بحر المذهب للرويانيصفحات 358-397

قال في الحاوي: أما اليمين فهي القسم، سمي يمينًا، لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه.
والأصل في الأيمان قول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة 224]. أما العرضة في كلام العرب، ففيها وجهان: أحدهما: أنها القوة، والشدة.
والثاني: أن يكثر ذكر الشيء حتى يصير عرضة له، ومنه قول الشاعر: فلا تجعلني عرضة للوائم وأما العرضة في الأيمان، ففيها تأويلان: أحدهما: أن يحلف بها في كل حق وباطل، فيبتذل اسمه، ويجعله عرضة.
والثاني: أن يجعل يمينه علة يتعلل بها في بره، وفيها وجهان: أحدهما: أن يحلف: لا يفعل الخير، فيمتنع منه لأجل يمينه, والثاني: أن يحلف: ليفعلن الخير، فيفعله لبره في يمينه لا للرغبة في ثوابه.
وفي قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: 224] تأويلان: أحدهما: أن تبروا في أيمانكم.
والثاني: أن تتقوا الخبث ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ [آل عمران: 121] لأيمانكم ﴿عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 109] بافتقاركم.
وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]. واللغو في كلام العرب هو ما كان قبيحًا مذمومًا، وخطًا مذمومًا مهجورًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55].
وفي لغو الأيمان سبعة تأويلات، وقد أفرد الشافعي لذلك بابًا يذكر فيه، وفي ترك المؤاخذة به وجهان:

أحدهما: لا يؤاخذ فيه بالكفارة.
والثاني: لا يؤاخذ فيه بالإثم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225] تأويلان: أحدهما: ما قصدتم من الأيمان.
والثاني: ما اعتمدتم من الكذب ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ [آل عمران: 31] لعباده فيما لغوا من أيمانهم ﴿حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263] في ترك معاجلتهم بالعقوبة على معاصيهم.
وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
وعقدها هو لفظ باللسان، وقصد بالقلب، لأن ما لم يقصده من أيمانه هو لغو لا يؤاخذ له.
وفي تشديد قوله: ﴿عَقَّدْتُمْ﴾ [المائدة: 89] تأويلان: أحدهما: تغليظ المأثم بتكرارها.
والثاني: أن تكرارها في المحلوف عليه إذا كان واحدًا لم يلزم فيه إلا كفارة واحدة.
ثم قال تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) [المائدة: 89].
فيه وجهان: أحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان، قاله الحسن، وقتادة.
والثاني: أنها كفارة الحنث بعد عقد الأيمان، ولعله قوله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن يعتبر حال اليمين في عقدها وحلها، فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون عقدها طاعة، وحلها معصية.
كقوله: والله لا صليت ولا صمت.
فإذا حنث بالصلاة والصيام كانت الكفارة لتكفير مأثم اليمين دون الحنث.
والثالثة: أن يكون عقدها مباحًا، وحلها مباحًا.
كقوله: والله لا لبست هذا الثوب، ولا دخلت هذه الدار.
فالكفارة تتعلق بهما، وهي بالحنث أحق، لاستقرار وجوبها به.
وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] وفيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: أحفظوها أن يحلفوا.
والثاني: أحفظوها أن تحنثوا.

والثالث: (احفظوها) لتكفروا.
والسنة ما رواه أبو أمامة الحارثي، وهو إياس بن ثعلبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من اقتطع بيمينه مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار".
قيل: "وإن كان شيئًا يسيرًا، قال وإن كان سواكًا من أراك" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، ويكفر عن يمينه".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليمين حنث أو مندمة".
وقد حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فقال: "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا".
وروي أنه قال: "إن شاء الله".
وروى أنه كان إذا أراد أن يحلف قال: "لا والذي نفس محمد بيده" وروي أنه كان يقول: "لا ومقلب القلوب".
فإذا تقرر هذا، فعقد اليمين موضوعة لتحقيق المحلوف عليه إن كان ماضيًان أو لالتزامه إن كان مستقبلاً.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة".
قال في الحاوي: اعلم أن الأيمان معقودة بمن عظمت حرمته، ولزمت طاعته وإطلاق هذا مختص بالله تعالى، فاقتضى أن يكون اليمين مختصة بالله جلت عظمته، وله أسماء وصفات.
فأما أسماؤه فأخصها به قولنا: الله، لأن أحدًا لم يتسم به، وقد قيل: إنه اسمه

الأعظم، وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: 65].
أي: من يتسمى باسمه الذي هو: الله؟ والثاني: فيه هل تعلم له شبيهًا؟ واختلفوا في هذا الاسم، هل هو علم لذاته، أو اسم مشتق من صفاته على قولين: أحدهما: أنه اسم علم لذاته غير مشتق من صفاته، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات، فلم يجد بدًا من اختصاصه باسم ذات يكون علمًا، لتكون أسماء الصفات تبعًا، وهذا قول الخليل والفضل.
والثاني: أنه اسم مشتق من "أله" صار بناء اشتقاقه عند حذف همزة، وتفخيم لفظة: الله، فالحالف بهذا الاسم حالف بيمين منعقدة لا يرجع فيها إلى إرادة الحالف به، وسواء قيل: إنه اسم علم لذاته، أو مشتق من صفاته، لأنه لا ينطلق على غيره.
وفي معنى الحلف بهذا الاسم أن تقول: والذي خلقني، أو والذي صورني، فتنعقد به يمينه، لأن الذي خلقه وصوره هو الله، فصار كقوله: والله، لا يكون هذه يمينًا باسم مكني، لأنه صريح لا يحتمل غيره.
وهكذا لو قال: والذي أصلي له، أو أصوم له، أو أزكي له، أو أحج له، انعقدت يمينه كقوله: والله، لأن صلاته وصيامه وزكاته وحجه لله لا لغيره.
فصل: فأما غير هذا الاسم العلم من أسمائه تعالى، فينقسم ثمانية أقسام: أحدهما: ما يجري في اختصاصه به مجرى العلم من أسمائه، وهو: الرحمن، فيكون المحالف به كالحالف بالله لأمرين: أحدهما: أنه ليس يتسمى به غيره من خلفه، ولئن طغى مسيلمة الكذاب، فتسمى: رحمان اليمامة، فهي تسمية إضافة لم يطلقها لنفسه، فصار كمن لم يتسم به.
والثاني: أنه تعالى أضاف إلى هذا الاسم ما اختص به من قدرته، وتفرد به من خلقه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، فأجراه مجرى العلم من أسمائه الذي هو الله.
واختلف فيه أهل اللغة هل هو اسم علم أو صفة؟ على وجهين: أحدهما: أنه اسم عربي مشتق من صفته بالرحمة.
واختلفوا في هذه الرحمة المشتق منها الرحمن هل هي رحمة تفرد بها، أو توجد في العباد مثلها على وجهين: أحدهما: أنها رحمة توجد في العباد مثلها، واختصاصه مثلها باشتقاق لفظ المبالغة

في الرحمة، ومشاركته لخلقه في الرحيم، فلذلك كان الرحمن مختصًا به، والرحيم مشتركًا.
والثاني: أنه مشتق من رحمة تفرد الله بها دون خلقه، وفي هذه الرحمة التي تفرد بها وجهان: أحدهما: أنها رحمته لأهل السماء والأرض، فيكون مشتقًا من رحمة هي صفة لذاته، لأنه مستحق لهذه الصفة قبل خلقهم.
والثاني: أنها صفة للرحمة: فيكون مشتقًا من رحمة هي صفة لفعله، لأنه مستحق لهذه الصفة بعد خلق الرحمة.
وعلى كلا الوجهين تكون اليمين بهذا الاسم منعقدة في أهل الملل وغيرهم، كانعقادها بالله سواء قيل اشتقاقه من صفة ذاته، أو صفة فعله، لأنها يمين بالاسم دون الصفة.
فصل: والقسم الثاني: من أسمائه ما اختص باسم المعبود دون العبد، وهو الإله، أجمعوا على أنه اسم اشتقاق، واختلفوا فيما اشتق منه على وجهين: أحدهما: أنه مشتق من الوله، لأن العباد يألهون إليه أي: يدعون إليه في أمورهم.
والثاني: أنه مشتق من الألوهية وهي العبادة من قوله: فلان يتأله أي: يتعبد.
واختلف على هذين الوجهين هل اشتق اسم الإله من فعل الوله والعبادة أو من استحقاقها على وجهين: أحدهما: أنه اشتق من فعلها، فعلى هذا يكون مشتقًا من صفات أفعاله.
والثاني: أنه مشتق من استحقاقها، فعلى هذا يكون مشتقًا من صفات ذاته، وعلى كلا الوجهين يكون الحالف بالإله منعقد اليمين في الظاهر والباطن إن كان من أهل الملل، لأن جميع أهل الملل ليس لهم إله غير الله، وإن كان من غير أهل الملل من عبدة الأصنام، انعقد به اليمين في الظاهر، وكان في الباطن موقوفًا على إرادته، لأنهم يجعلون هذا الاسم مشتركًا بين الله تعالى وبين أصنامهم التي يعبدونها.
فصل: والقسم الثالث: من أسمائه ما اختص إطلاقه بالله تعالى، وكان في الإضافة مشتركًا، وهو الرب، اسم مأخوذ من صفة، اختلف فيها على أربعة أوجه.
أحدها: أنه مأخوذ من المالك، كما يقال: رب الدار أي مالكها.
والثاني: أنه مأخوذ من السيد، لأن السيد يسمى ربًا قال الله تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: 41].
يعني سيده.

والثالث: أنه الرب المدبر، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: 44].
وهم العلماء سموا ربانيين، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم وقيل: ربة البيت، لأنها تدبره.
والرابع: أن الرب مشتق من التربية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23].
فسمى ولد الزوجة ربيبة، لتربية الزوج لها، فعلى هذا إن قيل: إن صفة الله تعالى بأنه رب، لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته.
وإن قيل: لأنه مدبر لخلقه أو مربيهم، فذلك صفة من صفات فعله، وصفات ذاته قديمة، وصفات فعله محدثة، وهما في اشتقاق الاسم منه على السواء، لأنه يكون حالفًأ بالاسم دون الصفة، وإن كانت اليمين بالصفتين مختلفة، تنعقد بصفة الذات لقدمها، ولا تنعقد بصفة الفعل، لحدوثها.
فإذا تقرر اشتقاقه انقسمت اليمين به أربعة أقسام: أحدها: ما يكون به حالفًا في الظاهر والباطن، وهو أن يصفه بما لا يستحقه إلا الله تعالى، وهو أن يقول: رب العالمين، أو رب السموات والأرضين، فهذا حالف به في الظاهر والباطن، لأنه وصفه بما اختص الله تعالى به دون غيره، فإن قال: أردت غير الله لم يقبل منه.
والقسم الثاني: ما يكون به حالفًا في الظاهر، ويجوز أن يكون غير حالف به في الباطن، وهو أن يقول: والرب، فيدخل عليه الألف واللام، ولا يعرفه بصفة، فيكون حالفًا به في الظاهر، فإن قال: أردت به رب الدار، دين في الباطن، ولم يكن به حالفًا لاحتماله، وكان حالفًأ به في الظاهر لإطلاقه.
والقسم الثالث: ما لا يكون به حالفًا في الظاهر، ويجوز أن يكون حالفًا به في الباطن، وهو أن يقول: ورب هذه الدار، فلا يكون حالفًا في الظاهر، لأنه في العرف إشارة إلى مالكها، فإن قال: أردت به خالقها، وهو الله تعالى، كان حالفًا.
والقسم الرابع: ما اعتبر به عرف الحالف، وهو أن يقول: وربي، فإن كان من قوم يسمون السيد في عرفهم ربًا، لم يكن حالفًا في الظاهر إلا أن يريد به الله تعالى، فيصير به حالفًا، وإن كان من قوم لا يسمون الرب في عرفهم إلا الله تعالى كان حالفًا في الظاهر إلا أن يريد به الله تعالى، فلا يكون حالفًا في الباطن اعتبارًا بالعرف في الحالين، قال الله تعالى: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) [يوسف: 41].
يعني سيده.
وحكي عن إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99].
يعني الله تعالى: فكان الرب في إبراهيم ويوسف مختلفًا في المراد به لاختلافهم في العرف.
فصل: والقسم الرابع من أسمائه تعالى: ما كان إطلاقه مختصًا بالله تعالى في الظاهر،

واختلف في جواز العدول به عن الباطن على وجهين، وهو ثلاثة أسماء: القدوس، والخالق، والبارئ.
فأما القدوس: فهو اسم من أسماء الله تعالى مختص به في العرف، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه المبارك، قاله قتادة.
والثاني: أنه الظاهر، قاله وهب بن منبه.
والثالث: أنه المنزه من القبائح.
والرابع: أنه اسم مشتق من تقديس الملائكة، فإذا حلف بالقدوس كان كالحالف بالله تعالى في الظاهر، فإن عدل به عن الباطن إلى غيره، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا في الظاهر والباطن، إذا قيل: إن معناه المبارك أو الطاهر.
والثاني: لا يجوز، ويكون حالفًا، ويكون ظاهرًا في الظاهر والباطن إذا قيل: إنه مشتق من تقديس الملائكة، وإنه المنزه من جميع القبائح.
وأما الخالق: فمن أسمائه، وفي معناه وجهان: أحدهما: أنه المحدث للأشياء على إرادته.
والثاني: أنه المقدر لها بحكمته، فإذا حلف بالخالق كان حالفًا في الظاهر، فإن عدل به في الباطن إلى غيره من المخلوقين، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا في الباطن، إذا قيل: إن معناه المقدر للأشياء بحكمته.
والثاني: لا يجوز، ويصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المحدث للأشياء على إرادته.
وأما البارئ: فمن أسمائه تعالى، وفي معناه وجهان: أحدهما: أنه المنشئ للخلق.
والثاني: أنه المميز للخلق، فإذا حلف بالبارئ كان حالفًا في الظاهر، فإن عدل به في الباطن إلى غيره، فعلى الوجهين: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المميز للخلق.
والثاني: لا يجوز، ويصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المنشئ للخلق.
فصل: والقسم الخامس من أسمائه: ما كان إطلاقه مختصًا بالله تعالى في الظاهر، وجاز أن يعدل به إلى غيره في الباطن وجهًا واحدًا.
أحدهما: المهيمن.

والثاني: القيوم.
فأما المهيمن فهو من أسمائه في العرف، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه الشاهد: قاله قتادة.
والثاني: أنه الأمين، قاله الضحاك.
والثالث: أنه المصدق، قاله عبد الرحمن بن زيد.
والرابع: أنه الحافظ.
فإذا حلف بالمهيمن كان حالفًا بالله تعالى في الظاهر، فإن عدل به إلى غيره من الباطن جاز، ولم يكن حالفًا.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إني داع فهيمنوا، أي قولوا آمين حفظًا للدعاء، فسمى القائل أمين مهيمنًا، وقد قال الشاعر في أبي بكر رضي الله عنه: ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرف والنكر يعنى: الحافظ للناس بعده.
وأما القيوم: فمن أسمائه، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه القائم بتدبير خلقه.
والثاني: أنه القائم بالوجود.
والثالث: أنه القائم بالأمور.
والرابع: أنه اسم مشتق من الاستقامة.
فإذا حلف بالقيوم كان حالفًا بالله في الظاهر، فإن عدل به إلى غيره في الباطن جاز، ولم يكن حالفًا، لأن معانيه يجوز أن تكون مستعملة في غيره.
فصل: والقسم السادس: من أسمائه ما كان إطلاقه مختصًا بغيره في الظاهر، وإن كان من أسمائه في الباطن، وهو: المؤمن، والعالم، والكريم، والسميع، والبصير.
فهذه، وإن كانت من أسماء الله تعالى، فقد صارت في العرف مستعملة في غيره من المخلوقين.
فإذا حلف بأحدها لم يكن حالفًا بالله تعالى في الظاهر، إلا أن يريد بها الله تعالى في الباطن، فيصير بها حالفًا، ولو كثر استعمالها في الله تعالى، وقل استعمالها في المخلوقين، صار حالفًا بها في الظاهر دون الباطن.
فصل: والقسم السابع: من أسمائه ما كان إطلاقه في الظاهر مشتركًا بين الله تعالى وبين خلقه على سواء كالرحيم، والعظيم، والعزيز، والقادر، والناصر، والملك، فيرجع فيها

إلى إرادة الحالف بها، فإن أراد بها أسماء الله تعالى كان حالفًا بها، وإن أراد بها أسماء المخلوقين لم يكن حالفًا بها، وإن لم تكن له إرادة، ففيها وجهان: أحدهما: يكونه حالفًا بها تغليبًا لأسماء لله تعالى، لأن المقصود به الأيمان في الغالب.
والثاني: أنه لا يكون حالفًا، لأنها مع تساوي الاحتمال فيه تصير كناية لا يتعلق بها مع فقد الإرادة حكم، فلو كثر استعمالها في أسماء الله، وقلت في المخلوقين صار حالفًا بها في الظاهر دون الباطن كالقسم الخامس، ولو كثر استعمالها في المخلوقين، وقل استعمالها في الله تعالى لم يكن حالفًا بها في الظاهر، وإن جاز أن يكون حالفًا بها في الباطن كالقسم السادس.
فصل: والقسم الثامن من أسمائه: الجبار، والمتكبر، فإن خرج مخرج المدح والتعظيم، كان مختصًا بالله تعالى، وإن خرج مخرج الذم، كان مختصًا بالمخلوقين، وهو اسمان: الجبار والمتكبر، لأنهما في صفات الله تعالى مدح، وفي صفات المخلوقين ذم، فيصير بهما حالفًا إن خرجا مخرج المدح، لاختصاص الله تعالى بالمدح بها، ولا يصير بهما حالفًا إن خرجا مخرج الذم لانتفائه في صفاته.
فهذه ثمانية أقسام تعتبر بها أسماء الله تعالى، إذا حلف بها فيحمل جميع ما جاء به الأثر من أسمائه عليها، فإنه لا يخرج من أحدها.
فصل: فأما صفات الله تعالى فضربان: أحدهما: صفات ذاته.
والثاني: صفات أفعاله.
فأما صفات ذاته فقديمة لقدم ذاته، وذلك مثل قوله: وقدرة الله، وعظمة الله، وجلال الله، وعزة الله، وكبرياء الله، وعلم الله، لأنه نزل على هذه الصفات ذا قدوة، وعظمة، وجلال، وعزة، وكبرياء، وعلم فجرت هذه الصفات اللازمة لذاته مجرى الموصوف، فجرى عليها حكم أسمائه في انعقاد اليمين بها في وجوب الكفارة فيها.
وقال أبو حنيفة: إذا حلف بعلم الله لم يكن يمينًا، وأجراها مجرى معلومه، ولو حلف بمعلوم الله لم يكن يمينًا، كذلك إذا حلف بعلمه.
وهذا فاسد، لأن العلم من صفات ذاته، فانعقدت به اليمين كالقدرة والعظمة، والفرق بين العلم والمعلوم أن المعلوم منفصل عن ذاته، والعلم متصل بها وأما صفات أفعاله فهي محدثة غير لازمة كقوله: "وخلق الله، ورزق الله، فلا يكون حالفًا بها لخلوها منه قبل حدوثها، واليمين بالمحدثات غير منعقدة كذلك ما كان محدثًا من صفات أفعاله.

فأما أمانة الله فهي كصفات أفعاله لا ينعقد بها يمين إلا أن يريد اليمين، وأجراها أبو حنيفة مجرى صفات ذاته، فعقد بها اليمين، وأوجب فيها الكفارة.
ودليلنا هو أن أمانة الله فروضه التى أمر بها عبيده، وأوجب عليهم فعلها قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: 72].
وقد كان علي بن أبي طالب - عليه السلام - إذا دخل عيله وقت الصلاة اصفر مرة، واحمر مرة، وقال: أتتنى الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملتها أنا، فلا أدري أسيء فيها أو أحس.
وإذا كان كذلك دل على أن الأمانة الله محدثة، فلم يلزم بها الكفارة.
فإن قيل: معنى أمانة الله أنه ذو أمانة، وذلك من صفات ذاته.
قيل: يحتمل أنه يريد بأمانة الله أنه ذو أمانة، فيكون من صفات ذاته، ويحتمل أن يريد بها فروض الله، فتكون من صفات أفعاله، فلم تنعقد به اليمين مع احتمال الأمرين إلا أن يريد بها اليمين، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ومن حلف بغير الله فهى يمين مكروهة وأخشى أن تكون معصية لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر يحلف بأبيه فقال عليه السلام ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فقال عمر: والله ما حلفت بها بعد ذاكرًا ولا آثرًا".
قال في الحاوي: وهو كما قال: اليمين بغير الله من المخلوقات كلها مكروهة، سواء حلف بمعظم كالملائكة، والأنبياء، أو بغير معظم، لرواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أدرك عمر بن الخطاب وهو يسري في ركب، وحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت".
وروى الشافعي عن سفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: نبي الله عمر يحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فوالله ما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا، وفيه تأويلان: أحدهما: يعني: عامدًا ولا ناسيًا.
والثاني: معتقدًا لنفس، ولا حاكيًا عن غيري.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وفيه تأويلان:

أحدهما: فقد أشرك بين الله وبين غيره في التعظيم، وإن لم يصر من المشركين الكافرين.
والثاني: فقد أشرك بالله، فصار كافرًا به إن اعتقد لزوم يمينه بغير الله كاعتقاد لزومها بالله.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلف بغير الله، فقال للأعرابي: "... وأبيه إن صدق دخل الجنة"، وقال لأبي العشراء الدارمي: "وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزاك"، فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يخرج مخرج اليمين، وإنما كانت كلمة تخف على ألسنتهم في مبادئ الكلام.
والثاني: أنه يجوز أن يكون ذلك في صدر الإسلام قبل النهي.
وقول الشافعي: "وأخشى أن يكون معصية".
هي في استحقاق الوعيد، لأنه ليس كل مكروه يستحق عليه الوعيد.
فصل: فإذا ثبت أن اليمين بغير الله مكروهة، فهي غير منعقدة، ولا يلزم الوفاء بها، ولا كفارة عليه إن حنث فيها، وهو كالمتفق عليه، وهكذا إذا حلف بما يحظره الشرع كقوله: إن فعلت كذا وكذا فأنا بريء من الله، أو كافر به، أو خارج من دين الإسلام، أو فأنا يهودي، أو وثني لم تنعقد يمينه، ولم يزم بالحنث فيها كفارة، وبه قال مالك والأوزاعي، وجمهور الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: وصاحباه، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق تنعقد يمينه وتلزم الكفارة إن حنث استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]، فكان على عمومه.
وربما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين، ورأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" ولم يفرق.
وبما روى ثابت بن الضحاك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بملة غير ملة الإسلام كاذبًا، فهو كما قال، فإن كان صادقًا لم يرجع إلى الإسلام سالما" فجعلها يمينًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91].
فدل على لزومها، ولأن لزوم اليمين بالله لتوكيد حرمتها وحظر مخالفتها، وهذا المعنى موجود فيما عقده من

الكفر بالله تعالى، والبراءة منه، ومن الإسلام، فوجب أن يستويا في اللزوم وفي الكفارة، ولأن البراءة من الله أغلظ مأثمًا، وأشد حظرًا من الحلف بالله، فلما انعقدت اليمين، ولزم التكفير في أحق المآثمين كان لزومها في أغلظهما أولى.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: 53].
فجعلها غاية الأيمان وأغلظهما، فلم تتغلظ اليمين بغير الله.
وروى محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله، إلا وأنتم صادقون".
وهذا نص.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله".
وروي أنه قال: "فقد أشرك" فدل على سقوط الكفارة في اليمين بغير الله؟ ولأنه حلف بغير الله؟ فوجب أن لا تلزمه كفارة؟ كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان أو شارب خمر أو قاتل نفس، ولأنه حلف بمخلوق يحدث لأن اعتقاد الكفر وبراءته من الإسلام محدث، فوجب أن لا تلزمه كفارة، كما لو حلف بالسماء والأرض والملائكة والأنبياء، ولأنه منع نفسه من فعل بأمر محظور، فوجب أن لا تكون يمينًا توجب التكفير، كما لو قال: إن كلمت زيدًا فأنا فاسق، أو فعلي قتل نفس أو ولدي.
فأما الجواب عن عموم الآية والخبر فهو أن إطلاقها محمول على اليمين بالله، لأنها اليمين المعهودة، في عرف الشرع والاستعمال.
وأما الجواب عن حديث ثابت بن الضحاك مع حفصة فهو أن يكون دليلاً لنا أشبه من أن يكون دليلاً علينا؟ لأنه لما لم يصر بالحنث خارجًا من الإسلام دل على أنه خرج مخرج الزجر كما قال: "من قتل عبدًا قتلناه".
جعل الوعيد يوجب يمينه دون الكفارة ولو وجبت لأبانها.
وأما الجواب على استدلالهم توكيد حرمتها، وحظر مخالفتها، فهو أنه لا حرمة لهذه اليمين لحظرها وتحريمها، ولأن الحظر إنما توجه إلى التلفظ بها، فلم يبق للحظر، والتحريم حرمة من الالتزام والتكفير.
وأما الجواب عن استدلالهم بتغليظ البراءة من الله، فهو أن البراءة من الله كفر، ولا يجب بالكفر تكفير كالمرتد، والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وأكره الأيمان على كل حال إلا فيما كان لله عز وجل طاعة ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فالاختيار أن يأتي الذي هو خير ويكفر لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك".
قال في الحاوي: اعلم أن الأيمان بالله ضربان: أحدهما: ما كان على ماض والكلام فيه يأتي.
والثاني: ما كان على فعل مستقبل، وهو على خمسة أقسام.
أحدها: ما كان عقدها، والمقام عليها طاعة، وحلها والحنث فيها معصية، وهو أن يحلف على فعل الواجبات كقوله: والله لأصلين فرضي؟ ولأزكين مالي، ولأصومن شهر رمضان، ولأحجن البيت الحرام، فقعدها والمقام عليها طاعة، لأنها تأكيد لفعل ما فرضه الله تعالى عليه، وحلها والحنث فيها بأن لا يصلي ولا يزكي، ولا يصوم، ولا يحج معصية، لأنه ترك لمفروض، وهكذا لو حلف أن لا يفعل محظورًا محرمًا كقوله.
والله لا زنيت ولا سرقت ولا قتلت ولا شربت خمرًا ولا قذفت محصنًا، كان عقدها باجتناب هذه المعاصي طاعة، وحلها بارتكاب هذه المعاصي معصية.
والثاني: ما كان عقدها والمقام عليها معصية، وحلها والحنث فيها طاعة، وهو قوله: والله لا صليت ولا زكيت ولا صمت ولا حججت، فعقدها، والمقام عليها بأن لا يصلي ولا يزكي معصية، لأنه ترك فيها مفروضًا عليه، وجلها والحنث فيها بأن يصلي ويزكي طاعة؛ لأنه فعل مفروضًا عليه.
وهكذا لو حلف على فعل المحظورات فقال: والله لأزنين ولأشربن خمرًا ولأسرفن ولأقتلن كان عقدها والمقام عليها بالزنا والسرقة وغير ذلك معصية، وحلها والحنث فيها طاعة بأن لا يزني ولا يشرب.
والثالث: ما كان عقدها والمقام عليها مستحبًا، وحلها والحنث فيها مكروهًا وهو قوله: والله لأصلين النوافل، ولأتطوعن بالصدقة، ولأصومن الأيام البيض، ولأنفقن على الأقارب، وما أشبه ذلك من الخيرات فعقدها والمقام عليها بفعل ذلك مستحب، وحلها والحنث فيها بترك ذلك مكروه.
والرابع: ما كان عقدها والمقام عليها مكروهًا وحلها والحنث فيها مستحبًا، وهو عكس ما قدمناه فيقول: والله لا صليت نافلة، ولا تطوعت بصدقة ولا صيام، ولا أنفقت على ذي قرابة، ولا عدت مريضًا، ولا شيعت جنازة فعقدها والمقام عليها مكروه، وحلها والحنث فيها بفعل ذلك مستحب، قد خلف أبو بكر أن لا يبرأ مسطح، وكان ابن خالته

لأنه تكلم في الإفك، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿ولا يَاتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى﴾ [النور:22] إلى قوله: ﴿أَلا تُحِبونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:22] فقال أبو بكر: بلى يا رب، فبره وكفر.
والخامس: أن يحلف على فعله مباح وتركه مباح، كقوله: ولله لا دخلت هذه الدار ولا لبست هذا الثوب، وأكلت هذا الطعام فعقدها ليس بمستحب واختلف أصحابنا هل هو مباح او مكروه؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن عقدها مباح، وحلها مباح، لانعقادها على ما فعله مباح، وتركه مباح.
والثاني: وهو ظاهر كلامه هاهنا، أن عقدها مكروه، وحلها مكروه؛ لأنه قال: وأكره الأيمان على كل حال، فيكون عقدها مكروهًا؛ لأنه ربما عجز عن الوفاء بها، وحلها مكروه؛ لأنه جعل الله عرضة بيمينه وقد نهاه عنه.
فصل: فإذا تقرر هذا، وحلف على أحد هذه الأقسام الخمسة، فلا يخلو حالة فيها أن يبرأ أو يحنث فإن بر فلا كفارة عليه سواء كان يره فيها طاعة أو معصية، ذهب بعض إلى وجوب الكفارة عليه بعقد اليمين وغن لم يحنث فيها وهو قول عائشة والحسن وقتادة تعلقا بقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] فعلق الكفارة باليمين دون الحنث.
والدليل على الفساد هذا القول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والله لأغزون قريشًا" فغزاهم ولم يكفر، وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89].
يعني: وحنثتم، كما قال: ﴿ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. أي: فأفطرتم، فعدة من أيام أخر، فحدف ذلك لدلالة الكلام عليه، وإن حنث في يمينه وجبت الكفارة عليه، سواء كان حنثه طاعة أو معصية.
وذهب الشعبي وسعيد بن جبير إلى انه لا كفارة في حنث الطاعة، وإنما تجب في حنث المعصية، لأن فعل الطاعة مأمور به، وغير آثم فيه، فلم يحتج إلى تكفير كالقتل، إن أثم به كفر، وإن لم يأثم به لم يكفر، وهذا خطأ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وليس يمتنع أن يكفر في فعل الطاعة كالمحرم إذا اضطر إلى أكل الصيد كان مطيعًا في قتله، وعليه أن يكفر بالجزاء، وكالقاتل الخطأ ليس يأثم، وعليه الكفارة.

فصل: فإذا ثبت وجوب الكفارة في حنث الطاعة والمعصية، فالظاهر من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة أن الكفارة وجبت في الحنث وحده لتعلقها بحل ما عقده، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وقال بعض أصحابنا أنها تجب باليمين والحنث كالزكاة تجب بالنصاب والحول؛ لأن الحنث لا يكون إلا بعقد اليمين.
والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين أن يعتبر حال اليمين، فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية وجبت باليمين والحنث؛ لأن التفكير بالمعصية أخص، والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَلَمْ يَكُنْ أَثِمَ وَكَفَّرَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿ولا يَاتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى﴾ [النور: 22] نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَلَفَ لاَ يَنْفَعُ رَجُلاً فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُ وَبِقَولِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الظَّهَارِ ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: 2] ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ الكَفَارَة وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "فَلْيَاتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفَّرْ عَنْ يَمِينِهِ" فَقَدْ أَمَرَهُ بِالحِنْثِ عَامِداً وَبِالتَّكْفِيرِ وَدَلَّ إِجْمَاعُهُمْ أَنَّ مَنْ حَلَفَ فِي الإحْرَامِ عَمْداً أَوْ خَطَأ أَوْ قَتَلَ صَيْداً عَمْداً أَوْ أَخْطَأَ فِي الكَفَّارَة سَوَاءٌ عَلَى أَنَّ الحَلِفِ بَاللَّهِ وَقَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْداً أَوْ خَطَأ في الكَفَّارَةِ سَوَاءٌ".
قال في الحاوي: قد مضى اليمين على الفعل المستقبل، فأما اليمين على الفعل الماضي فضربان: أحدهما: أن يكون على إثبات كقوله: والله لقد فعلت كذا.
والثاني: أن يكون على نفي كقوله: والله ما فعلت كذا، فلا يخلو أن يكون فيها صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً قد فعل ما أثبت وترك ما نفي فلا كفارة عليه؛ لأنها يمين بره، وغن كان كاذباً؛ لأنه لم يفعل ما أثبته وفعل ما نفاه، فقال: والله لقد أكلت، ولم يأكل، أو قال: والله ما أكلت وقد أكل، فهو في هذه اليمين عاص آثم، وتسمى اليمين الغموس؛ لأنها تغمس الحالف بها في المعاصي، وقيل: في النار.
واختلف الفقهاء هل يجب بها الكفارة أم لا؟ فمذهب الشافعي، أن الكفارة فيها واجبة، ووجوبها مقترن بعقدها، وهو قول عطاء، والحكم والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: لا تجب به الكفارة وبه قال مالك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد وأحمد وإسحاق استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
ومنه دليلان: أحدهما: أن اليمين الغموس هي اللغو، والعفو عنها متوجه إلى الكفارة.

والثاني: أن قوله: ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
وعقد اليمين ما التزم فعلاً مستقبلاً يتردد بين حنث وبر، فخرجت اليمين الغموس من الأيمان المعقودة، فلم يلزم بها كفارة، ثم ختم الآية بقوله: ﴿واحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] يعني في المستقبل، من الحنث.
واستدلوا بما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف يمينًا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليمين الغموس تدع الديار بلاقع من أهلها" فأخبر بحكمها ولم يوجب الكفارة فيها.
والقياس أنها يمين على ماض فلم تجب بها كفارة كاللغو.
ولأنها يمين محظورة، فلم تجب بها كفارة كاليمين بالمخلوقات.
قالوا: ولأن اقتران اليمين بالحنث يمنع من انعقادها؛ لأن حدوثه فيها يدفع عقدها كالرضاع لما رفع النكاح إذا طرأ منها انعقاده إذا تقدم.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] بعد صفة الكفارة، فاقتضى الظاهر لزومها في كل يمين، وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:225] ولغو اليمين ما سبق به لسان الحالف من غير قصد ولا نية، واليمين الغموس مقصودة، فكان بها مؤاخذًا ومؤاخذته بها توجب تكفيرها، فإن منعوا من تسمية الغموس يمينًا بطل منعهم بقول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ولَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: 74] وقال تعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة:56].
ومن القياس: أنها يمين بالله تعالى قصدها مختارًا، فوجب إذا خالفها بفعله أن تلزمه الكفارة كالمستقبل ولانه أحد نوعي اليمين، فوجب أن ينقسم إلى بر وحنث كالمستقبل؛ ولأن كل ما كان في غير اليمين كذبًا كان في اليمين حنثًا كالمستقبل؛ ولأنها يمين تتعلق بالحنث المستقبل، فوجب أن تتعلق بالحنث الماضي كاليمين بالطلاق والعتاق؛ لأنه لو حلف بالطلاق والعتاق لقد دخل الدار، ولم يدخلها لزمه الطلاق والعتاق.
وكما لو حلف ليدخلها في المستقبل، فلم يدخلها وهذا وفاقًا كذلك في اليمين بالله؛ ولأن وجوب الكفارة في الأيمان أعم في المأثم، لأنها قد تجب فيما يأثم به ولا يأثم، فلما لحقه المأثم في الغموس كان بوجوب الكفارة أولى.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:225] فهو أن لغو اليمين ما لم يقصد منها على ما سنذكره، فأما المقصود بالعقد فخارج عن حكم اللغو

وهو المعقود عليه من أيمانه وهو من كسب قلب المأخوذ بإثمه كما قال تعالى: ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:225] ولئن كانت اليمين المستقبلة تتردد بين بر وحنث، فالغموس مترددة بين صدق وكذب، فصارت ذات حالين كالمستقبلة، وغن اختلفت الحالتان.
ألا تراه لو حلف ليصعدن السماء وليشربن ماء البحر حنث لوقته.
وإن لم يتردد يمينه بين حنث وبر، وكذلك لو حلف ليقتلن زيدًا، وكان زيد قد مات حنث، ولزمته الكفارة، وإن لم يتردد يمينه بين بر وحنث وكذب، لأنها مقصودة كذلك يمين الغموس في الماضي.
فأما قوله تعالى: ﴿واحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] فحفظها قبل اليمين أن لا يحلف وبعد اليمين أن لا يحنث، كما قال الشاعر: قليل الألا يا حافظ لعهده وإن بدرت منه الألية برت وأما الجواب عن الخبرين فمن وجهين: أحدهما: أن الإمساك عن الكفارة فيها اكتفاء بما ورد به القرآن من وجوبها.
والثاني: أن المقصود بها حكم الآخرة، والكفارة من أحكام الدنيا.
وأما الجواب عن قياسهم على لغو اليمين فهو أن لغو اليمين غير مقصودة فخرج عن اليمين المقصودة.
وأما الجواب عن قياسهم على اليمين بالمخلوقات فهو أنه لا يلزم في جنسها كفارة فخالفت الأيمان بالله.
وما الجواب عن قياسهم على النكاح، فهو أنه منتقض بيمينه أن يصعد السماء ثم المعنى في النكاح أن مقصوده الاستمتاع والاستباحة، فإذا امتنع في النكاح بطل ومقصود اليمين وجوب الكفارة في الحنث وسقوطها في البر، وهذا موجود في المستقبل والماضي.
فصل: فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليمين الغموس على الماضي في إثبات ما لم يكن، أو نفي ما قد كان، فهي يمين محلولة غير منعقدة، لأن عقدها إنما يكون فيما ينتظر بعدها من بر أو حنث، وهذه اليمين قد اقترن بها الحنث بعد استيفاء لفظها، فلذلك لم تنعقد، ووجبت الكفارة باستيفاء اليمين.
فصل: يمين الكافر منعقدة يتعلق بها الحنث، وتجب بها الكفارة كالمسلم سواء حنث في حال كفره أو بعد إسلامه، لكنه إن كفر في حال كفره كفر بالمال من إطعام أو كسوة أو عتق، ولم يكفر بالصيام فإن أسلم قبل التكفير جاز أن يكفر بالصيام كالمسلم.

وقال أبو حنيفة: يمين الكافر غير منعقدة، ولا كفارة عليه إذا حنث، استلالاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإسلام يجبّ ما قبله:" فكان على عمومه؛ ولأن الكفارة لا تصح منه؛ لافتقارها إلى النية ما بدليل أنها عبادة تفتقر إلى النية، فلم تصح من الكافر كالصيام والقيام.
ولأن الإطعام والكسوة موجبة التكفير، فوجب أن لا يصح من الكافر كالصيام.
ولأن من لم يصح منه التكفير بالصيام لم يصح منه التكفير بالمال كالصبي والمجنون.
وإذا ثبت بهذه المعاني الثلاثة أن التكفير لا يصح منه وجب أن لا تنعقد يمينه ولا تجب عليه فيها كفارة لأمرين: أحدهما: أن موجب اليمين الكفارة، فإذا لم تصح منه لم تجب عليه الزكاة.
والثاني: أن من لم يصح تكفيره لم تنعقد يمينه كالصبي والمجنون.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] الآية فاقتضى ظاهر العموم استواء المسلم والكافر في وجوبه.
ومن القياس: أن كل من صحت يمينه في الدعاوى انعقدت من غير الدعاوى كالمسلم؛ ولأن كل يمين صحت يمينه بالطلاق والعتاق صحت يمينه بالله كالمسلم؛ ولأن كل من صحت يمينه بالله في الإيلاء صحت يمينه بالله في غير الإيلاء كالمسلم.
فإن قيل: إنما صحت يمينه في الإيلاء وبالطلاق والعتاق؛ لأنه يصح منه موجبه من الطلاق والعتق، ولم يصح منه موجب اليمين بالله تعالى في التكفير، فلم تصح منه اليمين بالله تعالى.
قيل: موجب اليمين هو الوفاء بها، والكفارة حكم تعلق بالحنث، فلم يمنع من انعقاد اليمين، وإن أفضت إلى التكفير الذي لا يصح منه، ألا ترى أن الكافر لو دخل الحرم فقتل فيه صيداً ضمنه بالجزاء، وإن افتقر إخراج الجزاء إلى نية لم يصح من الكافر، ولم يسقط عنه الجزاء.
فاما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجبّ ما قبله" فمن وجهين: أحدهما: ان الخبر يقتضي إسقاط ما وجب، وعندهم أنه لم يجب ما يسقط والثاني: أنه محمول على سقوط المأثم دون المغرم.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن التكفير بالمال لا يصح منه كالصيام، فهو أن

الصيام عبادة محضة، فلم تصح من الكافر كالصلاة والمال حق يتصرف إلى الآدميين، فصح من الكافر، وإن استحقت فيه النية كجزاء الصيد في الحرم، ولا يمنع إذا لم يصح منه أحد أنواع التكفير أن تجب عليه الكفارة، ألا ترى أن الحائض لا يصح منها التكفير بالصيام، وتصح منها التكفير بالمال، والعبد لا يصح منه التكفير بالمال، ويصح منه التكفير بالصيام، والمجنون إنما لا يصح منه التكفير بالمال والصيام؛ لأنه غير مكلف، والكافر مكلف، فلذلك انعقدت يمين الكافر، وإن لم تنعقد يمين المجنون.
وأما الزكاة: فلأنها فرضت على المسلم طهرة، فخرج منها الكافر، ولزمته الكفارة عقوبة.
مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ: "وَإِنْ قَالَ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ فَإِنْ كَانَ يَعْنِي حَلَفْتُ قَدِيماً فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ حَادِثَةٍ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا يَمِيناً فَهِيَ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: قوله: "أقسمت بالله"، يحتمل أمرين أن يكون يميناً في الحال أو يكون إخباراً عن يمين ماضية، وإذا احتمل هذين الأمرين لم يخل حاله من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد يميناً في الحال فتكون يميناً منعقدة، كما قال تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: 53].
والثانية: أن يقوله مطلقاً لم تقترن به إرادة، فتكون يميناً؛ لأنه قد اقترن بإطلاقها عرفان، عرف شرع وعرف استعمال.
فعرف الشرع ما قدمناه من الآية وعرف الاستعمال قولهم في أيمانهم: أقسمت بالله لأفعلن كذا، فوجب أن يكون إطلاقه محمولاً على العرفين من انعقاد اليمين ولزوم الكفارة.
والثالثة: أن يريد به يميناً حلف بها منعقدة، فإن علم تقدم يمينه كان العلم بها موافقاً لإرادته، فلا تنعقد يمينه في الحال، وإن لم تعلم له يمين متقدمة، فقد قال في كتاب الأيمان "لا تكون يميناً" لاحتمال ما قال في كتاب الإيلاء: تكون يميناً منعقدة اعتباراً بعرف الشرع والاستعمال، فاختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: الجمع بين الجوابين وتخريجه في اليمين والإيلاء على قولين: أحدهما: تنعقد في الأيمان والإيلاء.
والثاني: لا تنعقد في الأيمان والإيلاء.
والثاني: حمل الجواب على ظاهره في الموضعين فيلزم في الإيلاء ولا يلزم في الأيمان لأن في الإيلاء حقاً لآدميين، فلم يسقط بإرادته، وهو في الأيمان من حقوق الله تعالى المحضة، فجاز أن يدين فيه على إرادته.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ قَالَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا لم يذكر اسم الله تعالى، واقتصر على قوله: أقسم لا فعلت كذا، فقد اختلف الفقهاء في انعقاده يميناً على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها لا تكون يميناً سواء أراد اليمين أو لم يردها.
والثاني: ما قاله أبو حنيفة: تكون يميناً أراد اليمين أو لم يردها.
والثالث: ما قاله مالك: إن أراد اليمين كانت يميناً، وإن لم يرد اليمين لم تكن يميناً، وهكذا.
لو قال: أحلف لأفعلن كذا، فهو على هذا الخلاف، وكذلك لو قال: أشهد لأفعلن كذا كان على هذا الخلاف، فمذهب الشافعي في جميعه أنها لا تكون يميناً حتى يقرنه باسم الله تعالى، فيقول: اقسم بالله أو أشهد بالله، واستدل من جعله يميناً يقول الله تعالى: ﴿إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17].
فدل على أن أقسمت يمين منعقدة، وقال تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1].
ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2].
فدل على أن "أشهد" يمين لازمة.
وروى راشد بن ربيعة عن عائشة رضي الله عنها قال: أهدت لنا امرأة طبقاً فيه تمر، فأكلت منه عائشة، وأبقت فيه تميرات، فقالت المرأة: أقسمت عليك إلا أكلتيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بريها، فإن الإثم على المحنث" فجعلها يميناً ذات بر وحنث.
وروى عن عبد الله بن صفوان أنه أتى بأبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعه فامتنع عليه، وقال: "لا هجرة بعد الفتح".
فقال له العباس: الآن بررت قسمي، فسماه قسماً، ولأن عرف القسم في الشرع والاستعمال يكون بالله تعالى دون غيره، فوجب أن يكون إطلاقه محمولاً على العرفين فيه.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] واللعان يمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان لكان ليث ولها شأن" فدل على أن مطلق الشهادة لا يكونه يمينًا حتى تقترن بذكر الله.
ومن القياس أنه لفظ عري عن اسم وصفته فوجب أن لا تنعقد به يمين توجب الكفارة.
أصله إذا قال: أولى لأفعلن هذا، لأن الألية، والقسم واحد، وقياسًا عليه إذا حلف بغير الله من المخلوقات، ولأن اليمين المكفرة إذا كانت بلفظ معظم له حرمة فإذا

تجرد القسم عن ذكر الله سقطت حرمته، فسقطت كفارته.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17].
فهو أنه إخبار عن القسم، وليس فيه دليل على صفة القسم، كما لو قيل: حلف فلان لم يكن فيه دليل على ما حلف به.
وأما الجواب عن الخبرين فمن وجهين: أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: يجوز أن يكون قد حذف ذكر الله منه اقتصارًا على العرف فيه.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن إطلاقه محمول على العرفين فيه، فهو أن العرف من القسم أنه يمين لكن قد يكون بالله تارة وبغير الله أخرى، كما لو قال: حلفت، يجوز أن يريد بالله، ويجوز أن يريد الطلاق والعتاق، وبما لا تنعقد من المخلوقات، فلم يجز أن يضاف القسم إلى الله تعالى دون غيره والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ قَالَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ بِهَا يَمِينًا فَهِيَ يَمِينٌ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا مَوْعِدًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ كَقَوْلِهِ سَأَحْلِفُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِي الإِمْلَاءِ هِيَ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: أما قوله: "أقسم بالله" فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يريد بها يمينًا في الحال.
والثاني: أن يريد أنه سيقسم يمينًا في المستقبل فصار احتمالهما لهذين الأمرين كاحتمال قوله: أقسمت بالله، لأمرين، وإن اختلفا في صفة الاحتمال، لأن الاحتمال في أقسمت ليمين ماضية وفي قوله: "أقسم" ليمين مستقبلة، فيكون الحكم معتبرًا بأحواله الثلاثة.
أحدهما: أن يريد بها عقد يمين في الحال، فتنعقد يمينه.
والثاني: أن تكون مطلقة، فيعقد يمينه اعتبارًا في الإطلاق يعرف الشرع والاستعمال.
قال الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: 107]. والثالثة: أن يريد بها موعدًا في يمين مستقبلة، فالمنصوص عليه من الأيمان أنها لا تكون يمينا حملاً على إرادته في الموعد، والمنصوص عليه في الإيلاء أنها تكون يمينًا في الحال، فخرجه أصحابنا على وجهين: أحدهما: حمل ذلك في اليمين والإيلاء على قولين: والثاني: حمل الجواب على ظاهره في الموضعين للفرق بينهما بما قدمناه، والله أعلم.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ قَالَ لَعَمْرُ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا يَمِينًا فَلَيْسَتْ بِيَمينٍ".
قال في الحاوي: لا يخلو حاله إذا قال: لعمر الله لأفعلن كذا من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد به اليمين، فتكون يمينًا مكفرة؛ لأن للناس في معناه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه علم الله.
والثاني: بقاء الله ويشبه أن يكونه قول ابن عباس.
والثالث: وحق الله وأي هذه المعاني كان فهو من صفات ذاته.
والثانية: أن لا يريد يمينًا فلا تكون يمينًا.
وقال أبو حنيفة: تكون يمينًا وإن لم يردها لأنه من صفات ذاته.
ودليلنا هو أن لفظة قد صار في العرف مستعملاً في غير الأيمان مثل قولهم: لعمري لقد كان كذا ومن قول الشاعر: لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر فجاز أن يكون محمولاً على العرف بالإرادة، فلا تكون يمينا لخروجه عن حكم الصفات المحضة.
والثالثة: أن يطلقه، ولا تكون له فيه إرادة، ففيه وجهان: أحدهما: تكون يمينًا لما اقترن به من عرف الشرع في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾ [الحجر: 72].
والثاني: أن لا تكون يمينًا لأن عرف الاستعمال فيه مشترك، وعرف الشرع فيه محتمل، لأن قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾ [الحجر: 72].
قسم من الله تعالى برسوله، وأقسام الله تعالى مخالفة لأقسام عبادة، لجواز قسمه بالمخلوقات التي لا يجوز أن يقسمه بها المخلوقون.
فصل: فأما قوله: وأيم الله، وأيمن الله، فإن أراد به يمينًا كان يمينًا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في أسامة بن زيد: "وأيم الله إنه لخليق بالإمارة" وإن لم يرد يمينًا، أو لم تكن له إرادة لم تكن يمينًا، لأن العرف في قولهم: لعمر الله، أكثر استعمالاً من قولهم، وأيم الله.
وقال أبو حنيفة: هما سواء في الأحوال كلها يمين مع وجود الإرادة وعدمها.
وأما قوله: لاها الله.
فإن أراد به يمينًا، فهو يمين لما روي عن أبي بكر رضي الله

عنه أنه قال بمشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل أبي قتادة حين أخذ سلبه غيره: لاها الله إذن تعمد إلى أسد من أسد الله يعطيك سلبه، فكانت يمينًا وإن لم يرد اليمين، أو لم تكن له إرادة، فليس بيمين لعدم عرف الشرع والاستعمال فيه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ حَقِّ اللَّهِ أَوْ وَعَظَمَتِهِ أَوْ وَجَلاَلِ اللَّهِ أَوْ وَقُدْرَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ يَمِينٌ نَوَى بِهَا يَمِينًا أَوْ لاَ نِيَّة لَهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ يَمِينًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ: وَحَقِّ اللَّهِ وَاجِبٌ وَقُدْرَةُ اللَّهِ مَاضِيَةٌ لاَ أنَّهُ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي ها هنا إذا حلف بأربعة أشياء ب "حق الله" و"عظمة الله"، و"جلال الله"، و"قدرة الله".
فأما عظمة الله وجلال الله فهو يمين في الأحوال الثلاثة، سواء أراد به اليمين أو لم يرد لأنها من صفات ذاته المحضة، فلم يعتبر فيها عرف شرع ولا استعمال وإن كان عرف الاستعمال فيها موجودًا، وإنما يعتبر العرفان فيما كان من الصفات محتملاً، ولا يعتبر فيما زال عنه الاحتمال.
وأما قوله: وحق الله، وقدرة الله، فتكون يمينًا في حالتين من ثلاث إذا أراد اليمين وإذا أطلق.
وقال أبو حنيفة إذا قال: وحق الله لا تكون يمينًا في الأحوال كلها سواء أراد به اليمين أو لم يرد، لأن حقوق الله تعالى فروضه وعباداته، لرواية عبادة ابن الصامت قال: قلت يا رسول الله؟ وما حق الله على عباده؟ فقال: "أن لا تشركوا به شيئًا وتعبدوه وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة".
ودليلنا شيئان: أحدهما: أنها يمين معتادة بصفة عامة أضيفت آلي الله تعالى، فوجب أن تكون يمينًا كصفات ذاته من العظمة والعزة.
والثاني: أنها يمين مستحقة من صفات ذاته، فجرى عليها حكم صفات الذوات.
وأما الخبر فلا دليل فيه، لأنه بين بعض حقوقه، وقد تحتمل العبادات، وتحتمل صفات الذات، فجاز أن تعتبر فيه الإرادة بحمله على أحدهما.
وأما إذا أراد غير اليمين، فقد قال الشافعي: "يعمل على إرادته" فلا تكون يمينًا لما علل به من جواز أن يريد.
وحق اله واجب وقدرة الله ماضية، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أن لا تكون يمينًا على ما أجاب به الشافعي، وعلل به.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أنه لا تكون يمينًا في حقوق الله تعالى، وتكون يمينًا في حقوق الآدميين.

والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا تكون يمينًا بالإرادة إذا عزاه إلى أمر محتمل، وتكون يمينًا إذا لم يعزه إلى أمر محتمل.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ بِاللَّهِ أَوْ تَاللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ نَوى أَوْ لَمْ يَنْوِ.
وَقَالَ فِي الإِمْلاِءِ: تَاللَّهِ يَمِينٌ وَقَالَ فِي القَسَامَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ قَالَ المزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ حَكَي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَمِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ﴿وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)﴾ [الأنبياء: 57].
قال في الحاوي: أعلم أن حروف القسم ثلاثة: الواو وهي أصلها، ثم الياء، ثم التاء، فأما الواو فقوله: والله، وهو الحرف الصريح في القسم، فإذا قال: والله كان حالفًا، لا يرجع إلى إرادته في ظاهر ولا باطن، ولا يلزمه حكم اليمين في حقوق الله وحقوق الآدميين، وأما التاء المعجمة من تحت.
فقوله: بالله، وفيها بعض الاحتمال، لأنه مع غالب الأحوال في القسم يحتمل أن يريد: بالله استعين وبالله أتق، وبالله أومن، فإذا أراد به القسم، أو قال مطلقًا كان يمينًا في الظاهر والباطن في حقوق الله وحقوق الآدميين، وإن لم يرد به القسم، وأراد ما ذكرنا من احتماله دين في الباطن حملاً على ما نواه ولم تلزمه الكفارة، وكان حالفًا في الظاهر، اعتبارًا بالغالب من حال الظاهر، ولزمه حكم اليمين كما لو لزوجته أنت طالق، وأراد من وثاق دين في الباطن وكان طلاقًا في الظاهر.
وأما التاء المعجمة من فوق، تالله، فمنصوص الشافعي في الأيمان والإيلاء أنها يمين، لأن الشرع قد ورد بها، قال الله تعالى: ﴿وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [الأنبياء: 57].
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 91].
ونقل المزني عن الشافعي في القسامة: وتالله ليست بيمين فاختلف أصحابنا في تخريج ما نقله في القسامة على وجهين: أحدهما: أنه ليس بصحيح، وقد وهم فيه، وإنما قال الشافعي: "بالله ليست بيمين" بالباء معجمة من تحت، وقد ذكر الشافعي في تعليله ما يدل على هذا، فقال: لأنه دعاء، فعلى هذا تكون تالله يمينًا قولاً واحدًا.
والثاني: أن نقل المزني صحيح، لضبطه في نقله، فعلى هذا اختلف أصحابنا مع صحة النقل في كيفية تخريجه على ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه تخريج قول ثان، فيكون على قولين لاختلاف النقل فيه.
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أن تكون يمينًا في المواضع كلها من غير أن تعتبر فيه إرادة؛ لأن عرف الشرع بها وارد؛ ولأن التاء في القسم بدل من الواو، فقامت مقامها في الحكم.

والثاني: أنها ليست بيمين في المواضع كلها إلا أن يريد بها يمينًا، فتصير بالإرادة يمينًا لخروجها عن عرف الاستعمال والتباسها على أكثر الناس، والأيمان مختصة بما كان في العرف مستعملاً، وعند عامة الناس مشتهرًا، فهذا وجه: والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها تكون يمينًا في خواص الناس الذين يعرفون أن التاء من حروف القسم ولا تكون في العامة الذين لا يعرفون ذلك إلا بالإرادة والنية، كما أن العربي إذا حلف بالأعجمية تكون يمينًا إذا عرفها، ولا تكون يمينًا إ&ن لم يعرفها، وكذا الأعجمي إذا حلف بالعربية.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها تكون يمينًا في التغليظ عليه، ولا تكون يمينًا في التخفيف عنه، فلا يجعلها يمينًا في القسامة؛ لأنه يثبت بها لنفسه حقًا، ويجعلها يمينًا في الإيلاء؛ لأنه يثبت بها على نفسه حقًا.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيًُّ - قَالَ المُزَنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: "فَإِنْ قَالَ لأَفْعَلَنّ فَهَذَا ابْتِدَاءُ كَلاَمٍ لاَ يَمِينٌ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا".
قال في الحاوي: إذا حذف من اسم الله حرف القسم، فقال: الله لأفعلن كذا، لم يكن يمينًا؛ لأنه يحذف حروف القسم الموضوعة لليمين يصير ابتداء كلام، واستفتاح خطاب يخرج عن عرف الأيمان في الاستعمال والشرع.
فإن قيل: فقد ورد به عرف الشرع، فقد اختلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد حين طلق امرأته البتة، وذكر أنه أراد واحدة فقال: "الله إنك أردت واحدة"؟ فقال: الله إني أردت واحدة، وأحلف ابن مسعود حين أخبره أنه قتل أبا جهل، فقال" "الله إنك قتلته"، فقال: الله إني قتلته.
فالجواب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد اليمين بإحلافهما والنية عندنا في الأيمان نية المستحلف دون الحالف، ولو كان الحالف نوى اليمين، وأرادها مع حذف حرف القسم كان يمينًا لما ذكرناه من إحلاف ركانة وابن مسعود، فتصير غير يمين في حالتين إذا لم يرد وإذا أطلق، ويمينًا في حالة واحدة إذا أراد.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيًُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "فَإِنْ قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ فَإِنْ نَوَى اليمِينَ فَهَيَ يَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يَنْو يَمِينًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ لأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَشْهَدُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ يَنْوِيهِ يَمِينًا لَمْ يَكُنْ يَمِينًا".
قال في الحاوي: وهو كما قال: وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا قال: أشهد بالله، أو قال: أشهد أنها يمين لما اقترن بها من عرف الشرع في قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ

أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 6].
وقال: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1].
وإذا اقترن بها أحد العرفين صارت يمينًا، ولا تكون الشهادة بالله عند الشافعي يمينًا قاطعة، لعلتين: إحداهما: ما علل به الشافعي أنها تحتمل أشهد بأمر الله على وجه الشهادة بالأيمان بالله، فخرجت عن حكم ما لا يحتمل.
والثانية: ما علل به أبو إسحاق المروزي أنها ما كانت جارية في عرف الخاصة والعامة، والشهادة بما لا تعرفها العامة في الأيمان فزال عنها حكم اليمين.
فأما استدلال أبي حنيفة بعرف الشرع، فقد قابله في حمله على شهادة الأيمان بالله عرف شرعي، فلم يكن أحد العرفين أولى من الآخر، فتعارضا، ورجع إلى إرادته، ولا يخلو حاله في قوله: أشهد بالله من ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يريد بها غير يمين، فلا تكون يمينًا، وهو الذي خالف فيه أبو حنيفة.
والثانية: أن يريد بها اليمين، فتكون يمينًا بوفاق أبي حنيفة، لما وافقها من أحد الفريقين.
والثالثة: أن يطلق ولا تكون له فيها نية، فقد اختلف أصحابنا في هذا الإطلاق على وجهين: أحدهما: أن إطلاقهما أن تكون يمينًا لموافقة العرف الشرعي، ويكون جواب الشافعي في أنها ليست بيمين محمولاً على أنه لم يرد بها اليمين.
والثاني: أن إطلاقها يمنع من أن تكون يمينًا لمخالفة عرف الاستعمال، ويكون جواب الشافعي في أنها ليست بيمين محمولاً على هذا الإطلاق.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيًُّ: "وَلَوْ قَالَ أَعْزِمُ بِاللَّهِ وَلاَ نِيَّةَ لَهُ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لأَنَّ مَعْنَاهَا أَعْزِم بِقُدْرَةِ اللَّهِ أَوْ بِعَوْنِ اللَّهِ عَلَى كَذَا وَإِنْ أَرَادَ يَمينًا فَهِيَ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لأن قوله: أعزم بالله يحتمل الاستعانة بقوله، ومعونته على مقاصده تسليمًا لأمره، وهو الأظهر، وإن احتمل أن يريد عزمًا على اليمين بإضمار القسم، ولترددها بين احتمالين، أظهرهما أن تكون غير يمين، وأضعفهما أن تكون يمينًا، لم يجعلها يمينًا إذا نوى غير اليمين، ولا إذا أطلقها، لأنه لم يقترن بإطلاقها عرف الشرع ولا عرف الاستعمال، وجعلناها يمينًا إذا نواها لما يحتملها من حكم اليمين فتصير يمينًا في حالة واحدة وغير يمين في حالتين وجهًا واحدًا، بخلاف الشهادة حيث احتملت في الإطلاق، ولما اقترن بها من عرف الشرع.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ أَسْأَلُكَ بَاللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ عَلَيْكَ بَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ فَإِنْ أرَادَ المُسْتَخْلِفُ بِهَا يَمِينًا فَهِيَ يَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا شَيْئًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ".
قال في الحاوي: أما قوله لغيره: أسألك بالله، أو أقسم عليك بالله لتفعلن كذا.
فله فيه أربعة أحوال: أحدهما: أن يريد يمينًا لنفسه على فعل صاحبه، فتكون يمينًا له معلقة بفعل غيره، فإن فعل ما قال بر الحالف، وإن لم يفعل حنث الحالف، ووجبت الكفارة على الحالف دون المحلوف عليه، وأوجبها أحمد بن حنبل على المحلوف عليه دون الحالف احتجاجًا برواية عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على أحد بيمين وهو يرى أنه سيبره فلم يفعل فإنما إثمه على الذي لم يبره".
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]، فجعل الكفارة على الحالف دون المحنث، وقد جاءت السنة بما يوافق هذا.
روى راشد بن سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت: أهدت لنا امرأة طبقًا فيه تمر فأكلت منه عائشة، وأبقت تميرات، فقالت لها المرأة: أقسمت عليك إلا أكلتيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بريها؟ فإن الإثم على المحنث"، فجعل البر والحنث على الحالف والإثم على المنحث، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة فيما احتج به أحمد.
فصل: والثانية: أن يريد الحالف بيمينه يمينًا يعقدها على المستحلف يلزمه برها وحنثها، فلا يكون يمينًا للحالف؛ لأنه لم يردها، ولا تكون يمينًا للمستحلف، لأنه لم يحلف بها؛ ولأنه لم تنعقد يمين المكره مع حلفه كانت يمين من لم يحلف أولى أن لا تنعقد.
والثالثة: أن يريد بها السؤال والطلب، ولا يقصد بها يمينًا لنفسه ولا لصاحبه، فلا تكون يمينًا بحال.
والرابعة: أن يطلقها، ولا تكون له نية فيها بيمين ولا غيره، فلا تكون يمينًا، لا يختلف فيها مذهب الشافعي؛ لأنه لم يقترن بها عرف شرع ولا عرف استعمال، فخرجت عن حكم الأيمان.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ إِلاَّ أَنْ يَنْوِي يَمِينًا لأَنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ يُؤَدِّي فَرَائِضَهُ وَكَذَلِكَ مِيثَاقُ اللَّهِ بِذَلِكَ وَأَمَانَتُهُ".

قال في الحاوي: وهذا كما قال، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا قال: على عهد الله أو قال: على ميثاق الله أو جمع بينهما، فقال: على عهد الله وميثاقه، كان من صريح الأيمان، فيكون يمينًا في الأحوال الثلاث لما فيها من زيادة التغليظ على الأيمان بالعهد والميثاق، وعلى مذهب الشافعي لا تكون يمينًا إذا لم ينوها، لأن عهد الله وميثاقه.
يحتمل أن يكون ما أوجبه من فروض أو تؤدي إليه ويحتمل أن يريد به ما أخذه الله من الذرية في ظهور الآباء من الاعتراف به في قوله تعالى: ﴿وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] ويحتمل أن يريد بها اليمين؟ فلما كان هنا يحتمل وجوهًا وجب أن يرجع فيه إلى نيته وإرادته، فإن أراد يمينًا كان يمينًا، وإن أراد غير اليمين لم تكن يمينًا، وإن لم تكن إرادة وأطلق، في إطلاقه وجهان: أحدهما: أن إطلاقه يخرجه عن اليمين لأنه لم يقترن بع عرف شرع، وتكون غير يمين في حالتين، ويمينًا في حالة واحدة.
والثاني: أن إطلاقه يوجب أن تكون يمينًا؛ لأنه عرف الاستعمال في الخاصة والعامة قد صار جاريًا ومحمولاً بينهم على زيادة التغليظ كما يزيد في تغليظ الأيمان بالله الطالب الغالب وهذا قول أبي إسحاق المروزي، فتكون يمينًا في حالتين، غير يمين في حالة واحدة، وإذا صار عهد الله وميثاقه يمينًا، وقد جمع بينهما وحنث لزمته كفارة واحدة.
وقال مالك: تلزمه كفارتان لوجوبها بكل واحد منهما، فتضاعفت باجتماعهما، وهذا ليس بصحيح، لانه يمين واحدة زادها تغليظًا، فلم تجب بها إلا كفارة واحدة كقوله: والله الطالب الغالب، والله أعلم بالصواب.

باب الاستثناء في الأيمان

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُُّّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: "وَمَنْ حَلَفَ بِأَيِّ يَمِينٍ كَانَتْ ثُمَّ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَوْصُولاً بكَلاَمه فَقَد اسْتَثْنَى".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الاستث 3 ناء بمشيئة الله في الأيمان والنذور يمنع من انعقادها وتسقط حكمها في الإثبات والنفي، سواء كانت اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتق.
وقال مالك: يصح الاستثناء في اليمين بالله، ولا يصح في الطلاق والعتق والنذور، وقد مضى الكلام معه في كتاب الطلاق، ومن الدليل عليه رواية أيوب، عن نافع، عن

ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى" وروى طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث" فكان على عمومه في كل يمين، ولأنه لما جاز تعليق جميع الأيمان من عتق، وطلاق، وغيره بالشروط والصفات، كان تعليقها بمشيئة الله تعالى أولى، ومشيئة الله غير معلومة فيها، فلم تنعقد، كما لو قال: والله لا دخلت الدار إن شاء زيد، أو قال لزوجته أنت طالق إن شاء عمرو، أو قال لعبده: أنت حر إن شاء بكر، ولم تعلم مشيئتهم حتى ماتوا سقطت أحكام هذه كلها لعدم العلم بها.
فإن قيل: فإن الله تعالى يشاء العتق؟ قيل: قد يجوز إن يشاءه في الحال، ويجوز أن لا يشاءه وقد يجوز أن يشاء الطلاق؟ لأنه قد أباحه، والمباح داخل في مشيئته.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَالوَصْلُ أَنْ يَكْونَ الكَلًامُ نَسَقًا وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَةُ سَكْتَةٌ كَسَكْتَةِ الرَّجُلِ لِلَّذَكُّرِ أَوْ العِيَّ أَوْ التَّنَفُّسِ أَوِ انْقِطَاعِ الصَّوْتِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ وَالقَطْعُ أَنْ يَاخُذَ فِي كَلَامٍ لَيْسَ مِنَ اليَمِينِ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَسْكُتَ السُّكُوتَ الَّذِي يُبَيَّنُ أَنَّهُ قَطَعَ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الاستثناء في الأيمان كلها مانع من انعقادها، وهو جائز وليس بواجب، وذهب بعض أهل الظاهر على وجوب الاستثناء بمشيئة الله تعالى، احتجاجًا بقول الله تعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23 - 24]. والدليل على أنه مخير في الاستثناء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى في يمينه تارة، ولم يستثن فيها أخرى، فقال: "والله لأغزون قريشًا إن شاء الله"، وإلى من نسائه شهرًا، ولم يستثن.
وروى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يحلف بهذه اليمين لا ومقلب القلوب".
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اجتهد في اليمين قال: "والذي نفس أبي القاسم بيده".
ولأن الاستثناء سبب يتوصل به إلى حل اليمين فلم يجب كالحنث.
فأما الآية فواردة على طريق الإرشاد والتأديب، أن لا يعزم على أمر إلا أن يقرنه

بمشيئة الله تعالى في الأيمان، وغيرها ليكون بالله مستعينًا وإليه مفوضًا.
فصل: فإذا ثبت جواز الاستثناء دون وجوبه، فلا تأثير لاستثنائه إلا أن يقوله موصولاً بكلامه، فإن انقطع عنه لم يكن لحكم، وحكي عن الحسن البصري، وعطاء أنه إن استثنى في مجلس يمينه صح، وإن استثنى بعد فراغه لم يصح.
وعن ابن عباس روايتان: إحداهما: أن الاستثناء يصح أبدًا في طويل الزمان وقصيره.
والثانية: أن يصح إلى حين، والحين عنده سنة ولا يصح بعدها احتجاجًا بقول الله عز وجل: ﴿واذْكُر رَّبَّكَ إذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:24].
أي اذكر الاستثناء إذا نسيته فعم الأمر من غير تحديد.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، وسكت ثم قال: إن شاء الله" فدل على جواز الاستثناء متصلاً أو منفصلاً.
والدليل على بطلان الاستثناء بعد انقطاعه قول الله تعالى" ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23 - 24]. فجعل الاستثناء على الفور دون التراخي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى"، فذكر الاستثناء بحرف الفاء الموجبة للتعقيب والفور.
ولأن عرف الناس في الكلام المنفصل أن يكون مخالفًا للكلام المتصل؟ ألا تراه لو قال لعبده: أنت حر وسكت، ثم قال بعد زمان: إن دخلت الدار، عتق بالكلام الأول، ولم يكن ما ذكره من دخول الدار شرطًا، ولو قال على عشرة دراهم وسكت ثم قال بعد وقت: إلا خمسة لم يكن ذلك استثناء ولزمته العشرة، لاستقرار حكم الكلام بالسكوت عليه، كذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى.
وأما قوله تعالى: ﴿واذْكُر رَّبَّكَ إذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:24] فقد قال عكرمة معناه: واذكر ربك إذا غضبت ليزول عنك الغضب عند ذكره وأما الخبر فقد ذكر الساجي أنه مرسل ورواه عكرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو صح جاز أن يكون محمولاً على سكوته لانقطاع النفس، أو قاله بعد تطاول الزمان استعانة بمشيئة الله على مقاصده وإن لم يجعله استثناء في يمينه؟ لأنه قد وفي بها في غزو قريش.

فصل: فإذا ثبت اعتبار الاستثناء بالاتصال دون الانفصال، فالمتصل ما وصفه الشافعي أن يصله بيمينه على نسق، فإن سكت لنحنحة وانقطاع نفس أو عجز أو تذكر كلام لم يكن قطعًا، وكان كالمتصل لأن الكلام لا يمتد، ولابد أن يتخلله سكتات الاستراحة، فأما إن سكت بغير هذا، أو تكلم بين اليمين والاستثناء بما خرج عنه من أمر ونهي وكلام لا تعلق له باليمين والاستثناء بطل حكم الاستثناء، لأن استقرار اليمين بالخروج عنها إلى غيرها.
فصل: ثم لا يصح الاستثناء فيها مع الاتصال إلا بالكلام، فإن نواه بقلبه ولم يتكلم به لم يصح، لأن اليمين لما ينعقد بالنية لم يصح الاستثناء فيها بالنية، ولزم أن يكون الاستثناء نطقًا كما لزم أن يكون اليمين نطقًا.
فإن قيل: أفليس لو قال لعبده: أنت حر ونوى بقلبه إن دخل الدار كان شرطًا في عتقه فيما بينه وبين الله تعالى، وكلا يعتق عليه إلا بدخول الدار، وإن لم يذكره نطقًا فهذا كان الاستثناء هكذا.
قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: لأن الاستثناء رافع كالنسخ، ولا يكون النسخ إلا بالكلام كذلك الاستثناء، والشرط تخصيص بعضه وتخصيص العموم يجوز بالقياس من غير كلام.
والثاني: أنه مبطل لظاهر الكلام، فلم يبطل إلا بمثله من كلام ظاهر، والشرط مثبت فحمل الكلام المحتمل على مقتضى الشرط، فلم يفتقر إلى الكلام فافترقا، ثم لا حكم لتلفظه في الاستثناء بمشيئة الله تعالى حين يقوله ناويًا به الاستثناء فلم لم ينوه وسيق في لسانه من غير قصد أو جرى به عادته أن يذكر مشيئة الله تعالى في سائر أحواله لم يكن استثناء.
ألا ترى أن عقد اليمين لا يصح إلا بالنية والقصد، ويكون اللغو فيها عفوا، كذلك استثناؤها، وإذا ثبت اعتبار النية في الاستثناء نظر، فغن قصد الاستثناء عند التلفظ بيمينه صح إذا تكلم به بعد يمينه، وإن لم يقصد مع ابتداء اليمين وقصده مع التلفظ بالاستثناء ففي صحته وجهان: أحدهما: يصح لوجود القصد فيه عند ذكره.
والثاني: لا يصح لإطلاق اليمين عند ذكرها، ويجوز أن يتقدم الاستثناء على اليمين فيقول: إن شاء الله والله لا كلمت زيدًا، ويجوز أن يكون الاستثناء وسطًا، فيقول: والله إن شاء الله، لأنه يكون في الأحوال كلها متصلاً بكلامه الذي يعتبر حكم أوله بآخره، وحكم آخره بأوله، وسواء قال في استثنائه: إن شاء الله، أو أراد الله، أو إن أحب الله، وإن اختار الله، كل ذلك استثناء.

وكذلك لو قال: بمشيئة الله أو بإرادة الله أو باختيار الله، فكلمه استثناء والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ في يَمِينِهِ لأََفْعَلَنَّ كَذَا لِوقْتٍ إِلَّا أّنْ يَشَاءَ فُلَانٌ فَإِنْ شَاءَ فُلانٌ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ مَاتَ أَوْ غَبِي عَنَّا حَتَّى مَضَى الوَقْتُ حَنَثَ قَالَ المُزَنِيُّ قَالَ بِخِلَافِهِ فِي بَابِ جَامِعِ الأَيْمَانِ".
قال في الحاوي: قال المزني: وصورة هذه المسألة أن يقول الحالف: والله لأدخلن هذه الدار اليوم إلا أن يشاء زيد فعين وقت دخوله في يومه فلا يبر بالدخول في غيره، وجعل مشيئة زيد استثناء فتعلق بمشيئة زيد أمران: أحدهما: صفة مشيئته المشروطة.
والثاني: حكمها في الشرط، فأما صفة مشيئته فهو أن يشاء أن لا يدخل الحالف الدار، لأن الاستثناء ضد المستثني منه؛ لأن من حكم الاستثناء إذا عاد إلى إثبات أن يكون نفياً، وإذا عاد إلى نفي أن يكون إثباتاً، فإن قال الحالف: أردت ألا أن يشاء زيد دخولي، فلا التزام الدخول حملت المشيئة على إرادته، لاحتمالها، وإن خالفت حكم الاستثناء، وأما حكم مشيئة زيد فهو مع اليمين بعد انعقادها، فتكون مشيئة زيد رافعة لعقد يمين الحالف؛ لأنه جعلها استثناء، ولم يجعلها شرطاً، والاستثناء ينفي الإثبات ويثبت النفي، واليمين ثابتة، فكان استثنائها نفياً، فلو قال: أردت أن تكون مشيئة زيد شرطاً في إثبات اليمين لم يعمل على إرادته، لأنها تحيل حقيقة لفظه بما لا يحتمله؛ لأن قوله: إلا أن يشاء زيد ضد قوله: إن شاء زيد، فلا يجوز أن يعلق على اللفظ حكم هذه، وخالف صفة المشيئة إذا أراد خلاف إطلاقها لاحتماله، فإذا تقررت صورة المسألة، وحكم الاستثناء فيها بمشيئة زيد الرافع لعقد اليمين فلا يخلو حال الحالف من أن يوجد فيه البر أو لا يوجد، فإن كان البر منه موجوداً بدخول الدار في يومه فلا حنث عليه سواء وجدت مشيئة زيد أو لم توجد، لكن يكون دخوله بعد مشيئة زيد دخولاً بعد ارتفاع اليمين، فلا يتعلق به بر ولا حنث، ودخوله مع عدم المشيئة دخولاً يوجب البر في يمينه وإن لم يدخل الحالف الدار في يومه فقد عدم الفعل الذي يتعلق به البر، فتراعى حينئذ مشيئة زيد، هل ارتفعت اليمين بمشيئة، أو كانت على انعقادها لعدم مشيئته، ولا يخلو حال زيد فيها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعلم أنه قد شاء، فاليمين، قد ارتفعت بمشيئته، فلم يحنث الحالف بترك الدخول، لارتفاع اليمين.

والثاني: أن يعلم أن زيداً لم يشأ فاليمين منعقدة لعدم الشرط في رفعها، والدخول شرط في البر فيكون الحالف حانثاً، بترك الدخول لإخلاله بشرط البر.
والثالث: أن تخفي مشيئة زيد، فلم يعلم هل شاء أو لم يشأ، فقد نص الشافعي في هذه المسألة على أن الحالف يحنث بشرط الدخول، فجعل الشك في المشيئة موجباً لسقوطها، وجعل اليمين على انعقادها فأوقع الحنث فيها، ونقل الربيع في كتاب الأم عن الشافعي في مسألة أخرى ضد هذا الجواب مع وجوب اشتراكهما فيه، وهو إذا قال الحالف: والله لا دخلت هذه الدار في يومي هذا إلا أن يشاء زيد فدخلها في يومه، ولم يعلم مشيئة زيد لم يحنث وهماً في حكم المشيئة سواء، وإن اختلفا في الصورة، لأن اليمين في المسألة الأولى معقودة على دخول الدار، وفي المسألة الثانية معقودة على ترك دخولها، ومشيئة زيد في المسألتين جميعاً رافعة لعقد اليمين، وقد جعل الشك في مشيئة زيد رافعاً لليمين في المسألة الثانية، ولم يجعل الشك فيها رافعاً لليمين في المسألة الأولى، ولولا أن الربيع علل جواب المسألة الثانية أنه لا يحنث لجواز أن يكون زيد قد شاء فلا يحنث بالشك، فجاز أن ينسب الربيع إلى الوهم، أو ينسب الكاتب إلى الغلط، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين الجوابين مع اتفاقهم على استواء البر والحنث في المسألتين على وجهين: أحدهما: أن خرجوا جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وحملوهما على قولين: أحدهما: يحنث بالشك في مشيئة زيد إثباتاً لعقد اليمين في المسألتين لأن الشك في صحة الاستثناء يوجب سقوط حكمه.
والثاني: لا يحنث بالشك في مشيئة زيد إثباتاً لصحة الاستثناء في المسألتين؛ لأن الشك في كفارة الحنث توجب سقوطها استصحاباً بالبراءة الذمة فهذا أحد وجهي أصحابنا.
والثاني: وقد حكاه أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة ليس اختلاف الجوابين على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فحنثه الشافعي في المسألة الأولى إذا فات أن يستدرك مشيئة زيد بموته ولم يحنث في المسألة الثانية إذا أمكن استدراكها بغيبته حياً، والتوصل إلى العلم بها، والله أعلم.
فصل: فأما المزني فإنه لما نقل في مسألة الكتاب أنه يحنث بالشك بالمشيئة قال: قد قال: خلافه في باب جامع الأيمان، والذي أشار إليه المزني في باب جامع الأيمان ليست المسألة التي حكاها الربيع في كتاب الأم، وإنما أراد ما قاله الشافعي إذا حلف ليضرب عبده مائة، فضربه بضغث يجمع شمراخ كما قال الله تعالى لأيوب حين حلف ليضرب

امرأته مائةً، ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: (44)] فإذا ضرب عبده بمائةَ شمراخ مجموعةً، فإن أحاط علمه بوصول جميعها إلى بدنه بر، وإن أحاط عليه بأنه لم يصل إلى بدنه حنث، وإن شك في وصول جميعها إلى بدنه لم يحنث ولم نجعله بالشك في وصول الضرب حانثا، فبعث إلى المزني الجواب في مسألة الضرب على ما حكيت، وفي مسألة المشيئةَ على ما ذكرنا وقد يقع الفرق بين الشك فيها، فلا يحنث بالشك في وصول الضرب ويحنث بالشك في وجود المشيئةَ، وإن كان الفرق ضعيفًا، هو أن الفعل في وصول الضرب قد وجد فغلب حكم الظاهر في وصوله: وليس لوجود المشيئةَ فعل يعمل على ظاهره، فغلب حكم سقوطها، والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو قال في يمينه لا افعل كذا إن شاء فلان فعلل ولم يعرف أو لم يشأ لم يحنث".
قال في الحاوي: وصورتها آن يقول الحالف: والله لأدخلن الدار في يومي هذا إن شاء زيد، فمشيئةُ زيد هنا شرط في انعقاد اليمين وليس بشرط في استثنائها ورفعها، فوجب أن تكون المشيئةَ موافقةً لعقد اليمين فيشاء أن لا يدخلها، بخلاف المشيئةُ، وفي الاستثناء الذي يتضمن ضد ما انعقدت عليه اليمين، فإن كان كذلك لم يخل أن يعلم مشيئةَ زيد أو لا يعلم، فإن علمنا حال مشيئةً لم يخل حالها أن تكون موافقةً لعقد اليمين أو مخالفةً، فإن كانت موافقةً لعقد اليمين وهو أن يشاء زيد أن لا يدخل الحالف الدار، واليمين منعقدةً لوجود الشرط في انعقادها فلا يبر في يمينه إلا بترك دخولها في يومه، فإن دخلها فيه حنث، وإن كانت مشيئةُ زيد مخالفةً لعقد اليمين؛ لأن زيدًا قد شاء دخول الحالف إليها، وقد حلف أن لا يدخلها، فاليمين غير منعقدةً؛ لأن شرط انعقادها في المشيئةُ مفقود، فإن قال الحالف: أردت بمشيئةُ زيد أن يشاء دخولي فلا أدخلها بيمين، حمل على إرادته في انعقادها لاحتماله، وإن خالف الظاهر، فأما إذا لم يعلم هل يشاء زيد أو لم يشأ لم تنعقد اليمين ولم يقع فيها حنث، لأن الشك في وجود شرطها يمنع من صحةُ انعقادها والله أعلم.

باب لغو اليمين من هدا ومن اختلاف مالك والشافعي

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "أَخَبَرُنَا مَالِكَ عَنْ هشامِ بُنِّ عُرْوَةِ عَنْ أَبِيه عَنْ عَائِشَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ " لَغْوَ الْيَمِينِ قولَ الإنسان لَا وَاللهَ وبلى وَاللهَ " قَالَ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ: وَاللَّغْوَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْكَلاَمِ غَيْرَ الْمَعْقُودِ وَعَلَيه جِمَاعَ اللَّغْوِ وَهُوَ الخطأ وَاللَّغْوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ

وَاللهُ أَعلمَ.
وَذَلِكَ إذاً كَانَ عَلَى اللُّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَالْعِجْلَةِ وَعَقْدَ الْيَمِّينَ أَنْ يُثَبِّتَهَا عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنَه".
قال في الحاوي: وأصل هذا قول الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: (225)] يريد بترك المؤاخذةَ باللغو في الأيمان ارتفاع المأثم وسقوط الكفارة.
واختلف الفقهاء في لغو اليمين الذي يسقط به المأثم والتكفير على مذاهب شتى أحدها: ما قاله مالك: إن لغو اليمين هو اليمين الغموس أن يحلف على الماضي كاذبًا فلا يؤاخذ بالكفارةً وإن كان آثمًا وهي اليمين الغموس.
والثاني: ما قاله أبو حنيفة: بأن لغو اليمين بأن يحلف على ماض يعتقد أنه صادق، فيبين كاذبًا فلا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والثالث: ما قال إبراهيم النخعي: أن لغو اليمين أن يحلف ناسيًا على ماض أو مستقبل، فلا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والرابع: ما قال الشعبي ومسروق: هو أن يحلف على معصيةً فيتركها فيصير لاغيًا يمينه، لا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والخامس: ما قاله سيد بن جبير آن لغو اليمين هو أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له من قول أو عمل لا يؤاخذ فيه بمأثم ولا كفارةً.
والسادس: ما قاله الشافعي: أن لغو اليمين ما يسبق به لسانه من غير قصد ولا عقد كقوله: لا والله، بلى والله، فلا يؤاخذ فيه بمأثم ولا كفارةً، وهو قول ابن عباس وعائشةً وعطاء، وأكثر التابعين استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: (225)] فدل على آن ما لم يقصده بقلبه لم يؤاخذ به وقال: ﴿لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: (89)] فدل على أن ما لم يعقده بغرمه لم يؤاخذ به، ولما رواه الشافعي عن عائشة في صدر الباب، وقد رواه حسان بن إبراهيم عن عطاء عن عائشةَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في لغو اليمين: "هو كلام العرب، لا والله، وبلى والله".
وروى طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله "لا يمين في غضب" فأسقط اليمين في الغضب لسبق اللسان بها وعدم القصد لها؛ ولأن لغو الكلام عند العرب ما تجرد عن غرض، وعري عن قصد وكان من البوادر والملغاةً كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: (55)] فكان ما ذهب إليه الشافعي تقتضيه اللغةَ فيه مع ما قارنه من محايل الشرع.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا من لغو اليمين لم تخل اليمين من أن تكون بالله تعالى أو (بغيره)،

فإن كانت بالله تعالى سبق بها لسانه وجرت بها عادته، فقال; لا والله، أو قال: بلى والله غير قاصد لعقد يمين فلا مأثم عليه ولا حنث، ولو نزه لسانه منها كان أولى، لئلا يجعل اسم الله تعالى عرضة ليمينه، وفد قال الله تعالى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: (224)] فأما إن قال: لا والله، بلى والله، فجمع بينهما، كان الأول لغوًا، لأنها غير مقصودةً وكانت الثانيةَ منعقدةً، لأنها استدراك فصارت مقصودةً؛ فإن كانت اليمين بغير الله من طلاق وعتاق سبق بها لسانه لغوًا من غير قصد، ولا عقد دين فيها فلم يؤاخذ بها في الباطن، وكان مؤاخذًا بها في الظاهر، بخلاف اليمين بالله في أنه لا يؤاخذ بلغوها في الظاهر ولا في الباطن؟ لأن كفارةً الحنث بالله من حقوقه المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فلم يؤاخذ بها في الباطن لاختصاصه بحقوق الله، وكان مؤاخذًا بها في الظاهر لاختصاصه بحقوق الآدميين والله أعلم.

باب الكفارة قيل الحنث وبعده.

مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ: "وَمِنْ حِلْفَ عَلَى شَيْءِ وَأَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ فَأُحِبُّ إلي لَوْ لَمْ يُكْفَرْ حَتَّى يَحْنَثَ فَإِنَّ كفرَ قَبْلَ الْحِنْثِ بِغَيْرَ الصِّيَامَ أَجْزَأُهُ وَإِنَّ صَامَ لَمْ يَجِزْهُ لَأَنَا نَزْعَمُ أَنْ لله عَلَى الْعُبَّادِ حَقَّا فِي أَمَوَّالِهُمْ وَتَسَلُّفَ -النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلْمَ- مِنْ الْعباسِ صَدُقَةَ عَامِّ قَبْلَ أَنْ يدخل وَأَنْ الْمُسَلَّمَيْنِ قَدَّمُوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَ الْفِطَرُ فَجُعَلَنَا الْحُقُوقَ فِي الأموال قِيَاسَا عَلَى هَذَا فَأَمَا الأعمال الَّتِي عَلَى الأبدان فَلَا تَجْزِيءَ إلا بَعْدَ مَوَاقِيتِهَا كَالْصَّلاَةِ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا آن كفارةً اليمين تجب على ماض ومستقبل، فأما اليمين على ماض فالكفارةَ فيه واجبةً بعقد اليمين وحده إذا كانت كذبًا، ولا يجوز تقديم الكفارةَ فيها قبل وجوبها؟ سواء كفر بإطعام أو صيام؛ لأنها لا تجب إلا بسبب واحد، وهو عقد اليمين، وآما اليمين على مستقبل فالكفارةَ فيها واجبةً بعقد اليمين، والحنث، فتعلق وجوبها بسببين عقد وحنث، وله في التفكير بها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكفر قبل اليمين والحنث فلا تجزئه سواء كفر بمال أو صيام لفقد كل واحدٍ من السببين كما لا يجزئه إذا عجل زكاةَ ماله قبل ملك النصاب والحول.
والثانية: أن يكفر بعد اليمين فلا يحنث فيجزئه، سواء كفر بمال أو صيام، وقد أخرجها بعد وجوبها فصار كإخراج الزكاةً بعد حولها والثالثة: أن يكفر بعد اليمين، وقبل الحنث فيكون كتعجيل الزكاةً بعد ملك النصاب وقبل الحول، فقد اخلف الفقهاء في تعجيلها على ثلاثة مذاهب:

أحدها: وهو مذهب أبي حنيفةَ يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول، ولا يجوز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث.
والثاني: وهو مذهب مالك، لا يجوز تعجيل الزكاةَ قبل الحول ويجوز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث.
والثالث: وهو مذهب الشافعي أنه يجوز تعجيل الزكاةَ قبل الحول، ويجوز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث إذا كانت بمال من كسوةً أو إطعام أو عتق، فلا يجوز تعجيلها إذا كانت بصيام.
وقال أحمد بن حنبل: يجوز تعجيلها قبل الحنث بمال أو صيام.
فأما مالك فهو موافق في تعجيل الكفارةَ مخالف في تعجيل الزكاةَ، وقد مضى الكلام في موضعه.
وأما أبو حنيفةً فقد مضى الكلام معه في تعجيل الزكاةً، ويتعين الكلام معه هاهنا في تعجيل الكفارةً قبل الحنث.
وله في الاستدلال طريقان: أحدهما: المنع عن تعجيل الكفارةَ قبل الحنث.
والثاني: أن الكفارةَ تجب بالحنث وحده دون اليمين، واستدل على المنع من تعجيلها بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" فكان له من الخير دليلان: أحدهما: قوله: "فليأت الذي هو خير منها" فقدم فعل الحنث على الكفارةً عرق الفاء الموجب للتعقب.
والثاني: قوله: (ثم ليكفر عن يمينه" وثم موضع للتعقيب والتراخي.
ومن القياس أن يكفر قبل الحنث فلم يحرم كالصيام.
ولأن كل حال لا يجوز التكفير فيها بالصيام لم يجز التكفير فيها بالمال قياسًا على ما قبل اليمين، واستدل على وجوب الكفارةَ بالحث وحده دون اليمين بأمرين: أحدهما: أن الحنث ضد اليمين، لأن اليمين تمنع من الحنث، والضدان لا يشتركان في معنى الوجوب لتنافيهما.
والثاني: أن الحنث لو كان أحد السببين في الوجوب لما روعي بعد عقد اليمين إحداث فعل من جهةً، كما لا يراعى في الحول بعد النصاب إحداث فعل من جهتهِ، ولما روعي في الكفارةَ حدوث فعل الحنث من جهتهِ دل على أن فعل الحنث هو الموجب للكفارةً كما نقول: إن الظهار وإن لم يكن إلا بعد عقد النكاح لما كان بفعل حادث منه، كان الظهار هو الموجب للكفارةً، دون النكاح.

والدليل على جواز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث ما رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرةَ أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير".
وروى قتادةَ عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرةً قال؛: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر ثم ائت الذي هو خير" فجوز في هذين الحديثين تعجيل الكفارةً قبل الحنث؛ فإن قيل: فقد روى فيها وفي الخبر المتقدم تأخير الكفارةً عن الحنث فعنه جوابان: أحدهما: أن تقديم الكفارةً أشهر من تقديم الحنث.
والثاني: أننا نستعمل الروايتين معًا، فحمل تقديم الكفارةَ على الجواز تأخيرها على الوجوب، وتستعملها على وجهٍ ثان أن يحمل تقديمها على التكفير بالمال، وتأخيرها على التكفير بالصيام.
فتكون باستعمال الخيرين أسعد ممن استعمل أحدهما وأسقط الآخر.
ومن القياس ما يوافق عليه أبو حنيفة أنه لو خرج إنسانًا وعجل كفارةَ قتله بعد جرحه وقبل موته أجزأه، وكذلك لو جرح المحرم صيدًا لو قدم جزاءه بعد جرحه وقبل موته أجزأه، فجعل هذا معه أصلًا للقياس فيقول: يكفر لتعلق وجوبه سببين فجاز تقديمه بعد وجود أحدهما قياسًا على كفارةً وجزاء الصيد، ولأنه يكفر بمال بعد عقد اليمين فوجب أن يجزئه قياسًا على ما بعد الحنث.
ولأنه حق مال يجب سببين يختصان به فجاز تقديمه على أحدهما قياسًا على تعجيل الزكاةَ، فإن منعوا من وجوبها سببين دللنا على وجوبها بالحنث واليمين لقول الله تعالى: ﴿وَلاكِن يُؤاخِذُكُم بِما عَقَّدتُمُ الأَيمانَ﴾ [المائدة: (89)] وبقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: (89)] فجعلها تكفيرًا لليمين فلم يجز أن يخرج من شرط الوجوب ولأن الكفارةَ حكم متعلق بالحنث فوجب أن يتعلق باليمين كما لو قال: إن دخلت الدار فعبدي حرّ كان عتقه متعلقًا بيمينه بدخول الدار، وإن منع أصحاب أبي حنيفةَ من تعليق عتقه بيمينه وبدخول الدار، وارتكبوا أن عتقه مختص بدخول الدار وحده منعوا من ارتكاب هذه الدعوى بما لا يدفعونه من أصل أبي حنيفةَ في هذا العبد إذا ادعى الحق باليمين والحنث، فأنكره السيد فأقام العبد عليه شاهدين باليمين وشاهدين بالحنث وحكم الحاكم بعتقه، ثم رجع شاهد اليمين وشاهد الحنث، قال أبو حنيفة: تجب قيمته على شاهدي اليمين خاصةً نصفين وعندنا تجب على شاهدي اليمين وشاهدي الحث أرباعًا، فقد جعل عتقه باليمين أخص من الحنث، فكانت الأيمان بالله أولى.
وأما الجواب عن الخبر فقد مضى.
وأما الجواب عن القياس على تعجيل الصيام فهو أن الصيام من حقوق الأبدان فلم

يجز تقديمه قبل وجوبه كما لا يجوز تقديم الصلاة وصيام شهر رمضان على وجوبهما، والمال مما يجوز تقديمه قبل وجوبه لتعجيل الزكاةَ، ومثله ما يقوله في حقوق الآدميين أن تقديم ما تعلق بالمال من الديون المؤجلةً قبل محلها جائز، وتقديم ما تعلق بالأبدان من القصاص وحدُ القذف قبل وجوبها غير جائز، وفي هذا دليل على أحمد بن حنبل في جمعه بين الأمرين في الجواز، وعبر آخر، وهو أن الصيام في الكفارةً يجوز بعد العجز عن المال في وقت الاستحقاق فلا اعتبار عند الحنث لم يجز تقديمه قبل الحنث فخالف المال في هذا المعنى.
وأما الجواب عن قياسهم على تعجيلها قبل اليمين فهو أنه لم يوجد أحد سببي الوجوب فامتنع التقديم كما امتنع تعجيل الزكاةً قبل ملك النصاب وجاز بعد اليمين لوجود أحد السببين كما جاز تعجيل الزكاةً بعد ملك النصاب.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الحنث ضد اليمين فلم يجز أن يشتركا في الوجوب فهو أن اليمين عقد والحنث حل، والحل لا يكون إلا بعد عقد فلم يتضادا، وإن اختلفا كما أن قوله: لا إله كفر، وقوله: إلا اله إيمان، فإذا اجتمعا كان الإيمان بهما منعقدًا أو لم يتنافيا بالمضادةَ.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعلق الكفارةً بإحداث فعل يمنع من تعلقها بما تقدمه من اليمين كالظهار يمنع من وجود الكفارةَ فيه بالنكاح وهو من وجهين: أحدهما: أن الحنث في الأيمان ما لا يتعلق له بإحداث فعل وهو أن يقول: والله لأدخلن الدار في يومي هذا فينقضي اليوم قبل دخولها حنث بغير فعله، وقد منع أبو حنيفةً من تعجيل الكفارةَ فيه، فبطل أن يكون إحداث الفعل عليه في اختصاصه بالوجوب، فكان يلزم أبا حنيفةً إن أراد صحةَ تعليله أن يجيز تقديم الكفارةً في اختصاصه بالوجوب فيما لم يكن الحنث بفعله، ويمتنع منهما فيما كان الحنث بفعله.
والثاني: أن المقصود بعقد النكاح غير الظهار فلم يكن سببًا في وجوب التكفير فيه، وإنما تجب كفارةَ الظهار بالظهار والعود، ويجوز تعجيلها قبل الظهار وقبل العود وعقد اليمين متردد بين أمرين من بر وحنث فصار لوقوفه بينهما نسبًا في وجوب التكفير على أن أبا علي بن أبي هريرةً يقول: إن كفارةَ الظهار تجب بثلاثةَ أسباب بعقد النكاح، وبلفظ الظهار، وبالعود، فلم يجز تقديمها بعد النكاح وقبل الظهار لوجوب سبب واحد وبقاء سببين.
وعلل بعض أصحابنا بأن الظهار محرم، فلم يجز تعجيل الكفارة فيه لأنه يؤدي آلي استباحة محظور عليه والحنث غير محرم فجاء من هذا التعليل أن يعتبر حال الحنث في الأيمان فإن كان واجبًا كمن حلف؛ لا صليت فرضًا أو مستحبًا كمن حلف؛ لا صليت نفلًا أو مباحًا كمن حلف؛ لا أكلت لحمًا جاز تعجيل الكفارةَ فيها قبل الحنث، وإن كان الحنث محظورًا كمن حلف بالله لا شربت خمرًا، ولا قتلت نفسًا لم يجز تعجيل الكفارةَ فيها قبل الحنث فصار تعجيلها فيما لم يكن محظورًا جائز وجهًا واحدًا، وجواز

تعجيلها فيما كان حنثه محظورًا على وجهين.
فأما تعجيل جزاء الصيد قبل إحرامه وقبل قتله وجرحه فلا يجوز وجهًا واحدًا وإن اختلفوا في تعليله، فعند أبي علي بن أبي هريرةً أن علةَ المنع أن الجزاء متعلق بثلاثةَ أشياء بالإحرام والجراح والموت، فلم يجز تعجيله بمد أحدها وبقاء أكثرها، وعند من راعى الحظر والإباحةَ علل بأن تقديم الجزاء موجب لاستباحةُ محظور، فلم يجز فإن حل له قتل الصيد لضرورةً إليه، قال صاحب هذا التعليل وحكاه عنه أبو إسحاق المروري: يجوز له تعجيل جزائه بعد إحرامه وقبل قتله، وعند جمهور أصحابنا علة المنع آن الإحرام غير مقصود لقتل الصيد فلم يكن سببًا لوجوب الجزاء، فأما تعجيل الجزاء بعد الجراح وقبل الموت فجائز باتفاقهم وإن وهم فيه أبو حامد الإسفراييني فخرجه على وجهين؟ لأنه ليس يستبيح بالجزاء بعد الجزاء محظورًا، لأن موت الصيد حادث عن الجرح المتقدم قبل تكفيره، والله أعلم.

باب من حلف بطلاق امرأته أن يتزوج عليها

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وَمِنْ قَالَ لامرأته أَنْتِ طَالِقَ إِنَّ تَزَوَّجَتْ عَلَيكِ فَطِلْقَهَا واحدَةً تَمَلُّكَ الرُّجُعَةِ ثَمَّ تَزَوُّجَ عَلَيهَا فِي الْعُدَّةِ طَلَّقَتْ بِالْحِنْثِ وان كَانَتْ بَائِنَا لَمْ يُحْنَثْ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا قال: إن تزوجت عليك فأنت طالق ثم تزوج عليها لم يخل تزويجه من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يتزوج عليها وهي باقيةً على نكاحه، فقد طلقت سواء قرب زمان تزويجه أو بعد؟ لأنه قد جعله شرطًا في وقوع الحنث فاستوي حكمه في القرب والبعد، ولا فرق بين أن يتزوج عليها من يكافئها في نسبها وجمالها، أو تقدم عنها في النسب والجمال، ووافقنا مالك على هذا، وإن خالفنا إذا حلف، ليتزوجن عليها، على ما نذكر وان تزوج عليها بعقد فاسد لم يحنث، لأن فساد العقد يمنع من صحةَ الشرط، وسواء دخل بها أو لم يدخل ويجيء على قول مالك أنه يحنث إن دخل بها، ولا يحنث إن لم يدخل بها، على معنى قوله: إذا نكح الوليان ودخل الثاني صح عقده.
والثانية: أن يتزوج عليها وقد طلقها طلاقًا رجعيًا، فلا يخلو حالها فيه من آن تكون باقيةً في العدةً أو خارجةً عنها، فإن كانت باقيةً في عدتها طلقت بالحنث أخرى لأنها لما طلقت في العدةً إذا باشرها بالطلاق بالحنث في الطلاق ألا ترى أنه لو حلف بعتق عبده، إن باعه فباعه عتق عليه بعد بيعه، لأنه لو باشر عتقه في خيار المجلس عتق، كذلك إذا

جارٍ التحميل