الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً.
قال: فانطقع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم بنبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون.
وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جنهم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول.
وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾.
أي: ظللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق.
والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء.
وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾.
فسمى أكل مال
اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار.
ومعنى: " اخسئوا فيها ": تباعدوا تباعد سخط.
يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا﴾.
أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله.
قال مجاهد: هم صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا.
فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء.
﴿فاتخذتموهم سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم.
هذا على قراءة من كسر السين/ ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم.
هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب.
وهو قول الحسن وقتادة.
وهما لغتان عند الكسائي والفراء.
بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لاغير، نحو:
﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: 32]، ثم قال: ﴿حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾.
أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه.
قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ:
﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾.
. إلى قوله.
. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: 29 - 32]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس.
الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾.
إلى آخر السورة
أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً يصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة.
ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم.
وروي أن الله جل ذكره ينسبهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية.
وقوله: ﴿فَسْئَلِ العآدين﴾.
أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم.
قال مجاهد: العادين الملائكة.
وقال قتادة: هم الحساب.
وعنه: يعني أهل الحساب.
وقوله: " عَدَدَ سنين " منصوب على التفسير.
وقرأ الأعمش: " عدداً " بالتنوين، فيكون " سنين ".
في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد.
ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم.
وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله
جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 77] أي ما تستمتع به الخلق من طلول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾.
أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا.
ثم قال: ﴿فَتَعَالَى الله الملك الحق﴾.
أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك.
﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا مبعود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ العرش الكريم﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾.
أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع وبينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾.
أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزائه إذا قدم عليه.
﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله.
وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه.
فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ اغفر وارحم﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سورة
مدنية
قوله تعالى ذكره: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾.
سورة مرفوعة على إضمار مبتدأ، أي هذه سورة، وأنزلناها نعت للسورة، وقبح رفعها على الابتداء لأنها نكرة، ولا يبتدأ بالنكرات إذ لا فائدة فيها، وقد أجازه أبو عبيدة.
وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: اتل سورة، أو على معنى: أنزلنا سورة أنزلناها.
ومن شدد ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ جعله بمعنى: فضلناها، فجعلنا فيها فرائض مختلفة.
وقيل: معنى التشديد أنه فرضها على من أنزلت عليهم، وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة، فشدد ليدل على معنى التكثير من المأمورين.
ومن خفف جعله على معنى: أوجبنا ما فيها من الأحكام فجعلناه فرضاً عليكم.
وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: 50]، يدل على اختيار التخفيف، لأنه فيه معنى تكثير المأمورين، لنه فرض علينا وعلى من بعدنا ومن قبلنا، وفيه فرائض مختلفة أيضاً، وقد أجمع على تخفيفه.
قال ابن عباس ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ بيناها.
وقيل ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ فرضنا العمل بما فيها، وهذا يدل على التخفيف.
وقول ابن عباس يدل على اتشديد.
وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي دلالات وحجج على الحق، واضحات لمن تأملها وآمن بها.
قال ابن جريج: آياتٍ بينات: يعني الحلال، والحرام، والحدود.
﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي تذكرون بهذه الآيات التي أنزل عليكم.
ثم قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾.
كل القراء على الرفع إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ بالنصب، وهو اختيار
الخليل وسيبويه لأن الأمر بالفعل أولى، وسائر النحويين على خلافهما في هذا الاختيار، واستدل المبرد على خلافهما، بإجماع الجميع على الرفع في قوله: ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: 16] وإنما اختار النحويون الرفع لأنه مبهم لا يقصد به شخص بعينه (زنى)، وتقدير الرفع عند سيبويه والخليل " وفيما يتلى عليكم الزانية والزاني، ويحسن الرفع بالابتداء وما بعده خبره، والمعنى من زنى من الرجال والنساء، وهو حر بكر غير محصن فاجلدوه ضرباً مائة جلدة.
﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ أي رقة، ورحمة
عند الجلد في دين الله، أي في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدود، فكل من أقام الحد.
فهو ممن لا تأخذه رأفة في حدود الله.
والرأفة من الآدميين، رقة القلب، وهي من الله تعالى رحمة وإنعام ولا يجوز عليه رقة القلب.
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ لأن لا تقصروا في إقامة الحدود.
﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ وهذا يدل على أن إقامة حدود الله من الإيمان بخلاف ما تدعيه المرجئة من أن الإيمان قول بلا عمل.
وقال ابن المسيب والحسن: معناه لا تخففوا الضرب ولكن أوجعوا،
قالا: هو الجلد الشديد.
وقيل: معناه انزعوا الثياب عنهما قبل الجلد، قاله حماد.
وقال الزهري: يجتهد في حد الزاني والفرية، ويخفف في حد الشارب.
وقال قتادة: يخفف في الشارب والفرية، ويجتهد في الزاني فهذا حد الزاني، وليس في كتاب الله تعالى دلالة على كيفية الجلد، ولكن أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط سوط بين السوطين.
وروي أن عمر رضي الله عنهـ أتي برجل وجب عليه حد فدعا بسوط فقال: إيتوني بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: إيتوني بأشد، فأوتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه.
والزنا من أعظم الكبائر والفواحش.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: بلغنا أنه يرسل يوم القيامة على الناس ريح منتنة حتى تؤذي كل بر وفاجر حتى إذا بلغت من الناس / كل مبلغ، وكادت أن تمسك بأنفاس الناس ناداهم مناد يسمع صوته كلهم: أتدرون ما هذه الريح التي آذتكم؟ فيقولون: لا ندري غير أنها قد بلغت منا كل مبلغ، فقال: ألا إنها ريح فروج الزناة
الذين لقوا الله بزناهم لم يتوبوا منه، ثم ينصرف بهم ولم يذكر جنة ولا ناراً.
وهذه الآية ناسخةٌ للآيتين اللتين في سورة النساء، قوله تعالى ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: 15] إلى ﴿رَّحِيماً﴾ [النساء: 16].
ورأى عثمان بن عفان رضي الله عنهـ، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن مسعود والمغيرة ابن شعبة: أن لا يجرد ثوب المضروب، وبه قال الشعبي
والنخعي وطاوس وقتادة.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه ضرب قاذفاً مجرداً.
وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء نزع، وإن شاء ترك.
وقال مالك: لا تجرد المرأة، ويترك عليها ما يسترها.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: يضرب الرجال قياماً، والنساء قعوداً، وهو قوله الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: يضرب المرأة والرجل وهما قاعدان، ومنع ابن مسعود والحسن والثوري وابن حنبل من مد المضروب.
وقال الشافعي: لا يمد ويترك له يد يتقي بها ولا يربط.
وأمر عمر بضرب امرأة، فقال: اضرباها ولا تحرق جلدها.
وقال الحسن: يضرب السكران ضرباً غير مبرح.
وقال مالك: يضرب ضرباً لا يشق ولا يضع سوطاً فوق سوط.
قال الشافعي: لا يبلغ أن ينهمر الدم في شيء من الحدود والعقوبات؛ لأنه من أسباب التلف، وليس يراد بالجلد التلف، إنما يراد به النكال والكفارة.
وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، يعطى كل عضو من الضرب حقه.
قال الشافعي: ويترك الجلاد في الوجه والفرج.
وقال الشافعي: يجلد العليل المضني بأنكول النخل، ولم يرد ذلك مالك، ولا أرى أنه يبرئ الرجل من يمينه إذا حلف على ضربات وإن كان فيه قضبان كثيرة.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: نفي البكر، والزاني بعد جلد مائة، وكذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
وروي ذلك عن ابن عمر، وأبيّ بن كعب، وبه قال عطاء، وطاووس، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وروي عن ابن عمر أنه رأى نفي المملوك البكر إذا زنى، وهو قول الشافعي، وأبي ثور.
وقال الشافعي، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا نفي على المملوك.
ونفى عمر إلى فدك.
وقال الشعبي: ينفى الزاني عن عمله إلى عمل غير عمله.
وقال ابن أبي ليلى: ينفى سنة إلى بلد غير البلد الذي فجر فيه.
وقال مالك: يغرب عاماً في بلد يحبس فيه لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾.
قال مجاهد وابن أبي نجيح: أقل الطائفة رجل، وكذلك قال النخعي.
وقال الحسن، والشعبي: الطائفة رجل فما زاد.
وقال عطاء، وعكرمة: أقل الطائفة هما رجلان.
وقال الزهري: الطائفة ثلاثاً فصاعداً.
وقال قتادة: هم نفر من المسلمين.
وقال ابن زيد: الطائفة هنا أربعة، وكذا قال: مالك، والليث.
وإنما جعلت الطائفة أربعة ليشهدوا أنه محدود على الزنا متى قذفه أحد بالزنا، فسقط حد القذف عن القاذف بتلك الشهادة، والزنا لا يقبل فيه أقل من أربعة، ومنع الزجاج أن تكون الطائفة واحداً، لأن معناه معنى الجماعة، ولا تكون الجماعة لأقل
من اثنين، واختار الطبري قول من رأى أن أقل الطائفة رجل واحد.
قال: واستحب لأن لا يقصر على أربعة عدد، من تقبل شهادته على ذلك لأنه إجماع.
وأجاز جماعة من أهل اللغة أن يقال للواحد طائفة، وللجماعة طائفة، لأن معنى طائفة: قطعة، يقول: أكلت طائفة من الشاة، أي قطعة منها.
واستدل من قال: إن الطائفة تقع على الواحد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: 123] ولم يختلف أن الواحد إذا نفر من جماعة لطلب العلم والتفهم / في الدين: أنه يجزئ: فهو طائفة.
قوله تعالى ذكره: ﴿الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى المؤمنين﴾.
هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في نكاح نسوة من أهل الشرك معروفات، كن يكرين أنفسهن للزنا، فأنزل الله تعالى تحريمهن على المؤمنين فقال: الزاني من المؤمنين لا يتزوج امرأة من أولئك البغابا، فإن تزوجها فإنما يتزوج زانية أو مشركة لأنهن كن مشركات، والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان من المؤمنين أو مشرك مثلها.
﴿وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين﴾، أي حرم الله نكاحهن على المؤمنين.
قال ابن عمر: استأذن رجل من المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها: أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فنزلت الآية.
قال مجاهد: وقتادة، والزهري: نزلت الآية في نساء معلوم منهن الزنا في الجاهلية، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فالآية على هذا القول مخصوصة محكمة في نساء بأعيانهن.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هي عامة ولكنها نسخت بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ الآية، فكل من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها بعد الاستبراء، وهو قول ابن عمر، وسالم، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاووس، ومالك وأبي حنيفة، والشافعي.
قال الشافعي: الآية منسوخة إن شاء الله، كما قال ابن المسيب.
قال الشافعي: الآية منسوخة إن شاء الله، كما قال ابن المسيب.
وروي عن بعض أهل العلم أنه قال: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم ظهر له أن
يتزوجها فليتعرض لها في الزنا فإن قبلت منه، وساعدته فلا يتزوجها، وإن أبته من العودة فليتزوجها إن شاء.
وعن ابن عباس: أن النكاح هنا الوطء، أي الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة أو مشركة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان من أهل القبلة مثلها أو مشرك.
﴿وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين﴾.
أي وحرم الزنا على المؤمنين، واختار الطبري هذا القول، واحتج في ذلك بأن الزانية من المسلمين لا يحل أن تتزوج مشركاً بحال، ولا يجوز للزاني من المسلمين أن يتزوج مشركة وثنية بحال، فيكون المعنى: الزاني من المسلمين لا يزني إلا بزانية من المسلمين لا تستحل الزنا أو بمشركة تستحل الزنا والزانية لا تزني إلا بزان من المسلمين لا يستحل الزنا أو بمشرك يستحل الزنا، وأنكر هذا القول بعض العلماء، لقوله تعالى ذكره: ﴿وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين﴾ لأنه لا يلزم على قول ابن عباس أن يكون المعنى وحرم الزنا على المؤمنين وليس هو محرم على المؤمنين خاصة، وإنما التقدير: حرم هذا النكاح على المؤمنين، أي نكاح البغايا، والزنا محرم على المؤمن والكافر.
وقال الحسن: معنى الآية: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة أو مشركة، وكذا الزانية.
وهو مذهبه.
وروي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله ".
فعلى قول الحسن تكون المشركة هنا يراد بها الكتابية، وليس على هذا القول أحد من فقهاء الأمصار، والحديث عندهم منسوخ بإنكاح الأيامى في القرآن.
قال أحمد بن يحيى: حقيقة النكاح الوطء.
تقول العرب: أنكحت الأرض الحنطة، وأنكر هذا أبو إسحاق وقال: النكاح ليس هو الوطء، إنما هو عقده.
وقيل الآية محكمة، والمعنى الزاني المشهور ثلاثاً لا يحل لمؤمنة أن تتزوجه، والزانية المشهورة بالزنا لا يحل لمؤمن أن يتزوجها.
وقيل: هو منسوخ بإجماع المسلمين، إن المؤمن لا يحل له نكاح مشركة ولا لغير زان، وكذلك الزانية المؤمنة لا يحل لها نكاح مشرك أي زواجه بإجماع.
قوله تعالى ذكره: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾.
أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات / فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وأولئك هُمُ الفاسقون﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن.
وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء.
وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير.
وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين.
وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون.
ومعنى الإحصان هنا العفة.
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله:
﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب.
وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تجوز شهادة محدود في الإسلام "، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي.
فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب.
واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك.
وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص.
قال تعالى: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾.
ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في " إنه لمن "، و " إنها لمن " لأنها جواب القسم.
وقوله: " أربع " من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات.
وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في
الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله / عليها إن كان صادقاً في قوله.
وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب.
قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد.
وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام.
وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكا يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن.
فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه
الولد ولا يتزوجها أبداً.
فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية.
وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان.
جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره.
قال: ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم.
﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾،، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً.
ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
قال عبد الله بن عباس: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره.
والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها.
وقوله تعالى: ﴿لَّكُمْ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك.
ثم قال: ﴿والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك.
روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها.
وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك.
وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.
قوله تعالى ذكره: ﴿لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات﴾.
هذه الآية عتاب " من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة.
قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه.
ثم قال: ﴿هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾،، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر.
ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك.
ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك.
﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم
حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه.
روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع عليها الفاحشة.
قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض.
وقرأت عائشة رضي الله عنها: " إذ تلقونه " بكسر اللام وضم القاف مخففاً.
يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة.
وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته.
وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب
والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي صلى الله عليه وسلم وحليلته.
ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في " إذ "، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ﴾.
قال: ﴿ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم.
قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره.
قال: ﴿وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه.
﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره.