الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وأرضون أجراز: إذا كانت لا شيء فيها.
ويقال: للسنة المجدبة جرز وسنون إجراز.
أم: هنا بمعنى: بل.
[والمعنى] أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً.
فإن ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب من أصحاب الكهف.
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الخلق كلهم.
وقال مجاهد: معنى الكلام: هم عجب وليس هو على طريقة الإنكار عنده.
وقال قتادة: معناه: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك.
وعن ابن عباس أن المعنى: أم حسبت أن هؤلاء عجباً، فإن الذي أتيتك من الكتاب والحكمة والعلم أفضل من شأن أهل الكهف والرقيم.
وهذا مما عَلَّمَتْ اليهود قريشاً أن يسألوا عنه محمداً صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك.
فأخبره الله بقصصهم.
وخبرهم بعد أن أبطأ عنه الوحي في ذلك خمس
عشرة ليلة، وقيل: أكثر.
والكهف: كهف الجبل، آوى إليه القوم الذين قص الله [ عز وجل] خبرهم في هذه السورة.
وقال: الضحاك: الكهف الغار في الوادي.
وقال ابن مالك: الكهف: الجبل.
و" الرقيم ": عند عكرمة وابن عباس فيما حكيا عن كعب: القرية وقال: قتادة: " الرقيم " الوادي الذي فيه اصحاب الكهف، وقاله عطية العوفي.
وعن ابن عباس: " الرقيم " الكتاب.
وقال عكرمة: الرقيم القرية اسم لها.
وقال: [ابن] جبير / " الرقيم ": لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف.
وقال ابن زيد: " الرقيم ": كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبرنا الله [ عز وجل]
عن ذلك الكتاب وعن ما بناؤه، وقرأ:
﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ المقربون﴾ [المطففين: 19 - 21] ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: 8 - 9].
وعن ابن عباس أيضاً أن " الرقيم ": الجبل الذي فيه الكهف، وعن ابن عباس أن " الرقيم ": كتاب كتبه رجلان صالحان كانا في بيت الملك الذي فرّ منه الفتية أصحاب الكهف، كانا يكتمان إيمانهما.
فلما سد الكهف على الفتية كتبا شأن الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص.
ثم جعلاه في تابوت على المكان الذي سدّ به باب الكهف.
وقالا: لعل الله يطلع على هؤلاء الفتية قوماً صالحين فيعلمون شأنهم.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: القرآن أعلمه إلا ﴿حَنَاناً﴾ [مريم: 13] و ﴿لأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: 114] و ﴿الرقيم﴾ [الكهف: 9] و ﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36].
وقال أنس: بن مالك: " الرقيم ": آية الكلب وقال عكرمة: الرقيم الرواة.
وقال السدي: هو الصخرة، وقال الفراء: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم
وأنسابهم ودينهم ومما هربوا.
قوله: ﴿إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف﴾ إلى قوله: ﴿رَشَداً﴾.
أي: كانوا من آياتنا عجباً، حين أوى الفتية إلى الكهف هرباً بدينهم إلى الله [ عز وجل] فقالوا: إذ أووه.
﴿فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾.
أي: ارحمنا ونجنا من هؤلاء الكفار.
﴿وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾.
أي: دلنا على ما ننجو به.
وكان هؤلاء الفتية على دين عيسى صلى الله عليه وسلم.
فدعاهم ملكهم إلى عبادة الأوثان والأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عنه أو يقتلهم فاستخفوا منه في الكهف.
وروي أنهم لما أمرهم الملك بعبادة صنمه قالوا ﴿رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ [الكهف: 14] فاعتزلوا عن قومهم لعبادة الله
[سبحانه].
فقال: أحدهم: إنه كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه.
فانطلقوا بنا نكن فيه.
فدخلوا فيه، ثم فقدوا في ذلك الزمان، فطلبوا، فقيل: إنهم دخلوا هذا الكهف.
فقال: قومهم: لا نريد لهم عقوبة، ولا عذاباً أشد من أن يردم عليهم هذا الكهف فبنوه عليهم فردموه، ثم أقاموا ما شاء الله، يدبرهم الله [ عز وجل] بلطفه وهم نيام، ثم بعث الله [ عز وجل] ملكاً على دين عيسى صلى الله عليه وسلم.
ووقع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم.
وقاموا من نومتهم تلك.
فقال: بعضهم لبعض كم لبثتم؟ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم.
فأرسلوا أحدهم ليأتيهم بطعام وشراب مستخفباً أن لا يعرف.
فلما خرج من باب الكهف رأى ما أنكره، فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهماً فنظروا إليه، فأنكروه وأنكروا الدرهم.
فقالوا من أين لك هذا؟ [هذا] من ورق غير هذا الزمان.
واجتمعوا عليه، ولم يفارقوه حتى حملوه إلى ملكهم.
وكان لقومهم لوح يكتبون فيه ما يكون.
فنظروا في ذلك اللوح.
وسأله الملك، فأخبره بأمره، ونظروا في الكتاب متى فقدوا، فاستبشروا به وبأصحابه وقيل له: انطلق بنا فأرنا أصحابك فانطلق، وانطلقوا معه، ليريهم أصحابه فدخل قبل /
القوم فضرب على آذانهم.
﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ [الكهف: 21].
قال: ابن عباس: كانوا ثمانية.
وروى: أنه لما بني عليهم باب الكهف كتب رجلان مؤمنان - ممن يسر الإيمان - خبرهم، ووقت البناء عليهم، وأسماءهم، وأنسابهم، وأسماء آبائهم في لوحين من رصاص ثم صنعا تابوتاً من نحاس، وجعلا اللوحين فيه.
ثم كتبا عليه، في فم الكهف، من بين ظهراني البنيان، وختما على التابوت بخاتمهما وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل [يوم] القيامة، فيعلم من فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم.
قال: مجاهد: فلبثوا في الكهف ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعاً نياماً.
وقيل: إنهم كانوا شباناً ملوكاً مطوقين، مسورين ذوي ذوائب وكان
معهم كلب صيدهم.
فخرجوا في عيد [لهم] عظيم في زي ومواكب.
وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدون.
وقذف الله [في] قلوب الفتية الإيمان فآمنوا، وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن صاحبه، فقال: كل واحد في نفسه نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لا يصيبنا عقاب بجرمهم.
فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، ثم خرج آخر فرآه جالساً وحده فرجا أن يكون على مثل أمره، فجلس إليه، وخرج الآخرون فجاءوا وجلسوا إليهما.
فاجتمعوا، فقال: بعضهم: ما جمعكم؟ فقال: آخر: بل ما جمعكم؟ وكل يكتم إيمانه عن صاحبه مخافة على نفسه وقالوا: ليخرج منكم فتيان، فيخلوان، فيتوثقا ألاّ يفشي واحد منهما على صاحبه.
ثم يفشي كل واحد منهما لصاحبه أمره.
لإغنا نرجو أن نكون على أمر واحد.
ففعلوا ذلك، فعلموا أن جميعهم على أمر واحد وهو الإيمان.
وإذا كهف في الجبل [قريب] منهم، فقال: بعضهم لبعض: آووا إلى هذا الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم فرفقاً.
فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم.
فناموا.
فجعل الله جل وعز رقدة واحدة
ثلاث مائة سنة وتسع سنين.
وطلبهم قومهم ففقدوهم.
وبعثوا البرد في طلبهم.
فعمى الله [ عز وجل] عليهم آثارهم.
فلما لم يقدروا عليهم، كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان بن فلان، وفلان بن فلان: ملوك فقدناهم في عيد كذا، من شهر كذا، من سنة كذا، في مملكة فلان، ورفعوا اللوح في الخزانة، ثم مات ذلك الملك.
وأتى قرن بعد قرن فأظهرهم الله [ عز وجل] وأنبههم، فوجهوا رسولهم ليأتيهم بما يأكلون ولا علم عندهم بما مضى من الزمان فأطلع عليهم.
وقال: وهب بن منبه: جاء حواري عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إلا سجد له.
فكره أن يدخلها / فأتى حماماً، فكان فيه قريباً من تلك المدينة.
فكان يعمل فيه، يؤاجر نفسه من صاحب الحمام.
فرأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودر عليه الرزق وجعل يعرض عليه [الإسلام] ويسترسل إليه.
وعلقه فتية من أهل المدينة.
وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى أنسوا به، وصدقوه.
وكانوا على مثل حاله في أحسن الهيئة وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي، فلا تحولن بيني
وبين الصلاة إذا حضرت.
وكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامراة فدخل بها الحمام.
فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك تدخل معك بهذه الكذا، فاستحيي فذهب، ورجع مرة أخرى، فقال: له مثل ذلك، فسبه وانتهره، ولم يلبث حتى دخل ودخلت المرأة معه فماتا في الحمام جميعاً، فأتى الملك فقيل له: إن صاحب الحمام قتل ابنك.
فالتمس فلم يقدر عليه هرباً.
فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية، فالتمسوا، فخرجوا من المدينة، فمروا بصاحب لهم في زرع له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التمسوا، فانطلق معه الكلب، حتى أواهم الليل إلى الكهف فدخلوه.
فقالوا نبيت هنا الليلة ثم نصبح إن شاء اله فترون رأيكم.
فضرب على آذانهم.
فخرج الملك في اصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا في الكهف، فلما أراد رجل أن يدخل أرعب، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال: قائل: ألست لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال: بلى.
قال: ابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتون عطشاً وجوعاً، ففعل.
قوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [11] إلما قوله: (إِذًا شَطَطًا) [14].
المعنى: وضربنا على آذانهم بالنوم، أي ألقينا النوم عليهم.
وإنما ذكر الأذان لأن النوم يمنعهم من السماع.
وأتى في هذا ضرب بمعنى ألقى.
كما يقال: ضربك الله بالفالج، أي: ألقاه عليك وابتلاك.
وقوله: ﴿عَدَداً﴾ توكيد لسنين وقيل: أتى بأنه لا يفيد معنى الكثرة.
لأن القليل لا يحتاج إلى عدد إذ قد عرف معناه ومقداره.
قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي: نبهناهم من نومهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً﴾ أي: لنعلم من يهتدي من عبادي بالبحث إلى مقدار مبلغ مكث الفتية في كهفهم والأمد الغاية.
وقد اختلف في مقدار إقامتهم طائفتان من الكفار من قوم الفتية، قاله مجاهد:
وقيل: بل اختلف في ذلك طائفة مؤمنة وطائفة كافرة.
وقيل: الحزبان أصحاب الكهف والقوم الذين كانوا أحياء في وقت بعثهم.
ومعنى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: علم مشاهدة، وإلا فقد علم ذلك تعالى ذكره قبل خلق الجميع، ومعنى الكلام التوقف على النظر في معرفة مقدار لبثهم.
كما تقول لمن أتى بالباطل: جئ ببرهانك حتى أعلم أنك صادق.
ومعنى: ﴿أَمَداً﴾ عدداً، قاله مجاهد، وقال: ابن عباس ﴿أَمَداً﴾: بعيداً.
قال: تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ [عَلَيْكَ] نبَأَهُم بالحق﴾ أي: نخبرك يا محمد خبرهم بالصدق واليقين.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾.
أي: إن الذين سالوك عن نبأهم [هم] فتية آمنوا بربهم، أي: صدقوا به ووحدوه.
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
أي: إيماناً إلى إيمانهم وبصيرة، فهجروا دار قومهم وهربوا بدينهم إلى الله [ عز وجل] وفارقوا ما كانوا فيه من النعيم في الله [تعالى].
قال: تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ألهمناهم الصبر وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى [عزفت] أنفسهم عما كانوا فيه من خفض العيش.
وقال: قتادة: ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾ بالإيمان حين ﴿قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض﴾ أي: ملك السموات [والأرض] ﴿لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها﴾ أي: لن نعبد معبوداً سواه.
﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾.
أي: لو قلنا: أنه يعبد غيره لقلنا جوراً من قول.
وقليل " شططاً غالياً من الكذب وقال: قتادة: " شططاً " كذباً.
وقال: ابن زيد خطا.
ويقال: قد أشط فلان في السوم، إذا جاوز القدر يشط إشطاطاً وشططاً.
ويقال: شط منزل فلان، إذا بعد، يشط شطوطاً.
ويقال: شطت الجارية تشط شطاطاً وشطاطة إذا طالت.
ويقال: شط الرجل وأشَطَّ إذا جار.
وقال: أبو عبيدة ﴿إِذاً شَطَطاً﴾ أي: جوراً وغلواً.
قوله: ﴿هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾.
هذا خبر عن قول الفتية، أنهم قالوا [فيما] بينهم: هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله آلهة فيعبدونها، هلا يأتون على عبادتهم لها بحجة ظاهرة وبينة وعذر بين، فمن
أشد اعتداء وجوراً ممن اختلق على الله كذباً وأشرك في عبادته غيره.
قال: ابن عباس: كل " سلطان " في القرآن فهو حجة.
قال: ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾.
هذا أيضاً: خبر من الله [ عز وجل] عن قوله: بعض الفتية [لبعض] قالوا فيما بينهم: ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم﴾ و [هم] الذين عبدوا الآلهة من دون الله [سبحانه] وفارقتهم دينهم.
﴿فَأْوُوا إِلَى الكهف﴾: فسيروا بنا إلى الكهف، وهو غار الجبل ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: يبسط لكم ربكم من رحمته ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ أي: ويجعل لكم ربكم من عملكم الذي أنتم فيه وخوفكم على أنفسهم ما ترفقون به.
والفتح والكسر في ميم " مرفقاً " [لغتان].
والأفصح عند الكسائي
الكسر وأنكر الفراء الفتح.
وقال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا الكسر.
قال: وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بينه وبين مرفق الإنسان.
وقال الأخفش: فيه ثلاث لغات مِرْفَق، ومَرْفِق، ومَرْفَق، فمن قال: مِرْفَق جعله مما ينتقل مثل " مِقْطع ". ومن قال: مَرْفِق كمسجد لأنه من رفق يرفق كسجد يسجد.
ومن قال: مَرْفَق جعله من الرفق.
قوله: ﴿وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت﴾.
أي: وترى يا محمد ﴿الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ﴾ أي: تعدل وتميل من الزور وهو الاعوجاج.
قال ابن عباس: تزاور تميل يميناً وشمالاً.
ثم قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال﴾.
أي: تتركهم ذات الشمال.
يقال: منه قرضت موضع كذا، إذا قطعته فجاوزته، هذا مذهب البصريين.
وقال الكوفيون: قرضت موضع كذا أي: حاذيته.
وحكوا عن العرب: قرضته دبراً وقبلاً: وحدوته ذات اليمين والشمال.
أي: كنت بحدائه.
وأصل القرض: القطع.
ومنه تسمى المقص: مقراضاً لأنه يقطع به.
وقال ابن جبير: تتركهم قال قتادة: تدعهم
قال عكرمة: كان كهفهم في القبلة، وقال القتبي: كان باب الكهف حذاء بنات نعش فكانت تزاور عن كهفهم إذا طلعت، وتتركهم إذا غربت.
وقوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾.
أي: في متسع وفضاء في الكهف:
﴿ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾.
أي: ما تقدم من فعل الله لهم من حجج الله [ عز وجل] على خلقه [سبحانه].
ومن الأدلة التي يستدل بها أولوا الألباب على عظم قدرته وسلطانه.
ثم قال: ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾.
أي: من يوفقه بالاهتداء فهو المهتدي ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ أي: عن آياته وأدلته.
﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً﴾.
أي: لن تجد له يا محمد خليلاً ولا حليفاً يرشده.
قال: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾.
أي: تظنهم يا محمد لو رأيتهم أيقاظاً، أي: أعينهم مفتوحة فتظنهم لذلك منتبهين.
وقيل: إنما ذلك لكثرة تقلبهم، تحسبهم منتبيهين.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾.
أي: نقلبهم في حال رقادهم مرة للجنب اليمين ومرة للجنب الأيسر.
قال أبو عياض: وكان لهم في كل عام تقلبتين.
ثم قال: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾
يعني: كلباً كان معهم للصيد.
وقيل: هو إنسان من الناس كان طباخاً لهم تبعهم.
والوصيد: فناء الكهف، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك وقتادة: وعن قتادة: " الوصيد ": الصعيد والتراب.
وعن ابن عباس أيضاً:
الوصيد الباب، وقيل: الوصيد العتبة، وقيل الوصيد فناء الباب، وسمي الباب وصيداً: لأنه يطبق.
من قولهم: أوصدت الباب: إذا أطبقته، فهو في هذا القول: فعيل بمعنى مفعل.
كأنه قال: باسط ذراعيه بالوصيد أي بالمطبق يقال: [أصدت الباب و] أوصدته إذا أطبقته فهو موصد تهمز ولا تهمز.
ثم قال: ﴿لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً﴾.
أي: لو رأيتهم [في رقدتهم] لهربت منهم خوفاً ولملئ قلبك رعباً منهم.
وذلك لما كان الله ألبسهم من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد ولا تلمسهم يد، حفظاً منه لهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته في
الوقت الذي يريد، ليجعلهم عبرةً لمن شاء من خلقه.
وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه ومن خلقه ﴿ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: 21].
وقيل معناه: لوليت منهم فراراً ولملئت / منهم رعباً من كثرة شعورهم وكبر أظفارهم، إذ قد مر عليهم زمان طويل وهم أحياء نيام.
فطالت شعورهم وعظمت أظفارهم.
قوله: ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذاً أَبَداً﴾.
أي فكما أرقدناهم على هذه الصفة، كذلك بعثناهم من رقدتهم ﴿لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليسأل بعضهم بعضاً و [نعرفهم] عظين قدرتنا فيزدادوا بصيرة في أمرهم وفي إيمانهم إذ لبثوا مدة عظيمة من الزمان وهم في هيئهم لم يتغيروا ولا تغيرت ثيابهم.
ثم قال: ﴿قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ﴾.
أي: بعثناهم ليتساءلوا.
فتساءلوا فقال: قائل منهم.
كم لبثتم؟ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم.
﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
وهذا يدل على ا، الرعب منهم لمن رآهم لم يكن لطول شعورهم وأظفارهم، إذ لو كان كذلك لعاينوا من أنفسهم أمراً يمنعهم أن يقولوا لبثنا يوماً أو بعض يوم.
فقال الآخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ ويجوز أن يكون لما رأوا من طول شعورهم وأظفارهم ما أنكروا ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ ردوا العلم إلى الله في ذلك [سبحانه].
قال ابن جبير: قال أحدهم: لبثنا يوماً، وقال الآخر: لبثنا نحوه، فقال كبيرهم: لا تختلفوا، فإن الاختلاف هلكة ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة﴾ يعنون مدينتهم التي خرجوا منها.
قال: ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الرُّبع، وهو صغار الإبل، وقال:
إنهم قاموا من رقدتهم جياعاً فلبثوا في طلب الطعام.
ومعنى: ﴿أزكى طَعَاماً﴾ عند عكرمة أكثر، وهو قول أبي عبيدة.
وقال: ابن جبير: أحل ذبيحة، لأن القوم كانوا مجوساً.
وعن ابن عباس ﴿أزكى طَعَاماً﴾ أطهر طعاماً.
وقال: مقاتل: أزكى طعاماً " أطيب طعاماً.
وقال: قتادة خير طعاماً وقيل: أرخص.
وعن ابن عباس: ازكى طعاماً " أطهره لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُاً﴾ أي: بطعام ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: يرفق ﴿وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَد﴾
أي: لا يعلمن بكم أحداً من الناس.
﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: إن أهل قريتكم الكفار أن يطلعوا عليكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: يقتلوكم ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي: يردوكم عن دينكم [إلى دينهم] ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ أي: لن تفلحوا أن رجعتم إلى دينهم وعبادة أوثانهم [أبداً].
قال وهب بن منبه: غبروا بعدما بني عليهم باب الكهف زماناً بعد زمان.
ثم إن راعياً أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف، وأدخلت غنمي من المطر.
فلم يزل يعالجه حتى فتح ما دخل منه.
ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاماً، فلما أتى باب مدينتهم رأى شيئاً ينكره.
حتى دخل [على رجل] فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً.
فقال: من أين [لك] هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس وأتى
الليل ثم أصبحوا فأرسلوني.
فقال: هذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان، فأنى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكاً صالحاً فقال: [من] أين لك هذا الورق؟ فقال: خرجت أنا وأصحاب لي / أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا.
ثم أمروني أن أشتري لهم طعاماً.
فقال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف.
قال: فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال: دعوني أدخل إليهم قبلكم.
فلما رأوه ودنا منهم ضرب على ءاذانهم فجعلوا كلما دخل رجل منهم أرعب.
فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنيسة واتخذوها مسجداً يصلون فيه.
وقال عكرمة: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، ورزقهم الله الإسلام فاعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف.
فلبثوا دهراً طويلاً حتى أهلكت أمتهم.
وجاءت أمة مسلمة وملكهم مسلم.
فاختلفوا في الروح والجسد فقال قائل: يبعث الروح أما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئاً.
فشق على ملكهم اختلافهم فانطلق فلبس المسوح، وجلس على الرماد، ثم دعا الله [ عز وجل] فقال أي رب قد
نرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله [ عز وجل] أصحاب الكهف.
فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاماً.
فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهراً.
فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها فقال له الفتى: أليس ملككم فلاناً؟ قالوا: لا ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى دفعوه إلى الملك فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه.
فبعث في الناس فجمعهم، فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله عز وجل قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني: ملكهم الذي مضى.
فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي.
فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف.
فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي.
فلما أبصرهم ضرب على أذنه وآذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه فإذا أجسادهم لا ينكرون منها شيئاً غير أنه لا أرواح فيها.
فقال الملك: هذه آية: بعثها الله [ عز وجل] لكم.
وروي في هذا أخبار طويلة ترجع إلى هذا المعنى.
قوله: ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾.
أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم الفريق الذين كانوا في شك من بعث الأجساد [ليعلموا أن وعد الله حق في بعث الأجساد] يوم القيامة وأن الساعة لا ريب فيها أي: إتيانها لا شك فيه.
ثم قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾.
أي: أطلعنا عليهم إذ يتنازعون، أي: وقت المنازعة في بعث الأجساد.
والمنازعة المناظرة.
وقيل: المعنى: ليعلموا في وقت منازعتهم أن وعد الله في بعث الأجساد حق فيكون العامل في " إذ " على القول الأول " أعثرنا " وعلى الثاني " ليعلموا ".
ثم قال: ﴿[فَقَالُواْ] ابنوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً﴾.
أي قال الذين اطلعوا على أمرهم: ابنو عليهم بنيانا ﴿رَّبُّهُمْ [أَعْلَمُ بِهِمْ]﴾
أي: [الله] أعلم بشأنهم قال ذلك: الكافرون.
﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ قال ذلك: المسلمون.
قال: عبيد بن عمير عمى الله [ عز وجل] على الذين أعثرهم / على أصحاب الكهف مكانهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها.
وقال المسلمون: نحن أحق بهم، فإنهم منا، نبني عليهم مسجداً نصلي فيه، ونعبد الله عز وجل فيه.
وقال قتادة: ﴿الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ﴾ الولاة.
وقد روى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليحجن عيسى ابن مريم عليه السلام في سبعين.
منهم أصحاب الكهف مسورين مخلخلين بالفضة ".
قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
[أي: سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية هم ثلاثة رابعهم كلبهم] ويقول بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، أي: قذفاً بالظن.
ويقول بعضهم: هم
سبعة وثامنهم كلبهم.
قل [يا محمد للقائلين ذلك] ربي أعلم بعدتهم ما يعلم عددهم إلا ناس قليل من خلقه، قاله قتادة.
وقال ابن عباس: عني بالقليل هنا أهل الكتاب.
وكان يقول: أنا ممن استثنى الله [ عز وجل] .
وروي عنه أنه قال: أنا من ذلك القليل.
ويقول: عددهم سبعة، وكذلك قال: عكرمة وابن جريج هم سبعة وثامنهم كلبهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾.
أي: [لا] تجادل في عدد أصحاب الكهف يا محمد أحداً من اليهود ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ أي: بما أنزل عليك من القرآن تتلوهم عليهم لا غير.
وقال ابن عباس: يقول حسبك ما قصصت عليك في أمرهم فلا تمار فيهم.
قال مجاهد: ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم.
وقال ابن
زيد: معناه: أن نقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تدعون.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾.
أي لا تستفت في أهل الكهف أحداً من أهل الكتاب فإنهم لا يعلمون ذلك.
قال: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾.
هذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله.
إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وأمره.
وإنما بذلك النبي صلى الله عليه وسلم [ لأنه] وعد سائليه عن المسائل التي تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن.
فاحتبس الوحي عنه من أجل ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه.
ثم أنزل عليه الجواب فيهن فعرف الله [ عز وجل] نبيّه [عليه السلام] سبب احتباس الوحي عنه وعلمه ما الذي ينبغي له أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور التي [لم] يأته من الله عز وجل فيها تنزيل.
وتقدير ﴿أَن يَشَآءَ الله﴾ عند الكسائي والفراء: إلا أن يقول إن شاء الله.
وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله [ عز وجل] . فأن: في موضع نصب على حذف [الباء على] هذا.
ثم قال: [تعالى]: ﴿واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
معناه عند ابن عباس: واستثنِ في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ذلك] في حال اليمين.
قاله فيه: [فإن] له أن يستثني ولو إلى سنْة، وكذلك قال: أبو العالية، والحسن.
وقال عكرمة: معناه: واذكر ربك / إذا عصيت.
وقيل: معناه:
واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها الترك.
ومعنى قول: من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [ عز وجل] أمر بالاستثناء.
فإذا ذكر الإنسان، متى ما ذكر يمينه، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في تركه ما أمر به ولا يسقط ذلك لكفارة إذا حنث [إلا أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين فيسقط عنه الكفارة إذا حنث]، والحرج جميعاً، هذا معنى قول ابن عباس: أنه يستثني بعد سنة.
ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط عنه الكفارة إذا حنث.
ولو وجب أن يسقط الكفارة بالاستثناء بعد حين لم يكن قوله تعالى: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 91] الآية.
فائدة: لأنه كان يستثني كل من أراد الحنث متى ما أراد الحنث ولا كفر، وتبطل فائدة الآ] ة، ولا يلزم أحد الكفارة.
ويدل على ذلك أيضاً، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر وليأت
الذي هو خير " فأمر بالكفارة عند الحنث، ولم يقل: فليقل إن شاء الله.
ثم قال: ﴿وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾.
أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه يكون إن هو شاء.
وقيل: إن هذا أمر من الله [ عز وجل] لنبيه [ صلى الله عليه وسلم] أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله إن شاء الله إذا ذكر ذلك.
وقيل: المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف.
قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾.
معناه: ويقولون لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين.
هذا حكاية عن قول أهل الكتاب، فرد الله [ عز وجل] ذلك عليهم.
وقال: [الله] لنبيّه [ صلى الله عليه وسلم]
﴿ قُلِ [الله] أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ الآية.
قال: قتادة: وفي حرف ابن مسعود " [و] قالوا: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ﴾.
وقال مجاهد والضحاك: هو خبر من الله [ عز وجل] عن مبلغ لبثهم في الكهف ولما قال: ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾ قالوا سنين أو ليال أو غيرها فأنزل الله: ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ الآية.
وقيل: إن أهل الكتاب قالوا [على] عهد النبي [ صلى الله عليه وسلم] : إن للفتية من لدن
دخلوا الكهف إلى عصرنا هذا ثلاث مائة سنة وتسع سنين، فرد الله [ عز وجل] عليهم وأعلم نبيّه أن قدر لبثهم في الكهف إلى أن بعثوا ثلاث مائة سنة وتسع.
ثم قال: تعالى لنبيّه [عليه السلام].
﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾.
[أي] بعد أن بعثهم وقبض أرواحهم إلى يومهم هذا لا يعلم مقدار ذلك إلا الله.
ومن نوَّن " مائة " جعل " سنسن " بدلاً من " ثلاث " أو يكون عطف بيان على " ثلاث ". وقيل: هو نعت لمائة لأن مائة في معنى جمع.
وحكى بعض أهل اللغة أن العرب إذا نونت العدد أتت بعده بحمع يفسره، فيقولون: عندي ألفٌ دراهم [وثلاثمائة دراهم] وألف رجالاً، فيكون
" سنين " على هذا القول تفسيراً.
ومن أضاف، أتى بالعدد على أصله.
لأنا إذا قلنا عندي مائة درهم فمعناه مائة من الدراهم.
فالجمع هو الأصل فأتى به في هذه القراءة على الأصل /.
[و] قوله: ﴿الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾.
أي: أعلم بلبثهم من المختلفين في ذلك.
وقيل: أعلم أعلم بمعنى عالم.
وقوله ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾.
أي: تسع سنسن.
ولا يحسن أن يكون تسع ساعات ولا تسع ليال، لأن العدد إذا فسر في صدر الكلام [جر] آخره [على] ذلك التفسير.
تقول عندي مائة درهم وخمسة.
فتكون " الخمسة " دراهم أيضاً، لدلالة ما تقدم من التفسير على ذلك.
ثم قال: ﴿لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض﴾.
أي: له علم ذلك وملكه لا يشاركه فيه أحد.
ثم قال: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.
أي: ما أبصر الله [جلت عظمته] واسمعه لا يخفى عليه شيء ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾ أي ليس لخلقه دون ربهم ولي يلي تدبيرهم ولا ينقذهم من عذاب الله [سبحانه] إذا جاءهم.
﴿[وَ] لاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾.
أي: ليس يشرك الله [ عز وجل] في تدبيره لعباده أحداً ولا يظهر على غيبه أحداً.
وقيل معناه: لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله [ عز وجل] أو بما دل عليه حكمه، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون لله [سبحانه] شريكاً في حكمه.
فأما من قرأه بالتاء والجزم، فمعناه: لا تنسبن أحداً إلى أنه يعلم الغيب ويلي تدبير الخلق.
قوله: ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾.
المعنى: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب [ربك] والزم تلاوته والعمل بما فيه ﴿لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: لا مغير لما وعد بكلماته التي أنزلها عليك.
ثم قال: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾.
أي وإن لم تفعل ما أمرت به من الاتباع للكتاب ولزوم التلاوة فلن تجد من دونه ملتحداً.
قال: مجاهد [" ملتحداً "] ملجأً.
وقيل معناه: موئلاً.
وقيل:
معدلاً والمعنى واحد.
وهو مفتعل من اللحد.
يقال: لحدت إلى كذا أي ملت إليه.
ولذلك قيل لِلَّحد لَحْد لأ [نه] في ناحية القبر وليس هو الشق الذي في وسطه.
ومنه الالحاد في الدين لأنه ميل عن الحق فيه.
قال: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾.
والمعنى أن الله يقول لنبيّه عليه السلام: احبس نفسك يا محمد في أعمال الطاعت ﴿مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾ بالذكر والحمد والتضرع يريدون بذلك وجه الله.
﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.
أي: لا تصرفهما عنهم إلى غيرهم من الكفار.
وقال: ابن المسيب: هم أهل الصلاة المكتوبة، ومثله عن مجاهد.
وروي أن ذلك نزل في الذين [كان] النبي صلى الله عليه وسلم يقرئهم القرآن أُمّر أَن يصبر نفسه ليقرئهم.
وروي أنه أمر للنبي عليه السلام أمر أن يقرئ الناس القرآن.
[و] هذه الآية نزلت في جماعة من عظماء المشركين أتوا النبي عليه السلام وقالوا له: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الظأن وهم موال وليسوا بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون بذلك خباباً وصهيباً وعماراً وبلالاً ومن أشبههم فأمر [هـ] الله [ عز وجل] [ ألا] يفعل ذلك وأن يقبل عليهم ولا يلتفت إلى غير [هم] من المشركين.
فهو / قوله ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ﴾ يعني المشركين الذين أمروه
أن يبعد عنهم هؤلاء المؤمنين.
وقيل: عني بذلك عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.
" ولما نزل ذلك على النبي عليه السلام وهو في بيته التمسهم فوجد قوماً يذكرون الله [ عز وجل] ثائري الرؤوس والجلود وفي ثوب واحد فلما رآهم قال: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم " ".
وفي ذلك نزل ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52].
وذلك أن النبي عليه السلام همّ بابعادهم طمعاً أن يؤمن به عظماء قريش فنهاه الله [ عز وجل] عن ذلك.
وقيل [معنى] ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾: يعني صلاة الصبح والصلاة