الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: " مدحوراً ": مبعداً مقصى في النار.
قال ابن عباس: " مدحوراً " مطروداً.
ويروى أن من قوله [تعالى ": ﴿[وَ] لاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [ عز وجل] على موسى [ صلى الله عليه وسلم] في التوراة.
ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] إلى آخر الثلاث آيات.
وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [ عز وجل] في سورة آل عمران.
وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك.
قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً﴾.
هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس / الذكور من الأولاد واتخذ
لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [ عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم.
وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة.
وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة.
قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾.
أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد.
والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: " في ": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن.
والأول أحسن.
فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه.
وتشديد " لِيَذَكَّرُوا " تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت.
وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: 40] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا.
وقال: ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: 63] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 11 - 12] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: 42] " فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان.
وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد.
قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾.
المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [ عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته].
قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه.
وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه.
وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ﴾.
ينزه نفسه عما قالوا وافتروا.
و " كلوا ": مصدر.
جاء على غير ال [م] صدر.
ولو جاء على مصدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: 8] ومثل " ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17].
قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع﴾.
أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و " من فيهن "، يعني: من في السموات والأرض من الملائكة والجن والإنس.
ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.
روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: " يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله وبحمده " فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [ عز وجل] : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ".
وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح.
وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح / من ضجرة وغيرها.
وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه.
وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده.
﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك.
وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: " لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [ عز وجل] أكثر تسبيحاً منها ".
وذكر أبو عبيد أن داوود صلى الله عليه وسلم بات داعياً لربه [ عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض.
فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [ عز وجل] .
واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ [البقرة: 74] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [ عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته.
وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته.
فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه.
كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها!
و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء.
الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [ عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء.
والروايات بذلك كثيرة مشهورة.
وهذا باب يتسع فيه
الكلام لكثرة الشواهد عليه.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾.
أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترس عليه.
" غفوراً " أي: ساتر [اً] لذنوب من آمن [به] منهم.
قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.
قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا﴾.
أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجاباً يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على كفرهم.
ومستوراً هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم.
وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله [ عز وجل] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه.
والحجاب هنا
الطبع على قلوبهم.
ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبّون النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إذا سمعوه يقرأ ليشتدَّ على الناس فأعلمه الله [ عز وجل] أنه يحول بينه وبينهم حتى لا يفهمون ما يقول.
قال /: ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾.
أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ.
والأكنة: جمع كنان: " أيفقهوه ": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه [ا] لا يفقهوه.
و ﴿وفيءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾.
أي: جعلنا في ءاذانهم صمماً لئلا يسمعوه.
أي: قال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرءان وَحْدَهُ﴾.
[أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان ﴿وَلَّوْاْ على أدبارهم نُفُوراً﴾ أي: انفضوا عنك وذهبوا نفوراً من قولك واستعظاماً من تويحد الله جل ذكره.
وقال عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال ابن زيد " نفوراً " بغضاً لما تكلم به لئلا يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به نوح [ صلى الله عليه وسلم] من الاستغفار والأمر بالتوحيد.
وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [ عز وجل] وحده في القرءان هربوا.
ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر.
ولا يكون إلا مضافاً ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد نفسه بمجيئه إليّ إفراداً.
أي: لم يأتني مع غيره.
وإذا قلت: رأيت القوم وحدهم.
فمعناه:
أفردتهم برؤيتي لهم أفراداً.
أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم.
فكأنه مصدر عمل فيه فعال في معناه من غير لفظه.
فأما قولهم: هو نسيج وحده.
فهو مجرور في هذا المثل.
ومعناه: المدح للرجل المنفرد برأيه.
وهو مأخوذ من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله [غيره].
وكذلك قولهم: هو عُيير وحدِه وجُحيش وحدِه أتى مخفوضاً مضافاً إليه، ولا يقاس على هذه الثلاثة غيرها.
فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثاً وخمستهم تخميساً.
وبعضهم يجر [ي] هـ على ما قبله من الأعراب.
يجعله بمنزلة كلهم.
فيقول: فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا.
وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا.
وخمستنا تخفض على
التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على التأكيد للمضمر المرفوع.
قال [تعالى ذكره]: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾.
أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ.
﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر.
وهذا مثل قولهم " قوم رضى " ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
والعامل في: إذ ": من قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ " نجوى " أي: يتناجون في هذا الوقت.
والعامل في إذ الأول " يستمعون: الأول.
والمعنى: نحن يا محمد لا أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في / وقت قولهم بعضهم لبعض: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً.
وقيل: يقول ذلك للمؤمنين.
ومعنى " مسحوراً ": أي: له سَحَر، والسحر الرئة.
أي: يأكل ويشرب لأن
كل من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً﴾، مثلكم.
وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء.
قال [تعالى]: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾
المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور وهو شاعر وهو مجنون.
" فضلوا " أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم.
﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾.
أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق.
وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه قاله: مجاهد.
قوله: ﴿وقالوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً [أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ]﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد
الموت.
والرفات: التراب، قاله مجاهد.
أي: قالوا منكرين للبعث أنُبعَث بعد أن كنّا عظاماً وتراباً في قبورنا.
وقال ابن عباس: الرفات: الغبار.
وقال أبو عبيدة والكسائي/ الرفات الحطام.
والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة.
والرفات في اللغة: الرضاض والحطام.
يقال: رفت رفتاً إذا حطم.
ولا واحد له كالدقاق.
وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبداً محل فعال.
نحو الفتات والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (50)﴾ أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد لكم من الموت والبعث أي: استشعروا مت شئتم أن تكونوا عليه من الخلق.
فلا بد أن يمتكم الله [ عز وجل] ثم يحييكم.
وقال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو الموت.
أي: لو كنتم
الموت بعينه لأماتكم الله عز وجل ثم أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن والضحاك.
وقال ابن جبير، كونوا الموت فإن الموت سيموت.
قال عبد الله بن مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ويا أهل النار بأن الموت قد هلك.
وقال مجاهد قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو السماء والأرض والجبال.
ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [ صلى الله عليه وسلم] إذ قالوا له " من يعيدنا " أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً، فقل لهم يا محمد يعيدكم ﴿الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً.
ثم قال الله [ عز وجل] لنبيه [عليه السلام] ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾.
أي: يحركونها استهزاء واستبعاداً للبعث.
و/ النغض في كلام العرب حركة بارتفاع وانخفاض.
﴿[وَيَقُولُونَ] متى هُوَ﴾ أي: متى البعث، فقيل لهم يا محمد ﴿عسى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي: هو قريب.
لأن عسى من الله [تعالى] واجبة.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾.
أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بأمره، قاله: ابن عباس.
وقال قتادة: " بحمده " بمعرفته.
وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال.
كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله.
أي: ولله الحمد على كل حال.
وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك.
وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم.
وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يعني: بين النفختين.
وذلك أنه يكف عنهم العذاب بين النفختين فينامون فذلك ما حكى [ عز وجل] عنهم قي يس أنهم يقولون: ﴿ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص لمن قاتل نبياً، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة نبي.
ثم قال [تعالى] قَالُواْ ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في الأرض إلا وقتاً قليلاً كما قال ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ العآدين﴾ [المؤمنون: 112و113].
قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلّت حين عاينوا يوم القيامة.
قوله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ التي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة.
وقال الحسن: ﴿التي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة.
وقيل: ﴿التي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقولوا: لا إله إلا الله.
وقوله: ﴿إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين.
إنه كان
للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن.
ولا سلطان له عليه.
قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾.
هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: " ربكم " أيها المشركون " أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة.
ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾.
أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير.
قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السماوات والأرض﴾.
أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم / وأهل التوبة منهم من أهل المعصية.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ﴾.
وهو اتخاذه لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً.
وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن ".
وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ صلى الله عليه وسلم] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله.
قال تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ادع [وا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله
عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم.
هؤلاء الذين أمر الله [ عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد.
وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم.
وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم.
وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط.
وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ [سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم.
قاله ابن مسعود.
ولذلك قال: ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة﴾ أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير.
ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول.
والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون.
وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة.
وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين.
ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً.
واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ صلى الله عليه وسلم] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى.
قوله: ﴿وَإِن [مِّن] قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾.
المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو بموت.
وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلوكها.
[وهو / قول حسن] دليله [قوله تعالى].
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59] وله في القرآن نظائر.
﴿ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾.
أي: في اللوح المحفوظ.
وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [ عز وجل] للملائكة فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلّت عظمته].
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات﴾.
المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش ﴿إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون﴾ فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء بالآيات وكذبوا
لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [ عز وجل] بهم في ترك مجيء الآيات التي سألوها فيه الصلاح.
وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخَّر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا بها فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم.
فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من يؤمن ومنهم من يولد له من يؤمن.
فأخّر الآيات ليتم علمه فيهم.
وعلم من الأمم الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل الآيات فكفروا فأهلكوا.
وأخّر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم.
وقد ظهرت آيات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمعنى في هذا: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على كافري أمة محمد [ صلى الله عليه وسلم] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب الدنيا.
وهو قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. فالنبي صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم من الضلال
وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخّر عذابهم واصطلامهم إلى الآخرة.
قال ابن عباس: " سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: " إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتني منهم.
وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية " وعلى هذا المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة.
ثم قال [تعالى] ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً﴾.
أي: وقد سأل [ت] الآيات من قبل محمد [ صلى الله عليه وسلم] ثمود فأتيناها ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: مضيئة ظاهرة بمنزلة قوله: ﴿والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: 67] أي: مضيئاً.
وقيل: معنى مبصرة مبينة.
أي: تبين لهم
صدق صالح عليه السلام.
وقال مجاهد مبصرة [آية].
ثم قال: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾.
أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جائتهم فصار ظلمهم من أجلها.
وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها.
ثم قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾.
أي: وما نرسل بالعبر إلا تخويفاً / للعباد.
وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات القرآن.
وقال الحسن: هو الموت الذريع.
وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة.
وآية عقوبة، يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معه [م] االنظرة، ومنه قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ فهذه معها النظرة، والثالثة: آية سألتها أمة غير ما
جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما قد قال له أولاً.
ومعنى: ﴿أَحَاطَ بالناس﴾ أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة.
قال الحسن: معناه: أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل.
ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ [إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ]﴾.
يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام.
وهذا
مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم.
لأنها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد.
لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا وأبعد منه.
فلما أخبرنا الله [ عز وجل] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا أنها رؤيا عين.
لأن من كان ضعيفاً في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه.
وأيضاً فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك.
وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه.
فعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل.
فرده المشركون.
فقال ناس: قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك.
والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح
- غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد شهوراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة.
فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [ عز وجل] . ويروى " أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [رضي الله عنهـ] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة.
/ فقال أبو بكر: تكذبون عليه.
فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس.
فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه.
ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم.
قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته.
قال الحسن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت أشهد أنك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] حتى إذا انتهى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق.
فيومئذ سماه الصديق " وأنزل الله [ عز وجل] فيمن ارتد عن إسلامه
في ذلك الوقت الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ﴾ الآية.
وقيل: إنها رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فغمته: رأى أن بني أمية ينزون على منبره نزو القردة.
فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات.
والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة لأحد.
وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس.
وأيضاً فإن السورة مكية، والريا التي رآها في المنام بالمدينة كانت.
وقوله: ﴿والشجرة الملعونة فِي القرآن﴾.
قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم.
وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير والنخعي ومجاهد والضحاك.
وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم فوصفها الله [ عز وجل] لهم في " والصافات ".
قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم بنار تخرق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [ال] شجرة.
وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا.
وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار تأكل الشجر.
فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين.
وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها.
وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون.
ثم قال ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾.
أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا طغياناً أي: تمادياً في كفرهم كبيراً لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالثمر / الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم.
قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ﴾.
المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار.
والنار تأكل الطين.
قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [ صلى الله عليه وسلم] . فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها، فهوى صائر إلى النار، وإن
كان ابن نبيين.
قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ﴾
المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت عليّ: أي: فضلته علي وأمرتني بالسجود له ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة﴾.
أي: أخرت هلاكي إلى يوم القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى بعدها أحد إلا الله جل ذكره، فأبى الله [سبحانه] ذلك عليه.
وقال إنك ﴿مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ [الحجر: 38] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق.
وبين النفختين أربعون سنة.
قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس.
وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن.
فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع.
إذا ذهب به كله.
وقيل هو من
قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلاً في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ابن السكيت.
وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا الاشتقاق لأسوقنهم كيف شئت.
وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [ عز وجل] ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾.
قال تعالى: ﴿قَالَ اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾.
أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على دعائك إياهم إلى معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك ﴿جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ أي: مكملاً.
وقال مجاهد: " موفوراً " [أي] موفراً.
وقيل موفوراً مكملاً.
قال تعالى: ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.
المعنى: واستخف من استطعت منهم، واستجهل ونحوه.
ومعنى " بصوتك ": عند مجاهد أنه صوت الغناء واللعب.
وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك.
وقال ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة.
وقيل: صوت المزمار.
وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [ عز وجل] فهو صوت الشيطان، وكل راكض في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان.
وكل ماش في
غير ذات الله [جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان.
وقيل معنى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، أي: أجمع عليهم / من ركبان جندك ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان على فلان إجلاباً إذا صاح عليه، والجلبة الصوت.
وقال قتادة: إن له خيلاً ورجلاً جنوداً من الجن والإنس يطيعونه.
وقال ابن عباس: خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية الله [تعالى].
ثم قال [تعالى] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد﴾.
يعني: الأموال التي أصابوها من غير حلها.
قاله مجاهد.
وقال الحسن: هي أموال أعطاها الله [ عز وجل] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان.
وقيل: هو ما كان المشركون يحرمونه من أموالهم
يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان المشركون يذبحون لآلهتهم.
فأما مشاركته في الأولاد لهم.
فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن.
وعن ابن عباس، أيضاً: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزيز.
ثم قال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾
أي: عِدْهُمُ النَّصْرَ على من أرادهم بسوء
ثم قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾.
أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [ عز وجل] من شيء.
وهذا كله من الله وعيد وتهديد لإبليس عليه اللعنة.
ومثله ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40].
وقيل: إنما أتى هذا على وجه التها [ون] بإبليس وبمن اتبعه.
قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.
أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ " أي: حجة.
وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن يقبل منه، هذا قول: ابن جبير.
وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة.
ثم قال تعالى: ﴿وكفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾.
أي: وكفى بربك يا محمد حافظاً لك.
وقال قتادة: " وكيلاً ": كافياً عباده المؤمنين.
وقيل: معناه منجياً مخلصاً من الشيطان.
قوله: ﴿رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك﴾.
هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [ عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها القوم، هو ﴿الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك﴾ أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن ﴿فِي البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه.
قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾.
أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون / من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [ عز وجل] مغيثاً إذا دعوتموه.
﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ﴾.
أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما