آل عمران
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال " اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر.
فشبت العجلة في الغيضة.
وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها].
فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها.
فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير.
وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة " أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة.
قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران.
قال: " وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ.
يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح.
فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.
قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً.
وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف.
فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده.
فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع.
فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه.
فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً ".
وقيل: ضرب بفخذ البقرة الأيمن.
وقيل: ضرب بعظم من عظامها.
وقيل: بذنبها.
وقيل: بلسانها.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى﴾.
في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا.
واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور / ضربوه] ببعضها فحيي وقال: " فلان قتلني "، فَقُتِلَ، بقوله.
قال مالك: " فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه ".
وروي أنه قال: " ابن أخي قتلني " ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه.
قال عبيدة السلماني: " فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ] ".
وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: " فلان قتلني "، ويقسم على قوله الأولياء.
قوله: ﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾: أي: بينت لنا.
وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق.
ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾.
أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها.
وقيل: أرادوا / أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة.
وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: " مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة " وقال طلحة بن مصرف: " لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء ".
قوله: ﴿فادارأتم فِيهَا﴾.
أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة.
وقيل: في النفس.
وقيل: في القتلة.
ورجوعها على النفس أولى لتقدم
ذكرها.
/ قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾.
روي عن ابن عباس أنه قال: " لما أخبر / المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا.
فذلك قساوة قلوبهم ".
قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
" أَوْ " [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة / أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم.
وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل.
روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: " يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني ". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ صلى الله عليه وسلم] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: 24] فخفت أن
أكون من تلك الحجارة ".
وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين.
وقيل: " أو " بمعنى الواو.
وقيل: بمعنى: " بل ".
قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار﴾.
هو حجر موسى صلى الله عليه وسلم الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً.
قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾.
هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ.
قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾.
هو العيون التي تخرج من سائر الجبال.
قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾.
يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى
والبحر والطور وغير ذلك.
فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت.
قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾.
يخاطب المؤمنين بمحمد.
والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله.
وهو استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم وما كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو أن فريقاً منهم كانوا ﴿يَسْمَعُونَ كَلاَمَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ الآية.
يريد به أسلافهم وما فعلوا على عهد موسى صلى الله عليه وسلم.
قال السدي: " هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراماً، والحرام حلالاً برشوة ".
وقال الربيع: " كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ".
وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى صلى الله عليه وسلم يسمعون كلام الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى صلى الله عليه وسلم بالسجود فسجدوا، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ما سمع ".
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلمون أنهم مبطلون فيه تحريفه.
وقال مقاتل: " هم السبعون الذين اختارهم موسى صلى الله عليه وسلم.
/ قوله: ﴿قالوا آمَنَّا﴾.
أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة.
وروي عن ابن عباس: " أي: إذا لقوا محمداً.
قالوا: آمنا، وإذا خلوا كفروا، وهم المنافقون من اليهود ".
قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾.
كانوا يستفتحون بمحمد / صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم.
وقال أبو العالية: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ يعني ما أنزل عليكم في التوراة من ذكر
محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال قتادة: " بما مَنّ الله عليكم في التوراة من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فيحتجون عليكم بذلك ".
" وروي أن النبي [عليه السلام قال لهم: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ] والخَنَازِيرِ، فقالوا: مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا مُحَمَّداً؟ مَا جَرَى هَذَا إلاّ مِنْكُمْ.
أَفَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ؟ ".
وقال السدي: " كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به.
أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم منكم؟ ".
وعن ابن زيد قال: " كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: نعم.
فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم به عند
ربكم.
وقال النبي [عليه السلام]: " لا يَدْخُلُ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدينَةِ إِلاّ مُؤْمنٌ ". فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا.
فإذا رجعتم اكفروا، وهو قوله: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار﴾ [آل عمران: 72] الآية.
فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي ".
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
أي: ومن هؤلاء أميون.
فهم أبعد من الإيمان من غيرهم.
وقال ابن عباس: " هم قوم لم يصدقوا رسولاً ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتاباً وقالوا للعوام: هذا من عند الله ".
وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئاً.
وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها لا يحسن كما لا تحسن.
وقيل: / الأميون / في هذا الموضع نصارى العرب.
قاله عكرمة والضحاك.
وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا كتاب] لهم.
وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ.
وقيل: هم طائفة من اليهود.
/ قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب﴾.
أي: التوراة أي هم مثل البهائم.
قوله: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾.
قال قتادة: " يتمنون على الله ما ليس لهم ".
وعن ابن عباس: " إلاَّ أمَانِيَّ: إلا أحاديث].
وقال مجاهد: " هم ناس كانوا لا يعلمون شيئاً، يقولون على التوراة ما ليس فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها ". وقال ابن زيد: " يقولون نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم تمنياً " وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا أماني]: إلا تلاوة ". ومنه قوله: ﴿إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] أي إذا تلا ألقى في تلاوته.
فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا يعملون به.
وقال جماعة: [إلاّ أمَانِيَّ]: إلاَّ كذباً ". ومنه قول عثمان رضي الله عنهـ: " ما تمنيت منذ أسلمت " أي: ما كذبت.
قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾.
أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظناً لا يقيناً.
وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصاً وإن هم إلا يشكون فيه.
قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾.
قال سفيان وأبو عياض: " ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم ".
وروى عثمان بن عفان " عن النبي [عليه السلام أنه قال /: الوَيْلُ] جَبَلٌ في النَّار ".
وروى عنه عليه السلام أبو سعيد الخدري أنه قال: " ويلٌ وَاد في جهنَّمَ يَهْوِي فِيهِ
الكَافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ ".
ومعنى " ويل " عند أهل اللغة: قبوح.
وويح ترحم، وويس تصغير.
وهذه مصادر لا أفعال لها.
والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء.
ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلاً.
فإن كانت مضافة [حسن فيها] النصب، قال الله تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ﴾ [طه: 61].
فأما ما كان من المصادر جارياً على الفعل، فالاختيار / فيه الرفع إذا كان معرفة على الابتداء نحو: الحمد.
ويجوز النصب على المصدر.
فإن كان نكرة، فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على معنى ثبت ذلك له.
فإن كان مضافاً لم يجز إلا النصب كالأول.
قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾.
هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم فيها وصفته لئلا يؤمن به
العوام، وأخذوا على ذلك الرشا.
وقيل: هم قوم من اليهود كتبوا كتباً من عند أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها الأجر.
وقال ابن عباس: " بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولاً، ولا آمنوا بكتاب فكتبوا بأيديهم للجهال كتاباً ليشتروا به ثمناً قليلاً ".
قال ابن اسحاق: " كانت صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة أسمر ربعة فبدلوا وكتبوا آدم طويلاً ".
/ وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾.
تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم.
ففي الإتيان بلفظ " الأيدي " زوال الاحتمال، إذ لو قال: " يكتبون الكتاب " لجاز أن يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: " كَتَبْتُ إلى فلان "، وإنما أمر من كتبه له " وكتب السلطانُ كتاباً إلى عامله " ولم يكتبه بيده، وإنما أمر من كتبه له.
ففي ذكر " الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد منهم.
وقال ابن عباس: " هذا، كما تقول: حملتُ إلى بلد كذا قمحاً، وإنما أمرت من حمله ".
وقال تعالى في التابوت: ﴿تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ [البقرة: 248] وإنما حمل بأمر الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: 167]. إنما أكد بذكر الأفواه لأن القول قد يترجم به عن الإشارة وعن الكتاب.
تقول العرب: " قال الأمير كذا " للفظ سمعه من كتاب أمر بكتابته الأمير.
وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين﴾ [الصافات: 93] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب.
ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضرباً شديداً أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38] ومنه: ﴿ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: 46].
وقوله: ﴿إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾.
أي قالوا: " لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا نعذب ". قاله قتادة.
وقال السدي: " قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقينا، نادى / مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك أمرنا أن نختتن ".
وقال أبو العالية: " قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم يخرجنا، فأكذبهم الله ".
وقال ابن عباس: " قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم مسيرة
أربعين سنة إلى أن ينتهوا / إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي إليها ".
وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس " أن اليهود قالت: إنما عُمْر الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف سنة يوم ". ولم يُحَدِّدْ / الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على قولهم، فترك ذكر عددها وبيانه لما تقدم عندهم.
قوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً﴾.
أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد / بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصاً وكذباً.
هذا تأويل أكثر الناس.
وروى الضحاك عن ابن عباس: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً﴾.
أي: هل قلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم تغيروا، فيكون ذلك ذخراً لكم عند
الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك.
أو قلتم ذلك تخرصاً وإفكاً، ولم يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي لكم به ".
وروى ابن أبي فروة " أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] قال [لناس من اليهود]: مَن أصْحَابُ النَّارِ غَداً؟ قالوا: نَحْنُ، سَبْعَةُ أيَّامٍ، ثُمَّ تَخْلِفُونَنَا فِيهَا، فَنَزَلَ: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار﴾ إلى ﴿خَالِدُونَ﴾ "، من حديث ابن وهب.
وقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾.
وزنه " افتعلتم " فيجوز / أن يكون من " تخذ يتخذ "، ويجوز أن يكون من "
أخذ "، وأصله " ايتخذتم " ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة.
وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفاً في المستقبل في " يأتخذ " وكونها واواً في المفتعل تقول: " موتخذ " فأبدلوا من الياء حرفاً جلداً لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل من الواو، فالواو أخت التاء.
وقيل: كانت أولى لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم أخف من المظهر.
قوله: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآية.
أي: من عمل بمثل ما عملتم، وكفر بمثل ما كفرتم وقال ما قلتم، ﴿فأولئك أَصْحَابُ النار﴾ قاله ابن عباس.
وقال مجاهد وقتادة: " السيئة هنا الشرك ". وهو قول ابن جريج وعطاء
والربيع.
وقد قال الله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90].
وهي الشرك بلا اختلاف في ذلك.
وقال الربيع بن خثيم: (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ): مات على كفره ".
وعنه: " مات على معصيته ".
وقال السدي: " هي الذنوب ". أي الكبائر.
والأول أولى لأن الله لم يتوعد في النار بالتخليد إلا أهل الشرك.
وقال النبي [عليه السلام]: " أهْلُ الإيمَانِ لاَ يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وَيُخَلَّدُ الكُفَّارُ ".
و" خَطِيئاتُهُ ": الذنوب، أي مات ولم يتب منها ولا أسلم.
وقال ابن عباس: " أحاطت الخطيئة هو أن يحبط ما له من حسنة بكفره ".
وقال قتادة: " الخطيئة هنا الكبيرة الموجبة للنار ".
وقال عطاء: " الخطيئة الشرك ".
وهذا القول يدل على أن السيئة الذنوب، فيصح أن يتوعد الله مَن أذنب الكبائر أو الصغائر ثم أضاف إلى ذلك الشركِ /، وهي الخطيئة بالتخليد في النار.
ومن قرأ ﴿خطيائته﴾ بالجمع فهي الكبائر بلا اختلاف، والسيئة الشرك.
وهذا الخطاب لليهود / مرتبط بما قبله.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.
أي: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعملوا بما جاء به، فهي عامة في جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قاله ابن عباس وغيره.
وقال ابن زيد: هي خاصة في محمد عليه السلام وأصحابه.
قوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾.
مَن قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولاً ذا حسن.
وقال الأخفش: " الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البُخْلُ والبَخَلُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ ".
وقيل: إن مَن قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف.
واستقبح المبرد: " مَرَرْتُ بِحَسَنٍ " على إقامة الصفة مقام الموصوف.
وقد جاء هذا في القرآن بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [فصلت: 10]، ولم يقل جِبَالاً رَوَاسِيَ.
وقال ﴿أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 11]، ولم يقل: " دُرُوعاً سَابِغاتٍ ".
واختار بعض المتعقبين الضم لأن " الحُسْنَ " الاسم الذي يحوي ما تحته ويعمه، و " الحَسَنُ " إنما هو الشيء الحَسَنُ لا يعم غير ما هو نعت له، والعموم أكمل في المعنى هنا، لأنها وصية بالخير.
فَفِعلُه كله، والأمر به أولى مِن فِعل بعضه،
والأمر ببعضه دون بعض.
وحكى / الأخفش: " حُسْنَى "، بغير تنوين.
وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال إلا بالألف واللام.
وقوله: ﴿وبالوالدين﴾.
معطوف على المعنى لأن المعنى: " بأن لا تعبدون " ثم حذفت " أن " مع الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده.
وهذا الميثاق هو الذي أخذ عليهم إذ أخرجهم كالذر.
واليُتْم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي.
﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ﴾: معطوف على المعنى في ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾، فلذلك أتى بلفظ الأمر لأن صدر الكلام مبني على النهي.
ومعنى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾: " مروهم بقول لا إله إلا الله ". رواه الضحاك عن ابن عباس.
وقال ابن جريج: " معناه: قولوا صدقاً في أمر محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال سفيان الثوري: " مرورهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ".
وقال قتادة وغيره: " قولوا لهم حسناً من القول ".
وقال أبو عبيدة: " قولوا حسناً من القول للمسلم والكافر ".
وقال قتادة: " هي منسوخة بآية السيف ".
ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول مَن قال: إن المعنى: قولوا للجميع حُسْناً من القول.
وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر بالمعروف لا ينسخ /، والأمر بإظهار / الصدق في النبي عليه السلام لا ينسخ.
قوله: ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾.
هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماءِ ومن لم تأكل النار زكاته فهو غير مقبول.
قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: " أعرضوا عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الفروض إلا قليلاً منهم ". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام].
وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلاً منهم، وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من أسلافكم.
ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى وأحسن.
ومعنى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ / الآية أي يقتل بعضكم بعضاً، ويخرج بعضكم بعضاً.
﴿مِّن دِيَارِهِمْ﴾ يريد به أسلافهم.
وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتُقتلوا فتكونوا سبباً لقتل أنفسكم.
ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سبباً لإخراجكم من دياركم.
قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾.
أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم.
ومعناه: أقَرَّ أوائلُكم بذلك.
وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في
[كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود.
وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء﴾، فَوَبَّخَ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم.
ومخاطبتهم بقوله لهم: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخَزْرَجِ.
فإذا جرى بين الأوس والخزرج قِتَال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضاً، ويجلي بعضهم بعضاً في الحمية وهم في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فَدَوْا أسراهم تصديقاً لما
في التوراة، كل ذلك مظاهرة لأهل الشرك، فذلك قوله:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، يستحلون دماء بعضهم بعضاً، فذلك كفرهم.
ويتحَرجون أن يبقى الأسرى في أيديهم فيتفادوا؛ فذلك البعض الذي يؤمنون به، وكان فرض عليهم أن لا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل / وفرض عليهم ألا يقتلوا أحداً، ولا يخرجوا أحداً من ديارهم، فحللوا القتل والإخراج، ولم يحلوا ترك الفداء والإخراج من الديار، ويؤمنون بالفداء وترك الاستعباد.
يعني بذلك كله بني [قينقاع وأعدائهم قريظة وبني] النضير وكانت الخزرج حلفاء بني قينقاع، والأوس حلفاء قريظة والنضير.
وكان بين الأوس والخزرج عداوات وحروب، وهم مشركون، وبين بني قينقاع وقريظة والنضير عداوات وحروب، فيعاون كل قوم حلفاءهم إذا تحاربوا.
قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى﴾.
في موضع الحال، والأكثر أن يكون على " أَسْرى " كقراءة حمزة، كقتيل
وقتلى، وجريح وجرحى.
ومن قال: ﴿أسارى﴾ شبهه بـ " سكارى "، كما قالوا " سكرى " على التشبيه " بأسرى "، فكل واحد مشبه بالآخر في بابه، ولم يُجِز أبو حاتم " أسارى ".
وإنما يقال " فَعْلاَن " فيما كان آفة تدخل على العقل كما قال سيبويه.
والفتح في " سُكَارَى " الأصل، والضم داخل عليه كأنه لغة، ويقال أُسَرَاءُ كَظُرفَاءَ.
وَفَرَّقَ أبو عمرو / بين أَسْرَى وأُسَارَى:
فقال: " ما صار في أيديهم فهو أسارى كأنه آفة دخلت عليهم " كسَكْرَانَ "، وما أتى مستأسراً فهم الأسرى.
وواحد " الأسرى " و " الأسارى " أسير؛ بمعنى مأسور، كجريح وقتيل.
/ قوله: ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾.
هو راجع إلى الإخراج، دل عليه: " تَخْرُجونَ ".
وقيل: هو مجهول كناية عن الأمر أو الشأن.
وقال بعض الكوفيين: " هو فاصلة "، وذلك لا يجوز لأن حذفها يخل بالكلام، والفاصلة يجوز / حذفها.
قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
كفرهم هو قتل بعضهم بعضاً ومعاونة الأوس والخزرج لهم، وهم يعلمون أن ذلك محرم عليهم.
وإيمانهم هو أنهم افترض عليهم ألا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وأن يفدوهم.
وكانوا إذا فرغوا من الحرب فدوا من أسر منهم بعضهم [من بعض].
قوله: ﴿إِلاَّ خِزْيٌ﴾.
هو أخذ الجزية عن يد.
وقيل: هو أخذ القاتل بمن قتل.
وقيل: هو إجلاء رسول الله [عليه السلام] بني النضير عن ديارهم لأول الحشر إلى الشام.
وقيل: هو قتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم.
وأصل الخزي الذل والصغار.
وروي أن بني قينقاع من اليهود كانوا أعداء قريظة والنضير من اليهود، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء قريظة والنضير.
وقريظة / والنضير كانا أخوين من أهل الكتاب، والأوس والخزرج أخوان افترقا، وافترق أيضاً قريظة والنضير.
فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس، فإذا اقتتل الأوس والخزرج [أعانت النضير الخزرج / وقريظة الأوس]، فقتل بعضهم بعضاً فعيرهم الله بذلك.
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾.
لام (لَقَدْ) حيث وقعت لام تأكيد، وقد تقع جواباً للقسم، وعيسى لا
ينصرف لأنه أعجمي معرفة.
وقيل: هو عربي من " عَاسَهُ يَعُوسُهُ " إذا ساسه وقام عليه ولا ينصرف على هذا للتعريف والتأنيث.
(القُدُسُ) أصله الطهر.
وفيه لغة نادرة وهي فتح القاف والدال.
والكتاب هو التوراة.
﴿وَقَفَّيْنَا﴾: أردفنا وأتبعنا بعضهم بعضاً على منهاج واحد، وشريعة واحدة، لأن كل من بعث بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى صلى الله عليه وسلم فإنما يأمر بني إسرائل بلزوم التوراة والعمل بما فيها، فلذلك قال: ﴿مِن بَعْدِهِ بالرسل﴾.
أي: على منهاجه وطريقته.
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات﴾.
ابتداء كلام آخر.
وأصل " قَفَوْت " من القَفَا " يقال: " قَفَوْتُ فُلاناً " إذا صرت خلف قفاه.
" ودَبَرْتُهُ " إذا صرت خلف دبره.
والبينات التي أوتيها عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه وخلق
الطير.
وغيره من الحجج والبينات.
﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: قويناه وأعناه ونصرناه [والأيد والأد] القوة.
وقرأ ابن محيصن: " وأيدناه " بالمد.
و" روح القدس ": جبريل.
قاله قتادة والسدي والضحاك والربيع بن أنس.
وروي ذلك عن النبي [عليه السلام].
وقاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: " هو الإنجيل سمي روحاً كما سمي القرآن روحاً، فقال تعالى: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52].
ويرد هذا القولَ قولُه تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس﴾ [المائدة: 110]، ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ ﴿المائدة: 110]. فدل هذا [على] أن روح القدس غير الإنجيل /. فإن حُمل على أنه أعيد للتأكيد كما قال: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]، وقال:
﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال﴾ [البقرة: 98]، فهو وجه.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: " روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى صلى الله عليه وسلم الموتى ".
وقال مجاهد: " القدس: الله جل ذكره، وسمي جبريل روحاً لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة كما سمي عيسى صلى الله عليه وسلم / روحاً، فقال: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171].
وقال السدي: " القدس هنا البركة ".
وقال الربيع: القدس هو الله، ويدل عليه قوله: ﴿الملك القدوس﴾ [الحشر: 23].
والقدوس والقدس واحد ". ورواه ابن وهب عن مجاهد أيضاً.
قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾.
معناه: التقرير والخبر، ولفظه لفظ الاستفهام.
قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.
هو جمع أغلف كأنها في غلاف وغطاء.
يقال: " سيف أغْلَفُ إذا كان في غلافه ".
وقال قتادة: " معناه قلوبنا لا تفقه ".
وقال ابن عباس وغيره: " معناه: قلوبنا في غطاء وغلاف فليس نفهم ما تقول كما قال: ﴿قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا﴾ [فصلت: 5].
ويجوز أن يكون " غُلْفٌ " جمع " غلاف "، لكن أسكن تخفيفاً.
ومعناه: قلوبنا أوعية للعلم لا تحتاج إلى / علم محمد صلى الله عليه وسلم.
وعلى ذلك قراءة من قرأ بِضَمِّ اللام، وهي قراءة الأعرجِ / وابن محيصن ورويت عن أبي عمرو وابن عباس.
قوله: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله﴾.
أي أبعدهم الله وطردهم وأخزاهم.
وأصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء.
﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ نصبه على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف محذوف.
وقيل: هو منصوب بـ " يؤمِنُونَ "، و " ما " زائدة.
ومعناه أنهم يقرون بالله ويوحدونه، ويكفرون بالنبي [عليه السلام] كما قال ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].
ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم يؤمنوا البتة، تقول العرب " قَلّ الشَّيء " إذا لم يوجد.
ويُقال: " قَلَّما رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا " أي: ما رأيت مثله.
وحكى الكسائي عن العرب: " مَرَرْتُ بِبِلاَدٍ قَلَّ مَا تُنْبِتُ إلاَّ الكُرَّاثَ والبَصَلَ " أي: ما تنبت سواهما.
وحكى سيبويه: " قلّ رجلٌ يقُولُ ذَلكَ إلاّ زَيْداً ".
وقال أهل التفسير: " معناه: فقليلاً منهم من يؤمن، لأن الذين آمنوا من
المشركين أكثر كثيراً ممن آمن من اليهود ". وهذا مروي عن قتادة ويلزم منه رفع " قليل ".
وقيل: المعنى: ليس يؤمنون مما في أيديهم إلا بقليل ".
والاختيار عند أكثرهم قول من قال: " إنهم قليلوا الإيمان بما أنزل على النبي [عليه السلام].
قوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله﴾ الآية.
جواب " لما " محذوف، كأنه قال: كفروا، أو نحوه، كما قال: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ﴾ [الإسراء: 7].
أي: خليناكم وإياهم، فحذف، ومثله قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] أي: أعرضوا، ثم حذف جميعه لعلم السامع، وهو كثير في القرآن.
والكتاب هنا؛ القرآن، أي: يصدق التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الآية.
قال ابن عباس: " كانت العرب في الجاهلية يمرون على اليهود / فيؤذونهم، واليهود يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة فيسألون الله أن يعجل ببعثه فينصروا به على العرب لِما وصل إليهم من أذى العرب /. فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قد عرفوه وسألوا الله في بعثه كفروا به ".
وقال مجاهد: " كانوا يقولون: " اللهم ابعث لنا هذا النبي يفصل بيننا وبين الناس، فلما بعث كفروا به ".
وقيل: إنهم كانوا يرغبون إلى الله في النصر عند حروبهم / بمحمد [عليه السلام] ويستشفعون به فينصرون فلما جاءهم بنفسه كفروا به حسداً وبغياً وهم يعلمون أنه رسول.
وبمثل هذا القول قال السدي وعطاء وأبو العالية.
وهذا من أدل ما يكون [على أنهم جحدوا نبوة] محمد صلى الله عليه وسلم على علم به وصحة أنه نبي مبعوث إلى الخلق حسداً وبغياً.
قوله: ﴿بِئْسَمَا اشتروا﴾.
أي: باعوا أنفسهم بالكفر من أجل ما أنزل الله على عبده محمد [صلى الله عليه سلم] حسداً وبغياً إذ لم يكن من بني إسرائيل.
والعرب تقول: " شَرَيْتُ " و " اشْتَرَيْتُ " بمعنى بعت.
والأكثر " شريت " بمعنى " بعت "، و " اشتريت " بمعنى " ابتعت ". وربما استعمل كل واحد في موضع صاحبه.
قوله: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾.
أي: لجحودهم بما قد تيقنوا أمره، وعلموا صحة نبوته فحسدوه وبغوه إذ لم يكن من ولد إسرائيل، وكان من ولد إسماعيل.
﴿على غَضَبٍ﴾ متقدم، وهو بعبادتهم العجل [وكفرهم بعيسى عليه السلام].
وقال ابن عباس: " الغضب الأول [لتضييعهم لما] في التوراة، والثاني بجحودهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ".