الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 3239-3278
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 3239-3278
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

يهلك قوماً إلا بعد أن يملي لهم، فتنقضي آجالهم " ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بأن يهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق ". قال مجاهد: كان الناس وقت آدم على دين واحدٍ، ثم اختلفوا إذ قتل أحدهم ابْنَيْ آدم أخاه.
وقيل: يراد بالناس هنا: العرب.
وقيل المعنى: إن كل مولود يولد على الفطرة، ثم يختلفون بعد ذلك.
والأُمة: على خمسة أوجه:

  • الأُمة: " العُصْبة، والجماعة نحو ﴿أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] ونحو: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: 159].
  • والثاني: أن تكون بمعنى " الملة "، نحو: ﴿وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
    ومثله الحرف الذي في هذه السورة.

﴿وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: على ملة الإسلام، ومنه: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً﴾ [المؤمنون: 52]، ومنه ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: 8]: أي: أهل ملة.

  • والثالث: أن تكون بمعنى " السنين والحين " نحو: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: 8] ونحوه ﴿وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: 45].
    والرابع: أن تكون الأُمة بمعنى " قوم " نحو قوله: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92] أي: قوم أكرم من قوم ومنه ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ [الحج: 34] أي قوم.
  • والخامس: أن تكون الأُمة بمعنى " الإمام ". نحو قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل: 120] أي: إماماً، يقتدى به في الخير.
    ثم أخبر عنهم تعالى فقال: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: يقول

هؤلاء المشركون: هلا نزل عليه آية من ربه، يعلم بها أنه محقٌّ، صادق قال الله عز وجل: قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّمَا الغيب للَّهِ﴾: أي لا يعلم أحد، لو لم يفعل ذلك إلا هو، لأنه عالم الغيب.
﴿فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾: أي: انتظروا قضاء الله سبحانه بيننا وبينكم، بتعجيل العقوبة للمبطل /، وإظهار الحق للمحق.
وقيل: المعنى: فانتظروا نصر الله المحق، وخذلانه المبطل.
﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾: أي: إني معكم منتظر من المنتظرين.
لذلك.
قوله: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً﴾ إلى قوله ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جواب إذا محذوف عند سيبويه.
والتقدير: من بعد ضراء مستهم مكروا.
والعرب تجتزئ بإذا في جواب الشرط عن " فعلتُ وفعلوا ". والناس هنا: المشركون كما قال: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].

قال الحسن: هو المنافق، والمعنى وإذا أذقنا الكفار فرجاً من بعد كرب أصابهم، ورخاء بعد شدة أصابتهم ﴿إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ في آيَاتِنَا﴾ قال مجاهد: " استهزاء، وتكذيب ". وقيل: يحتالون حتى يجعلوا سبب الرحمة في غير موضعه.
قل لهم يا محمد: ﴿الله أَسْرَعُ مَكْراً﴾ أي: أسرع استدراجاًَ لكم وعقوبة.
﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي: إن الحفظة يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا.
ثم عدد تعالى نعمه فقال: ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر﴾ وقرأ ابن عباس: " يَنْثُرُكم " من النثر: أيْ: يبسطكم براً وبحراً.
﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾: وهي السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ يعني: السفن

بالناس.
﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، وفرح بذلك الناس ﴿جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، أي: جاءت السفن ريح.
وقيل: جاءت الريح الطيبة ريحٌ عاصف، والعاصف: الشديدة.
﴿وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من كل جانب.
﴿وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي: أيقنوا بالهلاك.
﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي: أخلصوا الدعاء له عز وجل، دون أوثانهم، وآلهتهم.
(و) قيل: (لأنهم) يقولون: " آهيا شَرَاهِيّاًً ": تفسيره: يا حيُّ يا قيومُ ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ على نعمك (وتخليصك) (إيانا مما نحن فيه).
﴿فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرض﴾، والفلك تذكر، وتؤنث، وتكون واحداً

وجمعاً (فمن جعلهما جمعاً) جعل واحدهما فلكاً كوُثْنٍ ووثَنٍ.
وقوله: ﴿إِذَا كُنتُمْ﴾، ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ فهذا من الرجوع من المخاطبة إلى الإخبار، ثم قال إخباراً عن فعلهم: ﴿فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ أي: يكفرون، ويعملون بالمعاصي على ظهر الأرض.
وأصل النجاء: البعد من المكروه ومنه الاستنجاء، لأن الإنسان يبعد به عن نفسه الأذى.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾: أي: عليها يرجع.
وإياها تظلمون.
وهذا الذي أنتم فيه متاع الحياة الدنيا.
والبغي في اللغة: التطارُحُ في الفساد.
ومن قرأ ﴿مَّتَاعَ﴾ بالرفع احتمل أن يكون خبر بغيكم، ويجوز أن يكون

خبر ابتداء محذوف، وتكون ﴿على أَنفُسِكُمْ﴾ خبر بغيكم.
وتقدير ذلك " متاع الحياة الدنيا " أو هو متاع الحياة الدنيا، وبَيْنَ الرفعين فرق: وذلك أنك إذا رفعت " متاع " على أنه خبر " بغيكم "، كان المعنى: إنما بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا مثل: ﴿فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: 61]، و ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]. وإذا رفعتَ " المتاع " على إضمار مبتدأ، وجعلت " على أنفسكم " خبر بغيكم كان المعنى: إنما فسادكم راجعٌ عليكم مثل: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] وهو معنى قراءة / من قرأ بالنصب.
ويكون النصب على المصدر أي: تمتعون متاع الحياة الدنيا.
﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: إلينا ترجعون في الآخرة، فنخبركم بعلمكم، ونجازيكم عليه.

﴿بِغَيْرِ الحق﴾: وقف.
(وقف)، إن جعلت ﴿على أَنفُسِكُمْ﴾ منصوباً، (أ) ومرفوعاً على إضمار مبتدإ.
قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء﴾ إلى قوله ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾.
قرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية: " وأَزْيَنَتْ " على وزن " أَفْعَلت ": أي جاءت بالزينة.
وجاء على أصله غير مُعْتَل " كاستحوذَ ". وقرئ: " وازْيَّانَّت " مثل اسْوَادَّت.

وروى المقدميُّ " وازّايَنَتْ والأصل تَزَايَنَتْ على " تَفَاعَلَتْ ". والمعنى: إنما مثل ما تتفاخرون به في الدنيا، وتتباهون به من زينتها وأموالها، (مع) ما خالط ذلك من التنفِيض والتكدير والفناء والموت: كماء نزل من السماء فنبت بذلك أنواع النبات مما يأكل الناس: كالحنكة، والشعير، ومما تأكل البهائم من أنواع النبات.
فإذا تم نباته، وحسُن، وأيقن أهل الزرع أنهم قد ملكوهُ، وأيقنوا بتمامه، وحصاده، وأن الحشيش لأنعامه مرعى ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾: أي: أتى الأرض قضاءُنا في الليل أو في النهار، فجعلنا ما عليها حصيداً، أي: " مقطوعاً مقلوعاً ". والمراد به ما على الأرض، واللفظ للأرض.
﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس﴾ أي كأن لم يكن ذلك الزرع، والنبات على

ظهرها بالأمس، (يقال: غني فلانٌ) بالمكان، إذا أقام به، والمعنى: كأن لم تعمُر بالنبات بالأمس.
والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس.
وغنينا بمكان كذا أي: نزلناه.
والمعنى: وكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم فينفيها.
قال ابن عباس: فاختلط به نبات الأرض: فنبت بالماء من كل لون.
ثم قال: ﴿كذلك نُفَصِّلُ الآيات﴾: (أي): كما بينا لكم أيها الناس مثال الدنيا، كذلك نبين حججنا، وأدلتنا لمن تفكر، ونظر، واعتبر.
والهاء في ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾ تعود على الأرض.
وقيل: على الزخرف.
أي: أتى زخرفها أمرنا.
وقيل (على) الزينة: أي: أتى زينَتها أمرُنا ليلاً.
وقرأ مَرْوَ (ا) ن على المنبر: {حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ

قَادِرُونَ عَلَيْهَآ}.
وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها.
وذكر أن كذلك قرأها ابن عباس.
وقال ابن عباس: كذلك أقرأني أبي بن كعب.
وقال قتادة (كأن لم نغن بالأمس): " كأن لم تعش، كأن لم تنعم ". وكان أبو سلمة بن عند الرحمن يقرأ في قراءة أبي: كأن لم تغن بالأمس، وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون.
ولا يحسن

أن يقرأ أحدٌ بهذه القراءة، لأنها مخالفة لخط المصحف الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون.
وقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: وقف، ووقَفُ أصحاب نافع ﴿أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ﴾، وكذلك ﴿فاختلط﴾ [الكهف: 45] في الكهف.
وتأويل ذلك " كماء أنزلناه من السماء فاختلط بالأرض " ثم استأنف فقال: ﴿بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾: أي بالماء نبات الأرض.
ومن / جعل الوقف (والأنعام) رفع النبات.
﴿فاختلط﴾: أي: فاختلط (نبات الأرض) بالماء.
ثم قال تعالى: ﴿والله يدعوا إلى دَارِ السلام﴾ أي: يدعو إلى الجنة التي يسلم من دخلها من الآفات.

وقيل: المعنى يدعو إلى دَارتِهِ لأنه تعالى السلام، وداره الجنة.
﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي يوفِّقُ من يشاء إلى الإسلام وهو طريقهُ المستقيم الذي لا عوج فيه: وهو سبب رضاه، ورضاه سبَبُ دخول الجنة.
قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ إلى قوله ﴿خَالِدُونَ﴾ والمعنى: للذين أحسنوا عبادة الله عز وجل في الدنيا الحسنى وهي الجنة، (وزيادة)، يعني: النظر إلى وجهه جل ذكره، روي ذلك (عن) عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهـ. وروى صهيب أن رسول الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار

النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعداً، يريد أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجينا من النار.
فيُكْشَفُ الحجاب، وينظرون إليه جلَّ ذكره.
قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من ذلك).
وهذا القول قول أبي موسى الأشعري، وحذيفة، قاله ابن أبي ليلى، وغيرهم: (إن الزيادة): النظر إلى وجه الله تعالى، وذكر كل واحد حديثاً (مثل) معنى الحديث المذكور عن النبي عليه السلام.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، وقاله النخعي.
وقال ابن عباس: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى تمام العشرة على الواحدة.
وهو مثل قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]: أي: يزيده من فضله.
وقال الحسن: الزيادة هو المجازاة بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف.
وقال مجاهد: الحسنة بحسنة، وزيادة مغفرة من الله ورضوان.
وقيل: الزيادة: ما أعطاهم الله عز وجل في الدنيا ولا يحاسبهم به يوم القيامة.

وقال ابن سيرين في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]: إنه النظر إلى الله جلَّ ذكره.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿أَحْسَنُواْ﴾ قالوا: لا إله إلا الله، ﴿الحسنى﴾: الجنة.
(وروى أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة منادياً ينادي أهل الجنة بصوت يسمع به أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة.
فالحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله.
وقوله: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: أي لا تغشى وجوههم كآبة والقتر: الغبار وهو جمع قترة.

وقيل: هو الغبار الذي معه وساد، روي ذلك عن ابن عباس.
وقال ابن أبي ليلى: ولا يغشاهم ذلك بعد نظرهم إلى الله سبحانه: فهؤلاء الذين هذه صفتهم هم أصحاب الجنة، ماكثون فيها أبداً.
وقيل: الهاء في " فيها " للحسنة، وقيل: للزيادة، وقيل: للحسنى، والزيادة، والجنة.
ثم قال: ﴿والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: (أي والذين عملوا السيئات في الدنيا جزاؤهم في الآخرة سيئة بمثلها) أي: عقاب من الله عز وجل على ذلك.
وقيل: المعنى: فله جزاء سيئة بمثلها كما قال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾: أي: جزاء حسنة / بحسنة.
ثم قال: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ يريد تمام العشر (ة) على الواحدة.
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: أي: تغشاهم، ﴿ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: من مانع من عقابه.

ومن قرأ " قطَعاً " - بفتح الطاء - فهو جمع قِطْعَة.
واُخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدُ لأن المعنى: كأنما غشي وجه (كل إنسان منهم قطعة).
ثم جمع ذلك لأنه قد جمع الوجه، فعلى كل وجه قطعة و " مظلماً " على هذا نصب على الحال من " الليل "، ولو كان نعتاً للقطع لقال مظلمةٌ.
ومن قرأ " قِطْعاً " بإسكان الطاء فهو يجوز أن تكون جمع قطعة أيضاً، إلا أنه بقي السكون على حاله كما يقول: سِدْرَةٌ، وسِدْرٌ، وبُسْرَةٌ وَبُسْرٌ.
فيكون " مظلماً " أيضاً على هذا حالاً من الليل.

ويجوز أن يكون " قطعاً واحداً " يريد به ظلمة من الليل، فيكون " مظلماً " نعتاً له، وإن شئت حالاً من الليل أيضاً.
وقيل معناه: بقية من الليل كما قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ [هود: 81، والحجر: 65]: أي: ببقية منه، وهو اسم ما قطع من الليل وفي قراءة أُبَيْ: " كأنما يغشى وجوههم قِطْعٌ من الليل مظلمٌ ". ومعنى ذلك: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات ذلك.
وقوله: ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: الباء زائدة، و ﴿جَزَآءُ﴾ مبتدأ، و ﴿بِمِثْلِهَا﴾: الخبر.
وقيل: " الباء " غير زائدة.
وفي الكلام معنى الشرط، والمعنى: فله جزاء السيئة بمثلها.
فالباء صلة للجزاء.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَغَافِلِينَ﴾ ﴿مَكَانَكُمْ﴾: نصب بإضمار فعل، والمعنى: امكثوا مكانكم، وقفوا موضعكم.
(جميعاً): حال

(من الهاء والميم) في نحشرهم.
والمعنى: نحشرهم لموقف الحساب، ثم نقول للذين أشركوا بالله سبحانه غيره، ﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾: أي: انتظروا حتى يفصل بينكم.
و " مكانك وانتظر ": فتوعد بهما العرب.
﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: أي فرقنا بين المشركين وما كانوا يعبدون من دون الله، من قولهم: زلتُ الشيء عن الشيء فأنا أزيله: إذا أنْجَيْتُهُ، وَزَيَّلْنَا على التكثير.
وحكى الفراء أنه قرأ " فَزَايَلْنَا ". يقال: لا أزايل فلاناً: أي: لا أفارقه، لا أخاتله.
فمعنى زايلنا: معنى: زيلنا.
والعرب تفعل ذلك في فَعَّلت " يلحقون أحياناً الألف مكان التشديد فتقول: فاعلت، والفعل واحد.
﴿وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: أي: تقول آلهتهم التي عبدوها في الدنيا

(لهم): لم تكونوا إيانا تعبدون لأنا ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.
قال مجاهد: تكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون.
فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.
فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة: ﴿فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.
وكان مجاهد يتأول الحشر هنا الموت.
قوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾: نصب على الظرف، واللام زائدة، وكسرت لالتقاء الساكنين، والكاف للخطاب.
والمعنى: في ذلك الوقت.
ومن / قرأ " تتلو " بتاءين فمعناه: في ذلك الوقت تتبع كل نفس ما قدمت من عمل.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يَمْثُلُ لكل قوم ما كانوا يعبدون من جون الله سبحانه فيتبعونه حتى يردوا بهم إلى النار.
ثم تلا هذه الآية ". والعرب تقول: فلان " يتلو طريقة أبيه ": أي: يتبع، ومنه قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [هود: 17].
وقيل: معنى ﴿تَبْلُواْ﴾ تقرأ.
أي: في ذلك الوقت يقرأ كل إنسان ما أسلفه في الدنيا من عمل، أي: يقرأ كتاب حسابه كما قال: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13].
وقال ابن زيد: تتلو: تعاين ما عملت.

ومن قرأ " تبْلو " فمعناه: تختبر كل نفس ثواب ما عملت من خير، أو شر.
وتصديق ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ [الطارق: 9]، والقراءتان متقاربتان، لأن من اختبر شيئاً فقد اتبعه ليختبره ومن اتبع شيئاً فهو أقرب الناس إلى اختباره وقراءته ومعاينيه.
قوله: ﴿مَوْلاَهُمُ الحق﴾ يجوز نصب الحق على المصدر المؤكد لردوا، أو لمولاهم.
ويجوز نصبه على المدح بمعنى " أغنى " ويجوز الرفع على " هو مولاهم الحق "، والخفض على النهت لله عز وجل.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: بطل ما كانوا يفترون، أي: يتخرصون من الأنداد والآلهة.
و " ما " والفعل مصدر في موضع رفع بـ (ضَلَّ).

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾: أي: من ينزل من السماء الغيث، ومن خلق المصالح التي بها تم معاشكم: من شمس وريح، وحر وبرد.
ومن الأرض والنبات، والعيون والمنافع.
﴿أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾: أي: يملكها، ويزيد في قواها، أو يسلبكموها ومن يملك الأبصار أن تضيء لكم، أو يذهب بنورها.
ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.
قد تقدم ذكرها في آل عمران.
قوله: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمر﴾: أي: " أمر السماء والأرض ومن فيهن " ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾: أي: الذي فعل ذلك الله عز وجل فقل له يا محمد: ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾: أي: " أفلا تخافون عقاب الله سبحانه على شرككم ". ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾: وقف.
ثم قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ﴾: أي: ذلكم الله الذي فعل هذه

الأشياء واخترعها هو ﴿رَبُّكُمُ الحق﴾: أي: الذي لا شك فيه.
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال﴾ (المعنى: أي: منزلة بعد الحق إلا الضلال.
أي: من ترك الحق حل في الضلال).
﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ أي: من أين تصرفون عن الحق، وأنتم مقرون بالله سبحانه مخترع جميع هذه الأشياء.
ثم تعبدون من لا يخلق شيئاً، ولا يملك ضراً ولا نفعاً.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ الكاف من كذلك في موضع نصب والتقدير: كما صرف هؤلاء عن الحق إلى الضلال ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الذين فسقوا﴾: أي: خرجوا من دين الله سبحانه.
﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾: أن في موضع نصب على معنى بأنهم، أو لأنهم.
وقال الزجاج: يجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من الكلمات، وأجاز الأخفش، والفراء في الكسر في أن على الإلزام لترك الإيمان.

وقيل: المعنى " حق عليهم أنهم لا يؤمنون ". " فإن ": في موضع رفع خبر " حق ". ومعنى: (حقت عليهم كلمات ربك): أي: وجب عليهم في علمه، وفي السابق في اللوح المحفوظ ﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله ﴿تَحْكُمُونَ﴾: والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: / ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ﴾ أي: آلهتكم.
﴿مَّن يَبْدَأُ الخلق﴾ أي: ينشؤه من غير أصل، ولا مثال، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: أي: ثم يَفْنِيهِ، إذا شاء، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه، فإنهم لا يدعون ذلك لآلهتهم.
وينقطعون، فقل لهم: ﴿الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد إفنائه ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾: أي: من أي وجه تصرفون وتقلبون عن الحق.
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: وقف.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ وسيبويه يمنع الكسر في (يهدي) في الياء، ويجيزه في التاء، والنون، والهمزة لأن الكسر ثقيل في الياء،

والكسر في الهاء إنما يجوز لالتقاء الساكنين.
وأما قراءة من قرأ يهدي بالتخفيف والإسكان.
فقال الكسائي والفراء: (يهدي) بمعنى (" يهتدي ").
وقال المبرد: لا يُعرف " هدى " بمعنى " اهتدى " قال: ولكن التقدير: أَمَّنْ لا يهدي غيره.
ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن يهدى﴾ على الاستثناء المنقطع، كأنه تم الكلام عند قوله ﴿أَمَّن لاَّ يهدي﴾ ثم استأنف فقال: " لكنه يحتاج أن يهدي ". وروي عن ابن عامر: " إلا أن يَهَدِّي " بالتشديد.
وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ هذا تمام الكلام عند الزجاج، والمعنى: فأي شيء لكم في عبادة الأصنام.

ثم قال: (لحين تحكمون) كيف في موضع نصب بـ " تحكمون ". ومعنى الآية هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، أي: يرشد إليه ضالاً.
فإنهم لا يدعون ذلك، إذ عجزهم يمنعهم من ذلك.
فقل لهم يا محمد: ﴿الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾: أي: يرشد الضُّلال إلى الهدى.
﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ إلى ما يدعو إليه ﴿أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى﴾: أمَّن لا ينتقل من مكانه إلا أن (ينقل): وقف، ﴿إِلاَّ أَن يهدى﴾ وقف.
﴿فَمَا لَكُمْ﴾ وقف عند أبي حاتم، والزجاج، وابن الأنباري.

وقال غيرهم: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هو التمام.
قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾ إلى قوله ﴿مِن رَّبِّ العالمين﴾ والمعنى: ما يتبع أكثر هؤلاء إلا ظناً، أي: يتبعون ما لا علم لهم بحقيقته، وإنما هم في اتباعهم ما يتبعون على شك.
﴿إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾: أي: " إن الشك لا يغني من اليقين شيئاً، ولا يقوم في شيء مقامه ". ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله﴾ أي: ما كان افتراءً، ولكنه من عند الله سبحانه.
وقيل: المعنى: ما كان لأحد أن يأتي به من عند غير الله، وينسبه إلى الله عز وجل لإعجازه.
﴿ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: ولكن كان تصديق التوراة، والإنجيل، وغيرهما من الكتب.
﴿وَتَفْصِيلَ الكتاب﴾: أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد في

سابق علمه، من المفروض في الأعمال، والسعيد الشقي.
﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك أنه كذلك.
وقيل: المعنى: ولكنه تصديق الشي الذي القرآن بين يديه، وهو: الكتب المقتدمة، مثل القول الأول في المعنى.
وقيل: إن هذا إنما هو جواب لقولهم ﴿ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ﴾ [يونس: 15]، أو جواب / لقولهم ﴿افتراه﴾ [يونس: 38].
قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ إلى قوله ﴿عَاقِبَةُ الظالمين﴾ أم: هنا بمنزلة الألف، لأنها قد اتصلت بكلام قبلها، ولا تكون كالألف مبتدأ بها: وقيل: هي هنا بمعنى: بل.
وقيل: إنها تغني عن الألف وبل.
ومعنى الكلام: " هذا تقرير لهم لإقامة الحجة عليهم ". ومعناه: أيقول:

هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه.
فأمر الله عز وجل نبيه أن يقول لهم: ما نبين لهم أنه لا يمكن أن يكون من عند بشر، فإن أمكن فقل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ أي: مثل هذا القرآن.
فإذا لم تقدروا وأنتم جماعة فصحاء، دل عجزكم على أن محمداً لم يختلقه من عند نفسه، إذ لا يمكن أن يكون من عند بشر، بدلالة عجزكم عن الإتيان بسورة مثله.
وقيل: المعنى: ايتوا بسورة مثل سورته، ثم حذفت السورة مثل: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
ثم قال تعالى: ﴿وادعوا مَنِ استطعتم (مِّن دُونِ الله)﴾: أي: استعينوا بمن قدرتم عليه في الإتيان بالسورة، واجتهدوا، وأجمعوا أولياءكم، وشركاءكم من دون الله سبحانه للمعونة على ذلك فأتوا بذلك ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم: إن محمداً اختلقه.

ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾: يعني: الوعيد الذي توعدوا له لم يروه بعد، ولم يحيطوا بعلمه فكذبوا به (ولما يأتهم تأويله) أي: لم يأتهم بعدما يؤول إليه أمرهم.
فالمعنى: إنهم يا محمد إنما كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وليس بهم التكذيب لمحمد.
﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾: أي: كذا كانت سبيلهم وقيل: المعنى: كما كذب هؤلاء يا محمد كذبت الأمم التي من قبلهم ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾: أي: اعتبر كيف أهلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالغرق، وبعضهم بالريح، وبعضهم بالخسف، فإن عاقبة هؤلاء الذين كذبوك كعاقبة من تقدم من الأمم.
﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: وقف حسن.
قوله: ﴿وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ إلى قوله ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أخبر الله عز وجل نبيه في هذه الآية: أن من قريش من يؤمن بالقرآن فيما

يستقبل، ومنهم من لا يؤمن به أبداً.
سبق كل ذلك في علمه تعالى.
وقيل: المعنى: ومنهم من يصدق بالقرآن، ويظهر الكفر عناداً، واتقاء على رياسته، ﴿وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ سراً ولا علانية.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أي: لي ديني وجزاؤه، ولكم دينكم وجزاؤه.
﴿أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ﴾ لا تؤاخذون به ﴿وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ لا أؤاخذ به: هذا مثل قوله: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1 - 2]. وهذا كله أمر بالمواءمة نسخ ذلك بالأمر نسخ ذلك بالأمر بالمحاربة، والقتل في " براءة " وغيرها.
وقيل: معناه، وفائدته: فقل لي علم عملي: أي: ذلك عندي، وعلم عملكم عندكم، أي: عندي علم ثواب عملي، وهذا مثل قول النبي، عليه السلام، " كل عمل ابن

آدم له إلا الصوم "، أي: عنده علم ثوابه: الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم، فهو أعظم أجراً من ذلك.
وقال ابن زيد: هذه الآية منسوخة، نسخها الأمر بالقتال.
ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: أي: / يستمعون القرآن.
قوله: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم﴾ أي: تخلق لهم سمعاً، ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به، فكأنهم من شدة عداواتهم، وانحرافهم عن قول النبي بمنزلة الصم.
وقيل: إن هذا إعلام من الله عز وجل لعباده أن التوفيق إلى الإيمان بيد الله، ومثله الكلام على قوله: ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾: وهو نظر الاعتبار إلى حجج النبي وإعلامه على نبوءاته ولكن الله عز وجل سلبه التوفيق فلا يقدر أحد على هدايته، كما

لا يقدر أحد أن يحدث للأعمى بصراً.
هذه الآية تسلية من الله، جلَّ ذكره، لنبيه عن جماعة من كفر به من قومه.
وقيل: المعنى: ومنهم من يقبل عليك بالاستماع، والنظر، وهو كالأصم، والأعمى من بغضه لك يا محمد، وكراهيته لما يراه من آياتك، فهو كالأصم، والأعمى، إذ لا ينتفع بما يرى، ولا بما يسمع كما قال: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [الأحزاب: 19].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً﴾: أيك لا يبخسهم حقهم، فيعاقبهم بغير كفر ﴿ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقال الفراء: إذا كانت " لكن " لا وَاوَ معها أشبهت " بل ".

فتؤثر العرب تخفيفها، ليكون ما بعدها بمنزلة " ما " بعد " بل " من الابتداء والخبر إذا كانت مثل " بل "، وإذا كانت معها الواو، وخالفت بل، فتؤثر العرب التشديد لينصبوا ما بعدها، فيخالفوا به ما بعد بل، كما خالفت هي بل.
والناس يظلمون أنفسهم باكتسابهم الخطايا التي توجب العقاب على أنفسهم.
والمعنى: أن الله جلَّ ذكره، لم يهمل الناس، بل أرسلهم إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، واتخذ عليهم الحجة بالعقل، والسمع، والبصر.
ثم جازاهم بأعمالهم بعد أن أمرهم، ونهاهم، فأكرم الطَّائِعَ، وأهان العَاصِيَ، وهذا هو العدل الظاهر البيّن.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ المعنى: ويوم نحشر هؤلاء المشركين، كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم، ثم انقطعت المعرفة.
الآن وقد خسروا أنفسهم بتكذيبهم بآيات الله عز وجل ولقائه سبحانه.

﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾: أي: موفقين للهدي.
وقيل: معنى ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرف بعضهم بعضاً بالإضلال والفساد، والجحود.
وذلك أشد لتوبيخهم.
وقيل: المعنى ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يقولون: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله.
ومعنى: ﴿لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار﴾ أي: قرب عندهم موتهم، وبعثهم كما قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19 والمؤمنون: 113]. ثم قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)﴾: أي: " نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي تعد هؤلاء المشركين من العذاب، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نريك ذلك فيهم "، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بكل حال ﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ﴾ على أفعالهم.
قال مجاهد: الذي أراه وقعة بدر.
وقيل: المعنى: أن الله أعلم نبيه (" إن لم ينتقم منهم في العاجل انتقم

منهم في الآجل " وقد تقدم ذكره.
﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ﴾ وذكر معنى، ثم قال: ﴿وَلِكُلِّ / أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾: أي: وأرسل إلى كل أمة خلت رسولاً كما أرسل محمداً إليكم أيها الناس لينذركم.
﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ﴾ يعني: في الآخرة ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط﴾ أي: بالعدل.
قال مجاهد: إذا جاء رسولهم يعني: يوم القيامة.
وقيل: المعنى: ولكل أمة رسول يشهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، وهو مثل قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] والمعنى الأول مثل قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15].
ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المشركين:

﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: متى قيام الساعة التي تعدنا به يا محمد.
فأمر الله عز وجل أن يقول لهم: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ أن أملكه فادفع عنها به الضر وأجلب إليها به النفع.
فأنا إذا كنت لا أقدر على نفع نفسي، ولا أقدر على دفع الضر عنها (فأنا عن القدرة على الوصول إلى) علم الغيب، ومعرفة قيام الساعة (أعجز وأعجز إلا بمشيئته لي في ذلك).
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي: لكل قوم ميقات لانقضاء مدتهم، لا يستأخرون عنه ساعة، ولا يتقدمونه بساعة.
وذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات، والوقت المقدر في انقضاء مدتهم: أقل من الساعة وأقرب.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً﴾ إلى قوله ﴿تَكْسِبُونَ﴾.
قوله: ﴿مِنْهُ المجرمون﴾ الهاء: تعود على العذاب، وقيل: على اسم الله عز وجل.

ويشهد لرجوعها على " العذاب " قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب﴾ [الحج: 47 والعنكبوت: 53]، ويشهد لرجوعها على الله سبحانه قوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: 1 - 2]، فإذا جعلتها عائدة على " العذاب "، " فما " في موضع رفع بالابتداء، وإذا جعلتها بمعنى " الذي " خبر " ما " ويجوز أن تكون " ما " و " ذا " شيئاً واحداً في موضع رفع.
والخبر في الجملة، وإن جعلت " الهاء " تعود على اسم الله سبحانه وجعلت " ما " و " ذا " اسماً واحداً كانت " ما " في موضع نصب بمستعجل والمعنى: أي شيء يستعجل من الله المجرمون، وإن جعلت " ما " اسماً، و " ذا " بمعنى " الذي " كانت كالأولى: ابتداء وخبر.
وكون الهاء تعود على العذاب أحسن لقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾.
والمعنى: قل لهم يا محمد: أرأيتم إن أتاكم هذا الذي تستعجلون به من العذاب

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل