الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4567-4607
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4567-4607
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

معناه: أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة " وما بين ذلك " ما بين النفختين.
وقال ابن عباس: " ما بين أيدينا " الآخرة " وما خلفنا " من الدنيا.
وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: " وما بين ذلك "، ما بين الدنيا والآخرة.
وُرُوِيَ عن معمر: " ما بين ذلك " ما بين النفختين.
وكذا قال الضحاك.
وقال ابن جريج: " ما بين أيدينا " ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، و " ما خلفنا، " ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، " وما بين ذلك " ما بين ما مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم.
وقال الأخفش " ما بين أيدينا ": ما كان قبل أن نخلق " وما خلفنا " ما يكون بعد أن تموت " وما بين ذلك " منذ خلقنا إلى أن نموت.

وقال ابن جبير: " ما بين ذلك " ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ.
فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا نترك إلا بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، وما بين هذين الوقتين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ذا نيسان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه إياكز قال مجاهد " ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ما نيسك.
قوله تعالى ذكره: ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾.
أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذ نيسان، " فاعبده " أي: الزم طاعته.
﴿واصطبر لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله.
قاله ابن عباس وقتادة/ ومجاهد وابن جبير.

وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يمسى الرحمن سواه.
وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره.
وقل المعنى: هل تعلم أحداً قال له رب السماوت والأرض وما بينهما غيره.
وقيل: المعنى: هخل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾.
أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث.
فقال الله تعالى لنا: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته.
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: 78] فكان الجواب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] والرؤية بمعن العلم في هذا.
أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً.
ولا يجوزك أن تكنون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه.
والوقف على " حياً " بعيد، لأن " أولاً " معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ.
وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه.
ثم هي في كل من كان

مثلهم من الكفار المنكرين للبعث.
ودخلت اللام في " لسوف " للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا ما مات لسوف تبعث حياً).
فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: " أئذا ما مت لسوف أبعث " فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو مكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير مكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قبل له.
أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه.
ثم قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾.
أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين.
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾.
أي: على ركبهم، وهو جمع جاث.
وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في " مرضياً ". وقيل: " جثياً " قعوداً لا يقدرون عل القيام لشدة هول ما يرون.
روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم

[ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً " قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله ابراهيم عليه السلام.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم " ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾.
أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً.
يعني الأكابر فالأكابر جرماً.
والجبار فالجبار.
والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه.
قال مجاهد: " من كل شيعة ": من كل أمة.
والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه.
" أيهم " رفع عند الخليل على الحكاية.
أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد.
ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، عذب أولاً أشدهم كفراً ثم

الذي يليه.
ومذهب يونس أن " لننزعن " معلق.
" وأيهم " رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره.
ومذهب سيبويه أن " أيهم " مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في " أيهم " فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم.
وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب " أيا " إذا انفردت من أجل أنها تضاف.
فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة.
وقال الكسائي: " لننزعن " واقع على المعنى.
كم تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام.
فترفع " أيهم " بالابتداء.

وقال الفراء: المعنى: " لننزعن " بالنداء، فيكون معنى " لننزعن ": لننادين.
وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل.
أعني " لننزعن " وقع موقع " لننادين ". ونادى/ فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة.
فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت.
وقال بعض الكوفيين في " أي " معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها.
وقال المبرد: " أيهم " متعلقة بشيعة لا بننزعن.
والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم.
أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد.
فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ إلى قوله ﴿فِيهَا جِثِيّاً﴾.
أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه.
" وصلياً " مصدر صلى يصلي صلياً، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت اللام.
ثم قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾.
المعنى: وإنّ من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، إلا وارد

جهنم.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾.
أي: اتقوا الشرك، وأمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا القول.
وقيل: هي عامة.
والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم.
كان ذلك على ربك يا محمد قضاء مقضياً في أم الكتاب.
وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاءً واجباً.
قال ابن عباس: الورود، الدخول.
واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ وقل محتجاً للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟.
وقاله ابن جريج.
وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر.
وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة.

وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها أقدام الخلق، برّهم وفاجرهم.
ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي.
فتخسف بكل ولي لها.
فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ندية ثيابهم.
وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة.
وقال ابن مسعود: الورود: الدخول.
وقال قتادة: هو الممر عليها.
وقيل: الورود هو الجواز على الصراط.
والصراط على شفير جهنم مثل حد السيف.
فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة، كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم.
ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم.
وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة.
وذلك قال عكرمة.

وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور.
ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار.
وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين﴾ بفتح التاء.
إلا أن عليا قرأ " تَنحَّى بالحاء " وكذلك قرأ ابن أبي ليلى بفتح التاء.
فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الزالون والزالات يؤمئذٍ كثيرة وقد أحاط بالجسر سماطان من الملائكة، دعواهم يومئذٍ يا الله سلم سلم ". وقال مجاهد: " الحمى حظ كل مسلم من النار.
وقال أبو هريرة: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحابه وعكَ، وأنا معه.

فقال: إن الله جلّ ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة ". وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم.
وروت حفصة، " أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال إني لأرجو أن لا يدخل أحد شهد بدراً والحديبية.
قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جلّ وعزّ يقول: " وإن منكم إلا واردها؟ قال لها: أولم تسمعيه يقول: " ثم نُنَجي الذين اتقوا ". وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة.
وهذا اختيار الطبري ودل على هذا قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 102] وقوله: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]. ودل على هذا أيضاً قوله تعالى/ قبل الآية " ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾

فالحشر إنما هو في القيامة.
وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: " وإن منكم يا أهل هذا القول إلا وارد جهنم ". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا متنا لسوف نخرج أحياء إنكاراً منهم بالبعث.
وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها.
وقيل: معناه: وإن منكم إلاّ يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب عليه دخولها.
ودليله قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] فهو لم يدخل الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾.
ثم قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾.
أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه.
ثم قال: ﴿وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً﴾ أي: وندعهم في النار بروكاً على ركبهم.
كذا قال قادة.
وقال: إن الناس يردون جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم.
قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثياً إلا عند كرب ينزل به.

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بينات﴾ إلى قوله: ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾.
المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاماً) أي: خير موضع إقامة، وهي مساكنهم " وأحسن ندياً " أي [مجلسا].
يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن المسكن وحسن المجلس.
قال ابن عباس: " المقام " المسكن.
و " الندي " المجلس.
يقال: ندوت القوم أندوهم ندواً، إذا جمعتهم في مجلس [واحد].
ومنه دار الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر.
ومنه قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] ومنه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: 17] أي أهل مجلسه.
ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: مجلسهم وندي: جمع أندية.
ثم قالت تعالى ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾.
أي: وكثيراً يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثاً ورِئْيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.
قال ابن عباس: " الأثاث ": المتاع.
" والرئي: المنظر.
أي: أحسن متاعاً وأحسن مرئى ومنظراً من هؤلاء فأهلك الله أموالهم،

وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: " الأثاث: المتاع و " الرئي ": المنظر.
وقال معمر: أحسن أثاثاً: أحسن صوراً.
ورئياً: أموالاً.
وروي عن ابن عباس: " أحسن أثاثاً وزياً " بالزاي.
وقرأ طلحة " ورياً " خفيفة الياء من غير همز.
ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم.
ويجوز أن يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضاً منظراً، لأن العرب تقول: ما أحسن روية فلان في هذا الأمر؟.
. إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به.
ويجوز أن يكون من ري الشارب.
فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة.

وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر.
ومن همز جعله من رؤية العين.
" والأثاث " جمع واحدة أثاثه كالحمام والسحاب.
هذا مذهب الأخفش.
وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً من كان من ومنكم في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً.
فهو لفظأ مر، ومعناه الخير.
جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن يطول فيها، ويمد له كما قال تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه نفسه، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ.
فلذلك أتى به على الخبر.
ومعناه: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت والعذاب.

قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه.
ثم قال تعالى: ﴿/حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب﴾.
يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي.
" وإما الساعة " يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار.
و " إما " للتخيير.
وهي عند المبرد إن زيدت عليها " ما ". واستدل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر، جاز له حذف " ما ". وليست عند غيره إلا حرفاً واحداً.
ولم يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد.
وقال أبو العباس: إذا قلت ضرب ما زيداً وإما عمراً، فالأولى دخلت لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف.
وقال ابن كيسان: " أما ": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة.
وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي يجعل " إما " بمنزلة " ما ". وأجاز الفراء أن تأتي " إما " مفردة بمنزلة " أو ". قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾.

أي: مسكناً، منكم ومنهم.
﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين.
فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير.
القلب وإلقاء حركة الهمزة على الياء بعد القلب.
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾.
أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾.
. [التوبة: 124] الآية.
وقيل: يزيدهم بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ.
وقيل: هو زيادة في اليقين يجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى.
ثم قال تعالى: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾.
يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها.
﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها

في الدنيا.
وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في " الكهف ". وقد قيل: " الباقيات الصالحات " الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله.
وروي " أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك بينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة.
فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون ". وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة.

وروى أبو هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار.
قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ". ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾.
هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي.
قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
قلت: والكله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث.
قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم.
قال: فإنه سكون لي ثم مال وولد، فأقضيك.
فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا.
. .﴾ الآيات إلى

﴿. . . فَرْداً﴾.
وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى.
قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾.
إلى ﴿فَرْداً﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾.
أي: اعلم هذا القائل الغيب فقال ذلك عن علم/ غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟.
قال قتادة: " عهداً " عملاً صالحاً قدمه.
وقاله: سفيان.

وقيل: " العهد " التوحيد: " لا إله إلا الله ". وقيل: " العهد: الوعد.
وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا.
فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحتمك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى ايوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً.
قال أبو محمد ول " كلا " كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا.

ثم قال: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾.
أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً.
أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا.
أي: نطول له العذاب غير ماله من العذاب على كفره.
ثم قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾.
أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي: وحده لا مال له، ولا ولد.
وقوله: " ونرثه " هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف.
ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ.
وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل.
وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها

حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه.
وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييسأس.
وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في " ونرثه " أي ونرث منه قوله.
وفي حرف ابن مسعود، و " نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ ". وقال ابن زيد: " وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ " ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها.
وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم.
قوله تعالى ذكره: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾ إلى قوله: ﴿عِندَ الرحمن عَهْداً﴾.
المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من

عذاب الله.
ومعنى: " كلا " أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله.
ثم قال: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾.
أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها.
وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: 63] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها.
ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾.
قال ابن عباس: " ضداً ": أعوانا.
يعين على عذابهم.
وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذيبهم.
قال قتادة: " ضداً " قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.
وقال الضحاك: " ضداً " أعداء.

وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء.
وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعهنم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم.
وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم.
" والضد " في كلام العرب " المخالف ". ووحد " ضد لأنه في معن عوناً.
وعون مصدر، فلذلك لم يجمع.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾.
أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها.
وقال ابن عباس: تغويهم أغواء.
وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي.
ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها.
وهذا يؤكد تحقيق القدر.
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على

هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً.
قال ابن عباس: " إنما نعد لهم عداً " يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم.
ثم قال تعالى: / ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾.
التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين.
فالعامل في " يوم " ما دل عليه الكلام الأول وهو " نجازيهم " يوم كذا.
ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جاء الرحمن ووعده.
" وفداً هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، " والوفد ": " الركبان.
قال علي رضي الله عه: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.
وقال أبو هرية: " وفداً " على الإبل.

وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها.
ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ.
أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب ". وقيل: معنى " وفداً " أي: وافدين على ما تحبون.
من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق.
من كان يجب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن،

فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال.
وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذاخرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً.
فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾.
قال قتادة: " وفداً " إلى الجنة.
وقال ابن جريح: على النجائب.
وقال الثوري: على الإبل والنوق.
وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم.
ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه

ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّما اركبني، فيركبه.
فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفين؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك.
فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: 31].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾.
أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري.
فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع.
وروى المقدام بن معد يكرب: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة

فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصبر غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ". ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾.
أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عندج الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة.
ف " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع.
وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في " يملكون ". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون.
وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت " من " في موضع نصب.
وقال ابن عباس: " العهد " شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحلول والقوة، ولا يرجو إلا الله.

وقال ابن جريج: " عهد " عمل صالح.
وقال الليث: " العهد " حفظ كتاب الله.
وقال مقاتل: " عهداً صلاة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته ". وأنه قال: " إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً ". فيكون قوله: " لا يملكون ". . ومابعده.
في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله:

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾.
أي: عظيماً.
أي: قلتم قولاً عظيماً.
قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أيك يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ الأرض﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً﴾ أي: يسبقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: " هداً " هدمً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله.
وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.

قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله.
ومن قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ مقال: تلك أوجب وأوجب.
ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن ". قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً﴾.
أي: من أجل أهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: " دعوا " بمعنى " جعلوا.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾.
أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد الكله، خاضعاً، ذليلاً.

وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون.
فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له وإلا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكمون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾.
أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم/ الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.

وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يزرقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنهـ يقول: " ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الحرمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ إلى آخر السورة.
فإنما سلهنا يا محمد، هذا القرآن بلسانك، وبلغتتك لتبشر به من آمن وتنذر من كفر من قومك.
ومعنى: ﴿قَوْماً لُّدّاً﴾ أي: أشداء في الخصومة، لا يقبلون الحق.
قال ابن عباس: " قَوْماً لُدّاً " أي: ظلمة.
وقال أبو صالح: لداً: عوجاً ع الحق.
وقال مجاهد: اللّد ": الظالم الذي لا يستقيم.
وقال قتادة: " لداً " جدلاً بالباطل.
وقال حسن: " لدا " صماً ". وقال أبو عبيدة: " اللّد " الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل.
وعن مجاهد: " قوماً لداً " فجاراً.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾.
أي: وكثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين، بلسوكهمه مسلك قومك في الكفر والخصومة في الدين.
﴿تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾.

أي: هل ترى منهم من أحد أو تعاينه ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾.
أي: صوتاً.
بل بادوا وهلكوا، ولقوا ما عملوا، وكذلك، قومك يا محمد صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن ماتوا على ما هم عليه من الكفر، يقال: أحسست فلاناً: أبصرته، وحسسته أحسه قتلته.
قال قتادة: معناه: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً.
والرِكْز في كلام العرب الصوت الخفي.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

(مكية) قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾.
قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول " مريم ". وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد " طه " خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى " يا رجل " و " يا إنسان ". وقيل: هو أمر من وطيء.
وروي عن بعضهم أنه قرأ " طه " بإسكان الهاء.
وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء.
أي: طأ الأرض.
ولكن أبدل من الهزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.
وقيل: إنه إبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.

وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان.
أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة، فتتعب.
ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.
وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.
ومن قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء " " فذكر أن منها " طه " و " يس " إسمان له.

قال ابن عباس: " طه " بالنبطية: يا رجل.
وهو قول الضحاك.
وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.
وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل.
وهو قول قتادة.
وقال عكرمة: " طه " بالنبطية: يا إنسان.
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].
وهذه الآية نزلت فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصعنه من السهر والتعب والقيام بالليل.
قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يخشى﴾.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل