الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ﴾.
أي: يخالفه.
أَجْمَعَ القراء على الإظهار، إذ هو في الخَطِّ بقافين.
والإظهَارُ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يُدْغِمُ، وعليه أُجْمِعَ في: " الحشر ".
ويحسن " الرَّوْمُ "، في الوقف في: " الحشر " /؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو " القاف " الأولى المُدْغَمة في الثانية، ولا يحسن " الرّوْمُ " في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله " القاف " الثانية غير لازم
في الوقت] وهو " اللام " في اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله.
وقوله: ﴿ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَأَنَّ﴾: في موضع رفع عطف على: ﴿ذلك﴾.
وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و ﴿ذلكم﴾: في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم، أو: ذلك الأمر.
وقيل: ﴿وَأَنَّ﴾ في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال.
يَالَيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
أي: وحاملاً رمحاً.
ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين.
ومعنى الكلام: هذا الذي عُجَّلَ لكم من ضرب الأعناق وضرب كلِّ بنان في الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار.
ثم قال تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ﴾ الآية.
والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يَفِرُّوا من الكفار إذا تدانى بعضهم من بعض
عند القتال.
وقيل: المعنى: إذا وَاقفَتْمُوهُم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإنّ الله معكم.
ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأنَّ مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هارباً، وأرخص أن ينحاز الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم.
يقال: تحوَّزت وتحيّزتُ.
قال الضحاك: " المُتَحَرِّفُ ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و " المُتَحَيَزُ ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه.
قال عطاء: هذا مَنْسُوخٌ، نسخه: ﴿يا أيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ [الأنفال: 65] الآية،
فأُمِروا أن يَفِرُّوا ممن هو أكثر من مِثْلَيْهم.
وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر.
وقال أبو سعيد الخدري: نَزَلَتْ في أهل بدر، يعني: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فعلق الحكم بيوم معلوم.
وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر.
ومعنى: ﴿بَآءَ بِغَضَبٍ﴾.
أي: رجع به.
وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾.
أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين.
﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾.
أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبِّب قتلهم، والمعين عليه، وعن أمره كان، وينصره تَمَّ.
رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، عند الزحف: خُذْ قبضة من تراب فَارْمِهِم بها، ففعل يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه وفمه، فولَّوا مُدْبِرِين.
فلما أظْفَرَ الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت كذا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾.
وهذا يدلُّ على خلاف قول من يقول: إنَّ العبد يفعل حقيقة.
ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ ولكن الله رمى﴾ أي: الله المسبِّب للرمية، وهذا حين حَصَبَ النبي صلى الله عليه وسلم، الكفار فهزمهم الله.
قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عَيْنِ رجل.
وقيل: " إن النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، لما دنوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وقال: " شاهت الوجوه! " فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رَمْيَةٍ رسول الله/ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ الآية ".
قال قتادة: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، رمى أُبَيَّ بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة في يده فسكر له ضلعاً فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوْعَدَهُ أنه يقتله.
وَيُرْوَى " أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان جالساً يوم بدر في عريش، وأبو بكر في يمينه، والنبي صلى الله عليه وسلم، يدعو ويقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني "، فألح النبي صلى الله عليه وسلم، في الدعاء، فقال أبو بكر، رضي الله عنهـ: " خفض يا رسول الله، دعاءك، فإنَّ الله متممٌّ لك ما وعدك، فَخَفَقَ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، من نعسة نعسها،
ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: " أبشر بنصر الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يَقْدُمُ الخيل على ثنية النقع ". فلما التقى الجمعان خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش، فأخذ حَصْباً من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: " شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا " فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة ".
قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أَصَبَتَ، ولكن الله أظفرك ونصرك.
يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك.
وحُكِى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا برميتك.
وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً﴾.
يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم:
عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي بـ: " الصَّفْرَاءِ "، من ضَرْبَةٍ في سَاقِهِ.
وعُمَيْرُ بن مالك بن وُهَيْب.
وأبو سعيد بن مالك.
وذو الشِّمَالَِيْنِ: عمير بن عمرو بن نَضْلة.
وغَافِلُ بن البُكَيْر، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عَدِيٍّ.
ومَهْجَع، مولى عمر من الخطاب، (رضي الله عنهـ)، وهو أول من قتل يوم بدر.
وصفوان بن بَيْضاء، من بني الحارث بن فِهر.
وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم.
سَعْد بن خيثمَةَ بن الحارث.
وَمُبَشِّر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لُبابة، وهو نقيب.
وعُمَير بن الحُمام.
وابنا عفراء: معاذ وعمرو.
