الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
ثم لا يغفر له.
وروي في الآثار: من نوقش الحساب هلك.
وقيل: سوء الحساب: المناقشة، والتوبيخ (وإحباط) الحسنات بالسيآت.
وقيل: سوء الحساب: أشده، وهو لا يغفر لهم شيئاً من ذنوبهم، وهم الكفار ومعنى ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾: أي: بئس الفراش، والغطاء جهنم لمن هي مأواه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من نوقش الحساب هلك) (أو قال): " عذب ".
قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق﴾ إلى قوله: ﴿عقبى الدار﴾ المعنى: الذي يؤمن بما جئت به يا محمد، كمن لا يؤمن (وهو) الأعمى عن الإيمان، لا يبصره بقلبه.
قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله عز وجل ووعوه والأعمى: الذي عمي عن الخير، فلا يبصره.
وإنما يتعظ بآيات الله (سبحانه)، ويتذكر بها، وينتفع بها أهل العقول، والحجى.
ثم بين تعالى ذكره أولي الألباب ووصفهم فقال: ﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله﴾ الآية
أي: هم " الذين يوفون بوصية الله، ( عز وجل) التي أوصاهم بها.
والعهد: الإيمان بالله، (سبحانه) وملائكته وكتبه ورسله، (سبحانه) واليوم الآخر، وما جاءت به الرسل.
وأن يطيعوه، ويتقوه.
﴿وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق﴾: أي: لا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه (سبحانه): فيعمل بغير ما أمرهم به.
ثم زادهم بياناً ومدحاً، فقال: ﴿والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾: يعني: يصلون الرحم التي أمر الله، عز وجل بوصلها، وهم مع ذلك ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾: أي: يخافون المناقشة يوم القيامة، وألا يصفح لهم عن ذنب.
فهم وجلون لذلك، خَائِفُونَ.
و" إن " في قوله (أن يوصل) / في موضع خفض على البدل من الهاء في " به ".
وقيل: معنى: ﴿لَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾: لا يفرقون بين أحد من رسله، ولا كتبه، يؤمنون بالكل، ويقبلون أمر الله، عز وجل، ونهيه (جلت عظمته).
ثم بين تعالى أمر نوع آخر منهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: صبروا على الوفاء بإقامة الطاعة، والانتهاء عن المنكر من أجل ابتغاء وجه الله ( عز وجل) ، أي: طلب تعظيم الله.
﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾: أي: أدوها بفروضها، وحدودها في أوقاتها.
﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾: أي: أدوا الزكاة الزكاة من أموالهم، وما يجب عليهم سراً، وغير سر.
قال ابن عباس: النفقة هنا: الزكاة.
ثم قال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾ أي: " يدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس بالإحسان إليهم ".
وقال ابن زيد: معناه: " يدفعون الشر بالخير ".
وقيل: المعنى: " إنهم إذا همّوا بالسيئة فكروا، فرجعوا عنها، واسغفروا.
﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار﴾: أي: الذين تقدمت صفتهم لهم عقبى طاعة ربهم في الدنيا، دار الجنان في الآخرة.
وقيل: المعنى: أعقبهم الله عز وجل جار الجنان من دارهم في النار، لو لم يكونوا مؤمنين.
وقيل: ﴿بالحسنة السيئة﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله (وتجنب) (الشرك بالله).
وقال عطاء: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾: السلام.
ويروى أن قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهـ، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله.
ثم قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.
معناه: أنه فسر ﴿عقبى الدار﴾ ما هي؟ فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لاظَعْنَ معها، بدخلها هم ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: أي: من عمل صالحاً منهم.
قال ابن مسعود: جنات عدن: بُطنانُ الجنة.
قال ابن مسعود: جنات عدن: بُطنانُ الجنة.
قال أبو مِجْلَز: علم الله ( عز وجل) أن المؤمن يحب أن يجمع له شمله، فجمعهم الله ( عز وجل) ، له في الآخرة.
وقال ابن جريج: معناه من آمن في الدنيا.
ثم أخبرنا الله ( عز وجل) عن حالهم إذا دخلوا الجنة، فقال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ يقولون: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على طاعة الله ( عز وجل) في الدنيا.
﴿فَنِعْمَ عقبى الدار﴾.
وسلام عليكم: خبر، معناه: الدعاء لهم، أي: سلمكم الله بما صبرتم، وليس هو تحية، لأن التحية ليست بجزاء للصبر.
ولكن دعاء الملائكة لهم بالسلامة جزاء الصبر.
والخبر: يأتي بمعنى الدعاء، كثير في القرآن والكلام.
وقوله: ﴿فَنِعْمَ عقبى الدار﴾: الخبر محذوف، وتقديره: فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه.
وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب.
روي عن ابن عمر (و) أنه قال: إن في الجنة قصراً، يقال له: عدن، حوله
البروج والمروج، فيه خمسة آلاف، (باب، على كل باب خمسة آلاف) حِبْرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد.
وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.
ومعنى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾: أي بصبركم في الدنيا على عمل الطاعات، وعلى الانتهاء عن المعاصي.
وهذا هو أفضل الصبر، أن يصبر الإنسان على فعل ما أمر (هـ) الله به، وعلى ترك ما نهاه (الله) عنه.
وروي أن قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: 19] الآية، نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهـ، وفي أبي جهل، لعنه الله.
ثم أخبرنا الله بحال الكفار، بعد إخباره لنا بحال المؤمنين، فقال:
﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق﴾ [الرعد: 20]: أي: ويخالفون ما أمرهم الله، عز وجل، من بعد ما وثقوا على أنفسهم لله ( عز وجل) ، أن يعلموا بما عهد إليهم، إذ قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: 172].
ثم قال (تعالى): ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ وهو الرحم وقيل: يفرقون بين الإيمان بجميع الأنبياء، فيؤمنوا ببعض (ويكفرون ببعض).
والله أمرنا بالإيمان بجميعهم.
قوله: و ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ أي: يعملون فيها المعاصي.
﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ أي: لهم البعد من رحمة الله.
﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ أي: لهم ما يسوؤهم من الدار الآخرة، وهي النار،
أعاذنا الله منها.
وقيل معناه: سوء العاقبة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ (وَيَقَدِرُ)﴾ أي: يوسع على من (يشاء، ويضيق على من) يشاء.
﴿وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا﴾ أي: فرح المشركون بما وسع عليهم في الدنيا، ولم يُفكروا أن متاع الدنيا عند متاع الآخرة قليل.
وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، لأن ﴿وَفَرِحُواْ﴾ (معطوف على ﴿وَيُفْسِدُونَ﴾ في الأرض).
وقوله: ﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ إلى قوله: ﴿الدار﴾: مقدم قبل ﴿وَفَرِحُواْ﴾ وتقدير الآية: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع:
أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار ثم ابتدأ: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: تقول قريش: هلاّ أنزل عليه آية تدل على نبوته، كما قالوا: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: 12]، فأخبر عنهم بما يشترطون، ثم قال لنبيه ( صلى الله عليه وسلم) : قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: يخذل من يشاء، فيصرفه عن الهدى، ويوفق من يشاء، فيرجع إليه، ويتوب من كُفره.
فالهاء في " إليه " تعود على الحق، وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: على الإسلام.
وقيل: على الله، جل ذكره، على معنى (إلى) دينه.
ثم بَيّن تعالى من ينيب إليه ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾: أي: الذين
يتُوبون هم الذين آمنوا، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: أي: تسكُنُ، وتستأنس بذكر الله.
قال سفي (ا) ن بن عيينة: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ تطمئن قلوبهم / بأمر الله وقضائه.
وقال قتادة: هشت قلوبهم إلى ذكر الله، فاستأنست به.
قال الضحاك: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾: أي: تصدق قلوبهم بذكر الله والقرآن.
﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾: أي: " تستأنس، وتسكن قلوب المؤمنين ".
وقيل: عني به قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ المعنى: الذين صدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿طوبى لَهُمْ﴾: أي: نِعم ما لهم.
قاله عكرمة.
وقيل: معناه: غبطة لهم.
قاله الضحاك.
وقال ابن عباس: فرحٌ لهم، وقُرَّة عين.
وقال قتادة: معناه: " حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب ".
وقيل: المعنى: أصابوا خيراً، تقول العرب للرجل: " طوبى لك " أي: أصبت خيراً.
وقال النخعي: ﴿طوبى لَهُمْ﴾ أي: خيراً لهم.
وقيل: هي اسم من أسماء الجنة.
فالمعنى: الجنة لهم، رُوي ذلك عن ابن عباس، قال: طوبى لهم: اسم الجنة بالحبشية.
وروي عنه أيضاً: طويلة لهم: هي اسم أرض الجنة بالحبشية.
وقيل: طوبى لهم: اسم الجنة بالهندي [ة].
وعن عكرمة أيضاً: طوبى لهم: الجنة لهم.
وعن ابن عباس: إنما طوبى لهم: اسم شجرة في الجنة.
وقال شهر بن حوشب: طوبى لهم شجرة في الجنة، أغصانها من وراء سور الجنة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنها شجرة في الجنة.
" وسئل عليه السلام: ما طوبى؟ فقال: شجرة في الجنة، مسيرها مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها، غرسها الله، عز وجل، بيده، ونفخ فيها من روحه.
تنبت
الحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة "
ومعنى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: حسن منقلب ومرجع.
وقال أبو أمامة الباهلي: طوبى: شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، (ولا ثمرة إلا وهي فيها) وموضع (طوبى): رفع بالابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾: الخبر، ودلَّ على أنها في موضع رفع قوله: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالرفع بلا اختلاف بين القراء، وهي " فُعْلَى "، من " أطيب " فالواو
منقلبة عن ياء لضمه بالفعل، وأصلها " طُيْبى " على " فُعلى ". لكن لما كانت اسماً غير صفة، ردت إلى فعل (ى)، لخفة الأسماء، فانقلبت الياء واواً لانضمام الأول.
ألا ترى أن ضمير أصل الياء فيها واو، وأصلها " فعلى " (على) صور.
ولكن لما كانت صفة، ردت إلى الياء للخفة، وثقل الصفة.
ودل على أنها فعل (ى) أن (هـ) ليس في الصفات (فعلى): وهي في الآية صفة " لقسمة ". فعلم أن أصلها فعل (ى)، فجاز أن تقع فعل (ى) صفة، لأنه يقدر فيها أصلها، وهو فعلى "، ولولا ذلك ما جاءت فعل (ى) صفة.
وحَسُنَ رَدُّها إلى فُعلى لما ذكرناه من ثقل الصفة، فخففت بردها إلى الياء، لأن الياء أخف من الواو.
وكذلك ردت طوبى إلى الواو.
ولأنها اسمٌ، والاسم أخف / من الصفة، فسهل نقله إلى الواو، وإن كانت الواو أثقل من الياء.
قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ﴾ إلى قوله: ﴿لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾: المعنى: هكذا يا محمد ﴿أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ﴾: أي: إلى أمة قد خلت من قبلها أمم على ما هم عليه من الكفر، لتتلو عليهم القرآن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ أي: يجحدون وحدانيته.
قل يا محمد: هو ربي: أي: إن كفر هؤلاء الذين أرسلت إليهم، فقل أنت الله ربي ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: وإليه مرجعه، وأَوْبتي.
وهو مصدر تاب متاباً، وتوبة.
ثم قال تعالى (ذكره): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال﴾.
هذه الآية نزلت جواباً لقريش، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك فسيّر جبال تهامة، أو زد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث فيها، أو أحي لنا فلاناً، أو فلاناً لناس ماتوا: فأنزل الله ( عز وجل) : ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ - الآية - أي: ولو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل ذلك بقرآنكم.
وقال الضحاك: قال كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: سير لنا الجبال كما سيرت لداود ( صلى الله عليه وسلم) ، واقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان، وكلّم لنا الموتى، كما كان عيسى يكلمهم.
فنزلت هذه الآية.
وهذا قول ابن زيد.
وجواب " لو " محذوف، وتقديره: لو فعل هذا بقرآن لفعل مثله بقرآنكم وقيل: التقدير: لما آمنوا.
وقال الكسائي: " لو " بمعنى: " وددنا " فلا تحتاج إلى جواب.
والتقدير: وددنا أن قرآناً (سيرت به الجبال).
وقيل: المعنى: لو قضيت ألا يقرأ هذا القرآن على الجبال، إلاَّ مرَّت، وعلى الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حَيّوا، وتكلموا: ما آمن من سبق عليه في علمي الكفر.
ويدل على هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً﴾ أي: أفلم يعلم الذين صدقوا ذلك.
وقال الفراء: الجواب: وهم يكفرون بالرحمن، والتقدير: ولو أن قرآناً سيرت به الجبال لكفروا بالرحمَن.
وقيل: إن قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ نزلت في أبي جهل، لعنه الله، وذلك أن النبي عليه السلام كان في الحجر يدعو يقول: يا رحمن، وأبو جهل لعنه الله يستمع إليه، فولى أبو جهل، (أخزاه الله) مُدْبراً إلى قريش، فقال لهم: إن محمداً ينهانا أن نعبد الآلهة، وهو يدعو إلاهين: يدعو الله، ويدعو إلهاًَ آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله ( عز وجل) ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾، وأنزل ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: 110] الآية.
ثم قال تعالى (ذكره): ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ والمعنى: أفلم يعلم الذين آمنوا، والتفسير: أن الكفار لما سألوا تسيير الجبال بالقرآن، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى.
طمع المؤمنون أن يُعطى الكفار ما سألوا، فيؤمنوا / فقال الله: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ولا يحتاجون إلى رؤية ما ذكروا.
وقيل: المعنى: أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء، لعلمهم أن الله، ( عز وجل) ، لو أراد أن يهديهم لهداهم.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ (قَارِعَةٌ)﴾ (الآية): أي: لا يزال يا محمد الكفار من قومك تصيبهم بما صنعوا من الكفر، ومن إخراجك (من) بين أظهرهم قارعة: وهو ما يقرعهم من البلاء والعذاب، من القتل والحرب.
والسرايا التي تمضي إليهم.
وقيل: القارعة: النكبة، أو تحل أنت يا محمد قريباً من ديارهم بجيشك، وأصحابك ﴿حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله﴾: (أي) الذي وعدك فيهم، وهو الظهور عليهم، وقهرك إياهم بالسيف.
﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ﴾ ما وعدك به، وهو فتح مكة.
وعن الحسن: وعد الله: القي (ا) مة في هذا الموضع.
وقيل: أن تحل القارعة قريباً من دارهم.
قاله الحسن.
قوله: ﴿وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله ﴿مِن وَاقٍ﴾ والمعنى أن يستهزئ هؤلاء من قومك يا محمد، فاصبر على آذاهم، وامض على أمر الله عز وجل في إنذارهم.
﴿وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: أَطَلْتُ للمستهزئين بربهم في الأجل والأمل، ثم أحللت بهم العقوبة.
فكيف رأيت عقوبتي؟.
والإملاء: الإطالة، ومنه قيلك لليل والنهار الملوان، لطولهما.
ومنه قيل
للخرق الواسع من الأرض ملأ لطول ما بين طرفيه.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ " من ": رفع بالابتداء، والخبر محذوف، وبه يتم المعنى.
والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت كشركائهم، والتقدير: أفمن هو حافظ على مل نفس لا يغفل، ولا يهلك (كمن يهلك ولا يحفظ) ولا يحصي شيئاً (فالجواب محذوف) لعلم المخاطب).
وقيل المراد به الملائكة الموكلون على بني آدم، والقول الأول أشهر، وأكثر.
ثم قال (تعالى): ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ هذا يدل على المحذوف، والمعنى: أفمن هو قائم كشركائهم.
ودلّ ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ على المحذوف ثم قال: قل لهم يا محمد ﴿سَمُّوهُمْ﴾: أي يسموا هؤلاء الشركاء، فإن قالوا: آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا هو الواحد (القهار)، لا شريك له.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض﴾ (أم تخبرونه بأن في الأرض إلهاً، ولا إله إلا هو في الأرض والسماء.
وقوله: ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول﴾: أي: أم قلتم ذلك بظاهر قول، وهو في الحقيقة باطل لا صحة له.
ثم قال (تعالى) ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ المعنى ما لله شريك، بل زين للذين كفروا مكرهم: أي: زيِّن لهم عملهم، وصدوا الناس عن الإيمان.
ومن قرأ بضم الصاد، فمعناه: أن الله أعلمنا أن صدَّهم عن الهدى عقوبة لهم.
ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من أضله الله عز وجل عن إصابة الحق، فلا يقدر أحد على هدايته.
ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أي: لهؤلاء الكفار الذين
تقدم ذكرهم عذاب في الحياة الدنيا، وهو القتل والأسر.
﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ﴾ أي: أشد من عذاب الدنيا.
﴿وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ﴾ أي: ليس يقيهم من عذاب الله (سبحانه) أحد.
قوله: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ وَاقٍ﴾ التقدير عند سيبويه: " وفيما يتلى عليكم "، أو: " مما يقص عليكم مثل الجنة، وهذا قياس مذهب سيبويه.
وقال الفراء: التقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ومثل (. . .).
وقيل: هو مردود إلى قوله: ﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى﴾ [الرعد: 20].
ثم قال: صفة الجنة التي وعد المتقون، تجري من تحتها الأنهار.
ثم قال: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ أي: المأكول منها دائم لأهلها لا انقطاع له، كما قال ( عز وجل) : ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: 33]، وظلها دائم دائم أيضاً.
﴿تِلْكَ عقبى الذين اتقوا﴾ أي: عاقبتهم، وعاقبة الكافرين النار.
ويروى أن ابن عباس كان يتوقف عن تفس (ي) ر هذه الآية، ويحلف بالله لو فسرت ما حملها جميع إبل العالمين.
يريد ابن عباس أن الجنة لو وصفت على حقائقها، ما حمل صفتها مكتوباً جميع إبل العالمين: لجلالة أمرها، وعظيم شأنها، في نعيمها وملكها.
وما أعد الله) عز وجل) لأوليائه فيها.
ويدل على ذلك (أيضاً): قول النبي صلى الله عليه وسلم: " فيها ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت ".
وقال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17].
وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان: 20].
ثم قال تعالى: ﴿والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ﴾ المعنى والذين آتيناهم الكتاب م (من) آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهم يفرحون بما أنزل إلى محمد.
قال قتادة: هم أًحاب، محمد صلى الله عليه وسلم، يفرحون بما أنزل إليه.
وقيل: ﴿والذين آتَيْنَاهُمُ (الكتاب)﴾ عني بهم اليهود والنصارى،
يفرحون بالقرآن، لأنه مصدق لأنبيائهم، وكتبهم، وإن لم يؤمنوا بمحمد، ( صلى الله عليه وسلم) .
وقيل: عني بذلك الثمانون الذين آمنوا من نصارى نجران: أربعون وثمانية من الشام، واثنان وثلاثون من أرض الحبشة.
آمنوا بالنبي (عليه السلام) وصدقوا به.
ثم قال (تعالى): ﴿وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: ومن أهل الملل المتحزبين عليك يا محمد من ينكر بعض ما أنزل إليك.
وقيل: هم من اليهود والنصارى.
ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾: (أي: قل لهم يا محمد: إنما أمرت أن أعبد الله، ولا أشرك به) في عبادته.
﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾: أي: إلى طاعة أدعو الناس.
﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾: أي: مصيري.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ أي: كما أنزلنا عليك الكتاب يا
محمد / فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أيضاً أنزلنا الذكر والحكم حكماً عربياً.
ونصب (حكم) على الحال " وعربي ": نعت (له).
وإنما وصف الحكم بالعربي، لأنه أنزله على عربي، فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنزل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم﴾ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به: أمته، وفيه تهدد.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَيْنَا الحساب﴾ المعنى أن الله ( عز وجل) أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم، أنه قد أرسل من قبله رسلاً من قبل أمته، وأنهم بشر مثله: لهم أزواج وذرية، وأنه لم يجعلهم ملائكة، لا ينطحون ولا ينسلون، ولم يكن ﴿لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي: ما يقدر أن يفعل ذلك رسول إلا بإذن الله.
والمعنى: لا يقدر رسول (الله) أن يأتي بعلامة، (أو) آية: من تسيير الجبال، ونقل بلدة إلى بلدة أخرى، وإحياء الموتى، وغير ذلك من الآيات التي سألت قريش النبي ( صلى الله عليه وسلم) .
﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي: (إلا) بإذن الله له أن يسأل الآية فيعلم أن في ذلك صلاحاً.
وقيل: إن هذا الكلام لفظه حظر، ولا يجوز أن يخطر على أحد ما لا يقدر عليه.
فظاهره خطر، ومعناه: وتقديره: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله.
نفى الله ذلك عن الرسل وبرأهم منه، (ومثله): ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ﴾ [آل عمران: 161]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: 145]. وهو كثير في القرآن، ظاهره
الحظر (والمنع)، ومعناه النفي.
قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي: " لكل أمر قضاه الله، كتاب كتبه فهو عنده ". وقيل: المعنى: لكل كتاب أنزل الله من السماء أجل: فيمحو الله من ذلك ﴿مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾.
قال الفراء: هذا مقدم ومؤخر، معناه: لكل كتاب أجل، كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19]: أي: سكرة الحق بالموت.
(وقد قيل: إنه لا تقديم في هذا)، ولا تأخير، والمعنى: وجاءت سكرة الموت لأن سكرة الموت غير الموت.
فالحق: هو الموت الذي ختمه الله على جميع خلقه.
وقيل: معناه: لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مكتوب، وأمر مَقَدَّرٌ، مقتضى لا تقف عليه
الملائكة.
ثم قال تعالى: ﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي: يَمْحُوَ الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يغيران قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يدبر الله أمر السنة في رمضان، فيمحو ما يشاء (من ذلك) إلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة.
وتدبير ذلك في ليلة القدر.
وعن ابن عباس أيضاً معناه: يمحو ما يشاء، ويثبت من كتاب سوى، أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء.
قال ابن عباس: هما كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء، ويثبت وعند (هـ) أم الكتاب: لا يغير منه شيء، وهو قول عكرمة.
وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهـ: يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد وسمع /، وهو يقول في الطواف: اللهم إن كنت كتبت علي الذنب والشقاء، فامْنَحْني واكتبني في أهل السعادة.
فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب.
وهو قول ابن مسعود وسفيان.
وعن ابن عباس، رضي الله عنهـ، أن معناه: يمحو الله ما يشاء من أحكام كتابه، فينسخه، أنو يبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، ولا يبدله.
﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ أي: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، ما ينسخ، وما لا ينسخ.
وهو اللوح المحفوظ.
وهو قول قتادة، وابن زيد وابنم جريج، وعليه أكثر المعاني، وعامة المفسرين، وهو شاهد لجواز النسخ (في القرآن).
وقيل: معناه: يمحو الله من قد حان أجله، ويثبت من لم يحن أجله.
قاله الحسن،
قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي: أجل بني آدم في كتاب الله، ( عز وجل) يمحو الله ما يشاء، من جاء أجله، ويثبت الذي هو حي حتى يجيء أجله.
وعن ابن عباس من رواية أبي صالح، عنه أنه قال: إن أعمال العباد تعرض على الله مما كتبت الحفظة، مما ليس للإنسان، ولا عليه.
فيمحو ما ليس له، وما ليس عليه.
ويثبت ماله، وما عليه، فيجازى بذلك.
فالحفظة تكتب كل شيء، والله يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، دليله قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]: أي: حاضر.
وعن مجاهد رضي الله عنهـ: أنها نزلت في قريش، قالت: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ قالت: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً.
﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء، أي: إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما نشاء وروي ذلك أيضاً (عن الحسن).
وعن ابن عباس: أن المعنى ينسخ الله ما يشاء من القرآن ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وقاله محمد بن كعب.
وعن عكرمة مثله.
وروى ابن جبير، عن ابن عباس في معنى الآية: أن الله، جل ذكره، يدبر أمر السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء إلا الموت والحياة، والسعادة والشقاء.
وكل (هذا) قد تقدم في علمه، علم ما يكون بلا أمد.
وقيل: المعنى يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره قاله ابن جبير.
وقيل: المعنى: يمحو الله ما يشاء مما تكتب الحفظة، مثل الأشياء التي ليس
للإنسان، ولا عليه، ويثبت ما له، وما عليه.
قاله أبو صالح، وقال (هـ) أبو سليمان الداراني: قال: يمحو الله ما ليس بحسنة، ولا سيئة، ويثبت ما هو حسنة، وما هو سيئة.
﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ أي: ذلك (كله) في اللوح المحفوظ، قد جرى به القلم قبل خلق الخلق.
وعن ابن عباس أيضاً: / أنه قال في قوله
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، قال: يكتب كل ما يتكلم به العبد من خير، أو شر حتى إنه ليكتب: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت.
حتى إذا كان يوم الخميس عرضة قوله جملة.
فأقر ما كان فيه من خير وشر، وألقى ما عدا ذلك وذلك قوله: ﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾.
واختار جماعة من أهل العلم قول الحسن ومجاهد: يجعلونه جواباً للمشركين.
وقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾.
قال الحسن: أم الكتاب: الحلال والحرام.
والحمد لله هي أم القرآن.
وقيل: أم الكتاب: اللوح المحفوظ.
وقال قتادة: ﴿أُمُّ الكتاب﴾: جملة الكتاب، وأصله: أي: جملة ما ينسخ، وما يثبت.
وقال كعب: علم الله ما هو خالق، وما يعلم خلقه.
يقال: محوت الكتاب، أمحوهُ محواً، وهي لغة القرآن.
ويقال: محوته، أمْحَاهُ، محواً، ومحيت، أمحى لغة.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ﴾: أي: إن أَرِيَنَّكَ يا محمد! بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب.
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: قبل ذلك، فليس عليك في الحالين إلا بَلاغٌ ما أرسلت به، وعلينا حسابهم في الآخرة.
فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض﴾ إلى قوله ﴿عُقْبَى الدار﴾ معناه عند ابن عباس: أَوَلَمْ ير أهل مكة الذين سألوا محمداً الآيات أنا نفتح على محمد الأرض (بعد الأرض) من حولهم، ولا يخافون أن يفتح عليه أرضهم كما فتحنا له غيرها.
ودلّ على ذلك قوله في الأنبياء: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: بل، محمد وأصحابه الغالبون.
وأكثر المفسرين على أنه يراد به: ذهاب خيار الناس، وعلمائهم، وصالحيهم.
وقال الضحاك، والحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين.
وقيل: هو هلاك الأمم قبلهم، ووخراب أرضهم.
فيقول: ألَم تر قريش
هلاك الأمم قبلهم، قاله مجاهد، وابن جريج.
وروي عن ابن عباس، ( رحمه الله) نحوه.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقص بركات الأرض وثمارها، وأرضها بالموت.
وجماعة من العلماء على أن المعنى في النقص: موت أهل الأرض، وهو قول عكرمة.
وروي عن مجاهد، وقال ابن عمر: نقص الأرض هي التي موت فقهائها، وخيار أهلها.
ثم قال (تعالى): ﴿والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي: يحكم ويقضي، فينفذ
حكمه، ولا رَادَّ لحكمه، ولا مانع لقضائه.
فإذا أراد بهؤلاء المشركين (شراً) لم يرده أحد.
والأطراف جمع طرف، والطرف: الكريم من كل شيء.
قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنهـ: العلم أودية، في أي واد أخذت منه حَسِرْت، فخذ من كل شيء طرفاً: خياراً.
ومنه قولهم:
ما يدري: أيُّ طرفيه أطول، أي: ما يدري الكرم يأتيه من ناحية أبيه، أو من ناحية أمِّه.
فصار / معنى ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي: من علمائها، لأن العلماء هم الخيار.
ومعنى ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحساب﴾ أي: يحصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء منها.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً﴾ والمعنى: وقد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من الأمم، فوقع بهم العذاب، فلله أسباب المكر