الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال قتادة: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: ﴿متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقال القتبي: يعني فتح مكة.
وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة.
وقوله تعالى [ذكره]: ﴿قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كفروا إِيَمَانُهُمْ﴾ يدل على أنه يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة.
وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم.
يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه.
وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ [الأعراف: 88] أي احكم.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفتح﴾ أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح لا ينفع من كفر
بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة.
قال ابن زيد " يوم الفتح "، أي: إذا جاء العذاب.
وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون للتوبة/ والرجوع إلى الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن هؤلاء المشركين.
وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] الآية، قاله ابن عباس وغيره.
ثم قال: ﴿وانتظر إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أي: انتظر ما الله صانع بهم.
إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
سورة الأحزاب مدنية.
قوله تعالى ذكره: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾.
النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي.
وهو غلط لأن الصلة لا تكون إلا في جملة.
وأكثر النحويين على منع جواز النصب في ﴿النبي﴾ لأنه نعت لا بد منه، فهو المقصود بالنداء.
وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن.
والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقياً.
وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾.
إن جعلته خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فمعنه: لا تطعهم في قولهم لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع المنافقين الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك خبالاً فلا تقبل لهم رأياً.
ومن جعله خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته فمعناه: لا تطيعوهم فيما نهيتم عنه فتفعلوه/ ولا فيما أمرتم به فتتركوه.
﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادههم.
﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره إياهم.
ثم قال: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بما ينزل إليك من وحي الله.
﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم باعمالكم في هذا القرآن وفي غيره،
ومن قرأه بالياء رده على المنافقين والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيراً.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَتَوَكَّلْ على الله﴾ أي: فوض أمرك إلى الله.
﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظاً.
ثم قال تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه﴾.
هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذو قلبين.
قاله ابن عباس.
وعن ابن عباس أيضاً أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا القلبين فنفى الله ذلك عنه.
وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر.
إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله.
وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما
تسمعون.
وقال قتادة وعكرمة: كان ارجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية.
وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه.
وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة.
ضرب الله له مثلاً يقول: ليس ابن رجل هو ابنك يا محمد.
وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلباً يحب به، وقلباً يبغض به، وقلباً يكفر به، وقلبً يؤمن به.
ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي على كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك قولكم كذباً، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾.
أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك.
ونزل هذا على النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تبنيه لزيد بن حارثة، قاله مجاهد وغيره.
ثم قال: ﴿ذلكم قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: دعواكم يا بُنَيَّ لمن ليس هو ابن لكم قول منكم لا حقيقة له.
﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي: الصدق.
وقيل: المعنى قولكم لأوزاجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له لأنها ليست بأم لكم.
ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي: يبين لعباده طريق الحق والرشاد.
وقوله تعالى ذكره: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ إلى قوله: ﴿مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾.
أي: انسبوا أدعياءكم إلى آبائهم فهو أعدل عند الله.
﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ﴾ أي: تعرفوا أسماء آبائهم فتنسبوهم إليهم.
﴿فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين إذا كانوا أهل ملتكم.
﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: وهم مواليكم أي: أوليائهم، أي بنو عمكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: لا إثم عليكم في الخطإ يكون
منكم في نسب من تنسبونه إلى غير أبيه إن كنتم ترون أنه أبوه، وليس بأبيه.
﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
أي: ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتم من ذلك فنسبتم الرجل إلى غير أبيه معتمدين ذلك، هذا معنى قول قتادة ومجاهد وغيرهما.
و" ما " في موضع جر عطف على " ما " الأولى.
ويجوز أن تكون في موضع رفع على خبر ابتداءٍ محذوف، والتقدير: ولكن الذي تأثمون فيه ما تعمدت قلوبكم.
وقد أجرى بعض الفقهاء الفتيا في غير التعمد على ظاهرة هذه الآية، فجعلها عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله.
قال عطاء: إذا حلف رجل أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأخذ منه ما يرى أنه حقه فوجدها زائدة أو ناقصة، إنه لا شيء عليه لأنه لم يتعمد.
وكذا إذا حلف أنه لا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعلم، إنه لا حنث عليه لأنه لم يتعمد ذلك.
وأكثر الفقهاء على خلافه، فالآية عندهم مخصوصة في هذا بعينه.
إنما كان هذا قبل
النهي عندهم، أو في دعاء الرجل الرجل لغير أبيه مخطئاً.
فهي مخصوصة في أحد الحكمين لا عامة في كل ما لم يتعمد الإنسان، دليله ما أوجبه الله جل ذكره/ على القاتل خطأ.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ أي ذا ستر على ذنب من دعا إنساناً بغير اسم أبيه وهو لا يعلم.
ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي، أو هي مخصوصة في أن يدعو الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه، وليس هو كذلك، لم يقف على " ومواليكم " لأن ما بعده متصل به، ومن جعل ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ عاماً في هذا وغيره جعله مستأنفاً، حسن الوقف على ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾، ثم استأنف ما بعده لأنه عام.
فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على ﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [لأن ما بعده معطوف عليه.
فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على " أخطأتم به "].
ثم تستأنف: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أي: أولى بهم من بعضهم لبعض، مثل: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85]
وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس.
وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدي جاز.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِه فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤْوا إِنْ شِئْتُمْ: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلَوَرَثَتِهِ وَلِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَو ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ ".
وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات: " مِنْ أنفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ "، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف والإجماع.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة كالأم، فلا يحل تزوجهن من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يحل تزويج الابن الأم، وهن في الحق والتعظيم والبِرِّ كالأم.
ويروى أنه إنما فعل ذلك بهم لأنهن أزواجه في الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ أي: وأولوا الأرحام الذين ورثت يا محمد بعضهم من بعض أولى بالميراث من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون بالهجرة دون الرحم.
هذا قول الطبري.
قال قتادة: لم يزل المؤمنون زماناً يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فخلط المسلمون بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل.
وقيل: التقدير: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث من غيرهم ممن لا رحم بينهم من المؤمنين المهاجرين.
وقال ابن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المهاجرين والأنصار أول ما كانت الهجرة، فكانوا يتوارثون على ذلك.
قال فلما ظهر الفتح انقطعت الهجرة وكثر الإسلام وتوارث الناس على الأرحام، فنسخ التوارث بالهجرة، قال ذلك في كلام طويل تركته إذ الفائدة فيما ذكرت منه.
فمعنى الآية على هذا التأويل: وأولوا الأرحام من المهاجرين والأنصار بعضهم أولى ببعض بالميراث من أن يتوارثوا بالهجرة.
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾.
أي: إلا أن توصوا لقرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنيفة.
وقال مجاهد: معناه إلا أن تمسكوا بالمعروف والإحسان بينكم وبين حلفائكم من المهاجرين والأنصار.
وقيل: المعنى: إلا أن توصوا لمن حالفتموه واخيتموه من المهاجرين والأنصار، قاله ابن زيد.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾.
أي: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مكتوباً، قاله ابن زيد وغيره.
وقيل: المعنى: كان منع أن يرث المشرك المسلم مكتوباً في الكتاب، قاله قتادة.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾.
المعنى عند الطبري: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾، أي كتبنا ما هو كائن في اللوح المحفوظ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ﴾، كان ذلك أيضاً، في الكتاب مسطوراً، يعني العهد والميثاق.
فالعامل في " إذ " على هذا: " كان ".
والعامل فيها عند أبي إسحاق/ " اذكر " مضمرة، أي: واذكر إذ أخذنا.
قال ابن عباس: أخذ منهم الميثاق على قومهم.
وقال ابن أبي كعب: هو مثل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: 172] الآية فأخذ ميثاقهم على الأنبياء منهم الذين كانوا السراج، ثم أخذ ميثاق النبيين خاصة على الرسالة.
روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كُنْتُ أَوَّلَ الأَنْبِياءِ فِي الخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ ".
فلذلك وقع ذكره هنا مقدماً قبل نوح وغيره لأنه أولهم في الخلق.
وقيل: المعنى: إن الله جل ذكره أخذ الميثاق على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
قال مجاهد: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾: في ظهر آدم، فالمعنى أخذ الله عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام كالذَّرّ.
قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿بالله الظنونا﴾.
أي: أخذنا من النبيين ميثاقهم ليسأل الله المؤمنين منهم عما أجابتهم به أمهاتهم.
ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت والوبيخ للذين كفروا كقوله لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ﴾ [المائدة: 116] الآية.
ثم قال: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي: أعد للمذكبين الرسل عذاباً مؤلماً، أي موجعاً.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي: اذكروا تفضل الله علكيم فاشكروه على ما فعل بكم.
﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني جنود الأحزاب من قريش وغطفان.
ويهود بني قريظة وغيرهم.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ كانت الريح التي نُصِِرَ بها النبي صلى الله عليه وسلم: الصبا.
قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي تنصري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل.
قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا.
قال أبو سعيد الخدري: " قُلْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ، قَال: قُولُوا اللهُمَّ اسْتُر عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا.
قَال: فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ باِالرّيحِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ بِالرّيح ".
قال ابن عمر: كانت معي يوم الخندق تُرْسٌ وكان فيها حديد فضربتها الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد.
قال مجاهد: أُرْسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق ريح حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم.
قال قتادة: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً، فخندق رسول الله حوله وحول أصحابه خارج المدينة، وأقبل أبو سفيان بقريش من تبعه من الناس حتى نزلوا بِعُصْرَةِ رسول الله.
[وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزل بعصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم] . وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه بذلك، حيث يقول تعالى ذكره: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ فبعث الله عليهم الرعب والريح فذكر لنا أنهم
كل ما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً.
أطفأها الله حتى لقد ذكِرَ لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُّم إِلَيَّ، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَاءُ أتيتم، لِمَا بعث الله عليهم من الرغب.
قال ابن إسحاق: كانت الجنود قريشاً وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة، وكانت الريح مع قوتها شديدة البد، وكان في ذلك أعظم آية النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت سبب الأحزاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير إلى خيبر، وكانوا قد سادوا العرب وعرفوا بكثرة المال، وهم من بني هارون النبي عليه السلام، فلما انتقلوا إلى خيبر، وحول خيبر من العرب أسد وغطفان حزبت اليهود على النبي العَرَبُ من أسد وغطفان وغيرهم.
وخرجوا في ستة آلاف، ثم تدرج كبراء اليهود إلى مكة فحزبوا قريشاً على النبي عليه السلام، وأتبعتهم كنانة واجتمعوا في نحو عشرة آلاف وأتوا المدينة، فنزلوا عليها، فخندق النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وكان إخوة بني/ النضير من قريظة وَادَعُوا النبي عليه السلام فلم يزل بهم بنو النضير حتى نقضوا العهد وعاونوهم على النبي عليه السلام، وفيهم نزل:
﴿وَأَنزَلَ الذين ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكتاب مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: 26]، أي من حصونهم فأرسل الله على جميعهم الريح فزعزعتهم وانقلبوا خائبين، ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى محاصرة قريظة الذين أعانوا عليه ونقضوا عهده فحاصرهم ونزلوا على حكم سعد، وكانوا ست مائة، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار.
قال مالك: كانت وقعة الخندق سنة أربع.
وقال ابن إسحاق: فكانت وقعة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة خمس.
قال ماك: كان الخندق وقريظة في يوم واحد، انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من وقعة
الخندق، وقد انصرف المشركون، فاغتسل فأتاه جبريل، فقال له: أَوَضَعْتَ الَّلأْمَةَ ولم تضعها الملائكة، إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم، فحكموا سعداً فيهم، فحكم بسبي الذراري وقتل الرجال ففعل بهم ذلك.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت وقعة أحد على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة، وعند منصرف النبي عليه السلام من أحد خرج إلى بني النضير وأجلاهم إلى خيبر وإلى الشام على صلح وقع بينهم قد ذكر في غير هذا الموضع.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي: بأعمالكم في ذلك اليوم وغيره، بصير لا يخفى عليه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾.
العامل في إذ عند الطبري ﴿تَعْمَلُونَ﴾، أي: وكان الله بصيراً بعملكم إذ جاؤوكم.
وقيل: التقدير: اذكر إذ جاؤوكم.
وقيل: هي بدل من إذ الأولى.
والاختيار لمن قرأ " الظنونا " و " الرسولا " و " السبيلا " بألف أن يقف عليها لأنها إنما جيئ بالألف في هذا على التشبيه بالقوافي والفواصل التي يوقف عليها بالألف فيجب أن تجرى مجرى ما شبهت به.
وهي مع ذلك تمام ووقف حسن.
وقيل: إن هذه الألِفَات إنما جيئ بها لبيان حركة ما قبلها كهاء السكت، فهذا مؤكد الوقف عليها لمن أثبتها في الوصل والوقف.
ويدل على قوة الوقف عليها لمن أثبتها، قراءة الكسائي وابن كثير وحفص بألف فيهن في الوقف دون الوصل.
ومعنى الآية: واذكروا إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم.
قال يزيد بن رومان: الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤوهم من أسفل منهم قريش وغطفان.
ومعنى ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ﴾ من ناحية مكة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقر بني قريظة ولم يؤذهم وكتب لهم عهوداً، وكتبوا له في الموادعة والصلح، فنقضوا العهود وجمعوا الجموع ونافقوا [عليه] مع قريش، وكان المتولي لذلك حُيي بن أخطب، استمد علكى النبي صلى الله عليه وسلم بقريش ومن اتبعه من العرب، واستمدت قريش بعيينة بن بدر فأقبل بمن أطاعه من غطفان.
" واستمدت غطفان بحلفائهم من بني أسد، واستمدوا الرجال من بني سليم فخرجوا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم الله الأحزاب، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خروجهم
أخذ في حفر الخندق، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في العمل فعملوه مستعجلين يبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم بطش معهم في العمل ليكون أجد لهم وأقوى بإذن الله.
فذكر أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم معولاً من أحدهم فضرب به ثلاثاً، فكسر الحجر في الثالثة، فذُكِر أن سلمان الفارسي أبصر عن كل ضربة بُرْقَةً ذَهَبَتْ ثَلاَثَةَ وُجُوهٍ، كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قد رأيتُ كهيئة البرق وموج الماء عند كل ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق، والأخرى نحو اليَمَن، والأخرى نحو الشام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلمَان؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ ذَلِكَ/ قَالَ: فَإِنَّهُ ابْيَضَّ إِحْدَاهُنَّ مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَدَائِنُ تِلْكَ البِلاَجِ، وَفِي الأُخْى مَدِينَةُ الرُّومِ والشَّامِ، والأخْرَى مَدَائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُهَا، والتِي رَأَيْتُ [بِالبَصَرِ] تَبْلُغُهُنَّ الدَّعْوةُ إِنْ شَاءَ اللهُ ".
وكان حفر الخندق في شوال في سنة أربع من الهجرة، فلما تم الحفر أقبل أبو
سفيان ومن معه من المشركين فنزلوا بأعلى وادي [فينا] من تلقاء الغاية فحاصروهم قريباً من عشرين يوماً.
وقيل أكثر من ذلك.
فلما اشتد البلاء على المسلمين نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما الناس فيه من البلاء جعل يبشرهم ويقول: " والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِيُفَرِّجَنَّ عَنْكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وَإِنِي لأَرْجُوا أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ العَتِيقِ آمِناً، وَأَنْ تُدْفَعَ إِلَيَّ مَفَاتِيحُ الكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ قَيْصَراً وَلَنُنْفِقَنَّ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ". فقال رجل من المنافقين: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا لا يأمن أحدنا أن يذهب لغائط، ما يعدنا إلا غروراً.
وقال آخرون منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال آخرون: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة ليذكرهم حلفهم ويناشدهم، فسبوا الرسل وعندوا عن الحق وأبو إلا نقض العهد والخلاف عليه فشقَّ ذلك على النبي عليه السلام والمسلمين، فلما اشتدّ الأمر على المسلمين قال النبي عليه السلام: " اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ عَهْدكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَاء لاَ تُعْبَد ".
وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي، من المشركين على فرس له ليقحمه على الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله وَكَبتَ به المشركين، وعظم في صدورهم، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يعطوه الدية على أن يدفعه إليهم ليدفنوه فأبى أن يأخذ منهم شيئاً، ولم يمنعهم من دفنه.
ورمي يومئذ سعد بن معاذ رمية فطعت الأَكْحَلَ من عضده، فقال: اللهم اشْفِنِي من بني قريظة قبل الممات، فرقاً الدم بعدما انفجر.
وكان هو الذي وجهه النبي عليه السلام إلى بني قريظة يذكرهم العهد ويناشدهم الله فيما عقدوا مع النبي، فسبوه وأبلغوا فيه، فرجع إلى النبي مغضباً عليهم، فلما فرج الله تعالى عن المسلمين وتفرقت الأحزاب عنهم، أمر الله نبيه بقتال بني
قريظة، فخرج النبي عليه السلام إليهم فقاتلم، فتحصنوا في حصونهمه، فحاصرهم بضع عشر ليلة فعظم عليهم البلاء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم رجلاً، وأن يختاروا من شاؤوا من أصحابه، فاختاروا سعداً فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بأن يقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: " حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ ". فقتل رسول الله مقاتلهم - وكانوا ست مائة مقاتل -، وسبى ذراريهم، ثم أعقب الدم على سعد فلم يَرْقأ حتى مات رضي الله عنهـ، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام حَيْثُ قُبِضَ سَعْدٌ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِراً بِعِمَامَةٍ مِنِ اسْتَبْرَقٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدَ مَنْ هَذَا الحَبِيبُ الِّي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ السَّمَاءِ واهْتَزَّ العَرْشُ، فَقَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَرِيعاً يَجُرُّ ثَوْبَهُ إِلى سَعْدِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، وقَالَ حَمَلَةُ نَعْشِ سَعْدٍ: إِنْ كَانَ لَبَادِناً وَمَا حُمِلَتْ جَنَازَةٌ أَخَفَّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرُكُمْ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ اسْتَبْشَرَتِ المَلاَئِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ ".
ابن القاسم عن مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل الموت سعد سبعون ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبلها.
ثم قسم رسول الله أموالهم بين من حفر من المسلمين المهاجرين خاصة، وكان جميع الخيل التي مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة وثلاثين فرساً، فقسم لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له النبي عليه السلام/: " هَلْ أَخْزَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، وَمَا لمتُ نَفْسِي فِي جِهَادِكَ والشِّدَّةِ عَلَيْكَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، كُلُّ ذَلِكَ بَعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كاتبهم، وذلك أنه دس على الأحزاب من قال لهم: إن بني قريظة أرسلوا إلى النبي يدعونه إلى الصلح على أن يرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم ويدفعون إليه الرهن الذي عندهم من رجال قريش، وذلك أن بني النضير قالت لقريش: لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين رجلاً منكم رهناً عندنا، فلما بلغ ذللاك قريشاَ عظم عليهم الأمر ووجهونما إلى بني النضير أن يقاتلوا معهم، فقالت بنو النضير: وجهوا إليها الرهن، ونقاتل، فتحقق الأمر عند قريش، فعملوا على الانصراف [عن] النبي عليه السلام مع ما حلَّ بهم من الريح، وما دخل قلوبهم من الرعب، فكان ذلك كله من
سبب تفرقهم عن النبي لطفاً من الله بالمؤمنين.
وروي أن الرجل الذي مضى بذلك إلى قريش هو نعيم بن مسعود، فلما قضى الله قضاءه في بني قريظة وصرف المشركين عن النبي نزل القرآن يعرف الله المؤمنين نعمته التي أنعم عليهم من الريح والجنود التي أرسل على عدوهم.
وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ هو ما كان المنافقون يخوضون فيه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غروراً، وقولهم: لا مقام لكم، فأمر بعضهم بعضاً بالانصراف عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الله تعالى المسلمين وصبرهم على البلاء، وأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولم يبدلوا ديناً ولا نية على ما كانوا عليه.
وروي أن قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ﴾، نزلت في قوم من المؤمنين تخلَّفوا عن بدر لعذر منعهم، فعاهدوا الله لئن جاءهم مثل يوم بدر ليرين مكانهم، فلما كان يوم أحد قاتل بعضهم حتى مات، ووفى بعهده، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ﴾، وبقي بعضهم سالماً، وهو قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾، ثم أخبر عنهم أنهم ما بدلوا، يعني:
عهدهم بم ينقصوه.
ثم ذكر أنه تعالى رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً، وأنه كفى الله المؤمنين قتالهم، ثم ذكر بني قريظة ونصره للمؤمنين عليهم، فقال: ﴿وَأَنزَلَ الذين ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ أي: عاونوا قريشاً ومشركي العرب على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، واصحابه.
﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ أي: من حصونهم، يعني بني قريظة، وأنه قذف في قلوبهم الرعب.
﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ أي تقتلون المقاتلة، وتسبون النساء والأطفال، وأنه أورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم وأنزل الله في ذلك تسعاً وعشرين آية أولها: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾.
ومعنى: ﴿زَاغَتِ الأبصار﴾: شخصت من الخوف.
والبصر الناظر، وجملة العين المقلة وهي شحمة العين: البياض والسواد، وفي المقلة الحدقة، وهي السواد الذي في وسط المقلة، وفي الحدقة الناظر، وهو موضع البصر يسمى الإنسان، والعين كالمرآة يرى فيها الوجه وفيها الناظر، وهما عرقان على حرف الأنف يسيلان من المؤقين إلى الوجه، وفيها أشياء كثيرة قد ذكرت في خلق الإنسان.
وقوله: ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ أي نَبَتْ عن أماكنها من الرعب.
قال قتادة: لولا أن الحلقوم ضاقت عنها لخرجت.
والمعنى كادت تبلغ الحناجر.
وقيل: المعنى بلغ وجفهَا من شدة الفزع الحلوق، فهي بالغة الحلوق بالوجيف.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ أي: ظننتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلب.
هذا خطاب للمنافقين، ظنوا ظنوناً كاذبة فأخلف الله ظنهم بنصره للمؤمنين.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾.
هنالك ظرف زمان، والعامل فيه " ابتلي ".
والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا.
وقيل: إن العامل فيه " ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ " أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك/، والابتداء به على هذا التقدير.
ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد.
﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾.
يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يا أهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية من يثرب.
ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب.
قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق.
قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق.
ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب.
يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره.
وقرأ يحيى بن
يعمر وأبو رجاء " عَوِرَةٌ " بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة.
وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو.
ويجوز أن تكون عورة مسكنة من " عَوِرَة ".
ويجوز أن تكون مصدراً.
ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة لآتَوْهَا﴾.
[أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة.
﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً.
وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ﴾ أي بالمدينة.
قاله القتبي.
وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم.
﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذاك من أعطاه إياه من نفسه.
وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: 122]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به.
قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة.
ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم.
﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله.
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم.
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ اي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب.
وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ.
ثم قال: ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك.
﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن/ أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين.
قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لأخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك.
وقال ابن زيد: نزلت في آخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلهما محمداً أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت: ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.
قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة.
وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لأخوانهم أشحة.
وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء.
وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة.
وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة.
ومن جعل العامل في أشحة " المُعَوِّقِينَ " أو " القائلين " فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول.
قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة.
وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير.
وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم.
والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة.
وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال.
﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة.
يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ.
والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة.
ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الخير﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون.
وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان.
قاله ابن عباس
ويزيد بن رومان.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبا وأبطلها.
ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً.
وتقف على " ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ " إذا نصبت " أشحة " على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير.
قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعراب﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم.
وقرأ طلحة: " لَو أَنَّهُمْ بُدًّى " فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً.
ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه.
ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ الله﴾ / أي: ثواب الله في الآخرة.
﴿واليوم الآخر﴾ أي: ويرجوا عاقبة اليوم الآخر.
﴿وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾.
أي: ولما عاين المؤمنون جماعة من الكفار، وقالوا تسليماً منهم لأمر الله وتصديقاً بكتابه: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ يعنون قوله تعالى ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: 214].
ثم قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ أي: ما زادتهم الرؤية لذلك إلا إيماناً بالله وتسليماً لأمره، وإنما ذكِرَ " زادهم " لأن تأنيث الرؤية غير حقيقي.
ودل " رأي " على الرؤية، هذا قول الفراء وعلي بن سليمان.
وقال غيرهم: التقدير: وما زادهم اجتماع المشركين عليهم إلا إيماناً، هذا كله مأخوذ من قول ابن عباس وقتادة وغيرهما.
قال الحسن: معناه ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب وتسليماً إلى القضاء.
ثم قال تعالى: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي: أوفوا بالصبر على البأساء والضراء إذ قد عاهدوا الله أن يصبروا إذا امتحنوا.
ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ﴾ أي: فرغ من العمل الذي قدره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بَدْر وبعض يوم أُحُد وبعض في غير ذلك من المواطن.
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ قضاءه والفرغ منه على الوفاء لله بعهده.
وأصل النحب في كلام العرب النذر، ثم يستعمل في الموت والخطر العظيم، وقيل: النحب: العهد.
قال الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ﴾ موته على الصدق.
وقال قتادة: على الصدق والوفاء.
قال ابن عباس: نحبه هو الموت على ما عاهد الله، ومنهم من ينتظر الموت على
ما عاهد الله عليه.
ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدو بدراً، فعاهدوا الله إن لقوا قتالاً للمشركين مع رسول الله أن يبلوا من أنفسهم، فشهدوا ذلك مع رسول الله، فمنهم من وفى فقضى نحبه، ومنهم من بدّل وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: 15] الآية، ومنهم من وفى ولم يقض نحبه فهو منتظر للموت.
قال أنس: تغيَّب أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: تغيَّبت عن أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن رأيت قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وهزم الناس لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجد ريح الجنة فتقدم فقَاتَل حتى قُتِلَ، فنزلت هذه الآية: ﴿مِّنَ المؤمنين﴾، وقال أنس: فوجدناه بين القتلى به بعضاً وثمانين جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته.