الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7845-7884
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7845-7884
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر.
(وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني].
ومن جعله للنار حذف [الياء] من " نذير " لأنه بمعنى النسب.

  • قوله: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾، إلى آخر السورة.
    أي: نذيراً للبشر لما شاء منكم أن يتقدم في طاعة الله ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ في معصيته.
    قاله قتادة.
    وهو معنى قول ابن عباس.
  • ثم قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.
    أي: كل نفس بما عملت من معصية الله في الدنيا رهينة في جهنم.
  • ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾.
    فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ المجرمين﴾.
    قال ابن عباس: ﴿رَهِينَةٌ﴾ أي: " مأخوذة [بعملها] ". وقاله قتادة.
    قال

مجاهد: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ " لا يحاسبون ". [وقال] ابن زيد: أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله عز وجل.
وقال الضحاك: (معناه): كل فنس سبقت لها كلمة العذاب يرتبهنها الله عز وجل في النار، ولا يرتهن أحدا من أهل الجنة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾: هم " أطفال المسلمين ". وقال ابن عباس: " [هم] الملائكة ". فمن قال: هم الأطفال [أو هم الملائكة] استدل بقولهم للمجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، وذلك أنهم لم يقترفوا ذنوباً في الدنيا.
ولو اقترفوها ما سألوا عن ذكل، وكل من دخل الجنة غير الأطفال فقد كانت لهم ذنوب.
وقال الضحاك:

هم ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: 101]. ومعنى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾: [ما] أدخلكم في سقر؟! وقرأ ابن الزبير: " يتساءلون عن المجرمين، يا فلان: مَا سَلَكَكم في سقر ". [وهذه] قراءة على التفسير.
وقيل: معناه/ أن المؤمنين يسألون الملائكة عن قراباتهم من المشركين، (فتسأل الملائكة المشركين) تقول لهم: ما سلككم في سقر؟! فيقول [المشركون] ما حكى الله من قولهم، وإقرارهم على أنفسهم بالجحود والكفر.
ومعنى: ﴿مِنَ المصلين﴾: من الموحدين.

  • ثم قال تعالى حكاية عن جواب المشركين: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾.
    أي: لم نكن - في الدنيا - من المصلين لله.
  • ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾.
    أي: نخوض في الباطل مع كل من يخوض فيه.
    قال قتادة: نخوض مع الخائضين، أي: (كلما غوى غاو غووا معه).
  • ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾.
    أي: نقول: لا بعث ولا جزاء ولا جنة ولا نار.
  • ﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾؟ أي: الموت.
  • ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾.
    أي: فما يشفع لهم الذين يشفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد فتنفعهم شفاعتهم.
    ففي هذا دليل بين أن الله يشفع بعض خلقه في بعض.
    قال ابن مسعود في قصة طويلة في الشفاعة (قال): ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء الصالحون المؤمنون، ويشفعهم الله فيقول: أنا أرحم الراحمين.
    قال ابن مسعود: لا يبقى في النار إلا أربعة.
    ثم يلتو: ﴿[لَمْ] نَكُ مِنَ المصلين﴾ إلى: ﴿. . . الدين﴾.

قال أنس بن مالك: " إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة [والرجل] ". وقال: أبو قلابة: " يدخل الله بشفاعة رجل من هذه الأمة (الجنة) مثل بني تميم - أو قال: أكثر من بني تميم - ". وقال الحسن: " مثل ربيعة ومضر ".

  • ثم قال: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾.
    فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين لا يستعمون ولا يتعظون؟!
  • ثم قال: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾.
    أي: كأنهم في نفارهم عن القرآن حُمُرٌ مذعورة خائفة من الرماة [قد] نفرت.
    ومن قرأ ﴿مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ - بالكسر - فمعناه نافرة، ومن فتح

[فمعناه]: مذعورة خائفة.
قال ابن عباس وعكرمة وقتادة: القسورة: الرماة.
وقال معمر: هي [النبل].
وقال ابن جبير: هي رجال القنص.
وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
[وعنه] أيضاً: هي جماعة الرجال، وعنه أيضاً: هي أصوات الرجال.
وقال أبو هريرة: هي الأسد، روي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
والقسورة مشتقة من القسر، وهي الغلبة.

  • ثم قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾.

