النور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقال النحاس: " يجوز أن يكون الجميع هو المأمور بأخذ السلام لأن ذلك أهيب للعدو، ويجوز أن يكون المأمور بذلك هو الذي وجاه العدو، لأن الذي في الصلاة لا يقاتل ".
قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي: سجد الذين معك " ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ أي: فلينصرفوا بعد سجودهم خلفكم في موضع الذين لم يصلوا.
فمن قال إن صلاة الخوف ركعة قال: ينصرفون بسلام فيقفون بإزاء العدو ولا قضاء عليهم، وتأتي طائفة أخرى فيصلي بهم ركعة ويسلمون بسلام الإمام، ولا قضاء عليهم، وكذلك وصف حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة بكل طائفة، ولم يقضوا شيئاً.
وقد روى عن جابر بن عبد الله، وعمر وابن عمر أن الركعتين ليستا بقصر.
وروي عن جابر أنه قال: ليست الركعتان في السفر بقصر إنما القصر واحدة عن القتال وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وحماد في شدة الحرب قالوا: يؤمنون بها.
وقال الضحاك: فإن لم يقدروا يكبروا تكبيرتين حيث كان وجهه.
وروى الزهرى عن سالم عن ابن عمر أنهم يصلون ركعتين كيفما تيسر، وحيثما
توجهوا، وهو مذهب مالك، والشافعي والنخعي والثوري وأكثر الفقهاء.
وصفة ذلك أن يقوم الإمام بطائفة، والأخرى وجاء العدو، فيركع بالطائفة التي معه، ركعة بسجدتيها ثم يقوم ويثبت قائماً ويتمون لأنفسهم الركعة الثانية.
ثم يسلمون وينصرفون وجاه العدو والإمام قائم وتأتي الطائفة الأخرى فيكبرون مع الإمام ويركع بهم الركعة الأخرى بسجدتيها ثم يسلم، ويقومون فيأتون بركعتهم لأنفسهم بسجدتيها، ثم يسلمون وفيها أقوال غير ما ذكرنا.
ولا يصلي صلاة الخوف إلا من كان في سفر عند مالك.
فأما الخائفون في الحضر فإنهم يصلون أربعاً على سنة صلاة الخوف إذا خافوا العدو، ويصلى الإمام في الخوف لأهل الحضر والسفر المغرب بالطائفة الأولى ركعتين ثم يتشهد بهم، ويثبت قائماً.
ويتمون لأنفسهم ويسلمون، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويتشهد ويسلم، ويقومون هم لتمام ما بقي عليهم، ويقرأون فيما يقضون بأم القرآن وسوره.
وفي حديث يزيد بن رومان: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الأخرى لنفسها ما بقي عليها، ثم يسلم بهم.
وفي حديث ابن القاسم أنه يسلم ويقومون يتمون ما بقي عليهم، وإليه رجع مالك، وقد كان يقول بحديث يزيد بن رومان ثم رجع عنه لحديث القاسم.
فإن سها الإمام بنقص سجدت الطائفة الأولى قبل السلام بعد قضاء ما عليها، وإن زاد سجدت بع السلام، والإمام قائم لا يسجد، فإذا أتت الطائفة الأخرى صلى بهم الركعة الباقية.
فعلى حديث القاسم يسجد ويسلم إن كان نقصاً، ولا يسجدون حتى يتموا لأنفسهم.
وسجدوا بع السلام إن كان زيادة، ويسجدون هم أيضاً إذا أتموا، وعلى قول ابن رومان يثبت حتى يتموا لأنفسهم ثم يسجد بهم، ويسلم أو يسلم ويسجد.
قوله: ﴿وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ الآية.
معناها: تمنى الكافرون [لو] تشتغلون بصلاتكم عن سلاحكم وأمتعتكم
التي بها بلاغكم في أسفاركم، فيحملون عليكم حملة واحدة فيقتلونكم، فحذر الله المؤمنين وأعلم بما تمنى به المشركون وأمرهم أن يقترفوا عند الصلاة، فتقوم طائفة مع الإمام وطائفة تمنع العدو، على الترتيب الذي ذكرنا رفقاً منه تعالى بالمؤمنين وتيسيراً عليهم.
قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ الآية.
(أي: ليس عليكم إثم إن نالكم ضرر من مطر، وأنتم وجاه العدو، وإن كنتم مرضى أي: جرحى أو أعلاه، ﴿أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ أي: ضعفتم عن التمادي في حملها فأباح تعالى للمؤمنين أن يضعوا السلاح إذا وجدوا ضرراً في حملها، ولكن حذرهم عند وضعها فقال: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ لئلا يميلوا عليكم وأنتم غير مسلحين غافلين.
وأصل الجناح: العدل، ومنه جناح الطائر لأنه غير معتدل والإثم غير مستو فسمي به.
قوله: ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ أي مذلاً.
وذكر ابن عباس أن قوله ﴿أَوْ كُنتُمْ مرضى﴾ نزل في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً.
قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة.
. .﴾ الآية.
المعنى: إن الله تعالى أمرهم بذكره بعد الفرائض من الصلاة التي قد بينها لهم
إرادة البركة بالذكر ليكون سبب النصر على الأعداء والفتح، ونظيره قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: 45].
قوله: ﴿فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [أي: فإذا سكن خوفكم، فأقيموا الصلاة] بتمامها في أوقاتها كما فرضت عليكم.
فالمعنى: عند من جعل القصر في صلاة الخوف هو النقص من تمام السجود والركوع لا من العدد: فإذا أمنتم في سفركم، فأتموا الركوع والسجود، قاله السدي وهو اختيار الطبري.
والمعنى عند من لم ير ذلك: فإذا اطمأننتم في أمصاركم ودوركم، فأقيموا الصلاة التي أمرتم أن تقصروها في حال خوفكم وسفركم، قال ذلك مجاهد وقتادة.
وقال ابن يزيد: المعنى: فإذا اطمأننتم من عدوكم فصلوا الصلاة، ولا تصلوها ركباناً، ولا مشاة ولا جلوساً فهو إقامتها.
قوله: ﴿كتابا مَّوْقُوتاً﴾ أي: فريضة مفروضة قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وقال قتادة: ﴿كتابا مَّوْقُوتاً﴾ منجماً يؤديها في أنجمها أي: في أوقاتها.
وقيل: معنى ﴿مَّوْقُوتاً﴾ محتوماً لا بد من أدائها بتمامها في أوقاتها.
وقال ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج.
وقال ابن زيد بن أسلم: " كتاباً موقتاً " أي منجماً.
كلما [مضى] نجم أي: كلما [مضى] وقت جاء وقت.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس بين العبد والكافر إلا ترك الصلاة ".
وقال: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر ".
وقال النخعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من ترك الصلاة عامداً حتى خرج وقتها بغير [عذر] فهو كافر، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولم يسمعه مالك كافراً، ولكن قال: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك قال الشافعي.
وروي أنه يستتاب ثلاثاً فإن صلى وإلا قتل.
وقال الزهري: يضرب ويسجن إلا أن يكون ابتدع ديناً غير دين الإسلام، فإنه
يقتل إن لم يتب.
قوله: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابتغآء القوم إِن تَكُونُواْ.
. .﴾ الآية.
قرأ عبد الرحمن الأعرج: أن تكونوا تالمون بفتح إن على معنى لأن تكونوا أي: لا تهنوا من [أجل] ألمكم،، أي لا تضعفوا عن عدوكم من أجل ما أصابكم من الجراح، والتعب فإنهم قد أصابهم مثل ما أصابكم، ولكم عليهم فضيلة، وهي أنكم ترجون من الله الجنة في الآخرة، والأجر والخلاص من النار، وترجون الغنيمة في الدنيا وهم لا يرجون جنة ولا أجراً، ولا يأمنون من عذاب، فأنتم أيها المؤمنون أولى ألا تضعفوا وأن تصبروا على عدوكم.
وقيل: معنى ترجون هنا: تخافون.
وقيل: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا إذا تقدمه جحد، كقوله: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: 13] أي: لا تخافون الله عظمة.
والرجاء هنا بمعنى الأمل أحسن وأقوم.
ومعنى: ﴿ابتغآء القوم﴾ في طلبهم.
فقال عكرمة نزلت يوم أحد ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] ونزلت ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ﴾.
قال ابن عباس: " لما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد الجبل جاء أبو سفيان فقال: يا محمد: ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سجال، يوم لما ويوم لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجيبوا- "، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: عزى لنا ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: إن الله مولانا ولا مولى لكم.
قال أبو سفيان: أُعْلُ هبل، أُعْلُ هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قولوا): [الله] أعلى وأجل ".
قال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، وكان بالمسلمين جراح.
فقاموا وبهم الجراح.
قوله: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ أي: لم يزل عالماً بمصالح خلقه.
﴿حَكِيماً﴾ أي: حكيماً في تدبيره وتقديره.
قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ الآية.
المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ أي: بما أنزلنا إليك من كتابه ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً خصيماً.
وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية.
غير أنها، وإن اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد.
واختصار القصة أن رجلاً من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقاً، سرق درعاً لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئه من السرقة حتى نزل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة وبني عمه.
وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برأه بقولهم على رؤوس الناس.
فقال الله عز وجل: ﴿ استغفر الله﴾ أي: مما هممت به، ومما فعلته ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته.
وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار رجل آخر من اليهود.
فأتى اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنها رميت في داره.
وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئاً، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى رأس ثلاث آيات.
ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركباً فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات.
قال ابن جريج: فهذه الآيات كلها فيه نزلت.
ومعنى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يُخوِّنونها، أي: يجعلونها خونة أي: يلزمون الخيانة.
﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ أي: لا يحب من كانت هذه صفته.
قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس﴾ أي يخفون أمر خيانتهم من الناس الذين لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً.
و ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله﴾ الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما تخفون فهو أحق أن
يستخفى منه ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول﴾ وذلك أنهم قالوا: تقول إن اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ذلك، فيقبل من طعمة بيمينه، لأنه على دين محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما أعدوا في الليل.
وقيل: يبيتون " يبدلون، وقيل يؤلفون ".
وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن طعمة يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع.
وعن ابن عباس: " أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: إذا غَدوت من منزلك، فإنك سترى أثراً بيناً، فاتبعه حتى إذا انقطع، فأمر من يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فاستخرج الدرع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر فمن كان ألحن بحجته من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب المنافق إلى مكة ".
قوله: ﴿وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أي لم يزل محيطاً بما يصنعون وما يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها.
قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هؤلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا﴾ الآية.
أم في قوله: ﴿أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ منفصلة من " من " في أربعة مواصع فقط في السواد.
﴿أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ [التوبة: 110].
﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ [الصافات: 11].
﴿أَم مَّن يأتي آمِناً﴾ [فصلت: 39].
وسائره في القرآن " أمَّن " غير منفصل والانفصال هو الأصل، والاتصال استخفاف إذ وجب الأدغام، والمدغم بمنزلة حرف واحد فكتب على ذلك.
و" هؤلاء " بمعنى الذين خبروا الابتداء.
وقيل: " هؤلاء " نداء ولم يجزه سيبويه [لأنه] لا يجيز حذف حرف من المبهم، ولا من النكرة، ويجيزه الكوفيون وكلهم أجازوا الحذف من غير هذين النوعين كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ [يوسف: 29] وكقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي﴾ [آل عمران: 40] وحذفه من المضاف كثير في القرآن والكلام.
والمعنى أنتم الذين جادلتم عنهم أي: عن بني أبيرق في الحياة الدنيا ﴿فَمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي: فمن يخاصم الله في الآخرة؟ " أم من يكون عليهم وكيلاً "؟ أي من ذا الذي يتوكل لها، ولا الخائنين يوم القيامة في خصومتهم بين يدي ربهم، الذي يعلم الغيوب، ولا يستر عليه شيء مما بيتم وما صنعتم.
قوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية.
هذه الآية نزلت في الذين يختانون أنفسهم الذين ذكرهم الله أولاً [و] أخبر أنه من عمل سوءاً [أ] وذنباً أو ظلم نفسه بأن ألزمها ما يستحق عليه العقوبة ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله﴾ أي: يستدعي المغفرة من الله فإنه يجد الله غفوراً لذنبه، رحيماً به، وهي عامة في كل من أصاب ذنباً.
قوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ﴾ الآية.
المعنى: من يكسب ذنباً فإنما وباله على نفسه دون غيره، فالمعنى، لا تجادلوا عن من اختان نفسه، فإن من كسب ذنباً فإنما هو راجع عليه ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ أي: عالماً بما تصنعون أيها المجادلون وجميع خلقه.
و ﴿حَكِيماً﴾ بسياستكم وجميع خلقه.
قوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خطيائة أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ الآية.
الخطيئة ما أتاه الإنسان [من ذنب] متعمداً، وغير متعمد والإثم ما أتاه متعمداً فقط.
ومن أجل ذلك فصل بينهما في الاكتساب.
فالمعنى: ومن يكسب خطيئة على غير عقد منه لها، أو إثماً على عمد منه، ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ أي يضيف ذلك إلى بريء ﴿فَقَدِ احتمل بُهْتَاناً﴾ أي تحمل بفعله ذلك فرية وكذباً وإِثْماً عَظِيماً.
وقيل: إن الخطيئة والإثم واحد، ولكن لما اختلف اللفظان جاز.
وقيل: إن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم في الكبيرة ولذلك انفصلا.
وقال أبو إسحاق: سمى الله تعالى بعض المعاصي خطايا، وسمى بعضاً إثماً فأعلم أن من اكتسب معصية تسمى خطيئة، أو كسب معصية تسمى إثماً، ثم رمى
بها من لم يعملها ﴿فَقَدِ احتمل بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾.
والبهتان: الكذب.
وهذا نزل في شأن طعمة وما رمى به اليهودي أو غيره من سرقة الدروع، والهاء في " به " تعود على الإثم، ولا يجوز أن تعود على الإثم والخطيئة، لأنها بمعنى الجرم والذنب، ولأن الأفعال، وإن اختلفت العبارات منها فهي راجعة، إلى معنى واحد، فرجعت الهاء على ذلك، هذا قول من قال: لما اختلف اللفظان جاز أن يكررا، والمعنى فيهما سواء.
ويجوز أن تعود على الخطيئة لأنها بمعنى الذنب.
وقيل: تعود على الكسب [ودب] عليه يكسب.
وقوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾.
المعنى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ بأن نبهك على الحق، وعصمك بتوفيقه، وبين لك من الخائن ﴿لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ بمساعدتهم، فتبرئ طعمة من سرقة الدروع على رؤوس الملأ، وتلحقها باليهودي لأنهم سألوه في ذلك، فهم به حتى نزلت عليه الآية، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ أي ليس يضرك هؤلاء الخائنون شيئاً، إنما يضلون أنفسهم ويضرونها.
قوله: عز وجل ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ الآية.
المعنى: لا خير في كثير من نجوى المتناجين من الناس إلا في من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، فنجوى على هذا اسم للناس المتناجين.
والصدقة: معروف.
وقوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ هو جميع فعل الخير غير الصدقة.
وقد قيل: المعروف في هذا: القرض يقرضه الإنسان المحتاج فقد أتى: " أن القرض كالصدقة " وأن فيه أجراً عظيماً.
وقيل: المعنى: لا خير في كثير من نجوى الناس إلا في نجوى من أمر بصدقة.
فتكون على القول الأول النجوى هم الناس، ولكنه خرج على جمع جرحى،
وشكرى، ويكون في القول الثاني على بابها: اسم للسر لكن تقدر في الثاني حرف تقديره " إلا في نجوى من أمر بصدقة ".
قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى.
. .﴾ الآية.
المعنى: من يباين الرسول من بعدما تبين له أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء به الحق ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين﴾ أي غير طريقهم، ومنهاجهم، وهو التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما [جاء به] ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ أي: نجعل ناصره من استنصر به واستعان به الأوثان والأصنام.
وقال مجاهد: ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾: نتركه وما يعبد.
وقيل: نتركه واختياره.
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي نجزه بها.
﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي ساءت جهنم مصيراً، وهو الموضع الذي يصير إليه.
ونزلت هذه الآية أيضاً في الخائنين الذين تقدم ذكرهم لما أبى التوبة طعمة بن الأُبيرق، لحق بالمشركين من عبدة الأوثان مرتداً عن الإسلام، فهو [من] الذين شاقوا الرسول من بعد أن كان مؤمناً، واتبع غير طريق المؤمنين.
ورجع إلى عبادة الأصنام، فقال الله عز وجل: ﴿ نُوَلِّهِ مَا تولى﴾.
" وجهنم ": في قول بعض اللغويين اسم مختلق للنار، لا يعرف له اشتقاق، ومُنِع من الصرف للتعريف والعجمة.
وقال أكثرهم: هو اسم عربي مشتق من قول العرب: هذه رِكية جهنام: إذا كانت بعيدة القعر، فسميت النار جهنم لبعد قعرها، ومنعت من الصرف على هذا القول للتعريف والتأنيث.
ولما مات ابن الأبيرق مقتولاً من أجل السرق الذي سرق بعد ارتداده، أنزل الله عز وجل ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ معناه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك به، ومات على شركه، ولا لمن هو مثله، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ يعني أن طعمة لولا أنه أشرك ومات على شركه لكان في مشيئة الله سبحانه على ما سلف من
خيانته ومعصيته.
﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله﴾ أي: من يجعل له في عبادته شريكاً فقد ذهب عن طريق الحق، وزال عن قصد السبيل ذهاباً بعيداً.
قوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً.
. .﴾ الآية.
المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم كفار قريش.
ومعنى: ﴿إناثا﴾ اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثاً لأن المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد.
وقال الحسن: الإناث هنا.
المرأة حجر أو خشب.
وقال الضحاك: قوله: ﴿إناثا﴾ هو أن المشركين كانوا يَدَّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد.
وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك على نحو تسميتهم لها.
وقال مجاهد: ﴿إناثا﴾ أي إلا أوثاناً.
وفي مصحف عائشة إلا أوثاناً.
وكان ابن عباس يقرأ [أُثُنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل
إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وُثُن كمثال ومُثُل ثم أبدل من الواو همزة.
قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً﴾ أي ما يدعون إلا شيطاناً متمرداً على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير.
والمريد: العاتي ﴿لَّعَنَهُ الله﴾ أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل خير.
وقال ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي معلوماً.
قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق الحق نصيباً مفروضاً، أي: معلوماً، وقال الشيطان أيضاً: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق إلى الكفر ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي.
وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي.
﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم
فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البَحيرة كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس.
والبَحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ولم ينتفعوا بها.
والبتك: القطع.
﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ الآية.
(قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان).
وقال ابن عباس: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ دين الله، قاله مجاهد.
وروي عن قتادة والحسن والضحاك ﴿خَلْقَ الله﴾ الفطرة دين الله.
وقيل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ هو: الوشم.
وقيل: معنى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة
للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله.
وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] وقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ [الله]﴾ [الروم: 30] أي: دينه يدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ الدين القيم﴾ [الروم: 30].
قوله: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله﴾ أي: يطيعه في معصية الله سبحانه ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أي: هلك هلاكاً ظاهراً.
وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول خلافهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: باطلاً لأنه يقول لهم يوم القيامة ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ.
.﴾ [إبراهيم: 24] الآية.
وقيل معنى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال.
قوله: ﴿فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ولياً ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم إليها ﴿جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي: لا يجدون عن جهنم إذا
صيرهم إليها معدلاً يعدلون إليه، ولا محيداً.
يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد.
وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ الآية.
المعنى: إن الله يدخل المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار وعداً حقاً لا كعدة الشيطان لأوليائه، وتمنيه الذي هو غرور ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ أي: لا أحد أصدق منه قيلاً والقول والقيل سواء.
وقيل: تمام إن جعلت قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ مخاطبة للمسلمين، مقطوعاً عما قبله وإن جعلته مخاطبة للكفار الذي تقدم ذكرهم لم يكن ﴿قِيلاً﴾ تمام وكان قطعاً.
قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية.
قال مسروق: تفاخر النصارى والمسلمون، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم.
فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب﴾ الآية.
ثم أفلح الله تعالى حجة المؤمنين فقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة﴾ ثم زاد في الفضل فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية.
وقال قتادة: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أحق بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية.
أي: ليس ذلك الي قلتم بأمانيكم ففي ليس اسمها في جميع هذه الأقوال.
﴿مَن يَعْمَلْ سواءا﴾ ابتداء شرط، وجوابه خبره وهو: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾.
وقال الضحاك: تخاصم أهل الأديان: اليهود والنصارى والمسلمون فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية.
وقال مجاهد: عنى بذلك أهل الشرك من عبدة الأوثان، قالوا: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى ﴿لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: 111].
فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ يعني المشركين في قولهم: لن نبعث ولن نعذب.
﴿ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب﴾ يعني قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ خلافاً لمن أدعى الجميع.
والمعنى: ليس الكائن من أمركم بما تتمنون يا أهل الشرك ولا بما يتمنى أهل الكتاب، وهو اليهود والنصارى بل ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾.
وقيل: التقدير: ليس ثواب الله بأمانيكم لأنه قد جرى ذكر ذلك في قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ﴾ الآية ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ أي: مقدار النقير وهو النقطة في ظهر النواة وهي منبت النخلة.
وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ ذلك ما يصيبهم في الدنيا، وقاله مجاهد وغيره.
وقال الحسن: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ الكافر وقرأ ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17]، وقال في قوله ﴿لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ [النجم: 31]: " هِمُ الكُفَّارَ " ﴿وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى﴾ [النجم: 31] قال: كانت والله لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم، ولم يجازهم بها.
وقال ابن زيد: يعني المشركين يريد بالآية قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم
سيئاتهم.
وقال الضحاك: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ يعني بذلك اليهود والنصارى، والمجوس وكفار العرب.
قوله: ﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾.
وروي أن هذه الآية لما نزلت قال أبو بكر الصديق رضي الله عنهـ: " يا رسول الله: وإن لمجزون بأعمالنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما المؤمن فيجزى بها في الدنيا، وأما الكافر فيجزى بها يوم القيامة " ".
وقال الحسن وابن أبي كثير ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ أي يعمل شركاً يجز به بدلالة قوله: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ وتلاها الحسن مع هذه (الاية) استشهاداً بها.
وروى عن ابن عباس أنه قال: السوء هنا: الشرك، ومعنى من يشرك: يجز به.
وقال ابن جبير: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: من يشرك.
قالت عائشة وأبي بن كعب: إن المعنى: من عمل سوءاً من مؤمن، أو كافر جوزي به، وهو اختيار الطبري، واحتج بما روى أبو هريرة قال: " لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها ".
وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنهـ أنه قال: " لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أوليس يصيبك كذا (ويصيبك كذا) فهو كفارة " ".
وقال ابن عمر: سمعت أبا بكر يقول: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ في الدنيا ".
وروى عن ابن أبي بكر رضي الله عنهـ أنه قال: " يا نبي الله: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك
اللاواء؟ فهو ما تجزون به " ".
وروي أن أبا بكر قال: " لما نزلت هذه الآية، جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما هي المضائق في الدنيا ".
قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنهـ.
والمعنى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم لله، وانقاد له ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أي: عمل بما أمر به ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم﴾ أي: دينه ﴿حَنِيفاً﴾ مستقيماً.
وقيل: ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن سائر الأديان غير دين إبراهيم.
﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ أي: اتخذ [هـ] يعادى فيه، ويحب فيه، ويوالي فيه، والخلة التي في إبراهيم النبي، والخلة التي في الله لإبراهيم صلى الله عليه وسلم هي نصره له على من حاوله بشر كالذي فعل به إذ أراده نمرود بالإحراق، وكالذي فعل به إذ أعانه على ملك مصر إذ أراده عن أهله، ومن ذلك تصييره إماماً لمن بعده من عباده وشبه ذلك.
وقيل: سمي خليلاً للفظة خرجت منه صلى الله عليه وسلم فسمي بها خليلاً.
وذلك أنه أصاب أهل ناحيته جدب فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقيل: من أهل مصر يمتار طعاماً من عنده لأهله فلم يصب عنده حاجته.
فرجع فلما قرب من أهله مر بمغارة فيها رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أُغم أهلي بدخولي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني قد أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فحول الله ما في غرائره من الرمل دقيقاً.
فلما صار إلى منزله، نام، وقام ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً فعجنوا منه وخبزوا، واستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا من أين هو؟ فقالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فعلم ما صنع الله عز وجل له، فقال نعم.
هو من عند خليلي فسماه الله عز وجل بذلك خليلاً.
والخليل في اللغة يكون للفقير كأنه به اختلال.
وقد قيل: في قوله ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ معناه فقيراً محتاجاً إليه، ويكون الخليل المحب المنقطع إلى الله عز وجل الذي ليس في انقطاعه إلأيه اختلال، فيكون سمي (خليلاً) لانقطاعه إلى الله سبحانه، ومحبته له من غير خلل يدخل ذلك.
ويكون الخليل أيضاً الذي يختص الإنسان فيكون سمي بذلك لأن الله عز وجل قد اختصه في الوقت بالرسالة دون غيره.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " واتخذ الله صاحبكم خليلاً يعني نفسه "، أي: اختصه بالرسالة، وهذا القول قول مختار.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً " أي: لو اختصصت أحداً بشيء من الدنيا لاختصصت أبا بكر.
وقد قال بعض أهل اللغة: الخليل الذي ليس في محبته خَلَل فسمي إبراهيم
خليلاً لذلك.
قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي له ما فيهن، فلم يتخذه خليلاً لحاجة إليه، لأن له ما في السموات وما في الأرض، ولكنه اتخذه خليلاً لمسارعته إلى رضاه فكذلك سارعوا أنتم إلى ذلك فيتخذكم أولياء.
﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ أي: يحيط بما يعمله الخلق، لا يخفى عليه شيء.
قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.
. .﴾ الآية.
" ما " في قوله: ﴿وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ في موضع رفع عطف على اسم الله عز وجل.
" وما " هو القرآن.
أي الله يفتيكم فيهن، والقرآن يفتيكم فيهن أيضاً، وهو قول ابن عباس وغيره.
وقال الفراء، ﴿مَا﴾ في موضع خفض عطف على الضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: الله يفتيكم في النساء، وفيما يتلى عليكم يفتيكم، وهو غلط عند البصريين لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض.
وقيل ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مَا﴾ القرآن أيضاً على معنى: (ما يتلى عليكم يفتيكم).
قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾.
المعنى عن أن، وأن في موضع نصب بحذف الخافض.
وقيل المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، والإعراب واحد، والمعنى مختلف معنى قول من أضمر " عن " إنهم لا يريدون نكاحهن ومن أضمر " في " فمعناه أنهم يريدون نكاحهن ويرغبون في ذلك.
قوله: ﴿والمستضعفين﴾ عطف على يتامى النساء، أي يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين.
ومعنى الآية: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام سأل المؤمنون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب﴾ يفتيكم أيضاً يعني ما في أول السورة من الفرائض في اليتامى.
قالت عائشة: " هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله، وهو أولى بها من غيره فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لما لها فلا يُنكحها غيره كراهة أن يشركه أحد في مالها ".
فهذا التفسير يحري على قول من أضمر " عن " مع " أن ".
وقال ابن جبير: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، ولا يرث الصغير ولا المرأة، فلما نزلت المواريث في أول النساء توقفوا، ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب﴾ أي: في أول السورة، قال وكان الولي إذا كانت عنده المرأة ذات الجمال والمال رغب فيها ونكحها، وإن لم تكن ذات جمال ومال أنكحها غيره.
وقال النخعي: كان الرجل إذا كانت عنده يتيمة دميمة لم يعطها ميراثها وحبسها عن التزويج حتى تموت فيرثها فنهى الله عز وجل عن ذلك ﴿وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النسآء الاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي: عن أن تنكحوهن، وذلك كله كان في الجاهلية.
وقال ابن جبير ﴿وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب﴾ هو ما أتى في آخر السورة قوله:
﴿إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 175].
روى أن عمرة بنت عمرو بن حزم، كانت تحت سعد بن الربيع، فقتل يوم أحد، فكانت لها منه ابنة، فأتت عمرة النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها من أبيها، فنزلت الآية في ابنتها، وكان أمرهم في الجاهلية، أن الرجل إذا مات ورث أكبر ولده ماله
كله.
وقيل: المعنى: ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وفيما ﴿وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النسآء﴾ والذي يتلى هو قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: 3].
فما في موضع خفض على هذا التأويل.
وقيل: المعنى ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ والقرآن يفتيكم وهو قوله:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع﴾.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن.
وقيل: المعنى وترفبون في نكاحهن وذلك لمالهن وحسنهن.
واختار الطبري أن يكون المعنى: وترغبون عن نكاحهن لأنهم إنما عيب عليهم أن يأخذوا مالها ويحبسوها ولا ينكحوها، ولم يعب عليهم نكاحها إلا إذا لم يعطوها صداق مثلها، ولم يذكر هنا الصداق فالمعنى أنهم لا يعطونهم ميراثهن ويرغبون عن نكاحهن.
قوله: ﴿والمستضعفين مِنَ الولدان﴾ أي: ﴿وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النسآء﴾ وهي اليتيمة يأخذ مالها ولا يتزوجها ولا يزوجها، وفي المستضعفين من الصبيان كانوا لا يورثون إلا بالغاً.
﴿وَأَن تَقُومُواْ﴾ أي: وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط تعطوا الصغير والكبير حقه،
وفرضه الذي نص الله عز وجل عليه لكم هو ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ [النساء: 11] والذي أفتاهم في اليتامى قوله ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2].
وقيل هو: ﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب﴾ [النساء: 2].
والذي يتلى عليكم في التزويج هو قوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3].
قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: ما تفعلوا من عدل في اليتامى، فإن الله لم يزل عالماً بما هو كائن منكم من ذلك.
قوله ﴿وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا [نُشُوزاً] أَوْ إِعْرَاضاً.
. .﴾ الآية.
قرأ الجحدري ﴿أَن يُصْلِحَا﴾ بتشديد الصاد وكسر اللام.
وأصله أن يصطلحا ثم أدغم الثاني في الأول أعني: دغم الطاء في الصاد.
(وصلحاً) منصوب على معنى فيصلح الأمر بينهما صلحاً.
وفي قراءة عبد الله: فلا جناح عليهما [إن أصلحا].
ولذلك اعتبر الكوفيون قراءتهم فقرأ وا " يصلحا " ولقوله: " صلحاً ".
والصلح الاسم، والعرب تضع الاسم موضع المصدر كقولهم المطية لمطاء.
فأما من قرأ " يصلحا " فليس " صلحاً " باسم له ولا مصدر، فقراءة الكوفيين أقرب إلى ﴿صُلْحاً﴾ من قراءة غيرهم لأن ﴿صُلْحاً﴾ اسم الفعل لأصلح.
ومعنى الآية فيما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا تقسم لي ففعل " فنزلت " ﴿وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ الآية.
فالمعنى أنه إن علمت امرأة من بعلها ميلاً إلى غيرها وهو النشوز أو " إعراضاً " أي: إن أعرض عنها بوجهه وبمنفعته فلا جناح عليهما أن يصالحا أي: لا إثم عليهما في الصلح وهو أن ترضى المرأة أن تترك له يومها أو تسمح له ببعض ما يجب لها من المنفعة لتستديم المقام عنده وتستعطفه بذلك.
﴿والصلح خَيْرٌ﴾ أي: جرب تسمح فبقى في حرمتها أولى وأحسن من الطلاق والفرقة.
وقيل: المعنى ﴿والصلح خَيْرٌ﴾ من الفرقة ولكن حذف لدلالة الكلام عليه.
قال ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر فيريد أن يتزوجها عليها فيتصالحا على أن لهذه يوماً ولهذه يومين أو ثلاثة أو أكثر.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي المرأة تكون عند الرجل ولعله لا يستكثر منها، ولا يكون لها ولد وتكون له صاحبة فتقول له: لا تطلقني وأنت في حل من شأني.
وعلى هذه المعنى في الآية جميع أهل التفسير.
وروي أن هذه الآية نزلت في خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، والبعل
رافع بن خديج الأنصاري ثم هي عامة.
قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ أي: أنفس النساء.
حريصة في الشح على الأيام، وقيل: هو على نصيبها من الرجل، ونفس الرجل في حرصه على الميت عند من تميل نفسه إليها.
وقال عطاء: [هو] في الأيام والنفقة.
وقال ابن جبير: نزلت الآية في صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت قد كبرت، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها، فاصطلحا على أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة شحاً منها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن زيد وغيره معنى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ يعني نفس الزوجة، والزوج لا يترك أحد حقه لصاحبه.
قوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي: إن تحسنوا أيها الأزواج إلى النساء إذا كرهتم منهن شيئاً، وتتقوا الله فيهن في الصحبة بالمعروف، فإن الله لم يزل حبيراً بما تعملون.
قوله: ﴿وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء وَلَوْ حَرَصْتُمْ.
. .﴾ الآية.
المعنى: ولن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين النساء في حبهن بقاؤكم حتى تعدلوا بينهن، فلا تكون لبعضهن مزية على بعض ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فإن ذلك مما لا تقدرون عليه ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾ أي: لا تميلوا على من لم تملكوا صحبته من قلوبكم فتجوروا عليها بترك أداء الواجب لها ﴿فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾ أي كالتي هي لا ذات زوج، ولا هي أيم.
وليس في قوله: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾ دليل على جواز بعض الميل، إنما معناه لا تميلوا بما تقدرون على تركه ميل الميل فهو أمر يُغلب الإنسان عليه، ولذلك كان عمر رضي الله عنهـ يقول: " اللهم أما قلبي أملك، وأما غير ذلك فأرجو أن أعدل ".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: " اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ".
قال ابن أبي مليكة: " نزل ذلك في عائشة رضي الله عنها.
يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها