الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال الضحاك عن ابن عباس: معناه أدخل يدك فضعها على صدرك حتى يذهب عنك الرعب.
قال/، ابن عباس: فليس من أحد يدخله رعب بعد موسى، ثم يدخل يده فيضمها إلى صدره، إلا ذهب عنه الرعب.
وقال الفراء: الجناح هنا: العص، وهذا قول شاذ.
وحكى أهل اللغة أن الجناح من أسفل العضد إلى آخر الإبط، وربما قيل لليد: جناح.
وقد قال أبو عبيدة: جناحك: يدك.
وقوله: ﴿مِنَ الرهب﴾ أي من الخوف والفزع الذي داخلك من الحية.
ثم قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ﴾ أي فهذان اللذان أريناك برهنان من ربك، أي آيتان وحجتان إلى فرعون وملإه على نبوتك يعني اليد والعصا.
وحكى بعض أهل اللغة: في " ذا " المد والقصر، ذاء وذا.
ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي خارجين عن الإيمان.
و" من " في قوله: " من الرهب " متعلقة " بيعقب: أي ولم يعقب من الرهب.
وقيل: هي متعلقة " يولى مدبراً من الرهب ".
قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، أي إني أخاف إن آتيتهم فلم أين عن نفسي أن يقتلون بالنفس التي قتلت، وكانت في لسانه عقدة لا يبين معها ما يريد من الكلام فقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾، أي أحسن مني بياناً ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾، أي عوناً يصدقني.
قاله مجاهد وقتادة، وهو قول أهل اللغة.
يقال أردأته: أي أعنته ومن فتح الدال فعلى تخفيف الهمزة.
وقيل: إنما سأل موسى في إرسال أخيه معه، لأن الاثنين إذا اجتمعا على الخبر
كانت النفس إلى تصديقهما أسكن منها إلى تصديق خبر الواحد.
قال ابن زيد.
وعن ابن عباس ﴿رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾: كي يصدقني.
وقال مسلم بن جندب: الردة: الزيادة.
وقال السدي: كيما يصدقني إني أخاف أن يكذبون فيما أرسلتني به إليهم، ومن جزم " يصدقني " جعله جواباً للطلب، ومن رفع فعلى الاستئناف.
وتقف على " ردءاً " ويجوز الرفع على أن تجعله نعتاً لردءاً، أي ردءاً مصدقاً، ويجوز أن تجعله حالاً من الهاء في " فأرسله " ولا تقف على هذين الوجهين على رداً.
قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي قال الله جل
ذكره لموسى: سنشد عضدك بأخيك أي نقويك، ونعينك بأخيك.
وذكر العضد لأن قوة اليد بالعضد ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾، أي حجة فلا يصلون إليكما، أي لا يصل فرعون وقومه إليكما بضر.
وقوله: " بآياتنا " متعلقة " بسلطان " والمعنى: ونجعل لكما حجة بآياتنا يعني العصا واليد.
فلا تقف على هذا التقدير على " إليكما ".
وقيل: التقدير فلا يصلون إليكما بآياتنا تمتنعان بآياتنا فلا تقف أيضاً على " بآياتنا " إلا أن تقدر الفعل في ابتدائك فتقف على " إليكما ".
وقال الأخفش والطبري: التقدير: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا، ثم قدمت الآيات، وهذا لا يجوز لأنه تقديم صلة على موصول، وقد أجازه الأخفش، على أن يكون بياناً مثل: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ فعلى هذا تقف على
﴿إِلَيْكُمَا﴾.
ويروى: أن الله جعل في الحية التي انقلبت من العصا عِظمَاً وقوة، ما لو تركت على فرعون وقومه لأهلكتهم، فكانوا من خوف هذه الحية، ولما شاهدوا من عِظمها لا يتجرءون على قتل موسى وهارون ولا يطمعون في الوصول إليهما بسوء، فذلك قوله عز وجل: ﴿ فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي لا يتجرءون على قتلكما مع ما ظهر إليهم من عظم الآيات والخوف منها على أنفسهم، يشغلهم الخوف من عظيم ما عاينوا عن أن يقدروا على أذى موسى وهارون.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾، أي قال فرعون وقومه: ما هذا الذي جئتنا به يا موسى إلا سحر افتريته، أي تخرصته من عند نفسك، وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في أسلافنا الأولين.
قال لهم موسى: ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾، أي ربي أعلم بالمحق من المبطل وبمن جاء
بالرشاد ﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾، أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة منا ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾، وهذه مخاطبة جميلة من موسى عليه السلام لفرعون، فترك موسى أن يقول له: بل الذي غر قومه، وأهلك جنده، وأضل أتباعه، أنت لا أنا، ورجع إلى ملاطفته فقال: ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ / عَاقِبَةُ الدار﴾، فبالغ موسى بهذا في ذم فرعون وقومه بخطاب جميل.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾، أي قال ذلك فرعون لأشرف قومه لئلا يصدقوا موسى فيما جاءهم به من عبادة الله.
﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾، يريد عمل الآجر، وهو أول من عمله وبنى به ﴿فاجعل لِّي صَرْحاً﴾، ابن لي بنياناً مرتفعاً ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ أي انظر إلى معبود موسى الذي يدعونا إلى عبادته ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين﴾، أي أظن موسى فيما يقول: إن له معبوداً، كاذباً.
والظن هنا شك، فكفر الملعون بالشك.
قال السدي: فبنى له هامان الصرح، وارتقى فوقه فأمر بنشابة، فرماها نحو السماء فردت عليه وهي ملطخة دماً، فقال: قد قتلت إله موسى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قوله تعالى ذكره: ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾،
أي تجبَّر فرعون وقومه، في أرض مصر عن تصديق موسى واتِّباعه على توحيد الله وعبادته بغير الحق أي تعدياً وعنواً على ربهم وظنوا أنهم لا يبعثون بعد مما تهم، وأنه لا ثواب ولا عقاب.
قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾، أي أخذنا فرعون وجنوده فأغرقناهم في البحر، فانظر يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾، أي انظر بعين قلبك، وفكر بفهمك، فكذلك نفعل بمن كذبك فقتلهم الله بالسيف.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾، أي جعل الله فرعون وقومه
أئمة للضلال، يأتم بهم أهل العتو على الله، يدعون الناس إلى الضلال الذي هو سبب الدخول إلى النار.
﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾.
أي لا ينصرهم من عذاب الله أحد، وقد كانوا في الدنيا يتناصرون.
قال تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾.
أي ألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا حزناً وغضباً، وبعداً من الله ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ المقبوحين﴾.
قال قتادة: لعنوا في الدنيا والآخرة وهو مثل قوله:
﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة بِئْسَ الرفد المرفود﴾ [هود: 99].
ق ابن جريج: ﴿هُمْ مِّنَ المقبوحين﴾ مستأنف " فأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة لعنة ". فيجب على قوله: أن يقف القارئ على ﴿القِيَامَةِ﴾،
والوقف عند نافع: " لعنة ". ومعنى ﴿مِّنَ المقبوحين﴾، أي من الذين قبحهم الله وأهلكهم بتكذيبهم رسوله موسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾،.
أي ولقد أعطينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، وغير ذلك من الأمم.
﴿بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ﴾، أي ضياء لبني إسرائيل في أمر دينهم.
﴿وَهُدًى﴾، أي وبياناً ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن عمل به منهم.
﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي تذكرون نعم الله بذلك عليهم فيشكرونه، ولا يكفرون.
قال أبو سعيد الخدري: ما أهلك الله جل ذكره بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، غير القرية التي مسخ أهلها قردة، ألم تر أن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر﴾، هذا الكلام
تضمن إضماراً دل عليه المعنى.
والمعنى: لم تكن يا محمد في جانب الغربي إذ قضينا إلى موسى أمرك، وذَكَرْنَاكَ بخير ذكر، لأن هذا الكلام لا يستعمل إلا في رجل جرى ذكره إما بخير أو بشر، ولا يذكر الله نبيه إلا بخير، ووصى باتِّباعِهِ إذا بعث، دل على ذلك قوله: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾، فنسوا الوصية وتركوها لطول الزمان عليهم.
وقوله: ﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾، أي لم تكن يا محمد بحاضر لما وصاهم الله به في أمرك.
وقيل: الشهود بمعنى الشهادة أي لم تكن بشاهد عليهم فيما وصاهم به من أمرك /، والإيمان بك.
وقوله: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾، إيماء إلى نقضهم العهد، وتركهم للوصية بالإيمان بمحمد عليه السلام وما يأتيهم به، وقد أخبرنا أن محمداً
تجده اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ويجدون صفته.
يروى: أن الله أعلم موسى صلى الله عليه وسلم أنه يبعث نبياً من ولد إسماعيل يسمى محمداً، وأنه أخذ ميثاقه على أمة موسى أن يؤمنوا به، فطالت عليهم الأزمنة فنسوا ما عهد إليهم به.
فالمعنى: أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، أي فرغنا إلى موسى الأمر، يعني ما ألزم الله تعالى موسى وقومه، وعهد إليهم من عهده.
﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾، أي لم تشهد يا محمد ذلك ولم تحضره.
قال قتادة وابن جريج: ﴿بِجَانِبِ الغربي﴾ أي بجانب غربي الجبل.
وقيل: المعنى: لم تكن يا محمد في ذلك المكان إذ أعلمنا موسى أن أمة محمد خير الأمم.
﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾، أي لم تشهد يا محمد ذلك ولم تحضره.
وقال أبو عبيدة: ﴿بِجَانِبِ الغربي﴾ حيث تعغرب فيه الشمس والقمر والنجوم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾، أي خلقنا أمماً من بعد ذلك فتطاول عليهم العمر.
﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، أي مقيماً فيهم.
﴿تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، أي لم تشهد يا محمد شيئاً من ذلك، أي ما ابتليت يا محمد بشيء من ذلك بل الثاوي شعيب وهو المبتلى بهم.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا﴾، أي إذ نادينا موسى بقولنا: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ [الأعراف: 156] إلى قوله: ﴿المفلحون﴾ [الأعراف: 157].
وقيل: نادى الله جل ذكره: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني، فقال موسى: يا رب جعلت وفادتي لغيري.
وذلك حين اختار موسى قومه سبعين رجلاً للميقات.
وقال أبو زرعة: رواه الأعمش عن علي بن مدرك عنه: نادى أمة محمد: أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني.
وأسند أبو زرعة هذه الألفاظ عن أبي هريرة، وأسنده إبراهيم بن عرفة إلى أبي هريرة أيضاً.
ثم قال: ﴿ولكن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ رحمة نصب على المصدر عند الأخفش والتقدير: ولكن رحمة ربك رحمة، وهو مفعول من أجله عند الزجاج أي فعلنا ذلك للرحمة وهو عند الكسائي خبر كان مضمره، والتقدير: ولكن كان ذلك رحمة، والمعنى: لم نشهد ذلك يا محمد، فتعلمه، ولكن: عرفناكه، وأنزلنا عليك، واقتصصنا ذلك كله عليك في كتابنا، وابتعثناك بما أنزلنا إليك من ذلك رسولاً إلى من ابتعثناك إليه رحمة لك ولهم: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾، يعني العرب.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، فيظهر لهم خطأ ما هم عليه من الكفر.
قال تعالى: ﴿ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، جواب
لولا محذوف.
والتقدير: لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك إليهم يا محمد إذا حل عليهم العذاب على كفرهم قبل إرسالك إليهم، هلا أرسلت إلينا رسولاً من قبل أن يحل بنا سخطك ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾، لعاجلهم العذاب.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى﴾ أي فلما جاء هؤلاء الذين لم يأتهم من قبلك يا محمد رسول الحق من عندنا وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة من الله إليهم.
قالوا تمرداً على الله وتمادياً في الغي: هلا أوتي محمد مثل ما أوتي موسى من الكتاب، فقال الله جل ذكره لنبيه: قل لهم يا محمد أو لم يكفر الذين علموكم هذه الحجج من اليهود بما أوتي موسى من قبل.
قال مجاهد: يهود تأمر قريشاً أن تسأل محمداً مثل ما أوتي موسى عليه السلام.
يقول الله جل ذكره لمحمد: قل لقريش تقول لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾.
وقيل: معنى ﴿مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى﴾، يعنون به العصا وانفلاق البحر /، ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، أي قالت اليهود موسى وهارون عليهما السلام ساحران تعاونا على السحر، قاله مجاهد.
وقال الحسن: عيسى ومحمد عليهما السلام.
ومن قرأ: " سحران " فمعناه: التوراة والفرقان.
قاله ابن عباس وابن زيد.
وقال عكرمة: التوراة والإنجيل.
وقال الضحاك: الإنجيل والقرآن.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، أي بما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم وغيره نكفر.
يقول ذلك أهل الكتاب.
قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله﴾،
أي قل يا محمد للقائلين في التوراة والإنجيل إنهما ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أو محمد وموسى، أو موسى وهارون إنهما ساحران، ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى﴾، من هذين الكتابين أو من هذين الرسولين، وإذا جعلت " منهما " للرسولين، فعلى قراءة من قرأ لساحران لا بد من حذف، والتقدير هو أهدى من كتابيهما ﴿أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي إن جئتم بالكتاب أتبعه إن كنتم صادقين في قولكم: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾، أي إن لم يجيبوك إلى ما تدعوهم إليه من الإتيان بكتاب، فاعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم في كفرهم وجحدهم لكتب الله وأنبيائه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله﴾، أي من أضل عن
طريق الرشد ممن اتبع هواه بغير بيان عنده من الله ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾، أي لا يوفقهم لإصابة الحق، أي لا أحد أضل ممن هذه صفته.
وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
أي ولقد وصلنا يا محمد لقومك من قريش، ولليهود من بني إسرائيل القول بأخبار الماضين، والنبأ عما أحللنا بهم من العقوبات، إذ كذبوا الرسل ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي يتفكرون، ويعتبرون.
وأصل " وصلنا " من وصل الجبال بعضها ببعض.
قال أبو عبيدة: وصَّلْنا أتممنا.
قال قتادة: معناه: وصَّلْنا لهم خبر من مضى بخبر من يأتي.
وقال ابن عيينة وصَّلنا: بَيَّنَّا.
وقال ابن زيد: وصّلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة وشهدوها وهم في الدنيا، بما نريهم من الآيات في الدنيا.
قال مجاهد: وصّلنا لهم: يعني قريشاً.
وقيل: عني به اليهود.
وقرأ الحسن: " وصلنا " بالتخفيف.
وقيل: معنى ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ أي جعلنا بعضه ينزل إثر بعض مشاكلاً بعضه لبعض في باب الحكمة وحسن البيان.
قال تعالى: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، يعني من آمن بمحمد عليه السلام من أهل الكتاب.
قال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق
يأخذون بها وينتهون، حتى بعث الله جل ثناؤه محمداً آمنوا به وصدقوه، فأعطاهم الله أجرهم مرتين بصبرهم على الكتاب الأول، واتباعهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وصبرهم على ذلك.
وقيل: أعطاهم الله أجرهم مرتين بإيمانهم ببعث محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثه، وإيمانهم به بعد بعثه، فبصبرهم على ذلك أعطوا أجرهم مرتين.
ويقال: إن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام.
قال الضحاك: هم ناس من أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم أدركوا محمداً فآمنوا به، فآتاهم الله أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد قبل أن يبعث، وباتباعهم إياه حين بعث، فذلك قوله عنهم: ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
وقال الزهري: هم النجاشي وأصحابه وجه بثني عشر رجلاً، فجلسوا مع النبي عليه السلام، وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قاموا من عنده، تبعهم أبو جهل ومن تبعه فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركباً أحمق ولا أسفل منكم، فقالوا: سلام عليكم لم نأل أنفسنا رشداً ﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: 55].
وقوله: ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، أي من قبل إتيان محمد لأنا وجدنا صفته في كتابنا فآمنا به، ثم بعث فآمنا به.
والهاء في " قبله " تعود على /، النبي عليه السلام، أو على
القرآن، فالتقدير: وإذا يتلى عليهم القرآن قالوا: آمنا به إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبل هذا القرآن - أي من قبل نزوله - مسلمين.
وقيل: نزلت في عشرين رجلاً من النصارى، قدموا على النبي عليه السلام وهو بمكة حين بلغهم خبره، فوجدوه في المجلس، فجلسوا إليه، وكلموه وساءلوه.
ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا عن مسألتهم له فيما أرادوا، دعاهم النبي عليه السلام إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا، وصدقوا، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه، اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقمتوه بما قال، ما نعلم ركباً أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيراً.
وقيل: كانوا ثمانين رجلاً، منهم أربعون من نصارى نجران واثنان وثلاثون من نصارى الحبشة، وثمانية من الروم، وفيهم نزل من قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ [القصص: 55].
قال تعالى: ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾، وقد تقدم تفسير هذا في الآية التي قبل هذه.
ثم قال: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾، أي ويدفعون بالحسنة من أعمالهم السيئة، أي يدفعون بالاستغفار والتوبة: الذنوب.
وقال الزجاج: ويدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدم لهم من السيئات.
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ قال قتادة: صبروا على الكتاب الأول، وعلى اتباع محمد، وهو قوله ابن زيد.
وقيل: صبروا على الإيمان بمحمد قبل أن يبعث، وعلى اتباعه بعد أن بعث،
قاله الضحاك.
وعن مجاهد: في قوله: ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾، أنها نزلت في قوم مشركين أسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، فأعطوا أجرهم مرتين بصبرهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾، أي وإذا سمع هؤلاء الذين أوتوا الكتاب اللغو: وهو الباطل من القول، أعرضوا عنه.
وقيل: المعنى إذا سمعوا ما زيد في كتاب الله وغير مما ليس منه، أعرضوا عنه، قاله ابن زيد.
وقال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم ويقولون: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ فمعنى ﴿أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ لم يصغوا إليه ولا التفتوا.
﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا﴾ أي قد رضينا بها لأنفسنا ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، أي قد رضيتم بها لأنفسكم ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي أمنة لكم منا أن نسابكم أو تسمعوا منا ما لا
تحبون ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾، أي لا نريد محاورة أهل الجهل.
وقيل: معناه: لا نطلب عمل أهل الجهل.
وقال بعض العلماء: الآية منسوخة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الابتداء بالسلام على الكفار.
وهذا لا يصح لأن الآية ليست من السلام الذي هو تحية، إنما هو من المتاركة والمباراة.
وقال جماعة: هي منسوخة بالأمر بالقتال.
وقيل: الآية محكمة، وإنما هذا قول حسن ومخاطبة جميلة.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾،
أي إنك يا محمد لا تهدي من أحببت هدايته، ولكن الله يهدي من يشاء هدايته
من خلقه، فيوفقه للإيمان.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾، أي والله أعلم بمن سبق له في علمه أنه يهتدي للرشاد.
ويروى: أن هذه الآية: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لما امتنع عمه أبو طالب من إجابته إذ دعاه إلى الإيمان.
روى أبو هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه أبي طالب عند الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة.
قال: لولا أن تعيرني /، قريش.
يقولون ما حمله إلا جزع الموت أقرت عينك بها؟ فنزلت ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، الآية ".
وروى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: " لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن
المغيرة، فقال رسول الله: يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه، ويعيد تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما والله لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك " فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية.
وأنزل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيات ".
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: نزلت في أبي طالب على ما ذكرنا.
قال تعالى: ﴿وقالوا إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾، أي وقال كفار قريش: إن نتبع الذي جئتنا به، ونتبرأ من الأنداد والآلهة: يتخطفنا الناس من أرضنا، لاجتماع جميعهم على خلافنا، وحربنا، يقول لهم الله جل ذكره: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾ أي نوطئ لهم بلداً: حرم فيه سفك الدماء، ومنع من أن يتناول سكانه فيه بسوء، وأمن أهله من أن تصيبهم فيه غارة أو قتل أو سبي.
قال ابن عباس: كان من أحدث حدثاً في بلد غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أمن إذا دخله، ولكن لا ينبغي لأهل مكة أن يبايعوه، ولا يطعموه، ولا يسقوه، ولا يؤووه، ولا يكسوه، فإذا خرج
من الحرم أخذ وأقيم عليه الحد.
قال: ومن أحدث فيه حدثاً أخذ بحدثه فيه.
قال مجاهد: إذا أصاب الرجل الحد في غير الحرم، ثم أتى الحرم، أخرج من الحرم، فأقيم عليه الحد، وإن أصاب الحد في الحرم أقيم عليه الحد في الحرم.
وقال ابن جبير: نحوه، وأكثر الفقهاء: على أن الحد يقام في الحرم على من وجب عليه حد أحدثه في الحرم أو غير الحرم، ولا يمنع الحرم من الحق من حقوق الله، ولا من حق أوجبه الله، فالمعنى: أن من مكن لكم حرماً آمناً، لا يتعدى على أحد فيه، قادر على أن يمنع منكم من خالفكم في الدين إن آمنتم، لأنهم اعتذروا أنهم يخافون أن تجتمع عليهم العرب، فتقتلهم إن آمنوا أو خالفوا دين العرب، فأعلمهم أن من جعل لكم الحرم آمناً يقدر على أن يمنعكم من العرب إن آمنتم.
قال ابن عباس: " الحارث بن نوفل هو الذي قال:
﴿إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾.
قوله: ﴿يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي تجبى إليه من كل بلد.
﴿رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾، أي رزقاً لهم من عندنا.
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، نعم الله عليهم.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، أي وكثير من القرى أهلكنا أهلها، و ﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و ﴿مَعِيشَتَهَا﴾، نصب على حذف " في ". والتقدير عند " المازني " بطرت في معيشتها، ونصبه عند الفراء على التفسير، ونظيره ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ [النساء: 4].
والبطر: الأشر في النعمة ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾، أي دورهم: ﴿لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾، أي إلا وقتاً قليلاً، فتلك إشارة إلى مساكن عاد بناحية الأحقاف واليمن.
وإلى منازل ثمود بناحية وادي القرى، ومساكن قوم لوط بالمؤتفكات وغير ذلك من مساكن الأمم المهلكة.
وقيل: المعى لم يسكن منها إلا القليل، وباقيها خراب، والمعنى: إلا قليلاً منها فإنه سكن.
﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾، أي لا وارث لهم فيها.
ثم قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً﴾، أي لم يكن ربك يا محمد مهلك القرى التي حوالي مكة في زمانك وعصرك ﴿حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً﴾ أي في مكة / لأنها أم القرى.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، أي القرآن، والرسول محمداً صلى الله عليه وسلم.
﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، أي لم نكن مهلكي القرى وهي بالله مؤمنة، إنما نهلكها بظلمها أنفسها.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾، أي ما أعطيتم من شيء من مال وأولاد، فإنما هو متاع تتمتعون به في هذه ﴿الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا﴾.
ليس مما يغني عنكم شيئاً، ولا ينفعكم شيء منه في معادكم، ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ﴾، مما متعتم به في الحياة الدنيا، وإبقاء لأهل طاعته وولايته لأنه دائم لا نفاذ له.
وقيل معناه: خير ثواباً وإبقاء عندنا.
﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، أي أفلا عقول لكم أيها القوم تتدبرون بها فتعرفون بها الخير من الشر، وتختارون لأنفسكم خير المنزلتين.
قال تعالى: ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ﴾، أي أفمن وعده الله من خلقه على طاعته إياه أن ينجز له ما وعده ﴿فَهُوَ لاَقِيهِ﴾ لاق ما وعد به، كمن متعه الله في الدنيا متاعاً زائلاً ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾، أي من المشهدين عذاب الله وأليم عقابه.
وقال قتادة: هو المؤمن يسمع كتاب الله جل وعز وصدق به، وآمن بما وعده الله فيه.
﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾، وهو الكافر ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾، عذاب الله.
قال مجاهد: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله.
وعن مجاهد أيضاً: أنها نزلت في حمزة، وعلي، وأبي جهل،.
وقيل: نزلت في حمزة وأبي جهل.
أي ويوم ينادي رب العزة الذين أشركوا به في الدنيا، فيقول لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، في الدنيا أنهم لي شركاء، فالمعنى: أين شركائي على قولكم وزعمكم؟ وهذا النداء إنما هو على طريق التوبيخ لهم، وإلا فقد عرفوا في ذلك اليوم بطلان ما كانوا عليه، وعرفوا أن أولئك الشركاء الذين كانوا يعبدون لا ينفعونهم بشيء.
قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾، أي وجب عليهم العذاب
والغضب واللعنة.
قال قتادة: هم الشياطين يعني الذين يغوون الناس.
وقيل: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ وجبت عليهم الحجة فعذبوا.
﴿رَبَّنَا هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ﴾، أي دعوناهم إلى الغي، ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾، أي أضللناهم كما ضللنا.
﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ﴾، أي تبرأ بعضنا من بعض وعاداه، وهو قوله تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67].
قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، أي ما كانوا يعبدوننا.
وقيل: هم دعاة الكفار إلى الكفر من الإنس.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾،
أي وقيل للمشركين: ادعوا شركاءكم الذين كنتم تدعون في الدنيا من دون الله، ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾، أي لم يجيبوهم لحجة، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم
اختلقوهم وأضافوهم إلى العبادة.
وقوله: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾، أي فودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون للحق في الدنيا.
وقيل: المعنى لو أنهم كانوا يهتدون لما اتبعوهم لما رأوا العذاب.
وقيل: التقدير لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لأنجاهم الهدى.
ثم قال تعالى:: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾، أي يوم ينادي الله لهؤلاء المشركين فيقول لهم: ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾، الذين أرسلوا إليكم يدعونكم إلى توحيد الله.
ثم قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ﴾، أي خفيت عليهم الأخبار.
وقيل المعنى: فعميت عليهم الحجج فلم يدروا بما يحتجون.
قاله مجاهد.
وقال ابن جريج: ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾: بلا إله إلا الله / هي التوحيد.
وقيل: إنهم تجبروا فلم يدروا ماذا يجيبون لما سئلوا.
وقوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾، أي بالأنساب والقرابة، قالهه مجاهدد.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، أي من تاب من شركه، وآمن وعمل بما أمره الله ورسوله: ﴿فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين﴾، أي من المنجيين المدرركين طلبتهمم عند الله الخالدين في جنانه، و " عسى " من الله واجب.
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾، أي يخلق ما يريد، ويختار الرسل، ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ أي ليس يرسل الرسل باختيارهم: أي باختيار المشركين، فالوقف على هذا المعنى ﴿وَيَخْتَارُ﴾، و " ما " نافية.
قال علي بن سليمان: لا يجوز أن تكون " ما " في موضع نصب، لأنه لا عائد عليها.
وفي كون ما للنفي رد على القدرية، ولو كانت " ما " في موضع نصب لكان ضميرها اسم كان، في كان مضممراً، وللزم نصب ﴿الخيرة﴾، على خبر كان.
وأجاز الزجاج: أن تكون " ما " في موضع نصب بيختار وتقدر حذفاً من الكلام، والتقدير: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة، فلإتمام على هذا القول على و ﴿يَخْتَارُ﴾، ولا يقف إلا على ﴿الخيرة﴾.
وجعل " ما " نافية، والوقف على ﴿وَيَخْتَارُ﴾.
وهو مذهب أكثر العلماء.
وكان الطبري ينكر أن تكون " ما " نافية، ولا يحسن عنده أن تكون " ما " إلا في موضع نصب بمعنى الذي، والتقدير عنده: ويختار لولاية الخيرة من خلقه من سبقت له منه السعادة، وذلك أن المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم، فيجعلونها لآلهتهم.
فقال الله: وربك يا محمد ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾، أن يخلقه، ويختار للهداية من خلقه من سبق له في علمه.
السعادة نظير ما كان من اختيار هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم وقد قال ابن عباس في الآية: كانوا يجعلون لآلهتهم خيار أموالهم.
فالطبري: يجعل " ما " لمن يعقل بمعنى " الذي " ويقدر رفع " الخيرة "
بالابتداء ﴿لَهُمُ الخيرة﴾، والجملة خبر كان وشبهه بقولك: " كان زيد أبوه منطلق " وهذا كلام لا وجه له ولا معنى لأنه عائد يعود على اسم كان، فإن قدرت فيه محذوفة جاز على بعد، وكان هو خبر " الخيرة "، ولهم: ملغى وأحال الطبري كون " ما " للنفي لأنها لو كانت للنفي لكان المعنى: أنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى قبل نزول الآية، ولهم ذلك فيما يستقبلون، لأنك إذا قلت: " ما كان لك هذا " كان معنى الكلام: لم يكن فيما مضى وقد يكون له فيما يستقبل.
قال أبو محمد مؤلفه رضي الله عنهـ: وهذا لا يلزم، بل هي نفي عام في الماضي والمستقبل، وقد أجمع اللغة على أن " ما " تنفي الحال والاستقبال كليس.
ولذلك عملت عملها.
دليله: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: 114]. وقوله: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ﴾ [الأحزاب: 38] فهذا نفي عام في الماضي والمستقبل، ولو كان الأمر على ما أصل الطبري لكان لهم دخولها فيما يستقبل غير خائفين، ولكان على النبي الحرج فيما فرض الله له فيما يستقبل، وهذا كثير في القرآن على خلاف ما تأول الطبري
وأحاله أيضاً، لأنه لم يتقدم كلام يكون هذا نفي له، وهذا لا يلزم لأن الآي إنما كانت تنزل على ما يسأل النبي عليه السلام عنه وعلى ما هم عليه مصرون من الأعمال السيئة.
وعلى ذلك أكثر أي القرآن، فلا يلزم أن يكون قبل كل آية تفسير ما نزلت فيه ومن أجله.
أي ما يسرون وما يظهرون، أي يختار من شاء من خلقه للرسالة، لأنه يعلم سرهم وظاهرهم، فهو يختارهم من خلقه على علم بهم.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي والمعبود هو الله لا معبود غيره ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾، أي في الدنيا والآخرة ﴿وَلَهُ الحكم﴾، أي فصل القضاء بين خلقه.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي تردون بعد مماتكم فيقضي بينكم بالحق.
قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة﴾، أي دائماً لا نهار إلى يوم القيامة.
والعرب تقول لكل ما كان متصلاً لا ينقطع من رخاء أو بلاء: هو سرمد.
وقوله: ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ /، أي من معبود غير الله يأتيكم بضياء النهار ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾، ما يقال لكم فتتعظون.
قال أبو إسحاق: بضياء: أي بنهار تتصرفون فيه في معاشكم.
وكذلك قوله في النهار فمن ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾، أي تهدءون وتستريحون من حركاتكم، فلو كان أحدهما دائماً لهلك الخلق، ولكنه تعالى خلق للخلق الليل والنهار رحمة للخلق، وهو قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾، أي في الليل، ولتبتغوا من فضله، يعني في النهار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فعل ذلك، أي خلق لكم ذلك لتنتفعوا به ولتشكروا على ما فعل بكم من الرفق.
أي ويوم يناديهم ربك يا محمد فيقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم
شركائي؟ والمعنى: أين شركائي على زعمكم وقولكم؟.
قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾، أي أخرجنا من أمة شهيداً منهم ليشهد عليهم بأعمالهم.
يقال: إنهم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا.
ويروى: أن كل قرن لا يخلو من شهيد يشهد عليهم يوم القيامة بأعمالهم.
وقيل المعنى: أحضرنا من كل أمة نبيها الذي يشهد عليها بما فعلت.
قاله قتادة ومجاهد.
﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾، أي حجتكم على إشراككم بالله مع مجيء الرسل إليكم بالحجج، والآيات ﴿فعلموا أَنَّ الحق لِلَّهِ﴾، أي أيقنوا أن الحجة لله عليهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾، أي اضمحل وذهب الذي كانوا يشركون بالله في الدنيا فلم ينتفعوا به بل ضرهم وأهلكهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾،
" قارون " فاعول اسم أعجمي معرفة فلذلك لم ينصرف ومعنى ﴿كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾ أي من عشيرته، وكان ابن عمه لأبيه وأمه، وكان عند موسى من عباد المؤمنين.
وهو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى: هو موسى بن عمران بن قاهث.
قاله ابن جريج، والنخعي، وقتادة، ومالك ابن دينار.
وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى لأب وأم.
وقوله: ﴿فبغى عَلَيْهِمْ﴾، أي تجاوز حده في التكبر عليهم.
وقيل: كان بغيه أنه أحدث زيادة شبر في طول ثيابه، قاله شهر بن حوشب.