بحر المذهب للرويانيصفحات 478-517

باب من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه ففر منه لم يحنث لأنه لم يفارقه ولو قال: لا أفترق أنا وأنت حنث".
قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن كل يمين علقت على فعل فاعل كانت مقصورة على فعله، ولم يتعلق بفعل غيره، فيكون البر والحنث معتبرًا بفعل من قصد باليمين، فإذا لازم صاحب الدين غريمه، وحلف أن لا يفترقا حتى يستوفي حقه لم يخل يمينه من أحد ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعقدها على فعله.
والثاني: على فعل غريمه.
والثالث: على فعلهما.
فأما الأول: وهو أن يعقدها على فعله، فهو أن يقول: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك، فالبر والحنث متعلق بفعل الحالف دون المحلوف عليه، فإن فارقه الحالف مختارًا ذاكرًا حنث، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا ففي حنثه قولان، على ما مضى في حنث المكره والناسي، فأما إن فارقه الغريم المحلوف عليه وفر منه لم يحنث الحالف، سواء قدر على إمساكه أو لم يقدر، لأن اليمين معقودة على فعله فكان حنثه بأن يكون الفراق منسوب إلى فعل غريمه، فلم يتعلق به حنث، ووهم ابن أبي هريرة فخرج حنثه بفراق الغريم على قولين من حنث المكره والناس وهو خطأ لما ذكرنا.
وأما الثاني: فهو أن يعقد يمينه على فعل غريمه، وهو أن يقول: والله لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك، فإن فارقه الغريم مختارًا ذاكرًا حنث، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا، فقد اختلف أصحابنا في الإكراه إذا كان في فعل المحلوف عليه، هل يجري مجرى الإكراه في فعل الحالف على وجهين: أحدهما: وهو قول البغداديين أن الإكراه فيهما على سواء، فعلى هذا في حنث الحالف قولان: والثاني: وهو قول البصريين، أن الإكراه معتبر في فعل الحالف وغير معتبر في فعل المحلوف عليه، فعلى هذا يحنث الحالف قولاً واحدًا، فأما إن كان الحالف هو المفارق للغريم، فلا حنث عليه لأن يمينه معقودة على فعل غريمه، لا على فعل نفسه، وهذا الفراق منسوب إليه، وليس بمنسوب إلى الغريم، فلم يتعلق به حنث.
وأما الثالث: وهو أن يعقد يمينه على فعله، وفعل غريمه، وهو أن يقول: والله لا

افترقنا أنا وأنت، أو والله لا فارق واحد منا صاحبه، حتى أستوفي حقي منك، فالحنث ها هنا واقع بفراق كل واحد منهما صاحبه، لانعقاد اليمين على فعلهما، فإن فارقه الحالف حنث إن كان ذاكرًا مختارًا، وفي حنثه إن كان مكرهًا أو ناسيًا قولان، وإن فارقه الغريم المحلوف عليه ذاكرًا مختارًا حنث الحالف، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا، ففي حنث الحالف ما قدمناه من خلال البغداديين والبصريين في معاني هذه الأقسام في اليمين إذا كانت في الكلام أن يقول: والله لا كلمتك، فإن كلمة الحالف، حنث لعقد اليمين على كلام الحالف، وإن كلمه المحلوف عليه لم يحنث ولو قال: والله لا كلمتن فكلمه المحلوف عليه حنث، ولو كلمه الحالف لم لحنث لعقد اليمين على كلام المحلوف عليه، ولو قال: والله لا تكلمنا أو لا كلم واحد منا صاحبه، فأيهما كلم الآخر حنث لأن اليمين معقودة على كلام كل واحد منهما والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أفلس قبل أن يفارقه".
قال في الحاوي: وهذا راجع إلى من حلف لا يفارقه غريمه حتى يستوفي حقه منه فأفلس الغريم ففارقه لأجل الفلس الموجب لإطلاقه لا لخديعة، فلا يخلو حال فراقه من أن يكون بحكم أو بغير حكم، فإن فارقه بنفسه لما أوجبه الشرع من إنظار المعسر حنث، لأن أحكام الشرع إذا خالفت عقد اليمين لم يمنع من الحنث كمن غصب مالاً، وصف لا رده على صاحبه حنث برده عليه، وإن كان رده بالشرع واجبًا، لأنه رده عليه مختارًا، وهكذا لو دخل دار غيره وحلف لا خرج منها حنث بخروجه، وإن أوجبه الشرع، فأما إن حكم الحاكم عليه بمفارقته لما حكم به من فلسه، فهو في هذا الفراق مكره غير مختار، لأنه منسوب إلى إجبار الحاكم، فيكون في حنثه قولان من حنث المكره.
مسألة: قال الشافعي: "أو استوفي حقه فيما يرى فوجد في دنانيره زجاجًا أو نحاسًا حنث في قول من لا يطرح الغلبة والخطأ عن الناس لأن هذا لم يعمده".
قال في الحاوي: إذا استوفي حقه في الظاهر ثم وجد فيه بعد فراقه نحاسًا أو رصاصًا أو زجاجًا لم يعلم به صار فيه كالمغلوب والناسي، فيكون في حنثه قولان: أحدهما: يحنث اعتبارًا بوجود الفعل وإطراحًا للقصد.
والثاني: لا يحنث اعتبارًا بالقصد وإطراحًا للفعل.
وأما إذا أوجده معيبًا، وهو من جنس الحق، فهو على ضربين:

أحدهما: أن يكون عيبها يخرجها من انطلاق اسم الحق عليها، لأن حقه دنانير مغربية فأعطاه دنانير مشرقية، فتكون خلاف الصفة في اليمين جاريًا مجرى خلاف الجنس، فإن علم به قبل فراقه حنث، وإن لم يعلم به إلا بعد فراقه كان حنثه على ما مضى من القولين.
والثاني: أن يكون عيبها لا يخرجها من انطلاق اسم الحق عليها؛ بأن تكون دنانير مغربية لكنها معيبة نظر، فإن كان عيبها مما يسمح به في الأغلب لقلة أرشه بر في يمينه، وإن كان ضد ذلك لكثرة أرشه حنث.
فإن قيل: نقصان القدر موجب للحنث فيما قل وكثر فهلا كان نقصان الأرض بمثابته في وقوع الحنث بما قلّ أو كثر قيل: لأن نقصان القدر مستحق يمنع من التماثل في الربا ونقصان الأرض مظنون لا يمنع من التماثل في الربا ويمنع من البر في اليمين.
فإن قيل: فهذا ينكسر بكثير الأرش لا يمنع من التماثل في الربا ويمنع من البر في اليمين، قيل: لأن الظن في كثيره أقوى، وفي قليله أضعف فافترقا في بر اليمين وإن استويا في تماثل الربا.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أخذ بحقه عرضًا فإن كان قيمة حقه لم يحنث وإن كان أقل حنث إلا أن ينوى حتى لا يبقى عليك من حقي شيء فلا يحنث قال المزني رحمه الله: ليس للقيمة معنى لأن يمينه إن كانت على عين الحق لم يبر إلا بعينه وإن كانت على البراءة فقد براء والعرض غير الحق سوى أو لم يسو".
قال في الحاوي: وصورتها أن يحلف صاحب الحق على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه منه فيأخذ منه عوض حقه متاعًا أو عروضًا أو يأخذ بدل الدراهم دنانير أو بدل الدنانير دراهم، فقد اختلف الفقاء في بره على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه: أنه لا يبر في يمينه، ويحنث سواء كان ما أخذه بقيمة حقه أو أقل منه.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يبر في يمينه ولا يحنث، سواء كان بقيمة حقه أو أقل منه.
والثالث: وهو مذهب مالك أنه يبر إن كان بقيمة حقه، ويحنث إن كان أقل من قيمة حقه، ووهم المزني، فنقل هذا المذهب عن الشافعي ثم رد عليه فقال: ليس للقيمة معنى، لأن يمينه إن كانت على غير الحق لم يبر إلا بعينه، وإن كانت على البراءة فقد برئ، والعوض غير الحق، سوى أو لم يساو فيقال للمزني: نقلك خطأ وجوابك صحيح، وإنما

حكاه الشافعي عن مالك، وقد أفصح بمذهبه في كتاب الأم أنه يحنث، واحتج أبو حنيفة على بره بأخذ البدل بأنه إذا أخذ عن مائة دينار ألف درهم صار عليه بأخذ الألف مائة دينار، فصار مستوفيًا لحقه.
ودليلنا هو أن سقوط الحق إنما هو بالمأخوذ وهو دراهم والحق دنانير، فصار آخذًا لبدل الحق، وليس بآخذ للحق، ولأننا أجمعنا وأبو حنيفة أنه لو كان حق الحالف ثوبًا فصالح عنه بدراهم أخذها منه أنه يحنث، فكذلك إذا أخذ عن الدراهم ثوبًا أو أخذ عن الدنانير دراهم حنث، لأنه قد أخذ في الحالين بدل حقه، ولم يأخذ بعينه وفيه جواب.
فصل: فأما إذا حلف لا يفارقه حتى يستوفي ما عليه ولم يقل: أستوفي حقي فأخذ بحقه بدلاً بر في يمينه، لأنه قد صار بأخذ البدل مستوفيًا ما عليه، ولو أبرأه من الحق حنث، لأن الإبراء ليس باستيفاء، ولو أخذ به رهنًا حنث أيضًا، لأن الرهن وثيقة، ولو أحاله بالحق حنث، لأنه ما استوفي ما عليه، وإنما نقله إلى ذمة غيره، ولو أحاله صاحب الحق على الغريم بر لأنه قد استوفي بالحوالة حقه، ولو جني عليه جناية أرشها بقدر حقه فإن كانت خطأ لم يبر، لأن أرشها على عاقلته، وإن كانت عمدًا فأرشها في ذمته، وحقه في ذمة غريمه، فإن كانا من جنسين لم يجز أن يتقاضاه، لأنه بيع دين بدين، فيحنث لبقاء حقه على غريمه، وإن كانا جنس واحد فهل يكون قصاصًا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يكون قصاصًا، وإن لم يتراضيا، فعلى هذا فقد بر في يمينه.
والثاني: لا يكون قصاصًا وإن تراضيا، فعلى هذا قد حنث في يمينه.
والثالث: يكون قصاصًا مع التراخي، ولا يكون قصاصًا مع عدم التراخي، فعلى هذا إن تراضيا قبل الافتراق بر، وإن لم يتراضيا حنث.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "حد الفراق أن يتفرقا عن مقامهما الذي كانا فيه أو مجلسهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وهو معتبر بالعرف أن يصير كل واحد منهما في مكان لا ينسب إلى مكان صاحبه، وجملته أن كل ما جعلناه افتراقًا في البيع في سقوط الخيار في المجلس جعلناه افتراقًا في اليمين في وقوع الحنث وقد أوضحناه فأغنى عن إعادته، فلو أكره الحالف على الافتراق كان في حنثه قولان، ولو مات الحالف قبل فراقه لم يحنث، ولو مات المحلوف عليه لم يكن مفارقًا له بالموت بخلاف الافتراق بالبيع حتى يفارقه ببدنه، فإذا فارقه ببدنه، ففي حنثه حينئذٍ قولان كالمكره.

مسألة: قال الشافعي: "ولو حلف ليقضينه حقه غدًا فقضاه اليوم حنث لأن قصاءه غدًا غير قضائه اليوم فإن كانت نيته أن لا يخرج غد حتى أقضيك حقك فقد بر".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة إذا حلف ليقضينه حقه غدًا فقضاه اليوم أنه يحنث، لأن قضاءه اليوم ليس بقضاء في غد وقال أبو حنيفة ومالك: لا يحنث، ولكن لو نوى بيمينه أن لا يخرج غدًا حتى أقضيك بر، لأنه جعل خروج الغد حدًا، ولم يجعله وقتًا ولو حلف، لأدخلن الدار في غد فدخلها اليوم لم يحنث، لأنه يقدر على دخولها في غد فإن لم يدخلها في غد حنث، ولو حلف ليبيعن عبده في غد فباعه اليوم لا يحنث، لأنه يقدر على ابتياعه بعد بيعه ثم يبيعه في غد، فإن فعل ذلك وإلا حنث حينئذٍ، ولو أعتقه قبل غد حنث، لأنه لا يقدر على بيعه بعد عتقه، ولو دبره لم يحنث، لأنه يقدر على بيعه، ولو كاتبه لم يتعجل حنثه لجواز أن يعجز العبد نفسه قبل غد فيقدر على بيعه في غد.
ولو حلف ليطلقن زوجته في غد، فطلقها اليوم، فإن استوفي به جميع طلاقها حنث، وإن لم يستوفيه لم يحنث، لأنه يقدر على طلاقها في غد.
ولو حلف ليتزوجن هذه المرأة في غد فتزوجها اليوم، ولم يتعجل حنثه، لأنه يقدر على طلاقها واستئناف نكاحها في غد، فإن فعل وإلا حنث.
ولو حلف ليعتقن عبده في غد فأغتقه اليوم حنث، لأنه لا يقدر على استئناف عتقه بعد نفوذه اليوم بخلاف النكاح، وإذا حنث في هذه المسائل على ما بينا، ففي زمان حنثه ثلاثة أوجه: أحدها: حكاه ابن أبى هريرة احتمالاً، أنه يحنث لوقته، لأنه لا سبيل له آلي البر.
والثاني: أنه يحنث في أول دخول غده.
لأنه أول أوقات بره.
والثالث: أنه لا يحنث إلا بخروج غده، لأنه أخر أوقات بره، فصار وقتًا لحنثه، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "هكذا لو وهبه له رب الحق حنث إلا أن يكون نوى أن لا يبقى على غدًا من حق شيء فيبر".
قال في الحاوي: ولسقوط الحق عنه بغير أداء حالتان: إحداهما: هبة تتوجه إلى الأعيان.
والثاني: إبراء يتوجه إلى الذمة، فأما الهبة فهي تمليك محض لا يتم إلا بالقبول بعد البدل والقبض بعد العقد، فإذا حلف ليقضيه حقه في غد أو ليدفعن إليه حقه في غد فوهبه

صاحب الحق له حنث الحالف، لأن الحق سقط بغير دفع، وقد اختار التملك فصار مختارًا للحنث، فحنث ولو كان الحق في الذمة فأبرأه منه، فإن قيل: إن الإبراء تمليك يقف على القبول حنث كالهبة وإن قيل: إنه إسقاط لا يفتقر إلى القبول ففي حنثه قولان، كالمغلوب على الحنث، ولكن لو قال: والله لا فارقتك ولي عليك حق، فوهبه له أو أبرأه منه بر في يمينه، لأنه لم يبق له بعد الهبة، والإبراء حق.
ولو كان له عنده وديعة ففارقه قبل استرجاعها نظر مخرج يمينه، فإن قال: لا أفارقك ولي عليك حق بر مع بقاء الوديعة، لأنه ليست عليه، وإن قال: لا أفارقك ولي عندك حق حنث ببقاء الوديعة، لأنها حق له عنده.
ولو كان له عنده عارية حنث في الحالين سواء قال: عليه أو عنده، لأن عليه ضمانها وعنده عينها.
فصل: ولو حلف لا بعت لزيد متاعًا فوكل زيد في بيع فباعه الحالف لم يحنث، وعلى مذهب مالك يحنث، وليس بصحيح، لأنه أضاف المتاع إلى زيد بلام التمليك، فصارت يمينه مقصورة على ملك زيد، وهذا المتاع ملك لغير زيد، ولو قال: والله لا بعت متاعًا في زيد فوكل زيد في بيع متاعه فباعه الحالف نظر في توكيل زيد فإن وكل أن يبيعه كيف أرى بنفسه أو بغيره حنث الحالف، لأنه قد باع متاعًا في يد زيد، وإن وكل أن يبيعه بنفسه فدفعه إلى الحالف حتى باعه كان البيع باطلاً، ولم يحنث به الحالف ويكون الحنث واقعًا بما يصح من البيع دون ما فسد، وكذلك سائر العقود إذا حلف لا يعقدها، فعقدها عقدًا فاسد لم يحنث، وقال أبو حنيفة: يحنث بالصحيح منها والفاسد استدلالاً بأن العقد فعل، والصحة والفساد حكم، وعقد يمينه على الفعل دون الحكم.
ودليلنا: هو أن العقد ما تم، والفساد يمنع من تمامه، وإذا لم يتم شرط الحنث، لم يقع كالنكاح الفاسد، فإنه وافق على أنه لا يحنث به، وخالف في البيع الفاسد، فأوقع الحنث به، فإن اعتبر الحنق بفعل العقد بطل النكاح، وإن اعتبر بصحة العقد بطل البيع، فلم يسلم له دليل، ولم يصح له تعليل.
فصل: فإذا حلف لا يصوم، فدخل في الصيام حنث بالدخول فيه، وإن لم يستكمل جميع اليوم.
ولو حلف لا يصلي حنث بإحرامه بالصلاة، وإن لم يستكملها.
وقال ابن سريج: لا يحنث حتى يقرأ بعد الإحرام، ويركع، فيأتي بأكثر الركعة.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يستكمل ركعة بسجدتها يستوعب بها جنس، أفعال الصلاة.
ودليلنا: هو أن يكون مصليًا بالدخول في الصلاة، كما يكون صائمًا بالدخول في

الصيام، فوجب أن يستوفيا في الحنث بالدخول، لأن اليمين إذا تعلقت باسم استقر حكمها بالدخول في أول الاسم كمن حلف لا يدخل الدار، فدخل أول دهليزها حنث واستدلاله يفسد بالجلوس قدرًا لتشهد، فإنه من جنس أفعالها، ولم تشتمل عليه الركعة الأولى، والله أعلم بالصواب.

باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه

مسألة: قال الشافعي: "من قال لامرأته أنتِ طالق إن خرجت إلا بإذني أو حتى آذن لك فهذا على مرة واحدة وإذا خرجت بإذنه فقد بر ولا يحنث ثانية إلا أن يقول كلما خرجت إلا بإذني فهذا على كل مرة".
قال في الحاوي: اعلم أن ألفاظ يمينه إذا حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما اتفق الفقهاء على أنها تنعقد على مرة واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتان "إلى" و"حتى".
فإذا قال لها: أنت طالق إن خرجت إلى أن آذن لك، أو حتى آذن لك، فتنعقد يمينه على خروجها مرة واحدة بإذنه، فإن خرجت مرة واحدة بإذنه بر، وانحلت يمينه ولا يحنث، وإن خرجت بعد ذلك بغير إذنه، واختلفوا في العلة مع اتفاقهم في الحكم، فعلل أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها.
وعلل أصحاب الشافعي رحمه الله بأنهما لما لم يتكررا في الحنث لم يتكرر في البر.
وتأثير هذا الاختلاف في التعليل يتبين في القسم الثالث، فهذا حكم القسم الأول.
والثاني: ما اتفقوا على أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وهي لفظة واحدة، وذلك قوله: كلما دخلت الدار بغير إذني، فأنت طالق فلفظة "كلما" موضوعة للتكرار، فبره يكون بإذنه لها في كل مرة، وحنثه يكون بأن لا يأذن لها في كل مرة، وإن خرجت مرة بغير إذنه حنث، وطلقت واحدة، ولم تسقط يمينه، وإن خرجت ثالثة بغير إذنه حنث، وطلقت ثالثة، وسقطت يمينه بعدها لاستيفاء ما ملكه من طلاقها.
ولو أذن لها بالخروج ثلاثة مرات من ثلاثة خرجات بر، ولم تخل يمينه، لبقاء الطلاق.
فإن خرجت رابعة بغير إذنه، طلقت، فيقدر الحنث بالثلاث، ولم يتقدر بها البر، لاعتبار الحنث بما ملكه من عدد الطلاق، فلو خرجت مرة بإذنه وثانية بغير إذنه، وثالثة بإذنه، ورابعة بغير إذنه بر في خرجتين الأولى والثالثة.

وحنث في خرجتين في الثانية والرابعة ثم على هذه العبرة.
والثالث: ما اختلف فيه: هل تنعقد يمينه على مرة واحدة أو على التكرار، وذلك فيما عدا القسمين الماضيين من الألفاظ، وهي خمسة ألفاظ: أحدها: إن خرجت من الدار إلا بإذني، فأنت طالق.
والثانية: إن خرجت من الدار إلا أن آذن لك، فأنت طالق.
والثالثة: إن خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
والرابعة: أي وقت خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
والخامسة: متى خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
فاختلفوا في انعقاد اليمين بهذه الألفاظ هل توجب التكرار في البر والحنث على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه أنها تنعقد على مرة واحدة في البر والحنث، ولا توجب التكرار في بر ولا حنث.
فإن خرجت مرة واحدة بإذن بر وانحلت اليمين، ولا يحنث إن خرجت بعد ذلك بغير إذن.
وإن خرجت مرة واحدة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولا يعود الحنث إن خرجت بعده بغير إذن.
والثاني: وهو مقتضى مذهب مالك أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وإن خرجت مرة بغير إذن حنث، ولم تسقط اليمين.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة أنها تنعقد على المرة الواحدة في الحنث، وعلى التكرار في البر، فإذا خرجت مرة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولم يحنث إن خرجت مرة من بعد بغير إذن.
وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وحنث إن خرجت بعده بغير إذن، ولأصحابه في هذا طريقان: منهم من يرى أن قوله: "إلا بإذني" استثناء يوجب خروج المستثنى، ولا يتعلق به بر ولا حنث، وبره بأن يكون لا تخرج، وحنثه يكون بأن تخرج بغير إذن، ليكون بارًا من وجه واحد، وحانثًأ من وجه واحد به، ولا يكون بارًا من وجهين: وحانثًا من وجه، كمن قال لزوجته: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق كان بكلامها لزيد حانثًا ويترك كلامه بارًا، وبكلامها لغيره غير بار، ولا حانث، وهذه أشبه بطريقة المحققين منهم، وهي فاسدة من وجهين: أحدهما: أن يمينه تضمنت منعًا، وتمكينًا، فالمنع خروجها بغير إذن، والتمكين خروجها بإذن.

فلما حنث بالجمع وجب أن يبر بالتمكين، لأن كل واحد منهما قد تضمنته اليمين، وخالف ما استشهد به من يمينه على كلامها لزيد، لأن كلامها لغيره لم يدخل في يمينه من منع ولا تمكين، فلم يتعلق به بر ولا حنث.
والثاني: أن البر والحنث يتعلقان في الأيمان بشيء واحد، فإن كانت على إثبات كقوله: والله لأدخلن الدار، كان بره بدخولها، وحنثه بأن لا يدخلها.
وإن كانت على نفي كقوله: والله لا دخلت الدار كان بره بأن لا يدخلها وحنثه بأن يدخلها.
فلما كان حنثه في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، يكون بخروجها بغير إذنه وجب أن يكون بره بخروجها بإذنه، فتثبت بهذين المعنيين فساد هذه الطريقة.
والثانية: لهم أن يسلموا وقوع البر بالخروج بإذن، كما أن وقوع الحنث بالخروج بغير إذن، ويستدلوا على وجوب تكرار البر، وإن لم يتكرر الحنث بأمرين: أحدهما: إنما انعقد الإجماع عليه في قوله لزوجته: إن خرجت من الدار إلا راكبة فأنت طالق، أن البر يتكرر، ويلزمها أن تخرج في كل مرة راكبة، وإن خرجت مرة غير راكبة حنث وسقطت اليمين، وإن خرجت مرة راكبة بر ولم تخل اليمين، ولزمها الخروج بعد هذا البر راكبة أبدًا، كذلك ما اختلفنا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذن، فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه، لم تخل اليمين، ولزمها أن تخرج كل مرة بإذنه.
ولو خرجت مرة بغير إذنه حنث، وسقطت اليمين، فيكون الإجماع في اشتراط الركوب دليلاً على الخلاف في اشتراط الإذن، إذ ليس بين الشرطين فرق في الحكم.
والثاني: أنه لما كان البر يترك الخروج مؤبدًا، والحنث بالخروج من غير إذن مقيدًا وجب أن يكون البر بالخروج بالإذن متكررًا، وإن لم يكن الحنث بالخروج بغير إذن متكررًا.
والدليل على فساد هذه الطريقة من وجهين: أحدهما: لما كان عقد اليمين بلفظ الغاية يوجب استواء البر والحنث في سقوط التكرار، وكان عقدها بقوله: "كلما" يوجب استواء البر والحنث في وجوب التكرار، وجب أن يكون عقدها بما اختلفا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذني، ملحقًا بأحدهما في استواء البر والحنث في وجوب التكرار وسقوطه، فلما سقط التكرار في الحنث وجب أن يسقط التكرار في البر.
وتحريره قياسًا: أن كل يمين اشتملت على منع وتمكين وجب أن يكون البر فيها مقابلاً للحنث في وجوب التكرار وسقوطه كالمعقود بلفظ الغاية في سقوط التكرار، وكالمعقودة ب "كلما" في وجوب التكرار.
والثاني: أن البر والحنث في الأيمان معتبران بالعقد، فإن أوجب تكرار المنع والتمكين أوجب تكرار البر والحنث، وإن لم يوجب تكرارهما لم يتكرر البر والحنث.
ولفظ التكرار معدوم في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فانعقد على مرة، وموجود في قوله:

كلما خرجت بغير إذني، فانعقد على كل مرة.
ألا تراه لو قال لها: إن خرجت بإذني، فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني انعقدت على التكرار وما انعقدت عليه اليمين سواء في البر والحنث في التكرار والانفراد، لأن عقدها إن قابلت مقتضاها كان حكمها مقصورًا عليه.
وتحريره قياسًا: أن ما انعقدت عليه اليمين وجب أن يستوي فيه البر والحنث، قياسًا على تعليق الطلاق بالإذن، تسوية بين الإثبات والنفي فأما الجواب عن استدلالهم بقوله: إن خرجت إلا راكبة، فهو أن هذا تعليق طلاق بصفة، وهي خروجها ماشية، فوقع بوجود الصفة، وليست يمينًا توجب منعًا، وتمكينًا، فافترقا.
وأما الجواب عن اجتماعهم بامتداد البر في المقام إلى الموت، وتوقيت الحنث بالخروج، فهو أن المقام في منزلها ترك مطلق، فحمل على التأبيد في البر، والخروج فعل مقيد بوقته، فتقدر به البر والحنث، فوجب أن يكون البر فيه مساويًا للحنث.
فصل: ويتفرع على ما قدمناه أن يقول لها: إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني، فأنت طالق، فخروجها إلى الحمام مستثنى من يمينه، لأنه لا يفتقر إلى إذن، ولم يتعلق به بر ولا حنث، فاليمين منعقدة على خروجها إلى غير الحمام، فإن خرجت إليه بغير إذنه حنث وسقطت اليمين فإن خرجت إليه بإذنه بر، وانحلت اليمين.
فإذا كان كذلك لم يحل خروجها بغير إذن، إذا جمعت فيه بين الحمام وغير الحمام من ثلاث أضرب: أحدها: أن تخرج إلى الحمام، ثم تعدل إلى غير الحمام، فلا حنث عليه اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى الحمام.
والثاني: أن تخرج إلى غير الحمام، ثم يعدل إلى الحمام، فيحنث اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى غير الحمام.
والثالث: أن تخرج جامعه في قصدها بين الحمام وغير الحمام، فيحنث، لأن خروجها إلى غير الحمام موجود، فلم يمنع اقترانه بالخروج إلى الحمام من وقوع الحنث به.
ووهم أبو حامد الإسفراييني، فقال: لا يحنث به تغليبًا لما لا يوجب الحنث على ما يوجبه، والله فيه واضح، لما عللناه.
ألا تراه لو قال لها: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق، فكلمت زيدًا وعمرًا معًا طلقت، ولم يمنع كلامها لعمرو من وقوع الطلاق بكلامها لزيد؟!

فصل: فأما الإذن، فقد يكون تارة بالقول، وتارة بالكناية، وتارة بالرسالة، وتارة بالإشارة وجميعه يكون إذنًا اعتبارًا بالعرف فيه.
وسواء ابتدأ الزوج بالإذن أو سألته، فأذن.
فإن استأذنته وأمسك، فلم يكن منه إذن ولا منع، لم يكن السكوت إذنًا إلا أن تقترن به إشارة، فتصير الإشارة إذنًا.
فإن أذن لها، ثم رجع في إذنه، لم يسقط حكم الإذن برجوعه، لأن شرط البر وجود الإذن، وليس بقاؤه عليه شرطًا فيه، وسواء كان رجوعه قبل الخروج أو بعده.
فإن شرط إذنًا باقيًا، فرجع فيه حنث إن كان رجوعه قبل الخروج، ولم يحنث إن كان رجوعه بعد الخروج.
ولو شرط في يمينه أن يكون خروجها بإذن غيره، اعتبر إذن ذلك الغير دون الحالف، ولو شرط إذنهما معًا حنث بخروجها عن إذن أحدهما، فإن أذن للغير أن يأذن لها، فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يقول: ائذن لها عن نفسك، فلا يجزئ في البر أن يأذن لها الغير، حتى يأذن معه الحالف، فإن أذن الغير، ولم يأذن الحالف حنث.
والثاني: أن يقول: ائذن لها عني، فقد صار في الإذن نائبًا عن الحالف، فيحتاج الغير أن يأذن لها إذنين.
أحدهما: عن نفسه.
والثاني: عن الحالف.
فإذا جمع بين الإذنين بر الحالف، وإن اقتصر على أحدهما حنث.
والثالث: أن يطلق إذنه للغير، فيسأل عنه الحالف.
فإذا أراد به أحد الأمرين عمل عليه، وكان حكمه على ما قدمناه من الضربين، فإن فات سؤال الحالف عنه الغيبة طالت نظر، حال ذلك الغير مع الحالف.
فإن كان ممن جرت عادته أن يأمره وينهاه، صار هذا الإذن له أمرًا، فيكون إذنًا عن الحالف، فيصير كالضرب الثاني.
وإن لم تجر عادته بأمره ونهيه صار مثل هذا الإذن طلبًا، فيكون إذنًا عن الغير، فيصير كالضرب الأول اعتبارًا بالعرف والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أذن لها وأشهد على ذلك فخرجت لم يحنث لأنه قد أذن لها وإن لم تعلم كما لو كان عليه حق لرجل فغاب أو مات فجعله صاحب الحق في حل

برئ غير أني أحب له في الورع لو أحنث نفسه لأنها خرجت عاصية له عند نفسها وإن كان قد أذن لها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف بطلاقها أن لا تخرج إلا بإذنه، وأذن لها ولم تعلم بالإذن حتى خرجت لم يحنث، ولا يكون علمها بالإذن شرطًا في البر، وهذا مذهب الشافعي وبه قال أبو يوسف وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد يحنث، ويكون علمها بالإذن شرطًا في البر، استدلالاً بأربعة معانٍ: أحدها: أن الإذن تضمن الإعلام لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27]، أي أعلمهم بفرضه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "إذا حللت، فآذنيني"، أي: أعلميني.
وقول الشاعر: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء أي: أعلمتنا، فإذا ثبت بالشرع واللغة أن الإذن يتضمن الإعلام صار شرطًا، فيه فإن عدم لم يكمل الإذن، فلم يقع به البر.
والثاني: أن الإذن أمر يخالف ما بعد حكم ما قبله، فجرى مجرى النسخ، ثم ثبت أن العلم بالنسخ شرط في لزومه كذلك العلم، بالإذن شرط في صحته.
والثالث: أنه ألزمها بخروجه عن إذنه أن تكون مطيعة في الخروج، فإذا لم تعلم بالإذن صارت عاصية بالخروج، فلم يكن هو الخروج المأذون فيه، فوجب أن يحنث به، ويصير عدم علمها بالإذن جاريًا مجرى عدم الإذن، لوجود المعصية فيهما، كمن باع ما لا يعلم أنه مالك له، ثم علم أنه قد كان مالكًا له، كان بيعه باطلاً، وجرى عدم علمه بالملك مجرى عدم الملك.
والرابع: أن الإذن يفتقر إلى آذن، ومأذون له، كالكلام الذي يفتقر إلى قائل ومستمع، فلما كان المنفرد بالكلام يسلبه حكم الكلام، وجب أن يكون تفرده بالإذن يسلبه حكم الإذن.
ودليلنا أربعة معان: أحدهما: إن الإذن يختص بالآذان، والعلم به مختص بالمأذون لها، وشرط يمينه إنما كان معقوداً على ما يختص به من الإذن دون ما يختص بها من العلم.
ألا ترى أن اسم الإذن ينطلق على إذنه دون علمها، فوجب أن يكون موجباً لوجود الشرط، فلا يقع به الحثت، كما لو قال: إن قمت، فأنت طالق، طلقت بقيامه، إن لم تعلم.
والثاني: أنه لو كان العلم شرطًا في الإذن لكان وجوده من الحالف شرطًا فيه، كما كان وجود الإذن منه شرطًا فيه، فلما ثبت أنها لو علمت به من غيره صح، لو أذن لها

غيره لم يصح، دل على خروجه من حقوق الإذن، وصح بمجرد القول.
والثالث: أنه قد حظر الخروج عليها باليمين، وأباحها الخروج بالإذن، فصار عقدها جامعًا بين حظر وإباحة، والاستباحة، إذا صادفت إباحة لم يعلم بها المستبيح جرى عليها حكم الإباحة دون الحظر، كمن استباح مال رجل قد أباح له، وهو لا يعلم بإباحته، جرى على المال المبتدئ حكم الإباحة اعتبارًا بالمبيح، ولم يجز عليه الحظر اعتبارًا بالمستبيح.
كذلك حكم هذه الخروج.
وتحريره: أنها استباحة بعد إباحة، فلم يكن فقد العلم بها مؤثرًا في حكمها كالمال.
والرابع: أنها لا تعلم بإذنه، لبعدها تارة، ولنومها أخرى، وقد وافقوا أنه لو أذن لها، وهي نائمة، فخرجت غير عالمة بإذنه لم يحنث، كذلك إذا أذن لها، وهي بعيدة، فلم تعد تعلم بإذنه حتى خرجت وجب أن لا يحنث.
وتحريره: أنها يمين تعلق البر فيها بالإذن، فوجب أن لا يكون عدم العلم به موجبًا للحنث، كالنائمة والناسية.
وأما الجواب عن استدلالهم الأول، بأن الإذن يتضمن الإعلام استشهادًا بما ذكروه، فمن وجهين: أحدهما: أن الإعلام، هو الإيذان دون الإذن، وفرق بين الإذن والإيذان.
والثاني: أن الإذن لو اقتضى الإعلام، لاختص به الإذن دون غيره، وهو لا يختص به، فلم يكن من شرط إذنه.
وأما الجواب عن استدلالهم الثاني في النسخ، فهو أن في اعتبار العلم به وجهين: أحدهما: أن النسخ يلزم مع عدم العلم به كالإذن، فلم يكن فيه دليل.
والثاني: أنه لا يلزم إلا بعد العلم به، كأهل قباء حين استداروا في صلاتهم، وبنوا على ما قتدم قبل علمهم بنسخ بيت المقدس بالكعبة.
فعلى هذا أن الفرق بينهما أن النسخ مختص بالتعبد الشرعي، فلم يلزم إلا بعد العلم به، لوجوب إبلاغه، والإذن رافع للمنع، فصار مرتفعًا قبل العلم به.
وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضة بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به.
وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضه بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به.
وأما الجواب عن استدلالهم الرابع بالمتكلم، فهو فساد الجمع بينهما، لأن المعتبر في كلام الغير الاستماع دون الإعلام والسماع، وهم يعتبرون في الإذن الإعلام دون السماع والاستماع، ففسد الجمع بينهما مع اختلاف مقصودهما.

فصل: فإذا ثبت أن العلم ليس بشرط في صحة الإذن، فقد قال الشافعي رضي الله عنه: ولو أذن لها وأشهد على نفسه لم يحنث، وليس إشهاده على الإذن شرطًا فيه، وإنما هي حجة له إن ادعاه، ليرفع به الطلاق إذا أنكرته الزوجة، ليقع عليه الطلاق.
وإنما الشرط في صحة الإذن أن يكون مسموعًا منه، فإن لم يذكره لمستمع لم يصح، لأنه يصير من حديث النفس الذي لا يصح به الإذن.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: "وأحب له في الورع أن يحنث نفسه".
وإنما اختار له ذلك، لأنه مخرج مختلف في استباحته، فاختار له أن تكون الاستباحة ومتفقًا عليها، وأمره بالتزام الحنث، ولم يرد بالتزام الحنث التزام الطلاق، لأنه التزام الطلاق لم تصر زوجته مستبيحة الأزواج باتفاق، وإنما أمره بما تكون الاستباحة في الجهتين باتفاق يقع.
وإذا كان كذلك لم يخل أن يكون الطلاق رجعيًا أو ثلاثًا.
فإن كان رجعيًا، فيختار له في الورع إن أراد المقام معها أن يرتجعها، لأن الطلاق إن وقع استباحها بالرجعة، وإن لم يقع لم تضره الرجعة.
وإن لم يرد المقام معها قال لها: إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك، فأنت طالق واحدة، حتى لا يلزمه أكثر من واحدة في الحالين.
فإن لم يقل هكذا، وقال: أنت طالق، واحدة لزمته واحدة، وكانت الثانية على اختلاف.
وإن لم يقل أحد هذين كان النكاح لازمًا، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها والورع أن يمتنع من إصابتها.
وإن كان الطلاق ثلاثًا، فليس من الورع الإقامة عليها، والورع أن يفارقها بأن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا.
وليس يحتاج أن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك لأن طلاق الحنث إن وقع لم يقع طلاق المباشرة، وخالف طلاق الرجعة، لأنه إن لم يقع طلاق الحنث وقع طلاق المباشرة.
فإن لم يقل هذا في الطلاق الثلاث، كان ملتزمًا لنكاحها، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها، والورع له أن يمتنع من إصابتها، فإن لم يمتنع، وأصابها في الطلاقين فلا حرج عليه، ولا مأثم، لما حكم به من بره في يمينه.

تتمة كتاب الأيمان

باب من يعتق من مماليكه إذا حنث

مسألة: قال: "ومن يعتق ما يملِكُ".
الفصل يعني إذا قال: رقيقي أحرار، أو مماليكي أحرار، أو إن دخلت الدار فمماليكي أحرار، أو رقيقي أحرار ودخل الدار، فإن كان عبيد وإماء عتقوا؛ لأن هذا الاسم يتناولهم حقيقة، وإن كان مدبرًا أو مدبرة عتقًا أيضًا؛ لأنهما في حكم العبد القن، ولو باشرهما بالعتق عتقًا، وإن كانت له أم ولدٍ عتقت أيضًا؛ لأنه لو باشرها بالعتق عتقت، وكذلك إذا كان له أشقاصٌ من عبيدٍ وإماءٍ يحكم بعتقهم؛ لأنه يملك ذلك ملكًا حقيقةً، وإن كان له مكاتب أو مكاتبة فإن نوى عتقهما عتقًا بالنية، وإن أطلق ولم ينو فالمنصوص أنهما لا يعتقان؛ لأنه خارج عن ملك سيده في تصرفه فلا يتصرف في رقبته ولا منفعته، ويستحق كل واحدٍ منهما الحقوق على صاحبه فلا يدخل في اسم المماليك.
واعلم أن الشافعي علل فقال: "لأن المكاتب خارج عن ملكه بمعنى داخل".
وله تأويلان: أحدهما: أنه خارج عن ملكه مع براء عقد الكتابة، وداخل في ملكه بتعجيزه نفسه.
والثاني: أنه أراد أنه خارج ببعض أحكام الحرية له، وداخل بثبوت بعض أحكام الرق له.
وقال الربيع: سماعي من الشافعي أنهما يعتقان، فمن أصحابنا من لم يجعل هذا قولاً للشافعي، وقال: هذا من كيس الربيع وتخريجه وليس بقول الشافعي.
ومنهم من قال وهو الصحيح: هذا قول آخر ففي المسألة قولان؛ لأنه قال: سماعي منه وهو ثقة فيما يرويه، ووجه قوله: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم".
ويؤكده أنه مملوك لسيده، ولهذا لا ولاية ولا شهادة، وهذا لا يصح؛ لأن من أصحابنا من قال: يجوز أن يكون مملوكًا لا مالك له كستر الكعبة.
ومنهم من قال: مملوك لنفسه ولا يعتق؛ لأنه لم يكمل ملكه، كما إذا [1/ أ] اشترى عبدًا فإنه يملكه ولا ينفذ عتقه فيه؛ لأنه لم يكمل ملكه.
فإنه قيل: أليس لو أعتقه نفذ عتقه فدل أنه مملوك؟ قلنا: إذا واجهه بالعتق كان إبراٌ من مال الكتابة؛ لأن عتقه لا يحصل إلا به، ولهذا بقي له أولاده واكتسابه، وهنا أطلق اللفظ فينصرف إلى من ملكه حقيقة، ولا حاجة إلى استعماله في المكاتب ولا يتناوله المطلق في الحقيقة.

مسألة: قال: "ولو حلف بعتق عبده ليضربنه غدًا فباعه اليوم فلما مضى غدٌ اشتراه".
الفصل هذه مسألة مبنية على مسألة في الطلاق، وهي إذا قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم أبانها فدخلت الدار لم تطلق، فإن تزوجها بعد ذلك ثم دخلت الدار لم تطلق أيضًا؛ لأن الصفة قد وجدت دفعة فانحلت اليمين.
ولو لم تدخل الدار في حال البينونة ثم تزوجها فدخلت هل تعود الصفة؟ قد ذكرنا أنه إن أبانها بدون الثلاث ثم تزوجها، ففي القديم تعود اليمين قولاً واحدًا، وفي الجديد قولان.
وإن أبانها الثلاث ففي الجديد لا تعود قولاً واحدًا، وفي القديم قولان.
فإذا ثبت هذا فهاهنا إذا قال لعبده: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فإن جاء الغد وهو مالكه، فإن ضربه بر في يمينه، وإن لم يضربه حنث، إلا أنه لا يعتق؛ لأنه ليس في ملكه.
فإن اشتراه بعد ذلك لا يؤثر شيئًا؛ لأن وقت اليمين قد فات.
وفرَّع أصحابنا على هذا إذا قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، ثم جاء الغد وتمكن من ضربه فلم يضربه ثم باعه قبل غروب الشمس لا يعتق أيضًا، لأن الصفة قد وجدت وهي حالة الغروب وليس العبد في ملكه فلم يعتق.
ولو باع العبد قبل أن يضربه ثم ابتاعه قبل غروب الشمس من الغد وتمكن من ضربه هل تعود اليمين حتى إذا لم يضربه عتق أم لا يعود؟ فيه قولان.
واختلف أصحابنا على أي أصل يبنى ذلك، فمنهم من قال: هو بمنزلة البينونة [1/ ب] بعد الثلاث، وقد تقدم هذا في "كتاب الخلع".
وقال القفال: العود بملكٍ جديد في هذا الرق يشبه العود بنكاح جديدٍ قبل زوج آخر، وإن أعتقه وهو كافر فاسترق فملكه من الرق الجديد، فهو كالعود في النكاح بعد زوج آخر في الجديد لا يعود الحنث، وفي القديم قولان.
فرع لو قال: والله لأضربنك غدًا، فإن ضربه في الغد برَّ، وإن لم يضربه حنث عند غروب الشمس، وإن باعه قبل الغروب وفاته الضرب حنث أيضًا وتلزمه الكفارة.
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن اليمين هناك معلقة بالعتق وذلك تعلق بعين العبد ولا يمكن ذلك؛ لأن العبد غير مملوك له فحنث ولزمته الكفارة عند تمكنه من الضرب وتفويته إياه على نفسه.
فرع آخر لو قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فباعه قبل مجيء الغد ثم اشتراه بعد انقضاء غده، قال ابن أبي هريرة: يعتق عليه وينتقض البيع ويرجع بثمنه لاستحقاق عتقه قبل بيعه وهذا غلط؛ لأن نفوذ البيع أوجب زوال ملكه.

فرع آخر لو رهنه قبل غده وافتكه بعد غده ففي عتقه عليه ثلاثة أقوال بناء على إعتاق المرهون.
مسألة: قال: "ولو قال لعبده أنت حر إن بعتك فباعه بيعًا ليس ببيع خيار فهو حر".
الفصل إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فقد علق عتقه على بيعه، فإن باعه مطلقًا عتق عليه؛ لأن صفة العتق مصادفة عقيب البيع والخيار ثابت له في تلك الحالة وهو خيار المجلس.
ولو باشره بالعتق عتق فكذلك إذا وجدت الصفة عتق خلافًا لمالك وأبي حنيفة؛ لأن عندهما لا يثبت خيار المجلس.
ولو باعه بشرط خيار الثلاث عتق بالإجماع عندنا لثبوت الخيارين؛ خيار المجلس وخيار الشريك، وعندهما لثبوت خيار الثلاث.
وقد ذكرنا أنه لو باعه على أن لا خيار له فيه، ظاهر كلام الشافعي هنا مقتضى صحة البيع وأن لا يعتق عليه؛ لأنه قال: "فباعه [2/ أ] بيعًا ليس ببيع خيار" لم يعتق.
وقيل: قوله: "ليس ببيع خيار"، لم يرد به هذا، بل أراد ليس ببيع شرط فيه خيار ثلاثة أيام، وقصد به الرد على مالك وأبي حنيفة حيث شرطا في نفوذ العتق هنا شرط خيار الثلاث وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه في البويطي، وذكره أبو إسحاق، واختاره القاضي أبو حامد.
وقال القاضي أبو حامد: هذا يسقط تأويل من قال من أصحابنا: إن معناه ليس ببيع شرط فيه إبطال خيار المجلس عند عقد البيع وجعل جواز اشتراط إبطال خيار المجلس مع العقد قولاً للشافعي بهذا اللفظ، وقد ذكرنا في البيع فيه ثلاثة أوجهٍ، والصحيح بطلان البيع والشرط، وهو ظاهر قوله في "كتاب البيوع"؛ لأنه شرط ما ينافي مقتضى العقد ولا يتعلق به مصلحة العقد.
وعلى هذا لا يعتق العبد أيضًا؛ لأن الصفة لم توجد، وإذا قلنا يصح العقد دون الشرط يعتق؛ لأن الصفة توجد.
مسألة: قال: "ولو قال إن زوجتك أو بعتك فأنت حر، فزوجه أو باعه بيعًا فاسدًا لم يحنث".
هذا على ما ذكر صحيح؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى الصحيح دون الفاسد، ووافقنا المزني في عقد بصور مرة صحيحًا ومرة فاسدًا مثل هذا العقد.
فأما إذا قال: إن بعت خمرًا أو خنزيرًا فأنت حر لا يحنث عند الشافعي بحالٍ، لأن البيع الصحيح لا يتصور فيها بحالٍ، وقال المزني: يحنث.
وكذلك لو قال: لا أبيع الخمر فباعها لا يحنث عندنا خلافًا للمزني.
واحتج بأنه لا يبيع الخمر إلا فاسدًا، فكأنه لم يرد إلا وجود لفظ لا يجافي القبول وقد وجد ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا.

وكذلك لو قال: لا أبيع بيعًا فاسدًا لم يحنث وقلنا: لا يمكنك أن تبيع بيعًا فاسدًا فتحنث به.
وقال أبو حنيفة: إذا قال لا أبيع بيعًا فاسدًا وأقبض حنث عند الإقباض؛ لأن الملك به يقع.
وفي التزويج سلم أنه لا يحنث بالفاسد إذا حلف بعقد من المستقبل، فإن حلف أنه لا يزوج وكان قد زوج تزويجًأ فاسدًا قال: يحنث [3/ ب] وكذلك لو تزوج فاسدًا ثم قال: والله ما تزوجت حنث عنده، فيقيس الماضي على المستقبل.
وقال مالك: يحنث بالبيع الفاسد والنكاح الفاسد بكل حال.
فرع لو قال: والله ما صليت وكان قد صلى صلاةً فاسدةً لا يحنث.
وقال محمد: يحنث وهذا غلط؛ لأن الفاسد لا يتناوله النهي في المستقبل كذلك في الماضي.
فرع آخر لو قال: والله ما وهبت لفلان فوهب فلم يقبل، قد ذكرنا أنه لا يحنث في أصح الوجهين.
وقال أبو حنيفة وبه قال ابن سريج: يحنث؛ لأن البذل أول العقد وهذا يبطل بالبيع؛ لأنه لا يعتق بالبذل حتى يعقبه القبول؛ لأن مجرد البذل لا يكون عقد فيهما.
وكذلك لو علقه بالرهن والإجارة.
وكذلك لو قال لا أُعيره فأعاره فلم يقبل لا يحنث خلافًا لأبي حنيفة، وعلل بأنه لا عوض في العارية، والمقصود ما يوجد من المعير فيحنث به، وهذا لا يصح لما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإذا حلف لا يأكل الرؤوس".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث إلا بأكل رؤوس النعم خاصة الإبل والبقر والغنم، فأما غيرها فلا يحنث بأكله.
وقال أبو حنيفة: يحنث بأكل رؤوس الغنم والبقر دون الإبل.
وقال أبو يوسف: يحنث بأكل رؤوس الغنم فقط، وقال: يحنث بأكل رؤوس الطيور والحيتان.
ودليلنا أن اسم الرؤوس وإن كان يقع على كل رأس حقيقة إلا أن الذي يتعارف الناس أكله هو هذه الثلاثة، فإنها هي التي تتميز عن الأبدان وتقصد للأكل فحنث بأكلها دون غيرها، وهو معنى قول الشافعي: "لأن الأيمان مخصوصة بالعرف".
وقيل: إنما اختلفت أجوبة العلماء هنا لاختلاف العادات في بلدانهم، ففي الحجاز تفرد رؤوس الغنم كلها فتسوى وتباع صحيحة مشوية.
وفي الكوفة جرت العادة بذلك في البقر والغنم خاصة.
وبغداد جرت العادة بذلك برؤوس الغنم خاصة، وكذلك [3/ أ] بخراسان.
وأما إذا أكل رؤوس الصيد كالأرانب والغزلان والثعالب ونحو ذلك، قال: إلا أن يكون ببلد يكثر فيها الصيد كما تكثر فيها لحوم الأنعام في السوق وتميز رؤوسها فيحنث في رؤوسها.
وإن كان ببلد يقل فيها الصيد ولا يكثر، قال أصحابنا: فيه وجهان:

أحدهما: لا يحنث؛ لأن إطلاق الاسم لا يتناوله.
والثاني: يحنث؛ لأن ما يثبت له العرف في بلد يثبت في سائر البلاد كخبز الأرز ولحم الفرس.
قال أبو إسحاق: وعلى هذا إذا كان قوم في موضع من السواحل يأكلون السمك وتباع رؤوسها مفردة عندهم كما تباع رؤوس الغنم عندنا يحنث بأكل تلك الرؤوس أيضًا.
ومن هذا أفتى بعض علماء طبرستان أنه يحنث فيها بأكل رأس الحوت وعندي هذا التخريج خطأ؛ لأنه لا يشوى في طبرستان رأس الحوت كما يشوى رأس البقر والغنم خاصة.
وإذا قال بالفارسية: سربريان نخورم، فإنه لا يحتمل ذلك رأس الحوت.
وقال في "الحاوي": إذا كان في بلدة يكثر فيها الصيد أو السمك، ويقطع رأسه عن جسده ويفرد بيعه في سوقه يحنث بأكله.
ولكن هل يجوز عرف هذا البلد مقصورًا على أهله أم عامًا فيهم وفي الطارئين إليها؟ فيه وجهان: أحدهما: خاص في أهلها دون الطارئين إليها تغليبًا لعرف الحالف، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات والبحار لم يحنثوا إلا برؤوس النعم، وإن دخل أهل الفلوات إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الحيتان.
الثاني: أنه عام في أهلها وفي الطارئين إليها تغليبًا لعرف المكان، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات حنثوا برؤوس الصيد، وإن دخلوا إلى بلاد البحار حنثوا برؤوس الحيتان، وإن دخل أهل الفلوات والبحار إلى الريف حنثوا برؤوس النعم.
[3/ ب] وفي بقاء حنثهم بعرف بلادهم وجهان: أحدهما: باقٍ عليهم لاستقراره عندهم، فعلى هذا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات بأكل رؤوس الصيد وبأكل رؤوس النعم مع رؤوس الصيد، ويحنث أهل البحار فيها بأكل رؤوس الحيتان ورؤوس النعم.
والثاني: لا يزول عنهم عرف بلادهم بالانتقال عنها، فلا يحنث أهل الفلوات والبحار في بلاد الريف إلا برؤوس النعم، ولا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات إلا برؤوس الصيد، وفي بلاد البحر إلا برؤوس الحيتان.
وهذا كله إذا عللنا أن الشافعي حنثه برؤوس النعم لاختصاصها بقطع رؤوسها عن أجسادها وإفرادها ببيعها في أسواقها.
ومن أصحابنا من علل بعلة أخرى، وهي أن عرف كلامهم متوجه إليها وإفراد أكلها مختص بها، فإنه لا يعرف ممن قال أكل الرؤوس إلا رؤوس النعم وغيرها يعرف بقرنيه، ولا يفرد بالأكل إلا رؤوس النعم وغيرها تؤكل مع أجسادها.
قال صاحب "الحاوى": في التعليلين امتزاج من وجه وتمييز من وجه، فعلى هذا هل

يكون عرف البلد خاصًا فيه أو عامًا في جميع البلاد فيه؟ ظاهر المذهب أنه يصير عامًا في جميع البلاد كلها فيحنث جميعهم برؤوس النعم الثلاثة.
وإن عرفنا أن لبعض البلاد عرفًا في رؤوس الصيد والحيتان حنث جميع الناس، وإن لم نعلمه لم يحنثوا.
والشافعي إنما خص الحنث برؤوس النعم الثلاثة لأنه لم يعرف عرف بلد في غيرها، ولم علم لحنث بها جميع الناس كما حنثهم برؤوس النعم، ولهذا حنث القروي الذي لا يسكن بيت شعرٍ في حلفه لا يسكن بيتًا بسكونه؛ لأن عرف البادية جارٍ به.
وقال ابن سريج: عرف كل بلدٍ مخصوص في أهله ومقصور عليهم دون غيرهم، فعلى هذا يحنث أهل الحجاز برؤوس النعم الثلاثة [4/ أ] كما قال الشافعي اعتبارً بعرفهم، ويحنث أهل الكوفة برؤوس البقر والغنم دون الإبل كما قال أبو حنيفة اعتبارًا بعرفهم، ويحنث أهل بغداد برؤوس الغنم وحدها كما قال أبو يوسف ومحمد.
وعلى هذا لا يحنث القروي بسكنى بيت الشعر.
قال: فإن انتقل عن بلدةٍ لهم فيها عرف إلى بلدةٍ يخالفونهم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحنثون بعرف بلدهم الذي انتقلوا عنه.
والثاني: يحنثون بعرف البلد الذي انتقلوا إليه.
والثالث: يحنثون بعرف البلدين معًا.
مسألة: قال: "وكذلك البيض".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل بيضًا إنما يحنث بأكل البيض الذي يزايل بائضه حيًا ويؤكل منفردًا عنه، وهو بيض الدجاج والطيور والبط والنعام والعصافير ونحو ذلك، ولا يحنث بأكل بيض الحيتان والجراد لأنهما لا يزايل ببائضه إلا أن ينوي ذلك.
فإن قيل: أكل بيض النعامة نادر فوجب أن لا يحنث بأكله؟ قيل: العرف في بيض النعامة والدجاجة واحد في إطلاق الاسم، وإنما يؤكل نادرًا لقلته وكثير ثمنه، ومنزلة ذلك منزلة رجل فقير حلف لا يلبس ثوبًا وهو ممن يلبس الصوف أو القطن، فلبس خزًا أو وشيًا أو غير ذلك من الثياب الفاخرة التي لا يلبسها مثله يحنث؛ لأن الاسم في الجميع واحدٌ، وإنما يختلف الاستعمال للتواضع أو كثرة الثمن ونحو ذلك.
وقال في "الحاوي": في بيض النعامة يحنث به أهل البادية، وهل يحنث أهل الأمصار؟ فيه وجهان: أحدها: يحنثون إذا قلنا أهل القرى يحنثون بسكنى بيت الشعر.
والثاني: لا يحنثون به إذا قلنا إن أهل القرى لا يحنثون بسكنى بيت الشعر ويحنث بأكل المعتاد أهل النادر والمعتاد بلا إشكال.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن لا يحنث ببيض العصافير والحمام ونحو ذلك؛ لأنه علم عنهم [4/ ب] ترك أكله، فخرج بالعرف من اليمين، والصحيح المنصوص ما تقدم.
فرع لو ذبح دجاجة في جوفها بيض وصل إليه بذبحها فهل يحنث بأكلها؟

وجهان أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لم يزايل بائضه حيًا فصار كبيض السمك.
والثاني: يحنث؛ لأنه من جنس ما وصل إليه مع حياة بائضه.
وقيل: إذا أكل الذي في جوفها من غير قشر لا يحنث وجهًا واحدًا.
وقيل: لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج فقط للعرف، وهذا غلط.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل لحمًا".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل لحمًا حنث بأكل لحم الإبل، والبقر، والغنم، والوحش، والطيور؛ لأن كلها لحم، ولا يحنث بأكل لحم السمك؛ لأنه ليس بالأغلب وإن كان الله تعالى أطلق عليه اسم اللحم.
ويقال: أكلت السمك والحوت ولا يقال أكلت لحم السمك، وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى ذلك حنث.
وقال مالك وأبو يوسف: يحنث بذلك بكل حال؛ لأن الله تعالى سماه لحمًا، فقال: "لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً" [النحل: 14] قلنا: لو حلف لا يقعد تحت سقف بيتٍ لا يحنث إذا قعد تحت السماء وقد سماها الله تعالى سقفًا، لأنه مجاز كذلك ههنا.
فرع لو أكله ناسيًا حنث خلافًا لمالك، وهذا لأنه يقال: أكل اللحم على الإطلاق.
فرع آخر لو أكل لحم الخنزير وسائر ما لا يحل له من اللحوم، قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأن ما لا يحل أكله في الشرع لا تتناوله يمينه المطلقة، كما لو قال: لا أبيع لم يحنث بالبيع الفاسد.
والثاني: يحنث، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن اسم اللحم يقع عليه حقيقة كما يقع على المأكول، ويخالف البيع لأن الاسم لا ينصرف إلى الفاسد عند الإطلاق، ولذا لو باع غيره لم يحنث.
لو أكل لحم شاة غيره يحنث بلا خلاف، وهذا اختيار القفال، والأول أصح عندي للعرف والعادة.
فرع آخر لو قال [5/ أ] لها: والله لا وطئتك فوطئها في حال الحيض حنث في يمينه.
وقال المزني في "المنثور": لو حلف ليطأن امرأته الساعة فحاضت المرأة من ساعتها، نص الشافعي أنه إن وطئها حائضًا لا يبر؛ - لأن الشافعي يقول: لو حلف لا يشتري اليوم فاشترى فاسدًا لا يحنث؛ لأن الفاسد لا معنى له، فحصل وجهان، ذكره القاضي الطبري.
وقيل: المنصوص أنه يحنث وإن كان الوطء حرامًا في الشرع وخالفه المزني.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يشرب سويقًا فأكله، أو لا يأكل خبزًا فماثه ثم شربه".

الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يشرب سويقًا فإن شربه خلطه بالماء وتحساه حنث به، وإن استفه يابسًا لم يحنث؛ لأنه ليس بشربٍ.
وإن حلف لا يأكل خبزًا فأكله بأن مضغه وابتلعه حنث، وإن جعله فيتًا وبله بالماء وتحساه لا يحنث؛ لأنه شرب وليس بأكل، والتعليل في ذلك أن الأفعال أجناس مختلفة كما أن الأعيان أجناس مختلفة، ثم علق يمينه على يمين من الأعيان لم تتعلق اليمين بغيرها، فكذلك إذا علقه على فعلٍ لا يتعلق بغيره.
وقول الشافعي رضي الله عنه: "فماثه" في الماء، أي ميَّثَه، يقال: ماثه وميَّثه.
فرع آخر لو حلف لا يشرب سويقًا فذاقه بلسانه لا يحنث؛ لأن الذوق ليس بأكل ولا شرب وإن دخل بطنه.
فرع آخر لو حلف لا يذوق فأكل وشرب حنث؛ لأن الأكل والشرب يتضمنان الذوق.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه إذا شرب لا يحنث؛ لأن الشرب غير الذوق.
وقال القفال: فيهما وجهان، وعند أبي حنيفة لا يحنث.
فرع آخر لو حلف لا يذوق شيئًا فأخذه بقيه فمضغه بفيه فمضغه ثم لفظه ولم يصل إلى جوفه هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث، كما لا يفطر به الصائم، ولا يقال: ذاق الشيء حتى يصل إلى حلقه [5/ ب].
والثاني: يحنث، وهو الأصح؛ لأن اسم الذوق يقع عليه وإن لم يصل إلى جوفه، فإنه عبارة عن معرفة طعم الشيء بلهواته وقد وجد ذلك، وهو قول عامة أصحابنا.
فرع آخر لو قال لا أطعم شيئًا حنث بالأكل والشرب، وكذلك إذا قال بالفارسية؛ لأن الطعم اسم جامع لهما.
فرع آخر لو حلف لا يتطعم هذا العام، فالتطعم معرفة طعمه بلسانه، فلا يعتبر فيه وصول شيء إلى جوفه، فمتى عرف طعمه حنث، ولو قال لا أطعم الطعام لم يحنث بتطعمه للفرق بين الطعم والتطعم، فإن الطعم أن يصير طعامًا له، والتطعم أن يعرف طعمه.
فرع آخر لو أوجر الطعام بقمع في حلقه ولم يدر في لهوات فمه حتى وصل إلى جوفه، فإن كانت يمينه على الأكل والشرب والذوق والتطعم لا يحنث لعدم شرطها، وإن كانت على أن لا أطعم حنث؛ لأنه قد وصل إلى جوفه ما صار طعامًا له.

فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو حلف لا يأكل السكر فمضغه حنث.
ولو أمسكه في فيه فذاب ودخل جوفه لا يحنث؛ لأنه يشترط في الأكل المضغ حتى يحنث، وعندي أنه يحنث به؛ لأنه يقال: أكل السكر وإن ذاب في حلقه.
فرع آخر لو قال: لا ابتلعت هذا التفاح أو شيئًا آخر فمضغه ثم ابتلعه لم يحنث.
ولو قال: لا أكلته فابتلعه لم يحنث ما لم يزدرده.
فرع آخر لو قال: لا وطئتك فأتاها في دبرها حنث؛ لأنه يسمى وطئًا، ذكره بعض أصحابنا، وذكر في "الحاوي" أنه لا يحنث؛ لأن جنسه لا يباح.
فرع آخر لو قال: لا تناولت دواء فتناول السكر بغير علة لم يحنث، وإن تداوى به حنث، كما لو قال: لا تداويت فاحتجم لعلةٍ حنث، وإن كان لغير علة لم يحنث.
[6/ أ] مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل سمنًا فأكله بالخبز أو بالعصيدة".
الفصل السمن على ضربين؛ جامد ومائع.
فأما الجامد فأكله أن يمضغه، فإذا قال: لا آكل سمنًا فأكله هكذا حنث، وإن أكله بالخبز قال الشافعي رضي الله عنه وعامة أصحابنا: يحنث؛ لأنه أكله مع الخبز، يقال: أكل الخبز وأكل السمن، فقد وجد المحلوف عليه وزيادة فيحنث به.
وقال أبو يوسف: لا يحنث به؛ لأنه لم يأكله وحده، بل أكله مع غيره فصار كما لو قال: لا آكل من طعام اشتراه زيد فاشتراه زيد وعمرو فأكل منه لم يحنث، وبه قال الإصطخري من أصحابنا وهذا غلط؛ لأن هناك ما أكل ما اشتراه المحلوف عليه خاصة، وهاهنا أكل المحلوف عليه حقيقة فوزانه أنه إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد فاشترى زيد طعامًا واشترى عمرو طعامًا فخلطهما وأكلهما حنث، وإن أذابه أو كان مائعًا فشربه لم يحنث؛ لأنه ليس بأكل، وإن أكله بالخبز حنث خلافًا للإصطخري فإنه قال: لا يحنث إذا أكله مع غيره.
وقال في "الحاوي": إذا أكله مع غيره من خبز أو سويق فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ما ذكرنا أولاً وهو المذهب، سواء كان جامدًا أو ذائبًا.
والثاني: ما قاله الأصطخري.
والثالث: ما قاله أبو إسحاق: إن كان جامدًا لم يحنث بأكله مع غيره؛ لأنه يقدر على أكل الجامد منفردًا، ولا يقدر على أكل الذائب إلا مع غيره.
وكذلك لو حلف لا يأكل عسلاً أو دبسًا؛ لأنهما يجمدان تارةً ويذوبان أخرى.
وكذلك لو حلف لا يأكل.

لبنًا فأكله بغيره أو طبخه مع غيره.
فرع لو أكله بعصيدة، قال الشافعي رضي الله عنه: يحنث.
قال بعض أصحابنا: أراد به أن يعصده في خبز ويأكله، فأما إذا طبخ عصيدة فأكلها لا يحنث؛ لأنه لا يقال له: أكل سمنًا [6/ ب] وإنما له أكل عصيدة أو خبيصًا أو غير ذلك.
ومن أصحابنا من قال: أراد به العصيدة المعروفة وهي الفالوذج وغير ذلك مما يجعل السمن فيه، ينظر فيه فإن كان مستهلكًا لم يحنث، وإن كان غير مستهلك حتى لو انجمد تبين السمن فيه ونرى ذلك يحنث؛ لأنه قد أكل سمنًا مع عصيدة فكأنه أكله مع الخبز وهذا هو الصحيح، وهو كما قلنا في المحرم إذا أكل خبيصًا فيه زعفران ظاهرٌ يلزمه الفدية.
وأما إذا قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل فهي على الاختلاف الذي ذكرنا بين أصحابنا، وقد نص عليه في "الأم" فقال: "ولو قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل لا يحنث"؛ لأن الخل مستهلك فيه بحيث لا أثر له، فأما إذا كان لونه وطعمه قائمين فهو غير مستهلك فيجب أن يحنث.
وقيل: قول الشافعي: "إلا أن يكون جامدًا" أراد به أنه إذا لم يأكله منفردًا أو أكله في العصيدة لا يحنث، وهذا التفسير غير صحيح، وإنما ذكر هذا الاستثناء آلي ذكر العرف والعادة، حيث قال: لأن السمن لا يكون ماكولًا إلا بغيره، إلا أن يكون جامدًا فيقدر على أن يأكله جامدًا منفردًا فيأكله في عادة نادرة جامدًا منفردًا، هذا معنى الاستثناء لا ما قال القائل.
فرع آخر لو حلف لا يشرب لبنًا فخلطه بمائع، فإن كان اللبن أغلب لظهور طعمه ولونه حنث بشربه وإلا فلا يحنث.
مسألة: قال: "فَإذَا حَلَفَ لَا يَأُكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل هذه التمرة بعينها فوقعت في تمر كثير فأكل، يُنظر فإن تيقن أنه أكل التمرة المحلوف عليها حنث بيقين، وإن [7/ أ] تيقن أن التي بقيت هي المحلوف عليها لا يحنث بيقين، فإن شك فلا يدري هي الباقية أم قد أكلها؟ قال الشافعي رضي الله عنه: "لا يحنث"؛ لأن الأصل عدم الحنث حتى يتحقق ذلك، ولكن الورع أن يحنث نفسه لجواز أن يكون قد حنث.
وقال في "الأم": "والورع أن لا يأكل منه شيئًا إلا حنَّث نفسه".
قال أصحابنا: وإذا حنَّث نفسه خرَّج كفارة يمين، كما لو تيقن الحنث، وكذلك لو هلك تمرة واحدة منها ولا يدري أنها المحلوف عليها أولًا.
قال بعض مشايخنا بخراسان: وفي ضد هذا لو حلف أن لا يأكلها ثم وقعت في تمر، ثم استبقى واحدة أو ضاعت لم يبر؛ لأن الأصل عدم البر، واليقين لا يترك بالشك.

فرع لو حلف لا يأكل هذه التمرة فأكلها إلا نواها وقمعها حنث؛ لأنه أكل مأكولها أو ألقى غير مأكولها.
ولو أكلها إلا يسيرًا منها كنقرة طائر لم يحنث خلافًا لمالك.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ هَذِهِ الحِنْطَةَ فَطَحَنَهَا".
الفصل لا فرق بين أن يقول: لا آكل هذه الحنطة، أو يقول: لا آكل من هذه الحنطة، في أنه إذا طحنها دقيقًا أو قلاها فجعلها سويقًا أو خبزها أو عصدها فأكل من ذلك لا يحنث؛ لأنه لم يأكل ما يقع عليه اسم حنطة، إلا أن قوله: من هذه الحنطة يقتضي بعضها، وقوله هذه الحنطة يقتضي جميعها.
وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بكل ذلك.
وقال أبو حنيفة: يحنث بالدقيق ولا يحنث بالخبز.
وحكي عن أبي حنيفة مثل قولنا.
واحتجوا بأن الحنطة تؤكل هكذا، فأشبه إذا قال: لا أكلت هذا اللحم فشواه وأكله حنث، وهذا لا يصح لما ذكرنا، فصار كما لو زرعها وأكل من حشيشها أو قال: لا أكلت هذا البيض فصار فرخًا فأكله لم يحنث، ويفارق ما قاس عليه؛ لأن اسم اللحم وصورته لم يزولا بخلاف مسألتنا.
فرع إذا حلف لا يأكل من [7/ ب] هذا الدقيق فخبزه وأكله لم يحنث، ولو استلف منه حشًا لا يحنث؛ لأن العرف أنه لا يؤكل منه إلا مخبوزًا، وهذا لا يصح؛ لأن في الحنطة لا يعتبر بقاء الاسم دون العرف بالاتفاق كذلك هاهنا، ولأنه يؤكل غير مخبوز من وجوه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: من وجه لنا.
فرع آخر لو قال: لا أكلمه شابًا فكلمه شيخًا، أو قال: لا أكلت جديًا فأكله تيسًا، أو قال: لا آكل تمرًا فأكل رطبًا لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن اليمين ها هنا تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة.
ولو قال: والله لا أكلم هذا الصبي فصار شابًا، أو لا أكلم هذا الشاب فصار شيخًا، أو لا أكلت من لحم هذا الجدي فصار تيسًا، أو لا أكلت هذه البسرة فصارت رطبة، أو هذه الرطبة فصارت تمرة هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث لزوال الاسم.
والثاني: يحنث؛ لأن صورتها لم تزل بل تغيرت الصفة.
وقال أبو حنيفة: في الحيوان يحنث، وفي الباقي لا يحنث؛ لأن قصده بأن لا يكلم الشاب لاستخفاف به وذلك لا يزول بكبره، وكذلك قصده باليمين أن لا يأكل لحم الجدي وذلك المعنى لم يزل وهذا صحيح؛ لأن المعتبر في اليمين الاسم دون القصد، ولهذا لو حلف لا يأكل هذا اللحم فأكله نيئًا يحنث وإن كان القصد به الانتفاع من أكله مطبوخًا.

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال لا آكل هذه الحنطة فجعلها دقيقًا فأكلها هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: يحنث بكل ما يتخذ منها، ومعناه لا آكل شيئًا يتخذ من هذه الحنطة.
والثاني: لا يحنث، ومن للتبعيض، أي لا آكل قليلها وكثيرها.
قال: وقيل: نص الشافعي رضي الله عنه على أنه إذا قال: لا آكل هذه الحنطة فاتخذها دقيقًا فأكل منه لا يحنث، ونص أنه لو قال: لا آكل هذا السخل فصار كبشًا، أو لا أكلم هذه الصبي فصار شيخًا فكلمه، أو أكل التيس حنث [8/ أ] فمن الأصحاب من قال: في الكل قولان، ومنهم من فرق بأن في مسألة الحنطة والتمر ذكر الاسم وقد تبدل الاسم، والصبي صفة فتبدل الصفة لا يوجب سقوط حكم الحنث، وأيضًا الحنطة تصير خبزًا، والتمر يصير عصيدة بفعل وعلاج، والسخلة تصير كبشًا بفعل الله تعالى عند مضي الزمان، وهذا إذا عَرَّف فأما إذا نَكَّر فقال: صبيًا فكلم شيخًا حنث على ما ذكرنا، وهذا كله تخليط والاعتماد على ما ذكرنا أولًا.
فرع آخر لو حلف لا يشرب هذا العصير فشربه خمرًا، أو قال: لا أشرب هذا الخمر فصارت خلًا لا يحنث وجهًا واحدًا؛ لأنه اقترنَ بزوال الاسم زوالُ الحكم.
فرع آخر لو حلف لا يلبس هذا العزل فنسجه ثوبًا حنث بلبسه وجهًا واحدًا؛ لن الغزل لما كان لا يلبس إلا منسوجًا صار مضمرًا في اليمين والمضمر في الإيمان كالمظهر، كما لو قال: لا آكل هذا الحيوان حنث بأكله مذبوحًا وإن لم يكن حيوانًا عند أكله؛ لأنها صفة مضمرة فجرى عليها حكم المظهر.
فرع آخر لو حلف لا يشم البنفسخ أو الورد فشم دهن البنفسج أو الورد لا يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث بدهن البنفسج دون دهن الورد لعرف أهل الكوفة؛ لأنهم يسمون دهن البنفسج بنفسجًا ولا يسمون دهن الورد وردًا.
وقال أحمد: يحنث بدهن البنفسج والورد أيضًا؛ لأن المقصود الرائحة.
قلنا: هذه تسمية مجازًا والحقيقة أولى، ولأن البنفسج اسم لجسم ذي رائحة فلا يجوز أن يتعلق حكمه بالرائحة وحدها ولهذا لو شم بنفسجًا بعد انتقال رائحته إلى الدهن حنث عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر لو يبسا كان في الحنث بهما بعد يبسها وجهان، أحدهما: لا يحنث، كمن حلف لا يأكل رطبًا فأكل تمرًا.
والثاني: يحنث لبقاء اسمه وصفته ويخالف التمرة لأنه زال عنه اسم الرطب وبقي اسم الورد والبنفسج على ما يبس منه.
[8/ ب]

والتعليل في هذين الوجهين كأن حلف من لا يأكل الرطب فأكله تمرًا على وجهين.
فرع آخر لو مرَّ بهما في السوق فشم رائحتها، فإن حمل النسيم الرائحة حتى شمها لم يحنث، وإن اجتذب الرائحة بخياشيمه حتى شمها حنث؛ لأن شمها بهبوب النسيم ليس من فعله، وشمها باجتذاب خياشيمه من فعله، ويخالف المحرم يشم الطيب من حانوت العطار؛ لأن المحرم عليه استعمال الطيب دون الرائحة.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَاكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا".
الفصل الأصل في هذا أن كل ما انفرد عن غيره باسمه، ففي حكم الحنث ينفرد، فإذا قال: لا آكل لحمًا فأكل اللحم الأحمر أو اللحم السمين الذي على الظهر أو الحشو حنث؛ لأنه لحم سمين، ولو أكل من شحم البطن لم يحنث.
وحكي عن مالك أنه قال: يحنث وهذا خطأ؛ لأنه لا يسمى لحمًا عرفًا وعادة، فهو كما لو حلف لا يأكل الشحم لم يحنث بأكل اللحم بالإجماع.
فرع لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل القلب أو الكبد أو الطحال لا يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث بأكلها.
ودليلنا أن له اسمًا آخر منفردًا، كما لو أكل الريَّة والكرش لا يحنث بالإجماع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا نص فيه، وينبغي أن يحنث بالقلب لأنه لحم.
وقيل: فيه وجهان، وفي الكبد والطحال لا خلاف.
فرع آخر لو أكل من قانصة الدجاج فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الكبد والطحال.
فرع آخر لو أكل لحم اللسان أو لحم الخدين من الرأس يحنث لأنه لحم.
وكذلك لو أكل الأكارع؛ لأنها لحم وهي اسم عضو.
وقال في "الحاوي" فيه وجهان؛ أحدهما: هذا.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اسمه مضاف، يقال: لحم اللسان، ولحم الرأس، ولا يقال له لحم على الإطلاق.
فرع آخر لو أكل شحم العينين لا يحنث لأنه لا يسمى لحمًا.
فرع آخر لو أكل الألية فيه وجهان: [9/ أ] أحدهما: يحنث؛ لأنها لا تسمى شحمًا فكانت لحمًا.

والثاني: وهو الأصح أنه لا يحنث؛ لأنها لا تسمى لحمًا كما لا تسمى شحمًا.
وقال في "الحاوي": فيها ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه من الشحم فيحنث بها في الشحم دون اللحم.
والثاني: أنها من اللحم لاتصالها بالعظم، وهو قول البغداديين.
والثالث: وهو قول البصريين أنها ليست من اللحم ولا من الشحم؛ لأنها تتميز عن اللحم والشحم.
فرع آخر لو حلف لا يأكل شحمًا فأكل اللحم أو البياض الذي على اللحم لا يحنث.
وقال أبو حامد: لا يحنث بالألية بلا خلافٍ.
وقد ذكرنا وجهًا آخر يحنث لأنه يسمى شحمًا، قال الله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] فاستثناه من الشحم، ودليلنا أنه لا يسمى شحمًا ولهذا لا يفرد عن اللحم ولا يسمى بائعه شحامًا، فلم يحنث به وإنما يحنث بالشحم الذي ينفرد عن اللحم وهو شحم الكُلية والكرش.
وحكي عن القفال أنه قال مرة: يحنث بشحم الظهر، وقال مرة: لا يحنث فيحتمل وجهين، والصحيح عندي ما تقدم.
فرع آخر لو أكل شحم العينين فيه وجهان؛ أحدهما: يحنث لأنه ينطلق عليه اسم الشحم.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا ينطلق إلا بقرينة، فيقال: شحم العينين ولا يقال له شحم على الإطلاق، وأما الدماغ فليس بشحم ولا لحم فلا يحنث باليمين بأحدهما بلا خلاف.
فرع آخر لو حلف لا يأكل رطبًا فأكل بسرًا لم يحنث، وكذلك إذا قال: لا آكل بسرًا فأكل رطبًا لم يحنث، ولو قال: لا آكل رطبًا ولا بسرًا فأكل طلعًا وملحًا لا يحنث؛ لأن لكل واحدٍ اسمًا ينفرد به.
فرع آخر لو قال: لا آكل رطبًا فأكل تمرًا، أو تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، وحكي أن أبا حنيفة قال: إذا حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا حنث؛ لأن الرطب تمر وزيادة، ولو قال: رطبًا فأكل تمرًا لم يحنث؛ لأن التمر ليس برطبٍ وهذا لا يصح؛ لأن الرطب [9/ ب] لا يسمى تمرًا كما لا يسمى التمر رطبًا.
فرع آخر لو قال: لا آكل رطبًا فأكل منصفًا، فإن أكل ما ترطب منه حنث، وإن أكل الذي لم يترطب منه ل يحنث، وإن أكل الجميع حنث؛ لأنه أكل ما يسمى رطبًا، هكذا ذكره جماعة من أصحابنا.
وقال بعضهم: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى رطبًا وإنما يسمى منصفًا

وهذا غلط؛ لأن معنى المنصف أن نصفه رطب ونصفه بسر، فإذا كان هذا معناه ينبغي أن يحنث بأكل ما هو رطب منه، ألا ترى أنه لو أكل بعض رطبة حنث؛ لأنه أكل ما هو رطب، كذلك هاهنا.
وقال في "الحاوي": إذا أكل جميعها فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: وهو قول الأكثرين يحنث بها في البسر والرطب لما فيه من بسرٍ ورطبٍ.
والثاني: وهو اختيار الاصطخري وابن أبي هريرة لا يحنث بها في البسر ولا في الرطب لخروجها في الإطلاق من اسم البسر والرطب.
والثالث: قاله أبو الفياض البصري، إن كان أكثرها بسرًا حنث في البسر دون الرطب، وإن كان أكثرها رطبًا حنث بها في الرطب دون البسر اعتبارًا بالأغلب.
فرع آخر لو قال: لا آكل رطبة فأكل منصفة لم يحنث؛ لأنها ليست برطبة.
ولو قال: لا آكل تمرة فأكل منصفة لم يحنث أيضًا لهذا المعنى.
فرع آخر لو قال: لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرًا، قال صاحب "الإفصاح": وهل يحنث بأكلها؟ فيه وجهان، والصحيح أنه لا يحنث، كالحنطة إذا طبخها ثم أكلها يحنث؛ لأن تغيره بغير صنعةِ أدميٍ وليس بشيء.
فرع آخر لو حلف: لا آكل خوخًا فأكله يابسًا، أو لا يأكل مشمشًا فأكله يابسًا ففي حنثه وجهان: أحدهما: لا يحنث لزوال الصفة.
والثاني: يحنث لبقاء الاسم بخلاف الرطب الذي يزول عنه الاسم.
فرع آخر لو حلف لا يأكل زبدًا فأكل لبنًا لم يحنث؛ لأن كل واحد منهما غير الآخر، وإن كان يستخرج منه، كما لو حلف لا يأكل دبسًا فأكل تمرًا، [10/ أ] وكذلك إن كان سمنًا لم يحنث، كما لو حلف لا يأكل تمرًا فأكل دبسًا.
وقيل: إذا أكل لبنًا في يمين الزبد فيه وجه آخر أنه يحنث؛ لأن فيه زبدًا وليس بشيء.
فرع آخر لو قال: لا آكل لبنًا فأكل زبدًا لا نص فيه، واختلف أصحابنا، قال أبو إسحاق: لا يحنث، لأن أحدهما غير الآخر.
وقال ابن أبي هريرة، وصاحب "الإفصاح": يحنث؛ لأن جميع ما يخرج من اللبن فهو لبن، وبه قال إبراهيم النخعي، وهو اختيار بعض مشايخ خراسان.
وقال ابن أبي هريرة: ولا يحنث باللبن في يمين الزبد؛ لأنه ليس

اللبن من الزبد، وهذا بالعكس أولى؛ لأن اللبن زبدًا.
وقال بعض أصحابنا: الصحيح أن يقال: إن كان فيه لبن ظاهر حنث، وإن كان مستهلكًا غير ظاهر لم يحنث، كما قلنا فيه إذا حلف لا يأكل سمنًا فعصد به.
فرع آخر لو أكل السمن في يمين اللبن لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأنه لا لبن في السمن.
وقيل: فيه وجهان؛ لأنه يستخرج من اللبن وليس بشيء.
وقال في "الحاوي": قياس قول ابن أبي هريرة أنه يحنث به لاشتراكهما في الصفة، وهو غلط.
فرع آخر لو أكل طيبًا أو رائبًا أو ماستًا أو لبئًا أو شيرازًا.
قال القاضي الطبري: يحنث في جميع ذلك.
ورأيت بعض أصحابنا توقف في الشيراز وليس فيه توقف عندي فإنه من أنواع اللبن، وعندي يحتمل أن يقال: لا يحنث به ولا باللباء والماست والرائب؛ لأنه لا يقع عليه اسم اللبن عرفًا وعادة ظاهرة.
فرع آخر لو أكل الجبن أو المصل.
قال القاضي الطبري: الذي عندي أنه لا يحنث؛ لأنه قد خرج من اسم اللبن بالصفة، كما لو حلف لا يأكل الدبس فأكل الناطف لم يحنث.
وحكي عن صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة أنهما قالا: لا يحنث؛ لأنه لبن مجمد كالشيراز والماست.
فرع آخر لو قال: لا آكل لبنًا فأكل ألبان الصيود [10/ ب] يحنث عند الشافعي رضي الله عنه.
وكذلك بكل مباح معهود كان أو غير معهود.
وقال ابن سريج: يحنث بالمعهود من ألبان النعم دون ألبان الصيد، كما لو قال في البيض: لا يحنث ببيض العصافير والحمام.
فرع آخر ألبان الخيل معهودة في بلاد الترك دون العرب، وألبان الأدميات معهودٌ في الصغار دون الكبار فيتغير به الحكم عند ابن سريج، والمذهب أن الكل سواء.
فرع آخر في الألبان المحرمة كألبان الأتان وجهان؛ أحدهما: يحنث اعتبارًا بالاسم.
والثاني: لا يحنث اعتبارًا بالشرع.
فرع آخر إذا حلف على الزبد فلا يكون لألبان الإبل زبد، فإن كان لألبان شيء من الصيود

فهو نادرٌ غير معتاد، فيحنث به عند الشافعي رضي الله عنه اعتبارًا بالاسم، ولا يحنث به على قول ابن سريج اعتباراً بالعرف.
فرع آخر لو حلف لا يأكل اللباء وهو أول لبن يحدث بالولادة بعد انقطاعه بالحمل إذا رأيت وقت الولادة، وفي حنثه بما حلب قبلها وجهان مخرجان من الوجهين فيما تقدم على الولادة من يوم النفاس هل يكون نفاسًا؟ فيه وجهان؟ فإن قلنا يكون نفاسًا لأن هذا لباءً، وإن قلنا لا يكون نفاسًا لأن هذا اللبن لباءً، وغاية اللباء بعد الولادة ثلاث حلبان، وربما زاد ونقص بحسب اختلاف الحيوان في القوة والضعف، وصفته ما خالف اللبن في لونه وقوامه، فإن لون اللباء يمين إلى الصفرة وهو أثخن من اللبن وهو عند الرعاة معروف.
فرع آخر لو قال: والله لا آكل فاكهة حنث بأكل ما يسمى فاكهة، ومن جملتها الرطب والعنب والرمان والتفاح والخوخ ونحو ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان وخالفه صاحباه، واحتج [11/ أ] بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمَّانٌ (68)﴾ [الرحمن: 68]، فأفردهما بالذكر ودليلنا أنه يسمى فاكهة بدليل أنه يسمى بائعه فاكهيًا، وموضع بيعه دار الفاكهة فيحنث به.
وأما الآية الكرية قلنا: أفردهما تخصصًا لأنهما أجلُ الفواكه، فهو كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، فأفردهما وإن كانا من جملة الملائكة.
فرع آخر لو أكل نبقًا أو توتًا يحنث، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو أكل رطبًا ذكرنا حكمه، وهو قول الجمهور.
وقال بعض أصحابنا: هو من الفاكهة في البلاد التي يقل فيها كبغداد، ولا يكون من الفاكهة في جميع الأمصار التي يكثر فيها كالبصرة.
وقيل: لا يحنث بالرطب أصلًا في وجهٍ.
فرع آخر الموز والبطيخ فاكهة؛ لأنه ينضج ويحلو، وهذا اختيار ابن سريج وجماعةٍ.
ومن أصحابنا من قال: لا يحنث به.
فرع آخر الزيتون هل يدخل في اسم الفاكهة؟ وجهان.
فرع آخر القثاء والخيار لا يكون فاكهةً لا تتغير عن كونها عند فسادها لو أكله يابسًا، فإن

انتقل من اسمه كالرطب يسمى تمرًا بعد يسبه وكالعنب يسمى زبيبًا لا يحنث بأكله، وقد خرج عن الفاكهة، وإن كان لا ينتقل عن اسمه كالتين والخوخ والمشمش ففي حنثه بأكله وجهان؛ أحدهما: يحنث به لبقاء اسمه.
والثاني: لا يحنث به لانتقاله عن صفته.
فرع آخر لو حلف لا يأكل أدمًا فأكل لحمًا أو جبنًا حنث.
وكذلك كل ما يؤتدم به في العادة سواء كان مما يصطبغ به أو لا يصطبغ، وبه قال محمد، وأحمد، ولو أكل تمرًا ففيه وجهان؛ أحدهما: يحنث.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يؤتدم به وإنما يؤكل قوتًا وحلاوة.
وقال أبو حنيفة: الأدم ما يصطبغ به كالخل والشيرج، فأما ما لا يصطبغ به كاللحم والجبن [11/ ب] والبيض والباذنجان فليس بأدم.
واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بأدمٍ ولحمٍ، فعطفت الأدم على اللحم فدل على افتراقهما.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم "سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية"، قال الأصمعي: الفاغية: نور الحناء.
وروي "سيد إدام أهل الدنيا اللحم، وسيد ريحان أهل الجنة الفاغية".
وعن صهيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللحم سيد الإدام في الدنيا والآخرة، والخبز سيد الطعام في الدنيا والآخرة" ونوعان أكرمهما الله تعالى في الدنيا والآخرة فجعلهما شرفًا لأهل الدنيا في دنياهم وزينة لأهل الآخرة في آخراهم الذهب والفضة.
وفي رواية عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فضل عائشة على النساء كفضل الخبز واللحم على سائر الإدام".
وروت حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللحم إدام".
وقد قال أبو حنيفة: يحنث بالملح الطيب.
وأما ما ذكروه فلا يصح التسمك به؛ لأنها ذكرته تأكيدًا وإن كان داخلًا في اسم الإدام.
وقال في "الحاوي": الأدم مشتق في استطابة أكل الخبز حتى يستمري، وهو أربعة أقسام: أحدهما: ما يكون إدامًا بحيث يأكله منفردًا، وهو ما يؤدم به في الأغلب من اللحم والسمك، والبيض واللبن.
والثاني: ما لا يكون إدامًا إذا انفرد ويصير إدامًا مع الخبز وهو يستأدم به في خصوص العرف دون عمومه كالعسل والدبس والتمر فلا يحنث به عند الانفراد، ويحنث إن أكله مع الخبز.
[12/ أ] وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سائلًا خبزًا وتمرًا، فقال: "هذا إدام هذا".
وروي عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم

أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة وقال: "هذه إدام هذه" فأكلها.
الثالث: ما لا يكون إدامًا ولا يحنث بأكله منفردًا ولا بالخبز، وهو الفواكه كلها؛ لأن اسم الإدام لا ينطلق عليها من عرف عام ولا خاص، والمستأدم بها خارج عن العرب.
والرابع: ما اختلف فيه لاختلاف أحواله، فتارة يؤكل قوتًا وتارة أدمًا كالأرز والباقلاء، فله في أكله ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يأكله مخبوزًا فقد صار بهذه الصفة قوتًا ولا يحنث به.
والثاني: أن يأكله مطبوخًا بخبز، فقد صار بهذه الصفة إدامًا يحنث بأكله.
والثالث: أن يأكله مطبوخًا منفردًا بغير خبز ففيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: يحنث بها اعتبارًا بصفته في الابتداء.
والثاني: لا يحنث به اعتبارًا بأصله من الأقوات.
والثالث: يعتبر عرف بلده، فإن كان في عرفهم إدامًا كأهل العراق حنث بأكله، وإن كان في عرفهم قوتًا كأهل طبرستان لم يحنث بأكله.
فرع آخر لو قال: لا أكلت قوتًا فالأقوات ما قامت به الأبدان وأمكن الاقتصار عليه وهو معتبر بالعرف، والعرف فيه ضربان؛ عرف شرع وعرف استعمال.
فأما عرف الشرع فهو منطلق على ما وجبت فيه زكاة العين فيحنث بأكله سواء دخل في عرف قوته أو خرج عنه؛ لأن عرف الشرع عام لعموم أحكامه، فيحنث بأكل التمر والزبيب وإن لم يكن من أقواته.
فأما عرف الاختيار كأهل البوادي يقتاتون ألبان الحيوان، أو سكان الجزاير يقتاتون لحوم السمك، وسكان قلل الجبال يقتاتون لحوم الصيد، فيحنث كل قوم منهم بأكل عرفهم في أٌواتهم ولا يحنثون بعرف غيرهم لخصوصه في عرفهم، ويحنثون بالعرف الشرعي لعمومه فيهم، ولا يحنث غيرهم بعرفهم لخصوصه فيهم.
وأما عرف الاضطرار [12/ ب] كأهل الفلوات يقتاتون الحشيش في زمان الجذب، فيحنثون في زمان الجذب بقوتهم في الجذب، وقوتهم في الخصب وهو الألبان، ويحنثون في زمان الخصيب بقوتهم في الخصب دون الجذب، ويكون عرف الزمان معتبرًا كما كان عرف المكان معتبرًا، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو حلف لا يأكل طعامًا حنث بكل مطعوم من الحلوى وغيره، ولا يحنث بأكل الدواء وإن كان مطعومًا؛ لأن اسم الطعام لا ينطلق عليه.
وقال في "المهذب": في الدواء وجهان؛ لأنه يجري فيه الدواء بقلة الطعم.
وحكي عن محمد أنه قال: لا يحنث إلا بأكل

الحنطة اعتبارًا باسمه عرفًا، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إسْرَائِيلَ إلاَّ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] فأطلق الاسم على كل مطعوم.
فرع آخر لو قال: لا أكلت الحلواء فأكل ما عصر بالسكر والعسل والدبس حنث، ولا يحنث بأكل السكر والعسل لأنه حلو وليس بحلواء.
فرع آخر لو قال: لا آكلت حلاوة يحنث بعلكها ولا يحنث بأكل الفواكه الحلوة.
ولو حلف لا يأكل شيئًا حلوًا حنث بالفواكه الحلوة أيضًا.
فرع آخر لو قال: لا أكلت لذيذًا فأكل ما يستلذه هو ولا يستلذه غيره حنث.
ولو أكل ما يستلذه غيره ولا يستلذه هو لم يحنث؛ لأنه غير مسلتذٍ فيما أكل.
فرع آخر لو قال: لا أكلت مستلذًا حنث بما يستلذه غيره أيضًا؛ لأن المستلذ من صفات المأكول في اللذيذ من صفات الأكل.
فرع آخر لو حلف لا شممت مشمومًا حنث بشم الياسمين والخزامى واللينوفر؛ لأن اسم المشموم يطلق على جميعه، ولا يحنث بشم الكافور، والمسك والعنبر لخروجهما عن اسم المشموم بأسمائها المفردة.
فرع آخر لو حلف لا شممت طيبًا حنث [13/ أ] بشم الكافور والمسك والعنبر، ولا يحنث بشم المشموم؛ لأنه ليس بطيب.
ولو قال: لا أشم مستطابًا حنث بكل هذا؛ لأنه مستطاب الرائحة.
فرع آخر لو حلف لا يشم الريحان، قال ابن سريج يحنث إذا شم الريحان الفارس الأخضر وهو الشاهسفرم، ولا يحنث بشم الورد والياسمين وغيرهما؛ لأنه ينطلق عليه اسم الريحان لما ذكرنا.
فرع آخر لو حلف لا يشم الورد فإنما يحنث بشم الورد الجوري الأحمر والأبيض دون غيره من الأوراد لما ذكرنا.
فرع آخر لو حلف لا يضرب امرأته فعضها أو نتف شعرها أو خنقها لم يحنث، ذكره ابن سريج.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يحنث، واحتجوا بأن الغرض باليمين أن يؤلمها، وما فعله مؤلم لها.
ودليلنا أنه لا يسمى ضربًا ولا يحنث به في اليمين على الضرب

كالشتم.
وأما [...] فيحصل بالشتم ولا يحنث به.
وحكي عن المزني أنه قال: أنا في هذا واقف، ولكن إن قلت لا يقع اسم الضرب على العض احتملت اللغة ذلك.
فرع آخر وإذا سبها أو شتمها لا يحنث بلا إشكال.
وقال مالك: يحنث بكل ما ألم قلبها من الأقوال والأفعال.
فرع آخر لو لكمها أو لطمها أو رضها، قال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: يحنث به؛ لأنه يقال: ضربه بيده وإن تنوعت أسماء الضرب.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اسم الضرب ينطلق على ما كان بآلة مستعملة فيه.
فرع آخر لو حلف لا يشرب الماء فشرب ماء البحر يحتمل وجهين: أحدهما: يحنث؛ لأنه ماء مطلق يجوز التوضاء به.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يُشرب عادة.
فرع آخر لو حلف لا يستخدم فلانًا فخدمه من غير أن يطلب خدمته لم يحنث، سواء كان عبده أو عبد غيره أو حرًا.
وقال أبو حنيفة: إذا كان عبد نفسه حنث؛ لأن سكوته وإقراره على الخدمة استخدام عليه، ودليلنا أن اليمين عقدها [13/ ب] على فعل نفسه وهو الاستخدام، فإذا خدمه العبد بنفسه من جهة فعلٍ لا مختارًا ولا مكرهًا لم يحنث، كما لو قال: لا فارقتكَ حتى أستوفي حقي منك ففرَّ الغريم منه لم يحنث.
وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأنه تقرير على الخدمة ولا يسمى استخدامًا.
فرع آخر لو حلف فقال: كل جارية أتسراها فهي حرة، ينظر فإن لم يكن له في ذلك الوقت جارية ثم اشترى جارية وتسراها لم تعتق؛ لأن عقد الصفة قبل وجود الملك، وإن كانت له جارية أو جوار انعقدت الصفة، فإذا تسرى بواحدة منهن عتقت وفي صفة التسري قال ابن سريج: فيه ثلاثة أوجةٍ: أحدهما: أن يحصنها الموطئ ويمنعها من الدخول والخروج، ويطأها أنزل أو لم ينزل، أحبل أو لم يحبل، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد.
والثاني: أن التسري هو الوطء حصن أو لم يحصن أنزل أو لم ينزل، وبه قال: [...]؛ لأنه مشتق من السرور، وذلك يكون بالجماع.
وقيل: مشتق من السر وهو

الجماع أيضًا.
وقيل: من السر وهو الظهر، فإنها صارت مركوبةً ممطاةً.
والثالث: وهو المنصوص عليه في اللعان والإيلاء، وأن التسري هو الوطء الذي يطلب به الولد، وهو أن يطأ وينزل أحبل أو لم يحبل؛ لأن هذا هو العادة في التسري، وبه قال أبو يوسف.
وقال القاضي الطبري: قال في "الإملاء": والتسري أن يطأ جاريته طالبًا للولد؛ وهو أن يطأ وينزل ولا يعزل سواء أحبلها أو لم يحبلها إذا كان مبتغيًا للولد.
لأن العرف أن من أعد سرية فإنما يتخذها لطلب الولد، فوجب حمله على مقتضى العرف، فالمذهب هو المنصوص.
ولأصحابنا وجهان آخران.
وقيل: نص في "الإملاء" أن التسري يحصل بثلاث شرائط؛ أن يسترها عن أعين الناس، وأن يطأها وينزل في فرجها؛ لأن كونها أسرى جواريه إنما يحصل باتخاذها للولد، وهو في هذا.
فرع آخر إذا حلف لا يصلي [14/ أ] فكبر ونوى الصلاة.
قال أصحابنا: حنث، وقال ابن سريج: إذا كبر وقرأ وركع حنث سجد أو لم يسجد واحتج بأنه قيل أن يركع لم يأت بمعظم الركعة، وإذا أتى بمعظمها فقام مقام كلها.
وقال أبو حنيفة: يحنث إذا أتى بسجدة؛ لأن الركعة لا يثبت لها حكم حتى يقيدها بسجدة وهذا لا يصح؛ لأنه يقال صلى إذا أحرم بالصلاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في إمامة جبريل عليه السلام: "وصلّى بي الظهر حين زالت الشمس"، وأراد: أحرم بي الصلاة، فإذا تناوله الاسم وجب أن يحنث.
وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأن عند أبي حنيفة الركعة الواحدة لا تكون صلاة بانفرادها، وعندنا من غير السجدتين والتشهد لا تكون صلاة، فإذا حنث ببعضٍ وجب أن يحنث بأولها؛ لأنه إبطال قول أبي حنيفة حيث اعتبر السجود.
فرع آخر إذا حلف لا يصوم فدخل في الصوم بالنية حنث؛ لأنه يسمى صائمًا به.
فرع آخر لو قال: والله لا أصلى صلاةً، لا يحنث بالدخول فيها حتى يصلي ركعتين ويسلم منها.
وقيل: فيه قول آخر يحنث إذا صلى ركعةً واحدةً ويسلم منها.
فرع آخر لو حلف لا يدخل بيتًا فدخل دهليز الدار لا يحنث؛ لأنه لا يراد الإيواء والسكني، بل يراد للممر والاجتياز، فلو دخل بيتًا في دارٍ حنث؛ لأن اسم البيت يقع عليه وإن كان من جملة الدار.
فرع آخر لو دخل صُفّةَ في دار لم يحنث، وقال أبو حنيفة: يحنث وهذا لا يصح؛ لأن اسم

البيت لا يقع على الصُفّة، كاسم الصُفّة لا يقع على البيت إذا حلف لا يدخل صُفة فدخل بيتًا لا يحنث.
فرع آخر لو قال: من بشرني بخبر زيدٍ من عبيدي فهو حر، فبشره واحدٌ بخبر سار لزيدٍ عتق، وإن بشره بخبرٍ مكروهٍ لزيد ففيه وجهان: أحدهما: يعتق؛ لأن البشارة مأخوذة من تغير البشرة، وقد تتغير بالمكروه كما تتغير بالسار.
والثاني: [14/ ب] أنه لا يعتق؛ لأن البشارة قد صارت في العرف للسار من الأخبار دون المكروه.
وقال صاحب "الحاوي": الصحيح أن ينظر حال الحالف مع زيد، فإن كان صديقًا له لم يعتق بالخبر المكروه، وإن كان عدوًا له عتق بالخبر المكروه؛ لأنه يسر فصار بشارة عنده.
فرع آخر لو بشره الجماعة في حالةٍ واحدةٍ أعتقوا جميعًا، ولو بشره جميع عبيده في حالةٍ واحدةٍ لم يعتق واحد منهم؛ لأنه قال: من بشرني من عبيدي يقتضي البعض دون الجميع.
فرع آخر لو قال: من بشرني بقدوم زيد من عبيدي فهو حرٌّ، فبشره واحد ثم آخر عتق الأول دون الآخر؛ لأن البشارة اسم لما تحصل به البشرى والسرور، وقد حصل ذلك بالأول دون الثاني، فإن جاء اثنان أو ثلاثة دفعةً واحدة فبشروه يعتق الكل ولا يعتق من جاء بعده.
ولو قال: من أخبرني بقدوم زيد فهو حر، فأخبره واحد فهو حر، فدخل واحدٌ أولًا ثم دخل آخر يعتق الأول دون الثاني، فإن دخل اثنان معًا ثم دخل ثالث لم يعتق واحدٌ منهم؛ لأن الاثنين لم يسبق أحدهما الآخر، والشرط أن يكون عبدًا هو أول ولم توجد هذه الصفة، والثالث لا يوصف بأنه أول.
فرع آخر لو قال: أول من يدخل الدار من عبيدي وحده فهو حر، فدخل اثنان معًا ثم دخل واحد بعدهما، يعتق الذي دخل بعدهما، لأنه أول من دخل الدار وحده.
فرع آخر لو دخل واحد ولم يدخل بعده، قال ابن سريج: يحتمل أن يقال: يعتق الأول؛ لأنه أول داخل.
ويحتمل أن يقال: لا يعتق؛ لأنه لا يكون أولًا إلا إذا كان له آخر والأول أصح، وحكي القاضي الطبري هذا الوجه الثاني عن ابن سريج، والوجه الأول عن سائر أصحابنا.
[15/ أ] فرع آخر لو قال: من سبق بدخول الدار من عبيدي فهو حرٌّ، فأيهم سبق بالدخول عتق ولم يعتق بعده.
ولو سبق بالدخول اثنان معًا ثم دخل بعدهما ثالث لم يعتقا؛ لأنه ليس فيهما سابق.

فرع آخر لو قال: آخر من دخل الدار من عبيدي فهو حرٌّ، فدخل واحدٌ ثم واحد لم يعتق واحد منهم حتى يموت السيد، فإذا مات عتق آخر عبدٍ دخل الدار قبل موته؛ لأن قوله: "آخر من دخل" أطلق في جميع من يدخل، فما دام هو حيًا لا يكون آخرًا لجواز أن يدخل بعده غيره وبالموت يتبين الآخر.
فرع آخر لو قال لعبده: إن لم أحج العام فأنت حر، ثم اختلف العبد والسيد فقال السيد: قد حججت، وقال العبد: ما حججت وقد عتقت، وأقام العبد بينة أن السيد رؤي يوم النحر بالكوفة.
قال ابن سريج: يعتق العبد؛ لأنه يستحيل في حكم العادة أن يكون حاجًا في هذه السنة، فحكم أنه لم يحج وعتق العبد.
فرع آخر إذا قال لعبدين له: إذا جاء الغد فأحدكما حر، ثم جاء الغد وهما في ملكه يعتق أحدهما لا بعينه ويرجع إليه في التفسير وهو ظاهر، فأما إذا باع أحدهما قبل مجيء الغد أو أعتقه أو وهبه وأقبضه، ثم جاء الغد قال محمد: يعتق الباقي عليه.
وقال ابن سريج: لا يعتق؛ لأنه أوقع عتقًا فيهما، قال: يجوز أن يتعين من غير تعينه، فينبغي أن يكون على صفةٍ بتعلق الحرية عند مجيء الغد بهما ثم يعتق هو أحدهما.
فإن باع أحد العبدين في يومه ثم اشتراه وجاء الغد وهما في ملكه، فإن قلنا: الصفة تعود بعود الملك فهو كالمسألة الأولى، وإن قلنا: لا تعود، فهو كالمسألة الثانية.
فرع آخر لو كانت المسألة بحالها نصف أحدهما في يومه، ثم جاء الغد وقع العتق مبهمًا في أحدهما لأنهما [15/ ب] جميعًا محل لوقوع العتق، ثم ينظر فإن عين العتق في العبد الكامل عتق كله، وإن عينه في الذي باع نصفه عتق النصف وسرى إلى الباقي إن كان مؤسرًا، وإن كان معسرًا لم يسر.
فرع آخر قال ابن سريج تفريعًا على هذا: إذا كان له عبدان فقال: إذا جاء الغد وأحدكما في ملكي فهو حر، ثم جاء الغد وهما في ملكه عتق أحدهما لا بعينه، فإن باع أحدهما أو مات أو أعتقه ثم جاء الغد لا يعتق عليه النصف الباقي؛ لأنه جعل الشرط مجيء الغد وأحدهما في ملكه، وهاهنا في ملكه نصف أحدهما.
فرع آخر لو قال لعبده وعبد غيره: أحدكما حرٌّ لم يعتق واحد منهما؛ لأن أحدهما لا يملك إعتاقه فلا يصح التخيير.
فرع آخر لو قال: لا كملت زيدًا فيسُميَ عمرًا ثم كلمه حنث؛ لأن اليمين تعلقت بنفسه دون اسمه.

فرع آخر إذا حلف لا يتكفل لفلانٍ بمال فتكفل بوجهه لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أحمد: يحنث بناءً على قوله: "إذا تعذر تسليم المكفول به يجب المال وصار ذلك كفالة"، قال: وهذا لا يصح؛ لأن الكفالة بالوجه كفالة ببدنه، وبدنه ليس بمال فلم يتناوله يمينه، وما ذكروه لا يسلم ولا يصح أيضًا؛ لأنه يلزمه المال لتعذر تسليمه لأن الكفالة كانت بالمال.
فرع آخر لو حلف لا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وبه قال أحمد: وقال أبو حنيفة: إن قرأ خارج الصلاة حنث؛ لأن القرآن كلام الله، فإذا قرأه فهو متكلم به وهذا لا يصح؛ لأن ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارج الصلاة كالإشارة.
فرع آخر إذا حلف لا يكلمه فصلى خلفه فسها فسبح أو كبر، قياس المذهب أنه يحنث.
وقال أبو حنيفة: إن كان في الصلاة لم يحنث، وإن كان خارجًا يحنث كما قال في القرآن وهذا لا يصح؛ لأن قارئ القرآن لا يسمى [16/ أ] متكلمًا بل يسمى قارئًا، ويسمى بالتسبيح متكلمًا.
فرع آخر لو حلف لا يكلم فلانًا فقرأ آية من القرآن فهم ذلك الرجل منها، مثل إن كان يدق الباب فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (46)﴾ [الحجر: 46] فإن قصده قراءة القرآن لم يحنث وإلا حنث.
فرع آخر لو حلف لا يكلم الناس فكلم واحدًا حنث، لأن الألف واللام للجنس، فإذا كلم واحدًا من الجنس حنث، كما لو قال: لا أكلت الخبز فأكل خبزًا حنث.
فرع آخر لو قال: لا أكلم ناسًا انصرف إلى ثلاثة أنفس.
فرع آخر لو حلف لا يكلمه فزجره بأن قال: تنح عني حنث.
وقال أبو حنيفة: إن زجره عقيب اليمين لم يحنث، وإن قال بعد ذلك حنث.
وكذا الخلاف إذا قال: لا كلمتك فاذهب أو فقم.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قال لزوجته: والله لا كلمتك فاذهبي لا يحنث إلا أن ينوي بقوله فاذهبي الطلاقَ؛ لأنه إذا نوى به الطلاق كان كلامًا مستأنفًا لا يتعلق بالأول، بخلاف ما لو لمم ينو به الطلاق؛ لأنه يكون تمام الكلام، وهذا لا يصح؛ لأن قوله: قومي كلام منه لها حقيقة، فإذا وجد منه بعد يمينه حنث به، كما لو كان قد فصله.

فرع آخر لو قال رجل لرجلٍ: كلم زيدًا اليوم، وقال: والله لا كلمته، فإن يمينه على الأبد إلا أن ينوي اليوم، فإن كان ذلك في الطلاق وقال: نويت اليوم لم يقبل في الحكم.
وقال أصحاب أبي حنيفة: تكون يمينه على اليوم ودلالة الحال خصت ذلك، إلا أن يطول الكلام مثل أن يقول: ما أتيتني في منزلي وقد أتيتك في منزلك غير مرة، فيقول: والله لا أتيتك فإن هذا يكون على اليوم؛ لأن الكلام طال وهذا لا يصح؛ لأن يمينه مطلقة فوجب أن تكون على التأبيد، كما لو ابتدأ بها أو طال الكلام.
فرع آخر لو قال: لا لبست حُليًا، قال أبو حنيفة: لا يحنث باللؤلؤ [16/ ب] حتى تمزج بذهبٍ أو فضةٍ وعندنا يحنث به؛ لأنه حُليٌ، قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: 23].
فرع آخر لو تحلى بالخرز والصفر، فإن كان في عرفهم حُليًا كأهل البوادي وسكان السواد يحنث وإلا فلا يحنث.
وقيل: هل يحنث به غيرهم؟ فيه وجهان كما قلنا في بيوت الشعر ورؤوس الصيد.
فرع آخر لا فرق في الحنث بين مباحه ومحظوره، ويحنث بلبس الخاتم ذهبًا كان أو فضة.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث إن كان من فضة، ويحنث إن كان من ذهب؛ لأن الذهب غير مألوفٍ والفضة مألوفة، وهذا لا يصحٍ؛ لأن مألوفه وغيره سواء كالإسورة والأطواق.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تحلى خاتمًا من ذهبٍ ثم نزعه.
فرع آخر لو لبس ثوبًا منسوجًا بالذهب لا يحنث؛ لأنه باسم الثوب أخص منه باسم الحلي.
وكذلك لو تقلد بسيف محلي؛ لأن السيف ليس بحلي وإن كان على حلٌي.
فرع آخر لو لبس منطقةً محلاةً بذهب أو فضةٍ فيه وجهان، أحدهما: يحنث بها؛ لأنها من حلي الرجال.
والثاني: لا يحنث بها؛ لأنها من الآلات المحلاة كالسيف.
فرع آخر لو حلف لا يلبس قلنسوة فلبسها في رجله لم يحنث؛ لأن اليمين تقتضي لبسًا متعارفًا وهذا غير متعارف.

جارٍ التحميل