الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6426-6465
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6426-6465
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

أي: وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون وكتم إيمانه: يا قوم إني أخاف عليكم إن قتلتم موسى ولم تؤمنوا بما جاءكم به.
﴿مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾، يعني: الذين تحزبوا على رسلهم.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾، أي: مثل عادة الله فيهم وانتقامه منهم حين كفروا برسلهم.
قال ابن عباس: مثل دأب قوم نوح: مثل حالهم، وقال ابن زيد: معناه، مثل ما أصابهم.
وقوله: ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني به: قوم إبراهيم وقوم لوط، وهم أيضاً من الأحزاب.
وقوله: ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾، أي: ليس الله جل ذكره بمعذب قوماً بغير جرم.
ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المؤمن لقومه: ﴿وياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾، أي: إني أخاف عليكم إن قتلتم موسى ولم تؤمنوا بما جاءكم به عقاب الله يوم التنادي، أي: يوم القيامة، أي: يوم

يتنادى أصحاب الجنة والنار كما ذكر في سورة الأعراف وغيرها فقال: ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44]، ﴿ونادى أَصْحَابُ الأعراف﴾ [الأعراف: 48]، ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] قاله قتادة وابن زيد.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يأمُر الله عز وجل إسرافيل عليه السلام بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيديمها ويطولها فلا تفتر - وهي التي يقول الله عز وجل: " ﴿ وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ - فيسيِّر الله عز وجل الجبال فتكون سراباً، وترتج الأرض بأهلها رجاً - وهي التي يقول الله عز وجل ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ - فتكون (الأرض كالسفينة) المزنقة في البحر تمر بها الأمواج تكفأُ بأهلها، وكالقنديل (المعلق

بالعرش) ترجحه (الأرواح فيميل الناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل (وتشيب الولدان) وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهو اليوم الذي يقول الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ". فعلى هذا الحديث يكون التنادي في النفخة الأولى في الدنيا.
وقرأ الضحاك: يوم التنادي بتشديد الدال، جعله من نَدّ البعير إذا مر على وجهه هارباً.
فهذا يراد به ما يكون يوم القيامة من حال الناس.
ويسعد هذه القراءة ويقويها ما روى عبد الله بن خالد قال:

يظهر للناس يوم القيامة عنق (من النار فيتولون) هاربين منها حتى تحيط بهم، فإذا أحاطت بهم قالوا: أين المفر؟ ثم أخذوا في البكاء حت تنفد الدموع فيكون دماً، ثم يشخص الكفار فذلك قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: 43] ". ويقويها أيضاً / ما وراء الضحاك، قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله عز وجل السماء الدنيا فتشققت بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفاً دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فاذا رآها أهل الأرض نجوا، (فلا يوافقون) قطراً من أقطار الأرض إذا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه - فذلك قوله: " ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾.
وذلك قوله ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى﴾ [الفجر: 22 - 23]

وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33] وذلك قوله: ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: 16 - 17]. وقال قتادة: يوم تولون مدبرين، أي: منطلقاً بكم إلى النار.
وقال مجاهد: يوم تولون " فارين غير معجزين ". ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾، أي: ما لكم من عذاب الله سبحانه من مانع يمنعكم منه وينصركم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، أي: من يخذله الله فلا يوفقه للرشاد، فما له من موفق يوفقه له.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾، أي: ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالآيات الواضحات من حجج الله عز وجل.
قال وهب بن منبه: فرعون موسى هو فرعون يوسف.

(قال مالك): عمَّر (أربعمائة سنة).
وقال غيره: هو غيره.
قيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب.
والله أعلم بذلك.
روي أنه أقام فيهم عشرين سنة يدعوهم إلى الإيمان ثم مات.
وقيل: إن هذا من قول موسى، وقيل: هو من قول (مؤمن آل) فرعون.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾، أي: فلم تزالوا مُرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم ﴿حتى إِذَا هَلَكَ﴾، (أي: مات يوسف).
﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾، أي: قلتم لن يأتينا من بعد يوسف

رسول يدعونا إلى الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾، أي: هكذا يصد الله عز وجل عن إصابة الحق من هو كافر شاك في الحق.
ثم قال تعالى: ﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ (أي: كذلك يضل الله الذين يجادلون في حجج الله وآياته بغير حجة أتتهم) من عند الله عز وجل.
ثم قال: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: كبر جدالهم مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ أي: كما طبع الله على قلوب المسرفين المجادلين في آيات الله بالباطل، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله سبحانه أن يوحده.
﴿جَبَّارٍ﴾، أي: متعظم عن اتباع الحق.
﴿آتِيهِمْ﴾ [هود: 76]: وقف عند الجماعة.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب﴾، (أي: وقال فرعون - لما وعظه المؤمن وزجره عن قتل موسى - لزيره هامان: ابن لي بناء لعلي أطلع عليه فأبلغ (أبواب السماء) وطرقها، وكان أول من بنى بهذا الأَجُرّ.

قال ابن عباس: أسباب السماوات منازل السماوات.
والأسباب في اللغة: كلما تسبب به إلى الوصول إلى المطلوب.
وقيل: لعلي أبلغ من أسباب السماوات أسباباً أتسبب بها إلى (رؤية إله) موسى.
﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾، أي: أظن موسى فيما يدعى كاذباً.
أشهب عن مالك قال: سمعت أن فرعون عاش (أربعمائة سنة) وأنه أقام (بعدما) أتاه موسى بالآيات وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: 38] أربعين سنة.
قال مالك قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178]. وقال: لم يكن فرعون من بني إسرائيل.
ويروى أن فرعون مكث أربع مائة سنة لم يصدع له رأس، يغدو عليه الشباب ويروح.

قال ابن لهيعة: كان فرعون من أبناء مصر واسمه، الوليد بن مصعب بن معان.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سواء عَمَلِهِ﴾، أي: هكذا زين الله عز وجل لفرعون قبيح عمله لما كفر حتى سولت له نفسه بلوغ أسباب السماوات والتطلع إلى (رب العزة).
ثم قال: ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾، أي: مُنع من الاهتداء إلى الحق، أي: منعه الله عز وجل من ذلك لكفره وعتوه.
ثم قال: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾، أي: وما احتيال فرعون ومكرره إلا في خسارة وذهاب وضلال وباطل لا ينتفع بحيلته ومكره.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون﴾ - إلى قوله - ﴿نَصِيباً مِّنَ النار﴾.
أي: وقال لفرعون / المؤمن من قومهم: اتبعون فقولوا مثل قولي تهتدوا إلى

الحق والرشاد والصواب.
وقال لهم: ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ تستمتعون به إلى أجل ثم تفارقونه بالموت.
﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾، أي: هي الدار التي تستقرون فيها وتخلدون ولا تموتون فيها، فاعملوا لها.
ثم قال تعالى حكاية عن قول المؤمن: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: من عمل بمعصية الله سبحانه في هذه الدنيا، جوزي بذلك في الآخرة، ومن عمل بطاعة الله عز وجل وهو مؤمن بالله سبحانه فأولئك يدخلون الجنة في الآخرة يرزقهم الله عز وجل فيها بغير حساب.
قال قتادة: لا، والله ما هنالك مكيال ولا ميزان.
قال قتادة: من عمل سيئة شركاً بالله عز وجل، ومن عمل صالحاً: خيراً.
وقال بعض أهل التأويل: إن المؤمن في هذه الآية هو موسى، قال لهم:

﴿ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾، إلى أخر الآيات.
وأكثر المفسرين على أنه مؤمن آل فرعون.
والله أعلم.
ثم قال تعالى حكاية عن المؤمن أنه قال لهم: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾، أي: إذا آمنتم به وصدقتم رسوله، وأنتم تدعونني إلى عمل أهل النار وهو الكفر بالله عز وجل وبرسوله.
قال مجاهد: إلى النجاة إلى " الإيمان بالله ". ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: تدعونني للكفر والشرك في عبادة الله سبحانه فأعبد أوثاناً لم يأمرني بعبادتها من له الملك والقدرة.
﴿وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار﴾، أي: أدعوكم إلى عبادة العزيز، أي: العزيز في انتقامه ممن كفر به، الغفار لمن تاب إليه من الشرك وعمل بطاعته.
ثم قال: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الآخرة﴾، أي: لا محالة أن الذي تدعونني إلى عبادته - وهم الأصنام والأوثان والشياطين - ليس له دعوة (في الدنيا) ولا في الآخرة، أي: لا ينفذ له أمر ولا نهي ولا شفاعة

في الدارين.
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى الله﴾ أي: في الآخرة، منقلباً ومرجعنا إليه.
﴿وَأَنَّ المسرفين﴾ يعني: من أسرف فكفر بخالقه سبحانه وعبد معه غيره هو من أصحاب النار.
" وأن " في الثلاثة المواضع في موضع نصب بإسقاط الباء.
وذكر سيبويه أنه سأل الخليل عن لا جرم فقال: لا رد لكلام.
والمعنى: وجب أن لهم النار وحق أن لهم النار.
فالمعنى على هذا: وجب بطلان دعوة ما تدعونني إلى عبادته.
قال مجاهد (وابن جبير والشعبي وغيرهم): المسرفون هم السافكون الدماء بغير حق.

وقال قتادة (وابن سيرين) وغيرهما: " المسرفون: المشركون ". ثم قال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾، هذه حكاية من الله ( عز وجل) عن مؤمن آل فرعون أنه قال ذلك لفرعون وقومه.
والمعنى: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله عز وجل وحل بكم، صدق ما أقول لكم من أن المسرفين هم أصحاب النار.
ثم قال ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾.
قيل: إنهم تواعدوه بالقتل فقال: أفوض أمري إلى الله، أي: أسلمه إليه وأتوكل عليه.
﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾، أي: عالم بأمور عباده، بالمطيع منهم والعاصي فيجازي كلا على ما يجب له.
ثم قال تعالى: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾، أي: فوقى الله المؤمن عقاب

سيئات، كفرهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾، أي: حل بهم ذلك ونزل بهم.
وقيل: الهاء في " فوقاه الله " تعود على موسى.
ورجوعهما على مؤمن آل فرعون عليه أكثر المفسرين واسم المؤمن حزقيل بن جبال.
رُوي أنه لما خاطبهم بذلك خاف منهم فهرب إلى الجبل فقصده رجلان ليوقعا به المكروه فلم يقدرا عليه.
ثم بيّن تعالى سوء العذاب ما هو فقال: النار ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾، أي: في قبورهم.
قال قتادة: كان قبطياً من قوم فرعون فآمن.
قال: وذكر لنا أنه كان بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول أين أمرت يا نبي الله؟

(فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟! فيقول له موسى): أما والله ما كذبت ولا كذبت، ثم يسير ساعة (ثم يقول) مثل ذلك ويجاوبه موسى بمثل جوابه الأول حتى انتهى إلى البحر فضربه موسى فانفلق اثنى عشر طريقاً، لكل سبط طريق.
وقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ يدل على أن فرعون في أشد ما في العذاب لأن من كان على دينه إذا حل به أشد العذاب فهو أحرى أن يحل عليه أشد من ذلك.
قال السدي: بلغني أن أراوح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدواً وعشيا حتى تقوم الساعة.
﴿غُدُوّاً﴾ مصدر جعل ظرفاً.

وقال حماد بن محمد الفزاري وسأله رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب - بيضاً - فوجاً فوجاً لا يعلم عددها إلا الله، / فإذا كان العشي رجع مثلها سوداً؟! قال: وفطنتم إلى ذلك! قال: نعم.
قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداً، فتنبت عليها من الليل رياشٌ بيضاء، وتتناثر السود، ثم تغدو " يعرضون على النار غدواً وعشياً " ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبها في الدنيا.
فإن كان يوم القيامة قال الله: " ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ". وكانوا يقولون: كانوا ست مائة ألف مقاتل.
قال قتادة: يعرضون على النار صباحاً ومساءً.
يقال: هذه منازلكم، توبيخاً ونقمةً وصغاراً لهم، قال مجاهد: غُدوا وعشياً ما كانت الدنيا.

ويدل على أن هذا العرض يكون في الدنيا قوله بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾.
فمن وصل الألف نصب " آل فرعون " على النداء المضاف.
ومن قطعها نصبهم " بأدخلوا ". وقوله: ﴿سواء العذاب﴾ وقف حسن إن رفعت " النار " على إضمار مبتدأ أو على الابتداء.
وأجاز أبو حاتم الوقف على " وعشياً "، وهو بعيد، لأن " ويوم تقوم الساعة " منصوب بيعرضون، أي: يعرضون على النار في الدنيا، يوم تقوم الساعة.
ومن نصبه " بأدخلوا " حسن أن يقف على " وعشياً "

وهو حسن.
" والعذاب " وقف إن نصبت " وإذ يتحاجون " على معنى: واذكر إذ يتحاجون.
وعليه التفسير وهو حسن جيد.
وإن نصبته على العطف على ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة﴾ [غافر: 18] لم تقف دونه، وهو بعيد لبعد ما بينهما.
وقد قال به قوم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي النار فَيَقُولُ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النار﴾، أي: واذكر يا محمد إذ يتخاصم في النار الضعفاء من الكفار - وهم التابعون - مع المستكبرينَ هم المتَّبَعُون على الشرك فيقول التابعون للمتبوعين: إنا كنا لكم في الدنيا تبعاً على الضلالة والكفر بالله سبحانه، فهل أنتم دافعون عنا حظاً من النار، فقد كنا نسارع في محبتكم وطاعتكم في الدنيا، ولولا أنتم لكنا مؤمنين فنسلم من هذا العذاب.
فأجابهم المتبعون: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾، أي: في النار، فلا نقدر أن ندفع عن أنفسنا شيئاً منها ولا عنكم.
﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾، أي: أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
فلا

نحن - مما نحن فيه من البلاء - خارجون ولا هم مما هم فيه من النعيم - منتقلون.
قوله: ﴿وَقَالَ الذين فِي النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادعوا رَبَّكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ السميع البصير﴾، أي: وقال أهل جهنم لخزنتها: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب)، أي: قدر يوم من أيام الدنيا.
فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾، أي: بالحجج الظاهرات الدالات على توحيد الله عز وجل.
﴿ قَالُواْ بلى﴾ قد أتتنا بذلك.
قالت لهم الخزنة: ﴿فادعوا﴾، أي: فادعوا ربكم الذي أتتكم الرسل (من عنده) بالدعاء إلى الإيمان به.
﴿وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: في خسران، لأنهم لا ينتفعون به ولا يُجابون، بل يقال لهم: ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108].

وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، ويستغيثون فيغاثون بالضريع ﴿لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فيأكلونه فلا يغني عنهم شيئاً، ويستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيغصون به فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم الحميم بالكلاليب فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم وما في بطونهم.
ويستغيثون بالملائكة فيقولون: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ فيجيبونهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾.
إلى آخر الآية ". ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾، أي: إنا لنعلي كلمة الرسل والمؤمنين وحجتهم على من خالفهم من دينهم بإهلاك من

خالفهم والانتقام منهم في الدنيا.
قال السدي: كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا فلا تذهب تلك الأمة الظالمة حتى يبعث الله عز وجل قوماً فينتصر بهم لأولئك المقتولين.
وقيل: معنى الآية الخصوص ولفظها عام.
والمعنى: إنه تعالى ينصر من أراد من الأنبياء والمؤمنين ويعطيهم الظفر في الدنيا على من خالفهم.
وامتنعت الآية من العموم لوجودنا أمماً قد قتلت المؤمنين والأنبياء.
قال أبو العالية: " ينصرهم بالحجة ". (وعن أبي الدرداء) يرفعه: " من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم، ثم تلا هذه الآية.
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حمى مؤمناً من منافق

يغتابه بعث الله تعالى ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من النار.
ومن ذكر مسلماً بشيء يشينُه به وقفه الله جل وعز على جسر جهنم حتى يخرج مما قال ". ومعنى /: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾.
أي: وينصرهم يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين (على الأمم) المكذبة بأن الرسل قد بلغتهم وأن الأمم كذبتهم، هذا قول قتادة، وقال مجاهد: الأشهاد الملائكة.
ثم قال تعالى: مفسراً يوم " يقوم الأشهاد " ما هو فقال: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ﴾، أي: لا ينفع الكفار اعتذارهم إذ لا يعتذرون إلا بباطل لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا بالرسل والكتب والحجج.
فلا حجة لهم إلا الكذب وقولهم والله ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] ". ثم قال: ﴿وَلَهُمُ اللعنة﴾، أي: وللكافرين اللعنة من الله عز وجل وهي البُعد من رحمته سبحانه.
ولهم مع اللعنة ﴿سواء الدار﴾، أي: عذاب الآخرة.
وأجاز أبو حاتم الوقف على: " في الحياة الدنيا " على أن تنصب " ويوم يقوم الأشهاد " بإضمار فعل.
فإن جعلته بدلاً أو عطفاً لم تقف دونه.

وقال غيره الوقف: " الأشهاد ". ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى﴾، أي: البيان للحق الذي بعثناه به.
﴿وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾، أي: التوراة، أي: علمناهم إياها وأنزلناها عليهم.
﴿هُدًى وذكرى﴾، أي: بياناً وتذكيراً، ﴿لأُوْلِي الألباب﴾ أي: لأصحاب العقول.
ثم قال تعالى ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾، أي فاصبر يا محمد لأمر ربك وأنفذ ما أرسلت به.
﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾، أي: إن الذي وعدك الله من النصر والتأييد لدينك حق لا بد منه، فربك منجز لك ما وعدك.
وقد فعل به ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾، أي: واسأل ربك أن يستر عليك ذنبك بعفوه ورحمته.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشي والإبكار﴾، أي: وصل بالشكر منك لربك بالعشي وذلك من زوال من زوال الشمس إلى الليل.
والإبكار من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
وقيل: الإبكار هنا: من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى.
والأول

أعرف عند العرب.
والعشي والإبكار مصدران جعلا ظرفين على السعة، وواحد الإبكار: بكر.
والتقدير: في العشي وفي الإبكار.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾، أي: يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات بغير حجة أتتهم في مخاصمتك.
﴿مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾، أي: ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك وقبول ما جئتهم به حسداً وتكبراً.
﴿فاستعذ بالله﴾، أي: ليس ببالغين الفضل الذي أتاك الله عز وجل فحدسوك عليه.
وقيل: المعنى: ما في صدورهم إلا عظمة، ما هم ببالغين تلك العظمة، لأن الله عز وجل مذلهم ومخزيهم، قاله مجاهد.
وقال الزجاج: معناه: ما هم ببالغين إرادتهم في محمد صلى الله عليه وسلم.
مثل رسل

القرية.
وقيل: المعنى: ما هم ببالغين الكبر.
فالمعنى: إنهم قوم رأوا أن اتباعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم نقص لجاههم ومختلفته رفعة لهم، فأعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم لا يبلغون الإرتفاع الذي قصدوه بالتكذيب.
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاستعذ بالله﴾، أي: تعوذ يا محمد بالله من شرهم وبغيهم وحسدهم، وذلك أنها نزلت في اليهود.
قال قتادة: معناه: فاستجر بالله يا محمد من شر هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، ومن كبرهم.
﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾، أي: السميع لما يقولون، البصير بأعمالهم.
قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ - إلى قوله - ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: لا بتداعُ خلق السماوات والأرض أعظم

عندكم من خلق الناس (إن كنتم تستعظمون خلق الناس).
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله عز وجل، وفي هذا تنبيه من الله عز وجل لمن كذب بالبعث فنبههم أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس بعد موتهم وإعادتههم.
فمن قدر على إحداث السماوات والأرض، ورفع السماوات بغير عمد، وتسخير شمسها وقمرها ونجومها واختلاف ليلها ونهارها وتسخير سحابها وإنزال غيثها وتصريف رياحها، فكيف لا يقدر على خلق الناس وبعثهم بعد موتهم، فذلك أهون على الله وأصغر!.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسياء﴾، أي وما يستوى الكافر الذي لا يؤمن، والمؤمن في التدبر في آيات الله عز وجل، والإعتبار في وحدانتيه وقدرته، ولا يستوي المؤمن الذي يعمل الصالحات والمسيء، وهو الكافر الذي يعمل بما لا يرضى الله عز وجل به.
﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾، أي: قليلاً تذكرهم حجج الله سبحانه وآياته وقيل: المعنى: لا يستوي العالم المستدل بآيات الله سبحانه وقدرته على بعث الأموات، والجاهل الذي قد عمي عن الاستدال بذلك / وجهل معرفة الاستدلال والبرهان على قدرة الله سبحانه، كما لا يستوي الأعمى والبصير.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾، أي: لا شك فيها، ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: لا يصدقون بقيام الساعة.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، أي: اعبدوني وأخلصوا العبادة لي أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.

قال ابن عباس: ادعوني استجب لكم ووحدوني أغفر لكم.
وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الدعاء هو العبادة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿" وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني﴾ " الآية.
ويدل على أن الدعاء العبادة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، ومعناه: إن الذين يتعظون عن إفرادي بالعبادة والإخلاص لي.
﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أي صاغرين، قاله السدي وأبو عبدة.
وقال السدي: يستكبرون على عبادتي، أي: عن دعائي.
ثم قال تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾.
هذا تذكير

من الله عز وجل لخلقه على نعمه أنه جعل لهم الليل لتسكن فيه جوارحهم وتهدأ حركاتهم، وجعل النهار مبصراً ليتصرفوا في معايشهم ومنافعهم.
ولم يجعل الليل دائماً فيمتنعوا من التصرف (في منافعهم) فيضيعوا، ولا جعل النهار دائماً فيمتنعوا من السكون والراحة، بل دبر أحسن تدبير وأتقن أحسن غتقان.
فلا تصلح الألوهية والعبادة (إلا له) لا إله إلا هو.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾، أي: لذو تفضل عليهم وإحسان بما أمتعهم به من المنافع وحسن التدبير.
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾، أي لا يشكرونه بالطاعة وإخلاص العبادة والشكر على نعمه.
ثم قال تعالى: ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ خالق كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾، (أي: الذي) فعل هذه النصالح لكم وأحسن إليكم هو الله ربكم خالقكم وخالق كل شيء.
﴿لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي: لا معبود غيره تصلح له العبادة.

﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه تقلبون عن الحق، وإلى أي وجه تذهبون عنه فتعبدون سواه.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾، أي كذهابكم عن محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وانصرافكم عنه إلى الباطل، ذهاب الذين كانوا من قبلكم يكذبون بحجج الله فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم في الضلال.
﴿يُؤْفَكُ﴾، بمعنى: أفك، لأنه أمر قد مضى، ودل على ذلك قوله: ﴿كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾.
ومعنى " يوفك ": يُغلب ويصرف عن الحق.
ثم قال: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسمآء بِنَآءً﴾، أي جعل لكم الأرض قراراً تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، وجعل لكم السماء بناءً فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، أي: وخلقكم فأحسن خلقكم.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾، أي: من حلال الرزق وطيبه ولذيذه، هو الله

ربكم الذي لا تصلح (الألوهية إلا له ولا تحسن) العبادة لغيره.
ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ﴾، أي الذي خلق هذه الأشياء لكم وأحسن إليكم، هو الله ربكم لا تصلح الربوبية (إلا له).
﴿فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾، أي: مالك جميع الخلق.
ثم قال تعالى ﴿هُوَ الحي لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي: لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾، أي: مفردين له (العبادة والألوهية).
﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾، أي: الشكر العام لله مالك جميع الخلق.
وكان جماعة من المفسرين يأمرون من قال لا إله إلا الله أن يتبع ذلك الحمد (لله رب العالمين)، امتثالاً بهذه الآية لأنها أمر من الله جل ذكره أن يقال ذلك.
قال ابن عباس: " من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها الحمد لله رب

العالمين " وكذلك قال ابن جبير.
﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾: قولوا الحمد لله رب العالمين.
وقرأ أبو رزين: " صوركم " بكسر الصاد، وأصلها الضم.
وعلة ذلك عند سيبويه أن جميع فُعْلة وفِعْلة قد اشتركا في الإسكان للعين.
في الجمع المسلم.
قالوا: ركبة وركبات، فاسكنوا، وأصل الكاف الضم، وقالو: هند وهندات، فأسكنوا، وأصل النون الكسر.
فلما اشتركا في ذلك اشتركا في التكسير في الضم والكسر فقالوا: صُورة وصوَرٌ وصِور ورشوة ورشا فأدخلوا فعلة في الضم وهو

(الفعلة وكذلك) (أدخلوا فعلة) في الكسر وهو الفعلة.
ثم قال تعالى ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾، أي: قل يا محمد إني نهيت أن أعبد الأوثان والأصنام التي تعبدونها أنتم من دون الله سبحانه.
﴿لَمَّا جَآءَنِيَ البينات مِن رَّبِّي﴾، إني نهيت عن ذلك لما آتتني آيات الكتاب الذي نزل علي من عند ربي.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ أي: أمرت في الكتاب (الذي أنزل) أن أخلص العبادة والخضوع بالطاعة لرب الخلق ومالكهم وخالقهم ورازقهم.
ثم قال تعالى ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾، يعني آدم.
﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ - إلى آخر الآية، يعني به ذرية آدم وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً﴾ هذا جمع للعدد الكثير وحكم القليل فيه " أشيخ " كفلس وأفلس.
إلا أنهم استثقلوا الضمة على الياء.
فشبهوا باب فعل بفعل.
وحق فعل في

القليل أن يجمع على أفعال كجمل وأجمال فجمعوا فعلاً عند الاستثقال بضمة الياء على " أفعال " فقالوا: أشياخ ". والأصل (أشيخ، ومثله زيد) وأزياد، والأصل أزيد.
فإن اضطر شاعر جاز أن يأتي به على أفعال فيقول أزيد وأشيخ كما قالوا: عين وأعين وإنما حسن في أعين في غير الشعر لأنها مؤنثة.
والشيخ ما جاوز الأربعين.
وهذه الآية حجة على المشركين وتنبيه لهم على قدرة الله عز وجل.
وأن من قدر على هذه الأشياء قادر على إحياء الموتى، فضرب ذلك لهم ونبههم عليه لعلهم يعقلون ما دعوا إليه فيتوبون من الكفر.
وقوله: ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ﴾ متعلق بمضمر إذ ليس بمتصل

بما قبله في اللفظ.
والتقدير: ثم من علقة، ثم يعمركم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً.
﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ﴾، أي قبل هذا كله، وهو السقط وشبهه، نحو الإزلاق وهو ما سقط نطفة، ومثل الإجهاض وهو ما سقط مضغه، والإسقاط ما سقط تام الخلق.
وقد قال الخليل: (الإجهاض: التام) الخلق.
وعلى الأول أكثر الناس.
وقوله: ﴿أَجَلاً مُّسَمًّى﴾، يعني به أجل الموت للكل، أي: يعمركم لتبلغوا أجل الموت.
وقوله: ﴿أَشُدَّكُمْ﴾، قيل: (ثمان عشرة) سنة.
وقال ربيعة (ومالك: الأشد الخلق).
وقيل: الأشد: ثلاثة وثلاثون سنة.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً﴾ - إلى قوله - ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
﴿فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾، أي: فإذا أراد تكوين شيء وحدوثه فإنما يقول له كن، فيكون ما أراد تكوينه موجوداً بغير معاناة ولا كلفة.
ولا مؤنة.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله أنى يُصْرَفُونَ﴾، (أي: ألم تر) يا محمد إلى هؤلاء المشركين الذين يخاصمونك في حجج الله عز وجل وأدلته من أي وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد.
قال ابن سيرين: (إن لم) تكن هذه الآية نزلت في القدرية فإني لا

أدري فيمن نزلت.
وروى هذا المعنى عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن زيد وغيره (من المفسرين): هم المشركون.
يدل على هذا قوله بعده: ﴿الذين كَذَّبُواْ بالكتاب وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فهذا من صفتهم وهو تهدد ووعيد للمكذبين بكتاب الله سبحانه وبما جاء به الرسل.
ثم قال تعالى: ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل يُسْحَبُونَ * فِي الحميم﴾، المعنى: فسوف يعلمون إذا ثبتت الأغلال في أعناقهم ماذا ينزل بهم بعد ذلك من العذاب.
وجاءت " إذ " وهي لما مضى مع " سيوف " وهي لما مضى مع " سوف " وهي لما يستقبل، لأن أفعال الله جل ذكره بعباده في معادهم كالكائنة الحالة بهم لصحة وقوع ذلك وكونه.
فأخبر عنها وهي لم تكن بلفظ ما قد كان، لصحة وقوعها وثبات كونها، فهي كالكائنة، فلذلك

اجتمعت " إذ " و " سوف ". ولا يجوز هذا المعنى إلا من الله جل ذكره لأنه يعلم ما يكون في غدٍ كعلمه بما كان في أمس.
قال الحسن: ما في جهنم وادٍ ولا صغارٌ ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا واسم صاحبه عليه مكتوب.
ومن رفع السلاسل عطفها على الأغلال.
ويتم الكلام على السلاسل.
ويكون يسحبون مستأنفاً.
فإن جعلته حالاً جاز، ولم تقف على السلاسل.
وقرأ ابن عباس: والسلاسل بالنصب.
" يسحبون " بفتح الياء والتقدير أنه نصب السلاسل يسحبون.

قال ابن عباس: وذلك أشد عليهم، يكلفون أن يسحبوها ولا يطيقون.
وأجاز بعضهم والسلاسل بالخفض، عطف على الأعناق "، يحمله على المعنى.
(لأن المعنى: أعناقهم في الأغلال والسلاسل، كما حمل على المعنى) قول الشاعر: قد سالَمَ الحيّاتُ منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما لأن ما سالمك فقد سالمته، فكذلك الأعناق في الأغلال والسلاسل هو مثل الأغلال والسلاسل في الأعناق.
وعلى هذا أجاز الكوفيون: قاتل زيد عمراً العاقلان والعاقلين، يرفع العاقلين على النعت لهما، وينصبهما لأنهما فعالان في المعنى مفعولان.
وأجازوا

أيضاً: قاتل زيد عمرو برفعهما.
وفي كتاب الزجاج أن التقدير في جواز خفض السلاسل وفي السلاسل يسحبون والحميم على تقدير: يسحبون في الحميم والسلاسل.
ثم يقدم المعطوف على المخفوض.
وهو غلط لأن المعطوف على ما فيه حرف الجر لا يقدم.
لم يجز أحدٌ مررت وزيدٍ بعمرو.
إنما أجازوا هذا / في المرفوع، نحو: قام وزيدٌ عمرو.
استقبحوه في المنصوب، نحو: رايت وزيداً عمراً، ولم يجيزوه في المخفوض البتة لأن الفعل غير دال عليه.
ثم قال تعالى ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾، قال السدي: يسجرون، يحرقون.
وقال ابن زيد: توقد عليهم.
وأصله من الملء، يقال: سجرت الشيء إذا ملأته ومنه ﴿والبحر المسجور﴾ [الطور: 6].

فيكون المعنى على هذا.
ثم تملأ بهم النار، ومعناه، ثم تملأ بهم النار كما يملأ التنور بالحطب.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ الله﴾، أي: يقال لهم أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياهم من دون الله ينقذونكم مما أنتم فيه من العذاب؟! يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً على ما سلف منهم في الدنيا من عبادة غير الله سبحانه.
فأجاب المشركون عند ذلك ﴿ضَلُّواْ عَنَّا﴾، أي: عدلوا عنه فأخذوا غير طريقنا وتركونا في العذاب.
ثم استدركوا فقالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾، أي: لم نكن نعبد في الدنيا شيئاً.
قال الله جل ذكره: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾، أي: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في الآخرة ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه وعن طاعته.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾، أي: ذلكم الذي حل بكم من العذاب بفرحكم في الدنيا بغير ما أمر الله عز وجل به من المعاصي وبرمحكم فيها، والمرح: الأشر والبطر.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل