الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
شئت، وأرسلنا لوطاً: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ يعني نكاح الرجال في أدبارهم.
﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي تبصرون أنها فاحشة، إذ قد علمتم أنه لم يسبقكم إلى من تفعلون أحد.
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾، أي في أدبارهم شهوة منكم لذلك، من دون فروج النساء التي أباح الله لكم بالنكاج ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أي تجهلون حق الله عليكم فخالفتم أمره.
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾، أي فلم يكن جواب قوم لوط له لما نهاهم عن نكاح الرجال، إلا قول بعضهم لبعض: ﴿أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، عما نفعله نحن من إتيان الذكران.
قال ابن عباس: أي يتطهرون من إتيان النساء والرجال في أدبارهم.
وقاله مجاهد.
قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَاهَا﴾، يعني أنجاهم من العذاب.
﴿إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَاهَا﴾، أي جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الغابرين﴾، أي من الباقين في العذاب.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً﴾، أي حجارة من السماء، أي
أمطرنا الحجارة على من لم يكن حاضراً في المدائن المنقلبة على من فيها منهم.
﴿فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ أي فساء المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه.
قال: ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى﴾ أي قل يا محمد الحمد لله.
وقال الفراء معناه: قل يا لوط الحمد لله على هلاكهم.
﴿وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى﴾ والقول الأول أحسن لأن القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم نزل، فهو المخاطب والمعنى: قل يا محمد لله على نعمه وتوفيقه لكم.
﴿وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ﴾، أي وأمنه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط، وصالح، على عباده الذين اجتباهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فجعلهم له أصحاباً ووزراء على الذين الذي بثه بالدعاء إليه.
قال ابن عباس: ﴿على عِبَادِهِ الذين اصطفى﴾، أصحاب محمد عليه السلام وقاله الثوري.
ثم قال: ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أجاز أبو حاتم تحقيق الهمزتين في " ءالله " ولم يوافقه على ذلك أحد، والمعنى: أثواب الله خير أم ثواب ما تشركون؟
وقيل: " خير " هنا ليست أفعل.
والمعنى: الله ذو خير ما تشركون؟ وقيل: إنما أتى هذا لأنهم كانوا يعتقدون، ويظنون أن في عبادة الأصنام خيراً، وفي عبادة غيرها شراً، فخوطبوا على ما كانوا يظنون، ويعتقدون، لا على غير ذلك.
وقيل: المعنى الخير في هذا الذي تشركونه به في العبادة.
وحكى سيبويه: الشقاء أحب / إليك أم السعادة؟ وهو يعلم أن السعادة أحب إليه.
وقيل: لفظ الاستفهام في هذا مجاز، ومعناه التبيين لهم أن الله خير لهم مما يشركون به من الأصنام، وهذا النص يدل على أن الدعاوى في الديانات لا تصح إلا ببرهان وحجة تدل على صحة ذلك، ولو كان الأمر على غير ذلك لم يطلب
من هؤلاء برهان وحجة على ما يدعون.
والمعنى: عند الطبري: قل يا محمد للمشركين، الله الذي أنعم على أوليائه بالنعم التي قصها عليكم: ﴿خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من أوثانكم التي لا تنفعكم، ولا تضركم، ولا تدفع عن أنفسها، ولا عن أوليائها شراً، ولا تجلب نفعاً.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السمآء مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، أي أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض فهو مردود على ما قبله على المعنى الذي تقدم ذكره.
وفيه معنى التوبيخ، والتقريع لهم، وفيه أيضاً معنى التنبيه على قدرة الله، وعجز آلهتهم، وكذلك معنى ما بعده في قوله " أمن "، " أمن " هو كله مردود على الله ﴿خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59]، وفيه من المعاني ما ذكرنا من التوبيخ، والتقريع، والتنبيه فافهمه كله.
والحدائق: جمع حديقة وهي البستان عليه حائط محوط، فإذا لم يكن عليه حائط فليس بحديقة.
وقال قتادة: هي النخل الحسان.
قال عكرمة: الحدائق: النخل، والبهجة: الزينة والحسن.
ثم قال: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾، أي لم تكونوا قادرين على إنبات شجرها، لولا ما أنزل الله من الماء ﴿أإله مَّعَ الله﴾، أي أمعبود مع الله خلق ذلك؟ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي يعدلون عن الحق ويجورون على عمد منهم لذلك، ويجوز أن يكون المعنى: بل هو قوم يعدلون بالله الأوثان.
قال: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾، أي أعبادة ما تشركون خير أم عبادة من جعل الأرض قراراً أي تستقرون عليها لا تميد بكم.
﴿وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾، أي وجعل بين أبنيتها أنهاراً.
﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾، وهي الجبال.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً﴾ أي بين الملح والحلو، لئلا يفسد أحدهما صاحبه.
﴿أإله مَّعَ الله﴾، أي أمعبود يعبد مع الله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي
لا يعلمون قدر عظمة الله جل ذكره، وما عليهم من الضرر في إشراكهم مع الله غيره.
قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السوء﴾، أي أعبادة ما تشركون خير أم عبادة من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء النازل به.
قال ابن جريج: السوء: الضر
ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض﴾، أي سيتخلفكم بعد أمواتكم في الأرض ﴿أإله مَّعَ الله﴾، أي أمعبود مع الله ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾، أي قليلاً ما تذكرون عظمة الله، وقبيح ما تفعلون.
قال تعالى: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر﴾، أي أعبادة أوثانكم خير، أم عبادة من يهديكم في ظلمات البر والبحر، إذا ضللتم فيهما الطريق، وخفيت عليكم السبيل فيهما.
﴿وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرَاً﴾ أي يرسلها حياة للأرض ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي قدام الغيث الذي يحيي الأرض.
ثم قال: ﴿أإله مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي أمعبود مع الله، تعالى الله عن شرككم به.
قال تعالى: ﴿أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ﴾، أي أعبادة أوثانكم خير أم عبادة من يبدأ الخلق من غير أصل، ثم يفنيه، ثم يعيده إذا شاء كهيئته ﴿وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾، أي بالبعث والنبات.
﴿أإله مَّعَ الله قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي إن زعمتم أن مع الله إلها غيره يفعل ذلك، فقل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم على ذلك، ودليلكم عليه إن كنتم صادقين في دعواكم.
وقد وقعت أمن في السواد موصولة، وكان حقها أن تكون مفصولة، ولكن كتبت على لفظ الإدغام.
قوله تعالى ذكره: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله﴾،
أي قل يا محمد لمن سألك عن الساعة متى هي: لا يعلم غيبها إلا الله.
وعن عائشة أنها قالت: " من زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم الله
الفرية، والله يقول: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ ويقول:
﴿عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾.
ثم قال: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ / أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، أي لا يدري أحد متى يبعث لقيام الساعة.
قال تعالى: ﴿بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة﴾، أي بل تكامل علمهم في الآخرة، أي يتكامل ذلك يوم القيامة، والماضي بمعنى المستقبل، فالمعنى: أنهم يتكامل علمهم بصحة الآخرة، إذا بعثوا وعاينوا الحقائق.
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ يعني في الدنيا لأنهم إذا بعثوا وعاينوا الحقائق يوم القيامة، رأوا كل ما وعدوا به معاينة.
وقيل المعنى: يتابع علمهم اليوم بعلم الآخرة.
وفي: بمعنى الباء، ومن قرأه: إدرك على وزن إفعل: فمعناه: كمل في الآخرة كالأولى.
وقيل: معناه: الإنكار، فدل ذلك قوله: ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾، وقيل: المعنى بل إدارك علمهم بالآخرة فأيقنوا بها، وعلموها حين لم ينفعهم يقينهم بها، إذ كانوا بها في الدنيا مكذبين.
وقاله ابن عباس وهو اختيار الطبري.
في معنى هذه القراءة.
وعن ابن عباس: ﴿بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة﴾ أي غاب علمهم، وقال ابن زيد: ضل علمهم في الآخرة.
أي بالآخرة: فليس لهم فيها علم هم منها عمون.
وقال قتادة: ﴿بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ﴾ أي لم يبلغ لهم فيها علم، وقال مجاهد: ﴿بَلِ ادارك﴾ معناه: إم إدارك.
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا﴾، أي هؤلاء المشركون في شك من الآخرة لا يوقنون بها.
﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾، أي بل هم من العلم بقيامها عمون.
وعن ابن عباس: أنه قرأ " بل أدارك " بلفظ الاستفهام وبلى بالألف، وفيها بعد عند النحويين، لأن بلى إيجاب، والاستفهام في هذا الموضوع إنكار.
وقرأ ابن محيصن: بل بغير ألف أدارك بالاستفهام، وفيها أيضاً بعد.
ومعنى الاستفهام هما: التوقيف، وتقديرها: أدرك علمهم في الدنيا حقيقة الآخرة لم يدرك.
وفي حرف أبي: " بل تدارك " أتى به على الأصل ولم يدغم التاء في الدال.
قال: ﴿وَقَالَ الذين كفروا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾، أي قال
الكافرون بالله المنكرون للبعث: أإنا لمخرجون من قبورنا أحياء، لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل محمد، فلم نر لذلك حقيقة.
﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي ما هذا الوعد إلا ما سطره الأولون من الأحاديث في كتبهم، والعامل في إذ فعل مضمر، والتقدير: أنبعث إذا كنا تراباً.
قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من أخبار الأمم قبلهم: سيروا في الأرض فانظروا آثار من كان قبلكم من المكذبين رسل الله مثل ما كذبتم أنتم، واعتبروا بهلاكهم، وقطع آثارهم، واحذروا أن يحل عليكم بتكذيبكم إياي مثل ما حل عليهم.
قال: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أي لا تحزن يا محمد على إعراض هؤلاء المشركين عنك وكفرهم بما جئتهم به ﴿وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾، أي لا يضيق صدرك يا محمد عن مكرهم بك، فإن الله ناصرك عليهم، ومهلكهم قتلاً بالسيف.
ثم قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي يقول مشركو
قومك يا محمد: متى يأتي هذا الوعد الذي تعدنا به من العذاب الذي يحل بنا على ما تقول؟ ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، في ما تعدنا به.
قال: ﴿قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي قل يا محمد لهم: عسى أن يكون اقترب لكم ودنا بعض الذي تستعجلون من عذاب الله.
وقال ابن عباس: ردف لكم: اقترب لكم.
وقال مجاهد: أعجلكم.
وعنه أيضاً: أزف لكم، وهو قوله الضحاك.
وقال أبو عبيدة: جاء بعدكم، وهو من ردفه: إذا جاء في إثره.
وقيل: تقدير الآية: قل يا محمد: عسى أن يكون بعض الذين تستعجلون ردف لكم لأنه ليس من الجائز أن يلي فعل فعلاً.
وقيل: إن بعد يكون إضمار القصة، أو الحديث وشبهه.
و " بعض " مرفوع بردف، ودخلت اللام في ردف لكم حملاً على المعنى لأن معناه: اقترب لكم ودنا لكم.
وقيل: هي زائدة.
والمعنى: ردفكم.
وقيل: هي متعلقة بمصدر ردف.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾.
أي لذو فضل عليهم بتركه معاجلتهم بالعقوبة على / معصيتهم، وكفرهم به.
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾، أي لا يشكرون نعمه عندهم، بل كثير منهم يشركون معه في العبادة ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ولا فضل له عندهم ولا إحسان.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، أي ما يضمرون فيها، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
أي وما يظهرون، فهو يعلم الخفي والظاهر.
أي وما من مكتوم وخفي أمر في السماء والأرض ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ يعني في أم الكتاب الذي أثبت ربنا فيه كل ما هو كائن من لدن ابتداء الخلق إلى يوم القيامة.
قال ابن عباس: معناه: ما من شيء في السماء والأرض سراً وعلانية إلا يعلمه.
أي يخبرهم بالحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها، وفي غير ذلك، كاختلافهم في عيسى ونحوه.
أي وإن القرآن لبيان من الله ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه.
قال تعالى: ﴿إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ﴾، أي يحكم بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه، فينتقم من المبطل، ويجازي المحسن، وهو العزيز في انتقامه العليم بالمحق منهم والمبطل.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾، أي ثق به في جميع أمورك ﴿إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾، أي الظاهر.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء﴾.
المعنى: إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته، ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله سمعه ﴿إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ أي إذا هم أدبروا معرضين عنه، فأما قراءة ابن كثير " ولا يسمع " بالياء " الصم " بالرفع، فمعناها: ليس يسمع الصم الدعاء في حال إعراضهم، وتوليتهم عنه.
قال: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ﴾، أي وما أنت يا محمد بهادي من أعماه الله جل ذكره عن الهدى فجعل على بصره غشاوة ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، أي ما يقدر أن يفهم الحق أحد إلا من يصدق بآياتنا ﴿فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾، أي إذا وجب على المختلفين من بني إسرائيل والمشركين من العرب وغيرهم، غضب من الله جل ذكره، إذا لم يكن في علم الله منهم راجع عن كفره، ولا تائب من ضلاله
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ﴾.
أي تخبرهم وتحدثهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وعاصم الجحدري وطلحة: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بفتح التاء وتسكين الكاف من كلمه إذا جرحه أي تسمهم.
قال مجاهد: وقع القول: حق القول.
وقال قتادة: وجب القول.
وقال ابن جريج: القول: العذاب.
وقال قتادة: القول: الغضب.
وخروج الدابة في قول جماعة من العلماء، إنما يكون حين لا يأمر الناس بمعروف، ولا ينهون عن منكر.
قال ابن عمر وغيره: وخروجها والله أعلم بعد خروج الدجال، لأن الدجال يخرج فيفتتن الناس به إلا من شاء الله، ثم يقتله عيسى ابن مريم، وتصير الأديان ديناً واحداً وهو الإسلام، ثم تحدث الحوادث، وتتغير الأمور بعد موت عيسى عليه السلام، فتخرج الدابة فتسم الكافر بسواد في وجهه، والمؤمن ببياض في وجهه.
وقد قال الضحاك - في صفة الدجال: إنه وافر الشارب، لا لحية له رأسه كالقلة العظيمة طول وجهه ذراعان، وقامته في السماء ثمانون ذراعاً، وعرض ما بين منكبيه ثلاثون ذراعاً، ثيابه، وخفاه، وسيفه وسرجه، ولجامه: بالذهب والجوهر على رأسه تاج مرصع بالذهب والجوهر، في يده طبرزين هيئته هيئة المجوس، قوسه الفارسية، وكلامه بالفارسية، تطوى له
الأرض ولأصحابه طياً طياً، يطأ مجامعها، ويرد مياهها إلا المساجد الأربعة: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد بين المقدس، ومسجد الطور، فخروج الدابة هو آخر الآيات / وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: 158] وهو خروج الدابة.
وروي أنه ترفع عند ذلك التوبة، وتخبر الكافر أنه كافر، والمؤمن أنه مؤمن.
وروي: أنه يجعل الله لها من الطول ما تشرف به على الناس
لتكلمهم بكلام يفهمونه، ويسمعونه، وتخبرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، وينغلق عند ذلك باب العمل ويجهل فلا ترى عالماً بالدين، ويحصل كل امرئ على ما قدم من خير أو شر.
وهو معنى قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ أي وجب عمله كل امئ لنفسه إن خيراً فخير.
وإن شراً فشر.
قال ابن عمر: تخرج الدابة من صدع في الصفا.
وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تخرج الدابة من أعظم
المساجد حرمة على الله، بينما عيسى بن مريم يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم، تحرك القنديل، وينشف الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو رأسها، ملصقة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب ولا يفوتها هارب، تسم الناس مؤمن وكافر، أما المؤمن فتترك زجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه نكتة بيضاء مؤمن، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نكتة سوداء كافر ". روى أو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتختم أنف الكافر بخاتم، ثم إن أهل الدار يجتمعون فيقولون هنا يا مؤمن ويقول هنا يا كافر ". وقد كثرت في ذلك الأخبار عن حذيفة وابن عمر كلها ترجع إلى معنى هذا الحديث.
ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم: " سأل الله تعالى أن يريه الدابة، فمكث ثلاثة أيام، وثلاث ليال لا يظهر منها إلا رأسها، وعنقها، وظهرها ".
وعن ابن عمر أنه قال: تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب، ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمر بالإنسان يصلي فتقول: ما الصلاة من حاجتك فتخطمه، قال: وتخرج ومعها خاتم سليمان وعصا موسى.
فأما الكافر فتختم بين عينيه بخاتم سليمان فيسود، وأما المؤمن فتمسح وجهه بعصا موسى فيبيض.
قال ابن عباس: هي والله تكلمهم وتكلمهم، تكلم المؤمن وتكلم الكافر.
قال تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾، أي واذكر يا محمد يوم نحشر من كل قرن وملة فوجاً، أي جماعة منهم وزمرة ﴿مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾، أي يجحدها ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم فيجتمع جميعهم ثم يسافرون إلى النار.
قال ابن عباس: يوزعون: يدفعون.
قال مجاهد: يحبس أولهم على آخرهم.
وقال قتادة: لهم وزعة: ترد أولهم على آخرهم.
قال تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي﴾، أي جاء الأفواج واجتمعوا، قال لهم الله جل ذكره: ﴿أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي﴾، أي بحججي وأدلتي ﴿وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً﴾، أي ولم تعرفوها حق معرفتها أماذا ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيها من تصديق أو تكذيب.
وقوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُواْ﴾، معطوف
على ﴿أَكَذَّبْتُم﴾ فيه معنى التوبيخ والتقدير.
على معنى: ﴿وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً﴾ " أي أكذبتم بها وقد أحطتم بها علماً، لأن الألف إذا دخلت على النفي نقلته إلى الإيجاب بمنزلة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 7] أي قد شرحناه لك، ودل على حذف الألف من ولم تحيطوا.
قوله: " أما ذا كنتم ". ولو لم تقدر الألف ويجري على معنى الإيجاب الذي أصله النفي وردته الألف إلى الإيجاب لكان ذلك عذراً لهم إنهم إنما كذبوا لما لم يحيطوا بعلمها، وليس الأمر كذلك بل كذبوا بعد إحاطتهم بعلمها ونزولها، والدعوة إلى الإيمان بها.
وقد قيل إنه لا إضمار ألف في هذا، والمعنى: أنهم كذبوا وهم غير محيطين
بالعلم وبالآيات، ودليله قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: 39] فإذا أجريته على هذا المعنى: كانت " أم " عديلة الألف في " أكذبتم " فإذا أجريته على المعنى الأول كانت " أم " عديلة الألف المحذوفة في " أولو " ودالة عليها، ومعنى الكلام: التقريع، والتوبيخ، والتقدير على ما قدموا، ولفظه لفظ الاستفهام، ومعناه على غير ذلك.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل / لِيَسْكُنُواْ فِيهِ﴾، أي ألم ير هؤلاء المكذبون تصريف الله جل ذكره الليل، والنهار، وجعله الليل يسكنون فيه، أي يهدءون فيه لراحة أبدانهم من تعب التصرف والتقلب نهاراً.
ثم قال ﴿والنهار مُبْصِراً﴾، أي مضيئاً يبصرون الأشياء فيه، ويتقلبون فيه لمعاشهم، فيعلموا أن مصرف ذلك هو الإله الذي لا يعجزه شيء أراده.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي إن في تصرف الليل والنهار لعلامات ظاهرة لقوم يؤمنون بالله وقدرته.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾، أي واذكر يا محمد يوم نفخنا في الصور وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل.
روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هو قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهو الذي ذكر الله في قوله:
﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي ما لها من راحة فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترتج الأرض بأهلها رجاً وهي التي يقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ فتكون الأرض كالسفينة المرنقة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها أو كالقنديل المعلق بالوتر ترجحه الأمواج فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع ويولي الناس مدبرين يوالي بعضهم بعضاً وهو الذي يقول: ﴿يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من
الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك، قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عز وجل إذ يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال: أولئك الشهداء ".
وإنما يصل الفزع إلى الأحياء ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وقاهم الله فزع ذلك اليوم وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، ويجوز أن يكون العامل في " يوم ينطقون ". وقال مقاتل: إلا من شاء الله ": جبريل وإسرافيل، وميكائيل، وملك الموت صلى الله على جميعهم وسلم، ومعنى داخرين: صاغرين.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾، أي وترى يا محمد الجبال يؤمئذ
تحسبها جامدة.
قال ابن عباس: قائمة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾، أي تسير سيراً حثيثاً مثل سير السحاب ﴿صُنْعَ الله﴾ أي صنع الله ذلك صنعاً.
وقيل: المعنى: انظروا ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أي أحكمه وأوثقه.
ومن نصب ﴿صُنْعَ الله﴾ على المصدر لم يقف على السحاب، لأن الجملة دلت على الفعل العامل، ومن نصبه على انظروا نع الله، جاز الوقف على السحاب.
قال تعالى.
﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾، أي من جاء بالحسنة فله من ثواب الله ما هو خير من عمله، وله أفضل من ثواب عمله، لأن الله جل ذكره يعطي من الثواب فضلاً لا يستحقه العبد بعمله، زيادة منه وتفضلاً وإحساناً.
وقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾، أي بالسيئات التي فيها الشرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾، ولم يذكر زيادة لأنه تعالى إنما يعذبهم على قدر كفرهم.
وقيل: من جاء بالتوحيد والإيمان فله عند الله خير من أجل ما جاء به وهو الجنة.
﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾، من نون " فزعاً " فمعناه: أنهم آمنون من كل فزع؛ فزع ذلك اليوم، وفزع ما يخافون العقوبة عليه من أعمالهم السالفة.
ومن لم ينون فمعناه: وهم من فزع ذلك اليوم آمنون.
ثم قال تعالى.
﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾، أي بالشرك / ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾.
قال ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك.
وقال قتادة: الحسنة: الإخلاص، والسيئة: الشرك.
قال عكرمة: كل شيء في القرآن، السيئة: فهو الشرك
قال علي بن الحسين: أنا في بعض خلواتي حتى رفعت صوتي، أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
قال: فرد علي رجل: ما تقول يا عبد الله؟ قال: قلت: أقول ما تسمع،
قال: فها إنها الكلمة التي قال الله تعالى.
﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾.
قال ابن عباس: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾، أي فمنها وصل إليه الخير.
وقال ابن زيد: أعطاه الله بالواحدة: عشراً فهدأ خير منها.
قال: ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة﴾، أي قل ذلك يا محمد.
البلدة: مكة، والذي حرمها نعت للرب: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾، أي أمرني ربي بذلك ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن﴾، أي وأمرني ربي بتلاوة القرآن.
﴿فَمَنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، أي من آمن بي نفع نفسه لدفعه عنها العذاب في الدنيا والآخرة.
﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 108] أي ومن كفر بي وجحد نبوتي، وما جئت
به فإنما يضر نفسه، إذ يوجب لها العذاب والسخط عند الله بكفره وضلاله عن الهدى.
وقوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين﴾، أي إنما أنا ممن ينذر قومه عذاب الله وسخطه، وقد أنذرتكم ذلك.
﴿وَقُلِ الحمد للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، أي وقل يا محمد لهؤلاء القائلين: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين: الحمد لله على نعمه علينا، وفقنا للإيمان، وللإسلام الذي أنتم عنه عمون ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي آيات عذابه فتعرفونها أي يريكم علامات عذابه فتعرفونها، يعني في أنفسكم، وفي السماء، والأرض، والرزق.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، أي وما ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون، ولكن يؤخرهم إلى أجل هم بالغوه.
ومن قرأ بالتاء فجعل المخاطبة للمشركين.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية قوله تعالى ذكره: (طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) [1]، إلى قوله: (كَانُوا خَاطِئِينَ) [7]. قد تقدم تفسير " طسم "، والمعنى هذه آيات الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد المبين: أنه من عند الله، لم تتقوله ولا تخرصته، وفي هذا إشارة إلى أن الله قد أعلم من قبل محمد من النبيين أنه سينزل على نبي كتاباً مبيناً، فذلك معنى الإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾، أي هذه الآيات التي وعد الله أن ينزلها وكذلك ما شابهه مثله.
وقال قتادة: المعنى: المبين بركته ورشده وهداه.
وقيل: المعنى: المبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد عليه السلام.
يقال: أبان الشيء وبان.
قال تعالى: ﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ﴾.
أي نقرأ عليك يا محمد رسولنا، ونقص عليك من خبر موسى وفرعون ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي لقوم يصدقون بهذا الكتاب، فيزدادون عند سماع ما لم يكونوا يعلمون تصديقاً وإيماناًَ ويعلمون أن من عاداك مصيره كمصير من عادى موسى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض﴾، أي تجبر وتكبر، لم يرد علو مكان، وعلى ذلك ما وصف الله بالعلو، ليس هو علو مكان ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾، أي فرقاً
يذبح طائفة، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾، أي ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق القتل، واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره بغير حق.
قال السدي: رأى فرعون في / منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه، يعنون بيت المقدس رجل يكون على وجهه ذهاب مملكتك، وكان بنو إسرائيل لا يولد لهم غلام إلا ذبحه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت.
وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعل بنو إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلهم غلمانهم، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾
وواحد الشيع: شيعة، وهي الفرقة التي يشيع بعضها بعضاً أي يعاونه.
قال أبو إسحاق: إنما فعل ذلك لأن بعض الكهنة قال له: إن مولوداً يولد مع ذلك الحين يكون سبب زوال ملكه.
فالعجب من حمق فرعون إن كان الكاهن عنده صادقاً فما يغني القتل، وإن كان كاذباً فما يصنع بالقتل.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض﴾، يعني نبي إسرائيل الذين استضعفهم فرعون، فكان يذبح أبناءهم ويستحس نساءهم، وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً، بالسبط الذي كان منهم موسى الذي كان فرعون يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
وهم سبط النبوة، وكان فرعون جعل على نساء ذلك السبط حفظة من النساء، فإذا حملت المرأة دونها عنده في الدواوين فإن وضعت ذكراً ذبحه، وإن وضعت أنثى تركها، وكان الكهان يأتون فرعون كل يوم فيخبرونه بما يرون في كهانتهم.
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي ولاة وملوكاً.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين﴾، قال قتادة: يرثون الأرض من بعد فرعون وقومه.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض﴾، أي نوطئ لهم في أرض الشام ومصر.
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ﴾، أي: نريهم زوال ملكهم على يد الرجل الذي قد حذروا أمره، وقتلوا الولدان من جهته، وهو موسى صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن وهب عن رجاله: أن فرعون ولي بني إسرائيل أربعمائة عام وأربعين عاماً، فأضعف الله ذلك لبني إسرائيل، فولاهم على آل فرعون بعده ثمانمائة عام وثمانين عاما.
قال: وإن كان الرجل ليعمر ألف سنة في القرون الأولى، وما يحتلم حتى يبلغ عشرين ومائة سنة.
وروى ابن زيد عن أبيه، قال: كان في الزمان الأول يمر بالرجل أربعمائة سنة قبل أن يرى فيها جنازة.
فقوله: ﴿أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا﴾ إلى قوله: ﴿الوارثين﴾ هو قوله: ﴿مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾، فهذا هو الذي كان فرعون يحذر، كان يحذر أن يمن الله على الذين استضعفوا في الأرض عند فرعون، وأن يجعلهم أئمة، وأن يجعلهم الوارثين لأرض فرعون وملكه.
قال تعالى ذكره: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، أي وقذفنا في قلب أم موسى، إذ ولدته أن ترضعه، وقيل: هي رؤيا رأتها.
قال السدي: أمر فرعون أن يذبح الأولاد من بني إسرائيل سنة ويتركوا سنة فعلت بموسى في السنة التي يذبحون فيها الأولاد، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه فأوحى الله إليها أن أرضعيه.
الآية.
قال ابن جريج: أمرت أن ترضعه ما أمنت عليه، فإذا خافت عليه ألقته في البحر.
فلما بلغ أربعة أشهر وصاح، وابتغى من الرضاع أكثره، ألقته حينئذ في
اليم إذ خافت عليه.
وقال السدي: وضعته وأرضعته ثم دعت له نجاراً فعمل له تابوتاً، وجعلت مفتاح الثابوت من داخل، وجعلته فيه وألقته في اليم وهو النيل.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَخَافِي﴾، أي لا تخافي على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه ﴿وَلاَ تحزني﴾ لفراقه.
قال ابن زيد: لا تخافي البحر عليه، ولا تحزني لفراقه.
﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾، للرضاع فترضعيه أنت ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ أي باعثوه رسولاً إلى هذه الطاغية.
قال تعالى: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾، يعني التقطه من النيل جواري امرأة فرعون آسية.
خرجن يغتسلن فوجدن التابوت، فأدخلنه إلى آسية، فوقعت عليه رحمتها وحنينها، فلما أخبرت به فرعون، أراد أن يذبحه، فلم تزل تكلمه حتى تركه لها.
وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل /، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا، ولذلك قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾.
وقال محمد بن قيس: كانت ابنة فرعون برصاء، فجاءت إلى النيل فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج، فأخذته ابنة فرعون، فلما فتحت التابوت، فإذا هي بصبي، فلما نظرت إلى وجهه برأت من البرص، فجاءت إلى أمها، وقالت: إن هذا الصبي مبارك، لما نظرت إليه برأت.
فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل، هلم حتى أقتله فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾.
وقال ابن إسحاق: وأجمع فرعون في مجلس له على شفير النيل، كان يجلسه على كل غداة فبينما هو جالس إذ مر النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه.
فقال: إن هذا الشيء في البحر، فأتوني به، فخرج إليه أعوانه، حتى جاءوا به، ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته وعطف عليه نفسه.
قالت امرأته آسية: ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾.
وحكى الكسائي: في تصغير آل: أويل والأكثر على رده إلى الأصل، فيقولون: أهيل وإذا أضيف إلى اسم صحيح ليس بموضوع لمعرفة ردوه إلى الأصل.
فقالوا: هم أهل الرجل، وأهل المرأة.
وكذلك إن أضافوا إلى مضمر أو إلى بلد.
قالوا: هم أهلك، وأهل الكوفة، وقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾.
اللام لام كي، والمعنى أنه لما كان في علم الله أن يكون لهم عدواً وحزناً، صاروا كأنهم إنما التقطوه لكي يصير لهم عدواً وحزناً، فصاروا كأنهم التقطوه لذلك، وإن لم يقصدوا ذلك إنما آل أمرهم إلى أن كان لهم عدواً وحزناً، صاروا كأنهم التقطوه لذلك، ومثله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: 20].
لم يعرف إبليس أنهما إذا أكلا بدت لهما سوآتهما، ولا قصد لذلك إنما قصد ليوقعهما في الخطيئة، فبدت لهما سوآتهما عند مواقعة الخطيئة فصار كأنه فعل ذلك ليبدي لهما سوآتهما وإن