أي: ما بهم في إعراضهم عن الإيمان والقرآن إلا أن يُعْطَى كل إنسان منهم كتاباً من السماء ينزل عليه.

  • ﴿كَلاَّ﴾، أي: لا يكون ذلك.
    قال قتادة: قال قائلون من الناس: يا محمد، إن سَرَّكَ أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان (يؤمر) فيه باتباعك.
    وقال مجاهد: يريدون أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان من رب العالمين.
    وقيل: المعنى: بل يريد كل إنسان منهم أن يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف في موضع الذكر على المجاز.
    وقيل: قالوا: إن كان الإنسان إذا أذنب كتب عليه، فما بالنا لا نؤتى ذلك؟!.
  • ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾.
    أي: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يرجون ثوابه، فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله، وهَوَّنَ عليهم ترك الأستماع لوحي الله وتنزيله.
    قال قتادة: " إنما أفسدهمه أنهم كانوا لا يصدقون بالآخرة، ولا يخافونها ".
  • ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾.
    أي: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في القرآن: إنه سحر يؤثر وإنه قول البشر، ولكنه تذكرة من الله خلقه.
  • ثم قال: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾.
    أي: فمن شاء من عباد الله - الذين ذكرهم بهذا القرآن - ذكره فاتعظ به [واستعمل] ما فيه.
    (ويحسن أن يكون ﴿كَلاَّ﴾ في هذين الموضعين بمعنى " أَلاَ " فيبتدأ بها)، ويحسن أن يكونا بمعنى " حقاً ".
  • ثم قال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله هُوَ.
    . .﴾. أي: وما تذكرون هذا القرآن فتتعظون به [وتستعملون] ما فيه إلا أن يشاء الله ذلك، لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بمشيئة الله وبقدرته.
    والتاء في

﴿يَذْكُرُونَ﴾ للخطاب.
الياء على لفظ الغيبة.

  • ثم قال: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾.
    أي: الله أهل أن يَتَّقِي عبادُه عقوبتَه/ على معصيته إياه فيسارعوا إلى طاعته واجتناب معصيته، والله أهل أن يغفر لمن تاب من ذنوبه وسارع إلى طاعته (ونزع) عن معصيته.
    روى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾، قال: " يَقُولُ رَبُكُمْ.
    أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى أَنْ يُجْعَلَ مَعِي إِلَهٌ غَيْرِي، وَمَنْ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهاً (غَيْرِي) فَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ ".

قال قتادة: معناه: " هو أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر الذنوب ". وسئل طلق من حبيب عن التقوى فقال: أعمل بطاعة الله ابتغاء وجه الكله على نور من الله، وتجنب معصيته الله مخافة عذاب الله على نور من الله.
وروى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ فقل: " إِنَّ اللهَ يقول: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فَلاَ يُجْعَلَ مَعِي شَرِيكٌ.
وَأَنَا أَهْلُ المَغْفِرَةُ لِمَنْ لَمْ يَجْعَلْ مَعِي شَرِيكاً ". قال أبو محمد رضي الله عنهـ: وهذا الحديث خير من الدنيا وما فيها، [وهو] من رواية ابن عباس، حديث صحيح.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية

  • قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾، إلى آخرها.
    من النحويين من قال: " لا " زائدة كزيادتها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12].
    ولم يمتنع أن تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة واحدة.
    وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر.
    ثم نزل متفرقاً من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم.
    وقد قال الفراء:

" لا " لا تزاد (" لا " في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير النفي.
وقيل: [إن] " لا " من قوله: ﴿لاَ [أُقْسِمُ]﴾: جواب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة.
وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس﴾، لانها متوسطة بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي.
هذا على قول من جعله أيضاً قسماً ثانياً.
ومن جعله غير قسم جعل " لا " نافية.
وهو قول الحسن.
وقد قرأ قُنْبُل عن ابن كثير: " لأُقْسِمُ " بغير ألف بعد اللام، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لأنها لام عند

قسم تلزمها النون المشددة.
قال ابن جُبير: " ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ معناه: أقسم بيوم القيامة ". وقال أبو بكر ابن عياش: ﴿لاَ﴾ تأكيد للقسم، بقولك: لا، والله.
وحكي عن بعض الكوفيين أن ﴿لاَ﴾ رد لكلام قد مضى من المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار.
ثم ابتدأ القسم فقال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾.
وكان يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم " لا " ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف.
قال: ألا ترى أنك تقول مبتدءاً: والله إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن الرسول لحق، فكأنك كذبت قوماً أنكروه.
وقيل: " لا " تنبيه بمعنى " ألا ". كما قال امرؤ القيس: لاَ وَأَبيكِ ابْنَةَ العامِر [يِّ] ... لا يدّعي القومُ أَنِّي [أَفِرّ]

يريد: ألا.
قال ابن عباس: قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس﴾ (هو أيضاً) قسم.
أَقْسَمَ ربنا بما شاء من خلقه.
وهو قول قتادة.
وهو اختيار الطبري، فتكون " لا " الأولى رداً لكلام ت قدم، و " لا " الثانية زائدة.
وقال الحسن: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس﴾ ليس بقسم.
والمعنى: ولست أقسم بالنفس اللوامة.
فتكون " لا " الأولى [رداً] لكلام تقدم أو زائدة، و " لا " الثانية نافية غير زائدة.
وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر.
كما تقولون: أيها الناس.
كأنه (يقدرُ) جواب القسم محذوفاً.
كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن الله لا يبعث أحداً، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون.
ودل على ذلك قوله: ﴿بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن [نَّجْمَعَ] عِظَامَهُ﴾، أي:

أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾، (على خلاف) ظنهم أنهم لا يبعثون.
فالمعنى: ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة.
قال: والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: " لا، والله ما فعلت " أن قولهم " لا " رضدُّ الكلام.
وقولهم: " والله ": ابتداءُ يمينٍ فكذلك ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾.

  • وقوله: ﴿بالنفس اللوامة﴾.
    أي: بالنفس التي " تلوم على الخير والشر ". قاله ابن جبير.
    وقال مجاهد: معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات.
    يروى أنه ما من نفسي إلا تلوم نفسها يوم القيامة.
    يلوم المحسن نفسه: أَلاَ ازْدَادَ خيراً؟! ويلوم المسيء نفسه (على إساءته/ وعلى ما فاته من التوبة.
    قال الحسن: المؤمن يلوم نفسه ويعاتبها ويقول): [لِمَ] أَكلت؟!

[لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: والكافر لا يعاتب نفسه، يَمُرُّ قدماً قدماً في الذنوب.
وعن الحسن [أيضاً] أنه قال: هو المؤمن، إن تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] بنظرك ما أردت بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: " الفاجرة ". وعن ابن عباس: هي " المذمومة ".

  • ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾.
    أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بلى نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئاً واحداً [كَخُفِّ] البعير، وحَافِرِ الحمار، فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى الأكل بفمه كالبهائم، ولكن (الله) فرق أصابع

يديه ورجليه ليتناول بها ويُفْضِيَ إذا شاء، هذا معنى قول ابن عباس وغيره من المفسرين.
ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال، أي: نجمعها في حال قدرة على تسوية بنانه.
هذا قول سيبويه.
وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع ﴿[قَادِرِينَ]﴾ في موضع " نقدر "، نصب على الحال.
وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: " قائماً زيد " [بنصب] " قائم " إذا رفع " زيداً " بفعله، لأنه في موض " يقوم ". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى على ذلك

قادرين.

  • ثم قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾.
    أي: ليس يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن يريد أن يمضي أمامه قدماً لا يُثْنَى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ويُسَوِّفُ بالتوبة.
    قال بان جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة.
    قال مجاهد: يمضي ابن آدم ﴿أَمَامَهُ﴾ راكباً رأسه.
    وقال الحسن: لا تلقى ابن آدم إلا تَنْزَعُ نَفْسُهُ إلى معصية الله قُدُوماً قُدُماً إلاَّ من عصم الله.
    وقال عكرمة:.
    . . " لا ينزع عن فجوره ". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، لا يذكر الموت، يقول: أصيبُ من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا يذكر الموت.

وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هُنَا " الكافر، يكذب بالبعث والحساب "، وهو قول ابن زيد.
فالهاء في ﴿أَمَامَهُ﴾ للإنسان [في جميع هذه] الأقوال.
وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بلى يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة.
وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة.

  • ثم قال: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾.
    أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفاً منه بالتوبة.
    قال قتادة: [يقول]: " متى يوم القيامة ". قال عمر بن الخطاب: " من

سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة ". قال ابن عباس: معناه: يقول الإنسان: سوف أتوب.
ق ال: فبين له، فقيل له: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر * وَخَسَفَ القمر.
. .﴾.

  • ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾.
    من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حَارَ وفَزعَ [عند الموت].
    قال قتادة: ﴿بَرِقَ (البصر)﴾: شخص، يعني: عند الموت.
    وقيل: ذلك يوم القيامة عند المبعث.

وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: ﴿وَخَسَفَ القمر * وَجُمِعَ الشمس والقمر * يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر﴾، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك ﴿بَرِقَ البصر﴾.
وقيل: الفتحُ في الراءِ والكسرُ لغتان، بمعنى: لَمعَ وشَخَصَ.
ويدل على [صحة] ذلك قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ [طَرْفُهُمْ]﴾ [إبراهيم: 43]، فهذا هو الشخوص، [لا تُطْرَفُ] أَعينُهُم، وذلك من شدة هول يوم القيامة.

  • ثم قال: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾.
    أي: ذهب ضوءه.
  • ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾.
    أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منها.
    وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر.
    روي أنهما يجمعان فيكوران

كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] (قال مجاهد: كورتا يوم القيامة.
وقال بان زيد: جمعتا فرُميَ بهما في الأرض.
وتأويل ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها.
فيكون معنى الجمع بينهما هنا: أن يُرْمَى بهما في الأرض.
وقال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى.
وقيل: ﴿وَجُمِعَ﴾، ولم يقل: " وجمعت "، لأن معناه: وجمع بين الشمس والقمر.
فحمل على تذكيرين.
وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب

المذكر - وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى.
والتقدير: وجمع/ النوران الضياءان.
قوال المبرد: ذُكِرَ ﴿وَجُمِعَ﴾ لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] لم تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء.
فلذلك، تذكيره على معنى: " شَخْص " وِ " شَيْء ".

  • ثم قال: ﴿يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر﴾.
    أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، " والمَفَرُّ " مصدرٌ.
    عن ابن عباس: " أَيْنَ المَفِرُّ " بكسر الفاء، وروي عن عيسى بن عمر

وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي المكان الذي يفر إليه.
وأجاز في المصدر الكسر.

  • ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾.
    أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا جبل ولا معقل.
    قال ابن عباس: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: " لا حصن (ولا ملجأ ". وقال مطرف بن الشخير: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك بالوزر.
    وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة.
    وقال الضحاك: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: " لا حصن) وهو قول أبي قلابة.
    وقال ابن جبير: لا محيص.
    وقال عكرمة: لا منعمة.
    وأصل هذا أنهمه كانوا إذا ضُيِقَ عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى غيره.
  • ثم قال: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾.
    قال ابن زيد: " استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار " وقال قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى.
  • ثم قال: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
    أي: يُخْبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده مما

يعمل به من أجله.
قال ابن عباس: " يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل قبل موته وبما سَنَّ فَعُمِلَ به بعد موته ". وقاله ابن مسعود.
وقيل: المعنى: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة.
روي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
وقال مجاهد: معناه: بخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره.
وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق الله.
وقال ابن زيد: ﴿وَأَخَّرَ﴾ معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله.
و ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ [معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر.
وقيل: ما أخر: ما أوصى به بعد موته، وما أبقى من أثر عمله بعده.

  • ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾.

أي: هو شاهد على نفسه.
قال ابن عباس: " يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه "، فيكون ﴿الإنسان﴾ ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿على نَفْسِهِ﴾ خبرٌ، والجملة خبرُ [عن] الإنسان.
وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عراف بيبه، فهو عارف بعيب غيره، متغافل عن عيبه.
فيكون ﴿الإنسان﴾ على هذا التأويل ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبره.
ودخلت الهاء في " بصيرة " للمبالغة.
وقيل: دخلت حملا على المعنى، [لأن] المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه.
وقيل: معنى ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: يعني الكاتبين يكتبان خيره وشره.
ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: ولو سدل ستوره ليخفي

صنعه لم ينفعه شيء.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾.
    أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل بالباطل [لا ينفعه] ذلك شيئاً.
    قال ابن عباس: " ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾ يعني الاعتذار.
    ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: 52] يعني قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء﴾ [النحل: 28]، وقولهم: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23]؟! قال ابن زيد: " قوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا ينفعهم العذر، وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا ". وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾: " ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها ".

وقال السدي: " معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب ". وقال الحسن و [قتادة]: " (معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه "، إذ هي باطل.

  • ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.
    أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به.
    روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك.
    قال ابن عباس: كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يَلْقَى مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أَيْ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ، وَأَنْ تَقْرَأَهُ.
    ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع (قُرْآنَهُ)﴾، أَيْ: فَأَنْصِتْ وَاسْتَمِعْ.
    ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.

(أَيْ): (إِنَّ) عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ/، قَالَ: فَكَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا أََتَاهُ جِبْرِيلُ [اسْتَمَعَ]، فَإِذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ (كَمَا قَرَأَهُ).
قال الشعبي: " كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوحيُ عَجِلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبِهِ إِيَّاهُ، فَنَزَلَ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.
وقال ابن زيد: " (معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك وحيه، فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به ". وقال الضحاك: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: حفظه في [قلبك].
وأن تقرأه بعد حفظه.
وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة.
[وقال قتادة]: معنى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي:

جمعه في قلبك حتى تحفظه ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: [تأليفه].
يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنيناً إذا ضمت رحمها على ذلك.

  • وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾.
    معناه عند ابن عباس: (" فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه ". وعنه أيضاً أن [معناه]: " فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه ". وقال قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ " فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه ". وقال الضحاك: " فاتبع مافيه ". وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: فإذا بيناه فابتع قرآن، أي: اعمل به.
  • وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.

أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التغير.
[ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروةا وبدلوا.
وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ﴿بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله﴾ [المائدة: 44]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، فما حفظه الله علينا لم يغير.
وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي [أن] نبينه بلسانك.

  • ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾.
    أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون بأعمالكم.
    ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم ولا تجازون على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم.
    فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة وتكذبون بالآجلة.
    (ويجوز أن تكون " كلا " بمعنى " حقاً " أو بمعنى " ألا ". قال قتادة: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله).
  • ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾.

أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة.
هذا قول جميع أهل التفسير.

  • ثم قال: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
    أي: تنظر إلى ربها.
    قال عكرمة: " تنظر إلى ربها نظراً ". قال الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: " أي حسنة: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق ". وقل عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103].

[وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، [(لا) يقال]: " نظرت إليه " بمعنى انتظرته، وإنما يقال: " نظرته " بمعنى انتظرته.
أيضاً فإنه لا يجوز " أنتظرت زيداً " بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب.
وأيضاً، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن

يقال: " [وجهي] منتظر لك ". فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يَجُزْ أَنْ يَتَأَوَّلَ فيه معنى الانتظار، ولو قال: " قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة "، لحسن كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب.
وقال الحسن في الآية: نَظَرت إلى الكله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره.
وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِنِّي حَدّثْتُكُمْ عَنِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، إِنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ [مَطْمُوسُ] عَيْنِ اليُسْرَى، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ

وَلاَ حَجْرَاءَ، فَإِنَّ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنْ رَبَِّكُمْ - عز وجل -/ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - حَتَّى تَمُونُوا ". وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجها.
وقد [أضاف] النظر إلى الوجه.
وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء (باسم} الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 8 - 9]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي

الأبدان والأقدام إلى [الوجوه]- لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه]- يراد به العين - أَجْوَزَ وَأَحْسَنَ، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه.
وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن.
[وأحَادِيثُ] تصحيح النظر إلى الالله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا.
ويدل على تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد.
فأما قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103]، فمعناه: لا تحيط به.
ومن قال: إن

معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): ﴿حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق﴾ [يونس: 90]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به.
وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]: إنا [المرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: 77]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون له، إنما أَمَّنَهُ من إحادتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة.

ومعنى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] أي: لن تراني في الدنيا.
فالإحاطة به منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية.
كما أن قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: 255]، لا يكون نفياً عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية.
وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جاز أن يروا ربّهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك.
فلذلك، لا يجوز أن يكون معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ لا تراه.
و [قد] قيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ أي: في الدنيا، على أن يكون ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ﴾

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل