يس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
المتقدمة التي القرآن يصدقها ويشهد عليها بالصحة أنها من عند الله.
وقد طعن قوم في قول مجاهد من أجل الواو التي مع " مهيمن "، لأن الواو توجب عطفه على " مصدق "، و " مصدق " حال من الكتاب الأول، والمعطوف شريك المعطوف عليه، قال: ولو كان حالاً من الكاف التي للنبي صلى الله عليه وسلم في ﴿إِلَيْكَ﴾، لم يؤت بالواو، فالواو تمنع من ذلك.
ولو تأول متأول أن ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، ﴿وَمُهَيْمِناً﴾ عطف عليه، لَبَعُد ذلك، من أجل قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ولم يقل " يديك ".
وهو جائز على بُعدِه على التشبيه بقوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: 22] بعد قوله: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾.
فإن تأولته على هذا، كان " مصدق " و " مهيمن " حالين من
الكاف التي هي اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المصدق للكتب المتقدمة، والمؤتمن على الكتاب، وهو القرآن.
وقوله: ﴿فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله﴾ أي: إذا أتوك فاحكم بينهم بشرائع الله التي [أنزلها] عليك، ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق﴾ إذ قالوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا﴾ [المائدة: 41] أي: إن حَكَم بينكُم (في المحصنين) بالتَّحْميم والجَلْدِ بِحَبْل ليف فاقبلوا منه، وإن لم يحكم بذلك فاحذروا أمره ولا تتبعوه، وذلك قول يهود فَدَك ليهود المدينة، فأمر الله نبيَّه ألا يتبع أهواءهم في ذلك، وأن يحكم بما أنزل الله أي: بحدوده.
قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً [وَمِنْهَاجاً]﴾ أي: شريعة، ﴿وَمِنْهَاجاً﴾ أي: طريقاً واضحاً.
قال قتادة: معناه أن للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يُحِلُّ الله فيها ما يشاء، ويُحرِّم ما يشاء لِيَعْلَم أهل طاعته، والإخلاصُ واحد، والتوحيدُ واحدٌ لا يختلف، ولا يقبل غيره، وهو الإسلام، فالإسلام دين الأنبياء كلهم وشرائعهم في (الحلال والحرام) والصلاة والصوم وغير ذلك من العبادات مختلِفٌ على ما أراد الله من أمة كل نبي، لِيبلوَ الجميع بما يشاء من أحكامه، فَيَجْزِي الطائعَ ويعاقب العاصي، لا إله إلا هو.
وقال مجاهد: معناه: لِكُلِّكُم جعلنا القرآن شِرعةً ومنهاجاً، أي: شرعة وطريقاً واضحاً، عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، هذا معنى قوله.
واختار الطبري القول الأول، وهو أن يكون: لكل أمة جعلنا شريعة
وطريقاً، / واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي يجعلكم (كلكم) - أيها الأُممُ - على شريعة واحدة، قال: ولو عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن لقوله ﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فائدة، لأنهم أمة واحدة - أمة محمد - قد فعل بهم ذلك.
ويدل على أنه أراد به الأمم (أنه قد جرى) ذكر الكتب التي قبل القرآن، وذكر عيسى وغيره، فرجع الكلام على ذلك.
وقال ابن عباس (شرعة ومنهاجاً): سبيلاً وسنة، وكذلك قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: إن الشرعة السبيل، والمنهاج السنة.
﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: على دين واحد وعلى شريعة واحدة.
قوله تعالى: ﴿ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم﴾ في الكلام حذف، والمعنى: ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم فيما آتاكم من شرائعه.
وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم،
والمراد به النبي ومن معه ومن مضى من الأمم.
﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي: فبادروا إلى عملها قبل أن تعجزوا عنها بموت أو هرم أو مرض، فإن (مرجعكم إلى الله)، فيجازيكم بأعمالكم، ويخبر كل فريق بعمله، ويبين المحق من المبطل، (وتنقطع الدعاوى، لأن الأنبياء قد أخبرت بالمحق من المبطل) في الدنيا، ولكن الدعاوى لم تنقطع، ففي الآخرة تنقطع الدعاوى وتقع الحقائق.
قوله: ﴿وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الآية.
هذا معطوف على ﴿الحق﴾ [المائدة: 48] أي: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم بينهم.
وهذا - عند جماعة - ناسخ للتخيير الذي تقدم في الحكم بينهم، أمره الله
بالحكم بينهم وأن لا يتبع أهواءهم في الأحكام التي قد أحدثوها في القتيل من بني النضير ومن قريظة، وفي التحميم الذي جعلوه على المحصن من عند أنفسهم، حذّره منهم أن يفتنوه عن الحكم الذي أنزل الله فيردوه إلى [حكمهم].
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي: أعرضوا عن الاحتكام إليك والرضا بحكمِك، فاعلم أن ذلك إنما هو من الله ليعجل لهم عقوبة ذنوبهم السالفة في عاجل الدنيا.
﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ﴾ يريد به اليهود، إنهم لتاركون العمل بكتاب الله وخارجون من طاعته: ذكر ابن عباس أن بعض علماء اليهود قالوا: امضوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: قد علمت أننا علماء يهود وأشرافها، وإنا
إذا اتَّبعْناك [اتّبَعَنا] يهود، فنؤمن بك كلنا، وبيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك.
فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ﴾ الآية.
قال ابن زيد: معنى ﴿أَن يَفْتِنُوكَ﴾: أن يقولوا لك كذا وكذا في التوراة بخلاف ما فيها، قد بين الله له ما في التوراة، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45]، يعني: كتب ذلك في التوراة.
قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ الآية.
قرأ الحسن وقتادة والأعمش ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية﴾، والحَكَم والحاكم سواء، والعامل فيهما [(يبغون)]، والحُكْم في الجاهلية: الكاهن.