طه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقال ابن جبير: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون: قيل: هو عبد الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " مالي أراك محزوناً؟ " فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه يقال: " ما هو؟ " فقال: نحن نغدر ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا تصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين﴾ الآية.
فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره ".
وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قدمت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول﴾ الآية: وروي نحو ذلك قتادة والسدي وغيرهما.
وقال عطاء: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال: " ما يبكيك يا فلان؟ " فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله 'لاّ هو، لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من نفسي، وأنا أذكرك وأنا في أهلي،
فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة منزلتي أدنى من منزلتك، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول﴾ الآية ".
قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه موت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئاً بعد حبيبي صلى الله عليه وسلم فعمي من وقته.
قوله: ﴿ذلك الفضل﴾ أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات الله عليهم، فضل من الله عز وجل عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم من النبيين والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، وبالطاعة التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، وبفضل منه، لا إله إلا هو، لا خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه بخير، فهذا الفضل العظيم الظاهر ﴿وكفى بالله عَلِيماً﴾ أي اكتفوا به.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ.
. .﴾ الآية.
هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين.
فقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثُبات هنا: الجماعة المتفرقة.
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾: لام " لام " تأكيد وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير.
وقرأ مجاهد: " ليبطئن " بإسكان الباء، وتخفيف الطاء.
ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة.
ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود.
لأن المودة والود بمعنى واحد.
وقرأ الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فَضَم، لتدل على الواو المحذوفة.
ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى جهاد
العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة.
أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله " اللام في " لئن لام اليمين و " فضل " أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة.
﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: ﴿ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ هذا كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعاً وظفراً، فهو غير راج ثواباً، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.
والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " أن يكون مؤخر المعنى " [فأفوز فوزاً عظيماً كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على الجهاد.
وقيل: التقدير ﴿قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله ".
قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة﴾ الآية.
حض الله عز وجل المؤمنين على القتال في هذه الآية غالبين أو مغلوبين، ومعنى، ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ أي: في ذات الله ودينه، ومعنى ﴿يَشْرُونَ﴾ يبيعون حياتهم الدنيا بنعيم الآخرة، يقال: شربت الشيء بعته، وشريته اشتريته ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي:
نعطيه في الآخرة ثواباً عظيماً [ال] معظمه مقدار يبلغ إليه الخلق.
قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله والمستضعفين﴾ الآية.
﴿المستضعفين﴾ عطف على السبيل كأنه قال: " وفي المستضعفين أي: في خلاصهم.
وقيل: المعنى: وفي سبيل المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة وغلبوا على أنفسهم بالقهر، وعذبوا في أبدانهم ليرجعوا عن دينهم.
حض الله عز وجل المؤمنين على القتال من أجل دين الله سبحانه [ومن أجل] المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، عذرهم الله، وأخبر أنهم يقولون ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا﴾ أي: التي ظلم أهلها.
روى الحسن وقتادة: أن رجلاً من بني إسرائيل خرج من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يعدوا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فتوفته ملائكة الرحمة، وقيل: أن الله قرب إليه القرية الصالحة والقرية الصالحة هي مكة.
قوله: ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ أي: من عندك ولياً يلي خلاصنا.
﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ أي: من عندك من ينصرنا على أعدائك، وينصرنا على الخلاص منهم، والذين في موضع خفض على البدل من المستضعفين، أو نعت لهم، أو نعت للجميع المذكور من الرجال وغيرهم.
قوله: ﴿الذين آمَنُواْ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله﴾ الآية.
أخبر الله عز وجل أن: ﴿الذين﴾ صدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به يقاتلون في سبيل الله.
وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهو الشيطان هاهنا بدليل قوله: ﴿فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان﴾ أي: الذين يتولونه ويطيعون أمره ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾: لأولياؤه ضعاف لأنهم يقاتلون لغير الثواب، والمؤمنون يقاتلون رجاء الثواب.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.
هذه الآية نزلت في ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تسرعوا إلى قتال المشركين بمكة قبل الهجرة، بما يلقون منهم من الأذى، فقيل لهم: كفوا أيديكم عن القتال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فكانوا يتمنون القتال ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ كرهه جماعة منهم، ومعنى كتب فرض، ومعنى ﴿لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: إلى أن نموت
بآجالنا، ولا نتعرض للقتال فنقتل، حباً للدنيا فقال الله تعالى ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى﴾.
قال ابن عباس: هو عبد الرحمن بن عوف وأصحابه سألوا النبي صلى الله عليه وسلم القتال ثم كرهه جماعة منهم لما فرض غليهم.
وقال السدي: قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال فسألوا القتال، فلما فرض عليهم كرهه جماعة منهم وخاف منه كما يخاف الله وأشد من ذلك.
وقيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه.
وقيل: نزلت في يهود فعلوا ذلك، فنهى الله هذه الأمَة أن تصنع صنيعهم.
ويجوز - والله أعلم - أن يكون هؤلاء اليهود الذين فعلوا ذلك هم الذين ذكرهم الله في البقرة في قوله ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [البقرة: 246] ثم قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ [البقرة: 246] أي فرض ﴿تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 246].
ومن قراء ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ بالتاء أجراه على الخطاب لأن بعده ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ﴾.
ومن قرأ بالياء أجراه على ما قبله وهو قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ وقوله ﴿وَقَالُواْ﴾ وقوله ﴿لَهُمْ﴾ وقوله ﴿كفوا﴾ وشبهه.
﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ الآية.
هذا توبيخ من الله عز وجل لهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله فراراً من الموت، فقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾.
قال مالك: في قصور السماء، ألا تسمع قوله: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ [البروج: 1] وقيل: معناه: " في قصور محصنة قاله قتادة.
وقيل المعنى: في قصور السماء، قاله أبو العالية.
والمشيدة عند أهل اللغة المطولة، والمشيدة بالتخفيف المزينة، وقيل: هي المعمولة بالشيد وهو الجص.
وقال بعض الكوفيين: التخفيف والتثقيل أصلحهما واحد.
والتشديد يراد به الجمع كقولهم: غنم مذبحة، وقباب مصنعة، فيقال: " قصور
مشيدة " على ذلك ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45] مثل: كبش مذبوح وكباش مذبحة.
(ومَّشِيدٍ) مفعول: فالمشيدة على هذا المعمولة بالشيد وهو الجص وكذلك قال عكرمة.
قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله﴾ أي: رضاء أو ظفر أو غنيمة ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ﴾ أي: شدة وهزيمة أو جراح (يقولوا هذه من سوء تدبيرك) ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله﴾ أي: الشدة والرخاء، والظفر والهزيمة ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ أي: بقضائه وقدره ﴿فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ أي: ما شأنهم لا يفقهون أن كلاً من عند الله سبحانه.
والوقف على ﴿فَمَالِ هؤلاء﴾ لا يحسن، لأنه إن خالف خط المصحف لم يحسن، وإن وقف على الكلام قبح لأنه لام خفض وقد روي عن بعضهم الوقف على اللام وهو حمزة والكسائي وعاصم قياساً على أصولهم في اتباع السواد، وروي عن غيرهم من القراء الوقف على ﴿فَمَا﴾ على الأصل، والاختيار ألا يوقف عليه فهو
أسلم وأحسن، وليس بموضع تمام، وإنما تكلم فيه الناس على الاضطرار وانقطاع النفس، ووقع ذلك كيف يكون الوقف، فأما أن يتعمد الوقف على هذا فلا يجوز.
قوله: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله.
. .﴾ الآية.
قال الأخفش: ﴿مَّآ﴾ بمعنى الذي.
وقيل: ﴿مَّآ﴾ للشرط.
والمعنى: ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة، فبفضل الله عليك وإحسانه، وما أصابك من جدب وشدة وسقم وألم، فبذنب أتيته قوقبت به، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يصيب الرجل من خدش من عود ولا غيره إلا بذنب، وما يغفر الله عز وجل أكثر ".
وقال ابن عباس: الحسنة هنا فتح بدر وغنيمتها، والسيئة ما أصابه يوم أحد عوقبوا عند خلاف الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ما عوقب به بذنوبهم التي اجترحوها، فهو قوله ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ قال أبو زيد: " وقوله في آل عمران ":
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] معناه بذنوبكم وهو بهذا المعنى.
وقرأ ابن عباس: فمن نفسك وأنا كتبتها عليك وكذلك هي قراءة عبد الله بن مسعود.
وعن ابن عباس أن الآية نزلت في قصة أحد تقول: ما فتحت عليك يا محمد من فتح فمني وما كانت من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك.
وقد ذكر النحاس: أن القول محذوف من الآية والتقدير ﴿لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ يقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة من نفسك [أي: بشؤمك].
وذكر ابن الأنباري قولاً ثالثاً: أن المعنى: ما أصابك الله به من حسنة فمنه،
وما أصابك من سيئة فمن نفسك] أي: بذنبك فالفعلان من الله عز وجل، وهذا يرجع إلى القول الأول.
وذكر فيه قولاً رابعاً: وهو أن يقدر ألف الاستفهام محذوفة والتقدير: وما أصابك من سيئة.
أفمن نفسك؟ كما قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا (عَلَيَّ)﴾ [الشعراء: 22] على معنى: وتلك نعمة كما قال في قوله تعالى: ﴿فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي﴾ [الأنعام: 78] أي: هذا ربي لأنه لم يوجب أنه ربه وإنما قال هذا ربي على سبيل الاستخبار.
قال نفطوية: أصل السيئة ما يسوؤك، فالمعنى وما أصابك من أمر يسوؤك فهو بذنبك وذلك أمر من الله.
وقال الضحاك عن ابن عباس: الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر يوم بدر، والسيئات ما نكبوا به يوم أحد.
قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ الآية.
رسولاً: مصدر مؤكد لأرسلناك، ودخلت " من " في قوله: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾
كما تدخل مع حروف الشرط تقول: إن يكرمني من أحد أكرمه، فتدخل من لأنه غير واجب كما تدخل في النفي إذا هو غير واجب، ولكنها تلزم في الشرط في مثل هذا.
قوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ الآية.
هذا إعذار من الله عز وجل إلى خلقه في طاعة نبيه عليه السلام فإنه عن الله يأمر وينهى، وهو رد إلى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ للناس رسولاً، ثم قال: ومن يطعك فقد أطاع الله، لكنه خرج من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة، كما قال: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾ [يونس: 22] ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: 22]، ﴿وَمَن تولى﴾ أي: من طاعتك يا محمد ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾، رجع الكلام إلى الخطاب ولو جرى على الغيبة لقال: فما أرسلناه.
وقيل: معنى الآية: من يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فرائضه، وهذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، لأن قوله فما أرسلناك عليهم حفيظاً.
يدل على الإعراض عنهم وتركهم إذا تولوا عنه، وهذا مثل " ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ﴾ [الشورى: 48] " ثم
أتى بعد ذلك الغلظة والأمر بالقتال، قال ذلك ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: معنى " حفيظاً " محتسباً.
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية.
" طاعة " رفعت على معنى: أمرنا طاعة، فالمبتدأ مضمر وأجاز الأخفش النصب [على] المصدر كأنهم يقولون نطيع طاعة، وهذه الآية، نزلت في الذين تقدم ذكرهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا ﴿الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: 77].
فالمعنى: يقولون أمرنا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه يا محمد، فإذا خرجوا من عندك يا محمد ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ﴾ أي: غير جماعة منهم ليلاً الذي تقول أي: تقول الطائفة.
ويجوز أن يكون المعنى غير الذي تقول يا محمد من القرآن وغير ذلك، وكل من
عمل عملاً فقد بيته، ﴿والله يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يثبت ما يغيرون من قولك في كتب أعمالهم التي تحصى عليهم.
قال السدي: هم المنافقون يطيعون، إذا حضروا، فإذا خرجوا غيروا وبدلوا، وقال ابن عباس وغيره.
وقيل معنى: يكتب ما يبيتون أي ينزله في كتابه إليك يا محمد ويخبرك به، وفي ذلك أعظم الآيات للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه يخبرهم بما يسرون ليلاً.
قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: دعهم قال الضحاك: المعنى لا تخبرهم بأسمائهم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ فوض أمرك إليه، ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾، أي: حسبك ناصراً على عدوك.
قوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله﴾ الآية.
[المعنى]: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ﴾ المبيتون غير ما تقول ﴿القرآن﴾ فيعلمون حجة الله عليهم، وأنك أتيتهم بالحق من عند الله متسق المعاني مختلف الأحكام بعضه يشهد على بعض بالتحقيق وأن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، فليس من كلام آدمي إلا وفيه اختلاف، إما في
وصفه، وإما في معناه، وإما في بلاغته، وإما في غير ذلك، من أنواع فنونه، والقرآن لا يدخله شيء من ذلك كله.
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله﴾ معناه على قولكم ودعواكم إذ ليس يجوز أن يأتي من عند غير الله مثله، ومعنى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ ألا ينظرون في عاقبته، يقال: " تدبرت الشيء فكرت في عاقبته ".
قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ﴾ الآية.
هذا خبر من الله عز وجل هؤلاء المنافقين الذين يبيتون غير ما يقول القرآن إذا جاءهم [خبر] من سرية غزت للمسلمين أنهم آمنون من عندهم، (أو) أنهم خائفون: صحيح أو غير صحيح، لم يتوقفوا حتى يصح، ويثبت، وأفشوه في الناس.
وقوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ أي: أفشوا (ونشروا) وأسمعوا به، وأعلنوه كان خيراً
أو شراً فبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ﴾ أي: ولو ردوا الأمر الذي جاءهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يكون هو الذي يخبر الناس به إن كان صحيحاً، ويسكت عنه إن كان سقيماً ﴿وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: ليعلموا صحته وسقمه فيخبرون الناس بالصحيح.
والهاء في ﴿بِهِ﴾ وفي ﴿لَعَلِمَهُ﴾ و ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ للأمر، وقيل: للخوف، وقيل: عليهما جميعاً، واكتفى بالتوحيد عن التثنية.
ومعنى: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يبحثون عن صحته، ويستخرجونه.
والهاء والميم في " منهم " تعود على أولي الأمر أي: ليعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه أي: يبحث عن صحته ويستخرجها.
يقال: استنبطت الركية: استخرجت ماءها وسمي النبط نبطاً لاستنباط الماء.
أي: استخراجهم الماء، والنبط: الماء المستخرج من الأرض.
وقيل: إن الذين عنوا بذلك ضعفة المسلمين كانوا يسمعون من المنافقين أخباراً غير صحيحة فيفشونها فعذلهم الله على ذلك، وأمرهم برد ما سمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر فيعلمون صحة ما قيل من سقمه، ويعرفون كذبه من صحته
بالاستنباط.
وقوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لولا نعمته عليكم بأن عافاكم مما ابتُلي بـ هؤلاء المنافقون الذين وصفهم بالتبييت والخلاف ﴿لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ وهو خطاب للذين قال لهم ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ﴾.
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الآية.
هو استثناء من المستنبطين قاله قتادة، وهو قول الزجاج واختياره.
وقال ابن عباس هو استثناء من قوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فهو استثناء من الإذاعة، وهو قول الأخفش والكسائي وأبي عبيدة، وأبي حاتم [وأبي عبيد] وجماعة من النحويين، وهو اختيار الطبري.
وقال الضحاك: هو استثناء من ﴿لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يهموا باتباع الشيطان كما هم الذين استنقدهم الله.
ومعنى ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ وأذاعواه سواء، قاله الكسائي.
قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ الآية.
المعنى: جاهد يا محمد أعداء الله ﴿لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ أي: لا يلزمك إلا أن تقاتل بنفسك ﴿وَحَرِّضِ المؤمنين﴾ أي: حضهم على القتال معك، وأعلمهم ثواب الله في الآخرة للشهداء، ﴿عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي: يكف قتاهم، وعسى من الله واجبة، ﴿والله أَشَدُّ بَأْساً﴾ أي: نكاية في الكفار ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ أي: عقوبة، وهذه الفاء في ﴿فَقَاتِلْ﴾ متعلقة بقوله ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ﴿فَقَاتِلْ﴾ أي: من أجل هذا فقاتل.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله﴾ [النساء: 75] وإنما أمره تعالى بالقتل وحده لأنه وعده بالنصر، ولما أمره الله عز وجل بالقتل بنفسه لبس يوم أحد
درعيم، وركب فرسه وأسكب نبله، فلما نزعه انكسرت بينية القوس من قوته، فأكب نبله، وجعل يناول سعداً سهماً ويقول: ارم فداك أبي وأمي، ولم يقلها لأحد قبله، ولا بعده، فهو من فضائل سعد، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم رمحاً صغيراً أعطاه له قتادة ابن النعمان، فيه قتل أُبي بن خلف الجمحي.
قوله: ﴿مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ الآية.
المعنى: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة يكن له نصيب منها في الآخرة، أي: حظ ﴿وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ أي: إثم منها في الآخرة.
وقال مجاهد: هو شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقاله الحسن وابن زيد وغيرهم.
وقال الطبري: " المعنى: من يشفع وتراً لأصحابك يا محمد في جهاد عدوهم يكن له نصيب منها: حظاً في الآخرة، ومن يشفع وتراً لكافرين يكن له كفل منها أي: وزر وإثم في الآخرة.
وإنما اختار ذلك لأنه في سياق الآية التي حض الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم على القتال فيهت، وحضه على أن يحرض المؤمنين على القتال معه، فصارت هذه الآية وعداً لمن أجاب تحريض رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال، وكان ذلك أشبه عنده من شفاعة الناس بعضهم لبعض إذ لم يجر له ذكر قبل ولا بعد.
والكفل والنصيب عند أهل اللغة سواء، قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: 27] أي: نصيبين، والنصيب قد يكون خيراً أو شراً.
وقال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الذين، والشفاعة السيئة ما لا يجوز في الدين.
وقال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يُشَفَّع.
وروي أن قوله: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ نزل في اليهود كانوا يدعون على المؤمنين في الغيبة بالهلاك، ويقولون لهم في الحضور: السام عليكم، وهو دعاء أيضاً، ثم اتْبع ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ وهو: السلام.
والمقيت: الحفيظ عند ابن عباس.
وقيل: الشهيد، قاله مجاهد.
وقال السدي: المقيت: القدير وهو اختيار الطبري.
وقال الكسائي: مقيتاً مقتدراً.
وقال أبو عبيدة: المقيت: الحافظ المحيط.
وقال ابن جريج: المقيت القائم على كل شيء رواه عن ابن كثير.
وقال بعضهم:
وَذيِ ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه ... وَكُنْتُ على مُسَاءَتِه مَقِيتاً
قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ الآية