الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وجواب القسم محذوف.
وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود.
وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة.
وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين﴾.
ثم قال تعالى: ﴿واليوم الموعود﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ وأبو هريرة وقتادة وغيرهم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: " الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة ". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ
وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] والمشهود ": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: 103] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم.
وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً.
وقال مجاهد: " الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة ". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور.
وقد روي مثل ذلك عن الضحاك.
وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: 103].
وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة.
وعن ابن عباس أيضاً.
رواه عنه مجاهد " أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة ".
وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال): " أكثر علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة " وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود * النار ذَاتِ الوقود﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم.
ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقال: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات.
ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب!
فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبو علي أن يقروا بذلك، فقالت [ابسط] عليه السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبو فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت:
خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فقذفه في لنار.
ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات.
/وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار.
ولذلك قال بعض العلماء فيه [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب.
وقوله: ﴿النار﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال.
وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد.
وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً.
أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها.
والآخر: النار التي فيها.
والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق.
يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم مالك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة.
وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه.
قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم.
وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال واصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال).
[ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه.
وروى صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحل الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر.
فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب.
قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟.
وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عن الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر.
فينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر
الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس.
قال: فرماها، فقلتها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي.
[قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء.
(قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها ذلك.
فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ مقال: ربي.
قال: ولك رب غيري؟! قال نعم، ربي وربك الله.
قال: فأخذه بالعذاب.
وقال: [لتدلني] على من علمك هذا.
قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: /ارجع عن دينك.
فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال
له/ ارجع عن دينك.
فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته حتى بلغ (إلى الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك.
فقال اذهبوا به حتى تبلغوه ذورة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه].
فلبما بلغ ذورة الجبل قال الغلام: اللهم اكفينهم.
فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم.
وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه.
فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه.
قال: فذهبوا، فلما توسطوا البحر قال الغلام: اللهم فاكفينهم.
فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم.
قال: لأقتلنك.
قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك.
قال: وما أصنع.
قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني.
قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام.
[قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس
برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار.
فكانوا يلقونهم في النار.
قال: فجاءت امرأة معها صبي لها.
قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت.
اقل: فقال لها صبيها: يا أمه، أمضِ، فإنك على الحق.
فاقتحمت في النار ".
وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار.
قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرتقهم.
وقوله: ﴿ذَاتِ الوقود﴾.
أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد.
والأخدود " الحفرة تحفر في الأرض.
وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾.
أي: [إذا الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار.
وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾.
يعني بذلك المؤمنين.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ﴾.
يعني: الكفار.
حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا
القوه في النار.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾.
أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم.
﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾.
أي: سلطان ذلك كله.
﴿والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾.
أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق
في الدنيا.
هذا قول الربيع بن أنس.
قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا.
وكذلك قال أبو العالية.
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق.
ثم قال تعالى:
﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ذَلِكَ الفوز الكبير﴾.
أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء/ والخمر، واللبن والعسل.
﴿ذَلِكَ الفوز الكبير﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لتشديد.
وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمة على كفرهم وتعذبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾.
أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبث والجزاء.
وهذا معنى قول الضحاك وابن زيد.
وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده.
(وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الغفور الودود﴾.
أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه.
﴿الودود﴾ أي: ذو المحبة.
وعن ابن عباس أنه قال: ﴿الودود﴾: " الحبيب ".
وقال ابن زيد: ﴿الودود﴾: " الرحيم ".
ثم قال تعالى: ﴿ذُو العرش المجيد﴾.
وقال ابن عباس: ﴿المجيد﴾: " الكريم ".
ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾.
أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره.
ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾.
أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته.
فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذي تجند قومهم عليهم.
ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود.
ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾.
أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط باعمالهم محصيا عليهم حتى يجازيهم عليها.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾.
أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح.
قال ابن جبير: مجيد " كريم " وقاله قتادة.
قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: " في أم الكتاب ".
ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص.
ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
ومن خفض، جعله نعتاً
للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ.
كما قال تعالى مجاهد: هو أم الكتاب.
وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ " عند الله ".
وقال أنس بن مالك: " إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل ".
وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآ، رب مجيد.
قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة]
حمراء قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إلا اله إلا هو.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة والسماء و
مكية
قوله تعالى: ﴿والسمآء والطارق﴾ إلى آخرها.
هذا (قسم) أقسم ربنا تعالى بما شاء، وتقديره: ورب السماء والطارق.
ثم بين الطارق فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب﴾ أي: النجم المضيء، يقال: طرقنا فلان: إذا أتى بليل.
قال ابن عباس: معناه: " والسماء وما يطرق فيها ".
قال قتادة: " يطرق بالليل ويخفى بالنهار ".
قال ابن زيد: العرب تسمي الثريا النجم.
وحكى الفراء: ثقب [النجم] إذا ارتفع.
وقال: هو زحل.
ويقال: ثقب الطائر إذا ارتفع وعلا.
قال مجاهد: ﴿الثاقب﴾: الذي يتوهج.
ثم قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾.
من خفف [لما]، فتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ، " فما " زائدة مؤكدة، " وإن " مخففة من [الثقيلة].
ومن شدد [لما] جعلها بمعنى " إلا " لغة في هذيل، و ﴿إِن﴾ بمعنى " ما ".
والمعنى: ما كل نفس نفس إلا عليها حافظ من ربها يحفظ عملها [و] يحصي
عليها ما تكسب من خير وشر.
قال ابن عبس: معناه: كل نفس عليها حفيظ من الملائكة.
وقال قتادة: " حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا ابن آدم قُبضت إلى ربك.
وقال الفراء: كل نفس عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى المقدور.
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ/ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾.
أي: فلينظر الإنسان المكذب بالبعث بعد الموت، المنكر قدرة الله على ذلك من أي شيء خلق.
﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ أي: مدفوق.
فيعلم أن من خلقه من ماء فصوره وسواه [بشراً]، (وهو) قادر أن يعيده بشراً بعد موته، وذل أهون وأيسر فيما تعقلون بينكم.
قال الكسائي والفراء: أهل الحجاز أفعل الناس لهذا: يأتون بفاعل بمعنى مفعول إذا كان نعتاً، يقولون: سر كاتم وماء دافق، أي: مكتوم ومدفوق.
وهذا
عند البصريين لا يقاس عليه، وإنما يأتي في مالا يكشل.
ولا يجوز رجل [ضارب] بمعنى مضروب، لأن فيه بطلان الكلام كله وفساد المعاني.
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾.
أي: يخرج الإنسان من بين صلب الرجل وترائب المرأة.
وواحد الترائب: تريبة.
ومعنى الكلام: [منهما].
وقرأ عيسى بن عمر: " (بين) الصلب " بضمتين.
وقال إبراهيم بن عرفة: الترائب في اللغة: ضلوع الصدر، واحدها تريبة.
قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة من صدر المرأة.
وسئل عكرمة عن الترائب فقال: " هذا ووضع يده على صدره بين ثدييه " وعن ابن عباس: أنها " بين ثديي المرأة ".
وقال ابن جبير: ﴿والترآئب﴾ [الصدر].
وقاله ابن زيد.
وقال مجاهد: ﴿والترآئب﴾: " ما بين المنكبين والصدر ".
وعنه أيضاً: أن الترائب " أسفل من التراقي ".
وقال سفيان: الصلب: صلب الرجل، والترائب: ترائب المرأة فوق الثديين.
فالضمير في ﴿يَخْرُجُ﴾ على هذا الأقوال للإنسان.
وعن قتادة أنه " يخرج من بين صلب الرجل ونحره ".
وعن ابن عباس أن الترائب أطراف الرجل: اليدان والرجلان والعينان.
وقاله الضحاك.
وعن ابن جبير أيضاً أن الترائب أضلاع الرجل التي أسفل الصلب.
وقيل: الترائب عصارة القلب، ومنه يكون الولد.
فالضمير في ﴿يَخْرُجُ﴾ على هذه الأقوال الثانية يعود على الماء.
والمعروف في كلام العرب أن الترائب موضع القلادة من المرأة حيث تقع عليه من صدرها.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ أي: إن الله [على] رده هذا الإنسان المنكر للبعث (بعد الموت) بعد موته لقادر في يوم تختبر السرائر.
فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ للإنسان.
هذا قول قتادة، وهو اختيار الطبري: لأن بعده: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ أي: على رده حياً في هذا اليوم الذي تختبر فيه سرائر الخلق فيكشف المستور منها.
وهذا التأويل فيه بُعْدٌ في العربية، لأن العامل على هذا التقدير في ﴿يَوْمَ﴾ ﴿رَجْعِهِ﴾ فهو داخل في صلته.
وقد فرق بين الصلة والموصول بخبر (إن)، وهو ﴿لَقَادِرٌ﴾.
وذلك لا
يحسن.
ولكن يكون المعنى على ما قال قتادة، ويكون العامل في ﴿يَوْمَ تبلى﴾ ﴿نَاصِرٍ﴾ أي: فما للإنسان من قورة يرد عن نفسه بها ولا ناصر ينصره في يوم تبلى السرائر.
وقال الضحاك: المعنى (أن الله) على رد الإنسان ماء كما خلقه من ماء لقادر فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ أيضاً للإنسان.
وقال مجاهد وعكرمة: المعنى أن الله على رد الماء في الإحليل لقادر.
فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ للماء، وهو معنى قول ابن زيد.
وعن الضحاك أيضاً أن معناه أن الله على رد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الكبر، ومن الصبا إلى النطفة، لقادر.
فالهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ للإنسان.
وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ائتمن الله خلقه على أربع: على الصلاة والزكاة والصيام والغسل من الجنابة، وهي السرائر التي يختبرها الله يوم القيامة ".
قال عطاء في قوله: ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ قال: ذلك الصوم والصلاة وغسل الجنابة.
يقول في الدنيا إذا شاء: قد صمت، ولم يصم، وقد صليت، ولم يصل، وقد اغتسلت ولم يغتسل.
وقال قتادة: " إن هذه السرائر مختبرة، فأسروا خيراً وأعلنوه [إن استطعتم]، ولا قولاة إلا بالله ".
وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾.
أي: فما للإنسان الكافر بيوم تبلى السرائر من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره (فيستنقذه من العذاب، وقد كان في الدنيا يرجع إلى قوة من عشيرة يمتنع بها ممن أراده بسوء، وناصر ينصره) مما ظلمه، هذا معنى قول قتادة ومعمر.
ثم قال تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾.
أي: ورب السماء ذات المطر، أي: ترجع بالغيوث وأرزاق العباد كل عام،
ورب الأرض ذات الصدع، أي: ذات الصدع بالنبات.
قال ابن عباس: ﴿ذَاتِ الرجع﴾: " السحاب في المطر ".
وقال الحسن: " ترجع بأرزاق الناس كل عام ". وقاله قتادة.
وقال مجاهد: ﴿ذَاتِ الرجع﴾: " السحاب يمطر ثم يرجع بالمطر ".
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ الرجع﴾: شمسها وقمرها ونجومها، يأتين من هاهنا.
والرجع: تجمع على " رجعان " سماعاً على غير قياس، وقياسه [أرجع] (ورجوع).
قال ابن عباس: ﴿ذَاتِ الصدع﴾ أي: " ذات النبات ".
وقال قتادة: تنصدع عن النبات.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ الصدع﴾ أي: ذات الانشقاق للنبات.
ثم قرأ: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ [عبس: 26] الآية.
وقال أيضاً: صدعها: الحرق.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾.
هذا جواب القسم، أي: إن هذا القول أو الخبر الذي تقدم ذكره لقول ذو فصل، أي: يفصل بين الحق والباطل ببيانه.
وقيل: الجواب: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ﴾، لأن " إن " بمعنى " ماء "، وهو حسن، وهو أقرب من غيره إلى القسم، فهو أليق به.
وقيل: الجواب: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ﴾.
وقال ابن عباس: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أي: " لقول حق ".
وقال قتادة: ﴿فَصْلٌ﴾: حكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هوَ بالهزل﴾.
أي: وما هو بالعبث ولا الباطل ولا اللعب.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾.
أي: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله ووعده ووعيده يمكرون مكراً، وأمكر مكراً، أي: أجازيهم على مكرهم.
فسمى الجزاء مكرا لأنه جزاء المكر، فسمي باسم ما هو مجازاة عنه وإن لم يكن مثله، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، فسمي جاء السيئة سيئة إذ هي جزاء لها وإن لم يكن الجزاء سيئة، ومكره - تعالى ذكره - بهم: إملاؤه لهم واستدراجه إياهم.
والمعنى: أنهم يكيدون النبي وأصحابه كيدا، وأجازيهم على كيدهم جزاء.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾.
أي: فلا تعجل يا محمد على الكافرين بالعقاب، أمهلهم قليلا حتى يأتي وقت حلول النقمة بهم.
قال ابن عباس: الرويد: القريب.
وقال قتادة: " الرويد: القليل ".
قال ابن زيد: معناه: أمهلهم ولا تعجل عليهم، تركهم حتى إذا أراد الانتصار منهم أمره بحربهم وقتالهم والغلظة عليهم فأهلكهم ببدر بالسيف.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ إلى آخرها.
أي: عظيم يا محمد اسم ربك.
وقيل: معناه عظم ربك الأعلى.
وكان بعضهم إذا قرأ ذلك قال: سبحان ربي الأعلى.
وقد رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك روى السدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ.
وقيل معناه: نزه يا محمد اسم ربك أن تسمي به شيئا سواه كما فعل المشركون من تسميتهم آلهتهم باللات والعزى، جعلوا العزى مشتقة من العزيز واللات من الله.
وقيل: معناه: نزهه عما يقول فيه المشركون كما قال: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
وقيل: معناه: نزه - يا محمد - تسميتك ربك الأعلى، وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاضع متذلل.
قالوا: فالاسم هنا موضوع في موضع التسمية، فوضع الاسم مكان المصدر.
وقيل: معناه: [صل] بذكر الأعلى، أي: صل [وأنت له ذاكر].
وقيل: معناه صل يا محمد لربك.
وقيل: معناه: عظم اسم ربك ونزّهه على أن تنسبه إلى ما نسبه إليه المشركون.
وهذا مما يدل على أن الاسم هو المسمى، لأن معناه: سبح الله.
وليس يجوز " سبحان " اسم الله، ولا سبحان اسم الرب، فدل على أن معنى ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ سبح ربك.
وقوله: ﴿الأعلى﴾.
أي: القاهر لك شيء، العالي عليهز
قال عقبة بن عامر: " لما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في سجودكم ". ولما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ [الحاقة: 52] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إجعلوها في ركوعكم ".
قال الفراء: " سبح اسم ربك " وسبح باسم ربك "، كل صواب.
كأنه جعله مما يتعدى بحرف وبغير حرف، ككتلك وكلت لك.
ولا يحسن أن تقدره مما يتعدى بحرف ثم حذفه، إذ لا يجوز: مررت زيداً (على مررت بزيد) إلا في شعر شاذ.
وهذا مما يتسدل به على أن الاسم هو المسمى، لأنه تعالى لم يأمر نبيه أن يعبد (ويسبح) ويصلي لغيره.
فمعنى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾: [سبح ربك]، فالاسم هو المسمى، ولو كان غيره لكانت العبادة لغير الرب [سبحانه]، والتسبيح لغيره
وليس يريد بالاسم هاهنا التسمية، لأنه لا اختلاف [في] أن التسمية غير/ المسمى، وهذا باب يحتاج إلى بيان وشرح.
ثم قال تعالى: ﴿الذي خَلَقَ فسوى﴾.
أي: خلق الأشياء كلها، فسوّى خلقها وعدلها.
والتسوية التعديل.
ثم قال: ﴿والذي قَدَّرَ فهدى﴾.
أي: قدر خلقه فهدى الإنسان لسبيل الخير والشر، وهدى البهائم للمراعي.
قال مجاهد: " هدى الإنسان للشقوة والسعادة، وهدى الأنعام [لمراتعها].
وقيل: معناه: هدى الذكر لإتيان الأنثى.
وقيل: معناه: فهدى وأضل، ثم حذف لدلالة الكلام عليه، ومن شدد ﴿قَدَّرَ﴾، جعله من التقدير، فمعناه: قدر خلقه كل مخلوق، [وهداه] إلى مصلحته.
ودليله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: 2].
فأما من خففه، فإنه جعله من القدرة والملك، (فمعناه): الذي أحاطت قدرته [بكل] شيء فهدى وأضل.
ويجوز أن يكون من التقدير مثل الأول، كما قال: ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: 26].
ثم قال: ﴿والذي أَخْرَجَ المرعى﴾.
أي: الذبات.
﴿فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى﴾.
أي: فجعله يبساً أسود بعد أن كان ناعماً أخضر.
" فأحوى " بمعنى: (أسود)، وهو نعت للغثاء.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير.
" وأحوى " بمعنى: أخضر.
والتقدير: أخرج
المرعى أحوى، أي: أخضر، فجعله غثاء، أي: يبساً.
فيكون " أحوى " [بمعنى: أخضر، (وهو [حال] من المرعى.
وفي هذا تكلف لغير ضرورة تدعو إليه).
قال ابن عباس: ﴿غُثَآءً أحوى﴾، أي: " هشيماً متغيراً ".
وقيل: معناه: غثاءً، أي: يبساً تنسفه الرياح فيجري به السيل [فصار] غثاء للسيول بعد حضرته وغضارته، هذا معنى قول مجاهد وابن زيد.
وقال (أبو) عبيدة: ﴿غُثَآءً أحوى﴾، أي: [هيجه] حتى يبس فجعله
أسود من احتراقه ﴿غُثَآءً﴾ أي: هشيماً.
ثم قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾.
أي: سنقرئك - يا محمد - القرآن [فلست] تنساه إلا ما شاء الله أن تنساه.
قال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى فأعلمه الله أنه ليس ينسى.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ هو ما أراد الله نسخه فينسيه نبيه فيرفع حكمه وتلاوته، وذلك ما أنزله تعالى على نبيه للصلاح في وقت، وتقدم في علمه [أنه] سينسيه إياه في وقت [آخر].
وقيل: معنى الآية: سنقرئك - يا محمد - فلا تترك العمل بشيء منه إلا ما شاء الله أن تترك العمل به (مما) ننسخه [فنأمرك] بتركه فتتركه.
" ولا " في
القولين جميعاً [نفي] وليست للنهي.
وقال الفراء: فلست تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه، ولا يشاء أن ينسى منه شيئاً.
ومثله عنده: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 107]، وليس يشاء غير الخلود لهم.
وقيل: معنى الآية: إلا ما شاء الله مما يلحق الآدميين.
وقيل: إلا ما شاء الله أن يرفع حكمه ولا يرفع تلاوته.
وقيل: المعنى: فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله أن يناله بنو آدم والبهائم، وينتفعوا فإنه لا يصير غثاء أحوى.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى﴾.
أي: إنه يعلم ما أظهرته من عملك وما أخفيته، أي: يعلم السر والعلانية.
وهذا خطاب للنبي، وأمته داخلة في ما خوطب به.
ثم قال تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لليسرى﴾.
أي: وسنسهلك (يا محمد) لعمل الخير، وهو اليسرى، والمعنى للحال اليسرى، وهو فعلى، من [اليسر].
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى﴾.
أي: ذكر إن نفعت ذكراك وإن لم تنفع، حذف لدلالة الكلام عليه، مثل: ﴿قَدَّرَ فهدى﴾ ومثله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم﴾ [النحل: 81].
وقيل: المعنى أن الذكرى تنفع بكل حال.
والتقدير: فذكر إن كنت تفعل ما أمرت به.
وقال الطبري: معناه: فذكر عباد الله - يا محمد - عظمته وعظهم، وحذرهم عقوبته، إن الذكرى لا تنفع الذين [آيستك] من إيمانهم.
ثم قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى﴾.
أي: سيذكر يا محمد من يخشى الله ويخاف عقابه.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى﴾؟
أي: ويتجنب الذكرى (الأشقى) يعني أشقى الفريقين من المؤمين والمشركين ثم نعته، فقال:
﴿الذى يَصْلَى النار الكبرى﴾.
وهم الذين لم تنفعهم الذكرى وتجنبوها.
قال قتادة: قوله ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى﴾: إنه والله ما خشي عبد قط الله إلا ذكره.
ولا والله لا يسكت عبد عند الذكرى زهداً فيها وبغضاً لأهلها إلا شقيّ بين الشقاء.
والنار الكبرى: نار جهنم، هي كبرى عند نار الدنيا من شدة حرها وألمها.
وقال الفراء: النار الكبرى: " السفلى من أطباق النار ".
وقوله: ﴿ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا﴾.
روي أن نفس أحدهم تصير في حلقه فلا تخرج فتفارقه [فيموت] ولا/ ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا.