الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6507-6546
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6507-6546
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

ثم قال: " ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي خلق الخلق الأول ولم يكونوا شيئاً.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾.
قال السدي: معناه: وما كنتم تستخفون من جوارحكم.
وقال مجاهد: معناه: " وما كنتم تتقون "، وقال قتادة: معناه: وما كنتم تظنون.
قال قتادة: والله إن عليك يا ابن آدم لشهوداً غير متهمة من بدنك فراقبهم واتق الله في سر أمرك وعلانيتك، فإنه لا تخفى عليه خافية، الظلمة عنده (ضوء، والسر) عنده علانية من استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: ﴿ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ولكن حسبتم أيها العاصون حين ركبتم المعاصي في الدنيا أن الله لا يعلم أعمالكم فلذلك

فعلتموها).
قال ابن مسعود: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي، كثير شحوم أبدانهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أفهمه.
فقال أحدهم، أترون أن الله يسمع ما نقول.
فقال الرجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمع.
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ.
. .﴾ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أي: وذلك الذي جنيتم في الدنيا على أنفسكم من معاصي الله هو ظنكم الذي ظننتم أن الله لا يعلم ما تعملون، أهلككم ذلكم الظن فأصبح في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم.

وقرأ الحسن هذه الآية ثم قال: قال الله جل ذكره: " عبدي، أنا عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني ". ثم نظر الحسن فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، (وأما الكافر والمنافق فأساء الظن وأساء العمل).
وذكر معمر أنه بلغه أنه: " يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول: يا رب، ما كان هذا ظني بك.
قال: (وما كان ظنك) قال: كان ظني بك أن تغفر لي ولا تعذبني قال: فإني عند ظن عبدي ".

وقال قتادة: الظن ظننان: ظنُّ مُرْدٍ، وظنُّ مُنْجٍ، فأما الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، ومن قال: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 20] فهذا الظن المنجي - ظن ظناً يقيناً - قال: وقال هاهنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ فهذا ظن مرد.
وقوله عن قول الكافرين: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [الجاثية: 32] مثله.
قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه وسلم كان يقول ويروي عن ربه عز وجل: " عبدي أنا عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني ". فمعنى الآية: وهذا الظن الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيراً مما تعملون هو الذي أهلككم لأنكم من أجل هذا الظن الخبيث تجرأتم على محارم الله سبحانه، وركبتم ما نهاكم عنه فأهلككم ذلك وأصبحتم في القيامة من الذين خسروا أنفسهم فهلكوا.
وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من استطاع منكم ألا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله فليفعل.
ثم تلا " {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ " الآية.

واستحب العلماء للرجل المؤمن أن يكون الخوف عليه في حصته أغلب من الرجاء، فإذا مرض وحضرت وفاته استحبوا أن يكون الرجاء في عفو الله أغلب عليه من الخوف.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾، المعنى فإن يصبروا على النار أولا يصبروا فالنار مسكن ومأوى لهم.
﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين﴾، أي: وإن يسألوا الرجعة إلى الدنيا والتخفيف من العذاب فما هم ممن يخفف عنهم ما هم فيه ولا يرجعون إلى الدنيا.
وقيل: المعنى: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مسكن لهم في الآخرة كما قال: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ [البقرة: 175]. وقيل: المعنى: وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم فما هم من المعتبين.
والاستعتاب إنما يكون من الجزع.
فهذا يدل على أنه في النار يكون ذلك.

وقيل: المعنى: " فإن يصبروا فالنار أو يجزعوا فالنار مسكن لهم ". وقيل: المعنى: إن يصبروا في الدنيا على تكذيبك واتباع آلهتهم، فالنار مثوى لهم يوم القيامة.
ويقال: إن هذا جواب لقولهم: ﴿أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ﴾ فقال الله تعالى جل ذكره إن يصبروا على آلهتهم، أي: على عبادتها ﴿فالنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾، وإن يستعتبوا يوم القيامة / فلن يعتبوا.
قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾.
أي: ونصبنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء يزينون لهم قبائح أعمالهم.
قال ابن عباس: القرناء هنا: الشياطين.
وحقيقة قيضنا سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا.
وقوله: ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.
يعني: من أمر الدنيا فحسنوا ذلك، وحببوه لهم حتى آثروه على

أمر الآخرة.
وقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ قال مجاهد: حسنوا لهم أيضاً ما بعد مماتهم فدعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأنه لا ثواب ولا عقاب، وهو أيضاً قول السدي.
وقيل: معنى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾، يعني: في النار فزينوا لهم أعمالهم في الدنيا.
والمعنى: قدرنا عليهم ذلك أنه سيكون وحكمنا به عليهم.
وقيل: المعنى: أخرجناهم إلى الاقتران فأحوجنا الغني إلى الفقير ليستعين به، وأحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، فحاجة بعضهم إلى بعض تقيض من الله عز وجل لهم ليتعاونوا على طاعته فزين بعضهم لبعض المعاصي.
قال ابن عباس: ما بين أيديهم هو تكذيبهم بالآخرة والجزاء والجنة والنار،

وما خلفهم: الترغيب في الدنيا والتسويف بالمعاصي وقيل: المعنى إنهم زينوا لهم مثل ما تقدم لهم من المعاصي فهو من بين أيديهم، وما خلفهم: ما يعمل بعدهم أو بحضرتهم.
وقيل: ما بين أيديهم: ما هم فيه، وما خلفهم: ما عزموا أن يعملوه.
ثم قال تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾، أي: وجب لهم العذاب بكفرهم وقبولهم ما زين لهم قرناؤهم من الشياطين.
وقوله: ﴿في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس﴾، معناه: ووجب عليهم القول في أمم قد مضت قبلهم.
(أي ووجب عليهم من العذاب مثل ما وجب على أمم مضت قبلهم) من الجن والإنس لكفرهم وعملهم مثل عملهم.
وقيل: " في " هنا، بمعنى " مع ". فالمعنى: ووجب عليهم العذاب بكفرهم مع أمم مضت قبلهم بكفرهم

أيضاً، هم داخلون فيما دخل فيه من قبلهم من الأمم الكافرة.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾، أي: مغبونين ببيعهم رضاء الله عز وجل بسخطه، ورحمته بعذابه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾، أي: قال الملأ من قريش لأهل طاعتهم من العامة: لا تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا قرأه ولا تتبعوا ما فيه.
وألغوا فيه بالباطل (من القول).
إذا سمعتم قارئه يقرأه لا تسمعوا ولا تفقهوا) ما فيه.
هذا قول ابن عباس.
وقال مجاهد: اللغو هنا: المكاء والتصفيق والتخليط (في المنطق) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قرأ القرآن أمروا سفهاءهم بذلك.
وقال قتادة: والغوا فيه، أي: اجحدوا وأنكروه وعادوه.
يقال: لغى يلغى، (ويلغو لغواً، ولغى ولغي يلغى لغى)

وبهذه جاء القرآن.
وقرأ ابن أبي إسحاق: " والغوا فيه " على لغا يلغو، واللغو في الكلام ما كان على غير وجهه مما يجب أن يطرح ولا يعرج عليه.
واللغو أيضاً مما لا يفيد معنى من الكلام.
قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ رفع صوته فتطرد قريش عنه الناس ويقولون: لا تسمعوا والغوا فيه لعلكم تغلبون، وإذا خافت لم يسمع من يريد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]. وعن ابن عباس أيضاً أن أبا جهل هو الذي قال هذا: إذا رأيتم محمداً يصلي فصيحوا في وجهه وشدوا أصواتكم بما لا يفهم حتى لا يدري ما يقول.
وروي أنهم إنما فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن، ورأوا من (يكرهه) يؤمن به لإعجازه بفصاحته، وكثرة معانيه وحسنه ورصفه.

ومعنى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، أي: لعلكم تصدون من أراد استماعه عن فهمه فلا ينتفع به فتغلبون محمداً صلى الله عليه وسلم أي في الآخرة على فعلهم.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ "، أي ولنجازينهم على قبيح أعمالهم في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله النار لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾، أي: جزاء المشركين في الآخرة النار، لهم فيها دار المكث أبداً.
﴿جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لهم بجحودهم في الدنيا بآياتنا، وكفرهم بها.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس﴾، أي: وقال الكفار يوم القيامة بعد دخولهم النار: ربنا أرنا اللذين أضلانا من خلقك من جهنم وإنسهم نجعلهما تحت أقدامنا في النار، لأن أبواب / جهنم بعضها تحت بعض فكل ما سفل كان أشد عذاباً مما علا، نعوذ بالله منها.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: هما إبليس الأبالسة وابن آدم الذي قتل

أخاه.
وهذا قول قتادة والسدي.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾، إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه لا رب لهم غيره، ثم استقاموا على التوحيد والطاعة إلى الوفاة.
" روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ - الآية " فقال: " قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم.
فمن مات عليه فهو ممن استقام ". وقيل: معناه: ثم لم يشركوا به شيئاً.
قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنهـ. وروي عنه أنه هذه الآية قرئت عنده فقال: هم الذين لم يشركوا به شيئاً، فقالوا: لم يعصوا الله؟ فقال أبو بكر: لقد ضيقتم الأمر، إنما هو: ثم استقاموا (على ألا

يشركوا به شيئاً).
وعنه أنه قال: ثم استقاموا: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.
وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، ثم لم يشركوا حتى لقوه.
وروى الزهري أن عمر رضي الله عنهـ تلا هذه الآية فقال: استقاموا - والله - على طاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب.
وقال قتادة: استقاموا على طاعة الله عز وجل.
وكان الحسن إذا قرأها قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الإستقامة.
وقال ابن زيد: استقاموا على (عبادة الله وعلى طاعته).
وقيل: لم يحدثو بعد إيمانهم كفراً.
لأن المشركين قالوا: ربنا الله وعبدوا الأصنام وقالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، وقالت اليهود: ربنا الله، ثم كفروا فقالوا: عزير ابن الله سبحانه وكفروا بمحمد، (وقالت النصارى: ربنا الله ثم كفروا وقالوا

عيسى ابن الله، وقال بعضهم هو الله، وقال المسلمون: ربنا الله ولم يعبدوا معه غيره ولوآمنوا بمحمد وبجميع الأنبياء.
وقوله ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة﴾، معناه: تتهبط عليهم الملائكة من عند الله عند نزول الموت بهم.
قاله مجاهد والسدي.
يقولون لهم: لا تخافوا مما قدامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، وأبشروا بالجنة التي وعدكموها الله عز وجل، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وقرأ ابن مسعود: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة﴾ لا تخافوا، أي: قائلة لهم: لا تخافوا مما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم.
وقال السدي: معناه: لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم.
وقال مجاهد: معناه: ألا تخافوا مما تقجمون عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم من جنياكم من أهل، وولد، ودار فإنا نخلفكم في ذلك كله.
قال زيد بن أسلم: البشارة في ثلاثة مواطن: عند الموت، وعند القبر، وعند البعث.

وعن ابن عباس أن هذه البشرى في الآخرة تكون لهم من الملائكة.
فالمعنى: تقول لهم الملائكة: نحن كنا نتولاكم في الدنيا وهم الحفظة الكتبة، قاله السدي، قال: هم الحفظة وهم أولياء المؤمن في الآخرة كما كانوا أولياءه في الدنيا.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ﴾، أي: لكم ذلك في الجنة.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، أي ما تريدون، وتدعون ما شئتم يأتكم.
وقوله: ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾، أي: أنزلهم الله عز وجل عز وجل ذلك نزلاً، فهو مصدر، وقيل: في موضع الحال.
والمعنى: منزلين ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ﴾ للذنوب لمن تاب منها، ﴿رَّحِيمٍ﴾ بمن آمن وتاب.
قال ثابت البناني: بلغنا أن المؤمن يتلقاه ملكاه - اللذان كانا معه في الدنيا

  • إذا بعث من القبر - فيقولانن له: لا تخف ولا تحزن ﴿وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ - إلى قوله - ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ فيؤمن الله خوفه، ويقرعينه.
    قوله تعالى ذكره ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾ معناه: لا أحد أحسن قولاً ممن هذه صفته، أي: ممن قال: ربنا الله ثم استقام على الإيمان به والقبول لأمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال به وما عمل.
    وقرأ الحسن يوماً هذه الآية فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي والله، هذا صفوة الله، هذا خير الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال إنني من المسلمين؛ فهو خليفة الله سبحانه.
    فالآية عند الحسن لجميع المؤمنين.
    وقال قتادة: هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجة مخرجه، وسره علانيته وشاهد مغيبه، ثم قال: وإن المنافق عبد خالف قوله عمله ومولجه مخرجه، وسره

/ علانيته، وشاهده مغيبه.
قال السدي: عني بهذه نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم، دعا إلى الله جل ذكره، وعمل صالحاً، وقاله ابن زيد وابن سيرين).
روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في المؤذنين.
وقال عكرمة: قوله: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾، يعني: المؤذنين.
﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: صلى وصام.
وذكر في حديث يرفعه: " أول من (يقضي) الله له بالرحمة يوم القيامة المؤذنون، وأول المؤذنين مؤذنو مكة.
قال: والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة.
والمؤذنون إذا خرجوا من قبورهم أذنوا فنادوا بالآذان، والمؤذنون ولايدودون في قبورهم.

وعن عمر رضي الله عنهـ أنه قال: " قالت الملائكة: لو كنا نزولاً في الأرض ما سبقنا إلى الآذان أحد ". وقال قيس بن أبي حازم: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾، قال: هو المؤمن ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: الصلاة بين الأذان إلى الأقامة.
وهذه الآية تدل على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، أي: قد استسلمت لله عز وجل وخضعت له بالطاعة جلة عظمته.
ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة﴾ " لا " الثانية زائدة للتأكيد.
والمعنى: لا يستوي الإيمان بالله عز وجل، والعمل بطاعته سبحانه، والشرك بالله عز وجل والعمل بمعصيته تعالى.
قال عطاء: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك.

ثم قال ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي: ادفع بالحالة التي هي أحسن السيئة.
والمعنى: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك إساءة من أساء إليك، وبصبرك على مكروه من تعدى عليك.
وقال ابن عباس في الآية: أمر الله عز وجل المسلمين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة.
فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم حتى يصير كأنه ولي حميم.
وقال مجاهد: معناه: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك، تقول له إذا لقيته السلام عليكم، وقاله عطاء.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هما الرجلان يسب أحدهما الآخر، فيقول المسبوب للساب: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، فيصير الساب كأنه صديق لك، قريب منك.
والحميم: القريب.
قال المبرد: " الحميم: الخاص ".

ثم قال تعالى جل ذكره ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ﴾، أي: وما يعطى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا - لله - على المكاره والأمور الشاقة ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: وما يعطى ذلك إلا ذو نصيب وافر من الخير.
وقيل: المعنى: ما يلقى شهادة ألا إله إلا الله إلا الذين صبروا على المكاره والأذى في الله عز وجل، وما يلقى ذلك إلا ذو حظ عظيم في الآخرة.
ونزل هذا كله بمكة والمؤمنون يؤذون على الإيمان، ويمتحنون ويعذبون حتى فروا إلى أرض الحبشة.
وقيل: إنها والتي قبلها نزلتا في أبي بكر رضي الله عنهـ. ثم هي عامة في كل من كان على طريقته ومنهاجه.
وقال قتادة: الحظ العظيم هنا: الجنة: وقاله ابن عباس أيضاً.
" وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهـ شتمه رجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد فعفا عنه ساعة؛ ثم إن أبا بكر جاش به الغضب فرد عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه أبو بكر وقال: يا نبي الله شتمني الرجل فعفوت عنه وصفحت وأنت قاعد؛ فلما أخذت أنتصر

قمت! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " إنه كان يرد عليه ملك من الملائكة، فلما أخذت تنتصر ذهب الملك ورجاء الشيطان، فوالله ما كنت لأجالس الشيطان يا أبا بكر ". ثم قال تعالى ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله﴾، أي: وإما يلقين الشيطان - يا محمد - في نفسك وسوسة من العزيمة على مجازاة المسيء بإساءته فاستجر بالله واعتصم به من عمل الشيطان.
﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ لاستعاذتك واستجارتك به.
﴿العليم﴾ بما ألقى الشيطان في نفسك من نزعاته هذا قول السدي وقال ابن زيد: هو الغضب.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر﴾، أي: ومن علاماته وأدلته التي تدل على وحدانيته وقدرته وحجته على خلقه وعظيم سلطانه اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كل واحد منهما الآخر.
والشمس والقمر مسخرات لا يدرك أحدهما الآخر.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر﴾، فإنما هما خلق

مثلكم خلقا لمنافعكم بهما.
وقوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ جاء بلفظ التأنيث، والجمع رد على الليل والنهار والشمس والقمر وأنث، كما يؤنث جمع ما لا يعقل وإن كان مذكراً إذا كان من غير بني آدم.
وقيل: الضمير يعود على الشمس والقمر، وأتى الجمع في موضع التثنية لأن الاثنين جمع.
وقيل: الضمير يعود على معنى الآية.
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، أي: أخلصوا لله وحده إن كنتم / إياه تعبدون، وهذا موضع السجدة عند مالك.

وقد روي أن رجلاً من الأنصار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استتر بشجرة يصلي من الليل فقرأ " ص " فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلها من عبدك داوود (عليه السلام).
فذكر الرجل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " نحن أحق أن نقول ذلك ". فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في سجوده ". ثم قال تعالى ﴿فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ باليل والنهار﴾، أي: فإن استكبر هؤلاء الذين أنت - يا محمد - بين أظهرهم، عن السجود والخضوع لله الذي خلقهم وخلق الشمس، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك: على جلالة قدرهم، بل يسبحون له ويصلون ليلاً ونهاراً.
﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾، أي: لا يفترون ولا يملون.
ومعنى ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾، أي: في طاعته وعبادته، لم يعن القرب من مكانه لأن المكان على الله تعالى لا يجوز ولا يحتاج إلى مكان لأن المكان محدث وقد كان تعالى ذكره ولا مكان.
فالمعنى: فالذين في طاعة ربك وعبادته يسبحون له.
قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً﴾ - إلى قوله - ﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾.

أي: ومن علاماته وحججه وأدلته على توحيده وقدرته على نشر الأموات وبعثهم أنك - يا إنسان - ترى الأرض.
وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومعنى خاشعة: دارسة غبراء لا نبات فيها ولا زرع.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء﴾، يعني: المطر.
﴿اهتزت﴾ يعني: بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾، أي: انتفخت وارتفعت.
قال قتادة: خاشعة، أي: غبراء متهشمة.
وقال السدي: يابسة متهشمة.
وأصل الاهتزاز: التحرك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى﴾، أي: إن الذي أحيى الأرض الدراسة فأخرج منها النبات وجعلها تهتز بالزرع بعد يبسها، قادر على أن يحيي أموات بني آدم بالماء أيضاً بعد مماتهم.
قال السدي إنه كما يحيي الأرض بالمطر، كذلك يحيي الموتى بالمطر أيضاً وذلك مطر ينزله الله بين النفختين.

﴿إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: لا يعجزه شيء إذا أراده.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا﴾، أي: يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا ويعدلون عنه تكذيباً وجحوداً لا يخفون على الله سبحانه، بل هو عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة.
قال مجاهد يلحدون في آياتنا يعني: المكاء والصفير واللغو عند القرآن، استهزاء منهم به، ومعارضة منهم للقرآن.
وقال قتادة: يلحدون: يكذبون.
وقال السدي: يلحدون " يعاندون ويشاقون ". وقال ابن زيد: هم أهل الكفر والشرك بآيات الله سبحانه.
وقال ابن عباس: هم الذين يبدلون آيات الكتاب فيضعون الكلام في غير موضعه.
وأصل الإلحاد: الميل عن الحق، ومنه سمي اللحد لحداً لميله في جانب القبر.

ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يلقى فِي النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتي آمِناً يَوْمَ القيامة﴾.
قال عكرمة: أفمن يلقى في النار: هو: أبو جهل: ومن يأتي آمناً، هو: عمار ابن ياسر).
وقيل: هو حمزة رضي الله عنهما.
وقيل هو عام.
والمعنى: الكافر خير أم المؤمن؟ وخوطبوا بذلك على دعواهم.
ولا يجوز أن يخاطب بهذا المؤمنون، لأنهم قد علموا أنه لا خير في الكافر.
والمعادلة " بأم " لا تكون إلا بين شيئين متقاربين في المدح أو في الذم، ولا قرب بين الكافر والمؤمن في مدح ولا ذم.
الذم كله للكافر، والمدح كله للمؤمن.
فإنما جاءت هذه الآية وما أشبهها خطاباً للكفار، لأنهم كانوا يدعون أن فيهم خيراً

وفضلاً.
فخوطبوا على المناقضة لدعواهم.
ثم قال تعالى: ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، هذا وعيد وتهدد وليس بإباحة لهم أن يعملوا ما يريدون، إنما هو تواعد وإعلام أن الله عز وجل ذو خبر وعلم بما يعملون لا يخفى عليه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَآءَهُمْ﴾، يعني القرآن.
وخبر " إنَّ " عند الكسائي قد سد مسده ما تقدم من الكلام قبل " إنَّ " وهو قوله: " أفمن يلقى في النار " ونحوه.
وقيل: الخبر: ﴿أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم خسروا وكفروا بمعجزه، ونحوه.
ودل على هذا اللفظ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (وهذا مذهب الفراء.
وقيل: التقدير في المحذوف: أهلكوا.
ومعنى الآية: إن الذين جحدوا بهذا القرآن وكذبوا فيه خسروا أخراهم، وإن القرآن لكتاب عزيز) بإعزاز الله عز وجل إياه وحفظه له من كل من أراد به تبديلاً أو تحريفاً.
قال قتادة: وإنه لكتاب عزيز أعزه الله لأنه كلامه وحفظه من الباطل.
وقيل: معنى النفي في (هذه: التكثير).
والمعنى " لا يأتيه الباطل البتة.
وقال الطبري: معناه: لا يقدر (ذو باطل بكيده بتغيير ولا تبديل، وذلك هو الإتيان من بين يديه.
ومعنى: " ولا من خلفه "، أي: ولا يستطيع ذو باطل أن يلحق فيه) ما ليس فيه.
وقيل: المعنى: لم يتقدمه كتاب يبطله، ولن يأتي بعده كتاب يخالفه.
وهذا قول حسن.
ثم قال تعالى ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، أي: من عند ذي حكمة بتدبيره عباده، محمود على نعمه على خلقه.
ثم قال تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾.

هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما قابله به المشركون من قولهم: كذاب وساحر ومجنون ونحو ذلك.
فأعلمه الله جل ذكره أن الذي قابلوه به من التكذيب والقول القبيح قد قابلت الأمم قبله رسلها بمثل ذلك فصبروا حتى جاء نصر الله فكذلك يجب عليك يا محمد أن تصبر.
وقيل: عزيز، أي قاهر لا يقدر أحد أن يأتي بمثله.
وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ قال / قتادة: الباطل الشيطان، لا يستطيع أن ينتقص منه حقاً، ولا يزيد فيه باطلاً ". وقال السدي: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن ينتقص منه حقاً، ولا يزيد فيه باطلاً ". وقال السدي: الباطل: الشيطانن لا يستطيع أن يزيد فيه حرفاً ولا ينقص.
وقال الضحاك وابن جبير: " معناه: لا يأتيه كتاب من قبله فيبطله ولا من بعده ". فيكون الباطل على هذا القول بمعنى: (البطول).
وفاعل يقع بمعنى المصدر مثل: عافاه الله عافية.

وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من بين يديه، أي: من قبل أن يتم نزوله، ولا من خلفه، أي: ولا من بعد تمام نزوله.
وقيل: معنى " من بين يديه ": بعد نزوله كله " ولا من خلفه " قبل تمامه.
وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من قبل أن ينزل، لأن الأنبياء قد بشرت به فلم يقدر الشيطان أن يدحض ذلك.
ولا من خلفه بعد أن أنزل.
قال قتادة: في الآية: إن الله جل ذكره يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا.
ومثله قوله: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: 52].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾، أي: لذو ستر على ذنوب التائبين من الكفر، العاملين بأمره، المطيعين له.
﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ لمن دام على كفره.
فالناس يلقون الله تبارك وتعالى على طبقات أربع: مطيع مؤمن، يدخله الجنة، وتائب مؤمن، يقبل توبته ويدخله الجنة؛ ومصر على المعاصي، وهو في مشيئة الله عز وجل إن شاء عاقبة، وإن شاء عفا عنه؛ وكافر يدخله النار حتماً، لقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48].

هذا مذهب أهل السنة والاستقامة فاعرفه واعتقده ولا تعرج عنه! فله لا إله إلا هو أن يفعل في أهل الذنوب ما شاء من مغفرة أو معاقبة لا يسأل عما يفعل وهم يسألون كما كان له في الأزل أن يخلق خلقاً للنار وبعملها يعملون، وخلقاً للجنة ويعملها يعملون: قال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾ [الأعراف: 179]. أي: خلقناهم لها.
ثم قال تعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾، أي: ولو جعلنا هذا القرآن أعجمياً (لقال قومك: يا محمد هلا بينت آياته فنفهمهن أقرآ، أعجمي ونبي عربي.
أي: لكانوا يقولون ذلك إنكاراً له.
قال ابن جبير: معناه: لو كان هذا القرآن أعجمياً لقالوا: القرآن أعجمي ومحمد عربي).
وقال السدي: معناه: لو كان هذا القرآن أعجمياً لقالوا: نحن قوم عرب، ما لنا وللعجمة.

وهذا كله على قراءة من قرأ بالاستفهام في " أعجمي ". فأما على قراءة من جعله خبراً " فمعناه: لو جعلنا القرآن أعجمياً لقالوا: هلا فصلت آياته، فجاء بعضها عربي وبعضها عجمي، (فنحن نعرف العربي) ويعرف العجم العجمي.
قال ابن جبير: قالت قريش: هلا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً فأنزل الله عز وجل " لقالوا ﴿لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾.
والأعجمي: المنسوب إلى اللسان الأعجمي، يقال: رجل أعجمي إذا كان لا يفصح - كان من العرب أو العجم، ويقال رجل عجمي إذا كان من الأعاجم فصيحاً كان أو غير فصيح.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ﴾، أي: قل يا محمد: هذا القرآن للذين آمنوا به وصدقوا بما فيه " هدى "، أي: بيان للحق " وشفاء "، (أي: دواء)

من الجهل.
ثم قال تعالى: ﴿والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾، أي: والذين لا يؤمنون به وبما في آذانهم صمم عن استماع لا ينتفعون به.
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، أي: وهذا القرآن على قلوب المكذبين به عمى لا يبصرون حججه وما فيه من المواعظ.
قال قتادة: عموا وصموا عن القرآن، فلا ينتفعون به، ولا يرغبون فيه.
وقال السدي: عميت قلوبهم عنه.
قال ابن زيد: (العمى: الكفر).
وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاص: وهو عليهم عم " على

فعل.
ثم قال تعالى ﴿أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
هذا تشبيه لبعد قلوبهم عن قبول الحق والموعظة.
والعرب: تقول للرجل البعيد الفهم: " إنك لتنادي من بعد " ويقولون للفهيم: إنك لتأخذ الأمر من قريب.
قال مجاهد: معناه " بعيد من قلوبهم "، وقاله الثوري وقال ابن زيد: ضيعوا أن يقبلوا الأمر من قريب (ويتوبون ويؤمنون فيقبل) منهم فماتوا.
وقال الضحاك: هذا يوم القيامة، ينادون بأشنع أسمائهم ليفضحوا على رؤوس الخلائق / فيكون أعظم في توبيخهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ﴾ - إلى قوله -

﴿فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾.
والمعنى: ولقد أعطينا موسى التوراة كما آتينا يا محمد القرآن فاختلف بنو إسرائيل في العمل بما في التوراة كما اختلف قومك في الإيمان بما جئتم به.
﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ يا محمد فيمن كفر (بك، وهو أنه تقدم في علمه وقضائه تأخير عذابهم إلى يوم القيامة.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي لجاءهم العذاب فيفصل بينهم فيما اختلفوا فيه فيهلك المبطلين، وينجي المؤمنين.
قال السدي: أخروا إلى يوم القيامة.
قال الزجاج: " الكلمة: وعدهم بالساعة، قال (الله تعالى ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] ". ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، أي: وإن الفريق المبطل منهم لفي (شك مما قالوا) فيه مريب يريبهم قولهم فيه، لأنهم قالوه بغير ثبت وإنما قالوه ظناً.
ثم قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: من عمل صالحاً في

هذه الدنيا فلنفسه عمل لأنه يستوجب من الله في الميعاد الجنة والنجاة من النار، ومن عمل بمعاصي الله (فعلى نفسه جنى) لأنه أكسبها بذلك سخط الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بظلام لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: وما ربك يا محمد يحمل ذنب مذنب على غير مكتسب بل لا يعاقب أحداً إلا على جرمه.
ثم قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة﴾، (أي: إلى الله يرد العالمون به علم الساعة)، لأنه لا يعرف متى قيامها غيره.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾، أي: (وما يظهر) من ثمرة (الشجرة من الموضع) الذي هي مغيبة فيه إلا بعلمه.
قال السدي: من أكمامها: من طلعها.
قال المبرد: هو ما يغطيها.
وواحد الأكمام.
كم.
ومن قال في الجمع أكمة قال في الواحد كمام.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾، (أي: ما تحمل من ولد حين تحمل، ولا تضع حملها حين تضع إلا بعلمه)، فلا شيء يخفى عليه من جميع أمور خلقه.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي﴾، أي: واذكر يا محمد يوم ينادي الله عز وجل هؤلاء المشركين فيقول لهم أين شركائي الذين كنتم تشركونهم في عبادتي؟ والمعنى: أين شركائي على قولكم.
ثم قال تعالى: ﴿قالوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾، أي: أجابوه عن سؤالهم لهم، فقالوا: أعلمناك ما منا من شهيد أن لك شريكاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ﴾، أي: وضل عن هؤلاء المشركين يوم القيامة آلهتهم التي كانوا يدعونها في الدنيا فأخذ بها عن طريقتهم فلم تدفع عنهم شيئاً من عذاب الله سبحانه.
ثم قال تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾، أي: وأيقنوا أنه لا محيص لهم من عذاب الله عز وجل ولا ملجأ منه جلت عظمته.
قال أبو عبيدة: يقال: حاص يحيص إذا حاد.
وقيل: " المحيص: المذهب الذي ترجى فيه النجاة ".

وأجاز أبو حاتم الوقف على " وظنوا " يجعل الظن بمعنى الكذب، أي: قالوا: آنذاك ما منا من شهيد، وكذبوا في قولهم، بل كانوا يدعون له شريكاً.
تعالى الله عن ذلك.
والوقف عند غيره على " محيص " لأن المعنى: أيقنوا أنه لا ينفعهم الفرار.
ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾، أي: لا يسأم الكافر من دعائه بالخير ومسألته إياه ربه عز وجل.
والخير هنا: المال وصحة الجسم، (فهو لا يمل) من طلب ذلك والاستزادة منه.
﴿وَإِن مَّسَّهُ الشر﴾، أي: ضر في نفسه أو جهد في معيشته.
﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾، أي: فهو يئوس من روح الله عز وجل وفرجه، قنوط من رحمته، أي: لا يؤمل أن يكشف عنه ذلك.
ويقال: إن هذه الآية نزلتل في الوليد بن المغيرة.

وفيه نزلت ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ - الآية إلى قوله - ﴿للحسنى﴾ وقيل نزل ذلك كله في عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف من كفار قريش.
وقال السدي وغيره: الإنسان هنا: الكافر.
وفي قراءة عبد الله " من دعاء بالخير ". ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾، أي: ولئن كشفنا عنه الشر الذي نزل به ليقولن هذا لي عند الله لأن الله راض عني وعن عملي.

قال مجاهد: " ليقولن هذا لي، بعملي.
فأنا محقوق بهذا ". ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً﴾: شك الكافر في قيام الساعة.
ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾، أي: إن كان ثم بعث وحشر - على طريق الشك - فلي الحسنى عند ربي، أي: لي عنده - إن حشرت بعد موتي - غنى ومال.
فالمعنى أنه قال: لست أؤمن بالبعث ولا أصدق به، فإن كان الأمر على خلاف ذلك وبعثت بعد موتي، فلي عند ربي مال وغنى أقدم عليه.
ثم قال تعالى ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾، أي: فلنخبرهم بما قصوا / من (الأباطيل وما عملوا من المعاصي).
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ على فعلهم وهو النار، والخلود فيها، لا يموتون (ولا يحيون).
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾، أي: وإذا كشفنا الضر

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل