الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 2918-2957
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 2918-2957
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وقال السدي: كان آخر عهد الجميع تمام أربعة أشهر لعشر خلون من ربيع الآخر، وهذا كله كان في موسم سنة تسع.
وقال الكلبي: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بالأربعة الأشهر لمن كان بينه وبينه عهد أربعة أشهر فما دون، فأما من كان عهده، أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يتم له عهده، فقال تعالى: ﴿فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ﴾.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، فتح مكة سنة ثمان عَنْوةً، واستخلف على الحج سنة تسع أبا بكر.
ونزلت " براءة " بعد خروج أبي بكر في شوال.
وكانوا يحجون على رسومهم التي كانوا عليها، ولم يكن فرض الحج ولا أمر به، فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم " براءة " مع علي رضي الله عنهـ، ليتلو الآيات على الناس وينادي بالناس: ألا يحج بعد ال عام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان فنادى بذلك علي، وأعانه على النداء أبو هريرة

وغيره بمنىً وفي سائر أسواقهم.
فحج النبي صلى الله عليه وسلم، في العام المقبل سنة عشر، ولم يحج معه مشرك، وهي حجة الوداع، وفي ذلك نزل: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: 28]، فلما نزل ذلك وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من الأطعمة والتجارات التي كان المشركون يقدمون بها، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله﴾ [التوبة: 28]، الآية، ثم أحل [في] الآية التي تتبعها الجزية، ولم تكن قبل ذلك/، جعلها الله عوضاً مما يفوتهم من تجارتهم مع المشركين.
وهو اختيار الطبري [ومما يدل على صحة ما اختار الطبري] من أنه أمر الله عز وجل، نبيه عليه السلام، أن يتم لمن عهده [أربعة أشهر فما دن أربعة أشهر، ومن كان عهده أ: ثر أتم له عهده]، إلا أن يكون نقض عهده قبل

انقضاء المدة، فأما الذين لم ينقضوا ولا تظاهروا عليه، فإن الله عز وجل، أمر نبيه، عليه السلام، بإتمام العهد لهم، وأمره أن يؤخر الذين نقضوا العهد أربعة أشهر، وإن كان عهدهم أكثر مدة.
وهو قول الضحاك.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين عَاهَدْتُمْ عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا [لَهُمْ]﴾ [التوبة: 7].
فأمر الله عز وجل، نبيه [عليه السلام]، بالاستقامة لهم على عهدهم، ما استقاموا.
وأمر الله عز وجل، أن يؤخر الذين نقضوا وظاهروا عليه أربعة أشهر.
وقد رُوي: أن علياً كان يقول في ندائه: ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته.
قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، الآية.
المعنى: فسيحوا يا أيها الذين لهم عهد وقد نقضوا قبل إتيان الأجل.
وأما من له عهد أربعة أشهر فما دون، فقيل لهم: سيحوا في الأرض أربعة أشهر من يوم النحر، أي: تصرفوا مقبلين ومدبرين، ثم لا أمان لكم بعدها إلاّ بالإسلام.
وأشهُرُ [السياحة] على قول مجاهد، وغيره: من يوم النحر إلى عشر خلون

من ربيع الآخر.
وعند الزهري: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وتسمى أيضاً أشهر السياحة، أي: سمح لهم فيها بالتصرف آمنين.
قوله: ﴿واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله﴾.
أي: مُفيتيه أنفسكم، أين كنتم، وأين ذهبتم بعد الأربعة الأشهر وقبلها، لا منجي منه ولا ملجأ إلا الإيمان به، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.
﴿وَأَنَّ الله مُخْزِي الكافرين﴾.
أي: مذلهم ومرثهم العار في الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس﴾، الآية.

و " الأذان " في اللغة: الإعلام.
و ﴿يَوْمَ الحج الأكبر﴾: يوم عرفة؛ لأن علياً يوم عرفة قرأ على الناس أربعين آية من " براءة " بعثه بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قرأها عليهم في مِنًى لتبلغ جميعهم، فمن ثم قال قوم: ﴿يَوْمَ الحج الأكبر﴾: النحر.
وهو قول مالك.
ورُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم، خطب يوم عرفة فقال: " أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر ". [وهو قول عمر، وابن الزبير، وعطاء، وغيرهم.

وروي عن علي أنه قال: ﴿يَوْمَ الحج الأكبر﴾]: يوم النحر.
وهو قول مالك، واختلف عن ابن عباس.
وهو قول ابن عمر، والسدي، والشعبي، وغيرهم.
وقال مجاهد ﴿يَوْمَ الحج الأكبر﴾ معناه: حين الحج، وهو أيام الحج كلها، لا يوم بعينه.
وقال ابن جريج: ﴿الحج الأكبر﴾: أيام منى كلها.
واختار الطبري: أن يكون يوم النحر؛ لأن في ليلته يتم الحج، وليس من فاته يوم عرفة أو ليلته يفوته الحج، ومن فاته ليلة يوم النحر إلى الفجر فقد فاته الحج.
وحق الإضافة أن تكون إلى المعنى الذي يكون في الشيء، فلما كان الحج في ليلة يوم النحر أضيف أسم الحج إلى يوم النحر.
ولما كان [من] لم تغب له الشمس يوم عرفة لم يحج، وإن كان قد وقف بعرفة طول نهاره، علم بأنه ليس بيوم الحج إذ لا يتم الحج

به ألا ترى أنهم يقولون: يوم النحر من أجل أن [النحر فيه، ويقولون: يوم عرفة من أجل أن] الوقوف بعرفة فيه يكون، و: يوم الفطر من أجل أن الإفطار بعد الصوم فيه يكون، فكذلك يوم الحج يقال لليوم الذي فيه، أو في ليله يتم الحج ويحصل، وفي يومه تعمل أعمال الحج، من النحر، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق، وغير ذلك.
وسمي: ﴿الحج الأكبر﴾: لأنه كان/ في سنة اجتمع فيها المسلمون والمشركون.
وقيل: سمي بذلك؛ (لأنه) من النحر والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والحِلاق وغير ذلك.
وسمي بذلك؛ لأنه كان يوم حج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيد اليهود والنصارى.
وقال مجاهد ﴿الحج الأكبر﴾: القِرانُ في الحج، والأصغر: الإفرادُ.

وأكثر الناس على أن الأكبر: الحجُّ، والأصغر: العُمْرة.
وقال الشعبي الحج الأصغر: العمرة في رمضان.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث علياً بأول سورة " براءة "، إثر أبي بكر عام حجَّ بالناس أبو بكر، وذلك سنة تسع، فنادى علي بـ: " براءة " في الموسم.
وقيل: يوم النحر نادى بها.
وقيل: يوم عرفة.
وقيل: فيهما جميعاً.
ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم، في سنة عشرة.
ومعنى ﴿برياء مِّنَ المشركين﴾، أي: من عهدهم بعد هذه الحَجَّةِ.
﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: تبتم عن كفركم ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾، أدبرتم عن الإيمان، ﴿فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله﴾، أي: لا تفيئون الله أنفسكم، ﴿وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾،

أي: مؤلم، أي: أعلمهم، يا محمد بذلك.
﴿برياء مِّنَ المشركين﴾، وقف، إن جعلت ﴿وَرَسُولُهُ﴾: ابتداء أضمر خبره، أي: وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ منهم.
وإن جعلته معطوفاً وقفت ﴿وَرَسُولِهِ﴾، وكذلك من نصب، وهي قراءة ابن أبي إسحاق.
﴿غَيْرُ مُعْجِزِي الله﴾، وقف حسن.
﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ليس بوقف حسن؛ لأن بعده الاستثناء.

ومن العلماء من يقول: ألاّ وقف من أول السورة يحسن؛ لأن الاستثناء مما قبل.
قال قتادة: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم النبي عليه السلام، زمن الحديبية، أمر أن يتم لهم مدتهم، وكان قد بقي منها أربعة أشهر من يوم النحر، وأمر أن يصبر على من لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ثم يقاتل [الجميع] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
ومعنى ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾: إن كانت أكثر من أربعة أشهر.
قوله: ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾، الآية.
قوله: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، منصوب عند الأخفش على حذف: " على ". وقد حكى سيبويه: ضُرب الظهر والبطن، أي: " على "، فنصب لما حذف

" على ". ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: " قَعَدْتُ لّهُ كُلَّ مَذْهَبٍ ". أي في كل مذهب.
والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل معلوم.
﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها.
﴿وَخُذُوهُمْ﴾، أي: أسروهم، والعرب تسمي " الأسير ": أخِيذاً، ﴿واحصروهم﴾، أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين،

وأصل " الحصر ": المنع (والحبس)، ﴿واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، أي: طالبوهم في كل طريق.
﴿فَإِن تَابُواْ﴾، أي: رجعوا عن الشرك، و ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾، أي: أدوها بحدودها، ﴿وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، أي: أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم/، ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي: دعوهم يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾، أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، ﴿رَّحِيمٌ﴾، أن يعاقبه

على ذنوبه السابقة قبل توبته، [بعد التوبة].
روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من فارق الدنيا على الإخلاص لله عز وجل، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راضي ". و ﴿الأشهر الحرم﴾، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان بـ: " براءة " كان يوم الحج الأكبر.
فمعلوم أنهم لم يكونوا أُجِّلوا الأشهر [الحرم] كلها، ولكنه لما كان المحرم متصلاً بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تالياً قيل: ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم﴾.
وقال السدي: ﴿الأشهر الحرم﴾ هنا هي: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر.
وسميت " حُرُماً "؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم.

وقال مجاهد: ﴿الأشهر الحرم﴾، هنا هي: الأربعة التي قال الله عز وجل: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2].
وهو قول السدي.
ومثله قال ابن زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إ ذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا.
وسماها " حُرُماً "؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها.
وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها هو قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4].
وهو قول عطاء.
وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾، ولا يجوز أن

يمنّ على أسير ولا يُفادى، وقد روي مثله عن مجاهد.
وقال ابن زيد: وهو الصواب إن شاء الله، [إن] الآيتين محكمتان.
أمر هنا: أن يؤخذوا إما للقتل، وإما للمنّ، وإما للفداء، وأمر ثَمَّ، إما المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم: قتل الأساري، وفادى ببعض، ومنَّ على بعض، وذلك يوم بدر.
قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾، الآية.
والمعنى: وإن استأمنكم، يا محمد، أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الأربعة، ليسمع كلام الله، سبحانه، منك، فأَمِّنْه حتى يمسعه، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، أي: إن أسمع ولم يتعظ، فرده إلى حيث يأمن منك ومن

أصحابك، ويلحق بداره.
وإضافة الكلام إلى الله، جل ذكره، في هذا إضافة تخفيص من طريق القيام به، فهي إضافة صفة إلى موصوف، وليست بإضافة ملك إلى مالك،، ولا بإضافة خلق إلى خالق، ولا بإضافة تشريف، بل هي إضافة على معنى: أن ذاته [غير] متعدية منه.
فافهم.
قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: يفعل ذلك بهم؛ لأنهم قوم جهلة لا يعلمون قدر ما دُعُوا إليه.
قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله﴾، الآية.
المعنى: أنّى يكون للمشركين عهد يوفى لهم به، فيتركون من أجله آمنين؟ إلا الذين أُعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم ﴿فاستقيموا لَهُمْ﴾، أيها المؤمنون على عهدهم، ما استقاموا لكم عليه.

قال الفراء: في ﴿كَيْفَ﴾، هنا معنى التعجب.
وهؤلاء القوم: بنو جذيمة بن الدُّئِل.
وقيل: هم قريش.
قال ابن زيد: فلم يستقيموا، فضرب لهم أجل أربعة أشهر، ثم أسلموا قبل تمام الأجل.
وقال قتادة: نقضوا ولم يستقيموا، أعانوا أحْلاَفَهُمْ من بني بكر، على حِلْفِ النبي صلى الله عليه وسلم، خزاعة.
وقال [مجاهد]: هم قوم من خزاعة.
قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ﴾، الآية.
﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب، وكذلك ﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ [التوبة: 7].
والمعنى: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد، وهم/ قد نقضوا العهد، ومنهم من

لا عهد له، وهم: ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾.
و ﴿كَيْفَ﴾ هذه، قد حذف الفعل بعدها لدلالة ما تقدم من الكلام عليه.
قال الأخفش المعنى: ﴿كَيْفَ﴾ لا تقتلونهم.
وقال أبو إسحاق، التقدير: كيف يكون لهم عهد، ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾، وحذف هذا الفعل؛ لأنه قد تقدم ما يدل عليه، ومثله قول الشاعر:

وخَبَّرتُماني أَنَّهما المَوْتُ في القُوى ... فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبةٌ وَقَلِيبُ والمعنى: فكيف يكون الموت في القُرى، وهاتا هضبة وقليبُ، لا ينجو فيهما منه أحد؟ و" الإلُّ ": القرابة و " الذِّمَّةُ ": العهد.
قاله ابن عباس.
وقال قتادة " الإلُّ ": الله، و " الذِّمَّةِ ": العهد.
وقال مجاهد " الإلُّ ": الله، و " الذِّمَّةُ ": العهد.

وقال ابن زيد: " الإلّ ": العهد، و " الذمة ": العهد، لكنهما كررا لما اختلف لفظهما.
وجمع " الإلّ " الذي هو القرابة: الآلٌ، بمنزلة " عدل وأعدل "، وفي الكثير: ألول ألالُ.
وقوله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
أي: يعطونكم بألستنهم خلاف ما يضمرون في نفوسهم.
﴿وتأبى قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: تأْبى أن تذعن بتصديق ما يبدوا بألسنتهم.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

أي: خارجون عن أمر الله عز وجل، بنقضهم وكفرهم.
قوله: ﴿اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً﴾، إلى قوله: ﴿المعتدون﴾.
المعنى: إن الله عز وجل أخبر عن المشركين، أنهم باعوا آيات الله سبحانه وعهده، (جلت عظمته)، بثمن يسير.
وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، بأكلة أطعمها لهم أبو سفيان بن حرب.
﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
أي: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام.
﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: ساء عملهم.
﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾.

قد تقدم ذكره.
وقال النحاس: هذا لليهود، والأول للمشركين.
وقوله: ﴿اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾، يعني اليهود، باعوا حجج الله عز وجل، وآياته، سبحانه بطلب الرئاسة.
﴿وأولئك هُمُ المعتدون﴾.
أي: المتجاوزون إلى ما ليس لهم.
قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
المعنى: فإن تاب هؤلاء المشركون الذين أمرتكم بقتلهم، ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، فهم إخوانكم في الدين، ﴿وَنُفَصِّلُ الأيات﴾، أي: نبين لهم الحجج، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ذلك.
قال قتادة المعنى: فإن تركوا اللات والعُزّى، وشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، فهم إخوانكم في الدين.
قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً، فلم يفرق بينهما.
وقال: يرحم الله

أبا بكر ما كان أفقهه.
وقوله: ﴿وَإِن نكثوا أَيْمَانَهُم﴾.
أي: وإن نكث هؤلاء المشركون عهودهم من بعد ماعاهدوكم.
﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾.
أي: قدحوا فيه، وثلبوه وعابوه.
﴿فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر﴾.
أي: رؤوس أهل الكفر.
﴿إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.
من قرأ بـ: " فتح الهمزة " فمعناه: لا عهود لهم، وهو جمع " يمينٍ ".

ومن كسر احتمل معنيين: أحدهما أن يكون معناه: لا إسلام لهم، فيكون مصدر: آمن الرجل يؤمن: إذا أسلم.
ويحتمل أن يكون مصدر: آمنته من الأمن، فيكون المعنى: لا تُؤَمِّنُوهُمْ، ولكن اقتلوهم.
و ﴿أَئِمَّةَ﴾: جمع إمام، وهو: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم الذين هَمُّوا بإخراجه.
وقال السدي: هم قريش.

وقال حذيفة: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
وأصل " النكثِ ": النقنض.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
أي: / ينتهون عن الشرك ونقض العهود.
قوله: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نكثوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ﴾، الآية.
﴿أَلاَ﴾: تحضيض وتحريض.
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾، ألف تقرير وتوبيخ.
ومعنى الآية: أنها تحضيض، على قتال المشركين الذين نقضوا عهود النبي صلى الله عليه وسلم، وطعنوا في الدين، وعاونوا أعداء المسلمين عليهم، ﴿وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول﴾ من مكة: ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: بدأوا بالقتال ببدر: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي: تخافونهم على

أنفسكم: ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾، أي: أن تخافوه في ترككم قتال عدوكم وعدوه، الذي هو [لا] يضر و [لا] ينفع.
قال السدي: هموا بإخراجه وأخرجوه.
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقف عند الأخفش.
وعند أبي حاتم، الوقف: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾.
قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله﴾، الآية.
والمعنى: قاتلوا هؤلاء الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، فإنكم إن تقاتلوهم: ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ﴾، أي: يقتلهم بأيديكم، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾، أي: يذلهم

بالأسر: ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، أي: يعطكم الظفر عليهم، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: بقتلهم وأسرهم.
و" الوقوم المؤمنون " (هنا) هم: خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشاً نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعونتهم بكراً على خزاعة.
قاله مجاهد، والسدي.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قاضى المشركين يوم الحديبية، أدخل بني كعب بن خزاعة معه في القضية، [وأدخل المشركون بين بكر بن كنانة معهم في القضية]، ثم إن المشركين أغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب، قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك فقال: " واله لأَنْتَصِرَنَّ لَهُمْ "، فنصره الله عليهم يوم الفتح، وشفى صدور بني كعب.
قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.

أي: غيظ قلوب خزاعة على هؤلاء: بني بكر بن كنانة الذين نقضوا عهد النبي عليه السلام، وأعانوا المشركين على خزاعة، وهم مؤمنون، حلفاء النبي [ صلى الله عليه وسلم] . ﴿ وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَآءُ﴾.
مستأنف فالابتداء به حسن، والمعنى: وسوف يتوب الله، وهو مثل: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾، ثم قال: ﴿وَيَمْحُ﴾ [الشورى: 24] فاستأنف.
وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج: " وَيَتُوبَ " بـ: " النصب ".

على الصَّرْفِ.
فلا تقف على ماق بل: ﴿وَيَتُوبُ﴾ على هذه القراءة.
قوله: ﴿والله عَلِيمٌ﴾.
أي: عالم بسرائر عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في تصريفه عباده من حال كفر إلى حال إيمان، بتوفيقه، ومن حال إيمان إلى حال كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته.
قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾، الآية.
﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾: في موضع مفعولي " حسبت " عند سيبويه.

وقال المبرد: ﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾: مفعول أول، والثاني مفعول محذوف.
و ﴿أَمْ﴾ هنا: استفهام، والمعنى: أحسبتم أيها المؤمنون كذا وكذا؟.
ومعنى الآية: أنها خطاب للمسلمين الذين أمرهم الله بقتال المشركين الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، يقول تعالى: أحسبتم، أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة، وبغير اختيار، ليعلم الصادق منكم من الكاذب، علم مشاهدة.
وقد كان علم ذلك، تعالى، قبل خلق العالم، ولكن المجازاة إنما تقع على المشاهدة، فيعلم المجاهدين الذين لم ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً﴾، أي: بِطَانَةً من المشركين، يفشون إليهم من سرهم.
قال الطبري: إنما دخلت ﴿أَمْ﴾ في موضع الألف هنا؛ لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بين الاستفهامم الذي يبتدأ به، والاستفهام الذي يعترض.
في وسط الكلام.

ومثله: ﴿الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ [فِيهِ] مِن رَّبِّ العالمين﴾ [السجدة: 1 - 2]، ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: 3]، بمعنى: أيقولون.
ومثله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَآ/ خَيْرٌ﴾ [الزخرف: 51 - 52]، أي: أنا خير.
وهذه ﴿أَمْ﴾ هي التي تسمى " المنقطعة، ولا يقدر الكلام معها بـ: " أيهم " ولا بـ: " أيهما ". ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر بعملكم إن اتخذتم بطانةً من المشركين تفشون إليهم سر المؤمنين.
ونظير هذه الآية: ﴿الم * أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 1 - 2]، أي: يختبرون، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، إلى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ [العنكبوت: 3].
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾، إلى قوله: ﴿المهتدين﴾.
والمعنى: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم ليسوا ممن يذكر

الله، والمساجد إما بنيت لذكر الله والصلاة، فليس لهم أن يعمروها.
﴿شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ﴾.
فيه ثلاثة تأويلات.
أحدهما: أن فيما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم، كما يدل على إقرارهم، فكأنَّ ذلك منهم شهادتهم على أنفسهم.
قاله الحسن.
والثاني: شهادتهم على رسولهم بالكفر؛ لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم.
قاله الكلبي.
والثالث: ما ذكره في الكتاب، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لأنهم يقال للرجل منهم: أيش أنت؟ فيقول: نصراني، يهودي، صابئ، مشرك.
﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
في الدنيا، أي: بطلت وذهبت، إذ لم تكن لله، عز وجل، وكانت للشياطين.
﴿وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ﴾.

أي: ما كثون أبداً، لا أحياءً ولا أمواتاً.
ومن قرأ: ﴿مَسَاجِدَ الله﴾ بالتوحيد، عَنَى به: المسجد الحرام، ودليله قوله: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: 28]، وقوله: ﴿وَعِمَارَةَ المسجد الحرام﴾ [التوبة: 19].
ومن جمع، أراد: جميع المساجد، ودليله قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله﴾ فجمع ولم يُخْتَلفْ فِيهِ.
والجمع: يستوعب المسجد الحرام وغيره، والتوحيد: يخص المسجد الحرام

وحده، ولا يجوز لمن وَحَّدَ أن يريد به الجنس؛ لأنه مضاف، والمضاف موقت محدود.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله﴾.
أي: إنما يعمرها من صدق بالله ورسوله، وما أتت به الرسل.
﴿وَأَقَامَ الصلاة وآتى الزكاة وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾، (أي): فحقيق أن يكون من هذه صفته من المهتدين.
وكل " عسى " في القرآن من الله فهي واجبة.
ونزلت هذه الآية في قريش؛ لأنهم كانوا يفتخرون، فيقولون: نحن أهل الحَرَم وسقاة الحاجِّ، وعُمّار هذا البيت، فأنزل الله عز وجل، صِفة من يجب أن يعمر مساجد الله، سبحانه.
قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

ألف ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: ألف تقرير وتوبيخ.
ومعنى ﴿كَمَنْ آمَنَ بالله﴾، أي: كإيمان من آمنم.
ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله عز وجل، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله.
ورُويَ أن العباس بن عبد المطلب حين أُسر يوم بدر قال: لئن كنتم سيقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل كره: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج﴾، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم.
وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، وفقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حاج البيت الله، وقال شيبة: [أنا].

أعمر مسجد الله.
وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاهدت معه في سبيل الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل، الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾.
ورُوِيَ أن علياً قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكر حسباً منا؟ قال: نعم، / قال: مَنْ ضرب خَرَاطِيمَكُم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كَرْهاً، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هُنَيْهة، إذ جاءه جبريل عليه السلام، بهذه الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج﴾، الآية.
وقال الضحاك: أقبل المسملون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، يُعَبِّرونَهُمْ بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فانزل الله عز وجل، الآية.
قوله: ﴿لاَ يَسْتَوُونَ﴾.
أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله.

﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾.
أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال.
ثم قال تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾.
أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة مع الشرك، فهذا قضاء من الله عز وجل، بين المفتخرين.
ثم أخبر أنهم ﴿هُمُ الفائزون﴾: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة.
ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾، لهم ﴿وَرِضْوَانٍ﴾، منه عنهم، ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: لا يزال أبداً، ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: ماكثين، ﴿أَبَداً﴾، لا حد لذلك، ﴿إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: لا حد له من عظمه.
ومعنى ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: يعلمهم بذلك في الدنيا.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾، إلى قوله:

﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾.
ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، نهى المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم الكفار أولياء، يفشون إليهم سر المؤمنين، ويطلعونهم على أسرار النبي عليه السلام، وَيُؤْثِرُون المُكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار السلام: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ﴾ أي: من يتخذهم أولياء وبطانة، ويؤثر المقام على الهجرة، ﴿فأولئك هُمُ الظالمون﴾.
وهذا كله قبل فتح مكة.
قاله مجاهد.
﴿وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾، وقف نافع.
ومثله ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في سورة المائدة، فصح الوقف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يتخذ اليهود والنصارى أولياء على كل حال.
وهنا إنما نُهُوا عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن هم استحبوا الكفر على

الإيمان، فإن لم يفعلوا ذلك فاتخاذهم حسن، والوقف عليه يوجب ألا يتخذوا أولياء على كل حال كاليهود والنصارى.
﴿عَلَى الإيمان﴾، الوقف الحسن.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، الآية.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، للمتخلفين على الهجرة، المقيمين بدار الشرك، مع أهليهم وأموالهم ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، أي: المقام مع هؤلاء بمكة، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله﴾، أي: من الهجرة إلى دار الإسلام، ومن الجهاد في سبيل الله، ﴿فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾، أي: بفتح مكة.
قاله مجاهد.
والثاني: ﴿حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾: من عقوبة عاجلة أو آجلة.
قاله ابن زيد.
﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾.

أي: لا يوفقهم للهدى.
قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿حُنَيْنٍ﴾: مذكر، أسم واد بين مكة والطائف.
ومن العرب من يجعله أسماً للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف.
وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز.
لغة بني تميم: " كِثْرةَ "، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة أكثرهم، وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح.
ومعنى الآية: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله﴾، أيها المؤمنون في أماكن حرب، ونصركم يوم حنين أيضاً.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل