بحر المذهب للرويانيصفحات 314-353

قال: أحبَرَنَا مالكُ... وذكر الخبر.
وهذا كما قال الشافعي في "سنن حرملة ": الاعتكاف ولزوم المرء الشيء وحبس النفس عليه برًا كان أو مأئمًا والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: 138]، وقوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]، قال الخليل بن أحمد: الاعتكاف هو: المقام على الشيء يقال: عكف يعكف ويعكِف بكسر الكاف وضمها وهو قول الأزهري، وقيل: الاعتكاف الاحتباس في المسجد يقال: عكفته أي: حبسته، قال الله تعالى: ﴿والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25]، أي: محبوسًا، وأما المراد بالاعتكاف الشرعي فإنه المكث في بيت الله تعالى وهو المسجد تقربًا به إلى الله تعالى، وهو من الشرائع القديمة، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، قيل طهرا من الكفر، وقيل: من الأصنام، وقال الله تعالى: ﴿ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر إلى أن قبضه الله تعالى 1 [353 ب/ 4]، وروي أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا 2، فإذا تقرر هذا فالاعتكاف سنة حسنة وقربة وطاعة مندوب إليها مؤكدة ولا يصح إلا بالنية والكون في المسجد وترك مباشرة النساء ولا يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر 3 "فعلق بالإرادة ويستحب في عموم الأوقات خصوصًا في العشر الأواخر من رمضان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دوام على ذلك في آخر عمره وذلك أنه روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان، أي: كان يتحرى فيه ليلة القدر فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه يريد أنه كان لا ينصرف ليلة الحادي والعشرين، وإن كانت العشر قد تمت له حتى يصبح منها على الصبح قم ينصرف، قال عليه الصلاة والسلام: "يعني في هذه الليلة من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر "، أي: فلا ينصرف حتى يعتكف [345 أ/ 4] العشر الأواخر.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاءني جبريل عليه السلام فقال: إن ما تطلبه أمامك "يعني ليلة القدر قال: "أي في هذه الليلة واريت هذه الليلة "أي: ليلة القدر "أريتها في المنام أية ليلة هي من هذه العشر ثم أنسيتها "ولم يرد أنه رأى الملائكة والأنوار عيانًا ثم نسى في أية ليلة رأى لأن مثل ذلك قلما ينسى، وروي "فخرجت لأخبركم بها فتلاحي فلان وفلان فأنسيتها ولعله خير لكم "أي: ولعل نسيانيها حير لكم يعني: لو لم أنسها وأخبرتكم بها لاعتمدتم على تلك الليلة واقتصرتم على التعبد فيها قلما أنسيتها تطلبون الآن فيها كلها فصارت الليلة كلها الواحدة بسبب نسياني عشرًا، وروي أنه قال: أريت هذه الليلة فخرجت لأخبركم به فتلاحى فلان وفلان.. وذكر الخبر... ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى من علامات هذه الليلة فقال: "ورأيتُني أسجد في صبيحتها في ماء وطين "فأمطرت السماء من تلك الليلة يعني هذه الليلة التي كان يخبر فيها بذلك وهي ليلة الحادي والعشرين وكان المسجد [354 ب/ 4] على عريش أي: لم يكن مطين السطح فوكف المسجد 1 قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف علينا وعلى جبته وأنفه الماء والطين في صبيحة إحدى وعشرين.
قال أصحابنا: فمصادقة حقيقة الرؤيا وعلامتها في هذه الليلة مما يدل على أنها ليلة القدر.
تغليبًا لا يقينًا، وقال الإمام الجويني: هذا الخبر هو دليل على جواز النسيان عليه وجواز النسيان في أصل الوحي إذا كانت المصلحة فيه عند الله تعالى بدليل أن الرؤيا كانت وحيًا له ثم أنساها الله تعالى إياه وهو معنى قوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106] الآية، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: "لا يقولن أحدكن نسيت آية كذا وكذا وليقل أنسيتها 2 "، ثم قال الشافعي: وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر، ثم قال: والذي يشبه أن تكون ليلة إحدى أو ثلاث وعشرين يعني: يشبه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون ليلة القدر في إحدى هاتين الليلتين.
وإنما جعل الشافعي ليلة ثلاث وعشرين عديلًا لليلة الحادي والعشرين [355 أ/ 4] فيه لخبر رواه في "الجامع الكبير "ولم ينقله المزني وكان من حقه أن ينقل ليحسن عطف هذا الكلام عليه وهو أنه روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر أية ليلة هي فقال: "كم بقي من الشهر "وكان ذلك يوم الثاني والعشرين، فقال: ثمان يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أو سبع "فقال الرجل بقي ثمان يا رسول الله فقال: "أو سبع "ثم قال: "الشهر هكذا وكذا "وأشار بأصابعه العشر مرتين وقبض واحدة في المرة الثالثة يعني أن هذا الشهر ينقص يومًا ثم قال: "لا آمن أن تكون هذه الليلة 3 "يعني ليلة الثالث والعشرين فلهذا عدل الشافعي ليلة الثالث

والعشرين (بليلة) الحادي والعشرين ثم قال: ولا أحب ترك طلبها فيها كلها، يعني ما من ليلة من هذ العشر إلا وطلبت ليلة القدر فيها خصوصًا في ليلة السابع والعشرين، فإن أكثر الصحابة على أنها هي ليلة القدر، وأعلم أن الشافعي أدخل هذا في هذا الباب وليس من مسائل وجملته أن ليلة القدر ي ليلة شريفة فاضلة ومعناه [355 ب/ 4] أنه قدر فيها ما هو كائن في تلك السنة وقيل معناه: ليلة الشرف والفضيلة لها قدر وشأن من قولهم رجل له قدر.
وأعلن أنها ثابتة غلى يوم القيامة غير منسوخة، وإنما يعتكف طلبًا لها في الغالب، قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، أي: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهو قول قتادة، وقيل: خير من عمل ألف شهر وهو قول الربيع، وقال مجاهد: أراد العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليست فيها ليلة القدر فصيام نهارها وقيام ليلها، وروي هذا عن ابن عباس أيضًا، وقوله تعالى: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر:1]، يعني: القرآن، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل من السماء الدنيا نجومًا الآية والآيتين والثلاثة والسورة على ما علم الله تعالى من المصالح، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: 4]، قيل: أراد به جبريل عليه السلام، وقيل: أراد به العلم كقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2]، وقيل: قوله: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِم﴾ [القدر: 4] أي: بأمر ربهم من كل أمر سلام، قال ابن عباس يسلمون [356 أ/ 4] على كل مؤمن ومؤمنة إلا على مدمن خمر أو مصر على الزنا أو ساحر أو كاهن فمن إصابته التسليمة غفر له، وقوله: ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: 5] يريد ليلة القدر من حين غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
وأعلم أنها باقية لم ترفع لما روى عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء قال: بل ي إلى يوم القيامة، قلت: هي في رمضان أو في عيره من جميع السنة؟ قال: "في رمضان "قلت: في العشر الأول أو الثاني أو الأخير؟ قال: "في العشر الأواخر"وقال بعض أصحابنا: الأصح أنها لم تكن إلا لهذه الأمة روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس لأمته وقاتل في سبيل الله ألف شهر لا ينزعها فاستعظمت الصحابة ذلك وتمنوا أن يكون لهم مثل هذا العمر وهذه القوة فأنزل الله هذه السورة.
وروي أن الصحابة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر أعمارهم وقالوا: إن الرجل ممن كان قبلنا كان يعمر ألف سنة وأعمارنا قصيرة فلو عمرنا مثل أعمارهم لعبدنا الله تعالى فنزلت هذه السورة، فإذا [356 ب/ 4] تقرر هذا قال الشافعي رحمه الله: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان والمستحب أن يطلب في جميع العشر وطلبها في الوتر منها أكد استحبابًا منه في الشفع وطلبها في الحادي والعشرين والثالث والعشرين أكد استحبابًا من طلبها في سائر الأوقات.

وقال أبو حامد: المذهب أنها ليلة الحادي والعشرين نص عليه في "الإملاء "فلو قال: لامرأته أنت طالق ليلة القدر فإن كان ذلك في رمضان قبل مضي ليلة من ليالي العشر حكم بطلاقها في أول ليلة التاسع والعشرين لأنه اليقين، وإن كانت قد مضت ليلة من ليالي العشر لا تطلق حتى يأتي رمضان آخر من السنة القابلة فإذا مضت تلك الليلة من العشر الأواخر حكم بطلاقها، وحكي عن أبي حنيفة أنها في جميع السنة وهو قول بعض العلماء وأصحاب أبي حنيفة منكرون ذا وهو... 1 أن مذهبه أنها في جميع شهر رمضان لا يختص بهذا المذهب 2... هذا إلى أبي حنيفة من مثله قالها أبو حنيفة لو قال: في أول يوم من رمضان لامرأته أنت [357 أ/ 4] طالق ليلة القدر لم تطلق إلى تمام السنة من ذلك اليوم فظن أن ليلة القدر ممكنة في جميع السنة وغنما قال أبو حنيفة ذلك لاحتمال أن الليلة الأولى من الشهر كانت هي ليلة القدر فالأصل أن الطلاق لا يقع ما لم تمض سنة ثم اختلفوا هل يتبدل وقتها فتكون في عام في ليلة وفي عام في ليلة أخرى فمنهم من قال: يتبدل قال المزني أرى والله أعلم أنها في كل سنة تختلف في العشر ونقل النيسابوري أبو بكر ذلك عن المزني في بعض النسخ، وقال القفال: أكثر العلماء على أنها لا تتبدل بل هي ليلة بعينها واختلفت الصحابة فيها فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أنها ليلة ثلاث وعشرين، وقال أُبي بن كعب: هي ليلة سبع وعشرين وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: هي في العشر الأواخر وليس فيها تعيين، وروي في بعض الأخبار أنها ليلة السابع عشر، وروي عن ابن عباس أنه قال سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرون منها قوله هي، فدل أنها ليلة سبع وعشرين ولا حجة في هذا لأن قوله ليلة القدر هي الكلمة الخامسة وهي أصرح من هي ولا تدل على وجودها في ذلك [357 ب/ 4] العدد كذلك هذا؛ ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اطلبوها في كل وتر لتسع بقين أو لسبع بقين أو لخمس بقين أو لثلاث بقين أو الليلة الأخيرة 3 "، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من يقم الحول يصبها فقال بعض السلف رحم الله ابن مسعود قد علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس.
وقيل: ليلة القدر في الوتر هي ليلة الثاني والعشرين والرابع والعشرين والسادس والعشرين والثامن والعشرين وليلة الثلاثين لأن هذه الليالي هي أوتار بالإضافة غلى ما بقي من الشهر وغن كانت أشفاعًا بالإضافة غلى ما مضى والصحيح خلافه.
وقال الشافعي في "القديم ": استحب أن يكون اجتهاده في العبادة في يومها كاجتهاده في ليلتها، وأما علامة ليلة القدر فقال أبو ذر رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامتها فقال: "إن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها مثل الطست

وتكون ليلة طلقة لا حارة ولا باردة 1 ويستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتمها ويدعو بإخلاص نية وصحة يقين بما أحب من أمر ودين ودنيا وقال رسول الله [358 أ/ 4] صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "إذا رأيت ليلة القدر فاسألي الله العافية في الدنيا والآخرة 2، وروي: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني 3 "، وقال في القديم: ومن شهد العتمة والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها.
مسألة: قال 4: وروي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالتْ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكَفَ يُدْنيِ إليَّ رَأسِهِ فأُرَجِّلُهُ 5. الفصل وهذا كما قال: عاد الآن إلى ذكر مسائل الاعتكاف وافتتح ببيان أنه ليس للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، وأنه إن أخرج بعض البدن فليس بخروج.
وجملته: أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد في الجملة لقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فخص بالمساجد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنه كان صلى الله علي وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان 6، ثم يجوز الاعتكاف في كل مسجد يني للصلاة والجماعة سواء كانوا يصلون فيه أو لا، وبه قال مالك وقال علي رضي الله عنه وبه قال حماد إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة، وقال حذيفة: لا يجوز إلا في ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد بين المقدس [358 ب/ 4] ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الزهري: لا يصح إلا في الجامع، وروي عنه لا يصح غلا في مسجد الجماعات، وقال أبو حامد: أومأ الشافعي إلى هذا في القديم، وقال أحمد: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة بناء على أصله أن الجماعة واجبة وهذا كله غلط، لقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، ولم يفصل، وروي ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الصلاة "ولأنه موضع مبني للصلاة والجماعة فصح فيه الاعتكاف كالمتفق عليه فإذا تقرر ذا فلا فرق فيه بين الرجل والمرأة ولا يجوز للمرأة أن تعتكف إلا في المسجد، وبه قال مالك وأحمد.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال في القديم: وأكره للمرأة أن تعتكف إلا في مسجد بيتها أي: في موضع صلاتها من بيتها، وذكر القفال عن القديم أنه قال: يجوز لها ذلك ولكن في المسجد أفضل، وقال أبو حنيفة: يجوز اعتكافها في المسجد وفي

بيتها وهي في بيتها أفضل كصلاتها، وهذا غلط، لأن الاعتكاف لا يعتبر بالصلاة بدليل أن صلاة الرجل النافلة في بيته أفضل، ولا [359 أ/ 4] يصح اعتكافه فيه.
وقال القاضي الطبري: لفظ الشافعي في القديم: واكره للمرأة الشابة أن تعتكف في المسجد، وغن كان لا يصح اعتكافها إلا في المسجد كما اكره لها حضور المسجد الجامع لأداء الجمعة، وإن كان لا يجوز لها أن تصلي الجمعة إلا في الجامع فالمسألة على قول واحد في المرأة وغلط من قال فيه قولان، وقال القفال: إذا قلنا: بالقول القديم إن صح فلو اعتكف الرجل في مسجد بيته وجهان: أحدهما: يجوز اعتبارًا بأن صلاة نفله في بيته أفضل وأصل الاعتكاف نفل ففي البيت أفضل، والثاني: لا يجوز ويعتبر بفرضه وفرضه في المسجد أفضل بخلاف المرأة.
فرع قال في البويطي: لو اعتكف فوق ظهر المسجد أجزأه لأن كله مبني للجماعة الواحدة ولهذا إن من صلى فوق المسجد لصلاة الإمام في المسجد أجزأه، وإن كان لا يراه، وقال أصحابنا: لو جعل بيتًا من داره مسجدًا فاعتكف فيه وعلى ظهره أجزأه أيضًا.
مسألة: قال 1: ولا بأسَ أنْ يُدْخِلَ المُعتكِفُ رأسَهُ في البيت ليغتَسِلَ.
الفصل وهذا كما قال: يجوز للمعتكف أن يخرج رأسه من المسجد ليرجل أو يغتسل، وكذلك يخرج [359 ب/ 4] رجليه ليدهن ونحو ذلك وهذا لأن إخراج بض بدنه من المسجد ليس كإخراج كله خلافًا لمالك حيث قال: يصير خارجًا من المسجد بإخراج بعض يديه، ولا يصير داخلًا فيه بإدخال بعض بدنهن لأن الخروج من بعض المأمور به خروج من كله وليس الدخول في بعض المأمور به دخولًا في كله وهذا كما أن بعض المعصية معصية، وليس بعض الطاعة طاعة، وهذا غلط لخبر عائشة الذي ذكرناه.
وقالت أيضًا: "اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل إليَّ رأسه ففلسته وأنا حائض 2 ". قال أصحابنا: فيه فوائد أحدها: يجوز للمعتكف أن يغسل رأسه، والثانية: يجوز له ترجيل الرأس وتدهينه، والثالثة: يجوز له أن يتزين لأن ذلك في معنى التدهين والترجيل، والرابعة: إخراج بض البدن وإدخاله لا يجري مجرى إخراج كله، والخامسة: الحائض ليست بنجية، والسادسة: يد المرأة ليست بعورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج غليها رأسه ولم يكن المسجد ينفك من أن يكون فيه بعض الصحابة فإذا غسلت رأسه شاهد يدها ورأها، والسابعة: أنه لا يجوز له الخروج من المسجد لأنه لم يخرج غلى بيته لهذا المهم، والثامنة: [360 أ/ 4] كمسّ المرأة المعتكف بغير شهوة يجوز.

مسألة: قال 1: ويَجُوزُ بغيرِ صَوْم.
وهذا كما قال: يجوز الاعتكاف من غير صوم إلا أن الأفضل أن يصوم معه، وكذلك يصح في الزمان الذي لا يصح كزمان الليل ويومي الفطر والأضحى وأيام التشريق، وروي هذا عن علي وأبي مسعود البدري رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وإسحاق وأحمد في الرواية المشهورة.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز غلا بصوم ولا يجوز إفراد الليل بالاعتكاف ولا يجوز في الأيام الخمسة، وبه قالت عائشة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومالك والثوري والأوزاعي، وذكر القفال أن الشافعي علق الصوم في القديم فقال: ويحتمل أن لا يجوز الاعتكاف إلا بصوم، واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا اعتكاف إلا بصيام 2 " وهذا غلط، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعل على نفسه 3 "وروى ابن عمر رضي الله عنه نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية فقال له رسول الله صلى الله عليه: "أوف بنذرك 4 "وخبرهم محمول على نفي الكمال والفضيلة.
واحتج المزني للشافعي بثلاثة أشياء أحدها: أنه قال: لو كان الاعتكاف يوجب الصيام وغنما هو تطوع أي: وإنما الاعتكاف تطوع ولكنه يوجب الصوم عنده لم يجز صوم [360 ب/ 4] رمضان عن تطوع أي: عن تطوع يوجبه الصوم كما لو تطوع بنذر صيام أيام لم يجز عنها صيام شهر رمضان، وفي اعتكافه صلى الله عليه وسلم في رمضان دليل على أنه لم يصم للاعتكاف فيفهموا، والثاني: لو كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنًا بالصوم يخرج الصائم بالليل من الاعتكاف بخروجه فيه من الصوم فلما كان على خلاف هذا دل أنه يجوز منفردًا بغير صوم، والثالث: قال: وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه أن يعتكف ليلة وقد ذكرناه، وهذه الاحتجاجات كلها صحيحة.
مسألة: قال 5: ومَنْ أرَادَ أنْ يعتَكِفَ العَشَرَ الأواخِرَ دَخَلَ قَبْلَ الغُروبِ.
الفصل وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان أو أراد أن يعتكف

ذلك من يرتد ويدخل فيه قبل غروب الشمس من يوم العشرين بلحظة فإذا أهل شوال فقد تم العشر حكمًا, وإن نقص رمضان يومًا حتى يكون اعتكافه تسعة ولم يتمها حسابًا عشرًا وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "شهرا عيد لا ينقصان" أراد لا ينقصان حكمًا وثوابًا لا حسابًا, ثم إذا أهل شوال وإن كنا حكمنا له بتمام العشر فالمستحب أن لا يخرج من معتكفه ليلة العيد حتى [361 أ/ 4] يصبح فيخرج منه إلى العيد الشهر أو تم ذكره في البويطي.
ولو قال في نذره: لله على اعتكاف عشرة أيام فخرج الشهر في هذه المسألة ناقصًا يلزمه أن يكمل عشرة والفرق أن هناك علق بالعشر وهو اسم لما بين العشرين وآخر الشهر تامًا كان أو ناقصًا, وها هنا علق الاعتكاف بعدد فيلزم الإتيان بتمام العدد ويدخل في هذه المسألة قبل طلوع الفجر بلحظة لأن اسم الأيام يقع على بياض النهار, وإنما تدخل الليالي بين النهار تبعًا, وبقولنا قال أبو حنيفة ومالك والثوري, وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور: وهو ظاهر كلام أحمد يدخل في أول يوم الحادي والعشرين في المسألة الأولى واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم اعتكف" 1 وهذا غلط, لما روى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسط من شهر رمضان فاعتكف عامًا حتى إذا كانت ليلة الحادي والعشرين وهي التي يخرج فيها من اعتكافه, قال: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر" 2 فوجه الدليل أنه أمرهم باعتكاف العشر [361 ب/ 4] الأواخر ليلة الحادي والعشرين واعتكف معهم فيها فثبت أنها أول العشر, ولأن كل ليلة هي تابعة لليوم الذي يليها في الحكم, ألا ترى أن ليلة رمضان تابعة له, فإذا لزم اعتكاف ذلك اليوم لزم اعتكاف ليلة, وإنما قلنا: يدخل قبل الغروب ليستوعب حكم النذر كما يلزم غسل بعض الرأس ليتوصل إلى غسل تمام الوجه.
مسألة: قال 3: وَلاَ بَأسَ أَن يَشتَرِطَ في الاعتِكَافِ الذي أوجَبَهُ أنه إِن عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجتُ.
وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام وشرط فيه شرطًا ثبت شرطه قولاً واحدًا وه مثل أن يقول: أُخرج لشهود جنازة أو لمقدم غائب, ويذكر في نذره, فإذا ذكره وخرج لم ينقطع تتابع اعتكافه, وإذا عاد إليه بعد الفراغ يبني على اعتكافه ويجزيه وهذا لأن الاعتكاف يجب بإيجابه فوجب على الصفة المشروطة, ألا ترى أن الوقف لما كان يجب بعقده كان وجوبه على حسب شرطه فإن قال: إن عرض لي عارض فيما ذكرنا قطعت الاعتكاف فإذا عرض عارض وخرج لم يلزمه إتمامه,

والفرق بين هذا وبين المسألة الأولى وهو أن هناك قال خرجت إذا [362 أ/ 4] خرج والخروج يكون مع بقاء حكمه والقطع لا يكون مع بقاء حكمه فافترقا ولو خص عارضًا مثل أن قال: اخرج لزيارة فلان لا يجوز أن يخرج رجل آخر وهكذا لو نذر صومًا أو صلاة وشرط إن عرض عارض خرج يثبت الشرط فيهما كما قلنا في الاعتكاف, ذكره وقال مالك: لا يصح شرط الخروج كما لو شرط الجماع والأكل في الصوم وهذا غلط, لأنه شرط الاعتكاف في زمان دون زمان فيجوز ويفارق ما ذكره لأنه شرط أن يأتي بمهني عنه في العبادة فلم يجز, وأما إذا نذر حجًا وشرط مثل هذا الشرط لا يجوز في أحد القولين, والفرق أن الحج يلزم بالدخول فإذا وجد العذر المشروط زال الإيجاب بالنذر ونفي الوجوب بالدخول فلم يكن له الخروج منه والاعتكاف لا يلزم بالدخول وإنما بالنذر فالموضع مستثنى من النذر فإذا خرج من النذر لم يجب لأجل الدخول.
فرع لو شرط المحظور فإن كان ينافي الاعتكاف كالوطء فإن خرج بوطء بطل اعتكافه كالوطء في صومه, وإن كان لا ينافي الاعتكاف كالسرقة وقيل: التعيين المحرمة فشرط أن يخرج لأجله فيه وجهان أحدهما: يبطل اعتكافه لأن أشرط المعصية [362 ب/ 4] كلا شرط فصار بمثابة من خرج بغير شرط, والثاني: لا يبطل وبين لأن نذره إنما ينعقد على ما سوى مدة الشرط فلم تكن تلك المدة مقصودة بالعمل.
مسألة: قال 1: وَلاَ بَأسَ أَن يعَتَكِفَ وَلاَ يَنوِي أَيَامَاً مَتَى شَاءَ خَرَجَ.
وهذا كما قال: إذا أراد أن يعتكف فإن لم يكن نذر يدخل فيه ومتى أراد قطعه قطعة ويكون له اجر ما احتسب منه قليلاً كان أو كثيرًا لأن اسم الاعتكاف يقع على القليل والكثير, وقال ابن سريج: لا نريد بقولنا قليلاً ما يقع عليه اسم الجلوس بل ما يسمى به معتكفًا... 2 ويقوم عقبيه فلا يجوز, وقال أبو حامد: أجاد ابن سريج في هذا, وروي عن يعلى بن أمية أنه كان يقعد في المسجد ساعة ينوي بها الاعتكاف, ومن أصحابنا من قال: أقله المكوث في المسجد مارًا كان أو جالسًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: يكفي ساعة مع النية, والثاني: يحتاج إلى يوم أو قريب منه ليخالف العادة وهذا غير صحيح والاعتماد على ما ذكرنا أولاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "من [363 أ/ 4] اعتكف قدر فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة" 3 وإن نذر فإن أطلق يكفي ما يقع عليه الاسم على ما ذكرنا, وإن قدره في النذر يلزمه فما قدره قليلاً كان أو كثيرًا, ويلزمه في النية تعيين الفرص, وقال في البويطي: يستحب أن لا ينقص عن يوم وليلة وأكثره لا نهاية له وإنما استحب له ذلك ليخرج من الخلاف, فإن

أبا حنيفة لا يجيز اقل من يوم وبه قال مالك, وروى محمد عنه أنه قال: يجوز بعض يوم, يعني: معظم الشيء يقوم مقامه كله عنده كما قال في نية صوم رمضان قبل الزوال, وعن أحمد روايتان ولو دخل المسجد ونوى أن يعتكف فيه ثلاثة أيام ولم ينذر فالمستحب أن يتم ما نواه فإن قطعه قبل إتمامه فلا شيء عليه كما لو دخل في صوم التطوع أو صلاة ينوى ركعتين أو أربعًا فقطعهما قبل الإتمام لم يجب شيء.
فرع لو كان يدخل ساعة ويخرج ساعة مرارًا وينوي الاعتكاف كلما دخل صح اعتكافه, ومن أصحابنا بخراسان من ذكر وجهًا آخر: أنه لا يجوز لأن عادة الإنسان جرت بها وهذا ضعيف, وقيل: هل يجوز... 1 القدر على وجه الاعتكاف [363 ب/4] لانتظار الصلاة أو لمذاكرة العلم ويقرب هذا من النية في صوم النفل بعد الزوال هل يجوز أم لا؟ مسألة: قال 2: واعتِكَافُه فِي المَسجِدِ الجَامِع أَحَبُ إلىَ.
وهذا كما قال: قد بينا انه يجوز الاعتكاف في كل مسجد ولكنه في الجامع أفضل منه في سائر المساجد, لأنه تكثر فيه الجماعة في العادة ولا يحتاج أن يخرج منه للجمعة ويخرج من خلاف من قال: لا تصح في غيره وفيه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه اعتكف في الجامع, وقال بعض أصحابنا: لو كانت الجماعة في بعض مساجد العشائر أكثر من جماعة الجامع فالمسجد الذي يكثر فيه جماعة وينتابه الناس هو أحب إلينا من الجامع, ذكره الإمام الجويني رحمه الله.
وإن اعتكف في مسجد آخر فإن كان اعتكافه تطوعًا مطلقًا ولم يشترط التتابع يخرج ويصلي الجمعة ثم يعود ويبني على ما ذكرنا, وإن نذر اعتكافًا متتابعًا عشرة أيام واعتكف في غير الجامع يلزمه الخروج للجمعة ثم إذا خرج يبطل اعتكافه ويجب الاستئناف وبه قال مالك, وفيه وجه آخر أنه لا يبطل بل [364 أ/ 4] يرجع ويبني وهو قول أبي حنيفة لأنه مضطر إله فأشبه إذا خرجت العدة وقيل: ذكره في البويطي ففي المسألة قولان, وهذا صحيح حكاه أبو حامد, والمذهب الأول, لأنه كان يمكنه أن ينذر دون سبعة أيام حتى لا تفوته الجمعة, أو كان يمكنه أن يعتكف في الجامع ولا يمكن الاحتراز من العدة فافترقا, وإن شرط أنه يخرج بعارض فهذا عارض فيخرج له ولا يبطل اعتكافه.
قال في "الأم" 3: الاعتكاف في المسجد الحرام أفضل من الاعتكاف فيما سواه, وكذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكلما عظم المسجد وكثر أهله فهو أفضل, وإذا نذر أن يعتكف في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في مسجد بيت المقدس هل يتعين ما عين أو يجوز

في مسجد آخر بدل ذلك؟ في قولان أحدهما: لا يتعين لأنه لا يتعلق به وجوب شرعي, والثاني: يتعلق به لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي" 1, وبه قال أحمد ولو نذر أن يعتكف في سائر المساجد لا يجب ذلك عليه وله أن يعتكف في أي [364 ب/4] مسجد شاء قولاً واحدًا, لأنه نص في البويطي على أنه لو نذر أن يصلي بمكة لم يجز في غيرها, ولو نذر أن يصلي في مسجد المدينة جاز أن يصلي بمكة ولا يجوز أن يصلي في مسجد بيت المقدس وتجزية المدينة من بيت المقدس.
ووجهه: أن الصلاة بمكة هي أفضل من الصلاة في هذين المسجدين والصلاة بالمدينة أفضل من الصلاة ببيت المقدس, فالاعتكاف يجب أن يكون مثله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المنصوص أنه يتعين سائر المساجد بالتعيين لأنه الشافعي قال في "الأم" 2: إذا أوجب اعتكافًا في مسجد فانهدم المسجد رجع إذا بني المسجد وبني على اعتكافه, فلولا تعين المسجد لأمر بالخروج إلى مسجد آخر حتى يتم هناك لأنه لم يفعل هذا يبطل ما مضى إذا كان متتابعًا, وقال صاحب "التقريب": لا يتعين كما.... 3 هذا المنصوص فرق بين الاعتكاف والصلاة فإن الصلاة قربة في أي موضع كانت ولا يؤثر فيها المسجد فلا يتعين لها المسجد, والاعتكاف غنما يصير قربة بالمسجد فله أثر في الاعتكاف, فإذا عين بالنذر تعين, وهكذا ذكر بن أبي أحمد في "المفتاح", وفرق بين الاعتكاف والصلاة [365 أ/ 4] وقيل: فيه وجهان وهذا كله غير صحيح, والمسألة على قول واحد على ما ذكرنا, ومعنى ما ذكر في "الأم" إذا نذر أن يعتكف أيامًا مطلقة من غير شرط التتابع في مسجد يعنيه يدخل في الاعتكاف في ذلك المسجد فالمستحب له أن لا يخرج من ذلك المسجد إلى مسجد آخر, وإذا أنهدم فإن أمكن أن يعتكف في موضع منه فعل, وإن لم يقدر خرج, ثم إذا بني رجع فيبني لأنه لا يضره التفريق وقصد الشافعي به الاستحباب لأنه عينه بالنذر ولا يجوز الخروج منه إلا للضرورة فإذا انهدم فلم يقدر على اللبث فإنه يخرج, ثم إذا قدر بني في ذلك المسجد وهذا لا باس به إلا أنه يعيد؛ لأن الشافعي قال: "وإذا أوجب على نفسه اعتكافًا في مسجد فانهدم المسجد" فالظاهر أنه أراد العموم.
فرع آخر قال ابن أبي أحمد في "التلخيص" الاعتكاف جائز في المساجد كلها إلا في مسألتين: إحداهما: إذا نذر اعتكافًا في مسجد يعينه لم يجز له في غيره إذا دخل فيه.
والثانية: إذا نذر اعتكافا أكثر من سبعة اياك لا يجوز له أن يعتكف إلا في الجامع

إذا كان ممن تجب عليه الجمعة وهذا صحيح, ومعناه إذا تقرر أن يعتكف [365 ب/4] في مسجد بعينه أيامًا متتابعة لا يجوز له الخروج منه؛ لأن خروجه يقطع التتابع ويبطل الاعتكاف, كذلك إذا نذر أن يعتكف أكثر من سبعة أيام متتابعة لا يجوز أن يعتكف في غير الجامع, لأنه إذا اعتكف في غيره يحتاج أن يخرج للجمعة, فإذا خرج بطل التتابع, وإذا بطل التتابع بطل الاعتكاف.
ولو اعتكف في غيره يجوز ولكن لا يمكنه أداء ذلك إلا بأن يمرض فتسقط عنه الجمعة.
وقال أصحابنا: لو اعتكف في المسجد ثم خرج لقضاء حاجة فعاد إلى مسجد آخر من طريقة جاز ولا يتعين عليه الأول, لو خرج إلى مسجدًا آخر في غير طريقه أو أبعد من الأول لم يجز لأنه يكون تركًا للاعتكاف.
مسألة: قال 1: "ويخرجُ للغائِطِ والبَولِ إلى منزله وإنُ بَعُدَ".
وهذا كما قال, هذا تفريغ على الاعتكاف الواجب المتتابع, لأن الخروج في غير المتتابع لا يؤثر, فإذا نذر اعتكافًا متتابعًا له أن يخرج لحاجة الإنسان وهي الغائط والبول إلى منزله, وله أن يتوضأ هناك؛ وإن جاز في المسجد, لأن الأولى أن لا يتوضأ في المسجد لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: [366 أ/4] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: ينظر فإن كان منزله قريبًا لا بأس به, وإن كان بعيدًا متفاحشًا فالمذهب أنه لا يجوز له ذلك وما نقل المنزني "وإن بعد" لا يعرف للشافعي, وإنما هو من المزني لأنه ربما يبعد منزله من المسجد بعدًا لو رجع إليه لحاجة الإنسان فإلى أن يعود إلى المسجد لعله يحتاج مرة أخرى إلى الرجوع فيبقى من طريق المسجد ذاهبًا وراجعًا ويكون طول نهاره في قطع المسافة.
وقيل: إن صح هذا اللفظ عن الشافعي أراد به التطوع الذي لا متابعة فيه أنه لا يجوز.
فرع لو كانت في المسجد سقاية ومنزله بعيدًا لا يتفاحش له أن يخرج إلى منزله لأنه يحتشم من دخول السقاية من المسجد وتنقص مروءته به فلا يكلف ذلك, وكذلك إذا كانت بقربه دار الصديق فبذل له قضاء الحاجة فيها لا يكلف الدخول إليه, وهذا أولى, لأن الحشمة ها هنا أكثر.
فرع آخر لو كان منزلان أحدهما ابعد من الآخر فالمذهب أنه لا يجوز له المضي إلى الأبعد لأنه لا حاجة به على المضي إلى الأبعد [366 ب/4] وقال الداركي: سئل ابن أبي هريرة عن هذا فقال: له الخروج إلى الأبعد وهذا بعيد.

فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة لقضاء الحاجة ثم عاد لا يلزمه تجديد النية لأنه لم يقطع اعتكافه فكان في حكم المعتكف وقت خروجه وذلك الوقت محسوب له من الزمان الذي أوجبه فيه بنذره, ولو لم يكن الاعتكاف نذرًا فخرج لحاجة الإنسان ثم عاد فإنه يلزمه تجديد النية لأن النية الأولى بطلت وانقطع الاعتكاف.
فرع آخر لو خرج لحاجة الإنسان فرأى غريمًا له فوكل من يطالبه بحقه لا يبطل اعتكافه لأن خروجه كان للحاجة وتوكيله بالمطالبة كلام لا يؤثر فيه نص عليه في "الأم", إلا أن يخرج من المسجد كذلك فيبطل حينئذٍ اعتكافه.
فرع آخر إذا دخل منزله لقضاء الحاجة وهناك مريض له أن يسأل عن المريض في اجتيازه ولا يجلس إليه ولا يعرج عليه وليس له أن يعدل عن ممره إلى المكان الذي فيه المريض وهذا لما روي عن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المنزل لحاجته يمر بالمريض فيمر كما هو ولا يعرج عليه 1؛ بل يسأل ويمضي" وقيل: إن [367 أ/ 4] كان العدول عن ممره قليلاً فيه وجهان, ولو وقف لعيادته قليلاً فوجهان, لأن فيه غرضًا صحيحًا.
فرع آخر المرجع في القليل والكثير إلى العرف, فإن كان المريض في الدار وطريقه في الصحن إلا أن المريض في بيت الدار أو حجرتها فهو قريب, وإن كان في بيت آخر فهو كثير وعلى هذا لو زار قادمًا في طريقه فالحكم هكذا.
فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة ثم أراد الأكل في منزله نقل المزني انه لا شيء عليه وظاهرة يقتضي أن له الخروج ابتداء للأكل, واختلف أصحابنا في هذا, فقال ابن سريج وجماعة: لا يجوز له الخروج للأكل, لأنه يمكنه الأكل, لأنه يمكنه الأكل في المسجد, قال الشافعي: وينصب المعتكف المائدة ويأكل وبه قال أبو حنيفة ومالك, وإنما أمر بالمائدة أو السفرة لأنه أصون للمسجد من التلوث بالمطعوم وأقرب إلى النظافة وما نقله المزني أراد به أنه يأكل اللقمة واللقمتين بحيث لا يطول فإن أطال بطل, ولو قعد في طريقه قعدة خفيفة وأكل هذا القدر فلا بأس به في التتابع, ولو عدل في ممره إلى صفة من المنزل للأكل انقطع اعتكافه طال الزمان في هذا [367 ب/4] أو قصر, وهذا اختيار القفال, وقال أبو إسحاق: له أن يخرج من المسجد إلى بيته للأكل وإذا خرج لقضاء

الحاجة له أن يستوفي تمام الأكل, وبه قال أكثر أصحابنا وهو الصحيح, ونص عليه الشافعي في "الإملاء" وهذا لأن في أكله في المسجد بذلة وسقوط مرؤة وقد يحتشم من أكله المصلون فيدعوهم ذلك على الخروج, ولأنه ربما يكون في طعامه قلة فيستحي من إظهاره أو كان يفسد إن أخرج إلى المسجد.
فرع آخر فأما شرب الماء فإن اشتد عطشه وعدم الماء في مسجده يجوز أن يخرج إلى منزله, وإن كان واجدًا للماء في مسجده فمن أصحابنا من جعله كالأكل فله الخروج ومنهم من منعه بخلاف الكل, لأنه ليست فيه بذلة ولأن استطعام الطعام مكروه والاستسقاء للماء غير مكروه وقد استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء ولم يستطعم الطعام.
فرع آخر لو أقام بعد فراغه من قضاء الحاجة أو من الأكل في البيت بطل اعتكافه قليلاً كان أو كثيراً, لأنه لا حاجة به إليه وبه قال جماعة العلماء, وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل [368 أ/4] حتى يكون أكثر من نصف يوم لأنه قليل كما لو خرج لحاجته وتأنى في مشيه وكان يمكنه الإسراع جاز وعفي عنه لقلته وهذا غلط, لأن المشي يختلف بعادة الناس فيجب أن يمشي على سجيه مشيه لأن عليه مشقة في تعيين ذلك, وهاهنا لا حاجة به إلى خروجه.
فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة يكره له أن ينقص عن سجيه مشيه فلو تأني في مشيه عن حد العادة, المذهب أنه يبطل اعتكافه ويكون كما لو قعد ساعة بعد قضاء الحاجة.
فرع آخر لو خرج من المسجد ناسيًا لم يبطل اعتكافه نص عليه في "الأم" خلافًا لأبي حنيفة, وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ولأنه لو أكل في الصوم ناسيًا لم يبطل صومه كذلك ها هنا, ومن أصحابنا من قال: بطل اعتكافه لأن اللبث مأمور به فلا يعذر فيه الناسي كالنية في الصوم والأول أصح, وقال: والدي رحمه الله لو أطال المكث...... 1 كالوجهين في الأكل الكثير في الصوم والكلام الطويل في الصلاة, وقال أيضًا: هل يحسب له القدر الذي كان هو فيه خارجًا؟ [368 ب/4] يحتمل وجهين: أحدهما: يحسب كما لو كان خرج لحاجة الإنسان المدة التي هو فيها خارج المسجد هي غير محسوبة, والثاني: وهو الظهر أنه لا يحسب بل عليه إعادة ذلك القدر قال: ولو خرج ناسيًا واعتكافه متتابع فدخل مسجدًا آخر ثم تذكر وهو في

المسجد الثاني هل له العود إلى الأول أم يبقى على اعتكافه في المسجد الثاني فالأصح على القياس أنه لا يعود إذا لم يكن في اللبث ويحتمل أن يقال: أن له العود.
مسألة: قال 1: وَلاَ بَأس أَن يَشتَرِي وَيَبِيعَ.
الفصل وهذا كما قال: المستحب لكل من في المسجد أن لا يشتغل إلا بذكر الله تعالى والصلاة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فقال: لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة" 2, والمستحب لكل من يلبث بعبادة أن يشتغل بها ولا يعرض عنها إلى غيرها فالمعتكف يستحب أن يكون عليه السكينة والوقار ويشتغل بالطاعات من الصلاة وقراءة القرآن والدعاء والنظر في العلم ومذاكرة العلماء, فإنه أفضل من صلاة التطوع نص عليه في البويطي ويتكلم [369 أ/4] المعتكف في العلم وبكتبه فجعل كتابه العلم في المسجد بمنزلة المذاكرة.
وقال أحمد: لا يستحب له قراءة القرآن وتعليمه ويدرس العلم بل يشتغل بذكر الله عز وجل والتسبيح والصلاة, واحتج بأنه عبادة يشرع لها في المسجد فلا يستحب فيها إقراء القرآن وتدريس العلم بالصلاة, وروي عن أحمد مثل قولنا, وقال مالك: تكره له مذاكرة العلماء وهذا غلط, لأن المذاكرة بالعلم قربة وقد قال تعالى: ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36], وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم الأحكام في اعتكافه ويجبهم عن الأسئلة.
وأما الصلاة فقد شرع فيها أذكار مخصوصة وخشوع واشتغاله بذلك يقطعه, وفي الطواف لا يمكنه إقراء القرآن ودراسة العلم وشرع فيه ذكر مخصوص بخلاف هذا, فافترقا وقيل: لا يكره التعليم في الطواف كما في الاعتكاف, وأما البيع والشراء والخياطة فلا تبطل للاعتكاف لأن ما لا يبطل الصوم لا يبطل الاعتكاف في المسجد كالصوم, وقال في البويطي يكره له البيع والشراء في المسجد فإن [369 ب/4] باع معتكف أو غيره كرهت له ذلك لهما والبيع جائز وهذه الكراهة لأجل المسجد دون الاعتكاف والكراهة هي كراهية تحريم لا تنزيه وإنما كرهنا لما ذكرنا من الخبر, وقال في "الأم" والقديم: لا بأس به, وقال في القديم: ولا يكثر التجارة لئلا يخرج عن حد الاعتكاف فالمسألة على قولين.
أحدهما: يكره لما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن البيع والشراء في المسجد" 3. والثاني: لا يكره لأنه كلام مباح كالحديث, والأول اصح.

وقوله: لا بأس به أي: لا يؤثر في اعتكافه إلا أنه لا يكره, فإن كان محتاجًا إلى شراء قوته أو لقريبه لا يكره, وكذلك عن خاط ثوبه الذي يحتاج إلى لبسه لا يكره, وإن كان كثيرًا فتركه أولى, وحكي عن مسروق أنه رأى رجلين يتساومان في المسجد شيئًا فحضهما وقال: أخرجا إلى سوق الدنيا فإن هذا سوق الآخرة, وقال بعض أصحابنا: إن كان البيع والشراء يسيرًا لا يكره, وإن كان كثيرًا فقولان وقال مالك: من شرط... 1 ويخالف عادته الاعتكاف فإن لم تكن حرفته [370 أ/ 4] فلا بأس أن يخيط فيه شيئا وهذا غلط, لأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد وقد حصل ذلك مع هذا ولا يخالف العادة حصلت بالانتقال من حانوته إلى المسجد, ولا يقدح في الحج أن تقترن به التجارة الدائمة فلا يقدح في الاعتكاف أن تقارنه الحرفة الدائمة, ثم قال: ويحدث بما أحب فيجوز منه محادثة الإخوان لما روت صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعكفًا فأتيت ليلاً أزوره فحدثته فلما انقلبت قام ليقلبني فإذا رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلكما إنها صفية بنت حُيي فقالا سبحان الله يا رسول الله, فقال: إن الشيطان يجزي من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شراً" 2؛ ولأن الاعتكاف والحديث لا يتنافيان فظاهر ما ذكره هل هنا أنه لا يكره, والأولى له تركه.
وقيل: يكره ذلك لما ذكرنا من الخبر ثم قال: ما لم يكن مأثمًا, وهذا النهي لا يختص بالاعتكاف لأنه في غير الاعتكاف مثله, وقال في "الأم" و "الجامع الكبير": لا بأس بأن يقص لأن القصص وعظ وتذكير, ويجوز أن يأمر بالأمر [370 ب/4] الخفيف في ماله وضيعته ولا يكثر منه فإنه مكروه, وحكي أن الشافعي قال في القديم: لو فعل ما ذكرنا من البيع والشراء المكروهين رأيت أن يستقبله لأنه صار قعوده للتجارة وهذا مرجوع عنه فلا يجعل قولاً آخر.
فرع لا منع المعتكف من النوم في المسجد والاضطجاع والاستلقاء في غير حالة النوم لما روي عن عباد بن تميم عن عمه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى".
مسألة: قال 3: وَلاَ يُفسِدُهُ وَلاَ جِدالٌ.
كما قال يكره له السباب والخصومة كما قلنا في الصائم ولا يبطل به الاعتكاف لأنه ليس من خصائص محظورات الاعتكاف كما لا يفسد به الصوم لأنه ليس من

محظوراته, ولكن يذهب أجره بذلك ويفوته الفضل كما في الصوم.
مسألة: قال 1: وَلاَ يَعُودُ المَريضَ وَلاَ يَشَهد الجَنَائِز إذا كَانَ اعتكافُه واجباً.
وهذا كما قال في اللفظ إشكال لأنه ذكر الواجب ولم يذكر التتابع ولابد من تقييد المسألة بالتتابع لأن الاعتكاف الواجب إذا لم يكن متتابعاً فخرج إلى جنازة لم يبطل ما مضي [371 أ/4] منه وإذا عاد بني على ما سبق, وإذا كان متتابعًا فخرج للجنازة بطل الاعتكاف ويجب الاستئناف والأولى إذا كان اعتكافه نفلاً أن يخرج إلى الجنازة ويصلي عليها وهو أفضل من الاعتكاف, لأنه فرض على الكفاية والاعتكاف نفل.
وأما عيادة المريض قال بعض أصحابنا: هي والاعتكاف سواء فاجل أيهما شاء لأن كل واحد منهما قربة مندوب إليها, وإذا خرج بطل اعتكافه لأنه لا يضطر إليه, ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يخرج لعيادة المريض لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن اعتكافه واجبًا, وإن كان اعتكافه واجبًا متتابعًا لا يجوز له أن يخرج للعيادة ولا للجنازة, ولو خرج لحاجة الإنسان فسأل عن المريض في الطريق فقد ذكرناه ولو اتفقت جنازة في الطريق فوافق تكبير الناس عليها فكبر معهم وصلى قال القفال: قال مشايخنا: لا ينقطع اعتكافه المتتابع بهذا القدر لأن ذلك لا يزيد على الوقفة اليسيرة التي أبحنا له فيها الأكل على طريقة من منزله إذا دخله لقضاء الحاجة [371 ب/ 4] فإن احتاج إلى زمان لانتظار الجنازة أو عدل عن طريق قضاء الحاجة إلى مكان آخر فصلى عليها ينقطع التتابع, وإن أدخلت الجنازة في رحبة المسجد فصلى عليها جاز.
مسألة: قال 2: وَلاَ بَأسَ إِذَا كان مُؤَذَنًا أن يَصعَد المنارَةَ وإن كانت خارجة.
وهذا كما قال: فيه أربع مسائل إحداها: أن تكون المنارة في المسجد فيصعد إليها ويؤذن ويستحب ذلك لأنه ذكر مستحب وطاعة وهو للمعتكف أشد استحبابًا, وقد قال في البويطي: وللرجل أن يعتكف في منارة المسجد.
والثانية: أن تكون المنارة في رحبة المسجد يصعد إليها ويؤذن أيضًا لأن رحبة المسجد هي من المسجد لو اعتكف فيها يصح الاعتكاف.
والثالثة: أن تكون المنارة خارج المسجد متصلة ببناء المسجد ولها باب إليه فله أن يؤذن فيها لاتصالها بالمسجد وكونها من جملته.
والرابعة: أن تكون خارجة من المسجد والرحبة ولا تتصل به وقال عامة أصحابنا: يجوز له أن يصعد غليها ويؤذن فيها ولا يبطل اعتكافه وهو ظاهر قول الشافعي لأنه قال: وإن كانت خارجة ولم يفصل [372 أ/ 4] ولأنه إذا كانت العادة أن يؤذن لهذا المسجد في هذه المنارة فقد صارت من حقوق المسجد فلا فرق بين أن تكون في وجه المسجد أو خارجة منه, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك لأنه يقطع بينهما ما ليس

منهما بخلاف الرحبة وأراد الشافعي وإن كانت خارجة أي: في الرحبة أو خارجة عن مرتفع المسجد, ولكن بابها في المسجد أو رحبة المسجد ولا يختص هذا بالمؤذن, ولكن صورة في المؤذن لأنه هو الذي يحتاج إلى الخروج إلى المنارة للأذان وهو كقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283], ولا يختص جواز الارتهان بالسفر, ولكن ذكره لغالب الاحتياج وهذا اختيار القفال وهو الصحيح, وهذا لأنه خروج لما له منه بد فأشبه الخروج للجنازة ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجه, والوجه الثالث: أنه إن كان المؤذن ممن قد ألف الناس صوته جاز أن يخرج ولا يبطل اعتكافه لأن الحاجة تدعوا إليه لإعلام الناس بالوقت, وإن لم يألفوا صوته لم يجز ذكره أبو إسحاق المروزي, وقيل: إن كانت عادته فيما سبق الصعود إليها [372 ب/ 4] للأذان أن لا يبطل اعتكافه لأن الخروج المعتاد يصير كالمستثنى, وإن لم يستثن صريحًا كالخروج للحاجة المعتادة وإن لم تكن عادته الأذان لا يجوز ويبطل اعتكافه ذكره الإمام الجويني في "المنهاج", وقال مالك: يكره له صعود المنارة أصلاً وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قال 1: وَأَكرَهُ الأَذَانَ بِالصَلاة للولاَةِ.
وهذا كما قال: اختلفت أصحابنا في تأويل هذا الكلام فمنهم من قال: أراد به أن لا يقول في أذانه حي على الصلاة أيها الأمير أو الوالي لأن ذلك زيادة في الأذان, ولا يختص هذا بالمعتكف, ويكره أن يقول هذا أيضًا بعد الفراغ من الأذان للمعتكف, لكن لو قال بعد الفراغ من الأذان الصلاة أيها الأمير لا يكره لأن هذا ليس هو من ألفاظ الأذان, وكان بلال يفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لأن الأذان هو مشروع لعامة المسلمين فتخصيص بعضهم به هو نوع رياء وإيقاع لشريك في العبادة, وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لمؤذنه: حين أتاه يومًا بعد الأذان, وقال: حي على الصلاة أما يكفيني [373 أ/ 4] أذان العامة وعلاه بالدرة, ومن أصحابنا من قال: أراد به الخروج من المسجد ليعلم الوالي بالصلاة فهذا لا يجوز للمعتكف ويختص الحكم به وهذه الكراهة كراهية تحريم, إذا كان الاعتكاف متتابعًا واجبًا.
فرع لو خرج من المسجد للأذان وجوزنا ذلك ثم لما فرغ من الأذان قال هذا إعلامًا للوالي يجوز ذلك لأن خروجه كان للأذان, وإنما أتى به على وجه التبع فلا يضر الاعتكاف.
مسألة: قال 2 وَإِن كَنَت عَلِيهِ شَهَادَةٌ فَعَلَيهِ أَن يُجِيب.
هذا كما قال: إذا طولب المعتكف لأداء الشهادة وكان اعتكافه متتابعًا واجبًا فإن

كانت الشهادة قد تعينت عليه في الطرفين عند التحمل وعند الأداء يلزمه الخروج لأدائها ولا يبطل اعتكافه قولاً واحدًا والتعين بأن لا يكون وقت التحمل والداء إلا هو ورجل آخر وهذا لأنه واجب عليه لأنه لم يكتسب سببه باختياره فدعت الحاجة إليه.
وقال القفال وجماعة: يبطل اعتكافه لظاهر لفظ الشافعي فإنه لم يفصل [373 ب/ 4] بين التعيين وعدمه وهذا لأنه ليس من ضرورة أداء الشهادة الخروج من المسجد ويمكن أن يأتيه الحاكم فيسمع منه الشهادة ولزمه الابتداء بفعله.
ومن أصحابنا بخراسان من قال: إن لزمته الشهادة باختياره تبطله وإلا فلا, وهذا ضعيف والصحيح الأول والفرق بينه وبين الخروج للجمعة يبطله لأن هناك يمكنه أن يعتكف في الجامع, فإذا اعتكف في غيره فقد دخل فيه مع علمه بأن يحتاج أن يخرج منه لا محالة ويمكنه الاحتراز منه فصار كالخروج باختياره, وها هنا لا يمكنه الاحتراز منه ولا يعلم وقت مطالبة الشهادة إياه بأدائها, ومجيء الحاكم إليه هو أمر مستبعد فلا يبطل اعتكافه به كالخروج لحاجة الإنسان وإن لم يتعين عليه في الطرفين فإن كان وقت التحمل والأداء شهود كثيرة فخرج لأدائها بطل اعتكافه قولاً واحداً كالخروج بغير شهادة, وإن لم يتعين وقت التحميل وتعينت عليه عند الأداء بأن كانت وقت التحمل جماعة من الشهود وعند الأداء لم يبق إلا هو وآخر.
قال الشافعي: عليه أن يخرج وإذا خرج بطل اعتكافه, وقال في المعتكفة [374 أ/4] إذا مات زوجها خرجت للعدة ولا يبطل اعتكافها فإذا انقضت عدتها رجعت فبنت فاختلف أصحابنا فيه فقال ابن سريج: لا فرق بينهما لأن الشهادة تعينت عليه في الأداء دون التحمل, والعدة تعينت في الحال ولم تتعين عند النكاح فكان كل واحد منهما متعينًا في الطرف الثاني دون الأول صحت أن تكون المسألتان على قولين على سبيل نقل القول والتخريج.
وقال أبو إسحاق: الخروج لأداء الشهادة يبطل بخلاف العدة وهو الصحيح والفرق أن المقصود من الشهادة الأداء فإذا تحملها مختارًا............. 1 وليس المقصود من النكاح الفرقة الموجبة للعدة وإنما يقصد به الإلفة فكان اختيارها للنكاح اختيارًا لوجوب العدة, وفرق آخر أن بالمرأة ضرورة إلى النكاح لتحصين الفرج والدين والنفس والاكتساب ولا ضرورة إلى دخوله في الشهادة عند التحمل فوزانها من العدة أن تضطر إلى الشهادة من حال التحمل لا يبطله ودون الشهادة من أن يجعل إليها طلاقها فاختارت الطلاق ثم خرجت للعدة بطل اعتكافها.
وحكي عن مالك أنه قال: في المعتدة كمل اعتكافها ثم تخرج لقضاء عدتها وهذا غلط, لأن المسجد ليس [374 ب/ 4] بمكان العدة وقد اضطرت إليها, وإن كانت متعينة عليه عند التحمل ولم يتعين وقت الأداء فخرج لأدائها يبطل بلا خلاف.

مسألة: قَالَ 1: وَإِن مَرِضَ أَو أَخرَجَهُ السُلطَانُ وَاعتِكَافه وَاجبٌ فَإِذَا بَرِئ أَو خُلَي عنه بني.
وهذا كما قال: معنى قوله واجب أي: متتابع وجب عليه بنذره وجملته أن ينظر في المرض فإن كان خفيفًا مثل الصداع ووجه السن والحمى الخفيفة ونحو ذلك, لم يجز له أن يخرج من المسجد فإن خرج من المسجد بطل اعتكافه قولاً واحدًا, لأنه خرج من غير ضرورة إلى الخروج, وإن كان المرض شديدًا ينظر فإن كان مما, لا يمكن المقام معه في المسجد كسلس البول والقيام الدائم والقيء يلومه أن يخرج فإذا خرج يبطل اعتكافه قولاً واحدًا ويبني إذا عاد, وإن كان يمكن المقام معه ولكنه تلحقه مشقة شديدة غير محتملة يحتاج إلى فراش وخادم يخدمه وطبيب يداويه له الخروج منه لأن مضطر إليه برأ من علته وأمكنه القعود في المسجد يرجع إليه, ونص في عامة كتبه أنه يبني على ما مضى من اعتكافه لأنه محتاج إليه, ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر: أنه يستأنف كما يقول في المظاهر [375 أ/ 4] إذا دخل في صوم الشهرين فمرض فأفطر هل يبطل التتابع؟ فيه قولان, وهذا ضعيف وذكر بعض أصحابنا القيام الدائم في جملة هذه العلة وهو غلط, والصحيح أن في القيام الدائم قولاً واحدًا على ما ذكرنا, وإن مكث بعد برئه شيئًا من غير عذر استأنف بلا خلاف.
فرع لو مرض ذو رحمه وليس له من يقوم بمرضه أو مات وليس هناك من يدفنه فهو مأمور بالخروج, وإذا خرج عاد وبني كما قلنا في العدة وفيه وجه آخر يستأنف, وأما الفصد والحجامة فلا تجوز في المسجد, وإن كانت في الطست كالبول في الطست لا يجوز فيه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز الفصد والحجامة في الطست إذا لم يلوث به المسجد والأولى تركه ويحتمل أن يجري البول في الطست مجرى الفصد ويحتمل الفرق بأن ذلك مما يستخفي به ويستصبح في المسجد بخلاف الفصد, وإن كانت به علة لابد لأجلها من إخراج دم فهو على ما فصلناه من العلة.
فرع آخر إذا احتاج إلى النخامة أخذها بخرقة فإن أراد دفنها في المسجد قيل: يجوز, وقيل: لا يجوز حتى يخرج عن المسجد لأن العلماء [375 ب/4] اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم "كفارة النخامة في المسجد دفنها" فقال بعضهم: أراد دفنها في المسجد فأخرج.... 2 لا يبطل اعتكافه واحدًا لأنه لم يخرج باختياره, ولو أقام في المسجد مرة وهو مغمى عليه لا تحتسب مدة الإغماء من الاعتكاف لأن فعله كلا فعل, وهكذا لو جُنَ المعتكف

ثم أفاق يبني سواء خرج من المسجد أو لا لأن فعله كلا فعل وإن دام سنين نص عليه في "الأم"، بخلاف المريض في قول لأن خروج المريض باختياره, وإن كان مرضه من غير اختياره.
وقال والدي:- رحمه الله- في الإغماء وجه آخر: إن مدته محسوبة كمدة النوم وهو ضعيف, وإن كان اختيار كثير من أصحابنا بخلاف الجنون.
ومن أصحابنا من قال: إذا أخرجه الولي في حال إغمائه فإن كان لا سبيل إلى مراعاته في المسجد بطل اعتكافه, ولو نام طول يومه يعتد بمدة النوم من الاعتكاف لأن النائم كالمستيقظ في جريان الحكم عليه.
فرع آخر لو أخرج منه محمولاً لا يبطل اعتكافه ولو أكره حتى خرج بنفسه فيه قولان: كالصائم [376 أ/4] إذا أكره على الكل بنفسه ولو أخرجه السلطان لاستيفاء الحق منه فإن كان ظالماً في منعه وهو يمكنه إيفاؤه من غير أن يخرج من المسجد يبطل اعتكافه, وإن كان مظلومًا لأنه ليس عليه دين أو عليه دين إلا أنه لا يجد ما يقضيه لم يبطل اعتكافه قولاً واحدًا, وإن وجب إخراجه لإقامة الحد عليه مثل حد الزنا أو القذف أو الشراب أو القطع في السرقة فأخرج فإنه لا يبطل اعتكافه لأن إقامة الحد في المسجد لا تجوز فإذا وجب إخراجه له كان مكرهًا عليه.
وقال القفال فيه قولان: بناء على ما لو خرجت للعدة هل تبني؟ قولان وهذا لا يصح لأنه لا منع له أصلاً في الإخراج, ولم يخرجه باختياره بخلاف المعتدة, ومن أصحابنا من قال: إن ثبت الحد عليه بإقراره بطل اعتكافه وإن ثبت بالبينة فيه وجهان؛ لأنه اختار سببه وهو الزنا والشراب ونحو ذلك.
وقال والدي, رحمه الله: إن وجب قبل اعتكافه ثم أخرج لإقامة الحد لا يبطل, وإن وجب في حال اعتكافه فاخرج هل يبطل؟ فيه وجهان أحدهما: يبطل لأن سبب الإخراج كان منه في حال الاعتكاف [376 ب/4] والمذهب الطريقة الأولى.
فرع آخر لو حاضت المرأة في اعتكافها خرجت فإذا طهرت رجعت مقام الحائض في المسجد لا يجوز فهي مضطرة إلى الخروج نص عليه في البويطي, قال أصحابنا: هذا إذا كان اعتكافها مدة لا تخلو عن الحيض غالبًا كالشهر فإن كان اعتكافها مدة قليلة يحتمل صورتها عن الحيض ينقطع اعتكافها بها, وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه ينقطع اعتكافها بالحيض ولا يمكنها أن تؤدي الاعتكاف إلا أن تيأس من الحيض وهذا ليس بشيء.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو إذن لها الزوج في اعتكاف عشرة أيام ثم مات

الزوج هل لها أن تقيم تمام العشرة في المسجد معتكفة أم عليها الخروج إلى البيت للعدة؟ قولان, فإذا قلنا: لها الإقامة هناك فخرجت انقطع التتابع, وإن قلنا: عليها الخروج فخرجت هل تبني؟ قد ذكرنا قولين وفي هذا نظر والمذهب الصحيح أنه يلزمها الخروج وتبني.
فرع لو أحرم المعتكف بالحج وخاف فوته خرج ومضى في حجته ثم استأنف الاعتكاف لأنه لا يسمى [377 أ/ 4] خارجًا حتى يخرج قدميه وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب رضي الله عنه: "والله لا أخرج عن المسجد حتى أخبرك بسورة لم تنزل مثلها في التوراة والإنجيل والقرآن ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد الخروج من المسجد وأخرج إحدى قدميه" فقال أبي بن كعب يمينك يا رسول الله فقال: "ظننتني نسيتها ثم يستفتح الصلاة فقال بالحمد لله رب العالمين فقال: هي هي " فدل على أن الخروج بإخراج القدمين جميعًا.
فرع آخر لو شرع الجنب في الاعتكاف صح شروعه وعليه الاغتسال فإن خرج للاغتسال, قال والدي رحمه الله: فيه وجهان والأشبه أنه ينقطع تتابعه قال: ويحتمل وجهًا آخر: أنه لا يصح شروعه فيه لأن لبثه في المسجد معصية وطريق الاعتكاف القربة فهما متضادان وهذا اصح عندي.
فرع آخر لو احتلم فيه يلزمه الخروج في الوقت فإن أقام مع القدرة فإن امتد مقامه بطل اعتكافه لأن مقامه فيه معصية, وإن لم يمتد فالمذهب أنه لا يبطل لأن الشافعي نص في الردة أنها لا تبطل الاعتكاف, وإن كان [37 ب/ 4] الماء في المسجد وأراد الاغتسال يأخذ الماء ويغتسل خارج المسجد, وإن اغتسل في المسجد فهو كما أقام, وإن لم يقدر على الخروج فإن كان باب المسجد مغلقًا فإن الماء في المسجد اغتسل فيه, وإن لم يكن فيه ماء فإنه يتيمم ويقيم في المسجد ولا يبطل اعتكافه.
فرع آخر قال في "الأم": إذا سكر المعتكف ليلاً أو نهارًا أفسد اعتكافه وعليه أن يبتدئ إذا كان واجبًا, وقال بعد هذا: ولو جعل لله على نفسه اعتكافًا فارتد ثم اسلم بني على اعتكافه فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا فرق بين السكر والردة ولا يبطل واحد منهما الاعتكاف وأراد بما ذكر في السكران إذا أخرج فقامة الحد عليه أو أخرج لأنه لا يجوز إقرار السكران في المسجد فيصير كأنه اختار الخروج ويغلظ على السكران في الأحكام, وهذا لأن زوال العقل بالسكر من قبل الله تعالى دون فعله فلا يبطل اعتكافه, ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر النصين والفرق أنه لا يجوز إقرار

السكران في المسجد فيصير كأنه اختار الخروج, وإن لم يخرج لخروجه [378 أ/ 4] من أهل المسجد والكافر يجوز إقراره في المسجد لاستماع القرآن والوعظ فلم يخرج عن كونه من أهل المسجد فلا يبطل اعتكافه لهذا, ومن أصحابنا من قال: يبطل بهما لأن السكران خرج عن أن يكون من أهل المسجد, والمرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادات وتأويل قوله في المرتد إذا لم يكن الاعتكاف متتابعًا فأسلم فتمم ما بقي وهذا اختيار القفال, قال: وفي السكران لا يبطل ما مضى أيضًا إذا لم يكن متتابعًا بل إذا أفاق يبني وقصد الشافعي به أن الردة لا تبطل الأعمال الماضية خلافًا لأبي حنيفة.
وحكي أن الربيع قال: حين قرئ عليه بهذه المسألة اضربوا عليها لأن الشافعي قال في السكران: يبطل اعتكافه والمرتد أسوأ حالاً منه والصحيح ما تقدم وما ذكره القفال لا يساعده النص الذي ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: يبطل بالسكر الاعتكاف ويبطل به التتابع وأراد بالردة إذا لم تطل حتى لو طالت استأنف أيضًا وهذا [378 ب/ 4] هو أضعف مما تقدم لن ما يبطله لا فرق بين قليله ولا كثيره كالخروج من المسجد.
فرع آخر لو كان من ظالم فخرج واستتر لا يبطل اعتكافه لأنه مضطر إلى الخروج بسبب هو معذور فيه.
مسألة: قال 1: وَإن نَذَرَ اعتكافًا بِصَومٍ فَأفطَرَ استأنفَ.
وهذا كما قال: إذا نذر اعتكاف أيام يصوم متتابعًا فأفطر يومًا استأنف الاعتكاف بالصوم لأن الاعتكاف مع الصوم أفضل والثواب فيه أكثر, فكان الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف فإذا نذره على هذه الصفة لزمه على صفته كالتتابع ويفارق هذا إذا نذر أن يعتكف مصليًا له أن يفرد الصلاة عن الاعتكاف, لأن الصوم والاعتكاف هما عبادتان متجانستان أو كل واحد منهما إمساك مخصوص بخلاف الاعتكاف, لأن الصوم والاعتكاف هما عبادتان متجانستان أو كل منهما إمساك مخصوص بخلاف الاعتكاف مع الصلاة.
وقال صاحب "الإفصاح": يستأنف الصوم دون الاعتكاف لأن الاعتكاف يصح بغير الصوم يصح بغير الاعتكاف فهما عبادتان مختلفتان, قال القفال: وهذا أقيس وهذا خلاف نص الشافعي في "الأم" حيث قال: استأنف الاعتكاف وعلى هذا النص لا يجوز له في الابتداء أن يفرق بينهما على ما ذكره صاحب [379 أ/ 4] "الإفصاح": يجوز له أن يفرق بينهما وجهان والصحيح أنه لا يلزم الجمع ها هنا وجهًا واحدًا لأن بين الاعتكاف والصوم مناسبة لأن كليهما كف وإمساك بخلاف الصلاة مع الاعتكاف, وهكذا لو نذر أن يعتكف شهرًا محرمًا فيه طريقان.
فرع لو نذر أن يعتكف عشرة أيام هو فيها صائم لا خلاف أنه لا يصح اعتكافه دون

الصوم لأنه التزم العبادة على صفة فلا يجوز إلا بتلك الصفة إلا أنه لا يعتبر أن يكون الصوم للاعتكاف حتى لو اعتكف في رمضان يجوز الوجهان, إذا قال: على أن أعتكف صائمًا ذكره بعض أصحابنا.
فرع آخر إذا نذر أن يعتكف جميع عمره ينعقد فإن فك في بعض الأيام فالحكم في القضاء هو كالحكم فيمن نذر أن يصوم الدهر ثم أفطر, ولو مات وفي ذمته قضاء الاعتكاف لم يلزمه إخراج البدل كما في الصلاة سواء.
مسألة: قَالَ 1 المُزَني: وَقَال فِي بَابِ مَا جمعتُ لَهُ مِن كِتَابِ الصيَامِ وَالسُنَنِ والآثارِ: لاَ يُبَاشر المعتَكِفُ.
الفصل وهذا كما قال: كأن المزني جمع مشكلات كانت له في هذه المواضع فكان يقرأها على الشافعي ويستكشفه فحكي أن الشافعي قال في قراءته [379 ب/ 4] ذلك عليه هذه المسألة وظاهرة يقتضي أن كل مباشرة بشهوة تفسد الاعتكاف إلا ما يوجب الحد من الوطء يعني الجماع الذي لو كان حرامًا يوجب الحد.
وجملته: أن المباشرة هي على ثلاثة أضرب: مباشرة لا تبطل الاعتكاف وتجوز وهي ما كان بغير شهوة مثل أن يقبل زوجته إكرامًا لها, أو ناولها شيئًا فوقعت يده على يدها ونحو ذلك وهذا لما روي أن عائشة رضي الله عنها كانت "ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتكافه" ولا شك أنه تصيب يدها رأسه.
والثاني: مباشرة تبطله قولاً واحدًا وهي الوطء في الفرج عمدًا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] ولأنه عبادة بدنية فيفسدها الوطء كالصوم.
والثالث: مباشرة اختلف قول الشافعي فيها وهي اللمس بشهوة والوطء دون الفرج فيها قولان احدهما: وهو المشهور لا تبطله أنزل أو لم ينزل لأنه عبادة تختص بمكان فلم يفسد بالوطء دون الفرج كالحج, ولأنه لابد من مزية الوطء فلو أبطلنا بها لا يبقى للوطء مزية, والثاني: يبطله أنزل أو لم ينزل نص عليه في "الإملاء" وبه قال مالك لأنها [380 أ/ 4] مباشرة محرمة على المعتكف فتبطله كالوطء في الفرج وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا, وقال بعض أصحابنا بخراسان في تحريمها: قولان أيضًا وهو غلط ظاهر, وقال بعض أصحابنا: القولان إذا لم ينزل فإن فقول واحد أنه يبطل, وقيل: قول واحد لا يبطل بغير الوطء وهو اختيار المزني.
وقول الشافعي "لا يباشر", أي لا يجامع وهو المراد بالآية أيضًا, وهذا كله غير

صحيح, واحتج المزني بالصوم والإحرام فإنهما لا يبطلان بدون الوطء والجواب عن هذا أن الصوم مشترك يبطل إذا أنزل وفي الإحرام لا تعرى المباشرة بالشهوة عن حكم وهو الفدية, فكذلك في الاعتكاف وجب أن لا يعرى عن حكم وليس ذلك إلا الفساد وأيضًا القبلة في الصوم غير محرمة بل هي مكروهة لمن تحرك شهوته, فلما لم تساو القبلة الوطئ فيه في التحريم لم تساوه في الإفساد وها هنا القبلة بالشهوة محرمة بكل حال كالوطئ فجاز أن تساويه في الإفساد ذكره أبو إسحاق.
فرع آخر لو استمنى فيه قال أصحابنا إن قلنا: لا يبطل بالمباشرة دون الفرج فهذا أولى أن لا يبطله وإن قلنا: يبطل بها إذا أنزل ففي هذا وجهان.
فرع آخر كل موضع أبطلنا الاعتكاف به لا يلزم الكفارة يل يجب القضاء فقط فإن مات قبل أن يقضي سقط ولا يجب [380 ب/ 4] الإطعام عنه وبه قال الكافة, وقال الحسن البصري والزهري: يلزم بالوطء فيه الكفارة مثل كفارة الوطء في رمضان وهذا غلط, لأنه عبادة لا يدخل المال في جزائها فلا تجب الكفارة بإفسادها.
فرع آخر لو جامع فيه ناسيًا لا يبطل اعتكافه قولاً واحدًا, وإن كان في الحج قولان وكذلك لو كان جاهلاً بتحريمه, وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يبطله وهذا غلط, لأن هذه مباشرة لا تفسد الصوم فلا تفسد الاعتكاف كالمباشرة دون الفرج.
فرع آخر لو كان اعتكافه واجبًا ولم يشترط التتابع لا يبطل ما مضي بالوطئ وله أن يتمم ما بقي ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة فشرع فيه ثم خرج وجامع انقطع اعتكافه فإذا عاد لا يلزمه تجديد النية لأن الوقت متعين للاعتكاف وقد نوى الاعتكاف عند الشروع فيه ذكره أصحابنا بخراسان.
فرع آخر لو قال: لله على أن أعتكف شهرًا بصوم ثم مات قبل لأن يقضيه يطعم عنه مكان كل يوم مدًا, لأنه صوم واجب ولو أوجبه وهو مريض فمات قبل أن يصح من مرضه لم يجب أن يطعم عنه.
فرع آخر لو قال: لله على اعتكاف رجب صائمًا فعليه قضاء شهر بصيام فلو قضى في رمضان لم يجز لأنه يلزمه الصوم [381 أ/ 4] بالنذر وصوم رمضان واجب شرعًا فلا يسقط به فوجب النذر فهل يسقط عنه فرض الاعتكاف أم يبقى فرضه أيضًا؟ اختلف أصحابنا فيه بناء على ما ذكرنا إذا نذر اعتكافًا بصوم هل يجوز إفراد أحدهما عن الآخر.

فرع آخر لو نذر اعتكافًا وقال: إن اخترت جامعت أي إن اتفق لي وطئ فعلت لا ينعقد هذا النذر لأنه يخالف مقتضاه ذكره أصحابنا.
مسألة: قال 1: وَإِن جَعَلَ عَلَى نَفسِهِ اعتِكَافَ شَهرٍ وَلَم يَقُل مُتَتَابِعَاً أحببته مُتَتَابِعَاً.
وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف شهرًا متتابعًا يلزمه ذلك وأي شهر اعتكف فيه أجزأه لأنه نذره بشرط التتابع فيلزمه كما نذر فإنه زيادة عبادة وله أن يعتكف ما بين الهلالية سواء كان الشهر تمامًا أو ناقصًا, وله أن يعتكف شهرًا فالأيام ثلاثين يومًا, لأن اسم الشهر يقع عليهما وإن أفسد بعضها استأنف سواء اعتكف عددًا أو ما بين الهلالين ولو نذر شهرًا متفرقًا أجزأه متفرقًا, فإن اعتكف متتابعًا قال القاضي الطبري: أجزأه عندي لأن التتابع أفضل من التفريق فكان له أن يأتي متتابعًا, وسمعت بعض أصحابنا بخراسان قال: لا يجوز متتابعًا ويلزمه كما نذر ورأيته عن والدي رحمه الله وفرع عليه فقال: إذا نذر اعتكاف عشرة أيام متفرقة الأيام [381 ب/ 4] فاعتكف عشرة أيام متتابعة أصح منها خمسة الأول, والثالث, والخامس, والسابع, والتاسع, لأن التفريق يحصل بيوم واحد وفي هذه الأيام المتحللة صح الاعتكاف فيها وإن لم يقع محسوبًا والأول عندي ولو نذر شهراً مطلقًا: قال الشافعي: أحببته متتابعًا, قال المنزني: لما جعل الشافعي التتابع مستحبًا دل على أن التفريق جائز, وهذا بين في كلام الشافعي فلا فائدة في بيان المنزني, ولا يختلف أهل العراق في هذا.
وقال أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر خرجه ابن سريج أنه يلزمه متتابعًا, وبه قال أبو حنيفة, ومالك وأحمد وفي الصوم عن أحمد روايتان, وقال ابن سريج, وقول الشافعي: أحببته أي أوجبته والفرق بين هذا وبين الصوم أن من ضرورة الصوم التفريق بتخلل الليالي بخلاف الاعتكاف, وهذا غلط لأنه عبادة تصح فلا تفريقها فلا يجب فيها التتابع بمطلق النذر كالصيام وفي الصوم قد يجب التتابع, وإن كان يتفرق بالليل وهو في الكفارات, وإذا قيد نذر الصيام بالتتابع فيستوي عند الإطلاف بينهما, ولأن ظاهر نص الشافعي لا يحتمله مع ما ذكر المزني والاستحباب لا يدل على الوجوب كما يستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب وكل أمر يتوجه على الإنسان [382 أ/ 4] فالأولى المعالجة والمبادرة إليه, وإن سوغت الشريعة التأخير.
فرع لو لم يذكر التتابع لفظًا ونوى بقلبه التتابع هل يلزمه التتابع وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لأن النية إذا اقترنت باللفظ تحملت كما لو قال: أنت طالق ونوى ثلاثًا وهو الأصح عندي.

والثاني: لا يلزمه, وهو ظاهر ما نقله المنزني, لأنه قال: ولم يقل متتابعًا أحببته متتابعًا, وعلى هذا لو قال: لله على اعتكاف مطلقًا ونوى بقلبه عشرة أيام هل يلزمه العشرة؟ وجهان: ولو نذر شهرًا محدودًا بعينه فقال: شهر رمضان أو شهر شعبان فعليه أن يعتكف ذلك الشهر عن الهلالين تاما كان أو ناقصًا, فإن أفسد يومًا منه نظر, فإن لم يكن شرط متتابعًا بني على ما مضى وقضى يومًا ولا يجب الاستئناف وقال أحمد في رواية: يجب الاستئناف لأن المتابعة واجب كما شرط.
وهذا غلط, لأن هذه المتابعة كانت من حيث الوقت كما في صوم رمضان فلا توجب الاستئناف إذا أفسد يومًا منها كما لو أفطر يومًا من رمضان ولو ترك أيامًا منه يجوز أن يقضي متفرقًا كما يجوز أن يقضي صوم رمضان متفرقًا.
وحكي أبو يعقوب الأبيوردي, عن ابن سريج أنه قال: يقضيه متتابعًا والمستحب أن يصوم معه, ثم قال: ويحتمل أن [382 ب/ 4] يكون معناه فيمن نذر ذلك متتابعًا فيلزم التتابع في قضائه لمكان الشرط, وهكذا إذا قال: إذا اعتكف جزء من وقتي هذا فإن وافق أو شهر الهلال أجزأه ما بين الهلالين فإن أفسد بعضه بني أيضًا, وإن لم يوافق ما بين الهلالين اعتكف ثلاثين يومًا من وقته, فإن أفسد بني أيضًا, وإن شرط التتابع فقال: شهر رمضان متتابعًا فإن أفسد بعضه استأنف متابعة, ويلزم التتابع في القضاء وفيه وجه آخر ذكره أصحابنا بخراسان: أنه لا يلزمه التتابع في قضائه ها هنا أيضًا, لأن ذكر التتابع كان لتعيين الوقت وهذا ضعيف.
فرع آخر إذا جامع في ليالي الاعتكاف المتتابع يبطل كما في الأيام بخلاف ما لو جامع في ليالي صوم شهرين متتابعين, والفرق أن الاعتكاف يدوم ليلاً ونهارًا فمتى صادف جماعة اعتكافه تقطع تتابعه, وأما الصيام فيختص بالأيام دون الليالي فإذا صادف ليلاً لم يصادف جماعة صيامه ولا تتابع صيامه وكيف تصادف التتابع وهو صفة الصوم والصوم بالليل معدوم, فلهذا لا يؤثر في تتابعه.
فرع آخر لا فرق في هذا الجماع بين أن يوجد في المسجد أو في طريق المسجد عند خروجه لقضاء الحاجة لأنه حين خرج لحاجة الإتيان فهو في الاعتكاف حكمًا وخرجه عن المسجد [383 أ/ 4] لا يخرجه...... 1 العبادة وسمعت وجهًا آخر في النظر أنه إذا جامع في طريقه ولم يثبت له لا يبطل اعتكافه وهو ضعيف.
فرع آخر لو جعل لله على نفسه اعتكاف شهر سماه فإذا الشهر قد مضى فلا شيء عليه لأن

الاعتكاف في شهر مضى محال فلا ينعقد نذره، وهكذا لو قال: عليَّ أن اعتكف شهر رمضان سنة مت وكان في سنة سبع.
فرع آخر لو قال: عليَّ أن اعتكف شهرًا بالنهار فله أن يعتكف بالنهار دون الليل نص عليه في" الأم" لأن الشهر...... 1 فهو كما لو قال: لله عليَّ اعتكاف شهر إلا عشرة أيام، وهكذا لو قال: والله لا أكلم فلانًا شهرًا بالنهار وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أعتكف أيام هذا الشهر.
مسألة: قال 2: وَلَوْ نَوَي يَوْمَاً فَدخَل في نِصْفِ النَّهار اعتكف إلى مثْلهِ مِنَ الغَد.
وهذا كما قال: قال أصحابنا تأويل المسألة أنه قال: في نصف النهار لله عليَّ أن أعتكف يومًا من هذا الوقت فيلزمه أن يعتكف بقية النهار والليل ومن الغد إلى مثل ذلك الوقت، وإنما دخل الليل فيه؛ لأن كل زمان لا ينفك من الليل إذا نذر الاعتكاف فيه دخل الليل دخل فيه على طريق التبع، فأما إذا نذر اعتكاف يوم مطلقًا فإن اليوم هو اسم لبياض النهار من حين طلوع الفجر الثاني إلى [383 ب/4] غروب الشمس فيلزمه أن يدخل في الاعتكاف قبل طلوع الفجر الثاني بلحظة إلى ما بعد غروب الشمس بلحظة فيكون قد استوفي اعتكاف يوم.
وهل يجوز تفريق اليوم الواحد؟ فيه وجهان أحدهما: يجوز وهو ظاهر المذهب كما يجوز تفريق الأيام والشهور، والثاني: لا يجوز والفرق بينهما أن اسم أيام متفرقة كما يقع على أيام متتابعة ويؤكده أن في الصوم يجوز تفريق الأيام في قضاء رمضان ولا يتصور فيه تفريق اليوم الواحد، وهذا هو ظاهر قوله هاهنا، اعتكف إلى مثله من الغد ولم يفصل، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد الشافعي مما ذكرنا أراد إذا نوى يومًا متتابعًا لا إذا أطلق وهذا الوجه الثاني: هو اختيار أبي إسحاق، فإذا قلنا: يجب التتابع أو قلنا: بالخيار فاختار التتابع فعليه أن يكون كل نهاره في المسجد وإنما يقدر على هذا بما ذكرنا أنه يدخل قبل طلوع الفجر الثاني إلى الغروب، وإن قلنا: يجوز له التفريق ففي أي يوم دخل يلزمه أن يعتكف الليلة التي بينهما المذهب، أنه لا يلزمه ذلك ويكفيه النصفان من يومين، وأراد الشافعي بما ذكر في" المختصرة" إذا نوى اعتكاف يوم وليلة أو إذا قادت من وقتي هذا ومن أصحابنا من قال: المذهب أنه يلزمه وفيه وجه آخر [384 أ/4] وهو غلط لأن الليل إنما يلزم عند وجوب التتابع فإنه لا ينفك عنها إذا دخل في نصف اليوم فأما إذا جوّزنا التفريق فلا حاجة إلى إلزام الاعتكاف في الليل بإطلاق لفظ اليوم وهذا اختيار القفال.
مسألة: قال 3: وَإنْ قَال: يَوْمَيْنِ فَإِلَي غروبِ الشَّمْسِ مِنْ اليَوْمِ الثاني.

وهذا كما قال: قد ذكرنا إذا نذر اعتكاف يوم ماذا حكمه ولا فرق بين أن يعين اليوم أو لا يمن، وأما إذا نذر اعتكاف يومين فلا يخلو إما أن يطلق، ها أن يشترط التتابع فإن شرط التتابع يقال: لله عليَّ اعتكاف يومين متتابعين يلزمه أن يعتكف يومين وليلة بينهما لا يختلف أصحابنا فيه إلا أن يكون له نية النهار دون الليل فلا يلزمه الليلة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يلزمه يومان وليلتان لأن لفظ الإمام على الأيام على طريق الجمع والتثنية يدخل فيه مثله من الليالي، وكذلك لفظ الليالي بدليل قوله تعالى:" قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا " [آل عمران:41]، وقال في موضع آخر" ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا " [مريم:10]، وهذا غلط لأن اليوم هو اسم لبياض النهار والتثنية هي تكريرًا لواحد فإذا لم يدخل في الاسم ولا تخلله لم يدخل فيه، وأما ما ذكره قلنا: يجوز دخول [384 ب/4] فيه بالإرادة، فأما باللفظ فلا ومن أصحاب أبى حنيفة من قال: قاله أبو حنيفة استحبابًا والواجب يومان وليلة فعلى هذا ارتفع الخلاف لأن عندنا يستحب ذلك أيضًا.
وإن نوى بلياليهما يلزم ليلتان عندنا أيضًا وإن أطلق وقال: يومين أو عشرة أيام فلا يختلف أصحابنا أن التتابع لا يجب ولكن اختلفوا في وجوب الاعتكاف في الليل فقال عامة أصحابنا: يدخل الليل فيه ويلزمه أن يأتي بيومين وليلة وهذا هو ظاهر المذهب لأن كل زمان لا ينفك من الليل فإذا نذر اعتكافه دخل الليل فيه تبعًا، ومن أصحابنا من قال: لا يدخل الليل فيه لأن اسم اليوم لا يقع إلا على بياض النهار فلا يدخل الليل فيه من غير شرط، وتأويل نص الشافعي أنه أراد به يومين متتابعين وعلى هذا لو قال: لله علي أن أعتكف ليلتين فإنه يلزمه أن يعتكف ليلتين ويومًا ويجوز متتابعًا ومتفرقًا على قول بعض أصحابنا وهو الصحيح، وفيه وجه آخر؛ أنه يلزمه أن يعتكف ليلتين من غير يوم.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان يومين في الليلة التي بينهما ثلاثة أوجه، وإذ قال ليلتين ففي اليوم الذي بينهما ثلاثة أوجه اثنان: مما ذكرنا، والثالث: أنه إن شرط [385 أ/4] التتابع يلزمه عنه لأنه قد لا ينفك منه اليومان أو الليلتان.
فرع آخر دخل في الاعتكاف ثم نوى الخروج منه فيه وجهان أحدهما: يبطل لأنه قطع شرط صحته كما لو قطع نية الصلاة، والثاني: لا يبطل لأنه قربة تتعلق بمكان فلا يخرج منها بنية الخروج كالحج والأول أظهر.
فرع لو قال: لله عليَّ أن أعتكف العشر الأواخر يلزمه ذلك مع الليالي لأن العشر اسم الأيام بلياليها بخلاف الأيام، ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف آخر شهر في هذه السنة

اعتكف ذا الحجة من أوله إلى آخره تامًا كان أو ناقصًا، ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام قال القفال: يدخل فيها الليالي بخلاف ما إذا قال: يومين والفرق أن العرب تطلق الأيام وتريد مع الليالي وفي اليومين لا تريد إلا النهار وهذا أحسن ولكنه خلاف ظاهر المذهب.
مسألة: قال 1: وإن قال: لِلّهِ عَليَّ أَنْ أعْتَكِفَ يَوْمَ يَقْدُمُ فيه فُلانٌ فَقَدِمَ في أولِ النَّهارِ اعتَكَفَ في مَا بَقِيَ.
وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف اليوم الذي تقدم فيه فلان لا يصح نذره في أحد القولين، لأن الصوم لا يصح في بعض النهار، فإذا قدم لا يمكنه أن يصوم فيه والاعتكاف يصح في بعضه ثم ينظر فإن قدم [385 ب/4] ليلًا لم يلزمه الاعتكاف لأن الشرط لم يوجد، وإن قدم نهارًا يلزمه أن يعتكف ما بقي قولًا واحدًا ويجزيه قليلًا كان أو كثيرًا ولا يلزمه قضاء ما مضي منه، وقال المزني: يلزمه قضاء ما مضى من نهاره فقال: يشبه....... 2، إذا قدم في أول النهار يقضي بمقدار ما مضى من ذلك اليوم من يوم آخر حتى يكون قد أكمل الاعتكاف يومًا ثم أوضح ذلك فقال: وقد يقدم في أول النهار بطلوع الشمس وقد مضي بعض يوم فلا بد من قضائه حتى يتم يومًا، قال المزني: ولو استأنف اعتكاف يوم حتى يكون اعتكافه موصولًا كان أحب إليَّ أي حتى لا ينقطع بدخول الليل، وقال أصحابنا هذا غلط، لأن اعتكاف باقي هذا النهار وإتمامه من يوم آخر أولى من استئناف اعتكاف يوم ليكون البعض في وقته هناك والأفضل أن يعتكف باقي اليوم الذي قدم فيه وقضى الباقي من الغد، وإن أراد غاية الفصل والتمام استأنف يومأ آخر على الكمال.
ومن أصحابنا من قال: إذا قدم وبقي من النهار دون الصف فيه أربعة أوجه أحدها: لا يلزمه شيء وهذا على قول من قال: قعود ساعة لا يكون اعتكافًا، وأنه إذا نذر صوم يوم [386 أ/4] يَقدُم فيه فلان فَقَدِمَ وهو مفطر لا ينعقد نذره، والثاني: يلزمه اعتكاف بقية النهار وهذا على قول من يقول قعود ساعة يكون اعتكافًا، والثالث: عليه اعتكاف يوم كامل فيضيف إليه من الليل ما يتم قدر يوم فإن لم يفعل يقضي يومأ كاملًا، والرابع: يضيف إليه من الليل قدرًا يحتسب بذلك من الزمان اعتكافًا وهذا على قياس قولنا في الصوم يلزم ما هو صوم في الشرع، وهو يوم كامل.
واحتج المزني بأنه لو قال: للَّه عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه وقلنا: يصح نذره فقدم في بعضه يجب..... (3) وهذا غلط، لأن هذا الزمان... (4) فصار كما لو أوجب على نفسه اعتكاف زمان ماضٍ لا يلزمه ويفارق الصوم لأنه لا يمكنه أن يأتي بالصوم فيما بقي من النهار ولا يمكنه آن يقضيه متميزًا عما قبله فلزمه قضاء يوم كامل وفي الاعتكاف يمكنه أن يأتي فيما بقي من اليوم اعتكافًا صحيحًا فأجزأه ذلك، ولو قدم

والناذر محبوس أو مريض جاز له ترك الاعتكاف ويلزمه أن يقضي ذلك القدر الذي فاته من ذلك اليوم نص عليه في كتبه.
وقال بعض أصحابنا: إن كان الحبس بحق وهو مفرط في منع الحق يلزمه القضاء، وإن كان [386 ب/4] يظلم فيه قولان مخرجان ذكره الإمام القاضي الطبري، وقال القاضي أبو حامد في" جامعه"، وصاحب" الإفصاح": فيه وجهان أحدهما: لا يلزمه القضاء لأنه تعذر عليه الاعتكاف حين الوجوب وهذا خلاف نص الشافعي وهو غلط، لأن ما وجب على الصحيح من العبادة إذا تركه لمرض آو غيره من الأعذار يجب قضاؤه كصوم رمضان، وقال المزني: يقضي جميع اليوم، وقال القفال: ينبغي أن يذكر حكم الصوم لو نذره في هذا اليوم ثم يرتب عليه حكم الاعتكاف فاعلم أنه إذا قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم لا يمكنه الصوم في باقي نهاره لأن صوم نصف النهار لا يكون صومًا، وقد فاتت النية من الليل، ولكن هل يجب عليه قضاء صوم يوم آخر؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب لأنه لم يحصل إمكان الأداء.
والثاني: يجب ثم اختلف أصحابنا على أي معنى يجب منهم من قادت يجب لأن اليوم عبارة عن جميع النهار وقد لزم النذر من أول اليوم الذي قدم فيه فلان في إثنائه، ولكن لم يعلم ومنهم من قال: لم يلزمه إلا ما بعد قدوم فلان ولكنه لا يمكنه أداء صوم يوم فلزمه صوم يوم كامل ليقع [387 أ/4] هذا القدر فيه فإذا قلنا بالأول: هناك لا يلزمه القضاء أصلًا ففي الاعتكاف يلزمه باقي النهار أيضًا لأن اعتكاف نصف يوم صحيح بخلاف الصوم، ماذا قلنا بالثالث: إن في أوله لزمه كل الصوم ولكن لم يعلم فهاهنا يلزمه اعتكاف كل النهار فيعتكف باقي نهاره من يوم آخر ليتم يومأ فحصل قول آخر مخرج قال: وعلى هذا المعنى يخرج لو قال لعبده: أنت حر اليوم الذي يقدم فيه فلان فأصبح يومًا فباع العبد ثم قدم فلان في خلال اليوم، فإن جعلنا ذلك عبارة عن وقت اللزوم أعني ساعة القدوم لم يعتق العبد، وإن قلنا: إنه عبارة عن جملة اليوم فعما طلع الفجر عتق وبعد ذلك باطل، وكذلك لو علق الطلاق مثل هذا فأصبحت يومًا وماتت ثم قدم فلان فإنما ما؟؟؟ مطلقة أو زوجة على هذين الوجهين وعلى هذا إذا قال: يحصل العتق والطلاق في مسألة الصوم وأصبح صائمًا عن نذره وقدم فلان أجزأه صومه عن نذره وليس هذا التخرج عند أهل العراق.
فرع قال في" الجامع الكبير": إذا جعل المعتكف على نفسه اعتكاف أيام نذر لله تعالى إن كلم فلانًا فكلمه فعليه أن يعتكف، قال أصحابنا: أراد إذا أخرجه يخرج نذر..... 1 والسؤال من الله تعالى [387 ب/4] كأنه قال: إن رزقي الله تعالى

كلام فلان فلله عليَّ أن أعتكف شهرًا فإذا رزقه الله تعالى ذلك يلزمه الوفاء قولًا واحدًا ويحتمل أن يكون هذا أحد القولين في نذر الحاج.
فرع آخر قال فيه أيضًا: لو قال:.... 1 قال المزني: لم يجعل..... 2 في كتاب الكفارات في مثل هذا إلا كفارة اليمين قال أصحابنا: هذا علق اليمين وذلك أحد القولين فيه، وقال بعض أصحابنا: هذا على ثلاثة أضرب: فإن علق به طلاقًا أو عتقًا من قياعه قولًا واحدًا، وإن علق به عبادة كالاعتكاف والصوم والصلاة فهو بالخيار بين الوفاء به وبين كفارة اليمين، وإن علق به الحج فيه قولان أحدهما: يلزمه الوفاء به، والثاني: بالخيار.
مسألة: قال 3: وَلَا بَاسَ الْمُعْتِكف وَالْمُعْتَكِفَة.
الفصل وهذا كما قال: قصد به أن الاعتكاف لا يحرم اللبس والطب وعقد النكاح بخلاف الإحرام بالحج، وقال عطاء وطاوس: المعتكف ممنوع من الطب تشبهًا بالمحرم وهذا غلط، لأن النبي (صلي الله عليه وسلم) " رجَّل شعر رأسه في الاعتكاف" ولا يجوز اعتباره بالإحرام لأنه شرع فيه الكشف والتجريد بخلاف هذا، وقال أحمد: يستحب أن لا يلبس الرفع من الثياب [388 أ/4] ولا يطيب نفسه كما في الإحرام يعتبر تغيير الزينة وهذا غلط، لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:31]، ويقيس على الصوم فإنه لا يكره فيه ذلك ثم قال: وإن هلك زوجها خرجت فاعتدت ثم بنت وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال 4: ولا بأس بِأَنْ تُوْضَع المَائِدَةُ في المَسْجِدِ وَغَسْلُ اليَدينِ في الطَّستِ.
وهذا كما قال: الأكل جائز في المسجد وأكله على المائدة أولى لحماية المسجد من أن يتلوث بما يأكله أو يشربه فتجتمع عليه الهوام، وكذلك يغسل يديه في الطست حتى لا يتلوث المسجد بما يغسل به يديه وبما ينزل منها فإن غسل في غير طست..... 5 لا بأس كالوضوء في طست ويكره في غير طست.... 6 الطهارة.... 7 كغسل اليدين.
مسألة: قال 8: وَالمَرْأَةُ وَالعَبْدُ والمًسافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاؤوا.
وهذا كما قال: أراد حيث شاؤوا من المساجد وهذا لأنه لا جمعة عليهم بخلاف الرجل فإن الجامع له أفضل وللزواج وسيد العبد والمدبر وأم الولد منعهم فإن أذن لهم ثم أراد..... 9 له قال أصحابنا: هذا إذا كان الاعتكاف مطلقًا لم يشترط فيه التتابع فإن اشترطوا التتابع ودخلوا بإذن الولي أو الزوج لم يكن له منعهم فيه قبل

الإتمام لأن ذلك يفسد ويوجب [388 ب/4] الاستئناف.
وقال أبو حنيفة: له منع العبد دون الزوجة، وقال مالك: ليس له منعهما وهذا غلط، لأنه بالإذن كالمعير وللمعير الرجوع وليس للسيد أن يمنع المكاتب من الاعتكاف لأنه قد ملك نفسه وكسبه، ومنعه في الكتابة الفاسدة.
ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه وجه آخر له أن يمنع المكاتب لأن عليه أن يكتسب ويحصل...... 1، السيد فليس له أن يقعد في المسجد ويبطل حقه وهذا ليس بشيء لأن السيد لا يجبره على الاكتساب..... (2)، وقيل: هذا مذهب أبي حنيفة أن له منعه، وأما العبد المعتق... (3) قال في الجامع الكبير: له أن يعتكف يومًا حتى يتم اعتكافه.
قال أصحابنا: تأويل المسألة أنه كان بينهما مهايأة فأما إذا لم يكن بينهما مهايأة فإن للسيد منعه منه لأن كل جزء من تصرفه بينه وبين سيده، ولو أذن المسجد لعبده بنذر الاعتكاف ولم يأذن له في دخول المسجد فدخل.... (4)، هل لسيده منعه فيه وجهان والصحيح ليس له منعه والفرق آن هذا النذر.... (5)، سواء في الفضل أو ليس له وقت.... (6)، في الشرع... (7)؛ وقت مخصوص [389 أ/4] وأما الصلاة فإنها في أول وقتها أفضل منها في آخر وقتها فإن قيل هذا منعه من الفضل كما يمنعه من النوافل، وقيل: ليس له منعه من النوافل التي من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في... المكتوبات وبينها هما يمنعه.. ذكره أصحابنا... فيه وجه آخر والفرق أن الصلاة وجبت في أول الوقت ولو لم يفعل في أوله احتاج إلى الفعل في آخره فلا يمنعه منه بخلاف........ باعتكافه عشرة أيام..... بزمان يعينه وأذن له بالدخول... فيه وجهان أحدهما: لا لأنه وجب بإذنه....... لأنه لا يجوز له........ وإن لم يكن متتابعًا جاز إخراجه لأنه يجوز له الخروج...... إخراجه والله أعلم.
وهذا آخر الجزء وهو الجزء الرابع من كتاب بحر المذهب [حسب الأصل].

[2/أ] كتاب الحج

بابُ إثبات فرض الحج على من استطاعَ إيه سبيلًا

اعلم أن معنى الحج في اللغةِ: القصد، ومنه يسمّى هذا الحج الشرعي حجًا، لأن فيه قصْدًا إلى بيت الله الحرام ومَشاعره، وقالَ الخليل بن أحمد: الحج كثرة القصد إلى من تعظم، والحج: المسير إلى بيت الله خاصّة، يقال: حَجة وحِجة، والحِج والحِج بالكسر والفتح، والفتح أحسن والحاج: اسم الفاعل، والحجاج من كثر الحج منه، والحجاج والحجيج: جمع الحاج، والمحجة: قَارعة الطريق، وسميت بذلك لكثرة التردد فيها، وقيل: من قصد البيت مرةً واحدةً، قيل: حجّ إليه لأنّ البيت يكثر قصده من كل أحد، فإذا قصده مرةً، قيل: حجّ البيت، فأما غير البيت، فإنما يقال ذلك إذا كثر إتيانه، ومنه قول الشاعر 1: وأشهد من عوفٍ حُلولًا كثيرة... يحجون سب الزبرقان المزعفرا وكان الزبرقان سيّد قومهِ، والسبب: العمامة، والمزعفر: منَ الزعفران، فكأنه عبّر بعمامته عَنه لأنها معظمة.
فإذا تقررّ هذا، فالأصل في وجوب الحج الكتاب والسنّة والإجماع.
أمّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: (196)]، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنّهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: (27)]، يعني: مشاةً ورُكبانًا، وقيل: إن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالحج صعد المقام، فنادى: عبادَ الله أجيبوا داعي اللهِ [2/ب] فأجابوه حتى أجابه من في أصلاب الرّجال وأرحام النساء، فكلّ من حجّ ولّبي فهو الذي أجاب دعوة إبراهيم عليه السلام، وهذا مبني على أن شريعة مَن قبلنا تلزمنا.
وقيل: شريعة إبراهيم عليه السلام خاصّة تلزمنا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:125]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97]، وعلى كلمة إيجاب.
وتكلم الشافعي على قوله:" وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران:97]، فروي عن مجاهدٍ 2 أنه قال: أرادَ به من أدّى الحج، ولم يره براٌ وتركه: ولم يره مأثمًا يكفر بذلك، لأنه

ترك اعتقاد وجُوبه، وأجمع الملمون على وجُوبه فوجب الكفر.
وقال عكرمةُ: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:97]، قالت اليهود نحن المسلمون، فأوحى الله تعالى إلى نبيّه حجهم، يعني: مرهم بالحج فأمرهم بالحج، فقالوا: لم يكتب علينا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ إلي قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران:97] يعني من أهل الكتاب 1، وقال ابن عباس: أراد ومن كفر باعتقاد أنه غير واجب.
وأما السنّة، فخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" بني الإسلام على خمسٍ"، الخبرُ وروي أن ضمام بن ثعلبة وردَ على رسول الله (صلي الله عليه وسلم) وافدًا لقومهِ، فلما دخل المسجد، قال: أيّكم ابن عبد المطلب؟ قالوا: ذاك الأبيض المرتفق، وكان رسول الله (صلي الله عليه وسلم) متكئًا، فأتاه حتى وقف عليه، فقال: أنتَ ابن عبد المطلب؟ فقال: وَجدته، فقال: إني سائلك ومغلظ عليكَ في السؤال، فلا [3/أ] تجد عليّ، فقال: أنشدك الله، الله أرسلك إلينا رسولًا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمركَ أن تأمرنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال:" اللهم نعم"، قالَ: أنشدك الله، الله أمركَ أن تآمرنا أن نؤدي زكاة أموالنا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمرك أن تأمرنا أن نحج البيت إذا استطعنا إليه سبيلًا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمرك أن تآمرنا أن نصوم شهر رمضان؟ قال:" اللهم نعم"، ثم أسلم وحّسن إسلامه.
وروى ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا ذا ت يوم عند رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إذ أقبل رجل لم ير أشد بياضًا من ثيابهِ ولا أشد سودًا من شعره لا نعرفه حتى دنا من رسول الله، فوضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصومَ رمضان وتحج البيت إن استطعت" قال: فإذا فعلت هذا فأنا مسلم، قال:" نعم"، قال: صدقت.
وكان الرجل جبريل عليه السلام، وروى أبو أمامة الباهلي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فلم يحج حتى مات فليمت يهوديًا أو نصرانيًا" 2؛ وأخذ بعض أهل العلم بهذا الظاهر، وقال: يكفر بتأخير الحج، وهذا غلط، وتأويله: إذا لم ير الحج واجباً.
وأما الإجماع فلا خلاف فيه بين الأمّة.
وأعلم أن الحج من الشراع المقدمة، وأول من حجّ البيت آدم صلوات الله عليه، وقيل: ما من نبي إلا وقد [3/ب] حجّ هذا البيت، وقال محمد بن إسحاق: ما من نبي هلك قومه إلا انتقل بعد هلاكهم إلى مكة وعبد الله تعالى عند البيت إلى أن أتاه أجله.
وروي أن النبي.
قال:" مر موسى عليه الملام بالرّوحاء في سبعين نبيًا عليهم العبَاء يؤمون البيت وصَفَائح الروحاء تجاوبهم".
وروي:" مر موس عليه السلام بالروحاء على ناقةٍ زمَامها من ليفٍ"؛ وكانَ رسول الله (صلي الله عليه وسلم) يحج قبل الهجرة كل

سنةٍ، واختلف أصحابنا هل كان واجبًا قبلَ الهجرة؟ منهم من قال: نزل فرضه قبل الهجرة، ومنهم من قال: لا بل بعدَ الهجرة سنة خمسٍ من الهجرة.
مَسْألَةٌ: قال الشافعي 1: فرض الله تعالى: الحج على كل حرّ بالغ.
الفَصلُ الكلام الآن في بيان شرائط وجُوب الحج، والحج لا يجب إلا بوجود سبع شرائط.
والمزني أخلّ بالنقل حيث اقتصرَ على ذكر ثلاث شرائط، والشافعي زاد على هذا فذكَرَ البلوغ، والعقل، والإسلام، والحريّة، ووجودُ الزادِ، والراحلةِ، وتخليه الطريق، وإمكان السير على العرف، والعادة، فإن عدم شرط من هذه الشرائط لا يجبُ الحج، فالصبي لا يلزمه الحج لقوله (صلي الله عليه وسلم):" رفع القلم عن ثلاثة.... " الخبر.
وروي أنه قال:" أيّما صبيّ حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام" 2، فثبت أن الوجوب يتعلق بالبلوغ، لأنه عبادة على البدن فلا يلزم الصبيّ، كالصّوم، والصّلاة، وكذلك المجنون لا حجّ عليه لما ذكرنا.
وأمّا العبد، فلا يلزم لما روى ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي (صلي الله عليه وسلم)، قال:" أيّما عبدٍ حجّ ثم أعتق فعليهِ [4/أ] حجة الإسلام" 3، ولأن الحج إنما يجب بوجود الزاد والراحلة، ولا مال للعبي، ولهذا لا يلزمه الجهاد أيضًا.
وأما الكافر هل يخاطب بالحج؟ وجهان، ولا خلاف أنه لا بصحّ منه لقوله (صلي الله عليه وسلم) "أيّما أعرابي حجّ ثم هاجرَ فعليه حجة الإسلام"، ولأن الحج عبادة والكفر ينافيها.
وأمّا الزاد والراحلة فشرط في وجوبه لِما روي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) سُئل عن الاستطاعةِ، وروي أنه سئل عن السبيل، فقال:" الزاد والراحلة" 4؛ ولا تجب إذا لم يكن الطريق مأمونًا لأنه لو دخل في الحج ثم منع منه كان له الخروج، فلأن لا يلزمه الدخول فيه عند اقتران المنع أولى، وفيه ورد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]، ولا يجب إذا ضاق الوقت، ولا يمكنه المسير إليه في تلك السّنة، فإن بقي إلى السّنة الأخرى، وبقيت الشرائط التي ذكرناها وَجَبَ الحج واستقرّ هذا لأن العبادة لا تجب معَ عدم الإمكان.
ثم أعلم أن هذه الشرائط على ثلاثة أضرب: ضربٌ يمنع الوجوب والصحّة، وهو الإسلام والعقل، وضربٌ هو شرط في الوجُوب دون الأجزاء، وهو الاستطاعة وتخليه الطريق، وإمكان المسير، فإنه لو استقرَضَ الزادَ والراحلة ودفع العدو بالقتال أو المال، وسار أسرع من المسير المعتاد حتى حج أجزأه، ووقع واجبًا، ومنها ما هو شرط في الوجوب والأجزاء عن الفرض، وهو البلوغ والحرية.
وقيل: أريع منها شرط في وجوبه، وجوازه عن الفرض، وهي البلوغ والعقل والإسلام والحرية [4/ب] وشرطان منها لا يمنع فقدهما الجواز كما يمنع الوجوب على ما ذكرنا، والباقيان منها لا يمنع فقدهما الجواز والثلاث الأخر شرط في الوجوب دون الجواز.
وقال أحمد: شرائط

الوجوب خمس، فأما تخليه الطريق، وإمكان المسير فهما من شرائط الأداء دون الوجوب حتى لو مات حجّ عنه من ماله، ولو وجدت الشرائط الخمس، وكان الطريق مخوفًا، والوقت ضيقًا ثبت الحج في ذمته لأن إمكان الأداء لا يكون شرطًا في وجوب العبادة كما في الصلاة والزكاة، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:97]، وهذا غير مستطيع، ولأنه معنى يتعذر مع عدمه فعل الحج، فكان شرطًا في وجُوبهِ كالزاد، والراحلة.
وأما الصلاة والصوم والزكاة لا نسلم لأن إمكان الأداء شرط في وجوبها، وإن سلّمنا في الزكاة في أحد القولين، فلأنها حقّ في المال، ووجوبها أوسع لأنها تجب على الصبيّ والمجنون.
مَسْألَةٌ: قال 1: ومن حجّ مرةً واحدةً في دهره، فليس عليهِ غيرها.
لا يجب الحج بابتداء الشرع إلاّ مرة واحدةً، وإذا حجّ حجة الإسلام فقد سقط عنه فرض الحج سواء بقي على الإسلام، أو ارتد ثم أسلم.
وقال أبو حنيفة: من ارتد بعدما حج ثم عاد إلى الإسلام يلزمه الحج مرةً أخرى، وهذا على أصلهِ أن مجرد الردة يحبط ما مضى من الأعمال، فإذا عاد إلى الإسلام كان كيوم وَلدته أمه مستأنف الأمر، وعندنا لا تحبط الأعمال إلا باقتران الموت بالردة، واحتج بقولهِ تعالى: [3/ب] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:5]، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217]، وأما الآية التي احتجوا بها، أراد بها إذا مات عليها، بدليل هذه الآية، والأصل فيما ذكرنا ما روي أن الأقرع بن حابس، قال: يا رسول الله أحجتنا بها لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال:" بل للأبد ولو قلت: لعامنا هذا لوجب، ولو وجب لم تطيقوه" 2، وفي رواية ابن عباس أن الأقرع قال: يا رسول الله الحج في كل سنةٍ مرةٍ واحدة؟ فقال:" بل مرةً واحدةً، فمن زاد فتطوعٌ"، وإنما سأل لأن ظاهر قوله تعالي: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97]، يوهم التكرار لما ذكرنا أن الحج في اللغة: اسم يقصد فيه تكرار.
فَرْعٌ لو أحرم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام هل يبني على إحرامه أم يستأنف؟ وجهان: أحدهما: يبطل إحرامه كما يبطل بها الصوم والصلاة.
والثاني: لا يبطل لأنه لا يبطل بالجنون، والموت، فكذلك بالردة، فإذا أسلم بنى عليه، والصحيح عندي الأول.

فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يبطل، هل يلزمه المضيّ على حكم البطلان؟ وجهان: أحدهما: يلزمه كما في الوطء.
والثاني: لا يلزمه بخلاف الوطء لأن الواطء إذا قارن ابتداءه لا يمنع انعقاده، فإذا طرأ لا يقطعه بخلاف الردة، فعلى هذا لو عادّ إلى الإسلام ووقت الحج باقٍ له أن يستأنف الإحرام.
مَسْألَةُ: قال 1: والاستطاعة وجهان.
الفَصْلُ لا خلاف بينَ العلماء أن الاستطاعةَ معتبرة في وجوب الحج، ولكن اختلفوا في كيفيتها [4/أ]، فمذهب الشافعي إلى أن الاستطاعة قسمان: أحدهما: أن يكون مستطيعًا ببدنهٍ بحيث يلزمه الحج بنفسه، وهو أن يكون قويًا يمكنه أن يثبت على المركبِ من غير مشقة فادحة، ويكون واجدًا للزاد والراحلة، فإن عدم أحدهما لا يجب عليه أن يحج ينفسه.
وقال في" الأم" 2: وقد صار للنّاس محامل لم يكن، فإن أمكنه في غير محمل ولا يضرّ به ولا يشق عليه لزمه الحج، وإن كان ضعيفًا لا يمكنه الثبوت على القتب أو الزاملة، وثبت علي المحمل أو امرأة، فلا يلزمه إلا أن يجد محملًا.
قال أصحابنا: وإن كان يلحقه مشقة غليظة في ركوب المحمل اعتبر في حقه وجود الكسبة لأن اعتبار الراحلة لما يلحقه من المشقة في الطريق، فإذا كان يلحقه المشقة في الراحلة اعتبر وجود ما يزول به المشقة.
وأما الزاد فإن كان له أهل يلزمه أن ينفق عليهم، فلا يختلف المذهب أن زاده أن يجد نفقة نفسه في الطريق في ذهابه، ورجُوعهِ إلى بلده، ونفقة من تلزمه نفقته في مدة غيبته، وإنما قلنا كذلك لأن نفقتهم اّكد من الحج، فإن نفقتهم في كسبهِ، ولا يجب الحج في كسبه ونفقتهم مضيقة في الحال بخلاف الحج، ونفقتهم متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج إليها، وقد قال (صلي الله عليه وسلم):"كفي بالمرء إثمًا أن يضيعَ من يقوت" 3، وإن لم يكن له أهل، فلا يختلف المذهب أنه يعتبر ما يكفيه لذ هابهِ، وهل تعتبر نفقة رجوعه إلى بلده؟.
اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: لا تجب حتى يجد ما يكفيه لرجوعه أيضًا، وهو ظاهرُ المذهب نص عليه في" الإملاء"، لأنه لا يكلفّ [6/أ] الانقطاع عن وطنه، فإن فيه بعد، ولهذا يغرب الزاني.
ومن أصحابنا من قالَ: يلزمه الحج لأنه واجد للسبيل، ولا ضرر عليه في الانقطاع عن وطنه لأن الرازق واحد في جميع البلاد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان في بلده أحد من أقاربه يعتبر نفقة الرجُوع، وإن لم يكن فوجهان.

فَرْعٌ لا فرقّ بين أن يكون واجدًا لهذه النفقة ناضًا أو محلفه، أو غير ذلك أو يكون مال في يده أو دين حال على ملي يقدر على قبضهِ منه لأن الدين الحال على ملي يميز له العين في يده، لأن كان له دين مؤجل على رجل أو حال على غير ملي فوجوده وعدمه سواء وعلى هذا نتصور الحيلة في إسقاط فرض الحج مع اليسار بأن يبيع ماله قبل وقت الحج مؤجلًا إلى وقتٍ إذا أخذه لا يمكنه المسير إلى الحج.
ولو كانت للرجل دار وهو يحتاج إلى تلك الدار للسكنى لا يلزمهُ بيعهُا لأنه يحتاج إليها للسكنى فهي كثياب بدنهِ.
وكذلك إن كان له خادم وهو ممن يخدمه لم يلزمه بيعه، وحكي الشيخ الكشي أيضًأ عن الشافعي أنه قال: لا يباع فيه المسكن، ولا الخادم بخلاف المفلس، قال: وهكذا لأجل زكاة الفطر، وقال أبو حامدٍ: هكذا ذكره أصحابنا قياسًا على من لزمته كفارة لا يلزمه بيع المسكن والخادم الذي يحتاج إلى خدمته لمروةٍ، أو زمانة، ولا نص فيه والمذهب أنه يلزمه بيعُ الدار والخادم، وأداء الحج بثمنه، ويكتري مسكنًا وخادمًا لأهله لأن النبي (صلي الله عيله وسلم) اعتبر الزاد، والراحلة، وهذا واجد وكما قلنا في صدقة الفطر أنه إذا فضلت عن كفاية [6/ب] يومه، وجبت عليه ولأنا لو اعتبرنا الفاضل عن المسكن والخادم لاعتبرنا الفاضل عن كفايته على الدوام، وذلك لا يعتبر كذلك ههنا، وليس كالكفارة لأن لها بدلًا تنتقل إليه فخفّف أمرها بخلاف هذا، ولأنه يلزم بيعها في حق الغرماء كذلك للحج، وزكاة الفطر، والأصحّ الأوّل لأن هذا من حق الله تعالى فلا يضيقُ عليه كل التضييق، بخلاف حق الغرماء، ولهذا يعتبر ههنا نفقة الذهاب والرجوع له، ولعياله، ولا يعتبر ذلك في حق الغرماء عند بيع مَال المفلس لهم.
ومن أصحابنا من سلم الفطرة أنه يلزمه أداؤها من المسكن والخادم، واعتذر بأنها تجب على الفقير وتتحملها الغير عنه بخلاف هذا، والأصحّ عندي ما تقدم.
وأما الكفاية على الدوام من أصحابنا من يعتبرها، وهو القياس، فلا سلم.
فَرْعٌ آخْرُ لو كانت دار كبيرة، يمكنه أن يبيع بعضها ويسكن في باقيها يلزمه بيعها وصرف ثمنها إلى الحج.
قال أصحابنا: ولا يجب عليه بيع كتبه إذا كان فقيهًا يحتاج إليها، فإن كانت له كتب لا يحتاج إليها، أو كانت له نسختان من كتاب واحدٍ يلزمه بيعها وبيع إحدى النسختين، وكذلك إذا كان له خادم كثير الثمن يكفيه خادم بدون ذلك الثمن يلزمه بيعه.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يكن له مسكن ومعه نقد يكفيه لحجّه، هل يجوز له أن يشتري بهِ مسكنًا؟ فإن قلنا: يبيع المسكن له لا يشتري، وإن قلنا: لا يبيعه، فالقياس أنه يجوز له أن يشتري يه المسكن الذي يحتاج إليه [7/أ].
وحُكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يبيعُ مسكنه ولا يشتري المسكن أيضًأ، بل يصرف النقد إلى الحج، وهذا غلط لأنه إذا لم يلزمه بيعه للحاجة له شراؤه عند الحاجة كثياب بدنه.

فَرْعٌ آخرُ إذا كانت له بضاعة يكفيه ربحها أو ضيعة يكفيه غلتها، ولو باعها وصرف ثمنها إلى الحج لم يبق له ما يتجر به، ولا ما يستغل منه، وليس له معيشة ولا ضيعة عن التجارة أو الزراعة.
اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: لا يلزمه صرفها إليه، وبه قال أحمد، وهو اختيار ابن سريج، والقاضي الطبري وجماعة، لأن فيه إلحاق ضرر عظيم به، فإنه يؤدي إلى الفقر، ومسألة الناس وذهاب الحشمة، وهذا ظاهر لا شكّ فيه، ولأنه لم يجب بيع المسكن والخادم وكتب العلم للحَاجة إليها على ما قررنا فلا يجب بيع البضاعة، والضيعة أيضًا.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه صرفها إليه.
وبه قال أبو حنيفة وقال في" الحاوي" 1: وهذا مذهب الشافعي، وجمهور أصحابه لأن الشرط في وجُوبه الزاد والراحلة ونفقة أهله في ذهابه ورجوعه، ولا اعتبار بما بعده.
قال هذا القائل: ويفارق هذا المسكن والخادم، لأن السكنى والخادم يجبان على الغير ولا يجب على الإنسان أن يعطى غيره بضاعة يتجر فيها.
وقال أبو حامد: هذا هو المذهب، ولا أعرف ما حكي عن ابن سريح عنه، ولا أجده في كتبه، وهو خلاف الإجماع أيضًا، قال: والحج كزكاة الفطر تلزمه الفطرة في الفاضل عن قوتِ يومه وليلته، كذلك الحج يلزمه في الفاضل عن قوته، وقوت عياله.
قال: والدليل على صحة هذا أن الرجل لو كان [7/ب] ممن لا يمكنه التجارة إلا بألف دينار، لا يقال: يترك له ذلك، ولا يخاطب بالحج لأن هذا ظاهر الفساد ومن نظر قول ابن سريج، وهو الصحيح عندي، أجاب علي هذا الفرق بأنه كما لا يلزم الغير أن يدفع البضاعةِ إلى الغير لا يلزمه أن يسكنه ملكًا بل يلزمه أن يحصل له منافع السكنى، وكذلك يلزمه أن يكفيه منفعة البضاعة، فلا فرق.
فَرْعٌ آخرُ قال أبو حَامد: حكي عن الشافعي أنه قال: يترك للمفلس بضاعة يتّجر فيها ثم يقسم باقي ماله على غرمائه، وأراد به استحبابًا إذا رضي الغرماء بهِ، فأما إذا لم يرضوا لا يترك له إلا قوت أهله وقوته ما يكفيهم يومهم وليلتهم.
فَرْعٌ آخرُ لو كان عليه دين لا يفضل عنه ما يكفيه لحجه لم يجب عليه الحج حالًا كان أو مؤجلًا، نصّ عليه في" الإملاء"، وإنما كان كذلك لأن الحال مقدم لأنه على الفور ويتعلق به حق الآدمي ويلحقه ضرر ببقائه في ذمته، وكذلك المؤجل لأن عليه في بقائه إضرارًا عظيمًا، ولهذا لا يلزمه الحج حتّي يفضل عن نفقةِ أهله إلى حين عودهِ، وإن لم تكن واجبة في الحال.
وقال بعض أصحابنا: إن كان الدين المؤجل يحلّ عليه قبل عرفة لا يلزمه الحج، وإن كان يحلّ عليه بعد عرفة هل يلزمه الحج؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه.

جارٍ التحميل