الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم صلى الله عليه وسلم لكانت دمخوع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر.
قال سعيد: " كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرْفع حتى يبللها كلها، كلما كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: إن داود النبي صلى الله عليه وسلم كان يعاتب في
كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل وقبل أن يؤمر بي
﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
قال محمد بن المنكدر مكث آدم صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له جمعة.
فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم.
فقال لها: ما زلت مستحياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت.
وقال محمد بن خوات: إن داود النبي صلى الله عليه وسلم لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفر تهالك، قال: فنصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء!
قال بكر بن عبيد الله المزُني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق،
فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعادي فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له.
وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيلك له: قد غُفر لك يا نبي الله؟! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل.
قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين.
قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات.
ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تلعت أوصاله، فإذا ذكر
رحمة الله تراجعت.
وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَاَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل.
فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه.
ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود.
قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم.
فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب / به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم.
فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل
أنت من ذلك الشيء.
فقال: ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم.
قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه قتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به.
قال: فزاده ذلك فيها رغبة.
قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا).
قال: فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك.
قال فكتب إليه ثالثة فبعثه فقتل.
قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسوروا عليه المحراب.
قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ﴾ - إلى قوله -
﴿سَوَآءِ الصراط﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة!
فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة.
قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره).
قال: إذا (لا ندعك) وذلك.
قال: ما أنت على ذلك بقادر.
قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امراته.
قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً.
- وهو موضع السجود عند مالك.
وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ " ص "، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته.
فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك.
فكان صلى الله عليه وسلم إذا سجد يقول ذلك.
قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها.
قال: فبكى أربعين يوماص لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك.
قال: يا رب، كيسف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسك بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟
قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا).
فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة.
قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي.
قال: فلما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض صلى الله عليه وسلم.
وقيل: اسم الرحل أوريا بن حيان.
وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماص لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه.
قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم / لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك.
فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة.
فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنْ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إلها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها.
قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها.
قال: فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها.
وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها.
قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان.
قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان يغى بعضنا على بعض.
وذكر نحو الحديثين المتقدمين.
وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقر ار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن.
وهو قول شاذ.
وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله صلى الله عليه وسلم أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه.
فكان من آخر دعائه وهو ساجد أنه قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فلم تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يتلفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة.
قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي.
قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع.
قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط.
قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود صلى الله عليه وسلم، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده.
قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه.
وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني كمثل القربتين تنظفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض.
ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياه من أهل الأرض.
فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله.
وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه.
ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب.
﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى﴾، أي: لقربة يوم القيامة.
قال الضحاك: لمنزلة رفيعة.
ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: حسن مصير.
قال السدي: حسن منقلب.
وقال الضحاك: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه.
فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وامحرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى قربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له: هاهنا عن يمين العرش.
وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
وقال مالك بن دينار: يقال داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به / في الدنيا.
فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك.
قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان.
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن.
ثم قال تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾، فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخافناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الأرض.
﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾، أي: بالعدل والإنصاف.
﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله.
﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة.
﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة.
قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير.
والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل.
فالعامل في " يوم " في القول الأول: " نسوا " هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني " لهم " وهو ظرف.
وكان ابن عباس يسجد عند قوله: " وأناب "، ويقول: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90].
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار.
ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض﴾.
هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد.
ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿ليدبروا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول.
ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه.
﴿نِعْمَ العبد﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه.
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر.
وقال ابن عباس: الأواب: المسبح.
وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة.
وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.
وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالعشي الصافنات الجياد﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت.
والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة.
والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه.
وقيل: هو الذي يجمع بين يديه.
وزعم الفراء أن الصافن هو القائم.
وقال مجاهد: صفون الفرس: " رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر ".
وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها.
وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر.
والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض.
قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة.
(والجياد: السريعة.
روي أنها كانت عشرين فرساً ذات أجنحة).
قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ - إلى قوله - ﴿لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في
الأرض مثلها.
وكان أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه.
فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة.
في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض / عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾.
﴿فَقَالَ إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾، أي: الخيل.
والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير.
وفي الحديث: " الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " ولما ورد زيد
الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أنت زيد الخير.
وهو زيد بن مهلهل الشاعر.
وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي.
﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال:
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق﴾، أي: يمسحها مسحاً.
فالضمير في " توارت " على هذا القول للخيل.
وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ التي فاتته في صلاة العصر وهو قول قتادة
والسدي.
وقيل: المعنى: إني آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ [فصلت: 17]، أي: آثروا الضبه على الهدى.
وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت.
يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت.
فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾.
إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس.
فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت.
ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت.
ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك.
ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة.
﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها.
قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها.
ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له.
وقال ابن عباس: " جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها لها ".
قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب.
قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة.
قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مجساة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح.
فقال: لقد آتاكم الله آل داود.
قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في إذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست.
فنزل مقتنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟!
قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود.
فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة.
تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب " سبحان الله " كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا.
قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك.
فقال له سليمان: وما همي؟
قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل.
قال له سليمان: صدقت.
وانطلق إلى مركبه.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه.
﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان.
ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر.
وكان ملك سليمان في خاتمه.
وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد.
قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه.
قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك / أخبرك.
فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه.
فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر.
وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً.
وقال قتادة: " أمر سليمان ببناء المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد.
فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين.
قال: فطلبه).
وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر.
فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله.
قال: فأُرِيَ
الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل: لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد.
قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاج فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه.
فأخذوا الناس فجعلوا يقطعون به الحجارة.
فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مفارقة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه.
فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان الله.
وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا.
قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ".
وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: " كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي.
فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ.
قال: وأقبل سليمان
في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده.
فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر.
فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه.
وجاءت الطير حتى حامتا عليه فعرف / القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم عل ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه.
فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة " وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل
واحد منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه.
قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد به، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع.
وقيل: " أناب ": [تاب ورجع عما كان عليه.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغفر لِي﴾، أي: استر على ذنبي الذي أذنبت].
بيني وبينك.
﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنه هذا الشيطان.
قاله قتادة.
وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي.
﴿إِنَّكَ أَنتَ الوهاب﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء.
وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة.
روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه.
قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك.
قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي.
فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه.
ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل ".
وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني).
ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء.
قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرَت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء.
﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء.
قال مجاهد: رخاء: طيبة.
وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة.
وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة.
وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقال الضحاك.
وقال السدي: رخاء: طوعاً.
وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً.
وقال مجاهد: " حيث أصاب: حيث شاء ".
ثم قال ﴿والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين.
هذا كله قول قتادة.
والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه.
وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر.
وقيل: واحدها: صفْد.
كعدْل.
وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً ما يرتبط له.
واسم العطية / الصفد.
قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿هذا عَطَآؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم.
وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع.
قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية.
فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك.
وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير.
وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزله عند الله، ودرجته، وقبول توباته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون هنده من ذلك.
ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها.
وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي﴾، الأحسن في تأوليه: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته.
وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم.
وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهلي زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت.
فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي.
إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس.
وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو
فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.
قوله تعالى ذكره: ﴿واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: واذكر يا محمد أيوب إذ نادى ربه مستغيثاً به مما نزل به.
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.
قال قتادة: هو ذهاب المال والأهل، والضر الذي أصابه في جسده، ابتُلي سبع سنين وأشهراً ملقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء.
قال السدي: معناه: بنصب في جسدي، وعذاب في مالي.
وروى الطبري عن وهب بن منبه أنه قال: كان أيوب صلى الله عليه وسلم رجلاً من الروم من ذرية عيصا بن إسحاق بن إبراهيم.
ومن الرواة من يقول في عيصا: العيص بن إسحاق.
وروي أن أيوب تزوج ابنه يعقوب واسمها ليا؛ وهي التي أقسم أيوب ليضربها مائة ضربة، فبَّر الله عز وجل يمينه.
وكانت أم أيوب بنت لوط.
وقيل: كانت زوجة أيوب: رحمة ابنه أفريق بن يوسف بن يعقوب.
قال وهب: إن إبليس اللعين سمع تجاوب ملائكة السماوات بالصلاة على أيوب حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسدُ والبغيُ، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله كله، فشكر أيوب ربه عز وجل ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه.
فسأل إبليس الله عز وجل أن يُسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى.
فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط عليه دون لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده؛ فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية، فلم يغيره ذلك عن ذكر (ربه وعبادته).
قال ابن عباس: لما أصاب أيوب البلاء، أخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس.
فجاءته امرأة أيوب، فقالت له: أتداوي رجلاً به علة كذا وكذا؟
قال: نعم، بشرط على أني (إن شفيته قال لي): أنت شفيتني لا أريد منه / أجراً غير هذا.
فجاءت امرأة أيوب إلى أيوب، فقال: ذلك الشيطان! والله لئن بَرَأْتُ
لأضربنك مائة فلما برأ أخذ شمراخاً فيه مائة عرجون فضربها به ضربة.
فيكون " النُّصْبُ " على هذا، ما ألقاه الشيطان إليه ووسوس به إلى امرأته.
وقرأ الحسن: " بَنَصَبٍ " بفتح النون والصاد.
وهما لغتان، كالحُزْن والحَزَن.
وقيل: من ضم النون جعله جمع نَصَب، (كَوَثَن وَوُثْن).
فأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ [المائدة: 3] "، فهو جمع نصاب.
وقوله ﴿اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فاستجبنا له إذ نادى، وقلنا له اركض برجلك الأرض، أي: حركها وادفعها برجلك.
والركض: حركة الرجل.
قال المبرد: الركض: التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال: رَكَضْتُ
الدابة، ولا يقال: رَكَضَتْ (هي، لأن الركض حركة الرِّجْلِ من راكبها، ولا فعل لها في ذلك الوقت.
وحكى سيبويه: (ركضتُ) الدابة فركضت، مثل جَبَرْتُ العظم فجبر.
قوله: ﴿هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
قال قتادة: " ضرب برجله أرضاً يقال لها الجابية، فإذا عينان تنبعثان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى ".
قال وهب: فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عز وجل عنه كل ما كان فيه من البلاء.
قال الحسن: فركض برجله فنبعث عين فاغتسل منها، ثم مشى نحواً من أربعين ذراعاً ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها فذلك قوله: ﴿هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فالموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾.
قال مجاهد: رَدَّ الله عليه أهله وأعطاه مثلهم معهم في الآخرة.
وقال الحسن وقتادة: فأحيا الله جل وعز له أهله بأعيانهن وزاده في الدنيا مثلهم.
(وهو قول ابن مسعود).
وقيل: إنمل رد الله عليه من غاب من أهله وولده مثل من مات منهم، وأعطي من نسلهم مثلهم.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي: رحمناه رحمة.
وقال الزجاج: نصب رحمة على أنه مفعول له.
ثم قال: ﴿وذكرى لأُوْلِي الألباب﴾، أي: فعلنا به ذلك للرحمة وليتذكر وليتعظ به أولوا العقول إذا ابتلوا فيصبرو كما صبر أيوب.
وروي أن أيوب كان نبياً في عهد يعقوب النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان عمر أيوب ثلاثاً وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب، واسمه شبر بن أيوب.
وفيه اختلاف،
وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان.
فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين! قال له صاحبه: وما ذاك؟! قال: منذ ثماني عشرة سنة لم ي رحمه الله فيكشف ما به.
فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له.
فقال له أيوب: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله - أي: يحلفان به - فأرجع إلى بيتي (فأكفر عنهما) كراهية أن يذكر الله إلا في حق.
قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، قال: فلما كات ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله جل ذكره إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب.
فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على خير ما كان.
فلما رأته قالت: بارك الله فيك، هل رأيت نبي
الله، هذا المبتلى؟ فوالله - على ذلك - ما رأيت رجلاً أِبه به منك إذ كان صحيحاً! قال: فإني أنا هو!!
قال: وكان له أندران: أندر اقمح، وأندر الشعير قال: فبعث الله عز وجل سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر الشعير الورق حتى فاض ".
وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ الضغث: ما يجمع من شيء من الرطب ويحمل الكف من الحشيش أو الشماريخ ونحو ذلك.
قال ابن عباس، أُمر أن يأخذ حزمة من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضربها به.
قال الحسن مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً، ما يسأل الله أن يكشف ما به.
قال: وما على الأرض أكرم على الله من أيوب.
فقال بعض الناس: لو كان لرب هذا فيه ما ضيع هذا.
قال: فعند ذلك / دعا أيوب ربه فكشف ما به.
قال قتادة: كان إبليس قد تعرض لامرأته فقال لها: لو تكلمت كذا وكذا شفيته.
فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة.
فأمر أن يأخذ أصلاً فيه تسعة وتسعون قضيباً، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة فيبر من يمينه ويخفف الله بذلك عن امرأته.
قال الضحاك: ضغثاً، يعني: من الشجر الرطب.
كان حلف على يمين فأخذ من الشجر عدد ما حلف عليه فضرب به ضربة واحدة فَبَرَّت يمينه، وهو في الناس اليوم: يمين أيوب.
من أخذ بها فهو أحسن.
قال عطاء: هذا لجميع الناس، وقال مجاهد وغيره: هو خاص لأيوب، لا يعمل به غيره ولا يجزيه، وهو قول مالك، وهو قول جماعة العلماء إلا الشافعي فإنه أجاز لمن حلف على عشر ضربات فضرب بشمراخ فيه عشر قضبان مرة فأصابت المضروب أنه يبر قال ابن جبير: يعني بالضغث قبضة من
المكانس.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾.
أي: على البلاء.
﴿نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع من معصية الله إلى طاعته.
قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة أيوب، فقالت: إن هاهنا إنساناً مبتلى من أمره كذا، هل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني شفيته أن يقول كلمة واحدة.
يقول: أنت شفيتني؛ لا أريد منه أجراً غيرها.
فأخبرت بذلك أيوب.
فقال: ويحك! ذلك الشيطان! لله عَلَيَّ إنشفاني الله أن أجلدك مائة جلدة.
فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً (فيضربها به).
فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها به ضربة واحدة.
وقال غير ابن عباس، إنما نذر أن يضربها حين باعت شعرها بالطعام فافتقده