان كل واحد منهما

محرمًا بحج، كان حاجًا لا غير، وكذلك لو كانا معتمرين كان محرمًا بعمرة واحدة.
فرع أخر لو قال: أنا محرم غدا أو رأس الشهر يجوز كما جاز تعليقه بإحرام فلان، وعلى هذا قال أصحابنا: لو قال: أحرمت يومًا أو يومين ينعقد مطلقا كالطلاق، ولو قال: أحرمت بنصف نسك كامل كما لو قال: أنت طالق نصف طلقة.
فرع أخر هل الأفضل له عقده مطلقًا أو معينًا؟ قال في "الأم": وهو المذهب عقده معينًا أفضل، لأن التعيين [76/ أ] مستحق في سائر العبادات، وأشار في "الإملاء" إلى أن الإطلاق أولى، قال القاضي الطبري: هذا لا يعرف.
والمسألةُ على قول واحد، وقال غيره: فيه قولان.
وجه ما قال في " لإملاء": أنه أحوط؛ لأنه إن كان الوقت ضيقًا، وخاف فوت الحج صرفه إلى العمرةَ وإن كان الوقت واسعًا اعتمر دفعات، ثم حج، وإذا عين بالحج يمكنه هذا.
قال طاوس: أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسمّ حجًا ولا عمرةً وجه ما قال في " لأم "ما روى جابر وابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالحج وكذلك أصحابه عينوا الإحرام، وخبر طاوس مرسل، وروايةَ جابر أولى والاحتياط ممكن بأن يحرم بالعمرة، ثم إن شاء تمتع وإن شاء قرن، وإن شاء اقتصر عليها ثم حج في وقت آخر.
فرع أخر إذا عين هل يستحب له إظهار ما نواه بلسانه؟ اخلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يستحب إظهاره نطقًا، وهو قول الشافعي في عامةِ كتبه.
قال أحمد لما روى جابر قال: لم يسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجًا في تلبيته ولا عمرةً قط.
وروي أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لبيك بحجّة، فضرب في صدره وقال: يعلم الله ما في نفسك، ولأن التلبيةَ ذكر الله تعالى وتسمية ما نواه ليس بذكر الله تعالى، فالاقتصار على ذكر الله تعالى أولى، ولأنه أبعد من الرياء ومنهم من قال: يستحب إظهاره نطقًا ليكون أبعد من النسيان، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو بالعقيق: "أتاني الليلةَ آتٍ من ربى وقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل حج وعمرةٍ 1،، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد أن يبين أن العمرة دخلت في الحج، [67/ ب] وأما النسيان، فيبطل سائر العبادات التي لا يستحب إظهارها باللسان.
مسألة: قال 2: وإن لبّى بأحدهما فنسيه، فهو قارن.
إذا أحرم بشيء ثم نسي بماذا أحرم فإن ذكر أنه أحرم بشيئين، ولا يعلم عينهما انعقد إحرامه بالقران، وإن لم يعلم هل أحرم بحج أو عمرةً أو بهما؛ فيه قولان، قال في "القديم ": استحب له أن يقرن فإن تحرى رجوت أن يجزئه إن شاء الله فقد أجاز له

الاجتهاد والتحري.
وبه قال أبو حنيفة رحمه الله ووجهه أنه يمكنه التوصل إلى عين ما أحرم بالاجتهاد، فجاز له ذلك كما لو شك في عين القبلةِ يجتهد، ويعمل على ما يؤدي اجتهاده إليه، وقال في "الأم" و"الإملاء": عليه أن يأخذ باليقين، وهو أن يقرن، وهو الصحيح لأنه شك في العبادةً بعد التبس بها، فلا يجوز له الاجتهاد فيها كالمصلي إذا شك في عدد ركعات الصلاةَ لا يتحرى، وقال أحمد: يجعل ذلك عمرةً وبناه على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرةِ، فإذا قلنا بالقول الأول تحرى، فإذا غلب على ظنه شيء عمل عليه من إفراد أو تمتع أو قران، ويستحب له أن ينوي القران أيضًا، وإذا قلنا بالمذهب، فعليه أن يحدد نية القران ولا يكفيه أن يقرن من دون هذه النيةَ، وقد نقل المزني: فهو قارن وليس على ظاهره، بل المراد به ما ذكرنا لأنه إذا أقرن أتى القران على ما كان أحرم به، فإذا نوى ذلك بقي الكلام في فصلين: أحدهما: فيما يصح من نسكه (0) والثاني: فيما عليه من الدم، فأما النسك، فالحج يصح بلا إشكال لأنه خرج مما دخل فيه بيقين لأنه إن كان أحرم به [68/ أ] فقد انعقد، وإن كان أحرم بالعمرةَ فقد أدخل عليها الحج، ويجوز إدخاله على إحرام العمرةَ، فإن قلنا: يجوز إدخال العمرةَ على الحج أجزأته، وإن قلنا: لا يجوز ذلك لم تجزيه ثمرته، وعليه أن يقضيها وقال أبو إسحاق: تجوز عمرته ههنا قولًا واحدًا لأنا إنما قلنا لا يجوز إدخال العمرةَ على الحج في غير حال الاشتباه لعدم الحاجةَ، فأما في حال الاشتباه فيجوز للحاجةَ، وهذا ضعيف، وأما الدم فكل موضع قلنا: هو قارن وتجوز عمرته مع الحج، فعليه دم القران، وكل موضع قلنا: صح له الحج دون العمرةَ، فالمذهب أنه لا يلزمه الدم لأنه لم تجز عمرته لا يصير قارنًا، فلا يلزمه دم القران، ومن أصحابنا من قال: يلزمه الدم احتياطًا.
قال صاحب "الحاوي" 1: وهذا أصح لأنا أمرناه بإعادة العمرة احتياطًا للفرض أيضًا، وكان المضي فيهما واحدًا، وقد نوى القران بلا إشكال هذا إذا اشتبه قبل التلبس بشيء من أعمال الحج، فأما إذا طرأ هذا الشك بعد وقوفه بعرفه، فعليه أن يمضي في أفعال الحج، فيطوف ويسعى، ويحلق ويرمي، وقد حل إحرامه بيقين لإتيانه بأفعال النسكين كمالاً 2، ولا يسقط عنه فرض الحج ولا العمرةَ بحال لأنه إن كان حاجّاً أدخل العمرةَ عليها بعد الوقوف، فلم تجزه العمرة، وإن كان معتمراً، فقد دخل الحج بعد فوات الوقوف، فلم يجزه الحج، وكذا لو طرأ هذا الشك قبل الوقوف بعد الطواف، فيحتمل أن يكون هذا طواف العمرةَ، ويحتمل أن يكون طواف القدوم، فإذا نوى القران بني ذلك على القران في إدخال العمرة على الحج، فإن قلنا: لا يجوز؛ فلا يحتسب له بحج ولا عمرةً، لأنه يحتمل أن يكون حاجّاً، فالعمرةَ لم تنعقد له ويحتمل أن يكون معتمراً، والمقيم إذا طاف لا يجوز له إدخال الحج على عمرته،

وإذا كان كل واحد من النسكين [68/ ب] يحتمل أن يصحّ، ويحتمل أن لا يصحّ لم يحتسب له بالشك، وإذا قلنا بقوله القديم، وأنه يجوز إدخال العمرةً على الحج احتسب له بالعمرةَ لأنه إن كان معتمرا فقد حصلت له، وإن كان حاجّاً فقد أدخل عليه العمرةَ، ولا يحتسب له الحج، لأنه يجوز أن يكون معتمرا، وإدخال الحج على العمرةَ بعد الطواف لا يجوز فإن أراد هذا الشاكَ أن يحصل لنفسه الحج حلق عقيب الطواف والسّعي وأحرم بالحج فيحصل له بالحج، لأنه إن كان إحرامه لعمرةً فقد تحلل منه وأحرم الحج، وإن كان بالحج فلا يضره هذا التحلل، ويلزمه دم، لأنه إن كان محرمًا بالعمرةَ أولًا، فهو متمتع، وإن كان محرمًا بالحج فقد وجب عليه دم الحلاق، وإن كان قارنًا أو صار قارنًا، فعليه دم القران فقد وجب دم بيقين لأنه لا ينفك عن قران، أو تمني أو حلاق، وهو محرم، وفي الدم الآخر وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه لا يجب إلا بيقين.
والثاني: يجب احتياطًا، وقد مضى نحو هذا فيما تقدم، والصحيح الأول لأن وجوب الدم بالحلق مشكوك فيه، ولا يجب بالشك.
وقال القفال: هكذا ذكر ابن الحداد، ولكن قال أصحابنا: هو غلط؛ لأنه كيف يأمر بالحلق ولا ندري هل يجوز له الحلق أم لا؟ ولكن لو فعل ذلك فالحكم على ما ذكره ولا يجزئه هذه العمرة قولًا واحدًا لأنه لم ينو العمرةَ الآن ولا ثبت أنه كان معتمرًا في الابتداء.
وقال أبو حامد: إن كان هذا الشق بعد الوقوف قبل طواف القدوم أجزأه الحج لأنه إن كان حاجًا، أو قارناً فقد انعقد إحرامه بالحج، وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرةَ قبل طواف العمرةَ، فيصح حجه [69/ أ] ولا تجزيه العمرةْ لأن إدخال العمرةَ على الحج لا يجوز إذا وقف بعرفةً قولًا واحدًا.
وهكذا ذكر صاحب "المهذب"، وهو غلط ظاهر؛ لأن إدخال الحج على العمرةُ قبل طواف العمرةً وإن صح فلا يصح الحج بعد فوات الوقوف، وإن كان مراده مع بقاء زمان الوقوف وقف بعدما نوى القران فلا إشكال فيه.
مسألة: قال 1: "ويرفع صوته بالتلبية".
الكلام الآن في كيفيةَ التلبيةَ وما يستحب فيها والأصل في التلبية ما ذكرنا.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أهل مهل قط إلا بشر، ولا مكبر قط إلا بشر" قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: "نعم" 2. وروى سيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: التلبية زينة الحج.
ويستحب رفع الصوت بها لما ذكرنا من الخبر، ولأن معناه معنى الأذان الذي لا يسمعه شيء إلا شهد له، ولا يزيد في رفع صوته بحيث ينقطع صوته أو ينطبق حلقه يل ينبغي أن يكون صوته بين الصوتين وسطًا لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: آمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برفع الصوت في التلبية فرفعنا أصواتنا، فما بلغنا الروحاء حتى بحت حلوقنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تنادون أصم ولا غائبًا" 3.

وروى عبد العزيز أبي حزم، عن أبيه قال: ما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية 1 وفي التلبية أقاويل: أحدها: أنها مأخوذةً من قولهم: ألب فلان بالمكان، ومعنى لبيك أنا مقيم على طاعتك وعلى أمرك غير خارج عن ذلك ولا شارد عليك.
وقوله "لبيك" تثنيةُ ليس لها [69/ب] واحد، وإنما ثنوه لأنهم أرادوا به إقامةَ بعد إقامةً، وطاعةً بعد طاعةَ، كما قالوا: "حنانيك ربنا" أي هب لنا رحمةً بعد رحمةً.
الثاني: مأخوذةً من الإجابةَ ومعناها إجابتي لك.
والثالث: مأخوذة من اللب الذي هو خالص الشيء، ومعناها الإخلاص أي أخلصت لك الطاعةَ.
والرابع: مأخوذة من لب العقل، ومعناها: أي منصرف إليك وقلبي مقبل عليك.
والخامس: أنها مأخوذةً من المحبة يقال: امرأة لبةً إذا كان لولدها محبةً ويكون معناها: محبتي لك (0) مسألة 2: قال: "ويلبي المحرم قائمًا أو قاعدًا".

الفصل التلبيةُ مستحبةً في الإحرام في عموم الأحوال لكل من أحرم من الرجال والنساء والصبيان طاهرة كانت المرأة أو حائضًا جنبًا كان أو متطهرًا، وعلى كل حال قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وراكباً ونازلًا بالأرض وسائرًا، لأنه ليس في الخبر ولا عن الصحابةُ تخصيص يعفي هذه الأحوال وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ما كان يمنع عن ذكر الله تعالى مع الجنابةَ، وإنما كان يمنع عن تلاوةَ القرآن.
وقوله: "وعلى كل حالٍ" أراد به ما عدا الحالات المعلومةَ الني يكره فيها ذكر الله تعالى، ويختص بها أحوال حدوث أمرٍ ويريدها تكرارًا مثل ركوب ونزول، وظهور على نشزٍ، أو اضطمام رفقةً، أو دخول مسجد، أو فراغ من صلاةً، أو إقبال الليل والنهار ووقت السحر، فقد روي في ذلك عن السلف، قال جابر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي في حجه إذا لقي راكباً أو علا أكمةً أو هبط وادياً وفي إدبار [69/ أ] المكتوبة، ومن آخر الليل.
وقال نافع: كان ابن عمر يلبي راكبًا ونازلا ومضطجعًا 3، ويستحب رفع صوته بها في ثلاثةً مساجد: المسجد الحرام، ومسجد إبراهيم بعرفة، ومسجد الخيف بمنى، لأن العادةَ جرت برفع الصوت فيها بالتلبيةً، وأنا فيما عدا هذه الثلاثةَ من المساجد، قال في "الجديد" يكره رفع الصوت بها فيها لأنه يؤذي المصلين فيها، وليست مواضع التلبيةَ.
وبه قال مالك: وقال في "الجديد"، يستحب رفع الصوت بها في كل سجد لأنها ذكر الله تعالى، وهكذا نقل المزني، فقال: وفي جميع المساجد، ولأنه موضع

سنت فيه الصلاة، والجماعة فسن فيه رفع الصوت بالتلبيةَ كالمساجد الثلاثة.
وحكي القفال عن مالك أنه قال: لا يرفع صوته بها في المساجد الثلاثةَ أيضًا.
فرع هل يلبّي في أثناء الطواف والسعي؟ قال في "القديم": يلبّي، ولكنه يخفض صوته.
وبه قال ابن عباس وأحمد، وقال في "الجديد": وأحب للمحرم ترك التلبيةَ في الطواف والسعي، لأن في هذا الموضع ذكرا يختص به غير التلبيةَ، فكان الاشتغال به أولى، ولو لبّى لم يكنعليه شيء، ذكره في "الإملاء".
قال الشافعي: وإنما قلت ذلك للأثر، ولما قال سفيان، أما الأثر فقد قال ابن عمر: لا يلبّي الطائف حول البيت.
1 وقال سفيان; ما رأيت أحدًا لبّى حول البيت إلا عطاء بن السائب، فأومأ إلى أنه خالف الإجماع بذلك، وهذا في طواف القدوم، لأنه تلبيةً بعد جمرةَ العقبةً، وطواف الزيارة بعد ذلك.
فرع أخر قل في "الأم" 2: يستحب أن يلبّي ثلاثاً، [70/ أ] فقد قيل: أراد يكرر قوله: لبيك ثلاث مرات، وقيل: أراد يكرر قوله: لبيك اللهم ثلاث مرات، وقيل: أراد يكرر جميع التلبيةَ ثلاث مرات، وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا لبّى في دبر الصلاةَ يلني ثلاثًا نسقاً كما يكبر في أيام التشريق بعد التلبية ثلاثا نسقًا.
مسألةَ: قال 3: والتلبيةُ أن يقول: لبيك اللهم لبيك.
الفصل القصد من هذا بيان ألفاظ التلبيةَ، وهي تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لبيك اللهم لبيكَ، لبيك لا شريك لكَ لبيك، إن الحمد والنعمةَ لكْ والملك، لا شريك لكَ" 4. وهكذا رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رض الله عنه، وقوله: إن الحمد بكسر إن؛ وقد تصح أن، فعلى الأول يبتدئ هذا اللفظ بعد الوقف، وعلى الثاني: يوصل به ما قبله، والكسر أولى وأجود.
قال أبو العباس وأحمد بن يحيى من قال: إن بكسر الألف، فقد عمّ، ومن قال: أن بفتحها فقد خصّ، وقيل: معنى الفتح لأن الحمد لك، وقال محمد بن الحسن: الكسر أحب إليّ لأنه ثناء، والفتح صفةً، وإذا قال: والملك وقف، ثم قال: لا شريك لك، ثم بين أنه يجوز الزيادة عليها، ولكن المستحب أن لا يزيد، فقال: ولا يفيق أن يزيد عليه، واختار أن يفرد تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[70/ ب] لا يقصر عنها، ولا يجاوزها، وهذا لما ردي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقتصر عليها ولا يزيد، وقد قال: "خذوا عني مناسككم".
وروي أن ابن عباس رضي الله عنه علم رجلًا التلبية، فلما أتم ما ذكرنا قال له ابن

عباس: انتهِ، يعني أمسك، فإنها تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[71/ أ] لم يزد على ذلك، وقال أحمد وإسحاق وسفيان؛ لا يزيد على تلبيةَ رسول الله، وقال أبو حنيفة: إن زاد عليها، فهو مستحب كما في تكبيرات أيام التشريق، وهذا غلط؛ لأن إعادتها أفضل من الزيادة فيها بخلاف التكبير، وقد روي عن سعيد بن أبي وقاص أنه سمع بعض بني أخيه يلبّي يا ذا المعا رج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1، وإنما قلنا: لا تضيق الزيادةَ لما روي عن ابن عمر: أنه كان يزيد فيها، لبيك لبيك لبيك، وسديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك، والعمل 2 والرغباء؛ الرغبةَ والمسألةَ وفيه لغتان، يقال: الرغباء مفتوحةَ الراء ممدودة والرغبى مضمومةَ الراء مقصورةَ، وروي عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في التلبية: "لبيك حقًا حقًا تعبدا ورقًا 3 " ولو قال: لبيك إله الحق 4، قال الشافعي: ليس فيه زيادةً، لأن معناه: لبيك اللهم.
وحكي عن بعض صلحاء السلف أنه كان يقول: لبيك أنت مليك من ملك، ما خاب عبد أملك.
وهذا حسن، ولكنه ليس بمسنون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة، ثم استثنى الشافعي حالةَ الزيادةً لفظةَ مرويةً فيها، فقادت إلا أن يرى شيئًا يعجبه، فيقول: " لبيك إن العيش عيش الآخرة" 5، فإنه لا يروى عنه من وجه يثبت أنه زاد غير هذا، وإنما رويت هذه الزيادةَ عند إفاضته من عرفات لما رأى اجتماع أصحابه عليه، واحترامهم له فكأنه أعجبه ذلك، فروي أنه يقال عند ذلك في نفسه حتى كاد الرحل يواريه، [71/ ب] ثم رفع رأسه، فقال هذا: وقيل: إنه قال هذا في أشد حالةً كان فيها وفي أشد حالةً كان فيها وهو يوم حفر الخندق كان هو وأصحابه في تعب، فقال: "اللهم لبيك لبيك، إن العيش عيش الآخرةً، فارحم الأنصار والمهاجرةً".
وقال أنس: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى ذا الحليفةَ وعلى رحله قطيفةُ ما تساوي درهمين، فلما استوت به راحلته تواضع في رحله، ثم قال هذا.
ويستحب أن لا يتخللها كلام.
وقال في "الإملاء": ولا بأس أن يرن الملبي السلام بين ظهرانى التلبية، ويأمر بالحاجة، ولو ترك الأمر بالحاجة حتى يقضي التلبية كان أحب إليّ.
فأما السلام فأحب إلي أن يرده ولا يتركه لأنه فرض فلا يترك للسنةَ، ثم ذكر ما يستحب له أن يختم به التلبيةً، فقال 6: وإذا فرغ من التلبية صلى على النبي- صلى الله عليه وسلم -، وسأل الله رضاه

والجنةَ، واستعاذ برحمته من النار، فإنه يروى ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لأن ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجري مجرى ذكر الله تعالى، فكل موضع وجب فيه ذكر الله تعالى وجب فيه ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في الصلاة وكل موضع سُنّ فيه ذكر الله تعالى سُنّ فيه ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالأذان والوضوء والإحرام من هذه الجملةً، وروي عن القاسم بن محمد أنه كان يأمر إذا فرغ من التلبيةً أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم 1 -، ولأن رجاء استجابةُ الدعاء مقرون بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -على ما ورد في الخبر فاستحب ذلك، وروي عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعاذ برحمتهِ [72/ أ] من النار 2، قال 3: ولأن هذا أعظم ما يسال، ويسال بعد ذلك ما أحب قال والأعجمي إن أحسن بالعربية لبّى بها وإلا لبّى بلسانه، ومن ترك التلبيةَ متعمدًا فقد أساء ولا فديةَ عليه، ولا قضاء وحجته تامة.
وعند أبي حنيفة يلبّي بأي لسان شاء وإن كان يحسن العربية، وقيل: الأصل في التلبية أنها إجابة دعوة لإبراهيم عليه السلام حين بني البيت أمره ربه عز وجل أن يدعو الناس إلى الحج، فقال: إلهي كيف يسمعون دعوتي، فقال: عليك الدعاء، وعلتي الاستماع، فصعد إبراهيم الحجر الذي فيه اليوم مقام إبراهيم عليه السلام -أعني أثر قدمه-، وقال: أيها الناس إن الله تعالى قد بني لنفسه بيتًا، وأمركم آن تحيوا بيته، فأجيبوه، فأجابه من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات من يحج إلى يوم القيامة، وإنما قال عليه السلام: لبيك لا شريك لك مخالفاً للمشركين، فإنهم كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.
مسالة: قال: 4 والمرأة في ذلك كالرجل.
الفصل المرأة كالرجل في الإحرام، والتلبية والأركان والمسنن، ولا يختلفان إلا في ثلاثةً أشياء: أحدها: في رفع الصوت بالتلبية، فإنه يكره لها ذلك كما يكرم لها الجهر بالقراءةً في الصلاةً، فلا تزيد على أن تسمع نفسها، فإن خالفت، فرفعت صوتها لم تحرم لأن صوتها ليس بعورة كما يكره لها كشف وجهها، وإن لم يكن عورةً، وهذا لأن النساء كن يقصدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستفتينه، فلو كان حرامًا لمنعهن منه، والكراهة بخوف الافتتان.
والثاني: في حكم اللباس، فإن لها أن تلبس المحيط من القميص والسراويل [72/ ب] لما روي في خبر ابن عمر حين ذكر ما لا يلبس الرجل المحرم، قال: ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبّى القفازين وما مسه الورس من الثياب 5

وفي رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب" وفي لفظ لا تنتقب المحرمةُ ولا تتبرقع ولا تتقفز"؛ ثم فيها ثلاث مسائل: أحدها: أن الوجه منها كرأس الرجل عليها كشفه بكل حال إلا القدر الذي لا يمكنها تغطية الرأس إلا بستر بعض من الوجه.
وقال في "الأم" 1: ولا تغطي جبهتها، ولا شيئًا من وجهها إلا ما لا يستمسك الخمار إلا عليه مما يلي قصاص شعرها، فإن قيل: هلا قلتم بكشف جميع الوجه، ولا يمكن ذلك إلا بكشف جزء من الرأس، فكشف ذلك القدر أيضًا، ولم قدمتم الستر على الكشف؟ قلنا: لأن الرأس يجب ستره من امرأة، لأنه عورةً، وهذا المعنى موجود في جميعه.
وفي الوجه نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النقاب، وهذا القدر من الستر لا يكون نقابًا، ولا في معناه، ولأن الفرض بذلك إظهار شعار الإحرام، وذلك لا يفوت بفوات هذا الجزء، ولأن الستر أكد فغلب حكمه، ثم لها أن تسدل على وجهها ثوبًا، وتجافيه عنه حتى لا يباشر الوجه، وذلك بأن تربط خشبتين على جاب رأسها، وتدل الثوب عليهما، وهذا لأنه لا يسمى سترًا، ولهذا يجوز للمحرم أن يتظلل بالكنيسة والمحمل، ولا يكون ذلك سترًا لرأسٍ.
وروى مجاهد عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كنا نكون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن محرمات فيمر بنا الركبان، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من فوق رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه ولا تربط الخشبةَ على صدرها حتى ترفع الجلباب [73/ أ] على رأسها، لأنه ربما ماس وجهها، فإن خمرت وجهها عامدةً افتدت يعنى بشاةً لمساكين الحرم، لأنها هتكت حرمةُ إحرامها بتخمير وجهها، فإن كانت ناسيةً لإحرامها فغطت وجهها فلا فديةَ وإن سدلت ثوبًا وجافت بخشبةٍ، فرفعت الخشبة وأصاب الثوب وجهها فإن تعمدت افتدت وإن كان بغير اختيارها، فلا فدية إن رفعتها في الحال وإن تركت واستدامت افتدت والثانية: لها أن تغطي جميع رأسها لأنها شخص لؤمه حكم الإحرام فلا يلزمه أكثر من كشف عضو واحد كالرجل، والرجل يستر وجهه ولا ستر رأسه لأن حرمته في رأسه وحرمتها في وجهها، وقال مالك وأبو حنيفة: ليس للرجل أن يستر الوجه أيضًا، وهذا غلط لما روي في خبر المحرم الذي وقصت به ناقته فمات.
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرما 2 "، رواه ابن عباس، قالوا: روي " لا تخمروا وجهه ولا رأسها، قلنا: ليس بمشهور ثم نحمله على ما لا بد من محترم من الوجه، وروي عن ابن عمر أنه قال: حرم الرجل في رأسه وحرم المرأة في وجهها، ولها أن تضع وجهها على الوسادةً وللرجل أن يضع رأسه عليها، ولا يكون سترًا حتى لو وضع الرأس على العمامةَ جاز بخلاف ما لو وضع العمامةَ على الرأس.
والثالثة: القفازين وهما غلاف الكفين.
نص الشافعي في "الأم" و"الإملاء" و"القديم" و"مختصر الحج الصغير": لا يجوز أن تلبس القفازين.
وروي عن علي وابن عمر وعائشةُ وعطاء وطاوس ومجاهد والنخعي

ومالك وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم.
وقال في" مختصر الحجّ الكبيرة ونقله المزني: لها ذلك.
وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وروي عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه: أنه أمر بناته [73/ ب] أن بلبسن في الإحرام ذلك، وقد روي النهي به عن ابن عمر مرفوعًا على ما ذكرنا، وقيل: النهي عن القفازين من قول ابن عمر؟ إلَّا أن بعض الرواةً أدرجه في متن الحديث.
وروي نحوه عن عمر وعائشة رضي الله عنهما، والمشهور في المذهب القول الأول، ولأن هذا ليس بعورةً منها منعت به حرمةً الإحرام كوجهها، وقال القاضي الطبري: طريق تحريم لبس القفازين عليها مشكل جدًا والذي عندي بعد تأملي كلام الشافعي في كتبه أنه ذهب في "الإملاء" إلى أن تحريم القفازين عليها لأجل أنهما مخيطان على قد الكفين، فحرم ذلك عليها كما حرم على الرجل لبس الخفين واقتفي كلامه في "الأم": أن تحريم لبس القفازين لأجل أن حرمها يتعلق بكفيها كما يتعلق بوجهها، فإذا قلنا بهذا فوجهه ما ذكرنا في القياس، فإن قيل: هذا ينتقص برأس الأمة، فإنه ليس بعورةً منها ولا تتعلق به حرمةَ الإحرام، قلنا: فيه وجهان، فلا نسلم أنه يتعلق به حكم الإحرام، فإن قيل: لو كان حكم الكفين حكم الوجه في تعلق الإحرام بهما لوجب كشفهما كما يجب كشف الوجه، ولكانت إذا غطتهما بكميها أن يلزمها الفديةَ كما يلزمها ذلك إذا غطت وجهها بكمها، قلنا: إنما أبحنا لها أن تغطيهما بالكمين للضرورة، وذلك لأنا إذا أبحنا لها لبس القميص وجعلناها كذلك أفضل لما فيه من الستر يشق عليها التحرر من الكمين، فأبح لها ذلك للضرورة، وليس كذلك الوجه فإنه لا يتعذر كتفه من كل ما يستر، فلم يجز ستره بشيء، وإذا قلنا: إن طريق تحريم القفازين أنهما مخيطان على قدر الكفين كالخفين في حق الرجل فوجهه أن المرأةً لما لزمها كشف عضو ليتعلق الإحرام بها جاز أن يحرم المحيط عليها كالرجل.
فإن قيل: لو كانت المرأة كالرجل في [74/ أ] تحريم المحيط لوجب أن يحرم عليها لبس القميص والجبةُ والسراويل والخفين، قلنا: جمع بدن المرأة عورةً إلا وجهها وكفيها، وقد تعلق بوجهها التحريم، فأما الكفان منها فهما بمنزلةً بدن الرجل في أن كل واحدة منهما ليست بعورةً فاستويا في تحريم المحيط، وكان حكم كفيها بمنزلةَ رجليه وسائر بدنه فإن قيل: لو كانت كذلك لكان للرجل أن يلبى السراويل لأن ما تحت السراويل عورةً، وحكمه حكم سائر بدن المرأةَ.
قلنا: لبس السراويل لا يمكن إلا بستر ما ليس بعورةً منه، وهو القدمان والساقان والركبتان ففرقنا، فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم لوجب أن لا يجوز لها سترهما بالكمين، لأنهما مخيطان على قدر الكفين، ومشتملان عليهما بالخياطة، قلنا: إنما لم يحرم ذلك عليها للضرورةً التي بيناها، ومن أصحابنا من قال: لبس الكمان معمولين على قدر الكفين، وإنما القفازان معمولان على قدر الكفين، فاختصا بالتحريم، ألا ترى أن للرجل ستر الرجلين بالمئزر ولا يجوز له سترهما بالخفين؟ فإن قيل: من أين استخرجت، هذين القولين في جهة تحريم القفازين؟ قلنا: إني وجدت الشافعي قال في

جارٍ التحميل