الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقيل: العهد الذي لم يَفُوْا به، هو ما أخذ عليهم إِذْ أُخرجوا من ظهر آدم.
قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بآياتنآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا﴾، إلى قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾.
والمعنى: ثم بعثنا (من) بعد هؤلاء الذين ذكرنا من الأنبياء.
ط
وقيل: من/ بعد الأمم المذكورة، موسى.
﴿بآياتنآ﴾.
أي: بحجتنا.
﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا﴾.
أي: فجحدوا وكفروا بها.
ومات هارون (عليه السلام)، وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، وعاش
موسى (عليه السلام) بعد ثلاث سنين، صار عمره بها مثل عمر هارون؛ لأن هارون كان أكبر من موسى بثلاث سنين، فصار عمر موسى وهارون سواء، مائة وسبع عشرة لكل واحد.
وكان في وجه هارون شامة، وفي أَرْنَبَة موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، وهي العقدة التي حلها الله ( عز وجل) ، له.
قوله: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾.
أي: فانظر، يا محمد، بعين قلبك، ﴿كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾، يعني فرعون وملأه، إذ غرقوا في البحر جميعاً.
وموسى، هو: ابن عمران بن ناهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم عليه السلام.
وفرعون موسى هو فرعون يوسف، عَمِر أكثر من أربع مائة عام.
وامسه: الوليد بن مصعب.
(وقوله): ﴿وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * حَقِيقٌ عَلَى﴾.
أي: خليق وجدير قول الحق على الله، ( عز وجل) .
وقيل المعنى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ ترك القول على الله (سبحانه) إلا بالحق.
فمن أضاف ﴿عَلَى﴾ فمعناه: واجب عليَّ قول الحق على الله (سبحانه).
ومن لم يضعف فمعناه.
حريص على قول الحق علىَّ الله (جلت عظمته).
(وقيل) معناه: مَحْقوُقٌ عليَّ أن لا أقول على الله إلا الحق، وهو فعيل بمعنى مفعول، كقتيل.
هذا في قراءة من لم يضف.
قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
أي بحجة.
﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ﴾.
وكان بنو إسرائيل يؤدون الجزية إلى فرعون وقومه، فسأله موسى (عليه السلام)، أن يتركهم معه قال له فرعون: ﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ﴾، فألفى موسى عصاه فإذا هي حية ظاهرة لمن يراها فَاغِرَة فَاهَا، فاستَغَاثَ فرعون بموسى، حين رآها قصدته، فَكَفَّها موسى (عليه السلام)، عنه.
وقال الكلبي: بلغنا أن موسى (عليه السلام)، قال يا فرعون، ما هذه بيدي؟ قال: هي عصا.
فألقاها موسى، فإذا هي ثعبان مبين، قد ملأت الدار من عِظَمِها، ثم أهوت إلى فرعون لتبتلعه، فنادى: يا موسى! (يا موسى)! فأخذ موسى بذنبها فإذا هي عصا بيده.
قال فرعون: يا موسى، هل من آية غير هذه؟ قال: نعم، قال: ما هي؟ فأخرج موسى يده، فقال: ما هذه يا فرعون؟ قال: يدك.
فأدخلها موسى (عليه السلام)، في جيبه ثم أخرجها، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾، تغشى البصر من بياضها.
قال وهب بن مُنَّبِه: أمر فرعون بموسى، فقال: خذوه! فبادره موسى (عليه السلام)، فألقى عصاه، فصارت ثعباناً، فحملت على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت.
وكان ما بين لَحْيَيْ الحية أربعون ذراعاً.
قال ابن عباس: وضعت فُقْماً أسفل قبة فرعون، وفُقْماً فوقها، فاستغاث بموسى فَأَجَارَهُ، وَكَفَّهَا.
وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾.
أي: أخرجها (من جيب قميصه)، (بيضاء تلوح، (تدل) على صدقه فيما يقول، بياضاً من غير/ برص.
ثم أعادها إلى موضعها، فرجعت كما كانت، وكان قد أخرجها من جيبه، فأخرجها بيضاء تلوح للناظرين.
قال السدي: وضعت لَحْيَهَا الأسفل في الأرض، والآخر على أعلى سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فَذُعِرَ منها، (ووثب) وأَحْدَثَ، ولم يكن
يحدث (قبل ذلك)، إلا إلى مدة طويلة، فصاح: يا موسى! خذها، ونؤم بك.
قوله: ﴿قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ (عَلِيمٌ)﴾ الآيات الأربع.
من قرأ ﴿أَرْجِهْ﴾، بغير همز، احتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون على البدل للهمز، ثم حذف الياء؛ لأنه أَمْرٌ، كما أجازوا " أقرَ " يا هذا، بغير ألف ولا همز.
والوجه الثاني: أن [يكون] على لغة من قال: " أَرْجَيْتُ "، وهي لغة: أسد،
وتميم وعامة قيس.
والوجه الثالث: قاله المبرد، قال: هو من: رجا يرجو، أي: اتركه يرجو وأَطْمِعْهُ.
وقد أنكر جماعة النحويين: الإسكان في الهاء.
وقد ثبت ذلك عن الأئمة من القراء.
ووجه ذلك: أن " الهاء " هي الاسم، و " الياء " والواو إنما هي صلة " للهاء " وليسا من الاسم؛ وإنما زيدت عند الخليل؛ لأن [الهاء] خفية، فقويت بحرف جلد تباعد منها وهو " الواو "، لا يأتي بها فمن أسكن هذه " الهاء " أسكنها على أصلها، وردها إليه.
وفيها علة أخرى، وذلك أن هذه " الهاء " صارت في موضع اللام.
وكان من حق اللام لو كان من حروف السلامة أن يسكن.
والهاء من حروف السلامة فسكنت، إذ حلت محل اللام، فصارت بمنزلة ميم " أكرم ".
وفيها علة أخرى، وهي أن " الواو " جائز حذفها بعد " الهاء " فصارت بمنزلة
الواو في " عليهمو "، [في جواز حذفها، فلما كانت " الميم " من عليهم] تسكن إذا حذفت الواو ويحسن سكونها، كان (مثل) ذلك في الهاء، إلا أن الميم أحسن من الهاء في السكون لخفاء الهاء.
وفيها علة رابعهة، وذلك أنهم قد شبهوا هاء السكت بهاء الإضمار، فأثبتوها في الوقف.
وبعضهم وصلها بياء كهاء الإضمار، فلما شبهت بهاء، جاز تشبيه هاء الإضمار بهاء السكت في السكون؛ لأن من حق هاء السكت السكون فشبهت بها، فجاز إسكانها.
ومعنى الآية: قال أشراف قوم فرعون من القبط: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، أي عليهم بالسحر، ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾، أي: أرض مصر، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، أي: أي شيء تأمرون أن يفعل في أمره؟.
وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، من كلام فرعون لا من كلام الملأ.
فأشار عليه الملأ أن: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أحسبه وأخاه.
و " الإرجاء ": التأخير.
﴿وَأَرْسِلْ فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾.
أي: مدائن مصر، من يجمع لك السحرة العلماء.
قوله: ﴿وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ قالوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾ الآيات الثلاث.
في هذا الكلام اختصار وحذف.
والمعنى: فأرسل فرعون ﴿فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾، فحشروهم، فجاء السحرة فرعون.
ومعنى الآية: قال ابن عباس: قال فرعون: لا نغالبه، يعني موسى، إلا بمن هو مثله، فأعد غلماناً من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية، يقال لها: " الفَرَمَاء "، يعلمونهم السحر، كما يعلم الصبيان في الكتاب، فعلموا سحراً كثيراً.
وواعد موسى فرعون موعداً، فلما كان في ذلك/ الموعد، بعث فرعون فجاء بهم، وجاء بمعلميهم معهم فقال لهم ماذا صنعتم، قالوا قد علمناهم سحراً لا يطيقه سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمر من السماء، فإنهم لا طاقة لهم به، فلما جاء السحرة
قالوا لفرعون: ﴿لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين﴾، أي: لكم الأثرة والقرب مع ذلك.
رُوِي: أن السحرة كانوا سبعين ألفاً.
وقيل: خمسة عشر ألفاً.
وقال ابن المُنْكَدِرُ: كانوا ثمانين ألفاً.
وقال كعب: أثنى عشر ألفاً.
وقوله: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾.
إذا كان في الكلام مع " إما " معنى الأمر، فلا بد من دخول " أَنْ " بعدها، وتقديره: اختر أن تلقى، كقولك للرجل: " إِمّا أَنْ تمضي وإِمَّا أَنْ تقعد ". فإِنْ كان الكلام خبراً ليس فيه معنى الأمر، لم يجز دخول " أَنْ " البتة، كقوله تعالى:
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 6]، وكذلك ما كان في معنى الجزاء، وهي مكسورة في كل ذلك.
و" أَنْ " عند الكسائي في موضع نصب.
قوله: ﴿قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا [أَعْيُنَ الناس]﴾، الآية.
والمعنى: قال لهم موسى: ألقوا فلما ألقوا (سحرهم) سحروا أعين الناس،
بسحرهم وخدعهم، فاسترهبوهم الناس، ﴿وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أي: بتخييل عظيم.
ق السدي: كانوا بضعة ومائتي ألف، ليس منهم رجل إلا [معه] حبل وعصا.
قال ابن إسحاق: صَفَّ فرعون خمسة عشر ألف ساحر، مع كل واحد حباله وعصيه.
وخرج موسى (عليه السلام)، معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع فألقوا ما في أيديهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها
بعضاً، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ [طه: 67]، أي: أحس خوفاً.
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، [الآية].
قال ابن عباس: فألقى موسى عصاه فإذا هي حية فجعلت تلقف ما يأفكون لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبِهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء، وأنه ليس بسحر فَخَرَّوا سُجَّداً، وقالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.
وقيل: إنهم ما رفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما.
ومعنى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾، ما يكذبون.
وقيل: إنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم، خيل إلى موسى (عليه السلام) أنها حيات، فألقى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم.
ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم عِظَماً في أعين الناس، وجعلت عصا موسى (عليه السلام)، تعظم، فكلما رَقَوْا ازدادت حبالهم وعصيهم عِظَماً، وتزداد عصا موسى عِظَماً، حتى نفدت رَقَاهُم وسحرهم، وصارت عصا موسى (عليه السلام)، قد سدت الأُفُق.
ثم فتحت فاها فابتلعت ما ألقوا، ثم أخذ موسى عصاه بيده، فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت.
قال الكلبي: فقال السحرة بعضهم لبعض: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا.
فَخَرُّوا عند ذلك ساجدين.
قوله: ﴿فَوَقَعَ الحق (وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)﴾، إلى قوله: ﴿موسى وَهَارُونَ﴾.
المعنى: وظهر الحق لمن شهد.
وبطل سحرهم.
﴿وَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾، عند معرفتهم أن (ذلك) الذي أتى به موسى (عليه السلام)، ليس إلا من السماء، ﴿قالوا آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾، أي صدقنا بما جاء به موسى وبربه وربِّ هارون.
قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ﴾، إلى ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
المعنى: قال فرعون لهؤلاء الذين آمنوا: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾، أي صدقتموه.
قيل: " الهاء " لله.
وقيل: لموسى، عليه السلام.
وفي موضع آخر: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: 71، الشعراء: 49]، أي: فعلتم الذي أراد، ﴿قَبْلَ/ أَن آذَنَ﴾ بذلك، ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ﴾، أي: تصديقكم إياه ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة﴾، أي: خدعة خدعتم بها من في مدينتنا، ﴿لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: تعلمون ما اصنع بكم.
قل ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما، من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم: التقى موسى وأمير السحر، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك تؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غاداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك نبي حق! وفرعون ينظر إليهما، فذلك قول فرعون: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة﴾، إذ التقيتما لتتظاهرا فتخرجا منها أهلها.
قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [مِّنْ خِلاَفٍ]﴾، إلى: ﴿مُنقَلِبُونَ﴾.
معنى: ﴿مِّنْ خِلاَفٍ﴾: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.
وقال ابن عباس: أَوَّلُ من صلب، وأَوَّلُ من قطع من خلاف فرعون.
قالت السحرة لفرعون إذا توعدهم بالقطع والصلب: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ أي: صائرون وراجعون.
قوله: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ [إِلاَّ أَنْ آمَنَّا]﴾، إلى: ﴿قَاهِرُونَ﴾.
المعنى: وما تنكر منا إلا إيماننا بربنا، إذ رأينا الآيات والحجج.
ثم قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾، أي: أنزل علينا صبراً يشملنا فلا تُخْرِج عن الإيمان إلى الكفر بعذاب فرعون لنا، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، أي: أقبلنا إليك
على الإسلام.
قال السدي: فقتلهم وقطعهم.
قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء.
وقاله قتادة، وابن جريج.
ثم قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿[وَ] قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ﴾، أي: قال جماعة من أشراف قومه،: ﴿أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ﴾، أي: أتدع يا فرعون، موسى وقومه من بني إسرائيل، ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ أي: كي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك في أرضك من مصر، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: ويدع خدمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك.
والنصب في ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على الصرف، إن جعلت معنى الكلام: ليفسدوا في الأرض، وقد تركك وترك عبادة آلهتك.
وإن جعلت المعنى ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ على التوبيخ لفرعون عن تركه موسى (عليه السلام)، فنصبه على العطف على ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾.
وقرأ ابن عباس، ومجاهد: " وَيَذَرَكَ وإلاَهَتَكَ ". أي عبادتك.
وكان فرعون إذا رأى بقرة سمينة أمرهم أن يعبدوها.
وقوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: 24]، يدل على أنهم كانوا يعبدون غيره، ممن هو دونه عندهم، فهذا يدل على صحة قراءة الجماعة: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾.
قال ابن عباس حجة لقراءته (" وإِلاَهَتَكَ "): كان يعبد ولا يعبد.
وبذلك قرأ مجاهد على معنى: وعبادتك.
وبه قرأ الضحاك.
ومن قرأ: " وَإِلاَهَتَكَ "، تَأَوّلَه أن فرعون لم يكن يَعْبُدُ شيئاً، إنما كان يُعْبَد من دون الله، (سبحانه وتعالى).
وقيل: إن قوم فرعون لهم أصنام يعبدونها، تقربهم إليه فما ترون.
فأجابهم فرعون فقال: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، أي: عالون عليهم بالملك والسلطان.
﴿وَآلِهَتَكَ﴾، وقف.
قوله: ﴿قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله﴾، الآية.
والمعنى: أن موسى (عليه السلام)، قال لقومه لما قال فرعون لقومه: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ﴾: ﴿استعينوا بالله﴾، على فرعون وقومه، ﴿واصبروا﴾ على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم.
وكان قد اتبع موسى، (عليه السلام) من بني
إسرائييل ست مائة ألف، غير السحرة.
ثم/ قال لهم موسى، (عليه السلام): ﴿إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ﴾، أي: لعلكم إن صبرتم، ترثون أرضه، فإن الأرض لله، ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى الله وراقبه.
﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾، [وقف].
وهذا يدل على أن ابن أدم غير مستطيع لشيء إلا بعون الله، (تعالى، له).
وهو مذهب أهل السنة.
ومثله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، وله [في] القرآن نظائر كثيرة، تدل على أن الإنسان غير مستطيع لفعل شيء إلا بعون الله (جلت عظمته) له
عليه.
وعونه (سبحانه) إمَّا أن يكون توفيقاً لمؤمن، أو خذلاناً لكافر.
قوله: ﴿قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾.
الآية.
المعنى: قال موسى (عليه السلام)، لموسى (صلوات الله عليه)، حين قال لهم: ﴿استعينوا بالله واصبروا﴾: ﴿أُوذِينَا﴾ يقتل أبنائنا، ﴿مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ (برسالة الله عز وجل) ، ﴿ وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، بما توعدنا به من القتل لأبنائنا.
وقيل معنى: ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، أي: بدركنا فرعون فيقتلنا، وذلك حين تراءى الجمعان.
قال ابن عباس: أَسْرى موسى (عليه السلام)، يبني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم بَرهَجِ دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾، أي: بذبح أبنائنا، وإحياء نسائنا، ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، هذا البحر أمامنا، وهذا
فرعون قد رهقنا بمن معه؛ ﴿قَالَ عسى (رَبُّكُمْ) أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، من بعدهم فيجازيكم على ما وقع منكم وقد علم كيف تعلمون.
و: " الأرض "، أرض الدنيا.
وقيل: أرض الجنة.
و: " الثانية " أرض الدنيا لا غير.
و ﴿عسى﴾: تَرَجِ، وهي واجبة من الله، ( عز وجل) .
﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، وقف.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين﴾، إلى: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
لام ﴿وَلَقَدْ﴾، لام توكيد تؤكد الكلام بمعنى القسم.
والمعنى: ولقد ابتلينا تُبَّاعَ فرعون: ﴿بالسنين﴾، أي: بالجدوب سنة بعد سنة، ﴿وَنَقْصٍ مِّن الثمرات﴾، اختبرناهم بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون﴾، بتوبة أو رجوع، فيعتبرون.
قيل: إِنَّ ثمارهم نقصت حتى كانت النخلة تحمل تمرة واحدة.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة﴾.
أي: (إذا) جاءهم الخصب والعافية وكثرة الثمار، ﴿قَالُواْ لَنَا هذه﴾، ونحن أولى بها، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، أي: قحط ومرض، ﴿يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ﴾، أي: تشاءموا بهم، فقالوا: هذا بشؤم موسى ومن معه.
قرأ طلحة، وعيسى بن عمر: " تَطَيَّروا "، على أنه ماض.
وقرأ الحسن: " أَلاَ إنَّما طَيْرُهُمْ عِنْدَ الله "، بغير ألف.
قال الله ( عز وجل) : ﴿ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله﴾.
أي: ألا إنما نصيبهم من الرخاء والجدب، وغير ذلك عند الله، عز وجل.
قال ابن عباس، المعنى: ألا إن الأمر من قِبَلِ الله، ( عز وجل) .
وقال مجاهد، المعنى: ألا إنما الشؤم فيما يلحقهم يوم القيامة مما وُعِدُوا به من الشر.
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط وشدة، أنه من عند الله ( عز وجل) ، بذنوبهم.
﴿لَنَا هذه﴾، وقف.
﴿وَمَن مَّعَهُ﴾، وقف.
قوله: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾، إلى: ﴿مُّجْرِمِينَ﴾.
﴿مَهْمَا﴾ عند الخليل: أصلها " ما " للشرط، زيدت عليها " مَا " للتوكيد، وأبدل من ألف " مَا " الأولى " هاء ".
وقال غيره: الأصل: " مَهْ " بمعنى: أكفُفْ، و " مَا " للشرط بعد ذلك.
وحكى الكوفيون: " مهما " بمعنى: " مهما ".
والمعنى: وقال (آل) فرعون لموسى: ما ﴿تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾، فنؤمن (ربك)، وندع دين فرعون، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم﴾.
" فالطوفان ": الماء.
قاله الضحاك، / وأبو مالك.
قال ابن عباس: هو الغرق.
قال مجاهد: هو الموت.
قال قتادة: سال عليهم [الماء] حتى قاموا [فيه قياماً]، فسألوا موسى، (عليه السلام)، أن
يسأل الله ( عز وجل) ، ليكشف عنهم ففعل.
قال الضحاك: جاءهم من المطر شيء كثير، فسألوا موسى (عليه السلام)، أن يدعو الله ( عز وجل) ليكشفه عنهم، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا الله، فكشف عنهم وأخصبت البلاد، فعادوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فصب الله على زُرُوعهم الجراد فأكله، فسألوا موسى فدعا، فكشف عنهم.
ثم عادوا إلى كفرهم.
وروت عائشة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال " ﴿الطوفان﴾: الموت ".
وعن ابن عباس قال: هو أَمْرٌ من (أمر) الله ( عز وجل) ، طاف (بهم)، وقرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ [القلم: 19].
و: ﴿الطوفان﴾: مصدر كالنقصان، لا يجمع.
وقال الأخفش: هو جمع، واحدة: طوفانة.
وقوله: ﴿والجراد والقمل﴾.
أرسل الله عليهم الجراد والقمل، وهو: الدَّبَى، فأكل زرعهم وثمارهم.
ثم أكل الشجر والأبواب وسقوف البيوت.
وابتلي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع.
قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: إن ذلك " الجراد "، كان يأكل المسامير، فَعَجُّوا إلى موسى، (عليه السلام)، وصاحوا وقالوا: يا موسى، هذه المرة!
ف: ﴿ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز﴾، وهو العذاب، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ [الأعراف: 134]، فدعا لهم، فكشف عنهم بعدما
أقام سبعة أيام، فأقاموا شهراً، ثم عادوا لتكذيبه، ولأعمالهم السيئة.
وقيل: ﴿والقمل﴾: السوس الذي يخرج من الحِنْطَة.
قاله ابن عباس، وابن جبير.
وقال السدي، وعكرمة، وغيرهما: هو الدَّبَى الذي لا جناح له.
وقال ابن زيد: هي البراغيث.
وقال الحسن: هي دَوابٌ صَغَارٌ سُودٌ.
وقال أبو عبيدة: ﴿والقمل﴾: الحَمْنَانُ، وهو ضرب من القِرَاد،
واحدتها: حَمْنَانَةٌ.
و ﴿والقمل﴾: جمع واحدته: " قَمْلَةٌ ".
قال سعيد بن جبير: لما أتى موسى (عليه السلام)، فرعون، قال له: أرسل معي بني إسرائيل! فأبى عليه فأرسل الله ( عز وجل) ، عليهم مطراً خافوا أن يكون عقاباً، فقالوا (لموسى): ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه ( عز وجل) ؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم ذلك المطر تلك السنة شيئاً لم ينبت لهم قبل ذلك من الزرع والثمر والكلإ.
فقالوا: هذا ما كانا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجِراد فسقط على الكلإ، فلما رأوا أثره في الكلإ عرفوا أنه لا يبقى الزرع.
فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنَّا الجراد
فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيلّ! فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فدارسوا زرعهم وأحرزوا في البيوت، فأرسل الله ( عز وجل) ، عليهم القُمّلَ، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل (يخرج) بعشرة أَجْرِبَةٍ [إِلى] الرَّحَى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة.
فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا هذا القُمَّل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل.
فينما هو جَالِسٌ مع فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال موسى (عليه السلام) ما تلقى أنت وقومك من هذه! فقال: وما عسى أن يكون مثل هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى رقبته في الضفادع، ويهم أن
يتكلم فَيَثِبَ الضفدع في فيه، فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا فكشفه عنهم فلم يؤمنوا ولا أرسلوا معه بني إسرائيل فأرسل (الله) عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار وصار في أوعيتهم وجدوه دَماً عَبِيطاً، فشكوا إلى فرعون/ وقالوا: ليس لنا شراب! قد ابتلينا بالدم، قال: إنه سحركم! قالوا: ومن أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً؟ فأتوا موسى (عليه السلام)، وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فكشف عنهم ولم يفعلواما قالوا.
قال السدي: وكان الإسرائيليُّ في كل هذا مُعَافىً من هذا كله.
كان القبطيُّ
والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، يرفع القبطي دماً، والإسرائيل مَاءً.
وعلى نحوة هذا الخبر روى أبو قتادة، وكذلك ذكر ابن عباس وغيرهما.
حتى أنه رُوِيَ أن فرعون جمع (رجلين)، إسرائيلياً وقبطياً على إِناءٍ واحدٍ، فكان الذي يلي الإسرائيلي ماء، والذي يلي القطبي دماً.
قال السدي: كان أحدهم يبني الأسطوانة، يرفع فقوها الطعام، فإذا صعد ليأكله وجده، (قد) ملئ دماً.
قال ابن جبير: كان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء، القبطي والإسرائيلي، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دماً.
وكان الرجل الإسرئيلي يركب السفينة مع القبطي فَيَغْرِفُ الإسرائيلي ماء،