الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النسآء﴾.
. إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: 127].
فقوله: ﴿والمستضعفين مِنَ الولدان﴾ [النساء: 127]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتنهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: " جم الماء في الحوض ": إذا اجتمع وكثر.
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على " كلا " حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً.
ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً﴾، أي: رجت ولزلزت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو " تحريكها ".
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِهنَّم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جهنم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على جه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولههم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جمعي أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم
تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت/ أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعملون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال.
قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحا الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام
الصلاة وإتياء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني كلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حسب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حسب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم.
قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك.
قل: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفادون صفن ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه ذلك قوله عز وجل: ﴿ إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: 32 - 33].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً * وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
. وقوله:
﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ﴾ [الرحمن: 33] الآية.
وهو قوله: ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: 16 - 17].
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال): " توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى
آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسو الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتى الفحص.
قال ابو هريرة: رضي الله عنهـ: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حسناً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنو من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت.
ثم نزل
أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرَ، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم/ يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم.
قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما
هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابنيءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿المجرمون﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال
الله تعالى: كوني تراباً.
فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ".
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
ثم قال تعالى: ﴿وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: " جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
ثم قال تعالى: ﴿وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان﴾ [العنكبوت: 64] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: 74].
قال قتادة: " هناكم والله الحياة الطويلة ".
وقال مجاهد: " لحياتي ": " للآخرة ".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، أي: في عدتهن.
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق حد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ
لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: " المصدقة " (وقال قتادة: " هوالمؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله "، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: " يا أيتها النفس الآمنة ".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن
الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فادخلي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة.
وإن [معنى] ﴿ارجعي إلى رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك/.
وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: " يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فياتون الله كما خلقهم أول مرة " فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إلى رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك.
[وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وادخلي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وادخلي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى.
وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾.
قال الأخفش: " لا " صلة، وأجاز أن تكون بمعنى " ألا ".
وقد قيل: إن " لا " رد لكلامهم.
ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين.
وقيل: " لا " غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾.
يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، ( أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى.
قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحقيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ
صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة.
ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فيها (أحداً).
قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها.
[وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي صلى الله عليه وسلم، كان كل من كان [بها].
حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه).
وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾.
قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده.
وهو قول قتادة وأبي ص لح والضحاك وسفيان.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الوالد: الذي [يلد].
﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له " فهو عام.
وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده.
وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده.
فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري.
ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾.
هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب.
قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة.
قال الحسن: " لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): " في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه ".
وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً.
وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع.
وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة.
وقال أبو صالح.
وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: " خلق منتصباً " على رجلين لم تخلق دابة على خلقه ".
وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة.
وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم.
. .، (فلا يزال) في مكابدة.
وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء خلق آدم في السماء.
ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾.
يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً.
يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه.
ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾.
أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله.
واللبد " الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير.
وقرأ أبو جعفر: " لبداً " - ([بالتشديد]) - جعله جمع " لابد ".
فأما من خفف، فإنه جعله جمع " لبدة ". وقيل: هو واحد، " كحطم ". وقرأ/ مجاهد: " لُبُداً " - بضمتين - جعله جمع لبود.
ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾.
أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق.
وقيل: قاله افتخاراً.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾.
أي: ألم نجعل لهذا القائل: " أهلكت مالاً لبداً "، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟!
قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر.
ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾.
أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3].
هذا قول ابن مسعود.
وقال ابن عباس: ﴿النجدين﴾: الهدى والضلال.
وهو معنى قول مجاهد
وعكرمة وابن زيد.
وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿النجدين﴾: الثديين، [سبيل] اللبن.
وقال الضحاك، وقاله علي ابن أبي طالب رضي الله عنهـ.
والنجد في اللغة الطريق المرتفع.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ إلى آخر السورة.
أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم.
قال ابن عباس: " العقبة جبل في جهنم ".
وقال الحسن: هي عقبة في جهنم.
وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسرز
وقال كعب: العقبة " [سبعون] درجة في جهنم ".
وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به، لم يفعل ما أمر به، ومثل ذللك بالعقبة لعصوبته وصعوبة جواز العقبة.
وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾.
أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام
العقبة؟! ثم بين ما هو فقال:
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية.
قال الحسن: " ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: " أكثرها ثمناً ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ".
ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]:
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾.
أي: وهو أيضاً أن يعلم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد.
قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾.
" ذا قرابة ".
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.
أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: " ليس له مأوى إلا التراب "، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب.
وقيل: معنه: أو مسكيناً ذا فقر، من قولهم " ترب الرجل " إذ افتقر.
وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير.
وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ " ذا عيال لا صقين بالأرض من المسكنة ".
وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب.
وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم.
[يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب.
وقوله: صلى الله عليه وسلم: " فعليك بذات الدين تربت يمينك "، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك].
ونظيره: " [وللعاهر] الحجر "، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه.
ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب.
ويقال: " فلان ترب فلان "، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت.
ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، والواحدة: تربية، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾.
قيل: " ثم " بمعنى " الواو "، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال.
وقيل: " ثم " على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم غيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له].
وقيل: المعنى على هذا، و " ثم " بمعنى الواو.
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله.
[ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله هو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، " فثم " على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين /آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله.
﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله.
وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله.
وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا.
(ومعنى) الكلام أنك تقول " أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني "، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنماهو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل: إخبارك الآن.
فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام.
وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو
مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾.
قال ابن عباس: " بمرحمة الناس ".
ثم قال: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: ذات اليمين في الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾.
أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾.
قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: " مطبقة " وقاله مجاهد والضحاك وقتادة.
وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد.
والهمز وتركه في " موصدة " لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته].
وقوله: ﴿بالوصيد﴾ [الكهف: 18]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: " بالأصيد.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
وضحاها
مكية
قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها.
هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء.
والتقدير: ورب الشمس.
وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس.
قاله قتادة والفراء.
وهو اختيار الطبري.
وكذلك قوله: ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1]، عند الفراء: النهار كله.
وقال مجاهد: وضحاها: " وضوءها ".
والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك.
وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء.
فتح الضاد والمد مذكراً.
ثم قال تعالى: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾.
أي: إذا اتبع الشمس.
وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعها.
هذا قول مجاهد وغيره.
وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني " صبيحة " الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال ".
وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس
وقال الفراء: تلاها: أخذ منها.
يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس.
ثم قال تعالى: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾.
أي: جحلى الشمس بإضاءته.
وقال قتادة: " جلاها ": " إذا غشيها النهار ".
وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد.
وقيل: " جلاها "، أي: جلى الدنيا.
وقيل: جلى الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾.
أي: والليل إذا يغشى الشمس.
وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق.
ثم قال: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾.
قال الطبري: " ما " بمعنى " من "، كما قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 3]، فأتت
(" ما:) في موضع " من "، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده.
وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء.
وقال المبرد: " [ما] " والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾.
(ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب.
وقال ابن عباس): " وما خلق فيها "، " فما " - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى " من "، ولا [هي]- مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: " الذي ".
وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ " دحاها ".
وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ " بسطها ". وعن ابن عباس أيضاً:
﴿طَحَاهَا﴾ " قسمها ".
ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾.
أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
[أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر.
وقال ابن عبس: " بين الخير والشر "، وعنه: " علمها الطاعة والمعصية ". قل مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: " عرفها ".
وقال قتادة: / بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: " بين لها الطاعة والمعصية ".
[وقال] ابن زيد: معناه: " جعل فيها فجورها وتقواها ".
(و) عن النبي عليه السلام: " من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيشه] (لها).
يريد السعادة والشقاء، ثم قال صلى الله عليه وسلم: وتصديق بذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل