الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
الثلاث: " قل ألَم نشرَحْ "، " قُل إِنّا أنزَلناهُ ".
وقيل في هذه الثلاثة: اقرأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾، اقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله﴾، هذا بإثبات " قل " في ذلك، وقال أبي بن كعب وابن مسعود: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعنى: اقرأ - يا محمد - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾.
قال ابن عباس: " الفلق: سجن في جهنم ". قال بعض الصحابة: الفلق بيت في جهنم، إذا فتح هرب أهل النار، [كذا في كتاب عبد بن حميد].
وذكر ابن وهب أن كعباً قال: الفلق بيت في جهنم إذا (فتح) صاح جميع أهل النار ن شدة حره أعاذنا الله منها.
وقال السدي: الفلق جب " في جهنم ". وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال): " الفلق جب في جهنم مغطى ".
وقال أبو عبد الرحمن [الحبلي]: هو جهنم.
وقال ابن عباس والحسن وابن جبير ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة وابن زيد: هو فقل النهار، يريدون فلق الصبح، وعن ابن جبير [أيضاً] أنه جب في النار.
والعرب تقول: هو أبين من فلق الصبح، ومن [فرق] الصبح يعنون الفجر، ويقولون لكل شيء أضاء من الأرض: فلق.
وعن ابن عباس أيضاً: الفلق: [الخلق].
وقوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أي: من شر كل ذي شر، أمر الله نبيه أن يتعوذ من شر (كل) ذي شر، لأن ما سواه - تعالى ذكره - مخلوق.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾.
قال ابن عباس والحسن: الغاسق [الليل إذا أظلم].
وقال محمد بن كعب ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ " النهار إذا دخل [في الليل].
وقال مجاهد: هو الليل [: إذا أظلم، وقال أيضاً]: إذا دخل.
وقال أبو هريرة رضي الله عنهـ: هو " كوكب ".
وقال ابن زيد: كانت العرب تقول: الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطاعون يكثران عند سقوطهما ويرتفعان عند طلوعها.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " النجم هو الغاسق ".
وقالت عائشة رضي الله عنها: " أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة، تعوذي بالله من شر غاسق إذا وقب، (هذا غاسق إذا وقب) " وقال الزهري: الغاسق إذا وقب: " الشمس إذا غربت ".
والمعروف في كلام العرب: وَقَبَ بمعنى دخَلَ.
ويقال: غَسَقَ: إذا أظلمَ، فالليل إذا دخل في ظلامه غاسقٌ، وكذا القمرُ إذا دخلَ في المَغيبِ للكسوف وغيره، وكذا النجم، [فالاستعاذة] عامة من [كل] هذا، فهو الظاهر.
ويقال: غَسَقَ إذَا أظلَمَ.
وقال القتبي: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾: هو القمر إذا دخلَ في ساهُوِرِهِ، وهو كالغلاف له،
وذلك إذا خسف.
وكلّ شيء أسْوَدُ فهو غَسَقَ.
قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة: الغاسق الليل.
قال الحسن: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾: إذا دخل على الناس.
قال عكرمة: تجلى فيه عفاريت الجنّ.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾.
أي: من شرّ السواحر [اللاتي] ينفثن في الخيط حين [يَرْقِينَ] عليها.
قال ابن عباس: هو (ما) خلط السحر من الرُّقَى.
قال مجاهد: هو " الرُّقى فِي عُقَدِ الخَيْطِ ".
وقال مجاهد: هو نَفْثُ " السواحرِ في العقد ".
ويقال: إنهنّ نساء كنّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سواحر، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة منهنّ، لأنهنّ يوهمن/ أنهم [ينفعن] أو [يضرّن]، فربما لحق الإنسانَ في دينه مأثم.
ويروى أنّ النبيَّ لمّا سُحِرَ عُقِدَ لهُ إحدَى عشْرة عُقْدَةً، فأَنْزَلَ الله جلَّ ذكرُه إحدى [عَشْرَةَ] آيةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وهي المَعُوذَتَانِ.
والنَّفْثُ يكونُ بالفَمِ [شَبيهٌ] بالنَّفْخِ، والتَّفْلُ لا يَكُونُ إلاّ معَ الرِّيقِ.
ثم قال: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
قال قتادة: معناه: " من شرِّ عَيْنِهِ وَنَفْسِهِ ".
وقال ابن زيد: أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ [يَسْتَعِيذَ] مِنْ شَرِّ اليَهُودِ الّذينَ حَسَدُوهُ، لَمْ يَمْنَعُهُم أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إلاَّ [حسَدُهُم].
وقيل: هو لَبيدُ بنُ الأَعْصَمِ وبَناتِهِ منَ السَّواحِرِ.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مدنية
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ إلى آخرها.
(المعنى: أقرأ يا محمد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ فأَثْبَتَ " قُلْ " فِي قَرَاءَتِهِ كما أُمِرَ، أي): قل [يا] محمد، استعيذ برب الناس، وهو الله جل ذكره، ﴿مَلِكِ الناس﴾، هو الله.
وخص الناس بالذكر وهو تعالى جل ذكره رب جميع الخلق وملِكُهم، لأن بعض الناس كان يُعَظِّم بعض الناس تعظيم المؤمنين ربهم، فأَعْلَمَهُم [الله] أنه رب من [يعظمونه] وملكهم [يجري] عليهم [سلطانه] وقدرته.
ثم قال تعالى: ﴿إله الناس﴾ أي: معبود الناس، لا تجب العبادة لغيره.
ثم قال: ﴿مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾.
أي الشيطان الخناس، يعني الشيطان يخنص مرة ويوسوس (أخرى، فيخنس إذا ذكره العبد ربه، ويوسوس من صدور الرجل) إذا غفل عن ذكر ربه.
فقال ابن عباس: " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل [وسوس]، [وإذا] ذكر الله خنس، فذلك قوله: ﴿الوسواس الخناس﴾ وقال مجاهد: ينبسط الشيطان فإذا ذكر لله خنس وانقبض، فإذا غفل الإنسان انبسط، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: يوسوس مرة، (ويخنس مرة) من الجن والانس وكان يقول: شيطان الإنس أشد على الناس من شيطان الجن، لأن شيطان الجن يوسوس (ولا تراه، وشيطان [الانس] يعاينك معاينة).
وعن ابن عباس أن الشيطان يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور النانس حتى يستجاب له إلى ما دعا من طاعته، فإذا [استجيب] له إلى ذلك خنس.
يقال: خنس: إذا استتر، وخنست عنه: تأخرت، وأخنست عنه حقه سترته.
وقوله جل ذكره: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس * مِنَ الجنة والناس﴾ قيل: إن ﴿الناس﴾ المتأخر هنا يراد به الجن، وذلك أنهم سموا ناساً ما سموا رجالاً في وقوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن﴾ [الجن: 6].
وحُكِيَ عن بعض العرب أنه قال: جاء قوم [من الجن]، وقد قال الله في مخاطبة الجن لأصحابهم: ﴿ياقومنآ﴾ [الأحقاف: 30] فسموا قوماً [كما يسمى الأنس].
والجنة جمع جنى كما يقال: إنسيّ وإنس، والهاء لتأنيث الجماعة مثل: حجار وحجارة.
وقال علي بن سليمان: قوله ﴿والناس﴾ (معطوف) على ﴿الوسواس﴾، والتقدير: قل اعوذ برب الناس من الوسواس والناس، فيكون ﴿الناس﴾ على هذا القول يعني به الإنس.
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ (ثم) يمسح (بهما) ما استطاع (من جسده) يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
صلى الله عليه وسلم ( وشرف وكرم ومجد).
وهذه أسماء القرآن وصفاته:
القرآن: جامع جميع [كتب] الله جل وعز.
وهو الفرقان، سمي بذلك لتفريقه بين الحق والباطل، وقيل: لتفريقه في
نزوله.
(وهو المثاني، سمي بذلك [لتكرر] القصص والأمر والنهي [فيه] [ليكون
أوعى لمن سمعه]، وأبلغ في [نقله] إذا نقل إلى [الآفاق].
وهو الكتاب كما قال: (الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ).
وهو الذكر كما قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ)، وسمي بذلك، لأنه اذكار من الله لخلقه بما ينفع ويضر، وهو مصدر: ذكرته ذكراً.
[وللقرآن] أسماء هي صفات، / وذلك الهدى والموعظة والرحمة [والبيان والتبيان، وهو البشير النذير]، وهو من صفته العزيز، لأنه لا يقدر أحد على أن يبطله ولا يأتي بمثله.
ومن صفته: الحكيم، لأنه يحكم، الناس، يردهم إلى الحق من قولهم: حكمت الدابة باللحام، إذا ردعتها عن أخذها غير القصد، ومنه حكمة الدابة.
ويجوز أن يكون الحكيم بمعنى المحكم.
ومن صفاته: المهيمن، سمي بذلك، لأنه شاهد على الكتب مصدق (لها)، يقال: هيمن يهيمن، إذا شهد
ومن صفاته: بلاغ، سمي بذلك، لأنه يكفي من غيره.
ومن صفاته: (الشفاء) لأنه يبرىء من الكفر.
ومن صفاته: المجيد، لشرفه على سائر الكلام.
قال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي المقرىء - رضي الله عنه -: قد أتينا -بعون الله جل ذكره- في هذا الديوان على ما شرطناه على أنفسنا في أوله حسب الطاقة ومبلغ الجهد وغاية المقدرة وعلى قدر ما تذكرته في وقت تأليفنا له واهتدينا إلى مواضعه من كتب مَن تقدَّمنا، ولسنا ننكر أن يكون قد فاتنا الكثير من المنصوص عليه وغفلنا عن تذكر أشياء قد حفظناها عند تأليفنا فأنسيناها عند تصنيفه.
والكمال (لله جل ذكره، وعلوم كتاب الله جل ذكره اعظم واجل من أن يحصيها محص ويبلغ) غايتها مدع أويتناها في علم ظاهرها وباطنها متناه.
وإنما ذكرنا في كتابنا هذا قدر ما فهمنا ووصل إلينا وعلمنا وروينا مما تذكرناه في وقت تأليفنا له واهتدينا إلى موضع نصه عند تصنيفنا له، ولسنا ننكر أن يغيب عنا من فهمه وعلمه كثير مما وصل إلى غيرنا وأن يكون قد غاب عن ذلك الغير كثير مما وصل
إلى فهمنا وعلمنا، ففوق كل ذي علم علم عليم، حتى يبلغ الغاية في العلم إلى العالم القدير عالم الخفيات، لا إله إلا هو العليم الحكيم.
وقد تعمدنا الأختصار في ذلك الإعراب على ما شرطنا لئلا يطول الكتاب وكنا قد ألفنا كتاباً في شرح مشكل الإعراب، فلم نحتج إلى تكريره في هذا الكتاب إلا الشيء اليسير النادر لم يمكن إلا ذكره فذكرناه مختصراً.
فرحم الله عبداً ترحم علينا وعلى جميع المسلمين، ودعا لنا بالمغفرة.
وأنا أرغب إلى الله ذي القدرة والعزة والجبروت والعظمة (أن ينفع بذلك) ويجزل عليه الأجر، وأن يجعله لوجهه خالصاً وأن يجيرنا ويعيذنا -فيما سعينا فيه- من الرياء والسمعة والتزين به عند الناس وأن يغفر لنا ما وقع من ذلك في أنفسنا، وأن لا يؤاخذنا بخطيئة قبح عندنا [فعلها] وكرهنا العودة إلى مثلها وأن لا يؤثمنا لما وقع منا من غلط أو سهو في هذا الكتاب، فهو القادر على ذلك لا إله إلا الله.
ثم صلى الله جل ذكره أولاً وآخراً على محمد النبي وعلى أهله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة كلهم أجميعن، ثم إليه جل ذكره أرغب في المغفرة والعفو لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات.