الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7559-7599
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7559-7599
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُو جنته.
وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم.
و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز].
أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مدنية

  • قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ {مَآ أَحَلَّ الله لَكَ).
    . .﴾، إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾.
    نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سَرِيَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت لذلك حفصة فحرمها النبي

على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلباً لرضاء حفصة، فعوتب النبي صلى الله عليه وسلم ونُبه على أن ليمينه مخرجاً.
قال زيد بن أسلم: " أَصَابَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ.
فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَاماً.
فقالت: يا رسول الله، كَيْفَ تُحَرِّمُ عليك الحلالَ؟! فَحَلَفَ لها بالله لاَ يُصِيبُهَا، فأنزلَ الله: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله.
. .﴾ الآية ". قال زيد بن أسلم: " قال لها: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَمٌ، وَاللهِ لاَ أَطُؤُكِ ". قال الشعبي: حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين.

قال الضحاك: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتاة فغشيها، فبصرت [به] حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] مُتَعَاوِنَتَيْنِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة: اكْتُمِي عَلَيَّ وَلاَ تَذْكُرِي لعائشة ما رأيتِ، فَذَكَرَتْ حفصةُ لِعائشةَ الخَبَرَ، فغضبت عائشة، فلم يَزَلْ نَبِيُّ اللهِ حتى حلف لاَ يَقْرَبُها، فأنزل الله الآية، وأمره بكفارة يمينه.
قال ابن عباس: " أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرما شيئاً على أنفسهم مما أحل الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا يدخل في ذلك طلاق "، فإنما حرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه جاريته ولم يحلف.
وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينب بنت

جحش [يشرب] عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له إن أجد منك ريح مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا، ولن [أعود]، فأنزل الله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله﴾ وأنزل ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ يعني عائشة وحفصة ". ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري عائشة بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها النبي صلى الله عليه وسلم بأن حلف لها ألا

يطأها بعد ذلك وحرمها على نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك.

  • ثم قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ والله مَوْلاَكُمْ.
    . .﴾. أي: قد بين الله لكم تَحِلَّةَ أَيْمَانكم وَحَدَّهَا (لكم)، ﴿والله مَوْلاَكُمْ﴾ أي: يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في تدبيره خلقه.
  • ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ.
    . .﴾. أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذا أ) سر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، وهو (على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله لها: لا تذكري ما رأيت لعائشة.
    وقال منصور بن مهران: أَسَرَّ إلى حفصة أن أبا بكر خليفتي بعدي.

وقيل: هو قوله: بل شربت عسلاً، على ما مضى من الخبر.
وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة.

  • ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ.
    . .﴾. أي: أخبرت حفصةُ بذلك عائشة.
  • ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ.
    . .﴾. أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصةَ لعائشةَ بِسِرِّ النبي.
  • ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ.
    . .﴾. (أي: عرف النبي حفصةَ بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) فلم يوبخها عليه.
    قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها أنها قالته لعائشة.
    ومن قرأ بالتخفيف في ﴿عَرَّفَ﴾، فمعناه أن النبي عَرَفَ لحفصةَ ما فعلته،

[يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق.
وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يَجْنِي عليك: لأُعَرِّفَنَّكَ فِعْلَكَ، على طريق التوعد والتهديد.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا [نَبَّأَهَا] بِهِ.
. .﴾. أي: أخبر حفصة/ بأن الله أَطْلَعَهُ على [إفشائها سِرَّهُ] إلى عائشة.

  • ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا.
    . .﴾. أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خَبَّرَنِي به العليم بكل شيء، الخبير بالسرائر والعلانية.

ويُروى أن [السِّرَّ] الذي أَسَرَّهُ النبي عليه السلام هو أنه أسرَّ إلى حفصة (أن الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، فأفشته إلى عائشة، فَأَعَلَمَ اللهُ نبيه ذلك.
و ﴿نَبَّأَنِيَ﴾ تُعَدَّى إلى مفعول واحد، و ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ تُعدى إلى مفعولين.
[وقد أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر على اثنين دون الثالث.
(وتفسير ذلك أن " نَبَّأَ " و " أَنْبَأَ " بمعنىً في التَّعدِي، وهما يجريان في الكلام على ضربين: أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) دون الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر الابتداء في الأصل.
والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك يكفتى باثنين وبواحد.

  • ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا.
    . .﴾. [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم] من تحريمه جاريته على نفسه.
    قال ابن عباس ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: زاغت، أي: أثمت.
    قال مجاهد: " كنا نرى أن قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ شيء (هين) حتى سمعت قراءة ابن مسعود " فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا ". ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ.
    . .﴾. يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي.
  • ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ.
    . .﴾.

أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريلُ أيضاً وَليُّهُ، وصالحُ المؤمنين أيضاً أولياؤه، يعني خيارهم.
وقال الضحاك وغيره: " هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهـ ". فيجب أن يكون أصلُ ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على هذين القولين بالواو، وحذفت من الخط على اللفظ.
وقال مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا أصل للواو فيه.
وقال قتادة: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنبياء.
فيكون أيضاً أصله الواو.
وهو

قول سفيان.
وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل ﴿سَنَدْعُ﴾ [العلق: 18] ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11].
وفي هذا مخالفة للسواد.
والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنهـ فَيَتِمُّ له موافقةُ المعنى وموافقة الخط.
وكان الطبري يقول إن ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسم " للجنس: كقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارئ القرآن.

فهو بلفظ الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضاً بغير واو اتباعاً للخط والمعنى.

  • ثم قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
    أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد.
    " وظهير " لفظ واحد، ومعناه جمع.
    ولو أتى على اللفظ لقال: " ظُهَرَاً ".
  • ثم قال تعالى: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ.
    . .﴾. أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجاً خيراً منكن.
    وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما أجتمعن عليه في الغيرة.
    روى أنس بن أنس أن عمر - رضي لله عنه - قال: " اجْتَمَع عَلَى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم نِسَاؤُهُ فِي الغِيرَةِ, فَقُلْتُ لَهُنَّ: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجاً خيراً منكن، فنزلت

كذلك ". قال عمر: " فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ امرأةً (امرأةً) أعظها وأَنْهَاهاَ عن أَذَى رَسولِ اللهِ وأقول: إِنْ أَبَيْتُنَّ أَبْدَلَهُ (اللهُ خيراً منكن، حتى أَتَيْتُ على زَينبَ فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟! فَأَمْسَكْتُ.
فأنزل الله عز وجل ﴿ عسى رَبُّهُ﴾ الآية ".

  • وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾، أي: خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بالله ورسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي: مطيعات لله، ﴿تَائِبَاتٍ﴾ [أي]: راجعات إلى ما

يحبه الله ورسوله.
﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: [متذللات] لله بالطاعة.
﴿سَائِحَاتٍ﴾ (أي): صائمات.
قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك، وقال زيد بن أسلم: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: مهاجرات، وهو قول ابن زيد.
((وقال) ابن زيد): " ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة ". وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئاً بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد

معه.
وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله.
من: سائح الماء، إذا ذهب.

  • وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾.
    أي: نساءً كباراً قد تزوجن غيره، (ونساءً صغاراً) لم يتزوجن.
  • قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ {وَأَهْلِيكُمْ.
    . .﴾. إلى آخر الآية.
    (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ [بَعْضاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار.

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنهـ - في [قوله]: ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم.
قال ابن عباس: معناه: " اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر/ ينجيكم الله من النار ". وقال مجاهد: " واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله ". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته].
وقيل: المعنى: لا تعضوا فيعصي أهلوكم.
وفي الحديث: " لا تزن [فيزني] أهلك ".

وقوله: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة.
. .﴾. أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت.
﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ.
. .﴾. (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم.
وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء.
﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ.
. .﴾. أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به عذاب الكفار وغيره.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به.

  • ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

(أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً.
. .﴾. أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه.
هو قول الضحاك.
وقاله ابن مسعود.
وقال قتادة: التوبة النصوح " هي الصادقة النصاحة ". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ.
ويجوز أن يكون مصدراً،

كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة.
وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله.

  • (ثم قال تعالى: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ.
    . .﴾. أي: محوها عنكم.
    و" عسى " من الله) واجبة.
    ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ (مَعَهُ).
    . .﴾. أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك.
  • ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ.
    . .﴾. قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى.
    ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا.
    . .﴾. أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم.
    قاله مجاهد وغيره.
    وقال الحسن: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره.
    فذلك قوله: ﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ ". ﴿واغفر لَنَآ.
    . .﴾. أي: واستر علينا ذنوبنا.
    ﴿إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير.

  • ثم قال: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ.
    . .﴾. أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد.
    قال قتادة: " أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود] ". ومعنى ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن.
    ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير.
    . .﴾. أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه.
    ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا).
    . .﴾. أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت {عَبْدَيْنِ

(مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ}، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾].
قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه.
وكان هو يسترهم.
وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه.
قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت أحدهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه.
قال عكرمة: " كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين "، وقاله الضحاك.
فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها

بِخِيَانَتِكُما.
كذلك من كان كافراً وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله.
فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره.
وقيل: ﴿مَعَ/ الداخلين﴾ يريد: مع القوم الداخلين.
ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأت فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ﴾.
وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تز وازرة وزر أخرى.
فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة.

قال القاسم بن أبي بزة: " كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها،، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي].
فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح ". قال قتادة: " أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأَتَهُ كُفُور زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه ".

  • ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا.
    . .﴾. أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق

في حائظ أو سقف فهو فرج.

  • ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا.
    . .﴾. (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام.
    وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه.
  • ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا.
    . .﴾. [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كملة الله، هي التوراة والإنجيل.

ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾.
أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين.
(داود بن إسحاق).

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية روى جابر بن عبد الله أن النبي - عليه السلام - كان لا ينام حتى يقرأ: "تنزيل السجدة" و (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) و [كان] يقول: هما يفضلان كل سورة بسبعين حسنة، فمن قرأهما كتبت له سبعون حسنة، ومحي سبعون سيئة، ورفع له سبعون درجة.

ومعنى "يفضلان " أي: يعطي الله على قراءتهما من الأجر أكثر مما يعطي على غيرهما، لأن بعض القرآن أفضل من بعض، فافهمه.
قال ابن مسعود: من قرأ سورة الملك فقد أكثر وأطيب.
وقال: هي المجادلة جادلت عن رجل كان يقرؤها.
وعنه أنه قال: من قرأ (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) كل ليلة وقاه الله فتنة القبر.
وقاله كعب.
وذكر أنه يجدها في التوراة كذلك.
وروى أبو هريرة [عن] النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي "تبارك الذي بيده الملك".
وعن ابن مسعود أنه قال: يُؤْتى الرجل من قبل رجليه -يعني في القبر-، قال: فيقول رجلاه: ليس (لكما) على ما قِبَلي سبيل، إنه كان يقوم على سورة الملك.
فيوتى من قبل وسطه فيسأل، فيقول بطنه: ليس لكما على ما قبلي سبيل، إنه كان قد وَعَى في

سورة الملك.
فيؤتى من قبل رأسه فيقوم لسانه: ليس لكما على ما قبلي، إنه كان يقرأ في سورة الملك.
ثم قال ابن مسعود: هي المانعة، تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة: هذه سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيَب.
ويقال: إن عذاب القبر يكون من ثلاثة أشياء: من النميمة والغيبة وقلة التنزه من البول.
ويقال: ليس يصحب المؤمن في قبره (شيء) خير له من كثرة الاستغفار.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
تبارك: تفاعل على البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل.
ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة

[وسلطانهما]، نافذ فبهما أمره وقضاءه.
﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء.
وقيل: معناه: الذي بيده الملكم، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء.

  • ثم قال تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.
    أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى.
    وفعل ذلل ليختبركم في حايتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة.
    وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي/ قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله).
    فالمعنى: ليخبتر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه.
    وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم.
    قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دا ر حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.
  • ثم قال: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً.
    . .﴾. أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق.
    ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ.
    . .﴾. أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه.
  • ثم قال تعالى: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾.
    أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟
  • (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾).
    أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد آخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً.
    من قولهم للكلب: " اخسأ " إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً.
    يقال: خسأته فخسأ.
    وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي.
    (وقال ابن عباس: " ﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف.
    وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه

قول ابن عباس.
يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين.
    . .﴾. أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع.
    قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها.
    و" رجوم " مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها).
    ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم.
  • ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾.
    أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم.
  • ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المصير﴾.
    أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم.
  • ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾.
    أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أو صوت الشهيق.
    والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار.
    ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر.
  • ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ.
    . .﴾. (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار).
    ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾.

أي: كلما أقرى في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿قَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْءٍ.
. .﴾، فيقول لهم [الخزنة].
﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾.
أي: في ضلال عن الحق بعيد.
" ونذير ": بمعنى منذر.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾.
    أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كان نسمع من النذير ما جاءنا به ن الحق سماع قبلو، أو نعقل عنه ما يدعونا إليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحب النار.
    وقيل: ﴿نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا.
    ومنه قولهم: سمع الله

لمن حمده: أي قبل منه.
والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: 18] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي.

  • ثم قال تعالى: ﴿فاعترفوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾.
    أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم.
    قال ابن عباس.
    وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم.
    ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
    أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس.
    ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾.
    أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها.

﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
أي: وثواب عظيم، وهو " الجنة ".

  • ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ.
    . .﴾. أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء.
    ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ/ الصدور﴾.
    أي: عليم بضمائر الصدور.
    فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.
    ؟!
  • ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾.
    " من ": في موضع رفع اسم الله جل ذكره.
    ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: " ألا يعلم ما خلق "، لأنه راجع إلى (ذات الصدور).
    فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلاينتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت " من " بمعنى " ما " في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر.
    ففيه حجة

[قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه بقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تبعد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: 8].
وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: 112]، فكلُّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
وكذلك يكون المعنى إذ جعلت " من " في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (ومن خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره.
وقل أهل الزيغ: " من " في

موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا.

  • ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً.
    . .﴾. أي: سهلا ً سهلها لكم.
    ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾.
    قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيلأ: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة.
    وقال
فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل