الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4928-4967
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4928-4967
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

المحتاجون إليه.
﴿الحميد﴾ أي: المحمود عند/ عباده في أفضاله ونعمه عندهمه.
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم " الفلك لتجري في البحر بأمره " أي: بقدرته وتذليله أياها لكم.
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض.
﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المتكررة وبغيرها.
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قبلك يا محمد، جعلنا مألوفاً يألفونه، وماكناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.

وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر " السين " لغة أهل الحجاز، وفتحها لغد أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً.
أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو أراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: " منسكاً " ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في إراقة الدم أيام النحر.
فهذه الآية في ذلك والله أعلم.
دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمر﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: " فلا ينازعنك "، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.

ثم قال: ﴿وادع إلى رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به.
﴿إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ " لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم.
فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما علموه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
﴿إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هوكائن إلى يوم القيامة.
﴿إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي: سهل.
يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله.
أي: هين.
فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: " أن ذلك في كتاب ". وصاحب القول الأول رده على " يحكم بينكم ". قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات

والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار " علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون ". وقال ابن جريج قوله: " إن ذلك في كتاب " يعني: قوله: ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة/ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آله، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر﴾، أي تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.

﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر " يصطون " بالصاد من أجل الطاء.
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم النار﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار أياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.

وقوله: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت.
وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، " والمثل " الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستعموا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي.
﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ من الأصنام والأثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولفطه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة.
وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزغفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.

ثم قال: ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب.
﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا أنتصر، والله خالق من في السماوات والأرض.
ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب.
هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً.
كما قال: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: 30] ﴿فاستمعوا لَهُ﴾ أي: / فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله

ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشققق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، " عزيز " أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون اكلله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
ثم قال: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم.
ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: 8] فأنزل الله تعالى: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.

ثم قال: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم.
﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وافعلوا الخير﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و " لعل " من الله واجبة.
ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سا ئر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس ابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.

ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد.
قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل ". وعنه أنه قال: " أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر "، ومعنى: " حق جهاده " هو استفراغ الطاقة.
يقول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾.
وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ [التغابن: 16] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: " هو اجتباكم " أي: هَدَاكم.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض.
فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
" وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: هو الضيق " يعني أن الحرج: الضيق.

وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين/ مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم ستهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ﴾ اختلف في " هو " فقيل: ضمير الله جلّ ذكره.
وقيل ضمير إبراهيم صلى الله عليه وسلم أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن

إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.
وهذا القول يضعفه قوله من قبل.
وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد.
والأحسن أن يكون سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن.
وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾.
أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حنيئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان.
يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك.
وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: " لتكونوا شهداء على الناس " وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾.
أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
ثم قال: ﴿واعتصموا بالله هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا

عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ المولى﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ النصير﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَ " مِلّةِ " إبراهيم لم تقف على " حرج " ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد.
" إبراهيم " وقف، إن جعلت " هو " من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما.
وإن جعلت " هو " من ذكر إبراهيم لم تقف على " إبراهيم "، وكان التمام " وفي هذ " إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: " اجتباكم " و " سماكم " لم يكن التمام إلا على الناس.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

: مكية قوله تعالى ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.
قال مجاهد إن الله تعالى وجلّ ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون.
. .﴾ الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء الله، ولا تفتح إلا بالسحَر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون.
وعن ابن عباس: أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ / أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة.
فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمداً وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل الفلاح، البقاء في الخير.
ثم قال: ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم.

قال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، كان يستجب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدباً لقوم كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك.
قال ابن سيرين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد.
وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة.
وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح.
وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صَلاتك.

وقال معمر عن الحسن: خاشعون " خائفون.
وعن ابن عباس: خاشعون "، خائفون ساكنون.
وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالاً لله ورهبة منه.
وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها.
السكون فيها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾.
أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون.
قال ابن عباس: عن الباطل.
وقال الحسن: عن المعاصي.
وقال ابن زيد: هم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا عن اللغو [معرضين].
وقال الضحاك: اللغو: الشك.
وقيل: الغناء.
وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جلّ ذكره يوم القيامة أين

الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله.
" واللغو " في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل والمعاصي.
والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو.
ثم قال تعالى: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.
أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون.
قوله تعالى ذكره: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾.
أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك.
ثم قال: ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولئك هُمُ العادون﴾.
أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون

حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم.
قال ابن عباس: الزاني من العادين.
وقاله عطاء.
قال ابن زيد: ﴿فأولئك هُمُ العادون﴾ يقول: الذين يعبدون من الحلال إلى الحرام.
وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا.
﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ.
. .﴾ إلى قوله: ﴿العادون﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له.
وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحرم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر.
ثم قال تعالى: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.
أي: يقومون حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك.
قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض.

وقيل: هو عام في كل أمانة.
وأصل الرعي في اللغة القيامة على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله.
ثم قال: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
أي: يحافظون على وقتها وأدائها/ بحدودها، لا يفوتهم وقتها.
وقال النخعي: " يحافظون " يداومون على أداء المكتوبة.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾.
أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله.
قال: فذلك قوله: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾ ". قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله.

وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار.
فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار.
وروى عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ". يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج.
ثم قال: ﴿الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها.
والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم.
وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها.
وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال

لها: تكلمي، فقالت: " قد أفلح المؤمنون ". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت.
ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه.
وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر.
وعن أبي هريرة أنه قال: " الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة ". وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ". ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾.
يعني: آدم استل من الطين والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه.
وقيل: خلقت من فضلة طين آدم.

قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين.
وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل " من طين " وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم.
وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم.
فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم.
والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه.
قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء.
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي " مكين " لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره.

ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً﴾.
أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾، هي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً﴾.
أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً.
ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾.
أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر.
وقيل: المعنى، ثم أنشأنا/ هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وأبن زيد.
وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال.
وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح.

وقال مجاهد: هو استواء شبابه.
وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى.
وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: " إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح ". وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها.
ط ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد.
ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر

و " تبارك " تفاعل من البركة.
وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾.
وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري.
لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً.
قال الشاعر، وهو زهير: ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَيَفْري.
أي: ما صنعت.
وقيل: معناه، أحسن المقدرين.
فالناس يقدرون.
ولا يتم ما يريدزون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين.
وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره.
ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾.
فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾.
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾.
إلى قوله: ﴿في آبَآئِنَا الأولين﴾.
أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً ثم

إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾.
يعني: سماوات بعضها فوق بعض.
والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة.
فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غَافِلِينَ﴾.
أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن.
وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم.
وقيل: محفوظاً من الشياطين.
وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم.
ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه.
قال ابن جريج: " ماء الأرض هو ماء السماء ". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض.

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون﴾.
أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ/ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: 30].
فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسى أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنير وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجاراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ فأسكناه فِي الأرض﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل صلى الله عليه وسلم، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون﴾ ". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾.
أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من

الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
أي: ومن الفواكه تأكلون.
وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون.
وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون.
وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بهما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف.
ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن﴾.
أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين.
" وطور سيناء " الجبل الحسن.
فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل.
ومن كسر السين من " سيناء " جعله فعلالاً وليس بفعلاْ إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة.
وقال الأخفش: هو اسم أعجمي.

فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم.
وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة.
وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك.
وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك.
وقال قتادة: معنى: " سيناء " و " سينين "، حسن.
وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى.
وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة.
وقيل: هو جبل ذو شجر.
والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك.

ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أون ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً.
وقوله: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن.
ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل.
ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام.
وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل.
فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل.
فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي.
وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن.
وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون.

قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه.
يعني يأتدمون به/.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾.
أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نهم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
أي: من لحومها تأكلون.
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾.
أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته.
فقال لهم: ﴿ياقوم اعبدوا الله﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم.
ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾.
أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيج الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم.
أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع.
﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾.

أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك.
﴿مَّا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ﴾ أي: تملهوا به إلى وقت ما.
قال نوح: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي.
دعا صلى الله عليه وسلم واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبو إلا تكذيبه.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾.
أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع.
﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك.
﴿وَفَارَ التنور﴾ قد تقدم في " هود " ومعنى " فار التنور ". وقد قال علي بن أبي طالب: " فار التنور " من مسجد الكوفة.
وعنه أنه قال: " فار التنور " هو تنور الصبح.
قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد

خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك.
ثم قال: ﴿فاسلك فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾.
أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته.
﴿ن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه.
﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا﴾.
أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ﴾.
أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك.
قاله مجاهد.
﴿وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ " مُنزَلاً "

بضم الميم، جعله مصدراً، لأن مصدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: 80] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً.
ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً.
ويجوز في النحو فتح الميم والزاي يجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾.
أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب.
وقوله/: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم.
وقيل معنى " لمبتلين " لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة.
ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾.
أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم

أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ﴾.
أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا﴾.
أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل.
﴿مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾.
أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه.
(ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم.
﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾.
أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه.
ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾.

" أنّ " الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه.
المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم.
وقال الفراء والجرمي " أنَّ الثانية مكررة للتأكيد.
وحسن تكريرها لما طال الكلام.
وذهب الأخفش إلى " أنّ " الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم.
كما تقول: اليوم القتال.
المعن عنده اليوم يحدث القتال.
ومعنى الآية أن الأشراف من وقم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم.
ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾.
مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للألف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة

عشر، وموضعها رفع.
معناها: البعد البعد لما توعدون.
وقال الفراء الوقف عليها بالتاء.
فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع المؤنث لازم.
وقيل: " هو " في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم " صه " عن السكوت.
فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم.
قال ابن عباس: " هيهات هيهات ": بعيد بعيد.
ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد.
فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر].
فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ... وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله.

وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر،: أنه قال: بعداً بعداً لما توعدون.
ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا.
وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افترى على الله كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.
أي: قالوا: ما هو إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ وفي وعده/ إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً.
﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال.
﴿قَالَ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾.
أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب.

ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾.
أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق.
أي: باستحقاقهم لذلك.
فمعنى " بالحق " باستحقاقهم للهلاك بكفرهم.
وقيل: معنى " بالحق " بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾.
أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل.
وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به.
قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر ". وقال مجاهد: " كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل "، وهم قوم صالح.
روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم.
وروي أنه جبريل صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾.
أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذا كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة.

وقال مجاهد أولئك ثمود.
وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود.
ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها.
﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك.
لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل.
ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾.
أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد.
ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل