الكهف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال في الحديث: فما أرى شيئاً (أشد فرحاً) من كل واحد إذا صدقه من أرسل إليه ثم قرأ الأوزاعي: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية.
قال الضحاك هو قول الله تعالى ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [الحج: 76].
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية.
يوم يجيء من كل أمة شهيد يتمنى الكافرون ﴿لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض﴾ أي: يصيرون تراباً مثلها كما قال: ﴿وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: 40].
ومن قرأ " تُسوى " (بالضم)، فالمعنى يتمنون لو سواهم الله والأرض سواء، ومن قرأ " تَسوى " بالفتح والتخفيف، فهو مثل المشددة، إلا أنه حذف إحدى التاءين.
وقيل المعنى: لو انقسمت بهم الأرض فيصاروا في بطنها.
وقال الحسن في فراءة الضم: إن المعنى " لو تسوى " بالتخفيف عليهم، والباء بمعنى على، فالمعنى
تنشق فتسوى عليهم.
قوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ أي: لا تكتم جوارحهم حديثاً من الله.
قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام جحدوا فقالوا: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم وتكلمت (أيديهم)، وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثاً، وعنه هذا التفسير باختلاف ألفاظ.
وسبب تفسيره لهذا الهذا القول من له يقول الله عن الكافرين أنهم قالوا: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقد كتموا ويخبر أنهم لا يكتمون الله حديثاً ففسره بما ذكرنا، وقوله ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ على قول غير ابن عباس أنهم يودون لو استووا بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً لما عاينوا جوارحهم تشهد عليهم.
وقيل: المعنى يومئذ لا يكتمون الله حديثاً، ويودون لو تسوى بهم الأرض، وهو
معنى تفسير ابن عباس لأن السائل سأل كيف أخبر أنهم لم يكتموا الله حديثاً، وقد أخبر أنهم كتموا في قولهم ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقيل: المعنى يتمنون لأو استووا مع الأرض، وليس يكتمون الله حديثاً أي هو عالم بهم وبما أسروا مما يودون ويتمنون بهم، وإن لم ينطقوا به، فليس ذلك بكتمان على الله [تعالى - كأن الكلام قد تم على قوله - لو تسوى بهم الأرض، ثم قال: وليس يخفى على الله] من حديثهم شيء وهذا جواب ثالث عن الآيتين.
وقيل: المعنى أنهم يتمنون إذ عصوا الرسول أن يسووا مع الأرض ويودون لا يكتمون الله حديثاً.
وكتمانهم الذي ندموا عليه هو قولهم ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهو جواب ثالث
لمن سأل عن الآيتين.
وقال قتادة: هي مواطن في يوم القيامة، فمواطن يجحدون، ومواطن يقرون.
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن، فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ فقال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك، فقال: أسمع الله عز وجل يقول:
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقال ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ فقد كذبوا إذا ادعوا الإسلام.
فقال ابن عباس: وماذا؟ قال أسمعه يقول:
﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101] وقال: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 50]
وقال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً﴾ [فصلت: 9].
إلى قوله: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] الآية.
وقال في آية أخرى: ﴿أَمِ السمآء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا * [وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا]﴾ [النازعات: 27 - 29]
﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30].
وأسمعه يقول: ﴿[وَكَانَ] الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ الآية [النساء: 17].
فقال ابن عباس: " أما قولهم ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، يغفر لهم الذنوب جميعاً، ولا يتعاظم ذنب يغفره، ولا يغفر شركاً، جحدوا وقالوا: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم الله عز وجل على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ يريد أنهم ندموا في جحدهم وقالوا: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وأما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات، ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾.
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 50].
وأما قوله ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ.
. .﴾ الآية فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض.
وأما قوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فإنه تعالى دحاها بعد خلق السموات، وجعل فيها جبالاً وأنهاراً وبحوراً.
وأما قوله: ﴿وَكَانَ الله﴾ فإن الله لم يزل كذلك عزيراً حكيماً قديراً لم يزل كذلك وما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك.
وقال مجاهد: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: مع ذلك.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ الآية.
﴿جُنُباً﴾ و ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ نصب على الحال.
ومعنى ﴿سكارى﴾ أي: من الخمر، وهذا قبل تحريم الخمر فأمرهم الله ألا يقربوها، وهو سكارى حتى يعلموا ما يقولون.
وقيل: إن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر قبل تحريمها، فصلى بهم أحدهم فقرأ: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ فخلط فيها، فنزلت الآية، ينهاهم عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلموا ما يقرأون ثم نسخ شربها بالتي في المائدة.
وروي عن علي رضي الله عنهـ أنه قال: " فِيَّ أنزلت الآية " ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ قال: دعانا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طلحة وغيره فأكلنا وشربنا.
فقدموني إلى الصلاة فقرأت فيها: (قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما تعبدون) فكان هذا قبل تحريم الخمر.
وقيل هي محكمة.
ومعنى السكر هنا: " السكر من النوم "، قاله الضحاك.
وعلى القول الأول أكثر أهل التفسير والعلماء لتواتر الأخبار أنها نزلت في الخمر قبل تحريمه.
قوله: ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: لا تقربوها جنباً إلا أن تمروا [ب] موضعها مجتازين حتى تغتسلوا.
وقيل المعنى: في ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: إلا أن تكونوا مسافرين فتتيمموا لها.
وقال علي بن أبي طالب وقاله مجاهد وابن جبير قال: هو الرجل يكون في السفر تصيبه جنابة فيتيمم ويصلي.
وعليه جماعة من أهل التفكير فيكون المعنى لا تصلوا وأنتم جنب إلا تكونوا مسافرين غير واجدين للماء، وقيل: معنى لا تقربوا مواضع الصلاة جنباً إلا عابري سبيل أي: أن تكونوا مجتازين في المسجد.
[قال ابن عباس ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال لا تقربوا المسجد إلا أن يكون
طريقك فتمر فيه مراً ولا تجلس، وقال النخعي: يمر فيه إذا لم يجد طريقاً غيره.
وقال ابن زيد: نزلت في رجل من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، يريدون الماء فلا يجدون ممراً، إلا المسجد، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ رخصة لهم.
وذهب مالك والشافعي أن الجنب يمر في المسجد عابر سبيل.
قال مالك: لا تدخل الحائض المسجد، وأرخص له غيره أن تمر فيه كالجنب.
وقال ابن حنبل: إذا توضأ الجنب فلا بأس أن يجلس في المسجد.
وكذلك قال إسحاق.
والجنب هنا من أنزل في قول جماعة من العلماء دون أن يجامع ولا ينزل، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الماء من الماء " فلا غسل عليه إلا بإنزال الماء عند جماعة من الصحابة هو قوله
علي وابن مسعود والخدري وابن عباس وأُبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، ورافع بن خديج، وأبي أيوب الأنصاري.
قال غيرهم: والجنب في الآية من أنزل، أو التقى منه الختانان، وإن ينزل لأن في كلاهما الطهر عندهم، فمن أولج، ولم ينزل بمنزلة من أنزل في الحكم فكلاهما لا يقرب المسجد إلا عابري سبيل.
وإيجاب الطهر من التقاء الختانين، وإن لم ينزل قوله عامة الفقهاء، وهو قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم وهو مذهب مالك والشافعي والثوري وأهل العراق، وجماعة من الفقهاء، وقد تراترت الأخبار بإيجاب الغسل من التقاء الختانين عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى﴾ أي: بجرح أو جُدري أو غير ذلك من الأمراض المانعة من الغسل فتيمموا.
قال مالك: المرض هنا هو المريض الذي به جراحه رخص له في التيمم.
وقيل: المريض هنا هو الذي لا يجد من يأتيه بالماء.
﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين غير واجدين الماء وأنتم جنب فتيمموا.
قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط﴾ أي: من قضى حاجته فلم يجد ماء فليتيمم، والغائط: ما اتسع من الأرض، وقيل: هو الموضع المنخفض المستور وكثر ذلك حتى قيل لمن قضى حاجته متغوط.
قال أبو عبيدة: " أصل الغائط المكان المطمئن من الأرض ".
قةله: ﴿أَوْ لامستم النسآء﴾ اللمس هنا الجماع، وقيل: هو ما دون الجماع، أرخص الله لهم أن يتيمموا إذا لم يجدوا ماء، والمقيم والمسافر في جواز التيمم له عند عدم الماء سواء، وعلى من عدم الماء التيمم لكل صلاة لأنه يطلب الماء لكل صلاة وعند عدمه يتيمم.
ومعنى لمستم أو لامستم واحد.
وقيل: لامستم يريد به الجماع، ولمستم: القبلة والمباشرة.
وقال المبرد: " لمستم الأولى أن يكون بمعنى قَبَّلْتُم، لأن لكل واحد منهما فعلاً، ولمستم بمعنى غشيتم، ومسستم أن المرأة ليس لها في هذا الفعل شيء فلمستم بمعنى غشيتم.
وقال أبو عمرو: " لامستم بمعنى: الجماع ". ومذهب الكسائي: أن اللمس بمعنى الغمز والإفضاء ببعض الجسد إليها.
والصعيد: الأرض الملساء التي لا نبت فيها قاله قتادة.
وقيل: هو الأرض المستوية، قاله ابن زيد.
وقيل: الصعيد التراب، وقيل: وجه الأرض.
والصعيد في اللغة وجه الأرض، والطيب هنا النظيف الطاهر، وقال
سفيان: " معنى طيباً " أي حلال لكم، كما تقول هنالك ذلك.
قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ أي منه، ومسح الأيدي في التيمم هو إلى حد الوضوء إلى المرفقين، وهو قول ابن عمر والحسن والشعبي وسالم بن عبد الله، وهو قول مالك والليث والثوري والشافعي وعبد العزيز بن أبي سلمة وأصحاب الرأي.
وقيل: التيمم إلى الكفين إلى الزندين، وهو موضع قطع السارق، وهو مذهب عكرمة، والأوزاعي وابن جبير ومكحول وعطاء، وروي ذلك عن ابن المسيب والنخعي وغيرهم.
وقيل التيمم إلى الآباط، وهو قول الزهري.
وهذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نزلت بهم جنابة في سفر فلم يجدوا ماء، وشاهد هذا القول ما قالت عائشة رضي الله عنها في قصة العقد فكانت الآية، والرخصة من بركتها رضوان الله عليها.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب﴾ الآية.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلم، وقيل: ألم تخبر يا محمد.
وقيل: ألم تر بقلبك، يا محمد إلى الذين أُعطوا حظاً من كتاب الله، والنصيب الحظ - وهو اليهود.
﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل﴾ أي تعدوا عن الحق والطريق المستقيم ﴿يَشْتَرُونَ الضلالة﴾ أي: يختارون الضلالة على الهدى ﴿والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: أعلم منكم بأمرهم وبما يسرون من آرائهم، ﴿وكفى بالله وَلِيّاً﴾ أي: [به] فاكتفوا، وله فانتصروا على أعدائكم.
قوله: ﴿مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ الآية.
المعنى أن " من " متعلقة بـ ﴿الذين أُوتُواْ نَصِيباً﴾ أي هم من الذين هادوا.
وقيل: المعنى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم.
وقيل: المعنى من الذين هادوا من يحرفون
الكلم.
حكي هن العزيز يقول أي: من يقول ذلك.
وقيل: " من " متعلقة بنصير، أي: وكفى بالله نصيراً من هؤلاء القوم، أي: ينتصر منهم في الآخرة، فاكتفوا بنصرته منهم أيها المؤمنون.
واختار قوم أن يكون المحذوف من كما قال: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] أي: من له، كما يقول له: منا يقول ذلك ومنا لا يقوله، أي: من يقوله ومن لا يقوله ومذهب سيبويه تقدير قوم كما ذكرنا أولاً.
واختار أهل التفسير أن يكون " من " متعلقة بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب ".
ومعنى ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم﴾ أي: يتأولونها على غير وجهها، ويعدلونها عن ظاهرها، والكلم هنا كلام النبي عليه السلام، وقال مجاهد: الكلم كلم التوراة يبدلونها، وهو جمع كلمة.
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم: سمعنا قولك، وعصينا أمرك،
يخفون العصيان، ويظهرون السمع والطاعة إذا أرادوا أن يكلموه، قال: ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: يقولون في أنفسهم: لا سمعت، يقولون ﴿راعنا﴾ يوهمونهم أنهم يريدون: أرعنا سمعك، وهم يريدون به الرعونة في لغتهم.
وقيل معنى ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع غير مقبول منك، ويلزم قائل هذا أن يقول غير مسموع منك.
ومعنى ﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أي: تحريفاً إلى السب والاستخفاف.
وقيل: كانوا يريدون بقولهم ﴿راعنا﴾ أي: راعينا مواشينا، ويوهمون أنهم يريدون راعنا، أي: انتظرنا وارفق بنا، وإنما يريدون الرعي رعي المواشي عن طريق الهزء والاستخفاف والمغالطة.
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك ﴿واسمع﴾ أي: اسمع منا ﴿وانظرنا﴾ أي: انتظرنا نفهم عنك ما تقول لكان ذلك [﴿خَيْراً لَّهُمْ] وَأَقْوَمَ﴾ أي وأعدل.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا﴾ الآية.
هذا خطاب لليهود الذين كانوا حوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم الله تعالى أن يؤمنوا بالقرآن الذي هو مصدق للتوراة ومحقق لها.
وروي " أنها نزلت في نفر من اليهود، خاطبهم النبي عليه السلام، ودعاهم إلى الإسلام وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فتوعدهم الله جل ذكره بقوله: ﴿يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ﴾ ".
وروي أن عبد الله بن سلام كان بالشام، فأقبل حتى أتى النبي عليه السلام قبل أن يدخل هلى أهله فأسلم - وقال: لقد خفت، وأنا مقبل ألا أصل إليك حتى يصير وجهي خلفي.
وقيل: معنى ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ﴾ أي: آمنوا من قبل أن تمحق صورة الوجوه حتى تصير كالأفقية تذهب بالأنف والعين والحاجب وغير ذلك من أدوات الوجه ويصير كالقفا.
وقيل المعنى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ﴾ أبصار الوجوه فتصير لا تنظر شيئاً كالقفا.
ومعنى ﴿فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ﴾ يرجع الوجه في موضع القفى، فيصير يمشي القهقري، قال قتادة: ﴿فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ﴾ تحول وجوهها قبل ظهورها.
وقال مجاهد والحسن: المعنى من قبل أن نعمي قوماً عن الحق فنردهم على أدبارهم في الصلاة والكفر.
وقيل: المعنى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ أي: نمحو آثارها، فنردها على أدبارها
أي: نجعلها منابت للشعر كوجوه القردة.
واختار الطبري قول ابن عباس أن المعنى من قبل أن نعمي أبصارها، فنردها في موضع القفى، وتصير الوجوه في موضع القفى فيمشي القهقري، ولا معنى لقول من قال: معناه أن نعمي قوماً فنردهم عن الحق إلى الضلالة لأن المخاطبين بهذا هم اليهود، وهم ضالون كافرون، فلا معنى لتوعدهم أن يجعلوا ضالين كافرين وهم كذلك.
وقد قيل: معناه من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها يريد مواضعهم وترددهم إلى الشام وهو بعيد، والطمس في اللغة العفو والدثور.
وقال مالك: كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ ﴿يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً﴾ الآية فوضع كعب يده على وجهه ورجع القهقري إلى بيته، فأسلم مكانه وقال: والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي.
قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أصحاب السبت﴾ معناه أن نخزيهم، فنجعلهم قردة كما أخزينا أصحاب السبت الذين اعتدوا فيه.
قاله قتادة والحسن والسدي وابن زيد، وهذا من الرجوع إلى الغيبة بعد المخاطبة مثل ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ﴾ [يونس: 22].
وقد قيل: معناه: أو نلعن أصحاب الوجوه، فلا يكون فيه خروج من خطاب إلى غيبة على هذا.
قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ أي: كائناً موجوداً، والأمر في هذا الموضع: المأمور، وسمّي بالأمر عن الأمر كان (فمعناه): ولم يزل مأمور الله موجوداً كائناً إذا أراده وجده لا إله إلا هو، فهو مصدر وقع موقع المفعول كما قال ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] أي: مخلوقه.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.
قال ابن عمر: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في الشهادة له بالنار حتى نزلت: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فأمسكنا عن الشهادة.
وروي عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] إلى قوله
﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ [الزمر: 50] قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والشرك يا رسول الله.
فنزلت ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فكان قوله
﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ أنه ما دون الشرك.
وقيل: المعنى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بعد التوبة ولا يحسن هذا لأنه يجب منه أن يكون من تاب، ومات على توبته موقوفاً على المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، وهذا قول لم يقله أحد، ولا يجوز اعتقاده بل الميت على توبته مغفور له بإجماع.
قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله﴾: أي: يشرك في عبادته غيره ﴿فَقَدِ افترى﴾ أي: اختلق: ﴿إِثْماً عَظِيماً﴾.
روى جابر بن عبد الله أنه قال: " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين، فقال: " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار " ".
قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
معناه ألم تر بقلبك يا محمد، إلى اليهود الذين يطهرون أنفسهم من الذنوب ويمتدحونها، وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18] فلا ذنوب لنا، قاله قتادة.
وقال الحسن وابن زيد: هم اليهود والنصارى قالوا:
﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: 111] وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
قال الضحاك والسدي: قالت اليهود ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون إنما نحن مثلهم ما عملنا بالنهار كفّر عنا بالليل، وقال الله عز وجل: ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الآية [النساء: 50].
وقال مجاهد: تزكيتهم تقديم أولادهم لإمامتهم ولدعائهم يزعمون أنهم لا ذنوب لهم.
وقال عكرمة: كانوا يقدمون الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يصلون بهم، يقولون: ليست لهم ذنوب.
وقال ابن عباس كانوا يقولون: إن أبنائنا إن توفوا فهم لنا قربة عند الله يستشفعون لنا ويزكوننا.
وقال: ابن مسعود: " كانوا يقولون: كان بعضهم يزكي بعضاً، فقال الله تعالى: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يزكي بعضهم بعضاً، كما قال ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 84] أي: يقتل بعضكم بعضاً.
قوله: ﴿بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾.
أي: يوفق من يشاء للطاعة، والعمل بما يزكيه
أي: يزكي عمله.
والزكاة: النماء.
قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ أي: ليس ينقصون من حقوقهم مقدار الفتيل، وروي عن ابن عباس انه قال: الفتيل ما خرج بين أصابعك من الوسخ إذا فتلتهما.
وقيل: ما خرج بين الكفين إذا فتلتهما.
وعن ابن عباس أيضاً: الفتيل الذي في بطن النواة، يعني في شق النواة كالخيط، ومثله عن مجاهد، وهو فعيل بمعنى: مفعول: وقيل: الفتيل ما في (بطن) النواة.
والنقير: (النقرة) التي في ظهرها منها تنبت [النخلة].
والقطمير: القشرة الملفوفة عليها.
قال الأخفش: يزكون أنفسهم تمام، وخولف في هذا لأن ما بعده متصل به.
قوله: ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الآية.
معناها: انظر يا محمد، كيف يختلقون الكذب على الله في تزكيته لأنفسهم
وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 20] وكفى بفعلهم ﴿إِثْماً مُّبِيناً﴾ أي: ظاهراً.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب﴾ الآية.
معناها: ألم تر يا محمد بقلبك إلى الذين أعطوا حظاً من الكتاب يعني: علماء بني إسرائيل أعطوا في كتابهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وصفته فكتموه.
قال عكرمة: الجبت والطاغوت صنمان كان المشركون يعبدونهما.
وقال ابن عباس: الأصنام هي الجبت والطاغوت الذين يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.
وروي عن عمر رضي الله عنهـ وأرضاه أنه قال: الجبت الساحر والطاغوت الشيطان.
وقال ابن جبير: الجبت بلسان الجبشة الساحر، والطاغوت الكاهن، وكذبلك قال أبو العالية.
وقال قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وكذلك قال السدي.
وعن ابن جبير أيضاً: الجبت الكاهن والطاغوت الشيطان.
وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وهما رئيسان من رؤساء اليهود، وكذلك قال الضحاك والفراء.
والجبت والطاغوت عند أهل اللغة كل ما عبد من دون الله [ عز وجل، وروي عن ابن وهب عن مالك أنه قال: الطاغوت ما عبد من دون الله] سبحانه، قال الله عز وجل: ﴿ اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: 17]، قال: فقلت لمالك: وما الجبت قال: سمعت من يقول: هو الشيطان.
قال قطرب: الجبت أصله عند العرب الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير فيه ولا عنده، فأبدلت التاء عن السين، وهي لغة رديئة لا يجب أن يحمل القرآن عليها.
وعن عمر: أن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ أي: يقول اليهود لبعض الكفار، هؤلاء أصحابكم أهدى من المؤمنين بالله ورسوله طريقاً، يغبطونهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وذكر أن ذلك من قول كعب بن الأشرف.
وقال ابن عباس: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل
المدينة وسيدهم، قال: نعم، ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السداة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه، فأنزل الله ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ [الكوثر: 3] وأنزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ.
. .﴾ الآية.
قال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يغزوه، وقال: أنا معكم نقاتله فقالوا: أنتم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، وقال: أنتم خير من محمد، فأنزل الله عز وجل ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب﴾ الآية.
فالجبت والطاغوت على هذا الخبر هما الصنمان.
وقال ابن زيد: فاعل ذلك حيي بن أخطب.
وقيل: هو كعب، وحيي ورجلان من اليهود من بني النضير لقوا قريشاً بالموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ إن أهل
السقاية والسدانة وأهل الحرم، فقال له: لا أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهم يعلمون أنهم كاذبون حملهم على ذلك الحسد، فأنزل الله عز وجل ﴿ أَلَمْ تَرَ﴾، الآية.
قوله ﴿أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله﴾ أي: أخزاهم وأبعدهم من رحمته ﴿وَمَن يَلْعَنِ الله﴾ أي: يخزيه ويبعده عن توفيقه ورحمته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ﴾ من ينصره من عقوبة الله ولعنته سبحانه.
قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الملك﴾ الآية.
أم هاهنا بمعنى: بل أي: بل لهم نصيب.
وقيل: أم عاطفة على شيء محذوف قبلها تقديره: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلت أم لهم نصيب؟.
والمعنى: ليس لهم حظ من الملك، ولو كان لهم لم يعطوا الناس منه نقيراً لبخلهم.
وقيل: الناس هنا: محمد صلى الله عليه وسلم.
والنقير النقطة في ظهر النواة وقيل: النقير هنا نَقْر الإنسان بأطراف أصابعه، والفائدة فيها: وصفهم بالبخل وأنهم لو كانوا ملوكاً لبخلوا بالشيء الحقير اليسير.
قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس﴾ الآية.
المعنى: أن اليهود حسدوا قريشاً إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فوبخهم الله عز وجل وقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إبراهيم الكتاب والحكمة﴾ فيجب أن يحسدوهم أيضاً، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ وهو ما أعطى سليمان صلى الله عليه وسلم فكيف لم يحسدوا هؤلاء.
وقال ابن عباس: عنى بالناس: محمد صلى الله عليه وسلم ومن آمن به.
وعنه أنه قال: نحن
الناس: يعني قريشاً، وهو قول عكرمة والسدي ومجاهد والضحاك.
. . حسدوه في أمر النساء، وقالوا: قد أحل الله له من النساء ما شاء، فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَحْسُدُونَ الناس﴾ أي: محمداً صلى الله عليه وسلم على ما أحل الله له من النساء، وهو الفضل فوق أربع، فأم بمعنى بل هنا، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ قال السدي: كانت لداود مائة امرأة ولسليمان أكثر من ذلك.
وقال القتبي: كانت لسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية.
قال همام: ﴿مُّلْكاً عَظِيماً﴾ أيدوا بالملائكة والجنود.
قال أبو عبيدة: معنى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾: (أيحسدون).
وقيل الناس هنا: العرب، حسدهم اليهود إذ كان محمد صلى الله عليه وسلم منهم فهو الفضل.
وقيل: الملك العظيم النبوة.
وقيل: هو تحليل النساء لهم.
وقيل: هو ما
أعطي سليمان.
وقيل: " الملك العظيم ": هو تأييدهم بالملائكة.
واختار الطبري أن يكون ﴿مُّلْكاً عَظِيماً﴾ هو ما أوتي سليمان صلى الله عليه وسلم من الملك وتحليل النساء.
قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ الآية.
المعنى: فمن أهل الكتاب الذين قيل لهم آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم: من آمن بالله عز وجل.
وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: بالقرآن وهو أبينها لقوله: ﴿آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً﴾ ثم قال ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بما نزلنا، وهو القرآن، ﴿وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: لم يؤمن به.
وقيل: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: عن محمد صلى الله عليه وسلم ( أي): أعرض عنه، وقيل: ﴿مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾: القرآن.
قاله مجاهد، وقيل: " به " بهذا الخبر.
وذكر السدي في قصة طويلة أن إبراهيم صلوات الله عليه، كان عنده طعام كثير بورك له فيه كسبه من زرع زرعه من قمح كونه من عند الله تعالى، فكان الناس يأتونه في مجاعة يطلبون
منهم شراء الطعام، فيقول: هذا الطعام من آمن بالله فليأخذ منه، ومن لا يؤمن بالله فلا شيء له، وآمن بعض وأخذوا، وامتنع قوم من الإيمان فلم يأخذوا، فهو قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾.
وفي هذه الآية دليل علي أن من لم يؤمن قد أخرت عقوبته التي توعد بها في قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ﴾ إلى يوم القيامة لإيمان من آمن منهم وهو قوله: ﴿وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ وإنما كان الوعيد لهم من الله جلت عظمته بالعقوبة على مقام جميعهم على الكفر، فلما آمن بعضهم خرجوا عن الوعيد الذي توعدوا به في دار الدنيا، وهو الطمس وأخرت عقوبة المقيمين على الكفر.
وسعير: فعيل، مصروف عن مفعوله كما قال: كف خضيب، ولحية دهين، والمسعورة: الموقودة بشدة التوقد، والمعنى وكفى بجهنم سعيراً لمن صد عنه، أي: أعرض عن محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بآياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ الآية.
هذا وعيد من الله عز وجل لمن أقام على الكفر وأعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ أي نلقيهم في النار.
وقيل المعنى: سوف نشويهم بنار.
يقال أصليته: ألقيته في النار وصليته شويته، فنلقيهم أولى بالمعنى لأنه رباعي.
قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي احترقت واشتوت.
قال ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها بيضاء مثل القراطيس.
قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيكونون كما كانوا.
قال الربيع: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، ومنه تسعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل وسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها.
قال الحسن: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة.
قال: وغلظ جلد الكفار أربعون ذراعاً، والله أعلم بأي ذراع.
وإنما جاز أن يبدلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت في الدنيا فيعذبون منها