ورَافِعُ بن المُعَلّى.
ويزيد بن الحارث ابن فُسْحُم.
[وحارثة] بن عندي بن سُرَاقَة.
" وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله ليضحك إلى عبده يخرج [متفضلاً في ثوبه شاهراً سيفه فيقاتل حتى يقتل "، فترك العجين وخرج] إلى القتال فاستشهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة، أتت أمه وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر فسألتاه عن حارثة، فقال لأنه: أبنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: " ابنك في الرفيق/ الأعلى "، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس يعدون، وهي تهنأ ".
وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالكل بن النضر.
وروى ابن وهب: أنّ عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصَّفِّ إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزوني أحدهما سراً من الآخر، فقال: يَاعَمَّ، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أنَّهُ يَسُبُّ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سراً، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا.
قلت: بأبي أنتما وإمي، وأشرت لها إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما.
وقال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رُوَيْع غنم ادْنُهْ فإن الفحل يحمي إبله وهو معقول.
قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيّد، ومعي سيف ردي، فأدرت به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بقتلي لأبي جهل
فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثاً.
وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون.
وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد، وليهدمنّ منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب.
فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبوا حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ثلاثة: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام
أليهم نفر من الأنصار.
فاستحيى النبي صلى الله عليه وسلم وأحبَّ أن يَبْرَزَ إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم.
وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب.
وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبةُ رِجْل عبيدة فقطعها، فَحُمِل حتى توفي بـ: " الصَّفْراء ".
فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان.
وقيل معنى: ﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين﴾.
أي: وليُنعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر.
﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء نبيكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم.
وقيل: معناه: وليختبر الله المؤمنين اختباراً حسناً.
قوله: ﴿ذلكم وَأَنَّ الله مُوهِنُ﴾ إلى: ﴿المؤمنين﴾.
﴿ذلكم﴾: في موضع رفع على معنى الأمر: ﴿ذلكم﴾.
أو: الأمْرُ.
ويجوز فيها، وفيما تقدم أن تكون في موضع نصب على معنى فعل: ﴿ذلكم﴾.
و ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى ما تقدم من قتل المشركين والظفر بهم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ الله مُوهِنُ﴾، أي: واعلموا أن الله مُضْعِفٌ ﴿كَيْدِ الكافرين﴾، حتى ينقادوا.
وكل ما جاز في ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 14]، جاز في هذه.
وقيل معنى ﴿مُوهِنُ﴾: يلقي الرعب في قلوبهم.
وقوله: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾.
هذا خطاب للكفار، قالوا: اللهم انصر أحب الفريقين إليك.
ومعنى ﴿تَسْتَفْتِحُواْ﴾: تستحكموا/ على أقطع الحزبين للرحم.
أي: إن تستدعوا الله أن يحكم بينكم في ذلك ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾، أي: الحكم.
﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: إن تنتهوا عن الكفر بالله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
قال السدي: كان المشركون إذا خرجوا من مكة إلى قتال النبي صلى الله عليه وسلم أخذوا أستار الكعبة فاستنصروا الله.
وقوله: ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ﴾.
أي: إن عدتم إلى القتال عُدْنا لمثل الوقعة التي أصابتكم يوم بدر.
﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً﴾.
أي: جنودكم وإن كانت كثيرة.
وقيل: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾: للمؤمنين، وما بعده للكفار.
وقوله: ﴿وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين﴾، عطف على: ﴿وَأَنَّ الله مُوهِنُ﴾.
وقيل: المعنى: ولأنَّ الله مع المؤمنين.
وقيل المعنى: واعلموا أنّ الله.
فيجوز الابتداء بها مفتوحة على هذا القول.
وقيل: إنه كله خطاب للمؤمنين، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتم من أخذ الغنائم والأسرى قَبْل الإذن ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نَعُدْ إلى توبيخكم، كما قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ (لَمَسَّكُمْ)﴾ [الأنفال: 68] الآية.
وقيل المعنى: ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ أيها الكفار، إلى مثل قولكم واستفتاحكم نعد إلى نصرة المؤمنين.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿وهم مُّعْرِضُونَ﴾.
المعنى: إنّ الله نهى المؤمنين أن يُدْبِروا عن النبي صلى الله عليه وسلم، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾، بآذاننا ﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم.
وأنَّما قيل:
﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، وقد سمعوا؛ لأنّ من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم يسمع.
وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم﴾.
أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله ﴿الصم﴾: عن الحق، فلا ينتفعون به.
ولا يتدبرونه، ﴿البكم﴾: عن قول الحق والإقرار بالله، عز وجل، ورسله، صلوات الله عليه ﴿الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾: العُمْيُ عن الهدى.
قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: 46] الآية.
وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون.
ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾.
أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه.
أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يتعقدونه ﴿لأَسْمَعَهُمْ﴾، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾.
عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام.
على قومه، فقال: ﴿واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: 88].
عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصراررهم على الفكر، وتماديهم عليه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، حسداً ومُعاندةٌ.
وقيل: المعنى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ/ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾.
أي: لَفَهَّمَهُم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهَّمهم ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: للمنافقين.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، إلى قوله: ﴿شَدِيدُ العقاب﴾.
قال أبو عبيدة معنى ﴿استجيبوا﴾: أجيبوا، كما قال: فلم يستجب عند ذك مُجيب، أي: يجبه.
ومعنى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
أي: للإيمان.
وقيل: للإسلام.
وقيل: للحق.
وقيل: للقرآن ومافيه.
وقيل: إلى الحرب وجهاد العدو.
وسماه " حياةً "؛ لأنَّ الكافر مثل الميِّت.
وقيل معنى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، أي: لما تصيرون به إذا قبلتموه إلى الحياة الدائمة في الآخرة.
" ورُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم، دعا أُبيّا وهو يصلي فلم يجبه أبيّ، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي، قال له: أفلم تجد فيما أوحي إليَّ: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ قال: بلى، يا رسول الله، ولا أعُودُ ".
فهذا يبين أن المعنى يراد به الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلى ما فيه حاية لهم من الخير بعد الإسلام المدعو إيمانه.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾.
قال ابن جبير: يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين أن يكفر.
وكذلك قال ابن عباس.
وقال الضحاك: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته.
وقال مجاهد معناه: يحول بين المرء وعقله (حتى لا يدري ما يصنع.
وقال السدي في معناه: يحول بين الإنسان وقلبه).
فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.
وقيل المعنى: يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه من طول العيش وامتداد الآمال والتسويف بالتوبة، فيعاجله الموت قبل بلوغ شيء من ذلك.
وقال قتادة معناه: إنَّه قريب من قلب الإنسان، لا يخفى عليه شيء أظْهَرَهُ، ولا شيء أسَرَّهُ، وهو مثل قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ [ق: 16].
وقال الطبري: هو خبر من الله عز وجل، أنه أملك بقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً من الإيمان ولا الكفر، ولا يَعِي شيئاً.
ولا يفهم شيئاً، إلا بإذنه ومشيئته.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، كثيراً ما يقول في دعائه: " يا مُقَلِّب القُلُوبِ قَلِّبْ قلبي إلى طَاعَتِك ".
وفي رواية أخرى: " ثبِّتْ قلبي على طاعتك ".
وكان يحلف: " لاَ ومُقلِّب القُلُوب ".
ومن هذا يقال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله، فمعناه: لا حولَ عن معصية، ولا قوة عن طاعةٍ إلا بالله.
(وقال النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى زوجة زيد) فاستحسنها، وقد كان عرضت عليه نفسها فلم يستحسنها: " سُبْحَانَ مُقلِّبَ القُلُوبِ ".
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
أي: تردون.
وقوله: ﴿واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
المبرد يذهب إلى أنَّ ﴿تُصِيبَنَّ﴾، نَهْيٌ، فلذلك دخلت " النون ".
والمعنى في النَّهي: للظالمين، أي: لا تقربوا/ الظلم، وهو مثل ما حكى سيبويه من قوله: (لا أرينَّك هاهنا)، أي: لا تكن هاهنا؛ فإنَّ من يكون هاهنا أراه.
وقال الزجاج: هُوَ خَبَرٌ.
ودخلته " النون "؛ لأن فيه قوة الجزاء، قال: وزعم بعضهم أنه جزاء فيه ضرب من النهي.
ومثله مِمَّا اخْتلفَ فيه: ﴿ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: 18].
ومعنى ذلك: أنها أمر من الله للمؤمنين أن يتقوا اختباراً وبلاء يبتليهم به، لا يُصيبنَّ ذلك ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾، بل يصيب الظالمين وغيرهم.
فالظالمون هم الفاعلون الكفر.
وقيل: نَزَلَتْ في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب الجمل.
قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألاّ يُقِرُّوا المنكر بين أظهُرِهِمْ، فيعمهم الله بالعذاب.
وقال الزبير، يوم الجمل لما لقي ما لقي، ما توهمت أن هذه الآية نزلت في
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إلا اليوم.
وقال القُتَيْبي معناه: لا تخص الظالم، ولكنها تعم الظالم وغيره.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون﴾ [الأنعام: 47].
يَدُلُّ على أنَّ العقوبة تخص الظالم.
وقد يدخل المداهن الساكت على رؤية المنكر في الظُّلم، فيكون ممن يلحقه العقاب مع الظالم.
وقد قال الحسن: إنَّ الآية نزلت في علي، وعثمان.
وطلحة، والزبير [رضي الله عنهم].
وأكثر النَّاس على أن حكمها باقٍ في الظالم، والمداهن الساكت على إنكار المنكر،
وهو يقدر على إنكاره، فإن كان لا يقدر على الإنكار، وخاف على نفسه، أنكر على قدر استطاعته أو بقلبه.
قوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾.
أي: لمن عصاه وخالف أمره.
قوله: ﴿واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
هذه الآية تذكيرٌ من الله عز وجل، للمؤمنين بما أنعم عليهم من العز، بعد أن كان المشركون يستضعفونهم.
وهُم قَلِيلٌ، ويفتنونهم عن دينهم، ويسمعونهم المكروه.
قوله: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس﴾.
أي: يقتلونكم.
﴿فَآوَاكُمْ﴾.
أي: جحعل لكم مأْوى تأوون إليه منهم.
﴿وَأَيَّدَكُم﴾.
أي: قوّاكم بنصره إياكم عليهم حتى قتلتموهم.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾.
أي: أحلَّ لكم غنائمهم.
ف: ﴿الطيبات﴾، هنا: الحلال.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
و " لعلّ " هاهنا: ترج يعود إليهم.
والطبري يجعلها بمعنى: " كَيْ ".
و ﴿الناس﴾، في هذا الموضع: الذين كانوا يخافون منهم، كفار قريش بمكة، كان المسلمون قِلَّةً يُستَضعفونَ بمكة.
قال الكبي، وقتادة: نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا يومئذ قلة يخافون أن يتخطفهم الناس، فقوَّاهم الله بنصره، ورزقهم غنائم المشركين حلالاً.
وقال وهب بن مُنَبِّه: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس﴾: فا رس.
وقيل: هي: فارس والروم.
وقال الطبري معنى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾، أي: إلى المدينة، ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾، أي: بالأنصار.
وكذلك قال السدي.
ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول﴾.
قوله: ﴿وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ﴾.
في موضع نصب على الجواب.
على معنى: أنكم إذا ختم الله والرسول خنتم
أماناتكم.
وقيل: هو موضع جزم على النهي نسَقاً على: ﴿لاَ تَخُونُواْ﴾.
ومعنى خيانة الله والرسول: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
وقيل: هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى إبي سفيان/ يطلعه على سر المسلمين.
وقيل: خيانة الرسول (صلى الله عليه سلم): ترك العمل بسنته.
وقليل: نزلت في أبي لُبَابَة.
لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بني قريظة فأشار إليهم إلى
حلقة: إنَّه الذَّبحُ.
قال الزُّهْري: فقال أبو لُبابة: لا والله، لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتَّى خَرَّ مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه.
فقيل له: يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك، قال: لا والله، لا أَحُلُّ نفسي حى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يَحُلُّني.
فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلَّهُ بيده.
ثم قال أبو لبابة: إنَّ توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع عن مالي، قال: يَحْزِيك الثلث أن تتصدَّق به.
وقيل: الآية عامة.
نُهوا ألاَّ يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون.
وقوله: ﴿وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ﴾.
أي: لا تفعلوا الخيانة، فإنها خيانة لأماناتكم.
وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم.
و" الأمانة " هاهنا: ما يُخفى عن أعين النَّاس من ترك فرائض الله، عز وجل، وركوب معاصيه.
قوله: ﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
أي: اختباراً اختبرتم بها.
وابتلاءً ابتليتم بها.
لينظر كيف أنتم فيها عاملون.
﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: جزاء وثواباً على طاعتكم.
قوله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، إلى قوله: ﴿خَيْرُ الماكرين﴾.
والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، أي: فَصْلاً.
وفرْقاً بين حقكم وباطل
مَنْ يبغيكم السوء، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، أي: يمحها، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾.
أي: يستتر لكم على ذنوبكم، ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾، عليكم وعلى غيركم.
وقيل: ﴿فُرْقَاناً﴾: مخرجاً.
وقيل: نجاةً.
وقيل: نصراً.
وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه.
وقال مجاهد: مخرجاً من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق.
قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾، الآية.
المعنى: واذكر، يا محمد إذ يمكر.
وهذه الآية تذكير للنبي صلى الله عليه وسلم، بنعم الله عز وجل عليه، ﴿الذين كَفَرُواْ﴾: هم مشركو قريش.
قال [ابن عباس] معنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، أي: ليُوثِقُوك وليثقفوك.